جاء بها التخصيص بالتفهيم مع الاستواء في الإصابة، وتبعية مراد الشارع لمراد يما؟ فالقائل بأنها دالة على التصويب مطرح بمعنى التفهيم الذي من شأنه إصابة المتصف به وخطأ مقابلة.
نعم فيها دالالة على العفو بعدية باعتبار قوله: ﴿وكلا ءاتينا حكما وعلما﴾ وقيل إنماكان كذلك الدفع توم إن داود- ﵇ ليس بذي علم وحكم، وكيف [٢١] يتفقان في الإصابة (١) وقد رجع داود- ﵇ إلى حكم سليمان!.
وأما الاستدلال بحديث: خلاف أمتي رحمة» (٢) فهو لا يدل على التصويب، وعلى
стр. 1787
فرض دلالته عليه بالالتزام، فهو أيضًا مما لا أصل له ما قال المحدثون، وهم الناس في هذا ا لباب، واستشهاد مالك به في محفل من النسا لا يدل على صحته، وعلى فرض صحته له فهو ليس بحجة إن لم يسند، وأيضا فإن القطعيات بدفعه كقول الله تعالى ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾ (١) وقوله ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ (٢) وقوله: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء﴾ (٣) وقال: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو م تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ (٤) وقد استعاذ النبي- ﵌ وآله وسلم ن الأولتين، وقال في الأخرتين: هاتان أهون» أخرجه البخاري (٥) فجعل اختلاف الأمة عذابا ولم يجعله رحمة.
وقد قال- ﵌ «الجماعة رحمة، الفرقة عذاب. أخرجه.
стр. 1788
الطبراني (١) من حديث النعمان بشير. وعنه- ﵌: «لا يقتتل مسلمان، ولا يختلف عالمان.
«إذا عرفت هذا عملت عدم الإجماع الذي ادعاه المؤلف على الاختلاف والتصويب، بل وقوع الإجماع على التخطية، وهذا باعتبار المسائل الظنية ن وأما العقليات والقطعيات فقد حكى أئمة الأصول الإجماع على أن الحق فيها مع واحد، والمخالف في الضروريات منها- إن كانت دينا- كافر، وفي النظريات إثم، والبحث مستوفى في الأصول، فليرجع إليه. وكذلك الخلاف في الظني، وحكم المخالف للحق فيه.
وقد سقنا إليك من الأدله ما يطمئن به خاطم، يرشدك إلى بطلان قول المغترين الجاعلين مراد الله أحدا دائرا بين مرادات المجتهدين، وعلى أن هذه المقالة قريبة الميلاد، أول من قال بها المهدي لدين الله محمد بن الحسن الداعي، كما حكى ذلك عنه الإمام الهدي أحمد رأيت بن يحيي في مقدمة البحر (٢) وشرحها، وهكذا قال أبو طالب في الإفادة.
وقد رأيت هذه الرواية في كثير من كتب أصحابنا التاريخية.
والعجب كل العجب ممن يدعي أن ذلك إجماع القدماء من أهل البيت، وعي لم تحدث على هذا إلا بعد إنقراض القدماء اصطلاحا بأكثر من أربعين عاما.
فإذا لم ينفعك في هدم هذه المقالة المحدثة كتاب الله، وسنة رسوله، فقد استحكم في قلبك داء العصبية العضال، وسمها الضار القتال فابك على دينك.
قوله: وبالجملة، فالنهى عن الاختلاف إلخ.
أقول: قد أنصف المؤلف- رحمة الله- بإقراره بقبطعية [٢٢] النهي عن الاختلاف،
стр. 1789
ولكنه تعقبه بما يضحك منه فقال: وقع الاختلاف في المذاهب أمر قطعي ظاهر، قد وقع عليه الإجماع، ووجب عليه العمل، وأنت قد عرفت بطلان دعوى الإجماع الذي ادعاه، فإن كانت معارضة ذلك الأمر القطعي بإقراره مستنده إلى هذا الإجماع ففيه ما قد سمعته، وأن كانت المعارضة بمجرد وقوع الخلاف بالضرورة فهذا شيء لا يقول به عالم، لأن الزنا، والربا، وشرب الخمر، وقتل النفس، ونحو ذلك معلوم وقوعه في هذه الأمة بالضرورة، فهل يقول عاقل بأن هذا الوقوع يعارض تلك الأدلة القاضية بتحريمه.
قوله: ولن يصوب الله أمرا نهى عنه.
أقول: لم يتم له هذا التلفيق إلا بالبناء على التصويب قد أبطلناه، فإذا عرفت بطلانه عرفت بطلان هذا الدليل الذي لا يتم إلا به.
قوله: فما بقي إلا تفسير الاختلاف بتخطيه بعض المجتهدين إلخ.
أقول: إذا كانت التخطية داخلة في مسمى الخلاف بأى دليل دل على قصره عليها، على أنك قد عرفت ما سردناه عن الصحابة من ذلك.
نعم لما ألجب المؤلف النصوص القرآنية، ولم يجد طريقا إلى ردها داعيته الحيل في تأويلها، وقع فيما وقع، وهكذا فلتكن التعسفات والتموية على المقصرين، وترويج خواطرهم بما لا طائل تحته.
قوله: وما ذكرتم في شأن التقريرات إلى آخر الرسالة.
أقول: المؤلف لما فرغ من تأصيل هذه المسائل التي مرت له وتقريرها، سلك الآن في تقرير فرعها، وقد عرفت ما هدمنا به الأصل الذي عليه أنبنت، وانهدام الفرع تابع له، والكلام على جميع الرسالة على الاستيفاء يستدعي كتابا حافلا، وقد تبين لك بما أسلفناه بقية الكلام على هذه الرسالة، فإن لم تنتفع بهذا المقدار فلست بمنتفع بالتطويل والإكثار، وطرق مذهب أهل البيت- سلام الله عليهم- مسهلة لا حاجة لطالبها إلى هذه
стр. 1790
التعسفات، ولا ضرورة تلجيه إلى تلك التقريرات والتذهيبات، المؤسسة على أس لا أصل له عند من له من الفطنة والتوفيق أدنى نصيب، وغلى الجملة فحثية صولة الرعاع قد أمسكت بعنان القلم، ومنعت عن كثير مما يليق بالمقام إيراده
ولا جرم في فمي ماء وهل ... ينطق من في فيه ماء
كمل من خط ومؤلفه: القاضي بدر الدين، وحاكم المسلمين محمد بن علي الشوكاني- حفظه الله- في ذي الحجة سنة ١٢٠٣ وجعله قرة عين للمسلمين، وأبقى حكمه في جميع الأنام، وسدده إلى ما فيه رضاه آمين آمين آمين.
стр. 1791
القول المفيد في حكم التقليد
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه
محفوظة بنت على شف الدين أم الحسن
стр. 1792
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة: القول المفيد في حكم التقليد.
٢ - موضوع الرسالة: أصول الفقه.
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وبعد حمد لله وصلاته وسلامه على رسول وآله. فإنه طلب بعض المحققين من أهل العلم أن أجمع له بحثا يشمل على تحقيق الحق في التقليد ....
٤ - آخر الرسالة: .... فإن ألجأته الضرورة، لم يتمكن من تصريح بالصواب، فعليه أن يصرح تصريحا لا يبقى فيه شك لمن يقف عليه أن هذا مذهب فلان أو لاأي فلان الذي سأل عنه السائل عن غيره. انتهى ما أدت تحيره بقلم مؤلف محمد بن علي الشوكاني.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - عدد الأوراق: ٣٢ ورقة أي ٦٤ صفحة.
٧ - المسطرة: ٢٤ - ٢٦ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٠ - ١٢) كلمة.
٩ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني
١٠ - الرسالة من المجلد الثالث من (الفتح الرباني من فتاى الشوكاني).
стр. 1793
[تمهيد]
بسم الله الرحمن الرحيم، وبعد حمد لله وصلاته وسلامه على رسول وآله. فإنه طلب بعض المحققين من أهل العلم أن أجمع له بحثا يشمل على تحقيق الحق في التقليد (١)، أجائز هو أم لا على وجه لا يبقى بعده شك ولا يقبل عنده تشكيل. ولما كان هذا السائل من العلماء المبزين كان جوابه على نمط علم المناظرة.
فنقول وبالله التوفيق: لما كان القائل بعدم جواز التقليد قائما في مقام المنع وكان القائل بالجواز مدعيا كان الدليل على مدعي الجواز وقد جاء المجوزون بأدلة:
стр. 1794
[أدلة القائلين بجوار التقليد والرد عليها]
[١]: منها قوله تعالى ﴿فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (١) قالوا فأمر الله سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم.
(الجواب) أن هذه الآية الشريفة واردة في سؤال خاص خارج عن محل النزاع كما يفيد ذلك السياق المذكور قبل هذا اللفظ الذي استدلوا به وبعده.
يفيد ابن جرير (٢) والبغوي (٣) وأكثر المفسرين إنها نزلت ردا على المشركين لما أنكروا كون الرسول بشرا، وقد استوفى ذلك السيوطي في الدر المنثور (٤) وهذا هو المعنى الذي يفيده السياق (٥). قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا إليهم نوحي فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (٦) وقال [تعالى]: ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم﴾ (٧) وقال [تعالى]: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا
стр. 1795
نوحى إليهم من أهل القرى﴾ (١)
وعلى فلاض أن المراد السؤال العام فالمأمور بسؤالهم هم أهل الذكر وهو كتاب الله وسنة رسوله لا غيرهما، ولا أظن مخالف في هذا لأن هذه الشريعة المطهرة هى إما من الله وذلك هو القرآن الكريم، أو من رسوله- ﵌ وذلك هو السنة المطهرة ولا ثالث لذلك.
وإذا كان المأمور بسؤالهم هم أهل القرآن والسنة فالآية المذكورة حجة على المقلدة وليست بحجة لهم لهم لأن المراد أنهم يسألون أهل الذكر ليخبروهم به، فالجواب من المسؤولين أن يقولوا قال الله كذا قال رسوله كذا فيعمل السائلون بذلك وهذا هو غير ما يريده المقلد المستدل بالآية الكريمة فإنه إنما استدل بها على جواز ما هو فيه من الأخذ بأقوال الرجال من دون سؤال فإن سؤال عن الدليل فإن هذا هو التقليد، ولهذا رسموه بأنه قبول قول الغير من دون مطالبته بحجة (٢).
فحاصل التقليد أن لا يسأل عن كتاب الله لا عن سنو رسوله بل يسأل عن مذهب إمامه، فإذا جاوز ذلك إلى [١] الشؤال عن الكتاب والسنة فليس بمقلد، وهذا يسلمه كل مقلد ولا ينكره. وإذا تقرر بهذا أن المقلد إذا سأل أهل الذكر عن كتاب الله وسنة رسوله لم يكن مقلد علمت أن هذه الآية الشريفة- على تسليم أن السؤال ليس عن الشيء الخاص الذي يليه السياق بل عن كل شيء من الشريعة كما يزعمه المقلد- تدفع في وجهه وترغم أنفه وتكسر ظهره كما قررناه.
[٢]: ومن جملة ما استدلوا به ما ثبت عنه ﷺ أنه قال في حديث صاحب الشجة (ألا سالوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العي ..........
стр. 1796
السؤال) (١) وكذلك حديث العسيف الذي زنى بامرأة مستأجرة فقال أبوه أني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وأن على امرأة هذا الرجم، وهو حديث ثبت في الصحيح (٢) قالوا فلم ينكر عليه تقليد من هو أعلم منه.
(الجواب): أنه لم يرشدهم- ﵌ في حديث صاحب الشحة إلى السؤال عن آراء الرجال بل أرشدهم إلى السؤال عن الحكم الشرعي الثابت عن الله ورسوله، ولهذا دعا عليهم لما أفتوا بغير علم فقال [﵌]: «قتلوه قتلهم الله» مع أنهم قد أفتوا بآرائهم فكان الحديث حجة عليهم لا لهم، فإنه اشتمل على أمرين. أحدهما: الإرشاد لهم إلى السؤال عن الحكم الثابت بالدليل. والآخر الذم لهم على اعتماد الرأي والإفتاء به، وهذا معلوم لكل عالم فإن المرشد إلى السؤال هو رسول الله- ﵌ وهو باق بين أظهرهم فالإرشاد منه إلى السؤال وأن كان مطلقا ليس المراد به إلا سؤاله- ﵌ أو سؤال من يسأله أو سؤال من قد علم هذا الحكم منه.
والمقلد كما عرفت سابقا لا يكون مقلدا إلا إذا لم يسأل عن الدليل أما سأل عنه فليس بمقلد فكيبف يتم الاحتجاج بذلك على جواز التقليد [٢] وهل يحتج عاقل على ثبوت شيء بما ينفيه وعلى صحة أمر بما يفيد فساده فأنا لا نطلب منكم معشر المقلدة إلا
стр. 1797
ما دل عليه ما جئتم به فنقول لكم اسألوا أهل الذكر وه كتاب الله وسنة رسوله واعملوا عليه وارتكوا آراء الرجال والقيل والقال. ونقول لكم كما قال رسول الله ﵌ ألا تسألون فإنما شفاء العيى السؤال عن كتاب الله وسنة رسوله لا عن رأى فلان ومذهب فلان فإنكم إذا سألتم عن محض الرأي فقد قتلكم من رسوله به كما قال رسول الله- ﵌. في حديث صاحب الشجة (١) «قتلوه قتلهم الله».
وأما السؤال الواقع من والد العسيف (٢) فهو إنما سأل علماء الصحابة عن حكم مسألته من كتاب الله وسنه ريوله ولم يسألهم عن آرائهم ومذهبهم، وهذا يعلمه كل عالم، ونحن لا نطلب من المقلد إلا أن يسأل كما سأل والد العسيف ويعمل على ما قام عليه الدليل الذي رواه العالم المسؤول ولكنه قد أقر على نفسه أنهلا يسأل إلا عن رأي إمامه لا عن روايته، فكان استدلاله، بما استدل به هاهنا حجة عليه لا له والله المستعان.
[٣]: ومن جملة ما استدلوا به ما ثبت أن أبا بكر قال في الكلالة (٣): أقضي فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يمكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله أن أخالف أبا بكر وصح عنه أنه قال لأبي بكر رأينا تبع لرأيك. وصح (٤) قال كان ستة من أصحاب رسول الله- ﵌ يفتون الناس: ابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبو موسى [﵃] وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم
стр. 1798
لقول ثلاثة كان عبد الله يدع قوله لقول عمر وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب.
(الجواب): عن قول عمر أنه قد قيل إنه يستحي عمر من مخالفة أبي بكر [٣] في اعترافه بجواز الخطأ عليه وأن كلامه ليس كله صوابا مأمونا عليه الخطأ، وهذا وإن لم يكن ظاهرا لكنه يدل عليه ما وقع من مخالفة عمر لأبي بكر مسألة، كمخالفته له في سبي أهل الردة (١) وفي الأرض المغنومة (٢) فقسمها أبو بكر ووقفها عمر. وفي العطاء (٣) فقد كان أبو بكر يرى التسوية وعمر يرى المفاضلة. وفي الاستخلاف فقد استخلف أبو بكر ولم يستخلف عمر (٤)، بل جعل الأمر شورى وقال إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر، وإن لم أستخلف فإن رسول الله- ﵌ لم يستخلف.
قال ابن عمر فوالله ما هو إلا ان ذكر رسول الله- ﵌ فعلمت أنه لا يعدل برسول الله- ﵌ أحدا وأنه غير مستخلف. مخالفه أيضًا في الجلد والإخوة (٥) فلو كان المراد بقوله إن يستحي من مخالفة أبي بكر في مسألة الكلالة (٦) وهو ما قالوه لكان منقوضًا عليهم بهذه المخالفات فإن صح خلافة له، ولم يستح منه فما أجابوا به في هذه المخالفات فهو جوابنا عليهم في تلك الموافقة.
стр. 1799
وبيانه أنهم إذا قالوا خالفه في هذه المسائل لآن اجتهاده، كان على خلاف اجتهاد أبي بكر.
قلنا ووافقه في تلك المسألة لأن اجتهاده كان موافقا لاجتهاده وليس من التقليد في شيء.
وأيضا قد ثبت أن عمر بن الخطاب أقر عند موته (١) بأنه لم يقض في الكلالة بشيء واعترف أنه لم يفهمها فلو كان قد قال بما به أبو بكر تقليدا له لما أقر بأنه لم بقض فيها بشيء ولا قال إنه لم يفهمها. ولو سلمنا «أن عمر أبا بكر في هذه المسألة لم تقم بذلك حجة، لما تقرر من عدم حجة أقوال الصحابة (٢) وأيضا غاية ما في ذلك تقليد علماء الصحابة في مسألة من المسائل التي يخفى فيها الصواب على المجتهد مع تسويغ
стр. 1800
المخالفة فيما عدا تلك المسألة، وأين هذا مما يفعله المقلدون من تقليد العالم في جميع أمور الشريعة من غير التفات إلى دليل ولا تعريج على تصحيح أو تعديل.
وبالجملة فلو سلمنا [٤] أن ذلك تقليد من عمر كان دليلا للمجتهد إذا لم يمكنه الاجتهاد في مسألة، وأمكن غيره من المجتهدين فيها إذا أنه يجوز لذلك المجتهد أن يقلد المجتهد الآخر ما دام غير متكمن من الاجتهاد فيها إذا تضيقت عليه الحادثة. وهذه مسألة أخرى غير المسألة التى يريدها المقلد، وهى تقليد عالم من العلماء في جميع المسائل الدين وقبول رأيه دون روايته وعدم مطالبته بدليل، وترك النظر في الكتاب والسنة، والتعويل على ما يراه من هو أحقر الآخذين بهما، فإن هو عين اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا كما سيأتيك بيانه.
وأيضا لو فرض ما زعمه من الدلالة لكان ذلك خاصا بتقلي علماء الصحابة في مسألة من المسائل فلا يصح إلحاق غيرهم لهم لما تقرر من المزايا التي للصحابة البالغة إلى حد بقصر عنه الوصف حتى صار مثل جبل أحد من متأهري الصحابة لا يعدل المد من متقدميهم ونصيفه (١) وصح أنهم خير القرون (٢) فكيف يلحق بهم غيرهم! وبعد اللتيا والتي (٣) فما أوجدتمونا نصا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله- ﵌
стр. 1801
وليست الحجة إلا فيها، ومن ليس بمعصوم لاحجة لنا لكم في قوله ولا في فعله فما جعل الله الحجة إلا في كتابه وعلى لسانه نبيه، عرف هذا من عرف وجهله من جهله والسلام.
وأما ما استدلوا به من قول عمر لأبي بكر رآينا لرأيك تبع فما هذه أول قضية جاءوا بها على غير وجهها فإنها لو نظروا في القصة بكمالها لكانت حجة عليهم لا لهم، وسياقها في صحيح البخاري (١) هكذا:
عن طارق بن شهاب قال جاء [بزاخة] (٢) وفد من أسد وطفان إلى أبي كر يسألونه الصلح فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية، فقالوا هذه عرفناها فما المخزية. قال: ننزع منكم الحلقة والكراع ونغنم ما أصبنا منكم [٥] وتردون علينا ما أصبتم منا، وتدون لنا قتلانا ويكون قتلاكم في النار، وتتركون أقواما يتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة رسوله- ﵌ والمهاجرين أمرا يعذرونكم به فعرض أبو بكر ما قال على القوم فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيت رأيا وسنشير عليك، أما ما ذكرت من الحرب المحلية والسم المخزية فنغمم ما ذكرت وأما ذكرت أن نغنم ما أصبنا منكم وتردون ما أصبتم منا فنعم ما ذكرت، وأما ذكرى تدون قتلانا
стр. 1802
ويكون قتلاكم في النار فإن قتلانا قاتلت فقلت على أمر الله، أجورها على الله ليس لها ديات فتتابع القوم على ما قال عمر.
ففي هذا الحديث ما يرد عليهم فإنه قرر ما رآه أبو بكر ﵁ ورد بعضه، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: قد رأيت رأيا ورأينا لرأيك تبع فلا شك أن المتابعة في بعض ما رآه أو في كله ليست من التقليد في شيء، بل من استصواب ما جاء به في الآراء والحروب وليس ذلك بتقليد، وأيضا قد يكون السكوت عن اعتراض بعض ما فيه مخالفة من آراء الأمراء لقصد إخلاص الطاعة للأمراء التي ثبت الأمر بها وكراهة الخلاف الذي أرشد- ﵌ إلى تركه. ثم هذه الآراء هي في تدبير الحروب وليست في مسائل الدين وإن تعليق بعضها بشيء من ذلك فإنما هوة على طريق الاستتباع.
وبالجملة فاستدلال من استدل بمثل هذا على جواز التقليد تسلية لهؤلاء المساكين من المقلدة بما لا يسمن ولا يغني من جوع، وعلى كل حال فهذه الحجة التي استدلوا بها عليهم لا لهم لأن عمررضي الله عنه قرر من قول أبي بكر ما وافق اجتهاده ورد ما خالفه.
وأما ما ذكروه من موافقة ابن مسعود لعمر وأخذه بقوله، وذلك رجوع بعض الستة المذكورين من الصحابة إلى بعض فليس هذا إلا من باب موافقة العالم المجتهد للعالم المجتهد، وليس هذا ببدع ولا مستنكر فالعالم يوافق العالم في أكثر مما يخالفه فيه من المسائل، ولا سيما إذا كانا قد بلغا إلى أعلى مراتب الاجتهاد فإن المخالفة قليلة جدا، وأيضا قد ذكر أهل العلم أن ابن مسعود خالف عمر في نحو مائة مسألة، وما وافقه إلا في نحو أربع مسائل فأين التقليد من هذا ويكف صلح مثل ما ذكر [٦] للاستدلال به على جواز التقليد؟ وهكذا رجوع الستة المذكورين إلى أقوال بعض فإن هذا موافقة لا تقليد، وقد كانوا جميعا هم وسائر الصحابة إذا ظهرت لهم السنة لم يتركوها لقول أحد كائنا من كان بل كانوا يعضون عليها ...........
стр. 1803
بالنواجذ (١) ويرمون بآرائهم وراء الحائط فأين هذا من صنع المقلدين الذين لا يعدلون بقول من قلد كتابا ولا سنة ولا يخالفونه قط، وإن تواتر لهم ما يخلفه من السنة.
ومع هذا فإن الرجوع (٢) الذي كان يقع من بعض الصحابة إلى قول بعض إنما هو في الغالب رجوع إلى روايته لا إلى رأيه، لكونه أخص بمعرفة ذلك المروي منه بوجه من الوجوه كما يعرف هذا من عرف أحوال الصحابة.
وأما مجرد الآراء المحضة فقد ثبت عن أكابرهم النهي عنها والتنفير منها كما سيأتي بيان طرف من ذلك إن شاء الله وإنما كانوا يرجعون إلى الرأي إذا أعوزهم الدليل وضاقت عليهم الحادثة، ثم لا يبرمون أمرا إلا بعد التراود والمفاوضة، ومع ذلك فهم على وجل، ولهذا كانوا يكرهون تفرد بعضهم برأي يخالف جماعتهم حتى قال أبو عبيدة السلماني لعلي ابن أبي طالب: لرأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك.
[٤]: واحتجوا أيضًا بقوله- ﵌: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي «(٣) وهو طرف من حديث العرباض بن سارية وهو حديث صحيح وقوله- ﵌:"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٤)
стр. 1804
وهو حديث معروف مشهور ثابت في السنن وغيرها.
(والجواب): أن ما سنه الخلفاء الراشدون من بعده فالأخذ به ليس إلا لأمره- ﵌ بالأخذ به فالعمل بما سنوه والاقتداء بما فعلوه هو لأمره- ﵌ لنا بالعمل بسنة الخلفاء الراشدين والاقتداء بأبي بكر وعمر ولم بأمرنا بالاستنان بسنة عالم من علماء الأمة ولا أرشدنا إلى الاقتداء بما يراه مجتهد من المجتهدين.
فالحاصل أنا لم نأخذ بسنة الخلفاء ولا اقتدينا بأبي بكر وعمر إلا امتقالا لقوله- ﵌:» عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (١) وبقوله «اقتدوا بالذين من بعد أبي بكر وعمر» (٢) فكيف ساغ لكم أن تستدلوا بهذا الذي ورد فيه النص على ما لم يرد فيه! فهل تزعمون أن رسول الله- ﵌ قال عليكم بسنة أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل [٧] حتى يتم لكم ما تريدون.
فإذا قلتم نحن نقيس أئمة المذاهب (٣) على هؤلاء الخلفاء الراشدين فيا عجبا لكم كيف ترتقون إلى هذا المرتقى الصعب وتقدمون هذا الإقدام في مقام الإحجام فإن رسول الله- ﵌ إنما خص الخلفاء الراشدين وججعل سنتهم كسنته في اتباعها لأمر يختث بهم ويتعداهم إلى غيرهم ولو كان الإلحاق بالخفاء الراشدين سائغا لكان إلحاق المشاركين لهم في الصحبة والعلم مقدما على من لم يشاركهم في مزية من المزايا، بل المسبة بينه وبينهم كالنسبة بين الثرى والثريا، فلولا أن هذه المزية خاصة بهم مقصورة عليهم لم يخصهم بها رسول الله- ﵌ دون سائر الصحابة فدعونا من هذه التمحلات التي يأباها الإنصاف.
стр. 1805
وليتكم قلدتم الخلفاء الراشدين لهذا الدليل أو قلدتم ما صح عنهم على ما يقوله أئمتكم، ولكنكم لم تفعلوا بل رميتم بما جاء عنهم وراء الخائط إذا خالف ما قاله من أنتم أتباع له، وهذا لا ينكره إلا مكابر معاند بل رميتم بصريح الكتاب ومتواتر السنة إذا جاء بما يخالف من أنتم متبعون لهم، فإن أنكرتم هذا فهذه كتبكم أيها المقلدة على ظهر البسيطة عرفونا من تتبعون من العلماء حتى نعرفكم بما ذكرناه.
[٥]: ومن جملة ما استدلوا به حديث: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (١).
(الجواب): أن هذا لا حديث قد روي من طريق عن جابر (٢) وابن عمر وصرح أئمة الجرح والتعديل بأنه لا يصح منها شيء، وأن هذا الحديث لم يثبت عن رسول الله- ﵌ وقد تكلم عليه الحفاظ بما يشفي ويكفي، فمن رام البحث عن طرقه وعهن تضعيفها فهو ممكن بالنظر في كتاب من كتب هذا الشأن (٣) وبالجملة فالحديث لا تقوم به حجة به قم لو كان مما تقوم به الحجة فما لكم أيها المقلدون وله، فإنه تضمن منقبة للصحابة ومزية لا توجد [٨] لغيرهم فماذا تريدون منه؟ فإن كان ما تقلدونه منهم احتجا إلى الكلام معكم، وإن كان من تقلدونه من غيرهم فاتركوا ما ليس لكم لهم ودعوا الكلام على مناقب خير القرون، وهاتوا ما أنتم بصدد الاتسدلال عليه فإن هذا الحديث لو صح لكان الأخذ بأقوال الصحابة ليس إلا لكونه- ﵌ أرشدنا إلى أن الاقتداء بأحدهم اهتداء فنحن إنما امتثلنا إرشاد رسول الله ﵌
стр. 1806
وآله وسلم] وعملنا على قوله وتبعنا سنته، فإن ما جعاه محلا للاقتداء يكون ثبوت ذلك له بالنسبة وهى قول رسول الله الله عليه وآله وسلم فلم نخرج عن العمل بسنة رسول الله [﵌] ولا قلدنا غيره بل سمعنا الله يقول: ﴿وما إتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه فانتهوا﴾ (١) [آل عمران:٣١] وكان هذا القول من جملة ما أتانا به فأخذناه واتبعناه فيه، ولم نتبع غيره ولا عولنا سواه. فإن كنتم تثبتون لأئمتكم هذه المزية قياسافلا أعجب مما افتريتموه وتقولتموه، وقد سبق الجواب عنكم فى البحث الذي قبل هذا.
وبمثل هذا الجواب يجاب عن اتجاجهم بقوله- ﵌ «إن معاذا قد سن لكم سنة» (٢) وذلك فى شأن الصلاة حيث أخر قضاء ما فانه مع اٌمام ولا يخفى عليك أن فعل معاذ هذا إنما صار سنة بقول رسول الله- ﵌ لا بمجرد فعله، فهو إنما كان السبب لثبوت السنة ولم تكن تلك السنة (٣) سنة إلا بقول رسول الله- ﵌ وهذا واضح لايخفى. وبمثل هذا الجواب على حديث «أصحابي كالنجوم» (٤) يجاب عن قول ابن (٥) مسعود في وصف الصحابة فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا يهديهم فإنهم كانوا علي الهدى المستقيم.
стр. 1807
[خلاصة ما تقدم]
ثم هاهنا جواب يشمل ما تقدم من حديث «عليم بسنتي وسنة الخلفاء» وحديث «اقتدوا بالذين من بعدي» (١) وحديث «أصحابي والنجوم» (٢) وقول ابن مسعود وهو أن المراد بالاستنان بهم والاقتداء هو أن يأتي المستن والمقتدي بمثل ما أتوا به [٩] ويفعل كما فعلوا، وهم لا يفعلون فعلا ولا يقولون إلا على وفق فعل رسول الله- ﵌.
وقوله فالاقتداء بهم هواقتداء برسول الله- ﵌ والاستنان بسنتهم هو استنان بسنة رسول الله- ﵌ وإنما أرشد الناس إلى ذلك لأنهم المبلغون عنه الناقلون شريعته إلى من بعده من أمته فالفعل وإن كان لهم فهو على طريق الحكاية لفعل رسول الله عليه وآله وسلم، كأفعال الطهارة والصلاة والحج ونحو ذلك فهم رواة له وإنما كان منسوبا اليهم لكونه قائما بهم: وفي التحقيق هو راجع إلى ما سنه رسول بسنة رسول الله- ﵌، فالاقتداء بهم اقتداء به، والاستنان بسنتهم استنان بسنة رسول الله- ﵌ وإذا خفي عليك هذا فانظر ما كان يفعله الخلفاء الراشدون وأكابر الصحابة في عباداتهم فإنك تجده حكاية لما كان يفعله رسول الله- ﵌ وإذغ اختلفوا في شئ من ذلك فهو لاختلافهم في الرواية لا في الرأي، وقل أن جاء فعل من تلك الأفعال صادر عن أحد منهم لمحض رأي رآه، بل قد تجد ذلك لا سيما في أفعال العبادات وهذا يعرفه كل من له خبرة بأحوالهم.
وعلى هذا فمعنى الحديث أن رسول الله- ﵌ خاطب أصحابه أن يقتدوا بما يشاهدونه يفعله من سنته، وبما يشاهدون من أفعال الخلفاء الراشدين فإنهم
стр. 1808
المبلغون عنه العارفون بسنته المقتدون بها، فكل ما يصدر عنهم في ذلك صادر عنه ولهذا صح عن جماعة من أكابر الصحابة ذم الرأي وأهله وكانوا لا يرشدون أحدا إلا إلى سنة رسول الله- ﵌ لا إلى شيء من آرائهم وهذا معلوم لا يخفى على عارف [١٠] وما نسب إليهم من الاجتهادات وجعله أهل العلم رأيا لهم لا يخرج عن الكتاب والسنة وإما بتصريح أو بتلويح، وقد يظن خروج شيء من ذلك وهو ظن مدفوع لمن تأمل حق التأمل، وإذا وجد نادرا رأيت الصحابي بتحرج أبلغ تحرج ويصرح بأنه رأيه وأن الله بريء من خطئه وينسب الخطأ إلى نفسه وإلى الشيطان، والصواب إلى الله كما تقدم (١) عن الصديق فى تفسير الكلالة وكما روى عنه (٢) وعن غيره (٣) فى فرائض الجد , وكما كان يقول عمر (٤) فى تفسير قوله تعالي ﴿وفكهة وأبا﴾ (٥) وهذا البحث
стр. 1809
نفيس فتأمله حق التأمل تنتفع به.
[٦]: ومن جملة ما استدلوا به قول الله تعالى: ﴿أطيعو الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ (١) قالوا أولي الأمر هم العلماء وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به.
(الجواب) أن للمفسرين (٢) في تفسير أولي الأمر قولين: أحدهما أنهم الأمراء والثاني العلماء. ولا تمتنع إرادة الطائفتين من الآية الكريمة، ولكن أين هذا من الدلالة على مراد المقلدين فإنه لا طاعة للعلماء ولا للأمراء إلا إذا أمروا بطاعة الله على وفق شريعته وإلا فقد ثبت عنه صلى الله علية وآله وسلم: «أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٣)، وأيضا العلماء إنما أرشدوا غيرهم إلى ترك تقليدهم عن ذلك كما سيأتي بيان طرف منه عن الأئمة الأربعة وغيرهم فطاعتهم ترك تقليدهم.
ولو فرضنا أن في العلماء من يرشد الناس إلى التقليد ويرغبهم فيه لكان مرشدا إلى معصية الله، ولا طاعة له بنص حديث رسول الله- ﵌ (٤) وإنما قلنا إنه مرشد إلى معصية الله لأنه من أرشد هؤلاء العامة الذين لا يعقلون الحجج ولا يعرفون الصواب من الخطأ إلى التمسك بالتقليد كان هذا الإرشاد منه مستلزما لإرشادهم إلى ترك [١١] العمل بالكتاب والسنة إلا بواسطة أراء بواسطة أراء العلماء الذين يقلدونهم فما عملوا به عملوا وما لم يعملوا به لم يعملوا به، ولا يلتفتون إلى كتاب ولا سنة، بل من شرط
стр. 1810
التقليد الذين أصيبوا به أن يقبل من إمامه رأيه ولا يعول على روايته، ولا يسأله عن كتاب ولا سنة، فإن سأله عنهما خرج عن التقليد لآنه قد صار مطالبا بالحجة.
ومن حملة ما تجب فيه طاعة أولي الأمر تدبير الحروب التي تدهم الناس والانتفاع بآرائهم فيها وقي غيرها من تدبير أمر المعاش وجلب المصالح ودفع المفاسد الدنيوية، ولا يبعد أن تكون هذه الطاعة في هذه الأمور التي ليست من الشريعة هي المرادة بالأمر بطاعتهم، لأنه لو كان المراد طاعتهم في الأمور التي شرعها الله ورسوله لكان ذلك داخلا تحت طاعة الله وطاعة الرسول، ولا يبعد أيضًا أن تكون الطاعة لهم في الأمور الشرعية في مثل الواجبات المخيرة وواجبات الكفاية، فإذا أمروا بواجب من الواجبات المخيرة أو ألزموا بعض الأشخاص بالدخول في واجبات الكفاية لزم ذلك فهذا أمر شرعي وجبت فيه الطاعة، وبالجملة فهذه الطاعة لأولي الأمر المذكورة في الآية هذه هيالطاعة التي ثبتت في الأحاديث المتواترة (١) في طاعة الأمراء ما لم يأمروا بمعصية الله أو يرى المأمور كفرا بواحا، فهذه الأحاديث مفسرة لما في الكتاب العزيز وليس ذلك من التقليد في شيء بل هو في طاعة الأمراء الذين غالبهم الجهل والبعد في تدبير الحروب وسياسة الأجناد وجلب مصالح العباد وأما الأمور الشرعية المحضة فقد أغنى عنها كتاب الله وسنة رسوله [١٢]
стр. 1811
[٧]: واعلم أن هذا الذي سقناه هو عمدة أدلة المجوزين للتقليد، وقد أبطلنا ذلك كله كما عرفت. ولهم شبهة غير ما سقناه (١) وهي ما حررناه كقولهم إن الصحابة قلدوا عمر في المنع من بيع (٢) أمهات الأولاد، في أن الطلاق يتبع الطلاق، وهذه فرية ليس فيها مرية، فإن الصحابة مختلفون في كلا المسألتين فمنهم من وافق عمر اجتهادا لا تقليدا ومنهم من خالفه (٣)، وقد كان الموافقون له يسألونه عن الدليل ويستروونه النصوص، وشأن المقلد أن لا يبحث عن دليل بل يقبل الرأي ويترك الرواية، ومن لم يكن هكذا فليس بمقلد.
[٨]: ومن جملة ما تمسكوا به أن الصحابة كانوا يفتون ورسول الله- ﵌ حتى بين أظهرهم وهذا تقليد لهم.
ويجاب عن ذلك (٤) بأنهم كانوا يفتون بالنصوص من الكتاب والسنة وذلك رواية
стр. 1812
منهم، ولا يشك من يفهم أن قبول الرواية ليس بتقليد فإن قبول الرواية هو قبول للحجة، والتقليد إنما هو قبول للرأي، وفرق بين قبول الرواية وقبول الرأي، فإن قبول الرواية ليس من التقليد في شيء بل هو عكس رسم المقلد فاحفظ هذا فإن مجوزة التقليد يغالطون بمثل ذلك كثير فيقولون مثلا إن المجتهد هو مقلد لمن روى له السنة ويقولون إن من التقليد قبول قول المرأة أنها قد طهرت وقبول قول المؤذن أن الوقت قد دخل، وقبول الأعمى لقول من أخبره بالقبلة. بل وجعلوا من التقليد قبول شهادة الشاهد وتعديل المعدل وحرج الجارح.
ولا يخفى عليك أن هذا ليس من التقليد في شيء (١) بل هو من قبول الرواية لا من قبول الرأي، إذ قبول الرواي للدليل والمخبر بدخول الوقت وبالطهارة وبالقبلة [١٣] والشاهد والجارح والمزكي هو من قبول الرواية إذا الرواية إذا الراوي إنما أخبر المروي له بالدليل الذي
стр. 1813
رواه ولم يخبره بما يراه من الرأي، وكذلك المخبر بدخول الوقت ' إنما أخبر بأنه شاهد علامة من علامات الوقت، ولم يخبر لأنه قد دخل الوقت برأيه وكذلك المخبر بالطهارة فإن المرأة مثلا أخبرت أنها شاهدت علامات الطهر من القصة البيضاء ونحوها، ولم تخبر بأن ذلك رأي رأته، وهكذا المخبر بالقلبلة أخبر أن جهتها أو عينها هاهنا حسبما تقتضيه المشاهدة بالحاسة ولم يخبر عن رأيه، وهكذا أوضح من أن يخفى، والفرق بين الرواية وال ﴿أي أبين من الشمس، ومن التبس عليه الفرق بينهما فلا يشغل نفسه بالمعارف العليمة فإنه بهيمي الفهم وإن كان فى مسلاخ إنسان.
قال ابن خويز منداد البصر (١) الملكي: (التقليد): معناه في الشرع الرجوع إلى قوله لا حجة لقائله عليه، وذلك منوع منه في الشريعة، (والاتباع): ما ثبتت عليه الحجة .. إلى أن قال والاتباع في الدين متبوع والتقليد ممنوع، وسيأتي مثل الكلام لابن عبد البر وغيره.
[٩]: وقد أورد بعض أسراء التقليد كلاما يؤيد به دعواه الجواز فقال ما معناه- لو كان التقليد غير جائز لكان الاجتهاد واجبا على كل فرد من أفراد العباد، وهو تكليف مالا يطاق، فإن الطباع، وعلى فرض أنها قابلة له جميعها فوجوب تحصيله على كل فرد يؤدي إلى تبطيل المعايش التي لا يتم بقاء النوع بدونها، فإنه لا يظفر برتية الاجتهاد إلا من جرد نفسخ للعلم في جميع أوقاته على وجه لا يستغل بغيره، فحينئذ يشتغل الحراث والزراع والنساج والعمار ونحوهم بالعلم، وتبقى هذه الأعمال شاغرة معطلة [١٤] فتبطل المايش بأسرها ويفضي ذلك إلى انخزام نظام الحياة وذهاب نوع الإنسان، وفي هذا من الضرر والمشقة ومخالفة مقصود الشاعر مالا يخفى على أحد.
стр. 1814
ويجاب عن هذا التشكيك الفاسد (١) بأنا لا نطلب من كل فرد من أفراد العباد أن يبلغ رتبة الاجتهاد بل المطلوب هو أمر دون التقليد وذلك بأن يكون القايمون بهذه المعايش والقاصرون إدراكا وفهما كما كان عليه أمثالهم في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم وهم خير القرون (٢) ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وقد علم كل عالم أنهم لم يكونوا مقلدين ولا منتسبين إلى فرد من أفراد العلماء بل كان الجاهل يسأل العالم عن
стр. 1815
الحكم الشرعي الثابت فى كتاب الله أو سنة رسوله فيفتيه به ويرويه له لفظا أو معنى فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا أسهل من التقليد فإن تفهم دقائق علم الرأي أصعب من تفهم الرواية بمراحل كثيرة.
فما طلبنا من هؤلاء العوام إلا ما هو أخف عليهم مما طلبه منهم الملزمون لهم بالتقليد، وهذا هو الهدى الذي درج عليه خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم حتى استدرج الشيطان بذريعة التقليد من استدرج ولم يكتف بذلك حتى سول لهم الاقتصار على تقليد فرد من أفراد العلماء وعدم جواز تقليد غيره ثم توسع في ذلك فخيل لكل طائفة أن الحق مقصور على ما قاله إمامها وما عداه باطل، ثم أوقع في قلوبهم العداوة [١٥] والبغضاء حتة أنك تجد من العداوة بين أهل المذاهب المختلفة مالا تجده بين أهل الملل المختلفة وهذا يعرفه كل من عرف أحوالهم.
فانظر إلى هذه البدعة الشيطانية التي فرقت أهل الملة الشريفة وصيرتهم على ما تراه من التباين والتقاطع والتخالف، فلو لم يكن من شؤم هذه التقليدات والذاهب المبتدعات إلا مجرد هذه الفرقة بين أهل الإسلام مع كونهم أهل مله واحدة ونبي [واحد] (١) وكتاب واحد لكان ذلك كافيا كونها غير جائزة فإن النبي- ﵌ كان ينهى عن الفرقة ويرشد إلى الاجتماع ويذم المتفرقين في الدين حتى إنه قال في تلاوة القرآن وهو من أعظم الطاعات أنهم إذا اختلفوا تركوا التلاوة وأنهم يتلون ما دامت قلوبهم مؤتلفة (٢).
وثبت ذم التفرق والاختلاف في مواضع من الكتاب .............................
стр. 1816
العزيز (١) معروفة فكيف يحل لعالم أن يقول بجواز التقليد الذي كان سبب فرقة أهل الإسلام وانتشار ما كان عليه من النظام والتقاطع بين أهله وإن كانوا ذوي أرحام.
[١٠]: وقد احتج بعض أسراء التقليد ومن لم يخرج عن أهله وإن كان عند نفسه قد خرج منه- بالإجماع- على جوازه، وهذه دعوى لا تصدر من عارف بأقوال أهل العلم بل لا تصدر من عارف بأقوال أئمة المذاهب الأربعة فإنه قد صح عنهم المنع من التقليد.
стр. 1817
[أقوال العلماء في النهي عن التقليد]
قال ابن (١) عبد البر: إنه لا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد وأوراد فصلا طويلا في محاجة من قال بالتقليد وإلزامه بطلان ما يزعمه من جوازه فقال:
يقال لمن قال بالتقليد لما قلت به وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا فإن قال قلدت لأن كتاب الله تعالى لا علم لي بتأويله، وسنة رسوله- ﵌ لم أحصها والذي [٦ ١] قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم مني قيل له أما العلماء إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية سنة رسول الله- ﵌ أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض فما حجتك في تقليد بعض دون بعض وكلهم عالم ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه. فإن قال قلدته لأني علمت أنه صواب قيل له وطولب بما ادعاه من الدليل، وإن قال قلدته لأنه أعلم مني قيل له فقلد كا من أعلم منك فإنك من ذلك خلقا كثيرا ولاتخص من قلدته، إذ علتك فيه أنه أعلم منك.
فإن قال قلدته لأنه أعلم الناس قيل له فهو إذا أعلم من الصحابة وكفى بقول مثل هذا قبحا ... انتهى (٢) ما أردت نقله من كلامه وهو طويل وقد حكى في أدلة افجماع على فساد التقليد فدخل فيه الأئمة الأربعة دخولا أوليا.
وحكى ابن القيم (٣) عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنهما قالا: لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه انتهى. وهذا هو تصريح يمنع التقليد التقليد لأن من علم بالدليل فهو مجتهد مطالب بالحجة لا مقلد والمقلد فإنه الذى يقبل القول ولا يطالب بحجة.
стр. 1818
وحكى ابن عبد البر (١) أيضًا عن معين بن عيسى بإسناد متصل به قال سمعت مالكا يقول إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. انتهى.
ولا يخفى عليك أن هذا تصريح منه بالمنع من تقليده لأن العمل بما وافق الكتاب والسنة من كلامه هو عل بالمكتاب والسنة وليس بنمسوب إليه، وقد أمر أتباعه بترك ما كان من رأيه غير موافق للكتاب والسنة.
وقال سند بن عنان الملكي في شرحه على مدونة سحنون المعورفة بالأم ما لفظة: أما مجرد الاقتصار على محض التقليد فلا يرضى به رجل رشيد وقال أيضا: نفس المقلد ليست على بصيرة ولا يتصف من العلم بحقيقة، إذ ليس التقليد بطريق إلى العلم بوفاق أهل الآفاق، وإن نوزعنا في ذلك أبدينا برهانه فنقول قال تعالى: ﴿فاحكم بين الناس بالحق﴾ (٢) وقال: ﴿بما أرك الله﴾ (٣) وقال: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (٤) وقال: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ (٥) ومعلوم أن العلم هو معرفة المعلوم على ما هو به، فنقول للمقلد [١٧] إذا اختلفت الأقوال وتشعبت من أين تعلم صحة قول من قلدته دون غيره أو صحة قولة له أخرى، ولا يبدى كلاما في ذلك إلانعكس عليه في نقيضه. سيما إذا عرض له قولة لإمام مذهبه الذي قلده
стр. 1819
وقولة تخالفها لبعض أئمة الصحابة إلى أن قال أما التقليد فهو قول الغير من غير خحة فمن أين يحصل به علم وليس له مستند إلى قطع، وهو أيضًا في نفسه بدعة محدثة لأنا نعلم بالقطع أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن في زمانهم وعصرهم مذهب لرجل معين يدرس ويقلد، وإنما كانوا يرجعون في النوازل إلى الكتاب والسنة أو إلى ما يتخض بينهم من النظر من النظر عند فقد الدليل وكذلك تابعوهم أيضًا يرجعون إلى الكتاب والسنة فإن لم يجدوا نظروا إلى ما أجمع عليه الصحابة فإن لم يجدوا اجتهدوا واختار بعضهم قول صحابي فرآه الأقوى في دين الله تعالى. ثم كان القرن الثالث وفيه كان أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل فإن مالكا توفي سنة تسع ومائة وتوفي أبو حنيفة سنة خمسين ومائة، وفي هذه السنة ولد الإمام الشافعي وولدا ابن حنبل سنة أربع وستين ومائة وكانوا على منهاج من مضى لم يكن في عصرهم مذهب رجل معين يتدارسونه وعلى قريب منهم كان أتباعهم فكم من قولة لمالك ونظرائه خالفه فيها أصحابه، ولو نقلنا ذلك لخرجنا عن مقصود هذا الكتاب، ما ذاك إلا لجمعهم آلات الاجتهاد وقدرتهم على ضروب الاستنباطات، ولقد صدق الله نبيه في قوله: ﴿خير الناس قرني ثم الذين يولنهم ثم الذين يلونهم﴾ ذكر بعد قرنه قرنين والحديث في صحيح البخاري (١).
فالعجب لأهل التقليد كيف يقولون هذا هو الأمر القديم وعليه أدركنا الشيوخ، وهو إنما حدث بعد مائتى سنة من الهجرة (٢) وبعد فناء القرون الذين أثنى عليهم الرسول ..... انتهى.
стр. 1820
[تاريخ التقليد]
وقد عرفت بهذا الإسم أن التنفيذ لم إلا بعد انقراض خير القرون تم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم , وأن حدوث التمذهب بمذاهب الأئمة الأربعةإنما كان بعد انقراض الأئمة الأربعة وإنهم كانوا على نمط من تقدمهم من السلف فى هجر التقليد وعدم الإعتداد به < > وان هذه المذاهب إنما أحذثها عوام المقلدة لأنفسهم من دون أن يأذن بها إمام من الأئمة المجتهدين , وقد تواترت الرواية عن الإمام مالك أنه قال له الرشيد (١) أنه يريد أن يحمل الناس على مذهبه , فنهاه عن ذلك وهذا موجود فى كل كتاب فيه ترجمة ال'مام مالك ولا يخلو ذلك إلا النادر.
وإذا تقرر أن المحدث لهذه المذاهب والمبتدع لهذه التقليدات هم جهلة المقلدة فقط، فقد عرفت مما تقرر في الأصول أنه لا اعتداد بهم في الإجماع وأن المعتبر في الإجماع إنما هم المجتهدون، وحينئذ لم يقل بهذه التقليدات عالم من العلماء المجتهدين أما قبل حدوثها فظاهر، وأما بعد حدوثها فما سمعنا عن مجتهدات أنه يسوغ صنيع هؤلاء المقلدة الذين فرقوا دين الله وخالفوا بين المسلمين بل أكابر العلماء بين منكر لها وساكت عنها سكوت تقية لمخافة ضرر أو لمخافة فوات نفع كما يكون مثل ذلك كثيراً لا سيما من علماء السوء.
وكل عاقل يعلم أنه لو صرخ عالم من علماء الإسلام المجتهدين في مدينة من مدائن الإسلام في أي محل كان بأن التقليد بدعة محدثة لا يجوز الاستمرار عليه ولا الاعتداد به لقام عليه أكثر أهلها إن لم يقم عليه كلهم وأنزلوا به من الإهانة والإضرار بماله وبدنه وعرضه مالا يليق بمن هو دونه، هذا إذا سلم من القتل على يد أول جاهل من هؤلاء المقلدة ومن يعضدهم من جهلة الملوك والأجناد فإن طبائع الجاهلين بعلم الشريعة متقاربة وهم لكلام من يجانسهم في الجههل أقبل من علام من يخالفهم في ذلك من أهل العلم.
стр. 1821
ولهذا طبقت هذه البدعة جميع البلاد الإسلامية، وصارت شاملة لكل فرد من أفراد المسلمين فالجاهل يعتقد أن الدين ما زال هكذا ولن يزال إلبى المحشر، ولا يعرف معروفا وال ينكر منكراً وهكذا من كان من المشتغلين بعلم التقليد فإنه كالجاهل [١٩] بل أقبح منه لأنه يضم إلى جهله وإصراره على بدعته وتحسينها في عيون أهل الجهل والازدراء بالعلماء المحققين العارفين بكتاب الله وسنة رسوله ويصول عليهم ويحول وينسبهم إلى الابتداع ومخالفة الأئمة والتنقص بشأنهم فيسمع ذلك منهم الملوك ومن يتصرف بالنيابة عنهم من أعوانهم فيصدقونه ويذعنون لقوله إذ هو مجانس لهم في كونه جاهلاً وإن كان يعرف مسائل قد قلد فيها غيره لا يدري أهي حق أم باطل ولا سيما إذا كان قاضيا ً أو مفتيا فإن العامي لا ينظر إلى أهل العلم بعين مميزة بين من هو عالم على الحقيقة ومن هو جاهل وبين من هو مقصر ومن هو كامل لأنه لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهله.
وأما الجاهل فإنما يستدل على العلم بالمناصب والقرب من الملوك واجتماع المتدرسين من المقلدين وتحرير الفتاوي للمتخاصمين وهذه الأمور إنما يقوم بها رؤوس هؤلاء المقلدة في الغالب كما يعلم ذلك كل عالم بأحوال الناس في قديم الزمن وحديثه، وهذا يعرفه الإنسان بالمشاهدة لأهل عصره وبمطالعة كتب التاريخ الحاكية لما كان عليه من قبله.
وأما العلماء المحققون المجتهدون فالغالب على أكثرهم الخمول لأنه لما كثر التفاوت بينهم وبين أهل الجهل كانوا متباعدين لا يرغب هذا في هذا ولا هذا في هذا.
ومنزلة الفقية من السفيه ... كمنزلة السفيه من الفقيه
فهذا زاهد في حق هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه
ومما يدعو العامة إلى مهاجرة أكابر العلماء وقاطعتهم أنهم يجدونهم غير راغبين في علم التقليد الذي هو رأس مال فقهائهم وقضاتهم والمفتين منهم بل يجدونهم مشتغلين بعلوم الاجتهاد وهي عند هؤلاء المقلدة ليست من العلوم النافعة عندهم [٢٠] هي التي يتعجلون نفعها بقبض جرابات التدريس وأجرة الفتاوي ومقررات القضاء ومع هذا فمن كان من هؤلاء المقلدة متمكنا من تدريسهم في علم التقليد إذا درسهم في ......
стр. 1822
مسجد من المساجد أو في مدرسة من المدارس اجتمع عليه منهم جمع جم يقارب المائة أو يجاوزها من قوم قد ترشحوا للقضاء والفتيا وطمعوا في نيل الرياسة الدنيوية أو أرادوا حفظ ما قد ناله سلفهم من الرياسة وبقاء مناصبهم والمحافظة على التمسك بها كما كان عليه أسلافهم فهم لهذا المقصد يلبسون الثياب الرفيعة ويديرون على رؤوسهم عمائم كالروابي فإذا نظر العامي أو السلطان أو بعض أعوانه إلى تلك الحلقة البهية المشتملة على العدد الكثير والملبوس الشهير والدفاتر الضخمة لم يبق عنده شك أن شيخ تلك الحلقة ومدرسها أعلم الناس فيقبل قوله في كل أمر يتعلق بالدين ويؤهله لكل مشكلة ويرجو منه القيام بالشريعة مالا يرجوه من العالم على الحقيقة المبرز في علم الكتاب والسنة وسائر العلوم التي يتوقف فهم المعلمين عليها ولا سيما وغالب المبرزين من العلماء تحت ذيل الخمول إذا درسوا في علم من علوم الاجتهاد فا يجتمع عليهم في الغالب إلا الرجل والرجلان والثلاثة لن البالغين من الطلبة إلى هذه الرتبة المتعدين لعلم الاجتهاد هم أقل قليل لأنه لا يرغب في علم الاجتهاد إلا من أخلص النية وطلب العلم لله ورغب عن المناصب الدنيوية وربط ننسه برباط الزهد وألجم نفسه بلجام القنوع.
فلينظر العاقل أين يكون محل هذا العالم على التحقيق عند أهل الدنيا إذا شاهدوه في زاوية من زوايا المسجد وقد قعد بين يديه رجلٌ أو رجلان من محل ذلك المقلد الذي اجتمع عليه [٢١] المقلدون فإنهم ربما يعتقدون أنه كواحد من تلاميذه هذا المقلد أو يقصر عنه لما يشاهدونه من الأوصاف التي قدمنا ذكرها.
ومع هذا فإنهم لا يقفون على فتوى من الفتاوى أو سجل من الأسجال إلا وهو بخط أهل التقليد ومنسوب إليهم فيزدادون لهم بذلك تعظيما ويقدمونهم على علماء الاجتهاد في كل إصدار وإيراد، فإذا تكلم عالم من علماء الاجتهاد والحال هذه بشئ من يخالف ما يعتقده المقلده فاموا عليه قومة جاهلية ووافقهم على ذلك أهل الدنيا وأرباب السلطان فإذا قدروا على الإضرار به في بدنه وماله فعلوا ذلك وهم بفعلهم مشكورون عند أبناء ......
стр. 1823
جنسهم من العامة والمقلدة لنهم قاموا بنصرة الدين بزعمهم وذبوا عن الأئمة المتبوعين وعن مذاهبهم التي قد اعتقدها أتباعهم فيكون لهم بقذه الأفعال التي هي عين الجهل والضلالة من الجاه والرفعة عند أبناء جنسهم ما لم يكن في حساب.
وأما ذلك العالم الممحق المتكلم بالصواب فبالحري أن ينجو من شرهم ويسلم من ضرهم، وأما عرضه فيصير عرضه للشتم والتبديع والتجهيل والتضليل فمن ذذا تراه ينصب نفسه للإنكار على هذه البدعة ويقوم في الناس بتبطيل هذه الشعنة مع كون الدنيا مؤثرة وحب الشرف والمال يميل بالقلوب على كل حال.
فانظر أيها المنصف بعين الإنصاف هل يعد سكوت علماء الاجتهاد عن إنكار بدعة التقليد مع هذه الأمور موافقة لهلاه على جوازها؟ كلا والله فإنه سكوت تقتتية لا سكوت موافقة مرضية ولكنهم مع سكوتهم عن التظاهر بذلك لا يتركون بيان ما أخذ الله عليهم بيانه (١)، فتارة يصرحون بذلك في مؤلفاتهم وتارة يلوحون به، وكثير منهم يكتم ما يصرح به من تحريم التقليد إلى بعد موته كما روى الأدفوي عن شيخه الإمام ابن دقيق العيد أنه طلب منه ورقا وكتبها ي مرض موته، وجعلها تحت فراشه فلما مات أخرجوها فإذا هي في تحريم التقليد مطلقا. ومنهم من يوضح ذلك لمن يثق به من أهل العلم ولا يزالون متوازثين بينهم طبقة بعد طبقة [٢٢] يوصحه السلف للخلف وويبينه الكامل للمقصر، وإن انحجب ذلك عن أهل التقليد فهو غير منحجب عن غيرهم وقد رأينا في زماننا مشايخنا المشتغلين بعلوم الاجتهاد فلم نجد عند واحد منهم أن التقليد صواب، ومنهم من صرح بإنكار كثير من المسائل التي يعتقدها المقلدون فوقع بينه وبين أهل عصره قلاقل وزلازل ونالهم من الامتحان ما فيه توفير أجورهم وهكذا حال أهل سائر الديار في جميع الأعصار.
стр. 1824
وبالجملة فهذا أمر يشاهده كل واحد في زمنه فإنا لم نسمع بأن أهل مدينة من المدائن الإسلامية أجمعوا أمرهم على ترك التقليد واتباع الكتاب والسنة لا في هذا العصر ولا فيما تقدمه من العصور بعد ظهور المذاهب بل أهل البلاد الإسلامية أجمع أكتع لا مطبقون على التقليد.
ومن كان منهم منتسبا إلى العلم فهو إما أن يكون مبلغ علمه معرفة ما هو مقلد فيه وهذا هو عند التحقيق ليس من أهل العلم، وإما أن يكون قد اشتغل ببعض علوم الاجتهاد ولم يتأهل للنظر فوقف تحت ربقة التقليد ضرورة لا اختياراً وإما أن يكون عالماً مبرزاً جامعاً لعلوم الاجتهاد فهذا هو الذي يجب عليه أن يتكلم بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم إلا لمسوغ شرعي.
وأما من لم يكن منتسبا إلى العلم فهو إما عامي صرف لا يعرف التقليد ولا غيره، وإنما هو ينتمي إلى الإسلام جملةً ويفعل كما يفعله أهل بلده في صلاته وسائر عبادته ومعاملته فهذا قد أراح نفسه من محنة التعصب التي يقع فيه المقلدون وكفى الله أهل العلم شره، فهو لا وازع له من نفسه يحمله على التعصب عليهم بل ربما نفخ فيه بعض شياطين المقلدة وسعى إليه بعلماء الاجتهاد فحمله على أن يجهل عليهم بما يوبقه في حياته وبعد مماته [٢٣] وإما أن يكون مرتفعا عن هذه الطبقة قليلا فيكون غير مشتغل بطلب العلم لكنه يسأل أهل العلم عن أمر عبادته ومعاملته وله بعض تمييز فهذا هو تبع لمن يسأله من أهل العلم إن كان يسأل المقلدين فهو لا يرى الحق إلا في التقليد وإن كان يسأل المجتهدين فهو يعتقد أن الحق ما يرشدونه إليه فهو مع من غلب عليه من الطائفتين، وإما أن يكون ممن له اشتغال بطلب علم المقلدين وإكباب على حفظه وفهمه وال يرفع رأسه إلى سواه ولا يلتفت إلى غيره فالغالب على هؤلاء التعصب المفرط على علماء الاجتهاد ورميهم بكل حجر ومدر وإيهام العامة بأنهم مخالفون لإمام المذهب الذي قد ضاقت أذهانهم عن تصور عظيم قدره، وامتلأت قلوبهم من هيبته حتى تقرر عندهم أنه في درجة لم يبلغها الصحابة فضلا عمن بعدهم، وهذا وإن لم يصرحوا به فهو مما تكنه صدورهم، ولا.
стр. 1825
تنطلق به ألسنتهم، فمع ما قد صار عندهم من هذا الاعتقاد في ذلك الإمام إذا بلغهم أن أحد علماء الاجتهاد الموجودين يخالفه في مسألة كان هذا المخالف قد ارتكب أمراً شنيعاً وخالف عندهم شيئا قطعياً وأخطأ خطأ لا يكفره شئٌ وأن استدل على ما ذهب إليه بالآيات القرآنية والأحاديث المتواترة لم يقبل منه ذلك ولا يرفع لما جاء به رأساً كائنا من كان ولا يزالون منتقصين له بهذه المخالفة [٢٤] انتقاصا شديدا على وجه لا يستحلونه من الفسقة ولا من أهل البدع المشهورة كالخوارج (١) والروافض (٢) ويبغضونه بغضا شديداً فوق ما يبغضون أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن أنكر هذا فهو غير محقق لأحوال هؤلاء.
وبالجملة فهو عندهم ضال ممضل ولا ذنب له إلا أنه عمل بكتاب الله وسنة رسول الله- ﵌ واقتدى بعلماء الإسلام في أن الواجب على كل مسلم تقديم كتاب الله وسنة رسوله على قول كل عالم كائنا من كان.