عمدة الدين عندنا كلمات ... مسندات من قول خير البرية
اترك الشبهات وازهد ودع ... ما ليس يعنيك واعملن بنيه
والإشارة بقوله "ازهد" إلى الحديث المذكور قريبا. وكذلك قوله "ودع ما ليس يعنيك". أراد به الحديث المشهور بلفظ: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (١)، وأشار بقوله: "واعملن بنية" إلى حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٢). والمشهور عن أبي داود أنه عد حديث "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه" (٣) مكان حديث "ازهد" المذكور. وعد حديث الشبهات بعضهم ثالث ثلاثة وحذف الثاني.
وأشار ابن العربي إلى أنه يمكن أن ينتزع من الحديث الذي نحن بصدد الكلام عليه جميع الأحكام. قال القرطبي (٤) لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يمكن أن ترد جميع الأحكام إليه.
فعرفت بما أسلفنا أن الورع الذي يعد الوقوف عنده زهدا واتقاء للشبهة ليس هو ترك جميع المباحات، لأنها من الحلال المطلق، بل ترك ما كان منها مدخلا للحرام،
стр. 1717
ومدرجا للآثام كالصور التي قدمناها، وما يشابهها، لا ما كان، ليس كذلك فلا وجه لجعله شبهة، وأما المكروه فجميعه شبهة، لأنه لم يأت عن الشارع أنه الحلال البين، ولا أنه الحرام البين بل هو واسطة بينهما وهو أحق شيء بإجراء اسم الشبهات عليه. والمجتهد يعرفه بالأدلة كالنهي الذي ورد ما يصرفه عن معناه الحقيقي إلى معناه المجازي، وكذلك ما تركه ﵌ وأظهر تركه، ولم يبين أنه حلال ولا حرام.
ويدخل تحت هذا [١٤] كثير من الأقسام. ومن جملة ما يصلح لتفسير الشبهات، ما لم يتبين أنه مباح بل حصل الشك فيه، لا لتعارض الأدلة، ولا لاختلاف أقوال العلماء، بل لمجرد التردد، هل سكت عنه ﵌ أو بينه؟.
ومن جملة ما يصلح لتفسير الشبهات، ما ورد في النهي عنه حديث ضعيف (١) لم يبلغ إلى درجة الاعتبار، ولا ظهر فيه الوضع (٢)، وإنما كان من جملة الشبهات، لأن العلة التي
стр. 1718
ضعف بها لا توجب الحكم عليه أنه ليس من الشريعة، فإن العلة إن كانت مثلا ضعف الحفظ، أو الإرسال، أو الإعضال، أو نحو ذلك من العلل الخفية، فضعيف الحفظ لا يمتنع أن يحفظ في بعض الأحوال (١) ...................................
стр. 1719
والمرسل (١) أو المعضل (٢) قد يكون صحيحا. وكذلك ما كان فيه التدليس (٣) ونحوه،
стр. 1720
ومثل ذلك أحاديث أهل البدع، فهذا القسم والذي قبله وإن لم أقف على من يقول أنهما من جملة الشبهات فهما عندي من أعظمها، لأن أقل أحوال الحديث الضعيف لعلة من تلك العلل أن يكون مشكوكا فيه، ومثله الشك في الإباحة.
وقد ثبت في الحديث الذي نحن بصدد الكلام عليه أنه قال ﵌: "ومن اجترأ على ما شك فيه من الإثم، أو شك أن يواقع ما استبان" (١).
فالحاصل أن المشتبهات التي قال فيها ﵌: "والمؤمنون وقافون عند الشبهات" هي أقسام:
الأول: ما تعارضت أدلته ولم يظهر الجمع ولا الترجيح، وهذا بالنسبة إلى المجتهد.
القسم الثاني: ما اختلف فيه العلماء على وجه يوقع الشك في قلب المقلد، لا ما كان قد اتفق عليه جمهور أهل العلم، وشذ فيه المخالف على وجه لا يكون لخلافه تأثير في اعتقاد المقلد، وهذا القسم إنما يكون في المقلد كما سبق.
القسم الثالث: بعض المباح، وهو ما يكون في بعض الأحوال ذريعة إلى الحرام، أو وسيلة إلى [١٥] ترك الواجب، أو مجاوزا لواحد منهما على وجه يكون الإكثار منه مفضيا إلى فعل الحرام، أو ترك الواجب ولو نادرا. وهذا يكون من الشبهات للمقلد والمجتهد، لكن المجتهد يعرف كونه مباحا، ووسيلة إلى فعل محرم أو ترك واجب بالدليل، والمقلد يعرف ذلك بأقوال العلماء.
стр. 1721
القسم الرابع: المكروهات بأسرها؛ فإنها مشتبهات بالنسبة إلى المجتهد، وبالنسبة إلى المقلد بالاعتبارين المذكورين في القسم الثالث.
القسم الخامس: ما حصل الشك في كونه مباحا أم لا.
القسم السادس: ما ورد في النهي عنه حديث ضعيف.
وهذان القسمان كما يكونان شبهة للمجتهد يكونان أيضًا شبهة للمقلد بتنزيل شك إمامه بمنزلة شكه، وبتنزيل الرواية الضعيفة عن إمامه بمنزلة الرواية الضعيفة في الحديث بالنسبة إلى المجتهد. وقد تقدم الوجه لكل واحد من هذه الصور التي فسرنا بها المشتبهات.
ومن جملة ما يكون بمنزلة الحديث الضعيف باعتبار المجتهد القياس (١) إذا كان بمسلك من المسالك التي لم يقل بها إلا بعض أهل العلم، وكثر النزاع فيها تصحيحا، وإبطالا، واستدلالا، وردا، فإنه إذا اقتضى مثل هذا القياس تحريم شيء مثلا، وكان المجتهد مترددا في وجوب العمل بهذا المسلك فلا ريب أن ذلك التحريم الثابت به من جملة الشبهات وكذلك التحليل الثابت به على التفصيل الذي قدمنا، فإذا كان الاحتياط في الترك فهو الورع، وإن كان الاحتياط في الفعل فكذلك. ومثل ذلك الأحكام المستفادة من التلازم، ومن الاستحسان لضعفهما، والأحكام المستفادة من بعض المفاهيم كاللقب، والأحكام المستفادة من تعميم بعض الصيغ التي وقع النزاع في عمومها، كالمصدر المضاف.
وبالجملة، فالعالم المحقق العارف بعلوم [١٦] الاجتهاد لا يخفى عليه الفرق بين الأحكام المأخوذة من المدارك القوية، والأحكام المأخوذة من المدارك الضعيفة، فهذا الذي ذكرناه يلحق بالقسم السادس، فكانت الأمور المشتبهة منحصرة في هذه الأقسام التي ذكرناها، ومن أمعن النظر وجد ما عداه لا يخرج عن كونه إما من الحلال البين، أو الحرام البين، فاحرص على هذا التحقيق؛ فإنه بالقبول حقيق، وما أظنك تجده في غير
стр. 1722
هذا الموضع، واضمم إليه ما قدمنا في الضابط في كيفية الورع، والوقوف عند الشبهة إن كان أحد الدليلين يدل على التحريم أو الكراهة، والآخر على الجواز، إلى آخر ما تقدم هناك فإنك إذا ضممته إلى هذه الأقسام الستة المذكورة هنا، وتذكرت ما سبق من الاستدلال على كل قسم منها أنه من المشتبه لم يبق معك ريب في معرفة الفرق بين الحلال والحرام والمشتبه.
البحث الثالث: من أبحاث الجواب في الكلام على الصور التي ذكرها السائل - دامت فوائده - في سؤاله.
قال - عافاه الله تعالى -: هل المراد بالحلال والحرام والشبه فيما يتعلق بأفعال الآدميين، وسائر ما يباشرونه من المأكولات والمشروبات والمنكوحات، وسائر ما يتعلق به [من] (١) الإنشاءات والمعاملات؟.
أقول: نعم الشبه تكون في جميع هذه الأمور التي ذكرها، وقد تقدم التمثيل للمأكولات والمشروبات بلحم الخيل والضبع، وللمشروبات بالنبيذ والمثلث، ومثاله في المنكوحات للمجتهد إذا تعارض عليه الأدلة في تحريم نكاح الرضيعة التي أخبرت بوقوع الرضاع بينها وبين من أراد نكاحها المرضعة نفسها. فلم يترجح لديه أحد الدليلين، أعني: دليل قبول قولها، ووجوب العمل به لقوله ﵌: "كيف وقد قيل" (٢)، ودليل عدم قبول شهادتها لكونها لتقرير فعلها. وكذلك المقلد إذا اختلف قول من يقلده في العمل بذلك، وعدم العمل به، فلا شك أن الإقدام على النكاح هاهنا
стр. 1723
إقدام على أمر مشتبه، والورع الوقوف عند الشبهات.
ومثاله في الإنشاءات العقود الفاسدة إذا تعارض على المجتهد أدلة جواز الدخول فيها، وأدلة [١٧] عدم الجواز، وكذلك المقلد إذا اختلف قول من يقلده فلا شك أن الدخول في العقود الفاسدة من هذه الحيثية إقدام على أمر مشتبه، والورع الوقوف. وكذلك المعاملات: كالمعاملة ببيع النساء إذا تعارضت الأدلة في جوازه على المجتهد، واختلفت على المقلد أقوال من يقلده، فالأمر كذلك.
قال - عافاه الله -: وما المراد بالاتقاء للشبهة في ذلك؟ وما تمثيله؟ فهل المراد مثلا ما وقع لبعض العلماء أنه وقع نهب أموال في جهة من جهات الإسلام، بالقرب من بلده، فترك جميع المأكولات من اللحم والحب وسائر ما جلب إلى محله، واقتصر على أكل العشب سنة، وقد مقت عليه كثير من علماء عصره؟ ذكره ابن القيم، أو معناه في الكلم الطيب (١) .. انتهى.
أقول: لا شك أن ما كان مظنة للاختلاط بمثل تلك الأموال المنهوبة فاجتنابه الشبه الذي هو شأن أهل الورع، والإقدام عليه من الإقدام على الأمور المشتبهة، ولكن مع تجويز الاختلاط، وليس مثل ذلك من الغلو، ولا مما يكون ممقوتا على فاعله، لكن عدول هذا المتورع إلى أكل العشب لا شك أنه من الغلو (٢) في الدين، .............
стр. 1724
والتضييق على النفس (١)، لأنه إذا كان في مدينة من المدائن، أو قرية من القرى فلا ريب أن الحلال موجود غير معدوم، يمكن استخراجه بإخفاء السؤال والمبالغة في البحث، ولا بد أن يوجد من هو بمحل من العدالة فيكون قوله مقبولا إذا قال ليس هذا الطعام الذي عندي أو الذي عند فلان من المال المنهوب، ثم لو فرضنا أنه لم يبق في ذلك المحل من يعمل بقوله، وكان المال المنهوب قد دخل منه على كل أحد نصيب، فلا يعدم الإنسان في غير ذلك المحل ما يسد به رمقه مما لم يختلط بالطعام المنهوب، كما كان يفعل النووي ﵀ فإنه كان يتقوت مما يرسل به إليه والده من بلاده التي هي وطنه ومنشؤه، نعم إذا لم يكن لهذا المتورع قدرة [١٨] على استخراج ما هو خالص عن شائبة الحرام من أهل بلده، ولا يتمكن من استخراجه من غير بلاده، واختلط المعروف بالإنكار، ولم يبق له إلى الحلال المطلق سبيل، وكان ذلك الاشتباه والاختلاط واقعا في نفس الأمر على مقتضى الشرع، ولم يكن ناشئا عن الوسوسة التي هي من مقدمات الجنون، كما نشاهده في وسوسة من ابتلي بالشك في الطهارة فلا بأس بعدوله إلى أكل العشب، بشرط عدم تجويز الضرر والاقتدار على سد الرمق منه، ولا ريب أن هذا هو ورع الورع، وزهد الزاهد. وأما مع تجويز الضرر أو مع الاقتدار على سد الرمق منه فقد
стр. 1725
أباح له الشرع أن يتناول من المال الحرام البحت ما يسد به رمقه (١)، فكيف بما لم يكن من الحرام البحت، بل كان حلالا مختلطا بالحرام!.
قال - عافاه الله -: ومثلا لو علم أن له في صنعاء محرما، أو رضيعة فنقول: لا يجوز له الإقدام إلى تزوج امرأة على ظاهر الحديث، وإن غلب على الظن كونها غير رحمه. انتهى.
أقول: إذا كانت الرضيعة المذكورة في تلك البلدة بيقين، وكذلك المحرم فإن كان من فيها من النساء منحصرات بحيث يضطرب الظن، ويختلج الشك في كون المرأة التي أراد نكاحها قد تكون هي المحرم أو الرضيعة فالتجنب لنكاح نسوة ذلك المحل ليس من اتقاء الشبهة بل من اتقاء الحرام غير المجوز، فلا يجوز الإقدام، وإن كان من في ذلك المحل من النساء غير منحصرات (٢) بحيث لا يحصل للناكح ظن أن المنكوحة هي المحرم أو الرضيعة
стр. 1726
فالاجتناب للنكاح من ذلك المحل هو الورع، وهو نفس اتقاء الشبهة، لأن الحلال البين هو نكاح من عدا الرضيعة أو المحرم من نساء البلد، والحرام البين هو الرضيعة أو المحرم، فمجموع من في البلد من الرضيعة وغيرها والمحرم وغيرها واسطة [١٩] بين الحلال والحرام، وما كان واسطة فهو المشتبه الذي يقف المؤمنون عنده. فهذا المثال هو من جملتها يصلح للتمثيل به لما نحن بصدده.
قال - عافاه الله -: أو يكون تمثيل اتقاء الشبه بأنه لا يقدم على الفعل المباح أو المندوب خوفا من عدم القيام بالواجب، أو فعل المحظور لو ترك التزوج بزائد على الواحدة خوفا من الميل عن أحد الضرتين، لأنه لا يأمن على نفسه تعدي الحمى الوارد في متن الحديث: "ألا وإن حمى الله محارمه". فنقول على هذا ينبغي عدم التزوج بزيادة على الواحدة، لا سيما مع ورود الدليل القرآني بقوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء﴾ الآية (١) انتهى.
أقول: نكاح ما فوق الواحدة من النساء إلى حد الأربع هو من الحلال البين بنص القرآن الكريم (٢)، وتجويز عدم العدل في الجملة حاصل لكل فرد من أفراد العباد، ولهذا
стр. 1727
يقول الله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء﴾ (١). ولكن المحرم هو أن يميل كل الميل (٢)، وهذا لا يجوزه الإنسان من نفسه قبل الوقوع فيه، لأن أسباب الميل متوقفة على الجمع بين الزوجين فصاعدا، ولو كان مجرد إمكان الميل شبهة من الشبهات التي يتقيها أهل الإيمان لكان نكاح الواحدة أيضًا مما ينبغي اجتنابه لإمكان أن لا يقوم بما يجب لها من حسن العشرة، وكذلك إمكان الافتتان بما يحصل له منها من الأولاد، ولكان أيضًا ملك المال الحلال من هذا القبيل لإمكان أن لا يقوم بما يجب عليه فيه من الزكاة ونحوها، ونحو ذلك من الصور التي لا خلاف في كونها من الحلال الذي لا شبهة فيه.
نعم إذا كان الرجل مثلا قد جمع بين الضرائر، وعرف من نفسه أنه يميل كل الميل (٣)، ثم فارقهن جميعا أو بقيت واحدة تحته، ثم أراد بعد ذلك أن يجمع بين اثنتين
стр. 1728
فصاعدا فلا ريب أن ذلك من المباح أو المندوب، الذي يكون ذريعة إلى الحرام، فهو مندرج تحت القسم الثالث من الأقسام الستة التي أسلفنا ذكرها. وهذا على فرض أن الواحدة تعفه وتحصن [٢٠] فرجه، فإن كان لا يعفه إلا أكثر من واحدة مع تجويزه للميل الذي قد عرفه من نفسه فعليه أن يفعل ما هو أقل مفسدة لديه في غالب ظنه باعتبار الشرع. وبعد هذا فلا أحب لمن كان لا يحتاج إلى زيادة على الواحدة أن يضم إليها أخرى، إلا إذا كان واثقا من نفسه بعدم الميل، وعدم الاشتغال عما هو أولى به من أفعال الخير، وعدم طموح نفسه إلى التكثر من الاكتساب، واستغراق الأوقات فيه، أو الاحتياج إلى الناس، فلا ريب أن اتساع دائرة الأهل والولد وكثرة العائلة من أعظم أسباب إجهاد النفس في طلب الدنيا، والاحتياج إلى ما في يد أهلها، ولا سيما في هذه الأزمنة التي هي مقدمات القيامة، بل قد ثبت في الأحاديث (١) الصحيحة ما يفيد أولوية
стр. 1729
التعزب والاعتزال في آخر الزمان. وقد جمع السيد الإمام محمد بن إبراهيم الوزير في ذلك مصنفا (١) نفيسا وذكر فيه نحو خمسين دليلا، ولا بد من تقييد هذه الأولوية بالأمن من الفتنة (٢) التي هي أشد من فتنة التعزب كالوقوع في الحرام.
قال - عافاه الله تعالى -: أو يكون اتقاء الشبه عاما في الأفعال والاعتقادات والعبادات لعدم تفسير المتشابه مثلا ورده إلى المحكم خوفا من الدخول في شبه من فسر القرآن برأيه الوارد النهي عنه (٣)، والتوقف عن الخوض في الصفات ونحوها مما يتعلق بأفعال المكلفين من القدر والإرادات والحكم فيها، هل هي مخلوقة للخالق أو محدثة من المخلوق؟ وغيرها من سائر ما ذكره المتكلمون من أهل هذه المقالات؟ انتهى.
أقول: اتقاء الشبه هو عام في جميع ما ذكره، أو في الأفعال والعبادات فظاهر، وقد سبق مثاله. وأما في الاعتقادات فكذلك؛ فإن الأدلة إذا تعارضت على المجتهد في شيء من مسائل الاعتقاد ولم يترجح له أحد الطرفين، ولا أمكنه الجمع، كان الاعتقاد شبهة، والمؤمنون وقافون عند الشبهات. ومن هذا القبيل المسائل المدونة في علم الكلام المسمى بأصول الدين؛ فإن غالبها [٢١] أدلتها متعارضة، ويكفي المتقي المتحري لدينه أن يؤمن بما جاءت به الشريعة إجمالا من دون تكلف لقائل، ولا تعسف لقال وقيل، وقد كان هذا المسلك القويم هو مسلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين، فلم يكلف الله أحدا من عباده أن يعتقد أنه ﷻ متصف (٤) بغير ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﵌. ومن زعم أن الله - سبحانه - تعبد عباده بأن يعتقدوا أن صفاته الشريفة كائنة على الصفة التي تختارها طائفة من طوائف المتكلمين فقد
стр. 1730
أعظم على الله الفرية، بلى كلف عباده أن يعتقدوا أنه ﴿ليس كمثله شيء﴾ (١). وأنهم ﴿ولا يحيطون به علما﴾ (٢)، ولقد تعجرف (٣) بعض علماء الكلام بما ينكره عليه جميع الأعلام، فأقسم بالله أن الله تعالى لا يعلم من نفسه غير ما يعلمه هذا المتعجرف (٤). فيا لله هذا الإقدام الفظيع، والتجاري الشنيع! وأنا أقسم بالله أنه قد حنث في قسمه، وباء بإثمه، وخالف قول من أقسم به في محكم كتابه ﴿ولا يحيطون به علما﴾ (٥)، بل أقسم بالله أن هذا المتعجرف لا يعلم حقيقة نفسه، وماهية ذاته على التحقيق، فكيف يعلم بحقيقة غيره من المخلوقين! فضلا عن حقيقة الخالق ﵎.
وهكذا سائر المسائل الكلامية، فإنها مبنية في الغالب على دلائل عقلية هي عند التحقيق غير عقلية، ولو كانت معقولة على وجه الصحة لما كانت كل طائفة تزعم أن العقل يقضي بما دبت عليه ودرجت، واعتقدته حتى ترى هذا يعتقد كذا، وهذا يعتقد نقيضه، وكل واحد منهما يزعم أن العقل يقتضي ما يعتقده. وحاشا العقل الصحيح السالم عن تغيير ما فطره الله عليه أن يتعقل الشيء ونقيضه، فإن اجتماع النقيضين محال عند جميع العقلاء، فكيف تقتضي عقول بعض العقلاء أحد النقيضين! وعقول البعض الآخر النقيض الآخر بعد ذلك الاجتماع! وهل هذا إلا من الغلط البحت الناشئ عن العصبية ومحبة ما نشأ عليه الإنسان. ومن الافتراء البين على دليل العقل ما هو عنه بريء، وأنت إن كنت تشك في هذا فراجع كتب الكلام وانظر المسائل التي قد صارت
стр. 1731
عند أهله معدودة في المراكز كمسألة التحسين والتقبيح [٢٢]، وخلق الأفعال وتكليف ما لا يطاق، ومسألة خلق القرآن، ونحو ذلك؛ فإنك تجد ما حكيته لك بعينه إن لم تقلد طائفة من الطوائف، بل تنظر كلام كل طائفة من كتبها التي دونتها، فاجمع مثلا بين مؤلفات المعتزلة (١) والأشعرية (٢) والماتريدية (٣)، وانظر ماذا ترى.
ومن أعظم الأدلة الدالة على خطر النظر في كثير من مسائل الكلام أنك لا ترى رجلا أفرغ فيه وسعه، وطول في تحقيقه باعه إلا رأيته عند بلوغ النهاية، والوصول إلى ما هو منه الغاية يقرع على ما أنفق في تحصيله سن الندامة، ويرجع على نفسه في غالب الأحوال بالملامة، ويتمنى دين العجائز، ويفر من تلك الهزاهز كما وقع من الجويني، والرازي، وابن أبي الحديد، والشهرزوري (٤)، والغزالي، وأمثالهم ممن لا يأتي عليه الحصر؛ فإن كلماتهم نظما ونثرا في الندامة على ما جنوا به على أنفسهم مدونة في مؤلفات الثقات. هذا وقد خضع لهم في هذا الفن الموالف والمخالف، واعترف لهم بمعرفته القريب والبعيد.
نعم أصول الدين الذي هو عمدة المتقين ما في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل
стр. 1732
من بين يديه ولا من خلفه، وما في السنة المطهرة، فإن وجدت فيهما ما يكون مختلفا في الظاهر فليسعك ما وسع خير القرون (١)، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وهو الإيمان بما ورد كما ورد، ورد علم المتشابه إلى علام الغيوب، ومن لم يسعه ما وسعهم فلا وسع الله عليه. ولتعلم - أرشدني الله وإياك - أني لم أقل هذا عن تقليد لبعض من أرشد إلى ترك الاشتغال بدقائق هذا الفن كما وقع لجماعة من محققي العلماء، بل قلت هذا بعد تضييع برهة من العمر في الاشتغال به، وإحفاء السؤال لمن يعرفه، والأخذ عن المشهورين به، والإكباب على مطالعة كثير من مختصراته ومطولاته، حتى قلت (٢) عند الوقوف على حقيقته من أبيات منها:
وغاية ما حصلت من مباحثي ... ومن نظري من بعد طول التدبر
هو الوقف ما بين الطريقين حيرة ... فما علم من لم يلق غير التحير
وأقل أحوال النظر في ذلك أن يكون من المشتبهات التي أمرنا بالوقوف عندها [٢٣]، ومن جملة المشتبهات النظر في المتشابه من كتاب الله - سبحانه -، وسنة رسوله ﷺ وتكلف علمه، والوقوف على حقيقته، على أنه لا يبعد أن يقال: قد بين الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﵌ أنه مما لا يحل الإقدام عليه، وأنه مما استأثر بعلمه. وقد كان السلف الصالح يتحرجون من ذلك، وينعون على من اشتغل به فعله، وخير الهدي هدي محمد ﵌. وللصحابة الذين هم خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم من الكلام المشتمل على التنفير من ذلك ما لو جمع لكان مؤلفا حافلا.
قال - كثر الله فوائده - وكعدم سجود التلاوة في الصلاة حيث يقول مثلا الشافعي: سجد النبي ﵌ للتلاوة في صلاة الفجر (٣)، فيقول المخالف له:
стр. 1733
[هذه] (١) زيادة على القطعي، وهي لا تقبل إلا بدليل قطعي كحكم النقصان من المقطوع به، فإنه لم ينقص عنه إلا بدليل قطعي كقوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ (٢) فهل هذا الذي يقول بعدمه ممن اتقى الشبهات أم لا؟ وهل يدخل في ذلك المقلد بتقليد إمامه أنه مثلا قد اتقى الشبهة بسنية السجود أو عدمه؟ أم هو باق في من لم يتق هذه الشبهة؟ انتهى.
أقول: قدمنا في ذكر الأقسام التي فسرنا بها المتشابه أن اختلاف أقوال أهل العلم لا يكون شبهة إلا في حق المقلد، لا في حق المجتهد. فالشبهة عنده تعارض الأدلة على وجه لا يمكنه الجمع ولا الترجيح، فهذه المسألة المذكورة إن تعارضت أدلتها على المجتهد على وجه لا يمكنه ترجيح أدلة فعل السجود، وأدلة الترك، وتعذر عليه الجمع فلا ريب أنه يقف عند ذلك، ويترك السجود، لأنه لا يكون مسنونا في حقه إلا بعد انتهاض دليله الخالص عن شوب المعارض المساوي، فلا يكون تاركا لمسنون. ولو فعل لم يأمن أن يكون مبتدعا، والمبتدع آثم. فالورع الترك. وأما إذا كان مقلدا فإن كان لاختلاف العلماء [٢٤] تأثير في اشتباه الأمر عليه كما هو شأن أهل التمييز من المقلدين فلا شك أن الورع الترك، لأن ترك سنة مجوزة أحب من ارتكاب بدعة، وإن كان هذا المقلد لا تخالجه الشكوك عند الاختلاف، بل يعتقد صحة قول إمامه، وفساد قول من يخالفه كائنا من كان، كما هو شأن من قل تمييزه من المقلدين، فهذا لا يتأثر معه الاشتباه، بل قول إمامه في معتقده بمنزلة الدليل الخالي عن المعارض في اعتقاد المقلد، فلا يكون الأمر مشتبها في حقه.
قال - عافاه الله -: وهل يجوز مثلا مع تضييق الحادثة كتركة رجل لا تكفي إلا دينه أو تكفينه فماذا يصنع مثلا من يرجح تقديم الكفن على الدين؟ كونه كالمستثنى له من
стр. 1734
حال حياته، أو يقدم قضاء الدين على الكفن بتقديم الدين على الكفن بتقديم الدليل العقلي على قول من يقول به، لأنه لا تضرر من الميت في تلك الحال بخلاف صاحب الدين، فالتضرر معه حاصل، فكيف يجوز اتقاء الشبهة مع تضيق الحادثة! والاتقاء يؤدي إلى حرمان الميت وأهل الدين جميعا!؟. انتهى.
أقول: إن كان التردد الناشئ عن تعارض الأدلة حاصلا للمجتهد فالمقام شبهة بلا شك، وعليه أن يقف عند ذلك، ولم يكلفه الله أن يفتي بلا علم، إنما تعبد الله بالفتيا والحكم من كان يعلم الحق، وهذا المتردد لا يعلم الحق ولا يظنه لتعارض الأدلة، فلم يحصل له مناط الاجتهاد، وليست هذه الحادثة بمتضيقة عليه، لأنه في الحكم من لا يعلم، هذا إذا كان يرى في اجتهاده عدم جواز التقليد لمثله، وإن كان يرى جواز التقليد إذا عرض مثل ذلك عمل باجتهاده في جواز التقليد له، وقلد من يراه أولى بالتقليد من المختلفين في المسألة من العلماء، فإنه لا يخفى على مثله من هو أولى بالتقليد، وإن كان لا يرى جواز التقليد لمثله فلا يجوز له الإقدام على مثل ذلك الأمر، لأنه إن أقدم أقدم بلا علم، ولم يكلف الله من لا علم عنده [٢٥] أن يقدم على ما لا يعلم بل نهاه عن ذلك في كتابه العزيز (١)، وعلى لسان رسوله - (٢) ﵌ وليست تلك الحادثة بمتضيقة عليه، إنما تتضيق على من يجد منها فرجا ومخرجا.
وأما من لا فرج له عنده ولا مخرج فوجوده بالنسبة إليها كعدمه. وهذا الكلام لا بد
стр. 1735
من اعتباره في الحوادث المتضيقة فليحفظ، وأما إذا كان من تضيقت عليه الحادثة مقلدا فإن كان لا يرى الحق إلا ما يقول إمامه ولا يعتد بمن خالفه فعليه أن يفتي أو يقضي بمذهب إمامه، ولا يضره من يخالفه، وإن كان يتبع أقوال العلماء ويحجم عند اختلافهم فالإقدام شبهة، بل من التقول على الشريعة بما ليس منها، ولم يكلفه الله تعالى بذلك، ولا تضيقت عليه الحادثة، فيدع حبل هذه الحادثة على غاربها، ويترك الإقدام على ما ليس من شأنه، ويرفعها إلى من هو أعلم بها منه، إن كان موجودا وإن لم يوجد فلا يجني على نفسه بجهله، وفي الناس بقية يعملون بعقولهم، وهو عن إثمهم بريء. على أن تقديم الكفن على الدين قد صار معلوما من هذه الشريعة في حياته ﵌ وبعد موته فلم يسمع سامع أن رجلا مديونا سلب أهل الدين كفنه، وقد مات في زمن النبوة جماعة من المديونين، ولم يأمر (١) النبي ﵌ بأخذ أكفانهم في قضاء الدين. وما زال ذلك معلوما بين المسلمين قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر.
قال - كثر الله فوائده -: وكلو خشي فوت الجماعة، وحصل له مدافعة الأخبثين أو الريح .. انتهى.
أقول: ليس هذا من المشتبهات، فإنه قد صح عنه ﵌ النهي عن الدخول في الصلاة حال مدافعة ..................
стр. 1736
الأخبثين (١)، فدخول المدافع في صلاة الجماعة ليس بمشروع، والجماعة إذا فاتته وهو على تلك الحال فلا نقص عليه في فوتها، لأنه تركها في حال قد نهاه الشارع عن قربانها، فهو بامتثاله النهي أسعد منه بالحرص على طلب فضيلة [٢٦] الجماعة.
قال - كثر الله فوائده - وكاستعمال الماء مع خروج الوقت أو التيمم وإدراك الصلاة في الوقت، فنقول: لا يبرأ عن الشبهة إلا من صلى صلاتين: واحدة بالتيمم، والأخرى بعد خروج الوقت بالوضوء، كقول المرتضى أو الناصر (٢) .. انتهى.
أقول: إن كان من اتفق له ذلك مجتهدا فالاعتبار بما يترجح له، فإن كان يرى في اجتهاده وجوب التيمم لخشية خروج الوقت، كان فرضه التيمم، وإن كان يرى وجوب الوضوء وإن خرج الوقت كان فرضه ذلك، وإن تردد لتعارض الأدلة كان المقام بالنسبة إليه من المشتبهات يفعل ما يراه أحوط، لكن لا يفعل الصلاة مرتين، فإنه قد صح النهي عن أن تصلى صلاة في يوم مرتين (٣). وإذا كان من اتفق له ذلك مقلدا فغرضه العمل بقول من يقلده، إذا كان لا يحصل معه التردد بسبب خلاف من يخالف إمامه، وإلا كان المقام شبهة في حقه على التفصيل المتقدم.
قال - عافاه الله تعالى - وكامرأة خطبها معيب بما يفسخ به عالم ورع، وصحيح
стр. 1737
جاهل فاسق، فنقول بترك الكل أم يكون الخروج من الشبهة بتزويج المعيب أو الصحيح الموصوفين بما ذكر ... انتهى.
أقول: الصحيح الفاسق ليس ممن ترضى المرأة دينه وخلقه فلا يجب عليها قبول خطبته، بل لا يجوز لأن النبي ﷺ إنما أمرنا بقبول خطبة من نرضى دينه وخلقه (١).
وأما المؤمن المعيب فإجابته متوقفة على اغتفار المخطوبة لعيبه، فإن لم تغتفر ذلك كان لها الامتناع ولا تجب عليها الإجابة فليس المقام من المشتبهات التي ينبغي الوقوف عندها، لأن المانع في الخاطب الأول أعني الفاسق راجع إلى الشرع فلا يحل الإجابة له شرعا، والمانع في الخاطب الثاني [٢٧] أعني المؤمن المعيب راجع إلى المخطوبة فيجوز لها إجابته مع الرضا بعيبه.
قال - كثر الله فوائده -: فهذه أطراف ذكرتها لكم على جهة التنبيه، وكيف يكون الحكم فيما هذا حاله؟ وما هو المشتبه منها؟ وما لا؟.
ومثل المسألة التي نحن بصددها في الحدود المحدودة بين القبائل وشجار الزكوات والحرفة والمعاش هل يكون الإجمال في ذلك والوصف للواقع من دون جزم بأن هذا الوجه الشرعي اتقاء للحرام أو الشبهة؟ أم يكون الإجمال في ذلك ليس اتقاء؟ .. انتهى.
أقول: قد قدمنا في البحث الثاني من أبحاث هذا الجواب في تحقيق الشبهة، وما هو الذي ينبغي لمن اشتبه عليه أمر من الأمور ما لا يحتاج إلى إعادته هنا فليرجع إليه، ومسألة الحدود وما ذكر بعدها إن كان المجتهد يرى عدم ثبوتها وبطلانها. فلينظر لنفسه المخرج
стр. 1738
إذا ابتلي بشيء منها، وألجئ إلى الفتيا فيها، أو الحكم بشيء ولم يجد بدا من ذلك، وأقل الأحوال إذا لم يمكنه الصدع بالحق والقضاء بأمر الشرع أن يتخلص عن ذلك بالإحالة على غيره، فإن لم يتمكن من ذلك كأن يفوت بترك الخوض في مثل هذه الأمور مصالح دينية، أو ينشأ عن هذا الترك مفاسد في أمور أخرى فعليه أن يحكي ما جرت به الأعراف، واستمرت عليه العادات، ويحيل الأمر على ذلك، ولا يحيله على الشرع المطهر فيكون قد أعظم الفرية على الدين الحنيف، وخلط أحكام العادة بأحكام الوضع والتكليف، وإذا كان قد تقدمه من يجوز تقرير ما فعله من الأئمة والحكام الأعلام فليقل في مثل هذه الأمور التي لا تجري على مناهج الشرع، قال [٢٨] بهذا فلان، وفعله فلان، وحكم به فلان، وأفتى به فلان. وينبه على أن مسلك الشرع معروف، ومنار الدين مكشوف، ومنهج الحق مألوف مثلا إذا اضطر إلى فصل بعض الخصومات المتعلقة بالحدود التي بين أهل البوادي، ووجد بأيديهم ما يفيد بأن الواضع لذلك بينهم أحد المرجوع إليهم في العلم والدين، وأنه لا سبيل إلى الحكم بالشركة (١) الذي هو المنهج
стр. 1739
الشرعي فليقل في مرقومه: قال فلان كذا، ومنهج الشرع الاشتراك في الماء والكلأ، ولكنه قد حكم بما رآه صوابا. ولا سبيل إلى نقض حكمه أو نحو ذلك من المعاريض التي فيها لمن وقع في مثل هذه الأمور مندوحة. وهكذا سائر ما ذكره السائل - دامت فوائده - ... وإلى هنا انتهى الجواب.
قال في الأم التي بخط مؤلفه حفظه الله وكثر فوائده ما لفظه:
وكان الفراغ من تحريره في نهار الجمعة لعله تاسع عشر شهر محرم الحرام سنة ١٢١٥ هـ.
انتهى والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، وكان الفراغ من نقله صبح يوم الخميس ٨ شهر صفر سنة ١٢١٧ بقلم إبراهيم
стр. 1740
ابن عبد الله الحوثي لطف الله به.
بلغ قراءة ومقابلة على نسخة منقولة من خط المؤلف عافاه الله شهر صفر سنة ١٣٤٣ حرره الحقير محمد بن أحمد الشاطبي [٢٩].
تم القسم الثالث - الحديث وعلومه - من
الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني
ولله الحمد والمنة
ويليه القسم الرابع - الفقه وأصوله -
إن شاء الله
* * *
تم ولله الحمد والمنة
المجلد الثاني من كتاب
الفتح الرباني
ويليه
المجلد الثالث إن شاء الله
стр. 1741
رابعاً: الفقه وأصوله
стр. 1742
رسائل القسم الرابع: الفقه وأصوله
٥٩ - التشكيك على التفكيك لعقود التشكيك (١٧/ ١).
٦٠ - القول المفيد في حكم التقليد (٢٢/ ٣).
٦١ - بغية المستفيد في الرد على من أنكر العمل بالاجتهاد من أهل التقليد (٣/ ٥).
٦٢ - بحث في نقض الحكم إذا لم يوافق الحق (٤١/ ٢).
٦٣ - رفع الخصام في الحكم بعلم الحكام (٤٠/ ٢).
٦٤ - بحث في العمل بقول المفتي صح عندي (٢٦/ ٤).
٦٥ - بحث في الكلام على أمناء الشريعة (١٦/ ٤).
٦٦ - بحث في كون الأمر بالشيء نهي عن ضده (٣٢/ ٣).
٦٧ - رفع الجناح عن نافي المباح (٣٤/ ١).
٦٨ - جواب سؤالات من الفقيه قاسم لطف الله (٥/ ٤).
٦٩ - بحث في كون أعظم أسباب التفرق في الدين هو على الرأي (٢٩/ ٤).
٧٠ - الدرر البهية في المسائل الفقهية (٥٢/ ٢).
٧١ - بحث في دم الخيل (٢٥/ ٥).
٧٢ - جواب يؤال في نجاسة الميتة (١٤/ ٤).
٧٣ - جواب في حكم احتلام النبي ﷺ (٢٢/ ١).
٧٤ - القول الواضح في صلاة المستحاضة ونحوها من أهل العلل والجرائح (٢٠/ ٤).
٧٥ - بحث في دفع من قال أنه يستحب الرفع في السجود (١٦ - ٥).
٧٦ - بحث في أن السجود بمجرد من غير انضمامه إلى صلاة عبادة مستقلة بأجر الله (٧/ ٥) (١).
стр. 1743
٧٧ - كشف الرين في حديث ذي اليدين (٨/ ٢).
٧٨ - بحث في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (٣٥/ ٤).
٧٩ - جواب سؤالات وردت من بعض العلماء (٩/ ٤).
٨٠ - جواب سؤالات وردت من كوكبان (٦/ ٤).
٨١ - بحث في جواب سؤالات تتعلق بالصلاة (٣٩/ ٤)
٨٢ - رفع الأساس لفوائد حديث ابن عباس (٢/ ٢).
٨٣ - تحريم الدلايل على مقدار ما يجوز بين الإمام والمؤتم من الارتفاع والانخفاض والبعد والحايل (٣/ ٢).
٨٤ - بحث في كثرة الجماعات في مسجد واحد (٢١/ ٥).
٨٥ - جواب عن الذكر في المسجد (٢٢/ ٤).
٨٦ - سؤال في هل يجوز قراءة كتب الحديث كالأمهات في المساجد مع استماع العوام الذين لا فطنة لهم وجواب الشوكاني عليه (١٠/ ١).
٨٧ - إشراق الطلعة في عدم الاعتداد بإدراك ركعة من الجمعة (٤/ ٢).
٨٨ - اللمعة في الاعتداد بإدراك من الجمعة (٥/ ٢).
٨٩ - ضرب القرعة في شرطية خطبة الجمعة (٦/ ٢).
٩٠ - الدفعة في وجه ضرب القرعة (٧/ ٢).
٩١ - بحث في الكسوف (٢٩/ ١).
٩٢ - جواب على سؤال ورد من بعض أهل العلم يتضمن ثلاث أبحاث: (١١، ١٢، ١٣/ ٢).
١ - بحث في المحاريب.
٢ - بحث في الاستبراء.
٣ - بحث في العمل بالرقمومات.
٩٣ - الصلاة على من عليه دين (٣٣/ ٣).
стр. 1744
٩٤ - شرح الصدور في تحريم رفع لقبور (٤/ ٤).
٩٥ - جواب سؤالات وردت من تهامة (٨/ ٤).
٩٦ - سؤال عن لحوق ثواب القراءة المهداة من الأحياء إلى الأموات (٣١/ ١).
٩٧ - إفادة السائل في العشر المسائل (٣٨/ ٤).
стр. 1745
التشكيك على التفكيك لعقود التفكيك
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
стр. 1746
١ - عنوان الرسالة: (التشكيك على التفكيك لعقود التشكيك).
٢ - موضوع الرسالة: أصول الفقه.
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم أحمد من أعاننا على تشكيك التفكيك لعقود التشكيك، وأشكر من سهل لنا الطريق إلى رد الاعتساف ..
٤ - آخر الرسالة: .. كما من خط محصلة ومؤلفه القاضي بدر الدين وحاكم المسلمين محمد بن علي الشوكاني حفظه الله في ذي الحجة سنة (١٢٠٣) وجهلع قوة عين المسلمين وأبقى حكمه في جميع الأنام، وسدد إلى ما فيه رضاه آمين آمين آمين.
٥ - نوع الخط: نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: (٢٣) صفحة.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٨) سطرًا ما عدا الصفحة الأولى.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة تقريبًا.
٩ - الرسالة من المجلد الأول من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
стр. 1747
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أحمد من أعاننا على تشكيك التفكيك لعقود التشكيك، وأشكر من سهل لنا الطريق إلى رد الاعتساف، ويسر لنا السبيل إلى سلوك جادة الإنصاف، وأصلي وأسلم على القائل: «تركتكم على الواضحة، [١] ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا جاحد» (١) وعلى آله وصحبه والسابقين إلى كل فضيلة، الفائزين بكل المحامد، القارعين بسيوف هديهم ضلال كل زائغ معاند، وبعد:
فإنه سأل الحقير محمد بن علي الشوكاني- غفر الله لهما- بعض سادتي الأعلام، من آل الإمام النظر في رسالة سيدي العلامة إسحاق بن يوسف بن المتوكل (٢)
стр. 1748
المسماة بالتفكيك لعقود التشكيك (١) فوجدتها (٢). مع حسنها في بابها قد اشتملت على أطراف خارجة عن الإنصاف، فأشرت إلى ذلك بحسب الإمكان، ومن الله أستمد الإعانة، وعليه التكلان.
قوله (٣) ﵀: فلا حرج عليه في أي قول أخذ به.
أقول: هذا تصريح من المؤلف- ﵀ بجواز التقليد، وعلى ذلك بني رسالته هذه، والمانع باق على قبح التقليد (٤) المعلوم الأصلي عقلا وشرعا، ولم يأت المجوز بحجة صالحة
стр. 1749
للاستدلال بها على هذا الأصل العظيم، وأشف شيء جاء به دعوى الإجماع، وليتها صحت، ولكنها مبنية على شفا جرف هار، فنقول: يا هذا، إن أردت إجماع الصحابة والتابعين فهم أكرم على اله من أن توقعهم في الخسيسة، أو تهين قدورهم الشريفة بالتلبس لهذه النقيصة، ولهذا لم تحدث إلا بعد انقراض عصورهم، ولم يسمع به إلا بعد إظلام الكون بأفول بدورهم، فكيف يدعى على قوم القول بشيء لم يسمعوا بهأو الإجماع على أمر لم يزنوا بهوهذا معلوم لا يشك فيه منصف، ولا متعصب، ولا يحوم حول ادعائه مقصر ولا كاهل.
وإن أدرت إجماع أهل تلك العصور التي حدثت فيها هذه المذاهب، وظهرت في خلالها تلك البدع والمصائب، بالخالف لم يزل موجودا منذ تلك الأعصار، متطهرا على رؤوس الأشهاد بالإنكار، مستمرا وجوده إلى الآن.
وقد صرح بالمنع جمع جم منهم معتزلة بغداد، والجعفران (١)
стр. 1750
والغزالي، والرازي أنه ليس بإجماع، ولا حجة، وهذا هو المذهب الحق إن أمعنت النظر، لكثرة الاحتمالات الحاملة على السكوت من عدم قول لهم في ذلك، أو كان لهم ولم ينقل، أو عدم تمام النظر، أو الوقف لتعارض الأدلة، أو للتوقير أو التعظيم، أو للهيبة أو للفتنة، أو نحو ذلكك، والقول بأن هذه الاحتمالات خلاف الظاهر.
وذهب أبو هاشم، أبو الحسن الكرخي، والآمدي، وابن الحاجب، ومن الأئمة أحمد بن سليمان، والمؤيد بالله أحمد بن الحسين إلى أنه حجة ظنية، ولم يذهب إلى أنه حجة قطعية إلا أحمد بن حنبل، وبعض الحنفية، والشافعية، وهو مذهب مرجوح، ومع هذا فالظاهر عدم حجية مطلق الإجماع (١) وليس هذا محل إييراد ما يرد على أ دلته مع هذا ضعفها من المنع والنقض والمعارضة، ولا موضع إبراز الأدلة القوية على امتناع نقل الحكم إلى أهل الإجماع، وامتناع العلم به، ونقله إلى من تحتج به.
والعجب من الرواية السابقة على أحمد بن حنبل، وجعله من القائلين بأن الإجماع السكوتي (٢) حجة قطعية، وقد صح عنه القول بامتناع العلم (٣).بمطلق الإجماع عادة.
стр. 1751
وروي عنه أنه قال: من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب (١).
ومن أدلة القائلين بجواز التقليد قول الله تعالى: ﴿فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (٢) والاستدلال بهذه الآية على هذه الدعوى باطل، إذا المراد السؤال (٣)
стр. 1752
عن نبوة محمد ﷺ ، أو عن كون الأنبياء قبل رجالا، وليس هذا من العموم حتى يرد أنه لا يقصر على ذلك، بل من باب الإطلاق، ولو سلم لكان الظاهر المتبادر منالسؤال غير محل النزاع أعني التقليد الذي هو قبول قول الغير دون حجته، بل المراد استرووهم النصوص، واستفسروهم عن معانيها، بدلالة أرخ الآية، على أن الآية متناولة للعمليات كتناولها للعمليات، والختم لا يجيز التقليد في غير العملي فهي حجة عليه من هذه الحيثية.
ومن أدلتهم أيضًا سكوت الصحابة عن المفتين والمستفتين، وهو وهم، لأن سكوتهم عن الرواية (١) بالمعنى لا عن الرأي الذي هو محل النزاع، وكيف يكون سكوتهم تقريرا لشيء لا يعرفونه!.
ومن أدلتهم على ذلك قولهم: العامي إذا وقعت له واقعة كان مأمورا بشيء فيها إجماعا، وليس هو التمسك بالبراءة الأصلية إجماعا، ولا الاستدلال بأدلة سمعية، إذا الصحابة لم .....................
стр. 1753
يلزموهم تحصيلها (١)، ولأنه يمنعهم من الاشتغال بمعاشهم مع الاحتياج إلى العلم بعلوم كثيرة، سيما [٣] في زماننا يضيق عنها وقت الواقعة، فلم يبق إلا التقليد.
قلنا: الواجب عليه عند حدوث الواقعة الرجوع إلى أهل الذكر، وسؤالهم عن حكم الله فيها على طريق الرواية، من دون تقليد ولا اجتهاد، وهذا هو الهدى القويم الذي درج عليه عوام الصحابة أجمع، ومن بعدهم من التابعين، على أن هذا التقرير منتقض درج عليه عوام الصحابة أجمع، ومن بعدهم من التابعين، على أن هذا التقرير منتقض بإلزامكم لهم معرفة أدلة العقليات (٢) وتحريم التقليد عليهم فيها، وهي محتاجة إلى مثل ما احتاجت إليه المسائل العلمية، فالإلزام مشترك، والدفع بأن العقليات تكفي فيها المعرفة الإجمالية (٣) ممنوع، هذا جملة ما استدل به من قال بجواز التقليد، وقد عرفت ما فيه.
وعلى الجملة فالتقليد من التقول على الله بغير علم .. وقد نهى الله من ذلك بقوله:
стр. 1754
﴿ولا تتعبوا خطوت الشيطان إنه لكم عدو مبين، إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لاتعلمون، (١) ثم قال: ﴿وإذا قيل لهم اتعبوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا أولو كان ءابآؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون﴾ (٢) وحرمة تعالى بقوله: ﴿إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق﴾ إلى قوله ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعملون﴾ (٣) فصرحن- ﷻ بحصر التحريم في هذه الأشياء التي من جملتها التقول على الله بغير علم، والقول بأن ذلك مختص بالعقليات كما صرح بذلك المحقق ابن الإمام في شرح الغاية وغيره تقييد لا دليل عليه، وأيضا التقليد يوجب اتباع الخطأ، لأنه جائز الوقوع من المجتهد، وعلى تقدير وقوعه يجب إتباعه، والدفع بأن الخطأ جائز مع إبداء المستند مسلم، ولكنه عفوا بالنسبة إليه، لورود الدليل الصحيح المصرح أن للمخطئ من المجتهدين أجرا.
قوله: ولم يكلفه الله أن يطلب الأحكام إلخ ..
أقول: الأمر بالطلب عام، ولا مخصص لبعض منن تعلق الأمر به بالطب، والقول بأن تحصيل ذلك ليس في وسع المقلد، أو أنه من تكليف مالا يطاق- كما ذكر المؤلف- ممنوع، والسند أن طلب الاجتهاد، وتحصيل شروطه فرض واجب على الأمة بالإجماع، ولكنه من فروض الكفايات التي تسقط بوجود من هو قائم بها، وتصير من فروض الأعيان عند عدم من يقوم بها. وغذ ثبت أنه من فراض الدين ثبت عدم تعسره لقول الله ﷻ : ﴿وما جعل عليكم في الدين من ....................................
стр. 1755
حرج﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العشر﴾ (٢) وقوله ﷺ : «بعثت بالحنيفية السمحة» (٣).
والمؤلف- ﵀ لا ينكر أن الله تعالى يريد منا اليسر، ولا يريد منا العسر [٤]، ويقر أن الله سبحانه يريد منا الاجتهاد، فإذا كان الاجتهاد ليس في وسع المقلد، ولا مما يطيقه، فهو عسر بلا شك، فاستلزم أن الله سبحانه يريد منا التعسر أو التعذر.
فإن قال: إنما أردت المشقة والمشقة تلازم التكاليف غالبًا.
قلنا: فما بالك خصصت هذه الفريضة بالسقوط عند حصول المشقةمع أن المشقة لا تنفك عن غالب الأمور الواجبة، على أن إرادة المشقة لا يساعد عليها كلامك، لأن الأمور التي تصاحبها المشقة داخلة تحت الوسع والطاقة، وأنت قد جزمت بأن الاجتهاد خارج عنهما، فلزمك خروج ما ساواه في المشقة كالجهاد والحج والهجرة وتحوها، أو زاد عليه فيا كالورع الشحيح، وعبادة الله كأنك (٤) تراه ونحوهما.
قال الإمام العلامة محمد بن إبراهيم الوزير (٥) رضوان الله عليه-: فإن قيل: فإذا