← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وروي عنه أنه قال: من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب (١). ومن أدلة القائلين بجواز التقليد قول الله تعالى: ﴿فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (٢) والاستدلال بهذه الآية على هذه الدعوى باطل، إذا المراد السؤال (٣)

стр. 1752

عن نبوة محمد ﷺ ، أو عن كون الأنبياء قبل رجالا، وليس هذا من العموم حتى يرد أنه لا يقصر على ذلك، بل من باب الإطلاق، ولو سلم لكان الظاهر المتبادر منالسؤال غير محل النزاع أعني التقليد الذي هو قبول قول الغير دون حجته، بل المراد استرووهم النصوص، واستفسروهم عن معانيها، بدلالة أرخ الآية، على أن الآية متناولة للعمليات كتناولها للعمليات، والختم لا يجيز التقليد في غير العملي فهي حجة عليه من هذه الحيثية. ومن أدلتهم أيضًا سكوت الصحابة عن المفتين والمستفتين، وهو وهم، لأن سكوتهم عن الرواية (١) بالمعنى لا عن الرأي الذي هو محل النزاع، وكيف يكون سكوتهم تقريرا لشيء لا يعرفونه!. ومن أدلتهم على ذلك قولهم: العامي إذا وقعت له واقعة كان مأمورا بشيء فيها إجماعا، وليس هو التمسك بالبراءة الأصلية إجماعا، ولا الاستدلال بأدلة سمعية، إذا الصحابة لم .....................

стр. 1753

يلزموهم تحصيلها (١)، ولأنه يمنعهم من الاشتغال بمعاشهم مع الاحتياج إلى العلم بعلوم كثيرة، سيما [٣] في زماننا يضيق عنها وقت الواقعة، فلم يبق إلا التقليد. قلنا: الواجب عليه عند حدوث الواقعة الرجوع إلى أهل الذكر، وسؤالهم عن حكم الله فيها على طريق الرواية، من دون تقليد ولا اجتهاد، وهذا هو الهدى القويم الذي درج عليه عوام الصحابة أجمع، ومن بعدهم من التابعين، على أن هذا التقرير منتقض درج عليه عوام الصحابة أجمع، ومن بعدهم من التابعين، على أن هذا التقرير منتقض بإلزامكم لهم معرفة أدلة العقليات (٢) وتحريم التقليد عليهم فيها، وهي محتاجة إلى مثل ما احتاجت إليه المسائل العلمية، فالإلزام مشترك، والدفع بأن العقليات تكفي فيها المعرفة الإجمالية (٣) ممنوع، هذا جملة ما استدل به من قال بجواز التقليد، وقد عرفت ما فيه. وعلى الجملة فالتقليد من التقول على الله بغير علم .. وقد نهى الله من ذلك بقوله:

стр. 1754

﴿ولا تتعبوا خطوت الشيطان إنه لكم عدو مبين، إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لاتعلمون، (١) ثم قال: ﴿وإذا قيل لهم اتعبوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا أولو كان ءابآؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون﴾ (٢) وحرمة تعالى بقوله: ﴿إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق﴾ إلى قوله ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعملون﴾ (٣) فصرحن- ﷻ بحصر التحريم في هذه الأشياء التي من جملتها التقول على الله بغير علم، والقول بأن ذلك مختص بالعقليات كما صرح بذلك المحقق ابن الإمام في شرح الغاية وغيره تقييد لا دليل عليه، وأيضا التقليد يوجب اتباع الخطأ، لأنه جائز الوقوع من المجتهد، وعلى تقدير وقوعه يجب إتباعه، والدفع بأن الخطأ جائز مع إبداء المستند مسلم، ولكنه عفوا بالنسبة إليه، لورود الدليل الصحيح المصرح أن للمخطئ من المجتهدين أجرا. قوله: ولم يكلفه الله أن يطلب الأحكام إلخ .. أقول: الأمر بالطلب عام، ولا مخصص لبعض منن تعلق الأمر به بالطب، والقول بأن تحصيل ذلك ليس في وسع المقلد، أو أنه من تكليف مالا يطاق- كما ذكر المؤلف- ممنوع، والسند أن طلب الاجتهاد، وتحصيل شروطه فرض واجب على الأمة بالإجماع، ولكنه من فروض الكفايات التي تسقط بوجود من هو قائم بها، وتصير من فروض الأعيان عند عدم من يقوم بها. وغذ ثبت أنه من فراض الدين ثبت عدم تعسره لقول الله ﷻ : ﴿وما جعل عليكم في الدين من ....................................

стр. 1755

حرج﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العشر﴾ (٢) وقوله ﷺ : «بعثت بالحنيفية السمحة» (٣). والمؤلف- ﵀ لا ينكر أن الله تعالى يريد منا اليسر، ولا يريد منا العسر [٤]، ويقر أن الله سبحانه يريد منا الاجتهاد، فإذا كان الاجتهاد ليس في وسع المقلد، ولا مما يطيقه، فهو عسر بلا شك، فاستلزم أن الله سبحانه يريد منا التعسر أو التعذر. فإن قال: إنما أردت المشقة والمشقة تلازم التكاليف غالبًا. قلنا: فما بالك خصصت هذه الفريضة بالسقوط عند حصول المشقةمع أن المشقة لا تنفك عن غالب الأمور الواجبة، على أن إرادة المشقة لا يساعد عليها كلامك، لأن الأمور التي تصاحبها المشقة داخلة تحت الوسع والطاقة، وأنت قد جزمت بأن الاجتهاد خارج عنهما، فلزمك خروج ما ساواه في المشقة كالجهاد والحج والهجرة وتحوها، أو زاد عليه فيا كالورع الشحيح، وعبادة الله كأنك (٤) تراه ونحوهما. قال الإمام العلامة محمد بن إبراهيم الوزير (٥) رضوان الله عليه-: فإن قيل: فإذا

стр. 1756

كانت الشريعة سهلة، فما معنى: حفت الجنة بالمكاره (١)؟ ولأي شيء مدح الله الصابرين، ووصى عباده بالصبر؟! قلنا: لأن النفوس الخيبيثة تستعسر السهل من الخير لنفرتها عنه، وعدم رياضتها، لا لصعوبته في نفسه، ولهاذ تجد أهل الصلاح يستسهول كثيرا مما يستعسره غيرهم، فلو كان العسر في نفس الأمر المشروع لكان عسرا على كل أحد، وفي كل حال، وقد نص الله تعالى على هذا المعنى فقال في الصلاة: ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ (٢) فدل على أن العسر والحرج لا يكونان في أفعال الخير، وإنما يكونان في نفوس السوء. قال الله تعالى: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾ (٣) فمدار المشقة في الطاعات على الدواعي والصوارف، ولهذا نجد قاطع الصلاة يقوم نشيطا إلى أعمال كثيرة أشق من الصلاة، وقد يكون العسر الموهوم في أعمال الخير من فساد القلب وكثرة الذنوب، وعدم الرياضة، وملازمة البطالة، ألا ترى ما فلي قيام الليل وإحيائه بالعبادة من المشقة على النفوس! وهو تسهل عليها سهره في كثير من الأحوال في العرسات والأسمار والسروات في الأسفار، فإذا عرفت هذا فاعلم أن من الناس من يحصل له من شدة الرغبة في العلم، وسائر الفضائل ما يسهل عليه

стр. 1757

عزيزها، ويقرب إليه بعيدها، فلا معنى لتعسير الأمر الشرعي في نفسه، لأن ذلك يخالف كلام الله تعالى: وكلام رسوله- ﵌[٥]. واعلم أن من العقوق لوم الخلي للمشوق في هذا يقول أبي الطيب (١): لا تعدل المشتاق في أشواقه ... حتى تكون حشاك في أحشائه أما عرفت أن حب المعالي يرخص العالي ويقوي ضعف الصدور على الصبر للعوالي وربما بدلت الأرواح لما هو أنفس منها من الأرباح. قال ابن الفارض (٢): بذلت له روحي لراحة قربه ... وغير بعيد (٣) بذلب الغال للغالي. وفي المقالات للزمخشري (٤): عزة النفس، وبعد الهمة الموت الأحمر، والخطوب المدلهمة، ولكن من عرف منهل الذل فعافه استعذب نقيع العز وزعافه، وقد أجاد وأبدع من قال في هذا المعنى: صحب الله راكبين إلى العز ... طريقا من المخافة وعسرا شربوا الموت في الكريهة حلوا ... خوف أن يشربوا من الضيم مرا انتهى. هذا وقت وقد عرفت أنا لم نطلب من المتصف التي ذكرت الاجتهاد، ولا كلفناه قطع المهامة الفيح، وصعود تلك العقبة الكؤود، وانحطاط هاتيك الوهاد، بل سهلنا له الطريق، وكفلنا له السلامة من كل تعويق، وقلنا له: سل أئمة القرآن والسنة إذا أصبت

стр. 1758

من حادثة بمحنة واستروهم نصوص الدين، وارم من عنقك ربقة المقلدين، واستفسرهم عن معاني المشكلات، وخذ عنهم ما صح لديهم من الرواية، ودع عنك الروايات، وأنشدناه تنشطا له قولنا في (١) هذا المعنى: وبادر (٢) بإلقاء القلادة مسرعًا ... فإن الرضى بالأسر أعظم خزية فما (٣) فاض من فضل الإله على الألي ... مضوا فهو فياض عليك بحكمة فما جاءنا نقل بقصر ولا أتى ... بذلك حكم للعقول الصحيحة (٤) ولا تك مطواعا ذلولا لرائض ... نصير بهذا مشبها للبهيمة فهذا هو الداء العضال الذي سرى ... بهذا الورى بل أصل كل بلية ونحن مع مع هذا نقرب له هذه المسافة التي صار عن الظفر بها في أشد الياس، وترغبه في تحصيل هذه المعارف النفسية وفاء بحق النصيحة الواجبة على جميع الناس، ولكن الراغب في هذه البضاعة قليل، والساعي في تحصيلها والتحلي بها كليل كما قلت (٥): لعمرك ما في الركب ذو لوعة ولا ... بذا الحي من [تزجي إليه مطيتي (٦)] [٦] فياطال ما قد صحت: هل من مساعد؟ ... ويا طال ما قد درت بينه البرية فلم أر إلا شارقا ببلاهة ... يطيش بها أو مصمتا بتقية فهذا يرى طرق الصواب أمامه ... فيدأب في تصحيح ذات سقمة وهذا (٧) عليم بالجلية عارف ... ولكنه لا يشتريا ببيسه (٨)

стр. 1759

والزهد عن معالي الأمور، القنوع عنها بالهين المنزور، قد صار شعارًا لأهل زمانك، وخاصة لازمة لأبناء أوانك، فمن لك بالتجرد للمعالي، المنفق في تحصيلها كل غالي، كما قلت (١) فمن لك بالملاك مقود نفسه ... يحل بها حيث الحقيقة حلت يهاجر في حب الملحة إلفه ... ويقطع فيهات حبل كل وصيلة ويبد إن رام القريب فراقها ... ويقرب إن ما ألسن العدل لجت ويلبس للتعنيف درعا حصينة ... وينزع عن أعطافه ثوب شهرة ويطرح الآمال غير معرج ... على ما به عن رتبة المجد ألهت يجوس ديار الحي [غير مقصر] (٢) ... وينزل في أرجائها بالسوية يحط بدار الباهلية رحله ... صباحا ويأتي دارها بالعشية يصمم عزا كالحسام وهمة ... مدى الدهر لا يرضى له بمذلة إلى أن يرى المبيض من طرق الهدى ... وتجاب من داعي الهوى كل ظلمة فيبقى عصا الترحال عن كاهل الصبا ... ويحمد ما لاقى به من مشقة ويلتذ ما قد ناله من أذى الهوى ... ويشكر مسراه على الأبدية فكل أذى في جانب العز هين ... وكل عنا في شأنه غير حسرة فلست ابن حر إن تهيبت في العلا ... متالف حالت دون عز ورفعة ولست من العرب الصميم نجاره ... إذا لم تنل في المجد أربح صفقة أيرضى بإعطاء الدنية ماجد ... ويجعلها يوما مكان العلية ويقنع من ورد الصباء بشربة ... [على الضيم] (٣) شيبت بالقذى والكدورة

стр. 1760

ويرضى بتقليد الرجال مصرحا ... بسد طريق سهلت للبرية وما سد باب الحق عن طالب الهدى ... ولكن عين الأرمد القدم سدت رجال كأمثال الخفافيش بضؤها ... يلوح لدى الظلما وتعمى بصحوة تجول به ما دام في كل وجهة ... فإن طلعت شمس النهار خفت [٧] وهل ينقص الحسناء فقدان (١) رغبة ... إلى حسنها ممن [أضر] بعنة (٢) وهل حط قدر البدر عند طلوعه ... إذا ما كلاب أنكرته فهرت وما إن يضر البحر إن قام أحمق ... على شطه يرمي إليه بصخرة وشتان بين من يدعو إلى العمى، ومن يرشد إلى الإبصار، وليس المؤمن إلا من يحب لأخيه ما يحب لنفسه من معالي الأمور، وبلوغ الأوطار، وهذا المفصل الصالح، والمتجر الشريف الرابح، لا يتم للعالم إلا بشطر من التنفير، ولا يؤثر في النفوس بدونه الإعلان بطرف من التكسير كما قلت (٣) فإن كنت سهما نافذا متبصرا ... فدع ما به عين من العمى قرت تصيخ إلى داعي التعصب رغبة ... وإن تدعها يوما إلى النصف فرت إذ رجل أنى إليها بربقة ... ألمالت إلى التقليد جيدا ولبت وإن رمت فك الأسر عنها تمنعت ... وقالت دعوني في الإسار ونسعتي فعيني عن طرق الصواب عمية ... وأذن عن داعي النصيحة سدت قلت (٤):

стр. 1761

وهات (١) كلام الشيخ لست بسامع ... سواه ودعني من كتاب وسنة فأشياخنا السباق في كل غاية ... وأسلافنا أرباب كل فضيلة فلا قول إلا ما تقول غزية ... ولا رأي إلا ما ليلوح لعزة ودع عنك علما لا تهز قناته ... كما قيل إلا [باغض العلوية] (٢) فهذا جواب البكم يا عمرو وإن دعا ... إلى طرق الإرشاد داعي المبرة وكما قلت (٣) عند أن قطعت عن عنقي رباق التقليد، ويبدأ الحمد على وصبه ونصبه الشديد: لعمرك ما جانبت في الحق لي رهاطا ... ولا خفت من قومي لجاجد أو لغطا ولا عطفت عطفي أقاويل حاسد ... ولا جذبت ضعلي (٤) أضاليله قطا إذ ما ثنتني ألسن العذل عن هدى ... فلا حملت كفي رواقمي الرقطا وثبت على اسم اله وثبة قادر ... سواء لديه ما بدانا وما شطا وألقيت من عنقي القلادة مسرعا ... إذا ما أمرؤ قد أوثق الشد والربطا وحررت رقي واجتدت ولم أقل ... بقول فلان إن أصاب وإن أخطا وما خفت في ذا الصنع لومة لائم ... تلهب غيظا واشتاط له سخطا ولست أهاب الجمع ما لم يصح لا ... إذا شط عن تلك الطريقة أو شطا [٨] وقد أطلنا البحث ههنا، ولكنا لما أوردنا ذلك الطرف من كلام العلامة (٥) ابن الوزير جمح القلم بطرف من هذا الجنس، والحديث ذو شجون. قوله:﵀: فلا بد أن يقلده في ذلك إلخ.

стр. 1762

أقول: هذا ممنوع، لأن تعليم الطالب ههنا لا يكون بالرأين حتى يندرج في التقليد، بل التعليم المطلوب ههنا هو تفسير الآي القرآنية، وتبيين معاني الأحاديث النبوية، وذكر صحيحها وسقيمها، وليس من التقليد في شيء. قوله: ذا هم لم يصنعوا هذا الصنع. أقول: لا يلتبس على عاقل فرضا عن عالم التفرقة بين كتب التفسير وشروح السنة، وبين كتب الفقه التي هي مجاميع الأداء غالبا، فهذه الدعوى متعسفة. قوله: والذي أراده السائل عين ما وضعه الشافعي ..... الخ. أقول: إن الذي وضعه الشافعي مشتمل على أحكام، بعضها راجع إلى الدليل، وبعضها راجع إلى الرأي، وبعضها حق، وبعضها باطل، وهو غير ما حررنا سابقا. قوله: والذي أراده السائل عين ما وضعه الشافعي إلخ. أولاً: هذا مما لا نزاع فيه، ولا شك أن مطلوب الكل الوصول إلى الحق بأي ممكن، ولهذا استحق المصيب أجرين (١)، والمخطئ أجرًا، وحسن المقصد لا يستلزم الإصابة، ولو كان الأمر كذلك لما اختلف الناس في المسألة الواحدة على أقوال متعددة، وستسمع لهذا البحث مزيد تحقيق عن قريب إن شاء الله تعالى. قوله: أنه مراد الله منه. أولاً: مراد الله من المجتهد إصابة الحق، وليس مراد الله من كل مجتهد ما صح عنده، لاسلتزامه دوران مراد الله بين المرادات، وهو باطل، ولا يستلزم ثبوت الأجر للمخطئ إصابة الحق، ولو كان الأمر كذلك لما فضل عليه المصيب بمثل أجره، لأن اشتراكهما في

стр. 1763

الإصابة يوجب التساوي في الأجر، والحديث، والحديث الصحيح قد صرح بخلاف هذا، وصرح بالخطأ، فأي دليل على إصابة المخطئ! وعلى الجملة فإن خطأ المخطئ في باب الاجتهاد عفو، واستحقاق الأجر لإبلاغ الجهد في طلب الحق، وذلك لا ينفك عن مشقة، والله جلال جلاله- لا يضيع عمل عامل، وعلى هذا فالقول بأن كل مجتهد مصيب (١) إن أريد من الصواب الذي لا ينافي الخطا فحسن , وإن أريد من الإصابة المنافية كما هو الظاهر من أرباب هذه المقالة فمردود بنص الحديث، سيأتي الكلام على المسألة، واستثنى الأدلة التصريح بالراجح منها عند تعرض المنصف لذلك، وأعني التصريح منه بأن كل مجتهد مصيب. قوله: والمقلد لو ذهب كل مذهب إلخ [٩]. أقول: إن أراد بهذا الذهاب ذهاب المقلد من تقليد إلى تقليد، فعدم خروجه عنه مسلم، وهو خارج عن محل النزاع، وإن أراد بهاذ الذهاب أعم من أن يكون ذهابا عن كل تقليد إلى غيره، أو عن بعضه إلى بعضه فهذا باطل للقطع بأن الذهاب عن التقليد إلى الاجتهاد خروج عن التقليد بالمرة. اللهم إلا أن يكون هذا من المؤلف تشكيكا في عدم تسيير الاجتهاد ومنع من انفكاك كل أحد عن التقليد، فهذا مع كونه عائدا على غرضه من هذا التأليف بالنقض، لأن الحامل له على وضعه جواز التقليد المجتهدين أقل وأحقر من أني يعتني بتزييفه، وكلامه كالصريح بالمراد الأول، فإن المؤلف- ﵀ أجل من أن يقع في مثل ذلك.

стр. 1764

قوله: فإن قلت: إلخ ... الجواب. أقول: لا يخفى عليك أن المراد من السؤال إلزام المتأهل من المتسمين بالتقليد النظر في الجواب صحة هذا العمل، وحكى عن الأئمة تحسينه، وصحة الخلوص به عن التقليد، ثم حكى عن البعض القطع بأن هذا اجتهاد، والتردد عن آخرين، ثم استثمر من هذا الكلام الذي لا يكاد يخفى على أحد ما لم يكد يقع في ذهن أحد. فقال: ولم يبق حينئذ غير العمل على أقوال المجتهدين، ثم عقب ذلك بأن على هذا الذي حكم له سابقا بأهلية النظر أن يتحرى لنفسه فيمن يقلده، وهذا تهافت وموناقضة وخبط، فإن صح أن نسخة المؤلف كهذه النسخة التي وقفنا عليها بايصال قوله: ولم يبق حينئذ لقوله وتردد بعض ن فكأني بمحبة التقليد قد استول على قلبه استيلاء تاما، فلهذا لم يدر ما يقول: وأعجب من هذه قوله: وهذه مسئلة عقلية، ثم تفسيره كونها عقلية باطمئنان المقلد إلى الأعلم، فبينما هو بصدد النظر في الأدلة من المتأهل إذ رج إلى النظر إلى ذوات المجتهدين. قوله: ثم أعل أن لنا أصلا أصيلا إلخ. أقول: لهذا البحث بأسره ليس فيه إلا التأييد بكثرة القائلين بجواز التقليد، وليس الكثرة بمجردها موجبة لمصاحبة الحق لها، وإن كانت وجه ترجيح في غير هذا الباب بشروط معروفة مدونة، وأنت خبير بأن الله سبحانه قد ذم الكثرة في مواضع من كتابه العزيز (١) ومدح القلة مرات (٢) وصرح في الحديث الصحيح (٣) بأن الثابت على الحق

стр. 1765

طائفة من الناس، لا يضرهم من خالفهم [١٠]، والرجال تعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال، كما صرح بذلك أمير المؤمنين- ﵇. وأيضا خير (١) القرون قرني، ثم الذين يلونهم، لم يسمع منهم في جواز هذه المسئلة حرفا واحدا، وهذه الطائفة التي رميتها بالقلة لم تدع الناس إلى شيء سوى هدى الصحابة الذين هم المرجع بعد الكتاب والسنة، ولو كانت الكثرة بمجردها موجبة للترجيح لخرج الحق عن يد أهل البيت، المشهود لهم بعدم مفارقة الحق، لقطع بأنهم بالنسبة إلى سائر علماء الإسلام أقل من القليل، وقد وقع الخلاف فيهم وبينهم في مسائل متعددة، وينسحب الخوض في الخطأ في خروجهم على الظلمة، وهذا باطل. فإن قلت: بين الكلامين فرق لقيام الادلة على حقية ما ذهب إليه أهل البيت. قلنا: وهذه الطائفة القليلة قد قام الدليل على حقية ما ذهبت إليه كما سمعته في أول هذه الرسالة، ودع عنك الاحتجاج بالرجال، والاعتزاء إلى الآراء والأقوال، وجرد نفسك للحق، واغسل قلبك عن درن العصبية، فنك إذا فعلت ذلك نظرت إلى الحق من وراء ستر رقيق. قوله: وهذه التشكيكات ليست بدعوى عاطلة عن البرهان إلخ. أقول: قد رأيت ما حررناه سالفا، فأعجب لإطلاق اسم التشكيك عليه، وهذا اللفظ قد اشتهر إطلاقه لعدم الإنصاف على أدلة الخصوم، حتى صار شفعة حب التعصب بكثرة استعماله كالمرسوم. قول: من قوله- ﵌: «من شذ شذ إلى النار» (٢) إلخ.

стр. 1766

أقول: المراد بالشاذ هاهنا المنفرد بدين لا يشاركه فيه غيره، وهو المراد بقوله: إن الله يكره الواحداني كما فسره صاحب النهاية (١) بالمتوحد بدينه، المنفرد عن الجماعة، وليس المراد به أئمة الاجتهاد المكثورين بالنسبة إلى المخالفين كما في مسألتنا، فإن هذا مما لا يستجيز إطلاقه عليهم بهذا المعنى متدين. وإني لعجب منك كيف تعجبت من رمي من مى جمهور هذه الأمة الآية والحخديث والسابقين، ووقعت فلي مثل ذلك قبل جفاف القلم، مع تصريحك بأن المجتهد إنما عمل بما هو مفروض من العلم، بما أدى إليه اجتهادهن حتى قلت: فعمله بذلك هو الواجب عليك قطعا، وصرحت سابقا ولاحقا بن كل مجتهد مصيب، وأنت مسلم أن هؤلاء، لم يخالفوا الإجماع، وهل هذه إلا مناقضة ظاهرة!. قوله: المقلد دينه وشريعته قول أي عالم إلخ. أقول: دين المقلد دين الله، وشريعته، شريعة الله، وما شرعه الله [١١] من الدين ليس بخاص بالأئمة المجتهدين، بل عام للقاصر والكامل، والمتحلي بمعارف العلوم والعاطل، إلا أن فرض المقصر الذي لا يعقل الحجة إذا جاءته أن يسأل أولي العلم عن المراد بها، لا عن أقوالهم الاجتهادية، وقد صرح- الله جلال جلاله- بهذا فقال: ﴿فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (٢) فأوجب عليه السؤال عن نص الشريعة، لا عن الآراء المخترعة، ويالله العجب من تخصيص العمومات من الكتاب والسنة والقاضية

стр. 1767

بوجوب طلبهما على كل فرد العباد بهذه التخيلات الفاسدة!. قوله: وجدت الأمر يدور أخره إلى أوله إلخ. أفول: قد عرفنا فساد هذه الدعوى غيرة مرة، وأن السائل عن مدلول الكتاب والسنة ليس بمقلد. قوله: أعني في مسألة اجتناب التقليد، فلم أجد ما يشفى الغليل إلخ. أقول: لو تأملت- غفر الله لك- أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم لشفيت بذلك غليلك، وبيان ذلك أن هذه الثلاث الطبقات التي خير هذهه الأمة المرحومة قد اشتملت على العالم والعامي، فكان صنع العالم فيها الاجتهاد، وصنع العامي السؤال عن الكتاب والسنة، واستفسار الأئمة، والعمل بما بلغ إليه، وليس هذا من التقليد في شيء، لما تقرر في الأصول من أن التقليد قبول قول الغير من دون حجته (١) هؤلاء لم يقبلوا قول الغير بل قبلوا حجته بواسطة روايته، وقبول الرواية ليس بتقليد، فهؤلاء الأعلام الذين نسبتهم إلى التضييق على الناس بسبب منعهم التقليد لم يطلبوا من العوام إلا التشبه بعوام الصحابة، فمن بعدهم، واطراح التقليد المبتدع، وإذا كان الأمر الذي ندبوا الناس إليه هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، فأي وصمة- لله درك- عليهم في هذا! وهاك طريقة ينزاح عنك بها الإشكال. سنوردها عليك على طريق السؤال فنقول: عوام الصحابة والتابعين لا يخرجون عن الأتصاف بأحد ثلاثة أشياء، أما التقليد، أو الاجتهاد، أو الواسطة، فالأول باطل لما بيناه من أنهم لم يقبلوا القول بل قبلوا حجته، ولهذا لم ينسب أحد منهم إلى أحد من أولئك الأعلام، كما نسب هؤلاء المقلدة إلى أئمتهم، بل اكتفوا بالانتساب إلى مطلق الشريعة، ونعمت النسبة، ولم يسمع عن أحد منهم أنه انتسب في مذهبه مثلا إلى ابن عباس، قبيل له عباسي كما يقال شافعي مثلًا.

стр. 1768

والثاني باطل أيضًا لفقدانهم الأهلية التي لا بد منها، فلم يبق إلى الثالث أعني الواسطة كما عرفناك، فإذا عرفت هذا حق معرفته شفيت به غليلك. قوله: ولم يظهر لي إلى الآن إلا أن ما قالاه فرض المجتهد إلخ [١٢]. أقول: صرح العلامة المقبلي في أبحاثه (١) في المثال الحادي والعشرين من أواخرها بمامعناه: أن غير المجتهد يجب على جوازه دليل، ثم قال: لأنه يعني أن المقلد مكلف بحسب الاستطاعة، وقد انحصرت حالته في الحالة الراهنة في الرجوع إلى العالم، لأنه أمارة على الحق لم يستطع الجاهل تحصيل غيرها، فلو لم يقلد الجاهل في ذلك الأمر الضروري في كل حادثة حادثة لترك ما علم وجوبه كالصلاة مثلا، ولا يجوز التقليد الكلي انتهى، وها الكلام مع كوننا لا نساعده عله فقد عرفك أن المقبلي بريء مما نسبه إليه المؤلف، من أنه أوجب عليه ما هو فرض على المجتهد لا غير، وضيق على الناس، وهكذا الحقق الجلال شرح في شرح قصيدته المسماة بفيض الشعاع يمنع تقليد الأموات (٢) لا الأحياء،

стр. 1769

ولم نكلف المقصر تكليف المجتهد كما قاله المؤلف. قوله: وهذا متفق عليه بين المسلمين إلخ أقول: هذه دعوى باطلة، بل كل من قال بالمنع من التقليد كمعتزلة بغداد، كما حكى ذلك عنهم المحقق ابن الإمام في شرح الغاية، وكذا حكاه غيره (١) عنهم، وقد قال به الجعفران كما رواه جماعة عنهما، قائل بوجوب اتباع الدليل على المقلد، لكنه لما كان مسلوب الأهلية وجب عليه أن يستروي من حصلت له، فكيف يتم للمؤلف دعوى الاتفاق! اللهم إلا أن يريد بقوله: وترك أقوال الناس أعم مما نحن بصدده أعني أقوالهم الشاملة للرواية، والرأي، والتفسير، والتصحيح، فمثل هذا لا يستغنى عنه المجتهد في جمعي الأعصار، فما هذه المساهلة في حكاية إجماع المسلمين، الذي هو حجة على العباد! وما هذه الترويج- على المقصرين- الشاط عن سبيل الرشاد والسداد! لا جرم لهوى النفس سريرة لا تعلم. قوله: لم أجده إلا تحرجا عظيما إلخ. أقول: إن كان هؤلاء العامة من أهل زماننا لا يسعهم ما وسع عوام الصحابة فمن بعدهم، وكان هدي أولئك الأفاضل تحرجا على هؤلاء، فلا فرج الله عنهم هذا التحريج، ولا وسع لهم هذا المضيق. وهنا مظنة سؤال لعلك تتفطن له وتقول: فرق بين عوام الصحابة وغيرهم، فإنهم غير محتاجين إلى ما يحتاج إليه هؤلاء، لأن أولئك أهل اللسان العربية والأذهان والسيالة، والفطر القويمة، فنقول: نحن لا نعني بعوام الصحابة من أحاط بالقرآن حفظا، واستكثر من حفظ السنة النبوية، فإنه مجتهد، لأن جميع المعارف حاصلة كما ذكرت، وإنما نعني

стр. 1770

من لم يحفظ [١٣] شيئا من ذلك، أو حفظ مقدار يسيرًا، فإنه- وإن فهم ما وصل إليه، لا يقدر على الاجتهاد لتوقفه على معرفة فقد المعارض، والناسخ، والمخصص والمقيد، ونحو ذلك؛ فلا بد له من السؤال عما جهل، والرجوع إلى من هو أعلم منه، وعلى أن المقصرين من الصحابة والتابعين كانوا لا يجرؤون على تفسير القرآن والسنة بدون الرجوع إلى علمائهم، واستعلامهم عنهما، وهذا متواتر عنهم، وهو عين ما ذكرنا له، قوله: كالتكليف بما لا يطاق إلخ. أقول: قد صرح المؤلف- ﵀ في أول هذه الرسالة بأنه ذلك من تكلي مالا يطاق، وقارب هاهنا فجعله مشبها به، والكل خبط، وخلط وغفلة عن مفهوم مالا يطاق، وق حررناه فيما سبق ما فيه كفاية، وسنتقصر ها هنا في الجواب على المؤلف (١) على قوله في قصيدته التائية (٢). ومن [قال] أن الأمر ليس بممكن ... وأن ليس إلا اتباع لفرقة فأحباره أربابه دون ربه ... وقبلته ليست إليه بوجهة وهاهي ما بني الأنام شهيرة ... جلية معنى اللفظ غير خفية وسنة خير المرسلين علومها ... مسهلة للأخذ في كل بلدة (٣) وهي أبيات طويلة نحو الثلاثين، وكلها في التنفير عن التقليد ومن جملتها هذه. ودع عنك تقليد الرجال ولا تقل ... هم فطنا ما لم أنله بفطنة

стр. 1771

فقد بلغوا مقدار ما جهدوا له ... وكل عليه جهده في الشريعة فإن أخطؤوا شيئا فربك عالم ... بما أضمروه من صحيح العقيدة وأنت فقد أخطأت حين جعلتهم ... سبيل هدى في رخصة أو عزيمة وليته اقتصر على هذه الأبيات التي صرح فيها بالمذهب الحق وسلم من هذا التهافت الذي جمعه في هذه الورقات، ولقد كنت أستحسن هذه القصيدة لاشتمالها على أطراف من النصح الصحيح، حتى حداني ذلك إلى تذييلها بقريب من مثليها، وقد ذكرت في أول هذه الرسالة جملة من ذلك. قوله فإن يكن عند أحد من علمائنا نص إلى قوله فليظهره. أقول: لا يشك من له أدنى تمييز أن النصوص القرآنية والحديثية الدالة على وجوب اتباع الكتاب والسنة على كل فرد من أفراد العباد قد بلغت مبلغا تقصر عنه العبارة، والعلم بها قدر مشترك بين العاصي والعالم، هؤلاء المقلدة الذين تبرعت [١٤] بالمفاضلة عنهم داخلون تحت تلك العمومات دخولا لا ينكره من له أنسة بمدلولات الألفاظ فإن ادعيت خروجهم عنها، وأو اختصاصها بالمجتهدين، فأبرز لنا دليل التخصيص، أو الاختصاص، وما أراك تجده. قوله: وليس الاختلاف المذموم هو ما عليه الناس إلخ. أقول: بل هو هو، لأن الخلاف المنهي عنه منسوب إلى الدين فحصول أي خلاف لفيه داخل تحت عموم الأدلة القاضية بالنهي نحو قوله تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء﴾ (١) وقوله: ﴿أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ (٢) إلى غير ذلك من الأدلة، وسنوردها إن شاء الله في هذه الرسالة، وعلى الجملة أنا نعلم أن الخلاف بين هذه الأمة قد يفضي في كثير من المسائل إلى التفاؤل بين العالمين

стр. 1772

في تحليل عين وتحريمها، وإيجاب حكم وتحريمه، ونحو ذلك، وهذا من الاختلاف في الدين بلا ريب. قوله: منها أنه قد علم أن تكليف الله للمجتهدين إلخ. أقول: لم يكلف الله تعالى المجتهد إلا بطلب الحق لا سواه، فإن ظفر به ضاعف له الأجر، وأن أخطأه فخطؤه عفوا وله أجر كما صرح بذلك الحديث الصحيح. قوله: وهي الحجة في إصابة المجتهدين. أقول: قد أشار- ﵀ إلى قول الله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تكرتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ (١) وسنملي عليك ما إن تأملته حق تأمله عرفت عدم دلالة هذه الآية المطلوب. أما أولا فقد وقع الاخلاف بين المفسرين في سبب النزول في هذه الآية، فمنهم من يقول: جزم بأن السبب أن النبي ﷺ لما أمر بالقطع قيل له: كيف نفعل وقد نهينا عن الفساد! فنزلت، وهي على هذا خارجة عن محل النزاع. ومنهم من (٢) قال: إنها نزلت في شأن الصحابيين الذين اختلفا، فأخذهما أفسد بالقطع، والآخر أصلح واجتهد في التقويم، وعلى هذا التفسير قيل: إنها من أدلة التصويب المدعى، وقد ذكر الأئمة في سبب نزول الآية أسبابا منها ما ذكره االواحدي في أسباب النزول (٣) قال بعد أن ذكر الآية ما لفظه: ولك أن رسول الله- صلى الله عليه آله وسلم- لما نزل بيني النضير، وتحصنوا في حصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء الله عند ذلك، وقالوا: زعمت يا محمد أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح عقر الشجرة المثمرة، وقطع النخيل؟ وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في

стр. 1773

الأرض؟ فشق ذلك على النبي- صلى الله عليه آله وسلم-، ووجد المسلمون في أنفسهم من قولهم، وخشوا أن يكون ذلك فسادًا، واختلفوا في ذلك [١٥] فقال بعضهم: لا تقطعوا، فإنه مما أفاء الله علينا، وقال بعضهم بل نغيظهم بقطعها، فأنزل الله: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها﴾ الآية تصديقا لمن نهى قطعه، وتحليلا لمن قطعه، وأخبر أن تركه وقطعه بإذن الله. ومنها ما ذكره الواحدي (١) قال أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا قتيبة، حدثنا الليث بن سعد عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله- ﵌ حرق نخل النضير، وقطع البويرة فأنزل الله: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين﴾ قال: رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) عن قتيبة، قلت: وقد عزا ه في جامع الأصول (٤) وإلى الترمذي (٥) وأبي داود (٦). وقال الترمذي: حسن صحيح، وذكره الواحدي (٧) أيضًا من طريق أخرى، فقلل: حدثنا أبو بكر بن الحارث أن عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا أبو يحيى الرازي، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله- ﵌ قطع نخل بني النضير وحرق، وهي البويرة،

стр. 1774

ولها يقول حسان: وهان على سرة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير وفيها نزلت الآية، ومنها ما أخرج الترمذي (١) عن أبن عباس بلفظ قال: استنزلهم من حصونهم قال: وأمروا بقطع النخل قال قال: فحك ذلك في صدورهم، فقال المسلمون: قد قطعنا بعضا وتركنا بعضا، قلنا، يا رسول الله- ﵌:هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركناه من وز؟ فأنزل الله الآية، وقال: حسن غريب. ومنها ما ذكره الواحدي (٢) أيضا: قال أخبرنا أبو بكر، أخبرنا عبد الله، أخبرناسلم بن عصام حدثنا رستة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا محمد بن ميمون التمار، ثمنا جرمون عن حاتم النجار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قام يهودي إلى النبي- ﵌ قال: أنا أقوم فأصلي، قال: قدر الله لك أن تصلي قال: أنا أقعد، قال: قدر الله لك أن تقعد، قال: أنا أقوم إلى هذه الشجرة فأقطعها، قال قدر الله لك أن تقعطها، قال: فجاء جبريل ﵇ فقال: يا محمد: لقنت حجتك، كما لقنها إبراهيم على قومه، وأنزل الله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين﴾ (٣) يعني اليهود. وفي الكشاف (٤) ما لفظه: وذلك أن رسول الله- ﵌ حين أمر، تقطع نخلهم، وتحرق، قالوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد [١٦] في الأرض،

стр. 1775

فما بال قطع النخل أو تحريقها؟ فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء، فنزلت يعني أن الله أذن لهم في قطعها ليزيدكم غيظا، ويضاعف لكم حسرة إذا رأيتموهم يتحكمون في أموالكم كيف أحبوا، ويتصرفون فيها كيف شاؤا، وقد صدر هذا ثم ذكر بعد ذلك ما لفظه (١): وروي أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة، والآخر اللون، فسألهما رسول الله- ﵌ فقال هذا: تركتها لرسول الله- ﵌ وقال هذا: قطعتها غيظا للكفار، وقد استدل به على جواز الاجتهاد، وعلى جوازه بحضرة الرسول- ﵌ لأنهما بالاجتهاد فعلا ذلك. واحتج به (٢) م يقول: كل مجتهد مصيب انتهى. وقد طولنا الكلام في السبب لتعلم أن الأحاديث الصحيحة قاضية بأن السبب غير المدعى، وأن الآية خارجة عن محل النزاع، وعندي أنها خارجة عن ذلك على كل وجه، لن الآية كشفت عن أصل الأمر المشكوك فيه وهو الإباحة، فليست على هذا دليلا على محل النزاع، بل هي بمثابة قولك لرجلين قال: أحدهما نمت، وقال الآخر استيقظت، فقلت: لا حرج على كل واحد منكما رجوعا منك إلى استواء فعل النوم وتركه، وأيضا إباحة أموال الكفار الخارجين عن الطاعة معلومة لكل واحد من المختلفين ولغيرهم من الصاحبة قبل هذه الواقعة، فالقطع ليس بالاجتهاد، ويشهد لصحة هذا قوله

стр. 1776

تعالى ﴿فبإذن اله﴾ أي الإذن السابق قبل هذه الواقعة، وأنت لا تشك لو قال القائل لعبده وقد نازعه منازع في شيء من التصرفات، فعل ذلك بإذن أن ذلك الإذن سابق على الصرف ولو لم ين سابقا لكنا اليد كاذبا في إخباره وهذه الآية التي عرفناك أنها لا تصلح للاستدلال قد اعترف القائل بإصابة كل مجتهد أنها أنهض الأدلة على قوله. قال الإمام المهدي: إنها أقوى ما يستدل به من السمع على هذه المسألة حكى ذلك عنه صاحب التلخيص على المقدمة. قوله: مصوب كل واحد منها إلخ. أقول: التصويب منه- ﵌ باعتبار أن كل واحد منهما قدانحرف من الحروف التي أنزل القرآن عليها كما ثبت في حديث عمر عند البخاري (١)، ومسلم (٢) والموطأ (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) بلفظ: قال سمعت هشام ابن حزام، يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله- ﵌، فاستمعت لقرآنه فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله- ﵌ فقلت: كذبت فإن رسول الله- ﵌ قد أقرأينها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده على رسول الله- ﵌ فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله- ﵌ أرسله،

стр. 1777

أقرأ يا هشام: فقرأ عليه السورة التي سمعته يقرؤها، فقال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل علي سبعة أحرف، فأقرؤوا ما تيسر منه". ومثل هذا ما وقع بين أبي بن كعب ورجل من الصحابة، ثم حسن رسول الله- ﵌ شأنهما، ثم قال- ﵌ معللا لذلك التحسين بمثل ما قاله لعمر، وهو ثابت في صحيح مسلم (١) والترمذي (٢) وأبي داود (٣) والنسائي (٤). بروايات متعددة. ولا يشك أن الكل صواب لهذا الاعتبار. قوله: ونهاهما (٥) عن الاختلاف أقول: هذا حجة على المؤلف لأن هذا الاختلاف في فرد من أفراد ا لشرعية، لا فرق بنيه وبين غيره. قوله: فيعود الكلام على منكري الاختلاف والتمذهب. أقول: هذ تسليم من المؤلف- ﵀-باندراج الخلاف المتنازع فيه في النهي

стр. 1778

المذكور، وهو المطلوب وادعاء عودة على منكري الاختلاف ممنوع، والسند أن اختلاف المختلفين في الدين مني عنه، وكل منهي عنه منكر، فاختلاف المختلفين في الدين منكر. وإذا ثبت أن هذا الاختلاف منكر فكل منكر يجب إنكاره، فهذا الاختلاف يجب إنكاره وهو المطلوب، فما وقع من العلماء من تقبيح الاختلاف من باب المنكر، لا من باب الاختلاف المنهي عنه، ولو كان من باب الاختلاف المنهي عنه لانسد باب إنكاره المنكر وهو باطل. قوله: ومنها أن الأمة من عهد الصحابة إلى الآن، إلى قوله فيبعد أن يكون المراد. أقول: أراد المؤلف بهذا ابحث الاحتجاج بالإجماع من الصحابة فمن بعدهم، على تجويز الاختلاف (١) بين الأمة المعلوم بالضرروة، وعلى التصويب المدعى، وهذه الحجة أنهض حجة جاء بها أهل هذه المقالة، وهي دعوى لا تتفق عند من له أدنى تمييز للقطع بصدور الإنكار للخلاف من الصحابة فمن بعدهم إلى عصرنا هذا والتصريح بتخطئة بعضهم بعضا حتى جزم جماعة بأن ذلك أعنى التخطية إجماع الصحابة، وممن جزم بذلك المحقق ابن إمامة في الغاية.

стр. 1779

وسنملي عليك طرفا ما وقع بينن الصحابة من التصريح بالتخطية لبعضهم بعضا [١٨] ولأنفسهم، فأخرج البيهقي (١) عن علي- ﵇ أن عمر أرسل إلى أمرة بلغة عنها شيء ففزعت، وكانت حبلى فألقت ولدها، فصاح صيحتين ومات، فاستشار عمر الصحابة، فأشار عليه بضعهم أن ليس عليك شيء، إنما أ، ت وال ومؤدب، فقال عمر: ما يقول علي؟ فقال علي ﵇: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطؤوا، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، إن ديته عليك، لأنك أفزعتها فألقت ولدها من سببك، وأخرج عبد الرزاق (٢) عنابن عباس أنه قال: لا يتقي الله يد بن ثابت جعل ابن الابن ابنا، ولم يجعل أب الأب أبا، وهكذا قوله في العول: لو قدم عمر من قدم الله، أخر من أخر الله ما عالت فريضة. ذكره الأسيوطي في شرح جمع الجوامع. وروي عن علي- ﵇ وزيد بن ثابت وغيرهما تخطئة ابن عباس في عدم القول بالعول. وروي الأسيوطي عن أبي بكر في الكلالة أنه قال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله وحده ولا شريك له، وإن كان خطأ فمن ومن الشيطان، والله عنه بريء. رواه الدارمي (٣) والبيهقي (٤) وابن أبي شيبة (٥) وغيرهم (٦). وروى المؤيد بالله في التجريد (٧) عن ابن مسعود أنه قال امرأة مات زوجها ولم

стр. 1780

يفرض لها صداقا: أقول فيها برأيي: فإن كان صواب فمن الله، وإن ككانخطأ فمن ومن الشيطان. رووى البيهقي (١) أن كاتبا لعمر بن الخطاب كتب: هذا ما أرى الله عمر، فقال عمر: أمحه، وكتب: هذا ما رأى عمر، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر. ومن ذلك تخطئتهم لابن عباس في إفتائه بالمتعة (٢) وتخطئتهم له أيضًا في جواز بيع الدرهم بالدرهمين استنادا منه إلى إنما الربا في النسيئة (٣). ومنه اختلاف أهل الجمل وصفن، والنهروان، وتخطئة بعضهم بضعًا، ثم الختلاف في قتل عثمان، وكم نملي عليك من هذا القبيل. وفي نهج (٤) البلاغة عن علي- ﵇ أنه قال: أترد على أحدكم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب أراءهم جميعا، وإلههم واحد ونبيهم واحد، وكتابهم واحد! أفأمرهم الله سبحانه بخلاف ما أطاعوه! أم نهاهم عنه فعموه! أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامة! أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى! أم أنزل الله دينا تاما فقصر الرسول- ﵌ عن تبليغه وأدائه، وألله سبحانه يقول: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (٥) وقال: ﴿تبينانا لكل شيء﴾ (٦)

стр. 1781

وذكر أن الكتاب يصدق بضعه بعضها، وأنه لا ختلاف فيه، فقال سبحانه: ﴿ولو كان [١٩] من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا﴾ (١) وأن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا بن وقال ﵇ في بعض خطبه: فواعجباه، ومالي لا أعجب ممن خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، وكفى دليلا على المطلوب تصريحه- ﵌ بالتخطية في عدة أحاديث منها: ما أخرج البخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) والنسائي (٥) والموطأ (٦) عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر». وأخرج البخاري (٧) ومسلم (٨) والترمذي (٩) والنسائي (١٠) وأبو داود (١١) والموطأ (١٢) عن أبي هريرة نحوه.

стр. 1782

قال الترمذي (١) وفي الباب عن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر. وفي رواية للحاكم (٢) إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجران، وإن أصاب فله عشرة أجور، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد (٣) وعن عقبة بن عامر أن رسول الله- ﵌ قال له في قضاء أمره به: اجتهد، فإن أصبت فلك عشرة حسنات، ون أخطأت فلك حسنةن وروي نحوه أحمد بن حنبل في مسنده (٤) فالعجب كل العجب من القائل: كل مجتهد (٥) مصيب، مع هذا التصريح النبوي الذي جاءت به الأحاديث المتعددة الصحيحة، بأن مخالف الحق مخطئ (٦) ولو صح إصابة كل مجتهد ما وقع من الله العتاب لرسوله، وللمؤمنين في كثير من الاجتهادات، كقوله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ (٧) وقوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى

стр. 1783

يثخن في الأرض﴾ (١) وقوله ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما آخذتم عذاب أليم﴾ (٢) وقوله: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ (٣). وهكذا نهيه رسول الله- ﵌ عن الاستغفار للمشركين (٤) وغيره ذلك من الآي، ويدل على ذلك أيضًا حدي أبي سيعد قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيديا طيبا، فوجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة الوضوء ولم يعده الآخر، ثم أتيا رسول الله- ﵌ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزتك صلاتك، وقال للذي توضأ ,أعاد لك من الأجر مرتين أخرجه أبو داود (٥) والنسائي (٦) والدارمي (٧) والحاكم (٨) وابن السكن (٩) والدارقطني (١٠) وهو في كثير من المؤلفات أهل البيت- ﵈ ففي هذا ا لحديث دليل على عدم التصويب للتنصيص على أن المصيب للسنة أحدهما فقط والآخر لم يصبها ولو كانت الشريعة أحدا دائرًا بين مرادات

стр. 1784

المجتهدين لأصباهم كل واحد منهم، وفيه أيضًا تصريح بالعفون فإن المخالف للسنة [٢٠] لم يأثم مخالفة بل استحق زيادة الأجر بالصلاة والأخرى، لأنها عبارة يستحق عليها ا لثواب، لأنه سبحانه لا يضيع عمل عامل. ومثله حديث جابر قال: خرج رسول الله- ﵌ عام الفتح إلى مكة في رمضان، وصام حتى بلغ كراع العميم، وصام الناس، ثمدعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض النس قد صام فقال: أولئك العصاة أخرجه مسلم (١) والترمذي (٢) وفي هذا تصريح بالخطأ والإثم، ولا يشك منصف أن صوم أولئك إنما كان باجتهاد، فإن قلت: استحقاق الأجر ينافي الخطأ، وقد صرحت الأدلة بأنه مأجور. قلت: استحقاق الأجر لي في مقابل الخطأ بل في تعب التحصيل، ومشقة البحث، قال ابن لإمام في شرح الغاية ما لفظه: تنبينه: أجر المخطئ على بذل الموسع لا على نفس الخطأ لعدم مناسبته، ولأنه ليس من فعله، والمصب بتعدد الأجر في حقه فله أجر على بذل الوسع كالمخطئ، وأجران أو أجور إما على الإصابة لكونا من آثار صنعه، ,إما لكونه سن سنة حسنة يقتدي بها من يتبعه من المقلد لاهتدائهم به لمصادقتهم الهدى، ومقلد مخطئ لم يحصل على شيء انتهى. ومن أدلة ما نحن بصدده براءته- ﵌ من فعل خالد (٣) في قتله بني

стр. 1785

جذيمة وقد بين وجه اجتهاده بالبقاء على الأصل، وكذلك تخطيته- ﵌ لأسامة بن زيد (١) في قتل من قال: لا إله إلا الله، وقد بين وجه اجتهاده بأنه إنما قالهاتقية، وحديث خالد وأسامة (٢) في الأمهات وغيرها، فهذه الأدلة قد دلت على مطلق الخطأ، مصحوبا بالإثابة أو الإثم أو العفو بحسب اختلاف الأفعال، وعلى الجملة أن تسمية المخطئ بالمصيب من الإصابة التي هي منافية للخطأ، لا من الصواب الذي لا ينافيه مستلزمه لإبهام الشريعة وبيانها بالاجتهادات، وهذا لعمرك الغلو الظاهر، وأي غلو أبلغ من جعل الشريعة محرمة إن حرم المجتهد محلله إن حلل موجبة، وإن أوجب مسقطه إن أسقط. نعم وأما استدلال القائل بأن كل مجتهد مصيب بقوله تعالى: ﴿ففهمنها سليمان وكلا ءاتينا حكما وعلما﴾ (٣) فهي من الدلالة على التصويب بمراحل، وأي فائدة

стр. 1786

جاء بها التخصيص بالتفهيم مع الاستواء في الإصابة، وتبعية مراد الشارع لمراد يما؟ فالقائل بأنها دالة على التصويب مطرح بمعنى التفهيم الذي من شأنه إصابة المتصف به وخطأ مقابلة. نعم فيها دالالة على العفو بعدية باعتبار قوله: ﴿وكلا ءاتينا حكما وعلما﴾ وقيل إنماكان كذلك الدفع توم إن داود- ﵇ ليس بذي علم وحكم، وكيف [٢١] يتفقان في الإصابة (١) وقد رجع داود- ﵇ إلى حكم سليمان!. وأما الاستدلال بحديث: خلاف أمتي رحمة» (٢) فهو لا يدل على التصويب، وعلى

стр. 1787

فرض دلالته عليه بالالتزام، فهو أيضًا مما لا أصل له ما قال المحدثون، وهم الناس في هذا ا لباب، واستشهاد مالك به في محفل من النسا لا يدل على صحته، وعلى فرض صحته له فهو ليس بحجة إن لم يسند، وأيضا فإن القطعيات بدفعه كقول الله تعالى ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾ (١) وقوله ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ (٢) وقوله: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء﴾ (٣) وقال: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو م تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ (٤) وقد استعاذ النبي- ﵌ وآله وسلم ن الأولتين، وقال في الأخرتين: هاتان أهون» أخرجه البخاري (٥) فجعل اختلاف الأمة عذابا ولم يجعله رحمة. وقد قال- ﵌ «الجماعة رحمة، الفرقة عذاب. أخرجه.

стр. 1788

الطبراني (١) من حديث النعمان بشير. وعنه- ﵌: «لا يقتتل مسلمان، ولا يختلف عالمان. «إذا عرفت هذا عملت عدم الإجماع الذي ادعاه المؤلف على الاختلاف والتصويب، بل وقوع الإجماع على التخطية، وهذا باعتبار المسائل الظنية ن وأما العقليات والقطعيات فقد حكى أئمة الأصول الإجماع على أن الحق فيها مع واحد، والمخالف في الضروريات منها- إن كانت دينا- كافر، وفي النظريات إثم، والبحث مستوفى في الأصول، فليرجع إليه. وكذلك الخلاف في الظني، وحكم المخالف للحق فيه. وقد سقنا إليك من الأدله ما يطمئن به خاطم، يرشدك إلى بطلان قول المغترين الجاعلين مراد الله أحدا دائرا بين مرادات المجتهدين، وعلى أن هذه المقالة قريبة الميلاد، أول من قال بها المهدي لدين الله محمد بن الحسن الداعي، كما حكى ذلك عنه الإمام الهدي أحمد رأيت بن يحيي في مقدمة البحر (٢) وشرحها، وهكذا قال أبو طالب في الإفادة. وقد رأيت هذه الرواية في كثير من كتب أصحابنا التاريخية. والعجب كل العجب ممن يدعي أن ذلك إجماع القدماء من أهل البيت، وعي لم تحدث على هذا إلا بعد إنقراض القدماء اصطلاحا بأكثر من أربعين عاما. فإذا لم ينفعك في هدم هذه المقالة المحدثة كتاب الله، وسنة رسوله، فقد استحكم في قلبك داء العصبية العضال، وسمها الضار القتال فابك على دينك. قوله: وبالجملة، فالنهى عن الاختلاف إلخ. أقول: قد أنصف المؤلف- رحمة الله- بإقراره بقبطعية [٢٢] النهي عن الاختلاف،

стр. 1789

ولكنه تعقبه بما يضحك منه فقال: وقع الاختلاف في المذاهب أمر قطعي ظاهر، قد وقع عليه الإجماع، ووجب عليه العمل، وأنت قد عرفت بطلان دعوى الإجماع الذي ادعاه، فإن كانت معارضة ذلك الأمر القطعي بإقراره مستنده إلى هذا الإجماع ففيه ما قد سمعته، وأن كانت المعارضة بمجرد وقوع الخلاف بالضرورة فهذا شيء لا يقول به عالم، لأن الزنا، والربا، وشرب الخمر، وقتل النفس، ونحو ذلك معلوم وقوعه في هذه الأمة بالضرورة، فهل يقول عاقل بأن هذا الوقوع يعارض تلك الأدلة القاضية بتحريمه. قوله: ولن يصوب الله أمرا نهى عنه. أقول: لم يتم له هذا التلفيق إلا بالبناء على التصويب قد أبطلناه، فإذا عرفت بطلانه عرفت بطلان هذا الدليل الذي لا يتم إلا به. قوله: فما بقي إلا تفسير الاختلاف بتخطيه بعض المجتهدين إلخ. أقول: إذا كانت التخطية داخلة في مسمى الخلاف بأى دليل دل على قصره عليها، على أنك قد عرفت ما سردناه عن الصحابة من ذلك. نعم لما ألجب المؤلف النصوص القرآنية، ولم يجد طريقا إلى ردها داعيته الحيل في تأويلها، وقع فيما وقع، وهكذا فلتكن التعسفات والتموية على المقصرين، وترويج خواطرهم بما لا طائل تحته. قوله: وما ذكرتم في شأن التقريرات إلى آخر الرسالة. أقول: المؤلف لما فرغ من تأصيل هذه المسائل التي مرت له وتقريرها، سلك الآن في تقرير فرعها، وقد عرفت ما هدمنا به الأصل الذي عليه أنبنت، وانهدام الفرع تابع له، والكلام على جميع الرسالة على الاستيفاء يستدعي كتابا حافلا، وقد تبين لك بما أسلفناه بقية الكلام على هذه الرسالة، فإن لم تنتفع بهذا المقدار فلست بمنتفع بالتطويل والإكثار، وطرق مذهب أهل البيت- سلام الله عليهم- مسهلة لا حاجة لطالبها إلى هذه

стр. 1790

التعسفات، ولا ضرورة تلجيه إلى تلك التقريرات والتذهيبات، المؤسسة على أس لا أصل له عند من له من الفطنة والتوفيق أدنى نصيب، وغلى الجملة فحثية صولة الرعاع قد أمسكت بعنان القلم، ومنعت عن كثير مما يليق بالمقام إيراده ولا جرم في فمي ماء وهل ... ينطق من في فيه ماء كمل من خط ومؤلفه: القاضي بدر الدين، وحاكم المسلمين محمد بن علي الشوكاني- حفظه الله- في ذي الحجة سنة ١٢٠٣ وجعله قرة عين للمسلمين، وأبقى حكمه في جميع الأنام، وسدده إلى ما فيه رضاه آمين آمين آمين.
следующие страницы →