وهذه حجة قاهرة ودليل عظيم لا يمكن صاحب الرأي أن يدفعه بدافع أبدًا فاجعل هذه الآية الشريفة أول ما تصك به وجوه أهل الرأي وترغم به آنافهم، وتدحض به حججهم فقد أخبرنا الله في محكم كتابه أنه أكمل دينه ولم يمت رسول الله- ﵌ إلا بعد أن أخبرنا بهذا الخبر عن الله . فمن جاءنا بشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له الله أصدق منك فاذهب فلا حاجة لنا في رأيك.
وليت المقلدة فهموا هذا الآية حق الفهم حتى يستريحوا ويُريحوا. ومع هذا فقد أخبرنا في كتابه أنه أحاط بكل شيء فقال: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (١) وقال: [تعالى] (٢): ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة﴾ (٣) ثم أمر عباده بالحكم بكتابه فقال: ﴿وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ (٤) وقال: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾ (٥) وقال: ﴿إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خيبر الفاصلين﴾ (٦) وقال: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٧) وقال: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٨) وقال: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (٩) وأمر
стр. 1857
عباده أيضًا في محكم كتابه باتباع ما جاء به رسوله- ﵌ قال سبحانه: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه [٤٤] وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله أن الله شديد العقاب﴾ (١) وقال: ﴿قل إن كنتم تحبونالله فاتبعوني يحببكم الله﴾ (٢) وقال: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾ (٣) وقال: ﴿أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (٤) وقال: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا﴾ (٥) وقال: ﴿من يطع الرسول فقط أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا﴾ (٦) وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا﴾ (٧) وقال: ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين﴾ (٨) وقال: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا
стр. 1858
الرسول وأحذروا فإن توليتم فاعملوا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ (١) وقال: ﴿وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾ (٢). وقال: ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ (٣) وقال: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ (٤) وقال: ﴿وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون﴾ (٥) وقال: ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ (٦) وقال: ﴿يأ أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (٧) وقال: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾ (٨) وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٩).
والاستكثار من الاستدلال على وجوب طاعة الله ورسوله لا يأتي بفائدة زائدة فليس أحدٌ من المسلمين يخالف في ذلك، ومن أنكره فهو كافرٌ خارج عن حزب المسلمين. إنما
стр. 1859
أوردنا هذه الآيات الشريفة لقصد تليين قلب المقلد الذي قد جمد وصار كالجلمد فإنه إذا سمع [٤٥] مثل هذه الأوامر القرآنية ربما امتثلها وأخذ دينه عن كتاب الله وسنة رسوله طاعة لأوامر الله تعالى. فإن هذه الطاعة وإن كانت معلومة لكل مسلم كما تقدم لكن الإنسان قد يذهل عن القوارع القرآنية والزواجر النبوية فإذا ذكر بها ذكر ولا سيما من نشأ على التقليد وأدرك سلفه ثابتين على غير متزحزحين عنه، فإنه يقع في قلبه أن دين الإسلام هو هذا الذي هو عليه وما كان مخالفًا له فليس من الإسلام في شيء فإذا راجع نفسه رجع. ولهذا تجد الرجل إذا نشأ على مذهب من هذه المذاهب ثم سمع قبل أن يتمرن بالعلم ويعرف ما قاله الناس خلافًا يخالف ذلك المألوف استنكره وأباه قلبه ونفر عنه طبعه، وقد رأينا وسمعنا من هذا الجنس من لا يأتي عليه الحصر، ولكن إذا وازن العاقل بعقله بين من أتّبع أحد أئمة المذاهب في مسألة من مسائله التي رواها عنه المقلد ولا مستند لذلك العالم فيها بل قالها بمحض الرأي لعدم وقوفه على الدليل، وبين من تمسك في تلك المسألة بخصوصها بالدليل الثابت في القرآن أو السنة أفاده العقل أن بينهما مسافات تنقطع فيها أعناق الإبل بل لا جامع بينهما لأن من تمسك بالدليل أخذ بما أوجب الله عليه الأخذ به واتبع ما شرعه الشارع لجميع الأمة أولها وآخرها وحيِّها وميتها، وأحدهم هذا العالم الذي تمسك المقلد له بمحض رأيه وهذا العالم هو محكوم عليه بالشريعة لا أنه حاكم فيها وهو تابعٌ لها لا متبوعٌ فيها فهو كمن تبعه في أن كل واحدٍ منهما فرضه الأخذ بما جاء عن الشارع لا فرق بينهما إلا في كون المتبوع عالمًا والتابع جاهلاً.
فالعالم يمكنه الوقوف على الدليل من دون [٤٦] أن يرجع إلى غيره لأنه قد استعد لذلك بما اشتغل به من الطلب والوقوف بين يدي أهل العلم والتخرج بهم في معارف الاجتهاد، والجاهل يمكنه الوقوف على الدليل بسؤال علماء الشريعة على طريقة طلب الدليل واسترواء النص وكيف حكم الله في محكم كتابه أو على لسان رسوله في تلك المسألة فيفيدونه النص إن كان ممن يعقل الحجة إذا دل عليها أو يفيدونه مضمون النص بالتعبير عنه بعبارة يفهمها فهم رواة وهو مسترو وهذا عاملٌ بالرواية لا بالرأي،
стр. 1860
والمقلد عامل بالراي لا بالرواية لأنه يقبل قول الغير من دون أن يطالبه بحجة. وذلك هو في سؤاله مطالب بالحجة لا بالرأي فهو قبل رواية الغير لا رأيه وهما من هذه الحيثية متقابلان.
فانظر كم الفرق بين المنزلتين. فإن العالم الذي قلده غيره إذا كان قد أجهد نفسه في طلب الدليل ولم يجده ثم اجتهد رأيه فهو معذور. وهكذا إذا أخطأ في اجتهاده فإنه معذورٌ بل مأجورٌ للحديث المتفق عليه (١): «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر».
فإذا وقف بين يدي الله وتبين خطأه كان بيده هذه الحجة الصحيحة بخلاف المقلد له فإنه لا يجد حجدة يدلي بها عند السؤال في موقف الحساب لأنه قلد في دين الله من هو مخطي، وعدم مؤاخذه المجتهد على خطئه لا يستلزم عدم مؤاخذة من قلده في ذلك الخطأ لا عقلاً ولا شرعًا ولا عادةً، فإن استروح المقلد إلى مسألة تصويب المجتهد فالقائل بها إنما قال إن المجتهد مصيب بمعنى أنه لا يأثم بالخطأ بل يؤجر على الخطأ بعد توفية الاجتهاد حقه ولم يقل [٤٧] أنه مصيبٌ للحق الذي هو حكم الله في المسألة، فإن هذا خلاف ما نطق به رسول الله [﵌] (٢) فيه هذا الحديث حيث قال: «إن أجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجرٌ» فانظر هذه العبارة النبوية في هذا الحديث الصحيح المتفق عليه عند أهل الصحيح والمتلقي بالقبول بين جميع الفرق فإنه قال «وإن اجتهد فأخطأ .. » فقسم ما يصدر عن المجتهد في مسائل الدين إلى قسمين: أحدهما هو فيه (٣) مصيب والآخر هو فيه مخطئ فكيف يقول قائلٌ إنه مصيبٌ للحق سواءً أصاب أو أخطأ وقد سماه رسول الله- ﵌ مخطئًا فمن زعم أن مراد
стр. 1861
القائل بتصويب المجتهدين الإصابة للحق مطبقًا فقد غلط عليهم غلطًا بينًا، ونسب إليهم ما هم عنه براء. ولهذا أوضح جماعة من المحققين مراد القائلين بتصويب المجتهدين بأن مقصودهم أنهم مُصيبون من الصواب الذي لا ينافي الخطأ لا من الإصابة التي هي مقابلة للخطأ فإن تسمية المخطئ مصيبًا هي باعتبار قيام النص على أنه مأجور في (١) خطئه لا باعتبار أنه لم يخطئ فهذا لا يقول به عالم، ومن لم يفهم هذا المعنى فعليه أن يتهم نفسه ويحيل الذنب على قصوره ويقب ما أوضحه له من هو أعرف منه بفهم كلام العلماء.
وإن استروح المقلد إلى الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (٢).
فهو يقتصر على سؤال أهل العلم عن الحكم الثابت في كتاب الله وسنة رسوله حتى يبينوه له كما أخذ الله عليهم من بيان أحكامه لعباده فإن معنى هذا السؤال الذي شرعه الله هو السؤال عن الحجة الشرعية وطلبها من العالم [٤٨] فيكون روايًا وهذا السائل مسترويًا، والمقلد يقر على نفسه بأنه يقبل قول العالم ولا يطالبه بالحجة، فالآية هي دليل الأتباع لا دليل التقليد وقد أوضحنا الفرق (٣) بينهما فيما سلف هذا على فرض أن المراد
стр. 1862
بها السؤال العام، وقد قدّمنا أن السياق يفيد أن المراد بها السؤال الخاص لأن الله يقول: ﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (١) وقد قدّمنا طرفًا من تفسير أهل العلم لهذه الآية (٢) وبهذا يظهر لك أن هذه الحجة التي احتج بها المقلد هي حجة داحضةٌ على فرض أن المراد المعنى الخاص وهي عليه لا له على فرض أن المراد المعنى العام.
стр. 1863
[أسئلة للمقلدين]
ثم نقول للمقلد أيضًا أنت في تقليدك للعالم في مسائل العبادات والمعاملات إما أن تكون في أصل مسألة جواز التقليد مقلدًا أو مجتهدًا: إن كنت مقلدًا فقد قلدت في مسألة لا يجيز إمامك التقليد فيها لأنها مسألة أصوليةٌ والتقليدُ إنما هو في مسائل الفروع فمذا صنعت في نفسك يا مسكين؟.
وكيف وقعت في هذه الهوة المظلمة وأنت تجد عنها فرجًا ومخرجًا.
وإن كنت في أصل هذه المسألة مجتهدًا فلا يجوز لك التقليد لأنك لا تقدر على الاجتهاد في مثل هذه المسألة الأصولية المتشعبة المشكلة إلا وأنت ممن علّمه الله علمًا نافعًا تخرج به من الظلمات إلى النور.
فما بلك توقع نفسك فيما لا يجوز لها وتقلّد الرجال في دين الله بعد أن أراحك الاله منه واقدرك على الخروج منه.
هذا على ما هو الحق من أن الاجتهاد (١) لا يتبعّض، وأنه لا يقدر على الاجتهد في بعض المسائل إلا من قدر على الاجتهاد في جميعها لأن الاجتهاد [٤٩] هو ملكة تحصل لنفس عند الإحاطة بمعارفه المعتبرة ولا ملكة لمن لم يعرف إلا البعض من ذلك.
فإن استروحت إلى أن الاجتهاد يتبعّض أعدنا عليك السؤال فنقول. هل عرفت أن الاجتهاد يتبعض بالاجتهاد أم بالتقليد؟. فإن كنت عرفت ذلك بالتقليد فالمسألة أصولية لا يجوز التقليد فيها باعترافك واعتراف إمامك. وإن كنت عرفت ذلك بالاجتهاد فهذه
стр. 1864
أيضًا مسألة أخرى من مسائل الأصول أقدرك الله على الاجتهاد فيها فهلا صنعت هذا الصنع في مسائل الفروع فإنك على الاجتهاد فيها أقدر منك على الاجتهاد في مسائل الأصول.
فاصنع من مسائل الفروع هكذا واستكثر من علوم الاجتهاد حتى تصير من أهله ويفرج الله عنك هذه الغمة ويكشف عنك بما علّمك هذه الظلمة فإنك إذا رفعت نفسك إلى الاجتهاد الأكبر فالمسافة قريبة، ومن قدر على بعض قدر على الكل.
ومن عرف الحق في المعارك الأصولية عرفه في المسائل الفروعية وستعرف بعد أن تعرف علوم الاجتهاد كما ينبغي بطلان ما تظنه الآن من جواز التقليد ومن تبعض الاجتهاد، بل لو طرحت عنك العصبية وجردت نفسك لفهم ما حررته لك في هذه الورقات من أوله إلى آخره لقادك عقلك وفهمك إلى أنه الصواب قبل أن تجمع معارف الاجتهاد، فالفهم قد تفضل الله به على غالب عباده والحق لا يحتجب عن أهل التوفيق والإنصاف شاهد صدق على وجدان الحق، ولهذا قال ﵌:» أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس» [٥٠] وهو حديث أخرجه الحاكم في مستدركه (١) وصححه وأخرجه أيضًا (٢) غيره.
فإن طال بك اللجاج وسلكت من جهالتك في فجاج، وتوقحت غير محتشم، وأقدمت غير محجم، فقلت إن مسألة جواز التقليد هي وإن كانت مسألة أصولية وقد أطبق الناس على أنه لا يجوز التقليد في مسائل الأصول وصار هذا معروفًا عند أبناء جنسي من المقلّدين لكني أقول بأن التقليد فيها وفي سائر مسائل الأصول جائز.
فنقول ومن أين عرفت جواز التقليد في مسائل الأصول هل كان هذا منك تقليدًا أم
стр. 1865
اجتهادًا؟ فإن قلت تقليدًا فنقول ومن ذاك الذي قلدته فإن قد حكينا لك فيما سبق أن أئمة المذاهب يمنعون التقليد كما يمنعه غيرهم في مسائل الفروع فرضًا عن مسائل الأصول، فإن قلت قلدتهم أو قلدت واحدًا منهم وهو الذي التزمت مذهبه في جميع ما قاله من دون أن تطالبه بحجة فقد كذبت عليه وعللت نفسك بالأباطيل، فإن غيرك ممن هو أعلم منك بمذهبه وأعرف بنصوصه قد نقل عنه أنه يمنع التقليد وإن قلت قلدت غيره فمن هو؟ ثم كيف سمحت نفسك في هذه المسألة بخصوصها بالخروج عن مذهبه وتقليد غيره.
وبالجملة فمن تلاعب بنفسه وبدينه إلى هذا الحد فهو بالبهيمة أشبه، وليت أن هؤلاء المقلدة قلّدوا أئمتهم في جميع ما يقولونه، فإنهم لو فعلوا كذلك لزمهم أن يقلدوهم في مسألة التقليد، وهم يقولون بعدم جوازه كما عرفت سابقًا، وحينئذ يقتدون بهم في هذه المسألة ولا يتم لهم ذلك إلا بترك التقليد في جميع المسائل فيريحون أنفسهم [٥١] ويخلصون من هذه الشبكة بالوقوع في حبل من حبالها.
ثم نقول لهذا المقلد أيضًا من أين عرفت إن إمامك الذي قلدته مجتهد فإن قال عرفت أنه جامع لعلوم الاجتهاد، فنقول له ومن أين لك هذه المعرفة يا مسكين فأنت تقر على نفسك بالجهل وتكذبها في هذه الدعوى ولولا جهلك لم تقلد غيرك، وإن قال عرفتها بإخبار أهل العلم أن إمامي قد جمع علوم الاجتهاد فنقول هذا الذي أخبرك هل هو مقلد أم مجتهد؟ إن قلت هو مقلد فمن أين للمقلد هذه المعرفة وهو مقر على نفسه بما أقررت به على نفسك من الجهل وإن قلت أخبرك بذلك رجل مجتهد فنقول من أين عرفت أنه مجتهدٌ وأنت مقر على نفسك بالجهل ثم نعود عليك بالسؤال الأول إلى ما لا نهاية له.
ثم نقول للمقلد من أين عرفت أن احلق بيد هذا الإمام (١) الذي قلدته وأنت تعلم أن غيره من العلماء قد خالفه في كل مسألة من مسائل الخلاف إن قلت عرفت ذلك تقليدًا
стр. 1866
فمن أين للمقلد معرفة الحق والمحقين وهو مقر على نفسه بأنه لا يطالب بالحجة ولا يعقلها إذا جاءته فمالك يا مسكين وللكذب على نفسك بما يشهد عليك ببطلانه لسانك، بل يشهد عليك كل مجتهدٍ ومقلد بخلاف دعواك، وإن قلت عرفت ذلك بالاجتهاد فلست حينئذ مقلدًا ولا من أهل التقليد بل التقليد عليك حرام فمالك تغمط نعمة الله عليك وتنكرها والله يقول: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ (١) ورسول الله- ﵌ يقول: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» (٢) وأثر نعمة العلم أن يعمل العالم بعلمه ويأخذ ما تعبده الله به من الجهة التي أمره الله بالأخذ منها في محكم كتابه وعلى لسان رسوله تلك الجهة هي الكتاب والسنة وكما تقدم سرد أدلة ذلك، وهو أمرٌ متفقٌ عليه لا خلاف فيه [٥٢].
وعلى كل حال فإنت بتقليدك مع كونك قاصرًا ممن عمل في دين الله بغير بصيرة وترك ما لا شك فيه إلى ما فيه شك واستبدل بالحق شيئًا لا يدري ما هو، وإن كنت مجتهدًا فأنت مما أضله الله على علم وختم على سمعه وبصره فلم ينفعه علمه وصار ما علمه حجة عليه ورجع من النور إلى الظلمات ومن اليقين إلى الشك ومن الثريا إلى الثرى فلالعًا لك بل لليدين وللفم.
стр. 1867
هذا إن كان ذلك المقلد يدعي إن إمامه على حق في جميع ما قاله وإن كان يقر بأن في قوله الحق والبالط وأنه بشرٌ يخطئ ويصيب لا سيما في محض الرأي الذي هو على شفا جرف هار فنقول له إن كنت قائلًا بهذا فقد أصبت وهو الذي يقوله إمامك لو سأله سائل عن مذهبه وجميع ما دونه من مسائله، ولكن أخبرنا ما حملك أن تجعل ما هو مشتمل على الحق والباطل قلادة في عنقك وتلتزمه وتدين به غير تارك لشيء منه فإن الخطأ من إمامك قد عذره الله فيه بل جعل له أجرًا في مقابلته كما تقدم تقريره لأنه مجتهد وللمجتهد إن أخطأ أجرٌ كما صرح بذلك رسول (١) الله- ﵌ فأنت من أخبرك بأنك معذور في اتباع الخطأ؟ وأي حجة قامت لك على ذلك، فإن قلت إنك لو تركت التقليد وسألت أهل العلم عن النصوص لكنت غير قاطع بالصواب بل يجتمل أن الذي أخذت به وسألت عنه هو حق ويحتمل أنه باطل فنقول ليس الأمر كذلك فإن التمسك بالدليل الصحيح كله حق وليس شيء منه بباطل، والمفروض أنك ستسأل عن دينك في عباداتك ومعاملاتك علماء الكتاب والسنة وهم أتقى الله من [٥٣] إن يفتوك بغير ما سألت عنه فإنك إنما سألتهم عن كتاب الله أو سنة رسوله في ذلك الحكم الذي أردت العمل به، وهم بل جميع المسلمين يعلمون أن كتاب الله وسنة رسوله حق لا باطل وهدى لا ضلالة، ولو فرضنا أن المسؤول قصّر في البحث فأفتاك مثلا بحديث ضعيفٍ وترك الصحيح أو بالآية المنسوخة وترك المحكمة لم يكن ع ليك في ذلك بأس فإنك قد فعلت ما هو فرضك واسترويت أهل العلم عن الشريعة المطهرة لا عن آراء الرجال، وليس للمقلد أن يقول كمقالك هذا فيزعم أن إمامة أتقى الله من أن يقول بقول باطل لأنا نقول هو معترف أن بعض رأيه خطأ ولم يأمرك بأن تتبعه في خطئه بل نهاك عن تقليده ومنعك من ذلك كما تقدم تحريره عن أئمة المذاهب وعن سائر المسلمين، بخلاف من سألته عن الكتاب والسنة فأفتاك بذلك فإنه يعلم أن جميع ما في الكتاب والسنة حق
стр. 1868
وصد وهدى ونور وأنت لم تسأله إلا عن ذلك.
ثم نقول لك أيها المقلد ما بالك تعترف في كل مسألة من مسائل الفروع (١) التي أنت مقلد فيها بأنك لا تدري ما هو احلق فيها ثم لما أرشدناك إلى ما أنت عليه من التقليد غير جائم في دين الله أقمت نفسك مقامًا لا تستحقه ونصبت نفسك في منصب لم تتأهل له فأخذت في المخاصمة والاستدلال لجواز التقليد وجئت بالشبهة الساقطة التي قد قدمنا دفعها في هذا المؤلف فهلا نزلت نفسك في هذه المسألة الأصولية العظيمة المتشعبة [٥٤] تلك المنزلة التي كنت تنزلها في مسائل الفروع فمالك وللنزول في منازل الفحول والسلوك في مسالك أهل الأيدي المتبالغة في الطول، فما هلك امرؤ عرف قدر نفسه فقل هاهنا لا أدري إنما سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فنقول هكذا سيكون جوابك لنكير ومنكر بعد أن تقبر ويقال لك لا دريت ولا تليت كما ثبت بذلك النص الصحيح (٢) وإذا كنت معترفًا بأنك لا تدري فشفاء (٣) العي السؤال فاسأل من تثق بدينه وعلمه وإنصافه في
стр. 1869
مسألة التقليد حتى تكون على بصيرة ولو كان إمامك الذي تقلّده حيًا لأرشدناك إليه وأمرناك بالتعويل عليه فإنه أول ناه لك عن التقليد كما عرَّفناك فيما سبق ولكنه قد صار رهين البلى وتحت أطباق الثرى فاسأل غيره من العلماء الموجودين وهم بحمد الله في كل صقع من بلاد الإسلام فالله سبحانه حافظ دينه بهم وحجته قائمة على عباده بوجودهم، وإن كتموا الحق في بعض الأحوال إما لتقيةٍ مسوغة كما قال تعالى: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاه﴾ (١) أو لمداهنة أو طمع في جاه أو مال، ولكنهم على كل حال إذا عرفوا من هو طالب للحق راغب فيه سائل عن دينه سالكٌ مسالك الصحابة والتابعين وتابعيهم لم يكتموا عليه الحق ولا زاغوا عنه فإن كنت لا تثق بأحد من العلماء وثوقك بإمامك الذي نشأت على مذهبه فأرجع إلى نصوصه التي قدّمنا لك الإشارة إلى بعضها وفيها ما ينقع الغلة ويشفي العلة.
стр. 1870
[نصحية نافعة لمن يتصدر للفتيا والقضاء من المقلّدين]
واعلم أرشدك الله أيها المقلد أنك إن أنصفت من نفسك وخليت بين عقلك وفهمك وبين ما حرَّرناه في هذا المؤلف لم يبق معك شك في أنك على خطر عظيم هذا إن كنت مقتصرًا في التقليد على ما تدعو إليه حاجتك مما يتعلّق به أمر عبادتك ومعاملتك، أما إذا كنت مع كونك في هذه الرتبة [٥٥] الساقطة مرشحًا نفسك لفتيا السائلين وللقضاء على المتخاصمين فاعلم أنك ممتحن وممتحن بك، ومبتلى ومبتلى بك، لأنك تريق الدماء بأحكامك وتنقل الأملاك والحقوق من أهلها وتحلل الحرام لهم وتحرم الحلال وتقول على الله ما لم يقل غير مستد إلى كتاب الله وسنة رسوله بل بشيء لا تدري أحق هو أم باطل باعترافك على نفسك بأنك كذلك، فماذا يكون جوابك بين يدي الله فإن الله إنما أمر حكام العباد أن يحموا بينهم بما أنز الله وأ، ت لا تعرف ما أنزل الله على الوجه الذي يراد به وأمرهم أن يحكموا بالحق وأنت لا تدري بالحق وإنما سمعت الناس يقولون شيئا فقلته وأمرهم أن يحكموا بينهم بالعدل وأ، ت لا تدري بالعدل من الجور، لأن العدل هو ما وافق ما شرعه الله والجور ما خالفه، فهذه الأوامر لم تتناول مثلك بل المأمور بها غيرك فيكف قمت بشي لم تؤمر به ولا ندبت إليه وكيف أقدمت على الدخول في الحكم بغير ما أنزل الله حتى تكون مما ممن قال فيه: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (١)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (٢)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٣).
стр. 1871
فهذه الآيات الكريمة متناولة لكل من لم يحكم بما أنزل الله، وأنت لا تدّعي أنك حكمت بما أنزل الله. بل تقر أنك حكمت بقول العالم الفلاني ولا تدري هل ذلك الحكم الذي حكم به هو من محض رأيه أم من المسائل التي استدل عليها بالدليل ثم لا يدري أهو أصاب في الاستدلال أم أخطأ وهل أخذ بالدليل القوي أم الضعيف فانظر يا مسكين ما صنعت بنفسك فإنك لم يكن جهلك مقصورًا عليك بل جهلت على عباد الله فأرقت الدماء وأقمت الحدود وهتكت الحرم بما لا تدري فقبح الله الجهل ولا سيما إذا جعله صاحبه شرعًا ودينًا له وللمسلمين فإنه طاغوت عند التحقيق [٥٦] وإن ستر من التلبيس بستر رقيق فيا أيها القاضي المقلد أخبرنا أي القضاة الثلاثة أنت الذين قال فيهم رسول الله- ﵌ القضاء ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة» (١) والذي في الجنة قاض قضى بالحق وهو يعمل أنه الحق فبالله عليك هل قضيت بالحق وأنت تعلم أنه الحق؟ إن قلت نعم فأنت وسائر أهل العلم تشهدون بأنك كاذب لأنك معترفٌ بأنك لا تعلم بالحق وكذلك سائر الناس يحكمون عليك بهذا من غير فرقٍ بين مجتهدٍ
стр. 1872
ومقلد وإن قتل بل قضيت بما قاله إمامك ولا تدري أحق هو أم باطل كما هو شأن كل مقدل على وجه الأرض فأنت بإقرارك هذا أحد رجلين: إما قضيت بالحق ولا تعلم بأنه الحق أو قضيت بغير الحق لأن ذلك الحكم الذي حكمت به هو لا يخلو عن أحد الأمرين: إما أن يكون حقصا وإما أن يكون غير حق وعلى كلا التقديرين فأنت من قضاة النار بنص المختار، وهذا ما أظن يتردد فيه أحدٌ من أهل الفهم لأمرين: أحدهما: أن النبي- ﵌ قد جعل القضاة ثلاثة وبين صفة كل واحد منهم ببيان يفهمه المقصر والكامل والعالم والجاهل الثاني: أن المقلد لا يدّعي أنه يعلم بما هو حق من لام إمامه ولا بما هو باطل بل يقر على نفسه أنه يقبل قول الغير ولا يطالبه بحجة ويقر على نفسه أنه لا يعقل الحجة إذا جاءته فأفاد هذا أنه حكم بشيء لا يدري ما هو فإن وافق الحق فهو قضى بالحق ولا يدري أنه الحق وإن لم يوافق الحق فهو قضى بغير الحق وهذان هما القاضيان اللذان في النار فالقاضي المقلد على كلا حالتيه يتقلب في نار جهنم فهو كما قال الشاعر:
خذا بطن هرشي (١) أو قفاها فإنه ... كلا جانبي هرشي لهن طريق (٢)
وكما تقول العرب في الشر خيارٌ ولقد خاب وخسر من لا ينجو [٥٧] على كل حال من النار، فيا أيها القاضي المقلد ما الذي أوقعك في هذه الورطة وألجأك إلى هذه العهدة التي صرت فيها على كل حال من أهل النار؟ إذا دمت على قضائك، ولم تتب فإن أهل المعاصي والبطالة على اختلاف أنواعهم هم أرجى لله منك وأخوف له لأنهم يقدمون على المعاصي وهم على عزم التوبة والإقلاع والرجوع وكل واحدٍ منهم يسأله الله المغفرة والتوبة ويلوم نفسه على ما فرط منه ويحب أن لا يأتيه الموت إلا بعد أن يطهر نفسه من
стр. 1873
أدران كل معصية، ولو دعا بأن الله يبقيه على ما هو متلبس به من البطالة والمعصية إلى الموت ليعلم هو وكل سامع إنه يدعو عليه لا له.
ولو علم أنه يبقى على ما هو عليه إلى الموت ويلقى الله وهو متلبس به لضاقت عليه الأرض بما رحبت لأنه يعلم أن هذا البقاء هو من موجبات النار بخلاف هذا القاضي المسكين فإنه ربما دعا الله في خلواته وبعد صلواته أن يديم عليه تلك النعمة ويحرسها عن الزوال ويصرف عنه كيد الكائدين وحسد الحاسدين حتى لا يقدروا على عزله ولا يتمكنوا من فصله وقد يبذل المخذول في استمراره على ذلك نفائس الأموال ويدفع الرشا والبراطيل والرغائب لمن كان له في أمره مدخلا فيجمع بين خسراني الدنيا والآخرة وتسمح نفسه بها جميعًا في حصول ذلك فيشتري بهما النار، والعلة الغائبة والمقصد الأسنى والمطلب الأبعد لهذا المغبون ليس إلا اجتماع العامة عليه وصراخهم بين يديه ولو عقل لعلم أنه لم يكن في رياسة عالية ولا في مكان رفيع ولا في مرتبة جليلة فإنه يشاركه في اجتماع هؤلاء العوام وتطاولهم إليه وتزاحمهم عليه كل من يراد إهانته إما بإقامة حد عليه أو قصاص أو تعزير فإنه يجتمع على واحد من هؤلاء مالا يجتمع على القاضي عشر معشاره بل يجتمع على أهل اللعب والمجون والسخرية وأهل الزمر والرقص والضرب بالطبل أضعاف أضعاف [٥٨] من يجتمع على ذلك القاضي، وهو إذا زهى بركوب دابة أو مشى خادم أو خادمين في ركابه فليعلم أن العبد المملوك والجندي الجاهل والمولد من أبناء اليهود والنصارى يركب دواب أفره من دابته ويمشي معه من الخدم أكثر ممن يمشي معه، وإذا كان وقوعه في هذا العمل الذي هو من أسباب النار على كل حال طلب المعاش واستدرار ما يدفع إليه من الجراية من السحت فليعلم أن أهل المهن الدنيوية كالحائك والحجّام والجّزار والإسكافي أنعم منه فهم يتلذذون بدنياهم ويتمتعون بنفوسهم ويتقلّبون في تنعّمهم هذا باعتبار الحياة الدنيا وأما باعتبار الآخرة
فخواطرهم مطمئنة لأنهم لا يخشون العقوبة بسبب من الأسباب التي هي قوام المعاش ونظام الحياة لأن مكسبهم
стр. 1874
حلال وأيديهم مكفوفة عن الظلم فلا يخافون السؤال عن دم أو مال بل قلوبهم متعلقة بالرجاء كل واحد منهم يرجو الانتقال من دار شقوة وكدر إلى دار نعمةٍ وتفضل، وأما ذلك القاضي المقلد فهو منغَّص العيش منكد النعمة مكدَّرة اللذة لانه - لما يرد عليه من خصومة الخصوم ومعارضة المعارضين ومصادرة المتمنّعين من قبول أحكامه وامتثال حله وإبرامه - في هموم وغموم ومكابدة ومناهدة، ومجاهدة ومع هذا فهو متوقعٌ لتحول الحال والاستبدال به وغروب شمسه وركود ربحه وذهاب سعده عن نفسه وشماته أعدائه ومساءة أوليائه فلا تصفو له راحة ولا تخلص له نعمة، بل هو ما دام في الحية في أشد الغم وأعظم النكد كما قال المتنبي (١):
أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا
ولا سيما إذا كان محسودًا معارضًا من أمثاله فإنه لا يطرق سمعه إلا ما يكمده، فحينًا يقال له: الناس يتحدثون أنك غلطت وجهلت وحينًا يقال له قد خالفك القاضي الفلاني أو المفتي الفلاني فنقض حكمك وهدم علمك [٥٩] وغض من قدرك وحط من رتبتك وقد يأتيه المحكوم له منه فيقول له جهاراً وكفاحًا فلان قال لا عمل على حكمك ونحو ذلك من العبارات الخشنة فإن قام وناضل عن حكمه ودافع فهي قومة جاهلية ومدافعة شيطانية طاغوتية قد تكون لحراسة المنصب وحفظ المرتبة والفرار من انحطاط القدر وسقوط الجاه ومع ذلك فهو لا يدري هل الحق بيده أم بيد من نقض عليه حكمه لأن المسكين لا يدري بالحق بإقراره وجميع المتخاصمين إليه بين متسرع إلى ذمه والتشكي منه وهو المحكوم عليه يدّعي أنه حكم عليه بالباطل أو ارتشى من خصمه أو داهنه ويتقرر هذا عنده بما يُلقيه إليه من ينافس هذا المقلد من أبناء جنسه من المقلدة الطامعين في منصبه أو
стр. 1875
الراجين لرفده أو النيابة عنه في بعض ما يتصرف فيه فإنه يذهب يستفتيهم ويشكو عليهم فيطلبون غرائب الوجوه ونوادر الخلاف ويكتبون له خطوطهم بمخالفة ما حكم به القاضي وقد يعبِّرون في مكاتبهم بعبارات تؤلم القاضي وتوحشه فيزداد لذلك ألمه ويكثر عنده همه وغمه.
هذا يفعله أبناء جنسه من المقلدين، وأما العلماء المجتهدون فهم يعتقدون أنه مبطل في جميع ما يأتي به لأنه من قضاة النار فلا يرفعون لما يصدر عنه من الأحكام رأسًا ولا يعتقدون أنه قاضٍ لأنه قد قام الدليل عندهم على أن القاضي (١) لا يكون إلا مجتهدًا وأن المقلد وإن بلغ في الورع والعفاف والتقوى إلى مبالغ الأولياء فهو عندهم بنفس استمراره على القضاء مصر على المعصية وينزلون جميع ما يصدر عنه منزلة ما يصدر عنه العامة الذين ليسوا بقضاة ولا مفتين فجميع سجلاته التي يكتب عليها اسمه ويحلل فيها الحرام ويحرم الحلال باطلة لا تعد شيئًا بل لو كانت موافقة للصواب لم تعد عندهم شيئًا لأنها صادرة من قاض حكم بالحق وهو لا يعلم به فهو من أهل النار في الآخرة وممن لا يستحق اسم القضاء في الدنيا ولا يحل تنزيله منزلة القضاة المجتهدين في شيء [٦٠].
وبعد هذا كله فهذا القاضي المشؤوم يحتاج إلى مداهنة السلطان وأعوانه المقبولين لديه ويهين نفسه لهم ويخضع لهم ويتردد إلى أبوابهم ويتمرغ على عتباتهم، وإذا لم يفعل ذلك على الدوام والاستمرار ناكدوه مناكدة تجرح صدره وتوهن قدره، ومع هذا فأعوانه الذين هم مستدرون لفوائده والمقتنصون للأموال على يده وإن عظّموه وفخّموه وقاموا بقيامه وقعدوا بقعوده فهم أضّر عليه من أعدائه، لأنهم يتكالبون على أموال الناس ويتم
стр. 1876
لهم ذلك بقوة يده ولا سيما إذا كان مغفلاً غير حازم ولا متطلع للأمور فتعظم القالة على الاقضي وينسب ذنبهم إليه ويحمل جورهم عليه فتارة ينسب إلى التقصير في البحث وتارة إلى التغفيل وعدم التيقظ وتارة إلى أن ما أخذه الأعوان فله فيه منفعة تعود إليه لولا ذلك لم يطلق لهم الرشا ولا خلى بينهم وبين الناس وأيضًا أعظم من يذمه ويستحل عرضه هؤلاء الأعوان فإن كل واحد منهم يطمع في أن تكون كل الفوائد له فإذا عرضت فائدة فيها نفع لهم من قسمة تركة أو نظر مكان مشتجر فيه فالقاضي المسكين لابد أن يصيره إلى أحدهم فيوغر بذلك صدور جميعهم ويخرجون وصدورهم قد ملئت غيظًا فينطقون بذمه في المحافل ولا سيما بين أعدائه والمنافسين له وينعون عليه ما قضى فيه من الخصومات الواقعة لديه بمحضرهم ويحرفون الكلام وينسبونه إلى الغلط تارة والجهل أخزى، والتكالبُ على المال حينًا والمداهنة حينًا.
وبالجملة فإنه لا يقدر على إرضاء الجميع بل لابد لهم من ثلبه على كل حالٍ وهو لا يستغنى عنهم فيناله منهم محنٌ وبلايا.
هذا وهم أهل مودته وبطانته والمستفيدون بأمره ونهيه والمنتفعون بقضائه وما أحقهم بما كان يقوله بعض القضاة المتقدمين فإنه كان لا يسمّيهم الأمناء بل يسمّيهم الكمناء، ولا يخرج عن هذه الأوصاف إلا القليل النادر منهم فإن الزمن قد يتنفس في بعض الأحوال بمن لا يتِّصف بهذه الصفة
[٦١].
فهذا حال القاضي المقلد في دنياه وأما حاله في أخراه فقد عرفت أنه أحد القاضيين اللذين في النار ولا مخرج له عن ذلك بحال من الأحوال كما سبق تحقيقه وتقريره فهو في الدنيا مع ما ذكرناه سابقًا من القلاقل والزلازل في نعمه باعتبار ما يخافه من الآخرة من أحكامه في دماء العباد وأموالهم بلا برهان ولا قرآن ولا سنةٍ بل بمجرد جهل وتقليدٍ وعدم بصيرة في جميع ما يأتي ويذر ويصدر ويورد مع ورود القرآن الصحيح الصريح بالنهي عن العمل بما ليس بعلم كقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به
стр. 1877
علم﴾ (١) والآيات في هذا المعنى وفي النهي عن اتباع الظن كثيرة جدًا والمقلد لا علم له ولا ظن صحيح ولو لم يكن من الزواجر عن هذا إلا ما قدّمنا من الآيات القرآنية في قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٢)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (٣)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٤) مع ما في الآيات الأخرى من الأمر بالحكم بما أنزل الله وبالحق وبالعدل ومع ما ثبت من أن من حكم بغير الحق أو بالحق وهو لا يعلم أنه الحق أنه من قضاة النار.
فإن قلت إذا كان المقلد لا يصلح للقضاء ولا يلح له أن يتولى ذلك ولا لغيره أن يوليه فما تقول في المفتي (٥) المقلد؟.
أقول: إن كنت تسأل عن القيل والقال ومذاهب الرجال فالكلام في شروط المفتي وما يُعتبر فيه مبسوط في كتب الأصول (٦) والفقه، وإن كنت تسأل عن الذي أعتقده وأراه صوابًا فعندي أن المفتي المقلد لا يحل له أن يفتي من سأله عن حكم الله أو حكم رسوله أو عن الحق أو عن الثابت في الشريعة أو عما يحل له أو يُحرم له أو يُحرم عليه لأن
стр. 1878
المقّلد لا يدري بواحد من هذه الأمور على التحقيق بل لا يعرفها إلا المجتهد، وهكذا إذا سأله السائل سؤالاً مطلقًا من غير أن يقيِّده [٦٢] بأحد الأمور المتقدّمة فلا يحلّ للمقلد أن يفتيه بشيء من ذلك لأن السؤال المطلق ينصرف إلى الشريعة المطهّرة لا إلى قول قائل أو رأي صاحب رأي. وأما إذا سأله سائل عن قول فلان أو رأي فلان (١) أو ما ذكره فلان فلا بأس بأن ينقل له المقلد ذلك ويرويه له إن كان عارفًا بمذهب (٢) العالم الذيب وقع السؤال عن قوله أو رأيه أو مذهبه، لأنه سئل عن أمر يمكنه نقله وليس ذلك من التقول على الله بما لم يقل ولا من التعريف بالكتاب والسنة، وهذا التفصيل هو الصواب الذي لا ينكره منصف.
فإن قلت هل يجوز (٣) للمجتهد أن يفتي من سأله عن مذهب رجل معيِّن وينقله له.
قلت يجوز ذلك بشرط أن يقول بعد نقل ذلك الرأي أو المذهب إذا كانا على غير الصواب مقالاً يُصرح به أو يلوح أن الحق خلاف ذلك فإن الله أخذ على العلماء البيان للناس وهذا منه لا سيما إذا كان يعرف أن السائل سيعتقد ذلك الرأي المخالف للصواب وأيضًا في نقل هذا العالم لذلك المذهب المخالف للصواب وسكوته عن اعتراضه إيهام للمقصرين بأنهه حق وفي هذا مفسدة عظيمة فإن كان يخشى على نفسه من بيان فساد ذلك المذهب فليدع الجواب ويحيل على غيره، فإنه لم يسأل عن شيء يجب عليه بيانه فإن ألجأته الضرورة ولم يتمكن من التصريح بالصواب فعليه أن يصرح تصريحًا لا يبقى فيه شك لمن يقف عليه أن هذا مذهب فلان أو رأي فلان الذي سأل عنه السائل ولم يسأل عن غيره.
انتهى ما أردت تحريره بقلم مؤلفه محمد بن علي الشوكاني غفر الله له [٦٣].
стр. 1879
بغية المستفيد في الرد على من أنكر العمل بالاجتهاد من أهل التقليد
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقته وعلَّقت عليه وخرَّجت أحاديثه محفوظة بنت علي شرف الدين أم الحسن
стр. 1880
وصف المخطوط:
١ - موضوع الرسالة: أصول فقه.
٢ - عنوان الرسالة: «بغية المستفيد في الرد على من أنكر العمل بالاجتهاد من أهل التقليد».
٣ - المؤلف: الإمام: محمد بن علي الشوكاني.
٤ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والتسليم على الرسول الأمين، وعلى آله الطيبين المطهرين، وصحبه الأكرمين. وبعد.
فإن جماعة من المشتغلين بالفروع في عصرنا هذا، صاروا ...
٥ - آخر الرسالة: حرر من خط مؤلفه حماه وأبقاه، وفسح له في مدته، وأفاض على العباد من كثير فوائده، ونفع به آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
٦ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٧ - عدد الأوراق: /٦/ أوراق. ?
الورقة الأولى: عنوان الرسالة، واسم المؤلف، وأبيات من الشعر. ?
الورقة الثانية: (أ): (٢١) سطرًا. ?
الورقة الثالثة: (ب): (٢٤) سطرًا. ?
الورقة الثالثة: (أ): (٢٥) سطرًا. ?
الورقة الثالثة (ب): (٢٤) سطرًا. ?
الورقة الرابعة (أ): ٢٧) سطرًا. ?
الورقة الرابعة: (ب): (٢٦) سطرًا. ?
الورقة الخامسة: (أ): (٢٦) سطرًا.
стр. 1881
الورقة الخامسة: (ب): (٢٣) سطرًا. ?
الورقة السادسة (أ): (٢٠) سطرًا. ?
الورقة السادسة (ب): (٢١) سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: (٩ - ١١) كلمة.
٩ - تاريخ نسخ الرسالة: في شهر ربيع الآخر سنة /١٣٤٤هـ/.
ملاحظة:
وجد على صفحة العنوان ما يلي:
[بسم الله الرحمن الرحيم
هذه الرسالة المسمَّاة: «بغية المستفيد في الرد من أنكر العمل بالاجتهاد من أهل التقليد».
من أنظار شيخنا وإمامنا البدر العلامة الرباني محمد بن علي الشوكاني أطال الله بقاءه وحماه وتولاه، ومن كل سوء وشر وقاه .. آمين اللهم آمين آمين آمين.- وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا-.
وله (١) حماه الله:
العلم ما أوصل أربابه ... إلى انكشاف الحق رأيا لعين
وما عدا هذا فمحصوله ... ظنٌّ وكل العلم للمرء زين
فهب لي العلمين ياوا ... هب الجزل ويا كشاف غين وزين (٢)] (٣)
стр. 1882
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والتسليم على الرسول الأمين، وعلى آله الطيبين المطهرين، وصحبه الأكرمين.
وبعد:
فإنّ جماعة من المشتغلين بالفروع في عصرنا هذا صاروا يشتغلون بأمور يزجرهم عنها نفس ما هم مشتغلون به من هذا العلم، فأردت تنبيههم على ذلك من باب المعاونة على البر والتقوى، والإرشاد إلى ما هو الأولى بهم، ليستعملوا من الأئمة، ويصفوا لهم مشرب الطلب، ويعملوا بالعلم الذي عرفوه، وقطعوا فيه أعمارهم. فثمرة العلم العمل، أرشدنا الله وإياهم إلى منهج الحق الذي يرضيه بحوله وجلاله آمين.
فالأمر الأول من تلك الأمور أنَّ أول ما يقرع أسماعهم من المختصر النفيس الذي هو مدرسهم ومحفوظهم، وهو مختصر الأزهار (١) هو قول مؤلفه (٢) ﵀.
стр. 1883
فصل: «التقليد جائز لغير المجتهد لا له، ولو وقف على نصِّ أعلم منه» (١) اهـ وهذا قد دل دلالة أوضح من شمس النهار على أن التقليد لا يجوز لرجل قد بلغ رتبة (٢)
стр. 1884
الاجتهاد (١) لمجتهد مثله، وأعلم منه. وقد عرفوا ما وقع في شرح هذا المختصر الذي هو
стр. 1885
مدرسهم، وهو شرح ابن مفتاح (١) ﵀ أن علوم الاجتهاد خمسة، من عرفها على الصفة التي بينها ذلك الشارح (٢)، وأوضحها أهل الحواشي عليها صار مجتهدًا،
стр. 1886
فكيف بمن عرفها وعرف زيادة عليها كما نعرفه من جماعة من عملاء العصر! ويعرفه من يعرف هذه العلوم - كما ينبغي! فإن الله - وله الحمد والمنة - قد أود في عصرنا هذا كثيرًا من العلماء القائمين بعلوم [١أ] الاجتهاد على الوجه المعتبر، بل عرفت فيمن أدركته من شيوخي والمعاصرين لهم من لديه من كل علم من العلوم الخمسة التي ذكرها ذلك الشارح أضعاف أضعاف ما اعتبره من كل واحدٍ منها، بل وفيهم من يعرف علومًا آخرة غير تلك العلوم، كثيرة العدد، ثم في أهل عصرنا - أبقاهم الله- من لا يقصر عن أولئك، وكل من له معرفة بهذه العلوم يقر بهذا ولا ينكره، ويعترف به ولا يجحده، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل أولو الفضل. وإذا كان الأمر هكذا فمعلوم أنه لا يجوز (١) لواحد من هؤلاء أن يقلد غيره من المجتهدين (٢) كائنًا من كان، سواءً من الأموات
أو الأحياء، بل الواجب على كل واحد منهم أن يجتهد في جميع عباداته ومعاملاته، بحسب ما يترجح له بعد إعطاء النظر حقه، فما بال المشتغلين بالفروع -عافاهم الله- إذا سمعوا عن واحد من هؤلاء المجتهدين أنه قال أو فعل خلاف ما في الأزهار ينكرون ذلك عليه أشد إنكار! وهم يعلمون أنه ما فعل إلا ما هو واجبٌ عليه بنص الأزهار، وما ترك إلا ما لا يجوز له بنص الأزهار، فكيف وقعوا في هذه الورطة التي هي من الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف! وما هو الذي حملهم على هذا وأوقعهم في مخالفة ما يدعون الناس إليه، مع إكبابه عليه، ومعرفتهم له، وقطع أعمارهم في درسه وتدريسه؟ فهل سمعت بأعجب من هذا أو أغرب منه!؟ وهو أول درس يدرسه التلميذ عن شيخه، وأول بحث تقع عينه عليه من هذا الكتاب، فكيف غفلوا عنه ولم يعلموا ما يقتضيه! وصاروا ينكرون على من عمل به مع كونهم يقرون على أنفسهم بأنهم مقلدون! وقد عرفوا في هذا الكتاب الذي هو مدرسهم أن التقليد قبول قول الغير من دون حجة، وأن المقلّد هو الذي يقبل قلو الغير ولا يطالبه بحجة، فما بالهم (١) [١ب] لم يقبلوا قول هذا الإمام الذي صرح به في أول كتابه، وخالفوه في أول بحث ذكره في كتابه هذا وما أظنه ينكر هذا فرد من أفرادهم، ولا يأباه من قد عرف أول بحث من أبحاث هذا الكتاب منهم. فما يقول علماء الفروع -كثر الله فوائدهم- هل هذا الذي تعرض للاعتراض على المجتهدين آمر بالمنكر وناه عن المعروف أم لا؟ وهل يستحق العقوبة الشرعية إذا لم يتب أم لا؟ وهل يجوز السكوت عنه. مع استمراره على هذه المعصية أم لا؟ ولا يطلب منهم إلا لجواب مقتضى ما في الأزهار.
الأمر الثاني: أنهم يتعرّضون في مسائل الخلاف، وقد عرفوا أنَّ في الأزهار التصريح
стр. 1889
بأن كل مجتهد مصيب (١) فإن قالوا هذا الإنكار منهم واقع على ما يقتضيه المذهب فهو باطل، فالمذهب هو المصرح به في الأزهار. وإن قالوا إنه لا على مقتضى المذهب فما هو الذي استندوا إليهن وعلموا أنه مع اعترافهم بانهم مقلدون، وأن غاية علمهم هو ما في هذا المختصر كما يعلمون ذلك، ويعلمه كل من يعرفهم على أنهم يعترفون بأن عهدتهم قبول قو من يقلدونه من دون أن يطالبوا بحجة؟ فما بالهم ها هنا خرجوا عن علمهم، وخالفوا ما قد التزموه! وهل يعترفون بأن وقوع هذا منهم منكر أم لا؟ فإن كانوا يعترفون فكيف يرضون لأنفسهم بفعل المنكر! وهم يعلمون أن فاعل المنكر يحب الإنكار عليه ودفعه عن ذلك ولو بالقلب (٢)، وإن كاننوا لا يعترفون بذلك فما هو الذي استندوا إلى غير فما بالهم تركوا مذهبهم الذي التزموه ونشؤوا عليه! ثم يقول لهم: اخبرونا ما هو ا لذي استندتم إليه إن كان على طريق التقليد؟ فكيف جاز لكم ترك مذهبكم وتقليد غيره؟! وهل ها مما يجوز عندكم أم لا؟ وإن قالوا ليس ذلك على طريق التقليد قلنا لهم أنتم تعترفون على أنفسكم بأنكم مقلدون، ولو تنزَّلنا معكم وقلنا إن الله قد فتح عليكم بعلوم الاجتهاد فهو القادر على كل شيء، فأخبروا ما هو الذي دلكم على [٢أ] الوقوع في هذا الأمر حتى نتكلم معكم بالأدلة، ونوضح لكم الأمر على حقيقته بعد اعترافكم بأنكم تركتم التقليد بعد وجود المسوغ؟
الأمرالثالث: من تلك الأمور: أنه قد تقرر أن التقليد إنما هو في المسائل الفرعية (٣)
стр. 1890
العملية، فهل هذا الذي وقعتم فيه من الاعتراض على أن اجتهادات المجتهدين مما يشرع في المذهب أم لا؟ إن قلتم لا يسوغ فما هو الحامل لكم مع كونكم من أهل التقليد على ترك ما أنتم فيه من التقليد في المسائل الفرعية، والرجوع إلى مثل هذا الإنكار الذي هو فرع كون المجتهد قد فعل باجتهاده منكرًا؟ وأنتم تعلمون، ويعلم كل من يعرف العلم أنّ هذا ليس من المسائل الفرعية العلمية، بل يعلمون أن بعض العملي لا يجوز التقليد فيه، وهو المترتب على علمي كما هو مصرّح به في الأزهار (١). فأخبرونا من هو الفاعل
стр. 1891
للمنكر الذي لا خلاف فيه، هل المجتهد الذي أنكرتم عليه اجتهاده مع كونه لم يخالف الأزهار، أم الفاعل المنكر هو أنتم مع كونكم مخالفين لما في الأزهار بلا شك ولا شبهة؟ ثم أخبرونا هل إنكاركم هذا هو من فعل المنكر، وانتم مرتكبون للمنكر، وأنه يجب الإنكار عليكم من كل قادر أم لا؟ إن قلتم: نعم نعم فما هو الذي حملكم على الدخول في هذا المنكر العظيم، والمحرم الوخيم؟ وإن قلتم: لا فأخبرونا بما تمسكتم؟ وما هو الذي تستندون إليه مع مخالفته لمذهبكم؟ إن قلتم: قلتم اجتهدتم في تخطئه المجتهدين فأوضحوا لنا ما هو الذي أوجب عليكم الانتقال من التقليد إلى الاجتهاد؟ فإن الأدلة قاضية بان اجتهاد المجتهد متردد بين الخطأ والصواب (١)، وله مع الإصابة أجران كما ثبت في الحديث (٢) الذي تلقته الأئمة بالقبول، ولم يختلفوا في صحته، بل له عشرة أجور (٣) كما ثبت في أحاديث تنتهض [٢ب] بمجموعها. وله مع الخطأ أجرٌ كما أفاده ذلك الحديث الصحيح.
فلو فرضنا أن المجتهد قد أخطأ في اجتهاده (٤)، وأنكم تعرفون الخطأ في الاجتهاد، فكيف
стр. 1892
يجوز لكم أن تخالفوا حكم رسول الله ﷺ ! فإنه أثبت له أجرًا، وأنتم جعلتم ذلك منكرًا، ومزقتم عرضه، ووقعتم في إنكار المعروف الذي جاءنا به الشرع الصحيح، بل وأجمع عليه المسلمون أجمعون. ولا يخفاكم ما هو الحكم المقرر في الفروع في من خالف الإجماع، وخالف المقطوع به من الشرع، فما بالكم وقعتم في هذا البلاء العظيم، والخطب الجسيم! ومالكم ولهذا! وما حملكم عليه وأنتم في سعة وفي راحة عنه! فإنكم أولًا خالفتم مذهبكم مخالفة أوضح من شمس النهار، ثم خالفتم ما حكم به الشارع- ﵌ ثم خالفتم الإجماع، ووقعتم في إثم الغيبة، بل البهت الصراح، والكذب البواح، فاجرعوا عن هذه الغربة، وتوبوا إلى ربكم من هذه الجناية، وواجب على أهل العقول منكم أن يردوا أهل التلبيس إلى ما يحمل بأهل العلم، ويليق بمنصبه، وإلا كنتم كما قال القائل:
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه مالا يرى
وكما قال آخر:
стр. 1893
ومن رام ما يعجز عنه طوقه ... تقاصرت عنه فسيحات الخطى
الأمر الرابع تلك الأمور: أنكم تعلمون أن في الأزهار أنه لا إنكار في مختلف فيه على من هو مذهبه، فما بالكم أنكرتم على من اجتهد رأيه وعمل بما هو الصواب لديه ممن اجتهاداته في المسائل (١) الخلافية!.
стр. 1894
وأمَّا المسائل الإجماعية فقد رفع الإجماع كل اجتهاد يخالفه ولا يقع في مخالفته الإجماع الصحيح الثابت أحدٌ من مجتهدي هذه الأمة، كما ذلك معلوم لكل عارف، فأخبرونا هل صدور هذا الإنكار منكم على المجتهد في مسائل الخلاف موافق لما في الأزهار؟ فأخبرونا ما هو الذي حملكم على القيام مقام من يأمر بالمنكر، وينكر المعروف، مع اعتقاده أن قيامه ذلك خلاف الحق الذي يعتمده، ومباين للصواب الذي لا صواب عنده سواه؟ ولا شك ولا ريب أنّ من قام مقام الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وهو يعلم بطلان قوله وفساد ما فعله فهو من أعظم الفاعلين للمنكر، لأنه مبطل [٣!]، مع أن ذلك من الغيبة المحرَّمة، والبهت الشديد.
فإن قالوا: إنهم أنكروا اجتهاد ذلك المجتهد لا باعتبار المذهب، بل باعتبار أمر آخر قلنا لهم: كيف تركتم المذهب! وليس بأيديكم سواه، ولا تعرفون غيره، فإن كانت هذه المخالفة ساغئة لكم فكيف أنكرتم على ذلك المجتهد مخالفته للمذهب باجتهاده، وسوغتم بأنفسكم مخالفة المذهب مع كونكم مقلدين ملتزمين لما في ذلك المختصر! فهل يصنع مثل صنيعكم هذا عاقل فضلاً عن عالم؟ فإنكم أنكرتم ما هو جائز، بل واجب بنص الأزهار حسب ما قدمنا من قوله: التقليد جائز لغير المجتهد (١) لا له. ولو وقف على نصِّ أعلم منه، ومن قوله: وكل مجتهد مصيب، وسوغتم ما هو حرام عندكم، وهو انتقال المقلد من مذهبه مع كونه مقلدًا (٢)، وأنتم تعلمون أن في الأزهار وبعد الالتزام يحرم الانتقال إلا إلى ترجيح نفسه (٣)، وأنتم تعرفون أنكم مقلدون لا ترجيح لكم،
стр. 1895
وأنكم لا تطالبون بحجة فضلًا عن أن تعقلوا الحجج، وتعرفوا الموازنة بينها عند تعارضها. فارجعوا -يرحمكم الله- إلى الصوا فقد وضح الصبح لذي عينين. وإن قلتم لا نرجع بل نستمر على ما نحن فيه من الباطل فحسبكم ما تستلزمه هذه المقالة الشنعاء من غضب الله شعرًا:
لا تنته الأنفس عن غيِّها ... ما لم يكن منها لها زاجر
فإن قلتم: تركنا الأزهار المشتمل على تصويب المجتهدين، وعدم جواز التقليد منهم لغيرهم بما هو راجحٌ منه. قلنا لهم: ومتى كنتم من أهل الطبقة الشريفة، والمنقبة المنيفة! فإنّ هذا إنما هو مقام المجتهدين الذين قمتم على الإنكار عليهم بسبب مخالفة المذهب شعرًا:
يقولون أقوالاً ولا يعرفونها ... ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا
وكان عليكم أن تكفوا شركم عن المجتهدين، وتسوغِّوا لهم ما سوغتم لأنفسكم من المخالفة. فالاجتهاد كما فعلتم بمجرد التقليد، ولا أظن أن تدعوا ذلك قط، فإنكم تعرفون أنفسكم ومقدار ما لكم من العلم، ولا يدعون الخروج عن التقليد قيد شبر، ولا