← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

ولهذا طبقت هذه البدعة جميع البلاد الإسلامية، وصارت شاملة لكل فرد من أفراد المسلمين فالجاهل يعتقد أن الدين ما زال هكذا ولن يزال إلبى المحشر، ولا يعرف معروفا وال ينكر منكراً وهكذا من كان من المشتغلين بعلم التقليد فإنه كالجاهل [١٩] بل أقبح منه لأنه يضم إلى جهله وإصراره على بدعته وتحسينها في عيون أهل الجهل والازدراء بالعلماء المحققين العارفين بكتاب الله وسنة رسوله ويصول عليهم ويحول وينسبهم إلى الابتداع ومخالفة الأئمة والتنقص بشأنهم فيسمع ذلك منهم الملوك ومن يتصرف بالنيابة عنهم من أعوانهم فيصدقونه ويذعنون لقوله إذ هو مجانس لهم في كونه جاهلاً وإن كان يعرف مسائل قد قلد فيها غيره لا يدري أهي حق أم باطل ولا سيما إذا كان قاضيا ً أو مفتيا فإن العامي لا ينظر إلى أهل العلم بعين مميزة بين من هو عالم على الحقيقة ومن هو جاهل وبين من هو مقصر ومن هو كامل لأنه لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهله. وأما الجاهل فإنما يستدل على العلم بالمناصب والقرب من الملوك واجتماع المتدرسين من المقلدين وتحرير الفتاوي للمتخاصمين وهذه الأمور إنما يقوم بها رؤوس هؤلاء المقلدة في الغالب كما يعلم ذلك كل عالم بأحوال الناس في قديم الزمن وحديثه، وهذا يعرفه الإنسان بالمشاهدة لأهل عصره وبمطالعة كتب التاريخ الحاكية لما كان عليه من قبله. وأما العلماء المحققون المجتهدون فالغالب على أكثرهم الخمول لأنه لما كثر التفاوت بينهم وبين أهل الجهل كانوا متباعدين لا يرغب هذا في هذا ولا هذا في هذا. ومنزلة الفقية من السفيه ... كمنزلة السفيه من الفقيه فهذا زاهد في حق هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه ومما يدعو العامة إلى مهاجرة أكابر العلماء وقاطعتهم أنهم يجدونهم غير راغبين في علم التقليد الذي هو رأس مال فقهائهم وقضاتهم والمفتين منهم بل يجدونهم مشتغلين بعلوم الاجتهاد وهي عند هؤلاء المقلدة ليست من العلوم النافعة عندهم [٢٠] هي التي يتعجلون نفعها بقبض جرابات التدريس وأجرة الفتاوي ومقررات القضاء ومع هذا فمن كان من هؤلاء المقلدة متمكنا من تدريسهم في علم التقليد إذا درسهم في ......

стр. 1822

مسجد من المساجد أو في مدرسة من المدارس اجتمع عليه منهم جمع جم يقارب المائة أو يجاوزها من قوم قد ترشحوا للقضاء والفتيا وطمعوا في نيل الرياسة الدنيوية أو أرادوا حفظ ما قد ناله سلفهم من الرياسة وبقاء مناصبهم والمحافظة على التمسك بها كما كان عليه أسلافهم فهم لهذا المقصد يلبسون الثياب الرفيعة ويديرون على رؤوسهم عمائم كالروابي فإذا نظر العامي أو السلطان أو بعض أعوانه إلى تلك الحلقة البهية المشتملة على العدد الكثير والملبوس الشهير والدفاتر الضخمة لم يبق عنده شك أن شيخ تلك الحلقة ومدرسها أعلم الناس فيقبل قوله في كل أمر يتعلق بالدين ويؤهله لكل مشكلة ويرجو منه القيام بالشريعة مالا يرجوه من العالم على الحقيقة المبرز في علم الكتاب والسنة وسائر العلوم التي يتوقف فهم المعلمين عليها ولا سيما وغالب المبرزين من العلماء تحت ذيل الخمول إذا درسوا في علم من علوم الاجتهاد فا يجتمع عليهم في الغالب إلا الرجل والرجلان والثلاثة لن البالغين من الطلبة إلى هذه الرتبة المتعدين لعلم الاجتهاد هم أقل قليل لأنه لا يرغب في علم الاجتهاد إلا من أخلص النية وطلب العلم لله ورغب عن المناصب الدنيوية وربط ننسه برباط الزهد وألجم نفسه بلجام القنوع. فلينظر العاقل أين يكون محل هذا العالم على التحقيق عند أهل الدنيا إذا شاهدوه في زاوية من زوايا المسجد وقد قعد بين يديه رجلٌ أو رجلان من محل ذلك المقلد الذي اجتمع عليه [٢١] المقلدون فإنهم ربما يعتقدون أنه كواحد من تلاميذه هذا المقلد أو يقصر عنه لما يشاهدونه من الأوصاف التي قدمنا ذكرها. ومع هذا فإنهم لا يقفون على فتوى من الفتاوى أو سجل من الأسجال إلا وهو بخط أهل التقليد ومنسوب إليهم فيزدادون لهم بذلك تعظيما ويقدمونهم على علماء الاجتهاد في كل إصدار وإيراد، فإذا تكلم عالم من علماء الاجتهاد والحال هذه بشئ من يخالف ما يعتقده المقلده فاموا عليه قومة جاهلية ووافقهم على ذلك أهل الدنيا وأرباب السلطان فإذا قدروا على الإضرار به في بدنه وماله فعلوا ذلك وهم بفعلهم مشكورون عند أبناء ......

стр. 1823

جنسهم من العامة والمقلدة لنهم قاموا بنصرة الدين بزعمهم وذبوا عن الأئمة المتبوعين وعن مذاهبهم التي قد اعتقدها أتباعهم فيكون لهم بقذه الأفعال التي هي عين الجهل والضلالة من الجاه والرفعة عند أبناء جنسهم ما لم يكن في حساب. وأما ذلك العالم الممحق المتكلم بالصواب فبالحري أن ينجو من شرهم ويسلم من ضرهم، وأما عرضه فيصير عرضه للشتم والتبديع والتجهيل والتضليل فمن ذذا تراه ينصب نفسه للإنكار على هذه البدعة ويقوم في الناس بتبطيل هذه الشعنة مع كون الدنيا مؤثرة وحب الشرف والمال يميل بالقلوب على كل حال. فانظر أيها المنصف بعين الإنصاف هل يعد سكوت علماء الاجتهاد عن إنكار بدعة التقليد مع هذه الأمور موافقة لهلاه على جوازها؟ كلا والله فإنه سكوت تقتتية لا سكوت موافقة مرضية ولكنهم مع سكوتهم عن التظاهر بذلك لا يتركون بيان ما أخذ الله عليهم بيانه (١)، فتارة يصرحون بذلك في مؤلفاتهم وتارة يلوحون به، وكثير منهم يكتم ما يصرح به من تحريم التقليد إلى بعد موته كما روى الأدفوي عن شيخه الإمام ابن دقيق العيد أنه طلب منه ورقا وكتبها ي مرض موته، وجعلها تحت فراشه فلما مات أخرجوها فإذا هي في تحريم التقليد مطلقا. ومنهم من يوضح ذلك لمن يثق به من أهل العلم ولا يزالون متوازثين بينهم طبقة بعد طبقة [٢٢] يوصحه السلف للخلف وويبينه الكامل للمقصر، وإن انحجب ذلك عن أهل التقليد فهو غير منحجب عن غيرهم وقد رأينا في زماننا مشايخنا المشتغلين بعلوم الاجتهاد فلم نجد عند واحد منهم أن التقليد صواب، ومنهم من صرح بإنكار كثير من المسائل التي يعتقدها المقلدون فوقع بينه وبين أهل عصره قلاقل وزلازل ونالهم من الامتحان ما فيه توفير أجورهم وهكذا حال أهل سائر الديار في جميع الأعصار.

стр. 1824

وبالجملة فهذا أمر يشاهده كل واحد في زمنه فإنا لم نسمع بأن أهل مدينة من المدائن الإسلامية أجمعوا أمرهم على ترك التقليد واتباع الكتاب والسنة لا في هذا العصر ولا فيما تقدمه من العصور بعد ظهور المذاهب بل أهل البلاد الإسلامية أجمع أكتع لا مطبقون على التقليد. ومن كان منهم منتسبا إلى العلم فهو إما أن يكون مبلغ علمه معرفة ما هو مقلد فيه وهذا هو عند التحقيق ليس من أهل العلم، وإما أن يكون قد اشتغل ببعض علوم الاجتهاد ولم يتأهل للنظر فوقف تحت ربقة التقليد ضرورة لا اختياراً وإما أن يكون عالماً مبرزاً جامعاً لعلوم الاجتهاد فهذا هو الذي يجب عليه أن يتكلم بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم إلا لمسوغ شرعي. وأما من لم يكن منتسبا إلى العلم فهو إما عامي صرف لا يعرف التقليد ولا غيره، وإنما هو ينتمي إلى الإسلام جملةً ويفعل كما يفعله أهل بلده في صلاته وسائر عبادته ومعاملته فهذا قد أراح نفسه من محنة التعصب التي يقع فيه المقلدون وكفى الله أهل العلم شره، فهو لا وازع له من نفسه يحمله على التعصب عليهم بل ربما نفخ فيه بعض شياطين المقلدة وسعى إليه بعلماء الاجتهاد فحمله على أن يجهل عليهم بما يوبقه في حياته وبعد مماته [٢٣] وإما أن يكون مرتفعا عن هذه الطبقة قليلا فيكون غير مشتغل بطلب العلم لكنه يسأل أهل العلم عن أمر عبادته ومعاملته وله بعض تمييز فهذا هو تبع لمن يسأله من أهل العلم إن كان يسأل المقلدين فهو لا يرى الحق إلا في التقليد وإن كان يسأل المجتهدين فهو يعتقد أن الحق ما يرشدونه إليه فهو مع من غلب عليه من الطائفتين، وإما أن يكون ممن له اشتغال بطلب علم المقلدين وإكباب على حفظه وفهمه وال يرفع رأسه إلى سواه ولا يلتفت إلى غيره فالغالب على هؤلاء التعصب المفرط على علماء الاجتهاد ورميهم بكل حجر ومدر وإيهام العامة بأنهم مخالفون لإمام المذهب الذي قد ضاقت أذهانهم عن تصور عظيم قدره، وامتلأت قلوبهم من هيبته حتى تقرر عندهم أنه في درجة لم يبلغها الصحابة فضلا عمن بعدهم، وهذا وإن لم يصرحوا به فهو مما تكنه صدورهم، ولا.

стр. 1825

تنطلق به ألسنتهم، فمع ما قد صار عندهم من هذا الاعتقاد في ذلك الإمام إذا بلغهم أن أحد علماء الاجتهاد الموجودين يخالفه في مسألة كان هذا المخالف قد ارتكب أمراً شنيعاً وخالف عندهم شيئا قطعياً وأخطأ خطأ لا يكفره شئٌ وأن استدل على ما ذهب إليه بالآيات القرآنية والأحاديث المتواترة لم يقبل منه ذلك ولا يرفع لما جاء به رأساً كائنا من كان ولا يزالون منتقصين له بهذه المخالفة [٢٤] انتقاصا شديدا على وجه لا يستحلونه من الفسقة ولا من أهل البدع المشهورة كالخوارج (١) والروافض (٢) ويبغضونه بغضا شديداً فوق ما يبغضون أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن أنكر هذا فهو غير محقق لأحوال هؤلاء. وبالجملة فهو عندهم ضال ممضل ولا ذنب له إلا أنه عمل بكتاب الله وسنة رسول الله- ﵌ واقتدى بعلماء الإسلام في أن الواجب على كل مسلم تقديم كتاب الله وسنة رسوله على قول كل عالم كائنا من كان.

стр. 1826

[أقوال الأئمة الأربعة في النهي عن التقليد] ومن المصرحين بهذا الأئمة الأربعة فإنه قد صح عن كل واحد منهم هذا المعنى من طرق متعددة. [١ - أبو حنيفة]: قال صاحب الهداية (١): وفي روضة العلماء أنه قيل لأبي حنيفة إذا قلت قولاً وكتاب الله يخالفه قال اتركوا قولي بكتاب الله فقيل إذذا كان خخبر الرسول يخالفه قال اتركوا قولي بخير الرسول فقيل إذا كان قول الصحابي يخالفه قال اتركوا قولي بقول الصحابي ..... انتهى. وقد روى عنه هذه المقالة جماعة من أصحابه وغيرهم. [٢ - مالك]: وقد ذكر نور الدين السنهوري (٢) نحو ذلك قال، قال ابن مسدي في منسكه: روينا عن معن بن عيسى قال سمعت مالكا يقول: إنما أنا بشرٌ أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي كل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. انتهى. قال ابن مسدي فقد علم أن كلما خالف الكتاب والسنة من أراء مالك فليس بمذهب له بل مذهبه ما وافق الكتاب والسنة انتهى. ونقل الأجهوري والخرشي هذا الكالم وأقراه في شرحيهما على مختصر خليل (٣) وقد روي ذلك عن مالك جماعة من أهل مذهبه وغيرهم. [٣ - والشافعي]:وأما الإمام الشافعي [٢٥] فقد تواتر ذلك عنه تواترا لا يخفي على مقصر فضلا عن كامل، فإنه نقل ذلك عنه غالب أتباعه ونقله عنه أيضًا جميع المترجمين له إلا من شذ.

стр. 1827

ومن جملة من روى عنه ذلك البيهقي (١) فإنه ساق إسناداً إلى الربيع لاقال: سمعت الشافعي وسأله رجل عن مسألة فقال: يروي عن النبي- ﵌ أنه قال كذا وكذا فقال له السائل: يا أبا عبد الله أتقول بهذا، فارتعد الشافعي واصفر وحال لونه وقال: ويحك وأي سماء تظلني إذا رويت عن الرسول الله- ﵌ شيئاً ولم أقل به نعم على الرأس والعين نعم على الرأس والعين. وروي البيهقي (٢) أيضًا عن الشافعي أنه قال: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رلسول الله- ﵌ فقولوا بسنة رسول الله- ﵌ ودعوا ما قلت: وروى البيهقي (٣) عنه أيضًا قال: إذا حدث الثقة عن الثقة حتى ينتهي إلى رسول الله- ﵌ ولا يترك لرسول الله- ﵌ حديث أبداً إلى إلا حديث وجد عن رسول الله- ﵌ حديث يخالفه. وروى البيهقي: (٤) أيضًا عنه أنه قال له رجل وقد روى حديثا أتأخذ بهذا فقال متى رويت عن رسول الله- ﵌ حديثا صحيحا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب. وحكى ابن القيم في إعلام الموقعين (٥) أن الربيع قال سمعت الشافعي يقول: كل مسألة يصح فيه الخبر عن رسول الله- ﵌ عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد مماتي. وقال حرملة بن يحيى قال الشافعي: ما قلت وكان

стр. 1828

النبي- ﵌ قد قال بخلاف قولي فما صح من حديث النبي- ﵌ أولى ولا تقلدوني. وقال (١) الحميدي سأل رجل الشافعي عن مسألة فأفقتاه وقال قال النبي- ﵌ كذا وكذا فقال الرجل أتقول هذا يا أبا عبد الله فقال الشافعي [٢٦] أرأيت في وسطي زناراً؟ أتراني خرجت من الكنيسة؟ أقول قال النبي- ﵌ وتقول لي أتقول بهذا. أأروي عن النبي ﷺ ولا أقول به. انتهى ونقل إمام الحرمين في نهايته (٢) عن الشافعي أنه قال: إذا صح خبر يخالف مذهبي فاتبعوه، واعلموا أنه مذهب. انتهى. وقد روى نحو ذلك الخطيب وكذلك الذهبي في تاريخه الإسلام والنبلاء (٣) وغير هؤلاء ممن لا يأتي عليه الحصر. وقال الحافظ ابن حجر في توالي التأسيس (٤) قد اشتهر عن الشافعي إذا صح الحديث فهو مذهب وحكى عن السبكي أن له مصنفا في هذه المسألة. [٤ - أحمد بن حنبل]: وأما الإمام أحمد بن حنبل فهو أشد الأئمة الأربعة تنفيراً ن الرأي وأبعدهم عنه وألزمهم للسنة، وقد نقل عنه ابن القيم في مؤلفاته كإعلام الموقعين (٥) ما فيه التصريح بأنه لا عمل على الرأي أصلا وهكذا نقل عنه ابن الجوزي وغيره من أصحابه وإذا كان من المانعين للرأي المنفرين عنه فهو قائل بما قاله الأئمة الثلاثة المنقولة

стр. 1829

نصوصم على أن الحديث مذهبهم ويزيد عليه بأنهم سرغوا الرأي فيما لا يخالف النص وهو منعه من الأصل وسيأتي قريبا النقل علن الإمام أحمد بما فيه التصريح بمنع التقليد. وقد حكى الشعراني في الميزان (١) أن الأئمة الأربعة كلهم قالوا إذا صح الحديث فهو مذهبنا وليس لأحد قياس ولا حجة. انتهى

стр. 1830

[إجماع الأئمة الاربعة على تقديم النص] وإذا تقرر لك إجماع أئمة المذاهب الأربعة على تقديم النص على آرائهم عرفت أن العالم الذي عمل بالنص وترك قول أهل المذاهب هو الموافق لما قاله أئمة المذاهب، والمقلد الذي قدم أقواله أهل المذاهب على النص هو المخالف لله ولرسوله ولإلمام مذهبه ولغيره من سائر علماء الإسلام. ولعمري إن القلم جرى بهذه [٢٧] النقور على وجل وحياء من رسول الله- ﵌ فيا لله العجب أيحتاج المسلم في تقديم قول الله أو قول رسوله على قول أحد من علماء أمته إلى أن يعتضد بهذه النقول يالله العجب، أي مسلم يلتبس عليه مثل هذا حتى يحتاج إلى نقل أقوال هؤلاء العلماء ﵏ في أن أقوال الله وأقوال رسوله مقدمة على أقوالهم فإن الترجيح فرع التعارض ومن ذاك الذي يعارض قوله قول الله أو قول رسوله- حتى نرجع إلى الترجيح والتقديم ! سبحانك هذا بهتان عظيم. فا حيا الله هؤلاء المقلدة هم الذين ألجأوا الأئمة إلى التصريح بتقديم أقوال الله. ورسوله على أقوالهم لما شاهدوهم عليه من الغلو المشابه لغلو اليهود والنصارى في أحبارهم (١) ورهبانهم وهم الذين ألجأونا إلى نقل هذه الكلمات وإلا فالأمر واضح لا يلتبس على أكمه. ولو فرضنا والعياذ بالله أن عالما من علماء الإسلام يجعل قوله كقول الله أو قول رسوله لكان كافراً مرتدا فرضا عن أن يجعل قوله أقدم من قول الله ورسوله.

стр. 1831

فإنا لله وإنا إليه راجعون ما صنعت هذه المذاهب بأهلها وإلى أي موضع أخر أخرجتهم، وليت هؤلاء المقلدة الجفاة الأجلاف نظروا بعين العقل إذا حرموا النظر بعين العلم ووازنوا بين رسول الله- ﵌ وبين أئمة مذاهبهم وتصوروا وقوفهم بين يدي رسول الله- ﵌ فهل يخطر [٢٨] ببال من بقيت فيه بقية من عقل هؤلاء المقلدين أن هؤلاء الأئمة المتبوعين عند وقوفهم المفروض بين يدي رسول الله- ﵌ كانوا يردون عليه قوله أو يخالفونه بأقوالهم! كلا والله بل هم أتقى لله وأخشى له، فقد كان أكابر الصحابة يتركون سؤاله- ﵌ في كثير من الحوادث هيبة له وتعظيما، وكان يعجبهم الرجل العاقل من أهل البادية إذا وصل يسأل رسول الله- ﵌ ليستفيدوا بسؤاله كما ثبت في الصحيح (١) وكانوا يقفون بين يديه كأن على رؤوسهم الطجير يرمون بأبصارهم إلى بين أيديهم ولا يرفعونها (٢) إلى رسول الله- ﵌ احتشاماً وتكريما وكانوا أحقر وأقل عند أنفسهم من أن يعارضوا رسول الله صلى عليه وآله وسلم بآرائهم وكان التابعون يتأديون مع الصحابة بقريب من هذا الأددب، وكذلك تابعو التابعين كانوا يتأدبون مع التابعين بقريب من أدب التابعين مع الصحابة فما ظنك أيها المقلد لو حضر إمامك بين يدي رسول الله- صلى عليه وآله وسلم- فإتك يا مسكين الاهتداء بهدى العلم فلا يفوتنك الاهتداء بهدى العقل، فإنك إذا استضأت بنوره خرجت من ظلمات جهلك إلى نور الحق. وإذا عرفت ما قدمنا لك أيضًا حكاية الإجماع على منعهم من التقليد وحكينا لك ما قاله الإمام أبو

стр. 1832

حنيفة وما قاله إمام دار الهجرة مالك بن أنس من ذلك ولاح لك ما نقلناه قريبا ما يقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي من منع التقليد. وقد قال المزني في أول مختصره (١) ما نصه [٢٩]: اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله لأقرأه على من أرداده مع إعلانه بنهيه عن تقيلده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحاط فيه لننفسه انتهى. فانظر ما نقله هذا الإمام الذي هو من أعلم الناس بمذهب الشافعي- ﵀ من تصريحه بمنع تقليده وتقليد غيره. وأما الإمام أحمد بن حنبل فالنصوص عنه في منع التقليد كثيرة قال أبو دواد سمعته- يعني أحمد بن حنبل- يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي- ﵌ وأصحابه ثم من هو بعده من التابعين خير. انتهى فانظر كيف فرق بين التقليد والابتاع. وقال أبو دواد (٢) قلت لأحمد الأوزاعي هو اتبع أم مالك؟ فقال: لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء ما جاء عن النبي- ﵌ وأصحابه فخذ به وقال أبو داود (٣) سعمته يعني أحمد بن حنبل- يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي- ﵌ وأصحابه ثم من هو بعده من التابعين مخير. انتهى فانظر كيف فرق بين التقليد والاتباع. وقال أبو داود (٤) قال لي أحمد لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا. وقال من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال. قال ابن القيم (٥): ولأجل هذا لم يؤلف الإمام أحمد كتابا في الفقه وإنما دون أصحابه مذهبه من أقواله وأفعاله وأجوبته وغير ذلك. وقال ابن الجوزي في «تلبيس إبليس «(٦):

стр. 1833

اعلم أن المقلد على غير نقة فيما قلد، وفي التقليد إبطال منفعة العقل ثم أطال الكلام في ذلك. وبالجملة فنصوص أئمة المذاهب الأربعة في المنع من التقليد وفي تقديم النص على آرائهم وآراء غيرهم لا يخفي على عار من أتباعهم وغيرهم.

стр. 1834

[أقوال الأئمة المتبوعين من أهل البيت] وأما نصوص سائر الأئمة المتبوعين على ذلك كالأئمة من أهل البيت ﵈ فهي موجودة في كتبهم معروفة قد نقلها العارفون بمذاهبهم عنهم ومن أحب [٣٠] النظر في ذذلك فليطالع مؤلفاتهم، وقد جمع منها السيد العلامة الإمام محمد بن إبراهيم الوزير في مؤلفاته ما يسفي يكفي لا سيما في كتابه المعروف بالقواعد (١) فإنه نقل الإجماع عنهم وعن سائر علماء الإسلام على تحريم تقليد الأموات وأطال في ذلك وأطاب وناهيك بالإمام الهادي يحي بن (٢) الحسين- ﵀ فإنه الإمام الذي صار أهل الديار اليمنية مقلدين له متبعين لمذهبه من عنصره وهو آخر المائة الثالثة إلى الآن مع أ، وقد اشتهر عند أتباعه والمطلعين على مذهبه أنه صرح تصريحا لا يبقى عنده شك ولا شهبه بمنع التقليد له وهذه مقاله مشهورة في الديار اليمنية يعلمها مقلدوه وإن كان لا يجوز ذلك عملا بما قاله بعض المتأخرين إنه يجوز تقليد الإمام الهادي وإن منع من التقليد، وهذا من أغرب ما يطرق سمعك إن كنت ممن ينصف. وبهذا تعرف أن مؤلفات الإمام الهادي في الأصول والفروع وإن صرحوا في بعضها بجواز التقليد فهو على غير مذهب إمامهم وهذا كما وقع لغيرهم من أهل المذاهب، وقد كان أتباع هذا الإمام في العصور السابقة وكذلك أتباع الإمام الأعظم زيد ابن على- ﵀ فيهم إنصاف لا سيما في فتح باب الاجتهاد وتوسيع دائرة التقليد وعدم

стр. 1835

قصر الجواز على إمام معين كما يعرف ذلك من مؤلفاتهم بخلاف غيرهم من المقلدة فإنهم أوجبوا على أنفسهم تقليد المعين واستروحوا إلى أن باب الاجتهاد قد انسد وانقطع التفضل به من الله على عباده ولقنوا العوام الذين هم مشاركون لهم في الجهل بالمعارف العملية ودونهم في معرفة مسائل التقليد بأنه لا اجتهاد بعد استقرار المذاهب وانقراض أئمتها فضموا إلى بدعتهم بدعة وشنعوا شنعتهم وسجلوا على أنفسهم بالجهل فإن من تجارأ على مثل هذه المقالة وحكم على الله سبحانه بمثل هذا الحكم المتضمن لتعجيزه عن التفضل على عباده بما أرشدهم إليه من تعلم العلم وتعليمه لا يعجز عن التجاري على أن يحكم على عباده بالأحكام الباطلة ويجازف في إصداره وإيراده.

стр. 1836

[القول بانسداد باب الاجتهاد بدعة شنيعة] ويا لله العجب فاقنع هؤلاء الجهلة النوكي (١) بما هم فيه من بدعة التقليد التي هي أم البدع ورأس الشنع حتى سدوا على أمة محمد- ﵌ باب معرفة الشريعة من كتاب الله وسنة رسوله وإنه لا سبيل إلى ذلك ولا طريق حتى كأن الأفهام البشرية قد تغيرت والعقول الإنسانية قد ذهبت وكل هذا حرصا منهم على أن تعم بدعة التقليد كل الأمة وأن لا يرتفع عن طبقتهم السافلة أحد من عباد الله كأن هذه الشريعة التي بين أظهرنا من كتاب الله ورسوله قد صارت منسوخة والناسخ لها ا ابتدعوه من التقليد في دين الله فلا يعمل الناس بشئ مما في كتاب الله والسسنة بل لا شريعة لهم إلا ما قد تقرر في المذاهب لا على ما وافقها منهما وإن يخالفها أحدهما أو كلاهما فلا عمل عليه ولا يحل التمسك به [٣٢]. هذا حاصل قولهم ومفاده وبيت قصيدهم ومحل نشيدهم ولكنهم رأوا التصريح بمثل هذا تستنكره قلوب العوام فضلا عن الخواص وتقشعر منه جلودهم وترجف له أفئدتهم فعدلوا عن هذه العبارة الكفرية والمقالة الجاهلية إلى ما يلاقيها في المعنى ويوافقها في المفاد ولكنه ينفق على العوام بعض نفاق فقالوا قد انسد باب الاجتهاد. ومعنى هذا الانسداد المفتري والكذب البحت أنه لم يبق في أهل هذه الملة الإسلامية من يفهم الكتاب والسنة وإذا لم يبق من هو كذلك لم يبق سبيل إليهما، وإذا انقطع السبيل إليهما فكل حخكم فيهما لا عمل عليه ولا التفات إليه سواء وافق اتلمذاهب أو خالفها لأنه لم يبق من يفهمه ويعرف معناه إلى آخر الدهر، فكذبوا على الله وادعوا عليه سبحانه أنه لا يتمكن من أن

стр. 1837

يخلق خلقا يهمون ما شرعه لهم وتعبدهم به حتى كأن ما شرعه لهم في كتابه وعلى لسان رسوله ليس بشرع مطلق بل شرع مقيد مؤقت إلى غاية هي قيام هذه المذاهب، وبعد ظهورها لا كتاب ولا سنة بل قد حدث من يشرع لهذه الأمة شريعة جديدة ويحدث لها دينا آخر وينسخ بما رآه من رأي وما ظنه من الطن ما تقدمه من الكتاب والسنة وهذا وإن أنكروه بألسنتهم فهو لازم لهم لا محيد لهم عنه ولامهرب، وإلا فأي معنى لقولهم قد انسد باب الاجتهاد ولم يبق إلا مجرد التقليد فإنهم إن أقروا بأنهم قائلون بهذا لزمهم الإقرار بما ذكرناه وعند ذلك نتلو عليهم ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون الله﴾ [التوبة ٣١] وإن أنكروا القول بذلك وقالوا باب الاجتهاد مفتوح والتمسك بالتقليد غير حتم فقل لهم فما بالكم يانوكي ترمون كل من عمل بالكتاب والسنة وأخذ دينه منهما بكل حجر وقدر وتستحلون [٣٣] عرضه وعقوبته وتجلبون عليه بخيلكم ورجلكم! وقد علموا وعلم كل من يعرف ما هب عليه أنهم مصممون على تغليق باب الاجتهاد وانقطاع السبيل إلى معرفة الكتاب والسنة فلزمهم ما ذكرناه بلا تردد فأنظر أيها المنصف ما حدث بسبب بدعة التقليد من البلايا الدينية والرزايا الشيطانية، فإن هذه المقالة بخصوصها- أعني انسداد باب الاجتهاد- لو لم يحدث من مفاسد التقيد إلا هي لكان فيها كفاية ونهاية فإنها حادثة رفعت الشريعة بأسرها واستلزمت نسخ كلام الله ورسوله وتقديم غيرهما عليهما واستبدال غيرهما بهما: ياناعي الإسلام قم وانعه ... قد زال عرف وبدا منكر وما ذكرناه فيما سبق من أنه كان في الزيدية والهادوية بالديار اليمنية إنصاف في هذه المسألة بفتح باب الاجتهاد فذك إنما هو في الأزمنة السابقة كما قيدنا فيما سلف. وأما في هذه الأزمنة فقد أدركنا منهم من هو أشد تعصبا من غيرهم فإنهم إذا سمعوا برجل يدعي الاجتهاد ويأخذ دينه من كتاب الله وسنة رسوله قاموا عليه قياما تبكي فه عيون

стр. 1838

الإسلام واستحلووا منه مالا يستحلونه من أهخل الذذمة بالطعن واللعن والتفسيق والتكفير والهجم عليه إلى دياره ورجمه بالأحجار والاستظهار بهتك حرمته، ونعمل يقينا أنه لولا خبطهم بسوط هيبة الخلافة أعز الله أركانها وشيد سلطانها لا ستحلوا إراقة دماسء العلماء المنتمين إلى الكتاب والسنة وفعلوا بهم مالا يفعلونه بأهل الذمة وقد شاهدنا من هذا مالا يتسع المقام لبسطه. والسبب في بلوغهم إلى هذا المبلغ الذي يلغه ما غيرهم أن جماعة من شياطين [٣٤] المقلدين الطالبين لفوائد الدنيا بعلوم الدين يوهمون العوام الذين لا يفهمون من الأجناد والسوقة ونحوهم بأن المخالف لما قد تقرر بينهم ن المسائل التي قلدوا فيها هو من المنحرفين عغن أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضى الله عنه وأنه من جملة المبغضين له الدافعين لفضله وفضائله المعادين له وللأئمة من أولاده فإذا سمع منهم العامي هذا مع قد ارتكز في ذهنه من كون هؤلاء المقلدة هم العلماء المبرزون لما يبهره من زيهم والاجتماع عليهم وتصدرهم للفتيا والقضاء حسبما ذكرناه سابقا فلا يشك أن هذه المقالة صحيحة وإن ذلك العالم العامل بالكتاب والسنة من أعداء القرابة فيقوم بحمية جاهلية صادرة عن واهمة دينية قد ألقاها إليه من قدمنا ذكرهم ترويجا لبدعتهم وتنفيقا لجهلهم وقصورهم عل من هو أجهل منهم وإنما موهوا على العوام بهذه الدققيقة الإبليسية لما يعلمونه من أن طبائعهم مجبولة على التشيع إلى حد يقصر عنه الوصف حتى إن أحدهم لو سمع التنقص تصريحا بالجناب الإلهي أو الجناب النبوي لم يغضب له عشر معشار ما يغضبه إذا سمع التنقيص بالجناب العلوي بمجرد الوهم والإيهام الذي لا حقيقة له. فبهذه الذريعة الشيطانية والدسيسة الإبليسية صار علماء الاجتهاد في القطر اليمني في محنة شديدة بالعامة والذنب كل الذنب على شياطين المقلدة فإنهم هم الداء العضال والسم القتال، ولو كان للعامة عقول لم يخف عليهم بطلان تلبيس شياطين المقلدة عليهم فإن من عمل في شئ من عباداته أو معاملاته بنص الكتاب أو السنة لا يخطر ببال من له عقل أن ذلك يستلزم الانحراف عن على رضى الله عنه، وأين هذا من ذاك، ولكن العامة قد [٣٥] ضموا

стр. 1839

إلى فقدان العلم فقدان العقل لاسيما في أبواب الدين وعند تلبيس الشياطين، فإنا لله وإنا إليه راجعون ما للعامة الذين قد أظلمت قلوبهم لفقدان نور العلم وللاعتراض على العلماء والتحكم عليهم وما بال هذه الأزمة جاءت بما لم يكن في حساب، فإن المعروف من خلق العامة في جميع الأزمنة أنهم يبلغون في تعظيم العلماء إلى حد يقصر عنه الوص وربما يزدحمون عليهم للتبرك بتقبيل أطرافهم ويستجلبون منهم الدعاء ويقرون بأنهم حجج الله على عباده في بلاده ويطيعونهم في كل ما يأمرونهم به ويبذلون أنفسهم وأموالهم بين أيديهم لا جرم حملهم على هذه الأفاعيل الشيطانية والأخلاق الجاهلية أباليس المقلدة بالذريعة التي أسلفنا بيانها. فانظر هل هذه الأفعال الصادرة من مقلدة اليمن هي أفعال من يعترف بأن باب الاجتهاد مفتوح إلى قيام الساعة وأن تقليد المجتهدين لا يجوز لم بلغ رتبه الاجتهاد وأن رجوع العالم إلى اجتهاد نفسه بعد إحرازه للاجتهاد ولو ي فن واحد ومسأله واحدة كما صرح له بذلك المؤلفون لفقه الأئمة وحرروه في الكتب الأصولية والفروعية كلا والله بل صنع من يعادي كتاب الله وسنة رسوله الطالب لهما والراغب فيهما ويمنع الاجتهاد ويوجب التقليد ويحول بين المتشرعين والشريعة ويحيلها عليهم فهما وإدراكا كما صنعه غيرهم من مقلدة سائر المذاهب بل زادوا عليهم في الغلو والتعصب بما تقدم ذكره. ومع هذا فالأئمة قد صرحوا في كتبتهم الفروعية والأصولية بتعداد علم الاجتهاد وأنها خمسة (١) وأنه يكفي المجتهد في كل فن مختصر من المختصرات، وهؤلاء المقلدة يعلمون أن

стр. 1840

كثيراً من العلماء [٣٦] العاملين بالكتاب والسنة المعاصرين لهم يعرفون من كل فن من الفنون الخمسة أضعاف أضعاف القدر المعتبر ويعرفون علوما غير هذه العلوم. وهم وإن كانوا جهالا لا يعرفون شيئا من المعارف لكنهم يسألون أهل العلم عن مقادير العلماء فيفدونهم ذلك.

стр. 1841

وبهذا تعرف أنه لا حامل لهم على ذلك إلا مجرد التعصب لمن قلدوه وتجاوزوا الحد في تعظيمه وامتثال رأيه على حد لا يوجد عندهم للصحابة بل لا يوجد عندهم لكلام الله ورسوله.

стр. 1842

[إبطال التقيد] أخرج البيهقي (١) وابن عبد البر (٢) عن حذيفة بين اليمان أنه قيل له في قوله تعالى: ﴿أتخهذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون الله﴾ [التوبة] أكانو يعبدونهم فقلل: لا ولكن يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه فصاروا بذلك أرباباً. وقد روى نحو ذلك مرفوعاً من حديث عدي بن حاتم كما قال البيهقي (٣) وأخرج نحو هذا التفسير ابن عبد البر (٤) عن بعض الصحابة بإسناد متصل به قال: أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم ما أطاعوهم ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامها وحرامه حلالا فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثرهم مقتدون قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ءاباءكم﴾ فآثرها الاقتداء بآبائهم حتى قالوا: ﴿إنا بما أرسلتم به كفرون﴾ [الزخرف ٢٣ - ٢٤] وقال : ﴿إذا تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كمما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعملهم

стр. 1843

حسرات عليهم﴾ [البقرة ١٦٦ - ١٦٧] وقال الله : ﴿ما هذذه التماثيل التي أنتم لها عكفون قالوا وجدنا ءابانا لها عبدين﴾ فهذه الآيات وغيرها مما ورد في معناه ناعية على المقلدين ما هم فيه وهي وإن كان تنززيلها في الكفار لكنها قد صح تأويلها في المقلدين لا تحاد العلة، وقد تقرر في الأصول [٣٧] أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدما (١) وقد احتج أهل العلم بهذه الآيات على إبطال التقليد ولم يمنعهم من ذلك كونها نازلة في الكفار. وأخرج ابن عبد البر (٢) بإسناد متصل بمعاذ رضى الله عنه قال: إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال وويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر فيوشك أحدهم أن يقول قد قرأت القرآن فما أطن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة .... ». وأخرج (٣) أيضًا عن ابن عباس أنه قال وويل للأبتاع من عثرات العالم قيل كيف ذلك؟ قال يقول العالم شيئا برأيه ثم يجد من هو أعلم برسول الله- ﵌ منه فيترك قوله، ثم يمضي الأتباع. وأخرج (٤) أيضًا عن علي بن أبي طالب .................................

стр. 1844

رضي الله عنه (١) أنه قال: يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاةٍ وهمج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيؤا بنور العمل ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. وأخرج (٢) عنه أيضًا أنه قال: إياكم والاستنان بالرجال فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه بعمل أهل النار فيموت وهو من أهل النار. وأخرج (٣) عن ابن مسعود أنه قال: ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر. وروى ابن عبد البر (٤) بإسناده إلى عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﵌: «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم يحرمون ما أحل الله ويحلون به ما حرم الله». وأخرجه البيهقي (٥) أيضًا. قال ابن القيم بعد إخراجه من طرق: وهؤلاء - يعني رجال إسناده - كلهم ثقات حفاظ إلا حريز بن عثمان فإنه كان منحرفًا عن علي، ومع هذا احتج به البخاري في صحيحه (٦). وقد روي عنه أيضًا أنه تبرّأ مما نسب إليه من الانحراف.

стр. 1845

وروى ابن عبد البر (١) بإسناده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌:» تعمل هذه الأمة برهة بسنة رسول الله ثم يعملون بالرأي فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا» [٣٨]. وأخرجه (٢) أيضًا بإسناد آخر فيه جبارة بن المغلس وفيه مقال. وروى (٣) أيضًا بإسناده إلى عمر بن الخطاب أنه قال وهو على المنبر: يا أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله- ﵌ مُصيبًا لأن الله كان يُريه، وإنما هو منا الظن والتكلف. وأخرجه أيضًا البيهقي في المدخل (٤) وروى ابن عبد البر (٥) بإسناده إلى عمر أيضًا أنه قال أهل الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلتت ممنهم أن يرووها فاشتقوا الرأي». وروى (٦) ابن عبد البر بإسناده إليه أيضًا قال: اتقوا الرأي في دينكم. وروى (٧) عنه أيضًا قال إن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين يسألون أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم. وأخرج ابن عبد البر (٨) بإسناده إلى ابن مسعود قال: ليس عام إلا الذي بعده شر منه، لا أقول عامٌ أمطر من عام ولا عام أخصب من عام ولا أمير خير من أمير ولكن ذهاب.

стр. 1846

خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فيهدم الإسلام ويثلم. وأخرجه البيهقي (١) بإسناده ورجاله ثقات. وأخرج أيضًا ابن عبد البر (٢) عن ابن عباس قال: إنما هو كتاب الله وسنة رسوله فمن قال بعد ذلك برأيه فما أدري أفي حسناته أم في سيئاته. وأخرج (٣) أيضًا عن ابن عباس أنه قال: تمتع رسول الله- ﵌ فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن عباس: أرااهم سيهلكون أقول قال رسول الله- ﵌ ويقول قال أبو بكر وعمر. وأخرج (٤) أيضًا عن أبي الدرداء أنه قال: من يعذرني من معاوية أحدثه عن رسول الله- ﵌ ويخبرني برأيه ومثله عن عباده. وأخرج (٥) أيضًا عن عمر ﵁ (٦) قال: السنة ما سنة رسول الله- ﵌ لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة. وأخرج (٧) أيضًا عن عروة بن الزبير أنه قال: لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيمًا حتى أدركت فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوا بني إسرائيل. وأخرج (٨) أيضًا عن الشعبي أنه قال: إياكم والمقايسة فو الذي نفسي بيده لئن أخذتم بالمقايسة لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال، ولكن ما بلغكم ممن حفظ عن أصحاب رسول

стр. 1847

الله- ﵌ فاحفظوه. وروى ابن عبد البر أيضًا ذم الرأي والتبرؤ منه والتنفير عنه بكلمات تقارب هذه الكلمات عن مسروق (١) وابن سيرين (٢)، وعبد الله ابن المبارك (٣)، وسفيان (٤)، وشريح (٥)، والحسن البصري (٦)، وابن شهاب (٧). وذكر الطبري [٣٩] في كتاب تهذيب الآثار له بإسناد إلى مالك (٨) قال: قال مالك: قبض رسول الله- ﵌ وقد تم هذا الأمر واستكمل فإنما ينبغي أن تتبع آثار رسول الله- ﵌ ولا تتبع الرأي فإنه من أتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك فاتبعته فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته. أرى هذا لا يتم. وروى ابن عبد البر (٩) عن مالك بن دينارٍ أنه قال لقتادة: اتدري أي علمٍ رفعت،

стр. 1848

قمت بين الله وبين عباده، فقلت هذا لا يصلح وهذا يصلح. وروى ابن عبد البر (١) أيضًا عن الأوزاعي أنه قال: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول. وروى (٢) أيضًا عن مالك أنه قال: ما علمته فقل به ودل عليه وما لم تعلم فاسكت وإياك أن تقلد الناس قلادة سوء. وروى (٣) أيضًا عن القعنبي أنه دخل على مالك فوجده يبكي فقال: ما الذي يبكيك؟ فقال: يا ابن قعنب إنا لله على ما فرط مني، ليتني جلدت بكل كلمةٍ تكلمت بها في هذا الأمر سوطًا ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي وهذه المسائل وقد كانت لي سعة فيما سبقت إليه. وروى (٤) أيضًا عن سحنون أنه قال: ما أدري ما هذا الرأي سفكت به الدماء واستحلت به الفروج واستحقت به الحقوق. وروى (٥) أيضًا عن أيوب أنه قيل له مالك لا تنظر في الرأي؟ فقال أيوب قيل للحمار مالك لا تجتر؟ قال أكره مضغ الباطل!. وروى (٦) عن الشعبي أيضًا أنه قال: «والله لقد بغّض إلى هؤلاء القومن المسجد حتى لهو أبغض من كناسة داري، قيل له من هم. قال هؤلاء الآرائيون وكان في ذلك المسجد الحكم وحماد وأصحابهم».

стр. 1849

وذكر ابن (١) وهب أنه سمع مالكًا يقول: «لم يكن من أمر الناس [٤٠] ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدًا أقتدى به يقول في شيء هذا حلال وهذا حرام ما كانوا يجترئون على ذلك وإنما كانوا يقولون نكرة هذا ونرى هذا حسنًا ويبقى هذا ولا نرى هذا». وزاد بعض أصحاب مالك عنه في هذا الكلام أنه قال: «ولا يقولون حلال ولا حرام. أما سمعت قول الله : ﴿قل أرءيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالا قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ (٢)». الحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرّمه الله ورسوله. وروى ابن عبد البر (٣) أيضًا عن أحمد بن حنبل أنه قال: رأى الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء إنما الحجة في الآثار. وروى (٤) أيضًا عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ما أحدث أحد في العلم شيئًا إلا سئل عنه يوم القيامة فإن وافق السنة سلم وإلا فهو العطب. وقال الشافعي في تفسير البدعة المذكورة في الحديث الثابت في الصحيح (٥) من قوله ﷺ : «خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعةٍ ضلالة»: إن المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة. والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذه الامة وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر في قيام شهر رمضان نعمت (٦) البدعة هذه.

стр. 1850

وأخرج البيهقي في المدخل (١) عن ابن مسعود أنه قال: اتّبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. وأخرج (٢) عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله- ﵌ يقول: «يكون بعدي رجالٌ يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى الله، ولا تعملوا برأيكم». وأخرج (٣) عن عمر أنه قال: اتقوا الرأي في دينكم.

стр. 1851

وأخرج (١) عنه أيضًا بسند رجاله ثقات أنه قال: يا أيها الناس أتهموا [٤١] الرأي على الدين. وأخرج (٢) أيضًا عن عليّ ابن علي بن أبي طالب أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أحقَّ بالمسح من ظاهرهما ولكن رأيت رسول الله- ﵌ يمسح على ظاهرهما. وهو أثر مشهور أخرجه غير (٣) البيهقي أيضًا. وأخرج البيهقي أيضًا ما يفيد الإرشاد إلى ا تباع الأثر والتنفيرعن اتباع الرأي عن ابن عمر (٤) وابن سيرين (٥) والحسن (٦) والشعبي (٧) وابن عون (٨) والأوزاعي (٩) وسفيان

стр. 1852

الثوري (١) والشافعي (٢) وابن المبارك (٣) وعبد العزيز (٤) بن أبي سلمة وأبي حنيفة (٥) ويحي بن آدم (٦) ومجاهد (٧). وأخرج أبو داود (٨) وابن ماجه (٩) والحاكم (١٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص

стр. 1853

أن رسول الله- ﵌ قال: «العلم ثلاثة فما سوى ذلك فضلٌ: آية محكمة وسنة قائمة وفريضة عادلة». وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وعبد الرحمن بن رافع وفيهما مقال. قال ابن عبد البر (١): السنة القائمة الثابتة الدائمة المحافظ عليها معمولًا بها لقيام إسنادها. والفريضة العادلة المساوية للقرآن في وجوب العمل بها وفي كونها صدقًا وصوابًا وأخرج الديلمي في مسند الفردوس (٢) وأبو نعيم (٣) والطبراني في الأوسط (٤) والخطيب (٥) والدارقطني (٦) وابن عبد البر (٧) عن ابن عمر بن الخطاب موقوفًا: «العلم ثلاثة أشياء: كتابٌ ناطقٌ، وسنة ماضية، ولا أدري» وإسناده حسن. وأخرج ابن عبد البر (٨) عن ابن عباس أن النبي- ﵌ قال: «إنما الأمور ثلاثة: أمر تبيّن لك رشده فاتبعه، وأمرٌ تبين لك زيغة فاجتنبه وأمر اختلف فيه فكله إلى عالمه». والحاصل أن كون الرأي ليس من العلم لا خلاف فيه بين الصحابة والتابعين وتابعيهم

стр. 1854

[٤٢] قال ابن عبد البر (١): ولا أعلم بين متقدَّمي علماء هذه الأمة وسلفها خلافًا أن الرأي ليس بعلم حقيقة، وأما أصول العلم فالكتاب والسنة ... انتهى. وقال ابن عبد البر (٢): حد العلم عند العلماء والمتكلمين في هذا المعنى هو ما استيقنته وتبيَّنته، وكل من استيقن شيئًا وتبينَّه فقد علمه. وعلى هذا من لم يستيقن الشيء وقال به تقليدًا فلم يعلم. والتقليد عند جماعة العلماء غير الأتباع لأن الأتباع هو أن تتبع القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه ولا وجه القول ولا معناه، وتأبى من سواه. أو أن يتبين لك خطؤه فتتبعه مهابة خلافه، وأنت قد بان لك فساد قوله وهذا يحرم القول به في دين الله سبحانه انتهى. ومما يدل على ما أجمع عليه السلف من أن الرأي بعلم قول الله : ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ (٣) قال عطاء بن أبي رباح (٤) وميمون بن مهران (٥) وغيرهما: الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى رسول الله هو الرد إلى سنته بعد موته. وعن عطاء (٦) في قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (٧) قال طاعة الله ورسوله اتباع الكتاب والسنة «وأولي الأمر منكم» قال أولي العلم والفقه وكذا قال مجاهدٌ (٨).

стр. 1855

ويدل على ذلك من السنة حديث العرباض بن سارية وهو ثابت (١) ورجاله رجال الصحيح قال وعظنا رسول الله- ﵌ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، وعليكم بالطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا عضّوا عليها [٤٣] بالنواجذ فإنما المؤمن كالجمل الآنف كلما قيد انقاد». وأخرجه أيضًا ابن عبد البر (٢) بإسناد صحيح وزاد: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» ... وفي رواية (٣): «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة». والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًا ويكفي في دفع الرأي وأنه ليس من الدين قوله الله : ﴿أكملت لكم دينكم وأتتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ (٤). فإذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض إليه نبيه [﵌] (٥) فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل الله دينه؟ إن كان من الدين في اعتقادهم فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم وهذا فيه رد للقرآن، وإن لم يكن من الدين فأي فائدة في الاشتغال بما ليس من الدين.

стр. 1856

وهذه حجة قاهرة ودليل عظيم لا يمكن صاحب الرأي أن يدفعه بدافع أبدًا فاجعل هذه الآية الشريفة أول ما تصك به وجوه أهل الرأي وترغم به آنافهم، وتدحض به حججهم فقد أخبرنا الله في محكم كتابه أنه أكمل دينه ولم يمت رسول الله- ﵌ إلا بعد أن أخبرنا بهذا الخبر عن الله . فمن جاءنا بشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له الله أصدق منك فاذهب فلا حاجة لنا في رأيك. وليت المقلدة فهموا هذا الآية حق الفهم حتى يستريحوا ويُريحوا. ومع هذا فقد أخبرنا في كتابه أنه أحاط بكل شيء فقال: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (١) وقال: [تعالى] (٢): ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة﴾ (٣) ثم أمر عباده بالحكم بكتابه فقال: ﴿وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ (٤) وقال: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾ (٥) وقال: ﴿إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خيبر الفاصلين﴾ (٦) وقال: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٧) وقال: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٨) وقال: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (٩) وأمر

стр. 1857

عباده أيضًا في محكم كتابه باتباع ما جاء به رسوله- ﵌ قال سبحانه: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه [٤٤] وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله أن الله شديد العقاب﴾ (١) وقال: ﴿قل إن كنتم تحبونالله فاتبعوني يحببكم الله﴾ (٢) وقال: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾ (٣) وقال: ﴿أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (٤) وقال: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا﴾ (٥) وقال: ﴿من يطع الرسول فقط أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا﴾ (٦) وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا﴾ (٧) وقال: ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين﴾ (٨) وقال: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا

стр. 1858

الرسول وأحذروا فإن توليتم فاعملوا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ (١) وقال: ﴿وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾ (٢). وقال: ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ (٣) وقال: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ (٤) وقال: ﴿وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون﴾ (٥) وقال: ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ (٦) وقال: ﴿يأ أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (٧) وقال: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾ (٨) وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٩). والاستكثار من الاستدلال على وجوب طاعة الله ورسوله لا يأتي بفائدة زائدة فليس أحدٌ من المسلمين يخالف في ذلك، ومن أنكره فهو كافرٌ خارج عن حزب المسلمين. إنما

стр. 1859

أوردنا هذه الآيات الشريفة لقصد تليين قلب المقلد الذي قد جمد وصار كالجلمد فإنه إذا سمع [٤٥] مثل هذه الأوامر القرآنية ربما امتثلها وأخذ دينه عن كتاب الله وسنة رسوله طاعة لأوامر الله تعالى. فإن هذه الطاعة وإن كانت معلومة لكل مسلم كما تقدم لكن الإنسان قد يذهل عن القوارع القرآنية والزواجر النبوية فإذا ذكر بها ذكر ولا سيما من نشأ على التقليد وأدرك سلفه ثابتين على غير متزحزحين عنه، فإنه يقع في قلبه أن دين الإسلام هو هذا الذي هو عليه وما كان مخالفًا له فليس من الإسلام في شيء فإذا راجع نفسه رجع. ولهذا تجد الرجل إذا نشأ على مذهب من هذه المذاهب ثم سمع قبل أن يتمرن بالعلم ويعرف ما قاله الناس خلافًا يخالف ذلك المألوف استنكره وأباه قلبه ونفر عنه طبعه، وقد رأينا وسمعنا من هذا الجنس من لا يأتي عليه الحصر، ولكن إذا وازن العاقل بعقله بين من أتّبع أحد أئمة المذاهب في مسألة من مسائله التي رواها عنه المقلد ولا مستند لذلك العالم فيها بل قالها بمحض الرأي لعدم وقوفه على الدليل، وبين من تمسك في تلك المسألة بخصوصها بالدليل الثابت في القرآن أو السنة أفاده العقل أن بينهما مسافات تنقطع فيها أعناق الإبل بل لا جامع بينهما لأن من تمسك بالدليل أخذ بما أوجب الله عليه الأخذ به واتبع ما شرعه الشارع لجميع الأمة أولها وآخرها وحيِّها وميتها، وأحدهم هذا العالم الذي تمسك المقلد له بمحض رأيه وهذا العالم هو محكوم عليه بالشريعة لا أنه حاكم فيها وهو تابعٌ لها لا متبوعٌ فيها فهو كمن تبعه في أن كل واحدٍ منهما فرضه الأخذ بما جاء عن الشارع لا فرق بينهما إلا في كون المتبوع عالمًا والتابع جاهلاً. فالعالم يمكنه الوقوف على الدليل من دون [٤٦] أن يرجع إلى غيره لأنه قد استعد لذلك بما اشتغل به من الطلب والوقوف بين يدي أهل العلم والتخرج بهم في معارف الاجتهاد، والجاهل يمكنه الوقوف على الدليل بسؤال علماء الشريعة على طريقة طلب الدليل واسترواء النص وكيف حكم الله في محكم كتابه أو على لسان رسوله في تلك المسألة فيفيدونه النص إن كان ممن يعقل الحجة إذا دل عليها أو يفيدونه مضمون النص بالتعبير عنه بعبارة يفهمها فهم رواة وهو مسترو وهذا عاملٌ بالرواية لا بالرأي،

стр. 1860

والمقلد عامل بالراي لا بالرواية لأنه يقبل قول الغير من دون أن يطالبه بحجة. وذلك هو في سؤاله مطالب بالحجة لا بالرأي فهو قبل رواية الغير لا رأيه وهما من هذه الحيثية متقابلان. فانظر كم الفرق بين المنزلتين. فإن العالم الذي قلده غيره إذا كان قد أجهد نفسه في طلب الدليل ولم يجده ثم اجتهد رأيه فهو معذور. وهكذا إذا أخطأ في اجتهاده فإنه معذورٌ بل مأجورٌ للحديث المتفق عليه (١): «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر». فإذا وقف بين يدي الله وتبين خطأه كان بيده هذه الحجة الصحيحة بخلاف المقلد له فإنه لا يجد حجدة يدلي بها عند السؤال في موقف الحساب لأنه قلد في دين الله من هو مخطي، وعدم مؤاخذه المجتهد على خطئه لا يستلزم عدم مؤاخذة من قلده في ذلك الخطأ لا عقلاً ولا شرعًا ولا عادةً، فإن استروح المقلد إلى مسألة تصويب المجتهد فالقائل بها إنما قال إن المجتهد مصيب بمعنى أنه لا يأثم بالخطأ بل يؤجر على الخطأ بعد توفية الاجتهاد حقه ولم يقل [٤٧] أنه مصيبٌ للحق الذي هو حكم الله في المسألة، فإن هذا خلاف ما نطق به رسول الله [﵌] (٢) فيه هذا الحديث حيث قال: «إن أجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجرٌ» فانظر هذه العبارة النبوية في هذا الحديث الصحيح المتفق عليه عند أهل الصحيح والمتلقي بالقبول بين جميع الفرق فإنه قال «وإن اجتهد فأخطأ .. » فقسم ما يصدر عن المجتهد في مسائل الدين إلى قسمين: أحدهما هو فيه (٣) مصيب والآخر هو فيه مخطئ فكيف يقول قائلٌ إنه مصيبٌ للحق سواءً أصاب أو أخطأ وقد سماه رسول الله- ﵌ مخطئًا فمن زعم أن مراد
следующие страницы →