← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

للمنكر الذي لا خلاف فيه، هل المجتهد الذي أنكرتم عليه اجتهاده مع كونه لم يخالف الأزهار، أم الفاعل المنكر هو أنتم مع كونكم مخالفين لما في الأزهار بلا شك ولا شبهة؟ ثم أخبرونا هل إنكاركم هذا هو من فعل المنكر، وانتم مرتكبون للمنكر، وأنه يجب الإنكار عليكم من كل قادر أم لا؟ إن قلتم: نعم نعم فما هو الذي حملكم على الدخول في هذا المنكر العظيم، والمحرم الوخيم؟ وإن قلتم: لا فأخبرونا بما تمسكتم؟ وما هو الذي تستندون إليه مع مخالفته لمذهبكم؟ إن قلتم: قلتم اجتهدتم في تخطئه المجتهدين فأوضحوا لنا ما هو الذي أوجب عليكم الانتقال من التقليد إلى الاجتهاد؟ فإن الأدلة قاضية بان اجتهاد المجتهد متردد بين الخطأ والصواب (١)، وله مع الإصابة أجران كما ثبت في الحديث (٢) الذي تلقته الأئمة بالقبول، ولم يختلفوا في صحته، بل له عشرة أجور (٣) كما ثبت في أحاديث تنتهض [٢ب] بمجموعها. وله مع الخطأ أجرٌ كما أفاده ذلك الحديث الصحيح. فلو فرضنا أن المجتهد قد أخطأ في اجتهاده (٤)، وأنكم تعرفون الخطأ في الاجتهاد، فكيف

стр. 1892

يجوز لكم أن تخالفوا حكم رسول الله ﷺ ! فإنه أثبت له أجرًا، وأنتم جعلتم ذلك منكرًا، ومزقتم عرضه، ووقعتم في إنكار المعروف الذي جاءنا به الشرع الصحيح، بل وأجمع عليه المسلمون أجمعون. ولا يخفاكم ما هو الحكم المقرر في الفروع في من خالف الإجماع، وخالف المقطوع به من الشرع، فما بالكم وقعتم في هذا البلاء العظيم، والخطب الجسيم! ومالكم ولهذا! وما حملكم عليه وأنتم في سعة وفي راحة عنه! فإنكم أولًا خالفتم مذهبكم مخالفة أوضح من شمس النهار، ثم خالفتم ما حكم به الشارع- ﵌ ثم خالفتم الإجماع، ووقعتم في إثم الغيبة، بل البهت الصراح، والكذب البواح، فاجرعوا عن هذه الغربة، وتوبوا إلى ربكم من هذه الجناية، وواجب على أهل العقول منكم أن يردوا أهل التلبيس إلى ما يحمل بأهل العلم، ويليق بمنصبه، وإلا كنتم كما قال القائل: ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه مالا يرى وكما قال آخر:

стр. 1893

ومن رام ما يعجز عنه طوقه ... تقاصرت عنه فسيحات الخطى الأمر الرابع تلك الأمور: أنكم تعلمون أن في الأزهار أنه لا إنكار في مختلف فيه على من هو مذهبه، فما بالكم أنكرتم على من اجتهد رأيه وعمل بما هو الصواب لديه ممن اجتهاداته في المسائل (١) الخلافية!.

стр. 1894

وأمَّا المسائل الإجماعية فقد رفع الإجماع كل اجتهاد يخالفه ولا يقع في مخالفته الإجماع الصحيح الثابت أحدٌ من مجتهدي هذه الأمة، كما ذلك معلوم لكل عارف، فأخبرونا هل صدور هذا الإنكار منكم على المجتهد في مسائل الخلاف موافق لما في الأزهار؟ فأخبرونا ما هو الذي حملكم على القيام مقام من يأمر بالمنكر، وينكر المعروف، مع اعتقاده أن قيامه ذلك خلاف الحق الذي يعتمده، ومباين للصواب الذي لا صواب عنده سواه؟ ولا شك ولا ريب أنّ من قام مقام الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وهو يعلم بطلان قوله وفساد ما فعله فهو من أعظم الفاعلين للمنكر، لأنه مبطل [٣!]، مع أن ذلك من الغيبة المحرَّمة، والبهت الشديد. فإن قالوا: إنهم أنكروا اجتهاد ذلك المجتهد لا باعتبار المذهب، بل باعتبار أمر آخر قلنا لهم: كيف تركتم المذهب! وليس بأيديكم سواه، ولا تعرفون غيره، فإن كانت هذه المخالفة ساغئة لكم فكيف أنكرتم على ذلك المجتهد مخالفته للمذهب باجتهاده، وسوغتم بأنفسكم مخالفة المذهب مع كونكم مقلدين ملتزمين لما في ذلك المختصر! فهل يصنع مثل صنيعكم هذا عاقل فضلاً عن عالم؟ فإنكم أنكرتم ما هو جائز، بل واجب بنص الأزهار حسب ما قدمنا من قوله: التقليد جائز لغير المجتهد (١) لا له. ولو وقف على نصِّ أعلم منه، ومن قوله: وكل مجتهد مصيب، وسوغتم ما هو حرام عندكم، وهو انتقال المقلد من مذهبه مع كونه مقلدًا (٢)، وأنتم تعلمون أن في الأزهار وبعد الالتزام يحرم الانتقال إلا إلى ترجيح نفسه (٣)، وأنتم تعرفون أنكم مقلدون لا ترجيح لكم،

стр. 1895

وأنكم لا تطالبون بحجة فضلًا عن أن تعقلوا الحجج، وتعرفوا الموازنة بينها عند تعارضها. فارجعوا -يرحمكم الله- إلى الصوا فقد وضح الصبح لذي عينين. وإن قلتم لا نرجع بل نستمر على ما نحن فيه من الباطل فحسبكم ما تستلزمه هذه المقالة الشنعاء من غضب الله شعرًا: لا تنته الأنفس عن غيِّها ... ما لم يكن منها لها زاجر فإن قلتم: تركنا الأزهار المشتمل على تصويب المجتهدين، وعدم جواز التقليد منهم لغيرهم بما هو راجحٌ منه. قلنا لهم: ومتى كنتم من أهل الطبقة الشريفة، والمنقبة المنيفة! فإنّ هذا إنما هو مقام المجتهدين الذين قمتم على الإنكار عليهم بسبب مخالفة المذهب شعرًا: يقولون أقوالاً ولا يعرفونها ... ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا وكان عليكم أن تكفوا شركم عن المجتهدين، وتسوغِّوا لهم ما سوغتم لأنفسكم من المخالفة. فالاجتهاد كما فعلتم بمجرد التقليد، ولا أظن أن تدعوا ذلك قط، فإنكم تعرفون أنفسكم ومقدار ما لكم من العلم، ولا يدعون الخروج عن التقليد قيد شبر، ولا

стр. 1896

ومنها هذا الموضع المذكور في القضاء، وإن قلتم إنكم أنكرتم عليه لشيء آخر فما هو؟ فإنكم مقلدون. وإن أبيتم وصممتم على الباطل، ولم ترجعوا إلى الحق وقلتم هذا عندم غير جائز مجازفة وجرأة ومخالفة، فالأمر كما قال الشاعر: يقولون هذا عندنا غير جائز ... من أنتم حتى يكون لكم عنده وقد صان الله - سبحانه- الراسخين في علم الفروع عن الوقوع في هذه المنكرات، فهم أتقى لله من أن يجري منهم مثل هذا، ولكن عليهم أن يفكوا عن تكدر هذا المورد العذب من الجهلة والتهور والعصبية على خلاف ما يفيده المذهب، ولا يقتضيه الدليل. الأمر السادس [٤أ] من تلك الأمور أن في الأزهار، وبعد الالتزام بحرمة الانتقال وأنتم ملتزمون لما في الأزهار عاملون به، ثم تهافت كثير منكم على تولي القضاء وهو يعلم أنه مقلَّد، وأنه لابد أن يكون القاضي مجتهدًا على مقتضى المذهب، فما بالهم وقعوا في مخالفة المذهب، وباشروا ما يباشر القضاة من قطع الأقوال بين أهل الخصومات، وسسفك الدماء، وتحليل الفروج! فإن كان الأزهار حقًا فقضاءهم باطل قد عصوا الله بالدخول فيه، ثم عقبوهن بالمباشرة لما يباشره القضاة، وصار ذلك في أعناقهم، يسألهم الله عنه ويعاقبهم عليه، ولم يقعوا في ذلك إلا لتأثير الدنيا، والتهافت على حطامها، ومن ترك مذهبه لمحبة الدنيا فكيف ينكر من هو صحيح القضاء على الكتاب والسنة، وعلى المذهب! وهل هذا الأمر قلب للأمورن ودفع للحقائق، ومن علامات القيامة. يا ناعي الإسلام قم فانعه ... قد زال عرف وبدا منكر ومعلوم لكل عارف أن أهل البيت إنما اشترطوا أن يكون القاضي مجتهدًا، لأن المجتهد هو الذي يعرف الحق ويعرف الباطل بالدليل من الكتاب والسنة، فهو الذي يقضي بالحق، وهو يعلم به، وهو القاضي الذي في الجنة، كما في حديث: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فالقاضي الذي في الجنة هو الذي قضى بالحق، وهو يعلم، والقاضيان الذين هما في النار هو القاضي الذي قضى بالباطل، والقاضي الذي يقضي بالحق وهو لا يعلم أنه الحق» (١). فالمقلد - أصلحه الله- هو الذي لا يعرف الأقوال العامة من دون أن يطالبه بحجة ت دل على قوله، فهو لا يدري هل هو حق أو باطل، فإن قضى بقول إمامه فعلى فرض أنه حق في نفس الأمر فالمقلد لا يدري أنه حق، فقد قضى [٤ب] بالحق ولا يدري أنه حق، فهو أحد قاضيي النار. وعلى فرض أن ذلك القول غير حق فقد قضى بالباطل وهو القاضي الآخر من قضاة النار. خذا بطن هرشي أو قفاها فإنه ... كلا جانبي هرشي لهن طريق أمَّا القاضي المجتهد فهو متردد بين أمرين حسنين، وتجارة رابحة، وفوز معلوم لما صح عن رسول الله- ﵌ أنه قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر» (٢) وقد عرفنا فيما سبق أنها وردت أحاديث من طرق فتنتهض بمجموعها أن للمصيب في حكمة عشرة (٣). أجور. فيالها من غنيمة باردة، وخير كثير، وأجر جليل! والعجب كل العجب أن ينكر قاضي النار على قاضي الجنة، ويطلب منه أن يرجع من الاجتهاد إلى التقليد فيكون مثله من قضاة النار -نسأل الله الستر والسلامة-. وإذا تقرر لك ما ذكرناه من كون السبب لاشتراط أهل المذهب الاجتهاد في القاضي هو أن المقلد في قضائه على كلا حالتيه، وفي جميع وصفيّة من قضاة النار بحكم النبي المختار ﵌، وأيضًا القرآنية مشتملة على الأخذ على القضاة بأن يقضوا بالحق (٤)،

стр. 1897

وبالعدل (١)، وبما أمر الله، وبما أنزل الله (٢)، والمقلد لا يعرف إلا أقوال إمامه، ولا يدري هل هو حق [٥أ] أو باطل، أو من العدل أو الجور، أو مما أمر الله به، أو مما نهى عنه، أو مما أنزل على عباده أو مما لم ينزل، وهو معلوم لا ينكره من يفهم الخطاب من المقلدين. والحاصل: إنَّ مقصودنا في هذه الرسالة هو الإرشاد لأهل المذهب بالمذهب، والاقتصار على ما في المختصر الذي هو الآن المعتمد عليه، وهو الازهار. وقد أوضحنا ذلك أبلغ إيضاح بحيث يستوي في فهمه كل من له عقل. والمقصد بذلك كما يعلم ا لله هو إرشاد من يبلغنا عنه أنه مشتغل بما ذكرناه. والله الهادي إلى الصواب، وبيده الخير كله، ولا حول ولا قوة إلا به، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. حرر من خط مؤلفه -حرسه الله، وأبقاه، وفسح له في مدته، وأفاض على العباد من كثير فوائده، ونفع به -آمين. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم كما نقله صبح الثلاثاء لعله ٢٦ شهر ربيع آخر سنة ١٢٤٤ بقلم الحقير -غفر له- الملك القدير، ووالديه والمسلمين آمين، وجزاه عن مؤلفَّه خيرًا بحق محمد وآله.

стр. 1898

بحث في نقص الحكم إذا لم يوافق الحق تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 1899

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة: (بحث في نقص الحكم إذا لم يوافق الحق). ٢ - موضوع الرسالة: أصول الفقه. ٣ - أول الرسالة: (وبعد حمد الله حق حمده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله، فإنها لما وقعت المذاكرة من جماعة من الحكام الأعلام .. ٤ - آخر الرسالة: فأهل المذهب الشريف لا يجعلون حكمه حكمًا، ولا يمنعون من نقضه إذا خالف الحق، ونصوصهم على هذه مدونة في كتبهم المباركة، وفي هذا المقدار كفاية في مسألة السؤال. انتهى. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - الناسخ: المؤلف ﵀. محمد بن علي الشوكاني. ٧ - عدد الصفحات: (٧) صفحة. ٨ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٠ - ٢١) سطرًا. ٩ - عدد الكلمات في السطر: (٩ - ١٠) كلمة. ١٠ - الرسالة من المجلد الثانيب من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

стр. 1900

[بسم الله الرحمن الرحيم] وبعد حمد الله حق حمده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله. فإنها لما وقعت المذاكرة من جماعة من الحكام الأعلام، في كلام أهل المذهب الشريف أنه: لا ينقض حكم الحاكم إلا بدليل علمي. فقلت: إن المراد بهذا الحكم (١) الذي لا يحل نقضه إلا ................................

стр. 1901

بدليل علمي (١) هو ما كان حكمًا ناجزًا مستندًا إلى العلم، لا ما كان حكمًا مشروطًا، أو مستندًا إلى الظنِّ؛ فإنه يجوز نقضه بحجة أقوى منه. فطلب بعض الحكام - أبقاهم الله - النقل عن أهل المذهب الشريف في ذلك. فأقول: قال الإمام المهدي ﵇ في (البحر الزخار) (٢) ما لفظه: «فصل: ولا ينقض حكم إلا أن يخالف قاطعًا؛ إذ لا يبطل العلم بالظن» انتهى فهذا التعليل يدل على أن الحكم مستنده أمرٌ يفيد العلم؛ إذ لا يكون الحكم معلوماً،

стр. 1902

ومستنده مظنونًا، لأن الظنِّ لا يحصل عنه الإ الظنُّ، ولا يخفى على عارف أنه لا يستفاد من شهادة العدلين، إلا مجرد الظن، وكذلك لا يستفاد من يمين المدِّعّى عليه ونكوله إلا مجرَّد الظنِّ. فالحكم المستند إلى هذه الأمور ليس بمعلوم، حتى يقال فيه إنه لا يبطل العلم بالظنِّ. وإذ لم يكن معلومًا، بل مظنونًا جاز نقضه [١أ] بما يفيد العلم، بل وبما يفيد ظنًّا أقوى من الظنِّ الذي استند الحكم إليه فهذا حاصل ما يستفاد من كلام (البحر). ومن زعم أن الحكم المستند إلى الأشياء المظنونة يكون معلومًا، فقد أخطأ؛ لأن الأشياء المستفادة حكمها حكم أسبابها، ولا يمكن أن تكون المسببات معلومة، وأسبابها مظنونة (١). ومما يؤيد هذا أنه قد تقرر لأهل المذهب الشريف أنه يجوز للحاكم أن يحكم بشهادة الشهود، وإن لم يظن صدقهم، بل يكفي مجرد ألا يظن الكذب، فهذا الحاكم الذي حكم مع عدم حصول ظنِّ الصدق لا يقول عاقل أن يكون حكمه معلومًا، بل لا يقول إنه يكون حكمه مظنونًا ظنًا صحيحًا، ولكنه لما وجد المستند الشرعي وهو الشهادة جاز له الحكم مع أنه لو قال له قائل: هل صار هذا الحكم الذي صدر عنك بمجرد شهادة لم تظن صدقها مظنونًا لديك؟ لقال: لا؛ لعدم حصول الظن بصدق السبب، فإذا قيل له: فكيف حكمت حكمًا لا تظن صحته؟ قال: وجد السبب الشرعي، وهو الشهادة، ولم يوجد المانع، وهو ظن الكذب ففعلت ما يجوز لي [١ب]. ومثل كلام (البحر الزخار) كلام (شرح الأثمار) (٢)؛ فإنه قال فيه (في شرح قول صاحب .................

стр. 1903

الأثمار (١): فصل: (ولا ينقض حكم إلا بنحو مخالفته لقاطعٍ) ما لفظُه: «أي لا يجوز نقض حكم حاكم لا للذي حكم به، ولا لحاكم (٢) غيره، إلا إذا كان مخالفًا لدليل قاطعٍ من قرآن صرحي لا يحتمل التأويل، أو خبر نبوي متواتر صحيح، إن إجماع قطعي، فهذا يجب نقضه على الحاكم الذي حكم به، ويجوز ذلك لغيره، وقد يجب أيضًا. وما لم يكن كذلك لم يجز نقضه، إذا القطعي لا ينقض بالظن» انتهى. فانظر كيف جعل العلة المانعة من النقض هي كون الحكم قطعيًا، وقطعيته إنما يكون باعتبار قطعية سببه! إذ لا يكون الشيء قطعيًا، وسببه ظنيًا وهذا معلومٌ بالعقل. وقال في «الغيث» (٣) ما لفظه: «تنبيه» أما إذا عرضت دعوى في شيء قد حكم به حاكمٌ، فأما أن يكون ذلك الحكم مضافًا إلى سببٍ أو لا. إن كان غير مضافٍ بل حكم لزيدٍ بالملك المطلق، ثم

стр. 1904

أدعى آخر أنه شراءه من مالكه، أو نحو ذلك، فها هنا لا ينقض الحكم، ولو قامت البينة بذلك. ذكره المؤيد بالله في (الزيادات)، لأن الحكم يقابل تلك البينة، إلا أن يدعي الانتقال بعد حكم الحاكم من المحكوم له [٢أ]، وأما إن أضاف حكمه إلى سبب نحو أن يحكم لزيدٍ بملك هذه الدار بحق الشراء من عمرو، ثم قامت شهادة بخلاف ذلك نظر في البينتين، فإن كانت لا حكم معها متقدمة على بينة الحكم نقض، ومثاله أن يشهد الشهود أن بائعها زيد أقر بها لآخر قبل بيعه، أو وهبها أو نحو ذلك، فإن كانت بينة الحكم لا تبطل نحو أن يدَّعى أحدهم شراءها من مالكها، وهو زيد، وحكم له، والآخر من مالكها وهو عمرو، ولا تاريخ لأيهما، فإن الحكم لا ينقض، لأن مع كل واحد منهما بينة؛ لكن رجحنا البينة التي معها الحكم. وكذا إذا كانت المسألة خلافية كبينة الداخل والخارج، فإن الحكم لا ينقض ... ». انتهى كلام الغيث للإمام (١) ﵇. وقد استفدنا منه أن الحكم الذي لا يجوز نقضه إنما هو المطلق، لأنه ناجزٌ غير مضاف إلى سبب يقتضي أن يكون الحكم مشروطًا بصحة كون ذلك السبب سببًا. وأما إذا كان مضافًا إلى سبب فإنه يجوز نقضه بما يوجب بطلان سببية ذلك السبب من الأصل كما تقدم في شهادة إقرار البائع بخروج المبيع من ملكه قبل صدور البيع منه إلى المشتري الذي أقام البينة على الشراء. وهكذا يجوز نقض الحكم المضاف [٢ب] إلى سبب بمستندٍ أرجح من سند الحكم كما يفيد كلام (الغيث) (٢) المذكور. ومثل الصورة التي مثل بها صاحب الغيث في الشهادة المتقدمة الصورة التي عرضت المذاكرة فيها، وهي استناد الحكم إلى شهادة الإقرار بأن الدين على فلان لفلان، ثم قيام

стр. 1905

شهادة أخرى محققه أن ذلك الإقرار صدر عن تواطؤ بين المقر والمقر له أن الإقرار ليس على حقيقته، بل المال للمقر، وإنما كان الإقرار لغرض. فإن الشهادة على التواطؤ تقضي ببطلان السبب الذي استند إليه الحكم، وهو الإقرار. ولكن هذا إذا صحت الشهادة على التواطؤ، وسلمت عن القادح. ومن النصوص المقتضية لما ذكرناه في (شرح الأزهار) (١) ولفظه: «وكذا لو قامت بينة أخرى تنقض بينة الحكم فإنه يحكم بها. نحو أن تقوم بينة بأن هذه الدار لزيد، اشتراها من عمرو، ثم تقوم بينة أن عمرو أقر بها للمبين الآخر قبل ذلك الشراء؛ فإن هذه البينة الأخيرة تقنض الحكم الأول» انتهى. وقد ذكر صاحب (البيان) (٢) كلامًا مفصلًا مفيدًا ولفظه: «مسألة: الحكم على وجوه ثلاثة: الأول: ينفذ فيه ظاهرًا لا باطنًا (٣) وفاقًا، وهو في صور أربع [٣أ].

стр. 1906

الأولى: فيما يحكم به تقريرًا ليد المدعى عليه، حيث حلف عليه، فإذا قامت الشهادة بعد الحكم قبلت. الثانية: في القصاص إذا حكم بوجوبه، وهو ساقط. الثالثة: ما كان فيه سببًا للتحريم كالحكم بزوجية امرأة لرجل وهي رضيعةٌ له في الباطن، أو كافرةٌ، ونحو ذلك. الرابعة: فيمن حكم له بشيء مطلقًا، وهو في الباطن لغيره .. » والذي يتعلق بمحل السؤال هو ما ذكرناه؛ فإنه صرح في الصورة الأولى أن البينة مقبولة مع أن الحاكم قد حكم بمستند شرعي، وهي يمين المدعي عليه (١). وكذلك في الصورة الثانية (٢)، فإن ظاهره أنه إذا حكم الحاكم بالقصاص بأي مستند كان، ثم ظهر مستندٌ آخر يقتضي سقوط القصاص، أنه يجب الانتقال عن الحكم، ويتوجَّه نقضه؛ لأن شهادة ا لسقوط قد رفعت السبب، الذي كان مستندًا للحكم. وعلى الجملة: إن كتب المذهب الشريف مشحونة بما قدمنا ذكره من أن الحكم الذي لا يجوز نقضه هو ما كان حكمًا قطعيًا لا ظنيًا، ومعلومًا لا مظنونًا، ومطلقًا لا مقيدًا

стр. 1907

بسبب من الأسباب، فإذا جمع الحكم هذه القيود، فهو الحكم الذي لا يجوز نقضه وإن اختل [٣ب] شيء منها جاز نقضه، فهذا كلام أهل المذهب الشريف في كتبهم المعتبرة كما سمعت، وما لم يذكر من كتبهم فيه مثلما ذكر الحكم. قلت: وأرجح الأقوال ما حكاه الإمام المهدي في (البحر الزخار) (١) عن الإمام الأعظم يحيى بن حمزة - سلام الله عليه- أن الحكم إذا كان عن قياس خالف نصًّا صريحًا، ولو آحاديًا جاز نقضه. ووجه ذلك أنه قد صرح أئمة الأصول من أهل البيت - سلام الله عليهم-، ومن غيرهم أن القياس مع النص الصريح فاسد الاعتبار، لا يجوز العمل به، ولا يحل التعويل عليه. وهكذا إذا كان مستندًا لحكم دون المستند الذي يخالفه كائنًا ما كان. وقد ذكرت الأدلة على ما ذهب إليه الإمام يحيى في غير هذا الموضع، ولا يتسع المقام لبسطها، إذ المطلوب هو تبيين كلام أهل المذهب الشريف. ومما ينبغي التنبيه له: أن نصوص المذهب قاضية بأن الحاكم الذي لا يجوز نقض حكمه هو حاكم المجمع عليه، الذي كملت له الشروط المعتبرة، وأما من كان فاقدًا لبعض تلك الشروط أو لغالبها، فأهل المذهب الشريف لا يجعلون حكمه حكمًا، ولا يمنعون من نقضه إذا خالف الحق (٢).

стр. 1908

ونصوصهم على هذه مدونة في كتبهم المباركة، وفي هذا المقدار كفاية في مسألة السؤال. انتهى.

стр. 1909

رفع الخصام في الحكم بعلم الحكام تأليف الإمام محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 1910

وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة (رفع الخصام في الحكم بعلم الحكام). ٢ - موضوع الرسالة: أصول الفقه. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وأصلي وأسلم على رسولك وآل رسولك وبعد: فإنه وصل هذا السؤال ... ٤ - آخر الرسالة: . حدس قوي بالمشابهة، وفي هذا كفاية لمن له هداية حرره المجيب محمد الشوكاني في الثلث الأخير من ليلة الجمعة لعله ثاني وعشرين شهر رمضان سنة (١٢١٥هـ). ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - الناسخ: المؤلف- ﵀ محمد بن علي الشوكاني. ٧ - عدد الصفحات: صفحة واحدة للسؤال. (١٤) صفحة للرسالة. ٨ - عدد الأسطر في الصفحة: ٩ - ٢٤ سطرًا. ٩ - عدد الكلمات في السطر: ١١ - ١٢ كلمة. ١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من (الفتح الرباني من فتح الشوكاني).

стр. 1911

[السؤال] الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. سيدنا القاضي العلامة، وبركتنا بقية أهل الفضل والاستقامة، بدر الإسلام: محمد ابن علي الشوكاني- حفظه الله تعالى، وأحله فيما يرضاه أعلا المباني وأتحفه بسلامه، وبجزيل رحمته وبركاته، كل صباح واصيل-. نعم - أبقاكم الله- حصلت مراجعة بيننا وبين سيدنا العلامة الناسك الحسن بن علي حنش (١) -عافاه الله- في «حكم الحاكم بعلمه» وأعلمناه بما علمناه منكم في ذلك، وأن ذلك وجه لديك راجحٌ، وأجمع الرأي مناقضته استحالة الفائدة وطلب العائدة من إحسانكم بتبيين الدليل على أرجحية ذلك من باب قوله تعالى: ﴿قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ (٢) وإلا فما أرى - بل المقطوع به- لا تقررون إلا ما قد تقرر لدينا بالدليل، ولكن أردنا هذا فأحسنوا - أجزل الله مكاناتكم- برقمه بعد هذا- دامت فوائدكم وأمتعنا الله بحياتكم- وسلامه عليكم. وصلى الله على محمد وآله وسلم، وحسبي الله وكفى، ونعم الوكيل [١أ].

стр. 1912

[جواب الإمام الشوكاني] رفعُ الخصام في الحكم بعلم الحكام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلَّي وأسلَّم على رسولك، وآل رسولك وبعدُ: فإنه وصل هذا السؤال من سيدي العلامة المفضال، جمال الكلمات عليِّ بن إسماعيل ابن علي (١) لا برح في مقام من طلب الحق عليَّ وأقول: ينبغي -أولاً- أن يعلم أن الله - سبحانه- قد صرح في كتابه الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بالمنع من العمل بالظنِّ واتِّباعه، وذمِّ من يتمسك به -في الدين- بأبلغ ذم. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وإنَّ الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرً من الظن إن بعض الظن ............................

стр. 1913

إثم﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿إن نظن إلا ظنًا وما نحن بمستيقنين﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرادكم﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ (٦). فهذه الآيات الكريمة - ونحوها - في الكتاب العزيز قاضية بالمنع من العمل بمجرد الظن، وذم فاعله، والنهي عن أتباعه، وأنه لا يغني من الحق شيئًا. فيجب البقاء على هذه النصوص، ولا يجوز العمل بشيء من الظن في الدين كائنًا ما كان، إلا أن يرد [١ب] دليل يبخصه، ويسوغ العمل به. وقد ورد في السنة المطهرة ما لا يتسع المقام لبسطه، مما يتضمَّن النهي عن العمل بالظن وأتباعه، وأنه من أكذب الحديث (٧). وبالجملة: فلا يشك عالم من علماء الشريعة أن هذه الأدلة تفيد أن الأصل الأصيل

стр. 1914

العمل بالعلم (١)، وأن العمل بالظن لا يجوز إلا بدليل يدل عليه، فإن لم يوجد الدليل الذي يدل عليه كان العمل به غير جائز. الوقوف عند العلم هو الواجب، وهذا مالا يظن بأحد إنكاره، ولا مدافعته. فإذا تقرر [هذا] (٢) فالقاضي أمره الله -سبحانه- في محكم كتابه أن يحكم بين عباده بالحق، والعدل، والقسط. فلو فرضنا عدم ورود ما يدل على جواز الحكم بشيء مما يفيد الظن؛ لكان الواجب عليه أن لا يقضي إلا بالعلم الحاصل له (٣) بالأسباب، المفيدة

стр. 1915

لحصوله. لكنه ورد ما يدل على أن الحاكم يحكم بشهادة العدلين (١)، مع شهادتهما لا تفيد إلا مجرد الظن، لأن عقل كل عاقل يجوز أن شهادتهما باطلة لوجه من الوجوه. وكذلك ورد الشارع بأنه يجوز للحاكم أن يحكم بإقرار من أقر على نفسه بأمر من الأمور، مع تجوزي أن يكون ذلك المقر كاذبًا في الواقع، فإن ذلك ليس هو إلا مجرد خير واحدٍ، وغايته أن يفيد الظن وكذبه مجوز على كل حال. وكذلك [٢أ] ورد الشرع بأنه يجوز للقاضي أن يحكم بيمين المنكر مع عدم النية (٢) -وكذلك النكول واليمين المردودة (٣). وهذه الأمور غايتها أن تكون مفيدة للظن. ولا ينكر عالمٌ بل .. ..

стр. 1916

و [لا] (١) عاقل إن كذبها مجوز. فلما ورد الشرع بأن هذه الأمور التي لا تفيد إلا مجرد الظن يصح أن تكون أسبابًا لحكم الحاكم سواءًا: كانت مخصصة لعموم تلك الأدلة القاضية بعدم جواز العمل بالظن، فجاز للقاضي أن يقضي على أحد الخصمين بمجرد الظن؛ لوجود السبب الشرعي الذي ورد عن الشارع، وكان حكمه بهذه الامور الظنية معدودًا من الحق، والعدل، والقسط الذي امره الله أن يحكم به، ولولا ورود الأدلة الدالة على أنه يجوز الحكم بها لما جاز للقاضي أن يقضي بشيء منها. بل كان الواجب عليه أن يقضي بعلمه الذي أمره الله بأن يتبعه، ونهاه عن اتباع غيره من الظن وما دونه، لأن كل ظن قد يتخلف. وقد أرشد الشارع إلى هذا إرشادًا لا يخفى على عارف. فقال -فيما صح عنه-: «إنما أقضي بما أسمع فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذنه؛ فإنما أقطع له قطعة من نار» (٢). فانظر إلى هذا الكلام من صاحب الشريعة - عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام؛ فإنه أرشد المتخاصمين إلى أنه إنما يقضي بأشياء مسموعة لا معلومة (٣)، وأنها قد تتخلف، وأنه لا يحل للمحكوم له [٢ب] أن يجعل الحكم بتلك الأسباب المسموعة لا المعلومة موجبًا لتحليل ما حرمه الله عليه من مال أخيه؛ إذا كان يعلم أن ذلك المستند المسموع ليس بمطابق للواقع. فإن الله - سبحانه- إنما جعل ذلك المستند المسموع سببًا لجواز الحكم للقاضي، ولم يجعله سببًا لتحليل المحكوم به، إذا كان ذلك السبب غير مطابق للواقع. ولهذا يقول ﷺ : «فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذنه؛ فإنما أقطع له

стр. 1917

قطعة من نار» (١). ومراده ﵊ أن المحكوم له إذا كان يعلم بطلان السبب المسموع من شهادة، أو يمين، أو إقرار فلا يأخذنه استنادًا إلى الحكم، وهو يعلم بطلان سببه؛ فإنه إذا فعل ذلك فإنما أقطع له قطعة من نار. إذا عرفت هذا علمت أنه: لا يجوز للقاضي أن يقضي بشيء من الأسباب المظنونة كائنًا ما كان، بل يقتصر على الأسباب التي ورد الشرع بتخصيصها، وهي: الشهادة، واليمين، والإقرار، وما عداها لا يجوز له أن يجعله سببًا للحكم وإن أفاد مفادها من الظن. بل لا يجوز له أن يحكم إلا بالعلم الذي أمره الله باتباعه، ونهاه عن اتباع ما دونه؛ لعدم ورود دليل يدل على تخصيص الأدلة الدالة على وجوب العمل بالعلم (٢)، والمنع من العمل بالظن [٣أ]. فتحصل من هذا أن الحاكم لا يحكم إلا بعلمه في كل خصومةٍ تعرض لديه (٣)، ولا

стр. 1918

يحكم بظنه في شيء من الأشياء إلا في تلك الأمور التي ورد الدليل بتخصيصها من عموم المنع من اتباع الظن؛ لأن الشارع قد جوز له الحكم بها، وإن كان يجوز تخلفها. وبهذا يظهر لك أن حكم القاضي بعلمه هو الحكم الذي يطابق ما أمره الله به من اتباع العلم وهو الحكم الذي يطابق ما أمره الله به من الحكم بالحق والعدل والقسط، وهو الحكم الذي هو الأصل الأصيل، المطابق لما ورد في التنزيل، وهو الحكم الذي يطابق الواقع، ويطمئن به القلب، وتسكن إليه النفس. فمن قال من أهل العلم: إن الحاكم لا يحكم بعلمه، بل يحكم بتلك الأسباب الظنية من الشهادة والإقرار واليمين ويقتصر عليها، ولا يجوز له الحكم بالعلم. فما أظنه تدبر هذه الآيات القرآنية الموجبة للعمل بالعلم، والمانعة من العمل بما دونه. ولا أظنه تأمل ما فيها من العموم المتناول لكل شيء من الأشياء (١) ولا أحسبه أمعن النظر فيما اشتملت

стр. 1919

عليه من الذم لمن عمل بالظن، وترك العلم. وإني لأعجب بمن خفي عليه هذا حتى منع الحاكم من الحكم بعلمه، وسوغ له الحكم بظنه، وكأنه لم يتصور أن تلك الأسباب الظنية لم يجز جعلها أسبابًا لكون الظن في نفسه [٣ب] حجة شرعية يجب أتباعها، ويجوز العمل بها، بل إنما جاز جعلها كذلك لورود الشرع بكونها أسبابًا للحكم. والحكمة في ذلك أنه لو كان المعتبر في قطع الخصومات بعلم الحاكم، وأنه لا يجوز للحاكم أن يحكم إلا بالعلم (١) لكان في ذلك أبلغ الحرج، وأعظم المشقة؛ لأن العلم قليل الحصول، بعيد الوصول. وكان ذلك يفضي إلى ضياع كثير من الحقوق؛ لأن الظالم سيصر على ظلمه، ويدفع في وجه المظلوم، حتى يحصل للقاضي العلم بذلك الظلم، وهو لا يحصل إلا بمشاهدة، أو ما يقوم مقامها، ومن أين للقاضي مشاهدة جميع الحوادث التي يتخاصم فيها المتخاصمون إليه؟ بل من أين له مشاهدة عشر معشارها؟ ثم هب أنه قد يحصل العلم بطريق آخرى غير المشاهدة ونحوها، وذلك الخير المتواتر

стр. 1920

الذي يخلق الله عنده العلم للحاكم. ومن اين للمظلوم أن يأتي إلى الحاكم بجمع يفيد خبرهم العلم؟ وإني له ذلك؟ وبهذا تعرف أن الله إنما سوغ للقضاة أن يحكموا بتلك الأسباب الظنية لما في أسباب العلم من الصعوبة والقلة والضيق، وأيضًا لو لم يشرع لعباده الحكم بتلك الأسباب الظنية لكان إقرار من عليه الحق - الذي هو أعظم الحجج القائمة عليه- خارجًا عن أسباب الحكم بالعلم، لأنه لا يفيد إلا مجرد الظن. فلما كان في أسباب العلم ما ذكرناه من الضيق والقلة، وندرة الحصول [٤أ] وسع الله على عباده. وحكام بلاده، بتوسيع دائرة سبب الحكم. فجعل من أسبابه مالاً يستفاد منه إلا مجرد الظن. وهي تلك الأسباب الظنية. ثم عذر الحاكم بها إذا كان ما حكم به غير مطابق للواقع. بل أثبت له الأجر كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (١). فجعل الحاكم بالظن مستحقًا مع الإصابة لأجرين، ومستحقًا مع الخطأ الأجر. بل قد ثبت - خارج الصحيح- أن: «الحاكم إذا أصاب فله عشرة أجور» (٢). وهذا من فضل الله على العباد، ولطفه بحكام البلاد. فإنه لم يجعل على المخطئ شيئًا من الوزر. بل أثبت له الأجر، وجعل العقوبة على المحكوم له إذا كان يعلم أن الحكم خطأ. فقال ﷺ : «فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذنه، فإنما أقطع له قطعة من نار» (٣). وإذا كان هذا الترديد الشرعي بين الأجر الكثير والأجر القليل لمن حكم بسبب ظني، فما ظنك بمن حكم بسبب ..........................

стр. 1921

علميِّ يقينيِّ (١)! فإنه مصيب دائمًا؛ لأن الخطأ لا يتطرَّق إلى حكمه بحال من الأحوال؛

стр. 1922

لعدم تجويز تخلف ما شاهده الحاكم مثلاً بعيني رأسه، أو تواتر له تواترا يخلق الله له عنده العلم. وبالجملة: فالقائل بأنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه ليس بيده دليلي شرعي ولا عقلي [٤ب]. وأما كونه ليس بيده دليل شرعي؛ فلم يأت في هذه الشريعة أن أحدًا من عباد الله يجب عليه أن يرمي بعمله وراء ظهره، ويعمل بظنه، بل كتاب الله، وسنة رسوله بيده من قال: بأن الحاكم يحكم بعلمه كما سبق تقريره.

стр. 1923

فإن من قال: المكانع من حكم الحاكم بعلمه: أنها وردت أسباب شرعية توجب على الحاكم الاقتصار عليها كالبينة، واليمين، والإقرار (١). قلنا: أخبرنا ما الدليل على أن هذه الأسباب يجب الاقتصار عليها؟ ومن أين علمت ذلك؟ وما الذي أفادك هذا. فإنه لم يرد في شيء من هذه الأسباب أنه يجوز الحكم إلا بها، ولا يجوز الحكم بغيرها مما هو أولى منها. ولم نجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله حرفًا من ذلك، ولا رأينا فيهما صيغة تفيد الحصر، ولا يدعى عالم أنه قد ثبت عن الشارع ما يفيد أن هذه الاسباب الظنية هي طرق الحكم (٢) ولا طريق له غيرها؟ بل غاية ما هناك أن الشارع أوجب على عباده اتباع العلم، ومنعهم من اتباع الظن، ومقتهم على اتباعه، ثم وسع على عباده بتخصيص الأدلة الموجبة لاتباع العلم بهذه الأدلة الواردة في جواز الحكم بمجرد الظن. فالحكم بالعلم موافق للأدلة من أدلة الكتاب والسنة، أعني الأدلة الموجبة لاتباع العلم، والنهي عن اقتفاء ما ليس بعلم، وموافق للأدلة المخصصة لذلك العموم - أعني الأدلة الدالة [٥أ] على جواز الحكم بالإقرار، والبينة، واليمين؛ لأن العلم - لا يشك عاقل - أنه قد أفاد ما أفادته هذه الأسباب من حصول الظن للحاكم، وزاد عليها بزيادة خرج بها عن مجرد التجوزي المحتمل، والراجح والمرجوح إلى الجزم والمطابقة. فكيف يقول من له أدنى فهم، وعنده أيسر علم أنه يجوز للحاكم أن يحكم بمجرد ظنه المحتمل للطبلان، ومخالفة الواقع، ولا يجوز له أن يحكم بعلمه الجازم المطابق الثابت الذي لا يتعقبه بطلان، ولا يتبعه تغير؟! وأين هذا القائل عن قوله -﵌ فيما صح عنه: «دعا ما يريبك إلى ما لا يريبك؟» (٣).

стр. 1924

وأين هو عن قوله ﵌: «استفت قلبك وإن أفتاك المفتون» (١)؟ فإنه لا شك ولا ريب: «أن الظن ريبة، والعلم طمأنينة، وأنه لولا ورود الشرع بتلك الأسباب الظنية لكان تركها متحتمًا لكونها محل ريب». ثم من لم يكن معه إلا مجرد ظن لاحظ له عند قلبه إذا رجع إليه واستفتاه، فإنه لا يفتيه بشيء؛ لأنه لم يكن لديه إلا مجرد ظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا. بل القلب الذي يستفتيه صاحبه فيفتيه هو من كان عنده علم (٢). فإنه يكشف له عن الصواب، ولا يتستر دونه من الشك بجلباب [٥ب]. ثم يقال لهذا المانع من الحكم بالعلم: أخبرنا: هل الحاكم بالعلم قد حكم بما أمره الله أن يحكم به من الحق والعدل والقسط أم لا؟ فإن قلت: نعم. فما ذاك المطلوب منه غير هذا. بعد أن فعل ما أمر الله به في محكم كتابه. وإن قلت: لا. قلنا: كيف يكون من حكم بحكم لا يدري هو في الواقع كمنا حكم به أولًا أ؛ ق بما أمر الله به من الحكم بالعدل والحق والقسط من حاكم حكم بحكم شاهده بعيني رأسه وعلمه علماً جازمًا! وقطع بمطابقته للواقع؟ وهل هذا إلا صنع من لا يعقل الحجج، ولا يهتدي لمدخلها ولا للمخرج؟ وكيف يكون المتردد في الشيء أعلم به من الجازم!؟ والجاهل للأمر أحق بنسبته

стр. 1925

والجاهل للأمر أحق بنسبته إليه من العالم؟ وهل قال عاقل من العقلاء أن الظن أرجح من العلم؟ وهل يوجد مثل هذا في دفتر من دفاتر العلم؟ وهل قد سبق إليه أحد؟ وهل خفي على هذا القائل ما ذكره أئمة الأصول والفروع، والمعقول والمسموع من الترجيح بين أقسام الظن، وتقديم القوي ممنها على الضعيف حتى كان الظن الغالب أقوى من الظن المطلق؟ والظن المقارب للعلم أقوى من الظن الغالب؟ فإذا كان الظن المقارب للعلم أرجح الظنون باعتبار قرية من العلم، فكيف لا يكون العلم أرجح منها!؟ وكيف يسعد [٦أ] بمزية الترجيح الظن المقارب له بسبب قربه منه! ويحرم هذه المزية العلم؟ وهل هذا إلا خروج عن العقل، وبعد من إدراك النوع الإنساني!؟ ثم نقول لهذا المانع: اعرض على عقلك - إن بقي لديك منه شيء - مسالك العلة المدونة في الأصول، وأجعل علة الحكم بالبينة والإقرار واليمين (١) في أي مسلك شئت منه.

стр. 1926

فإنك تجد العلم (١) أولى بذلك المسلك من تلك الأسباب الظنية. ثم لو فرضنا أنه لم

стр. 1927

يرد من كتاب الله، وسنة رسوله ما يرشد إلى إتباع العلم والعمل به، وأنه القنطرة التي لا يجوز العدول عنها إلا بدليل. فكيف خفي عليك ما اتفق عليه الناس من العمل بفحوى الخطاب (١) الذي ورد عليه قول الله سبحانه: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ (٢) وغير ذلك من خطابات الكتاب والسنة، ومحاورة العرب!؟ فهب أنه لم يرد من الحكم بالعلم حرفٌ من الكتاب والسنة. أما أرشدك عقلك وفهمك إلى أن تقول هاهنا: أنه إذا جاز الحكم بالظن جاز الحكم بالعلم بالأولى؛ لأن العلم ظن وزيادة؟ فإن قلت: إنك تقتصر على النص، وهو الحكم بتلك الأسباب دون غيرها وإن كان أولى منها. فنقول لك: لا تخص الاقتصار على النصب بهذا المحل، بل أطرده في كل شيء حتى تخرج عن الشرع والعقل. فقل: لم يرد في هذه الآية إلا تحريم التأفيف. فما كان أولى بذلك منه [٦ب] جائز عندك، فيجوز الشتم والضرب!، ولا جرم ثم قل في قول القائل مثلًا: إن الرجل يحمل

стр. 1928

الصخرة، إن العشرة، بل المائة لا يحملونها، ثم قل في قول القائل: إن الرغيف يشبع الرجلين، إنه لا يشبع الرجل! وبالجملة: فترك العمل بفحوى الخطاب (١). الذي يقال له: «مفهوم الأولى» وقياس الأولى خروج عن دائرة لغة العرب بأسرها، ومخالفة لجميع العقلاء، وخرق لإجماع المسلمين، فإن النافين للقياس، وللعمل بالمفهوم لم يجسروا على ترك العمل بفحوى الخطاب. فإن قلت: إذا كان الحكم بالعلم أرجح من الحكم بالظن كما قررته في هذا الكلام، فهل يقدم على الحكم السببه مجرد الظن فقط؟ مثلًا: إذا شهد شاهدان عدلان على زيدٍ بأنه قتل عمدًا. أو أقرَّ زيدٌ بأنه القاتل لعمرو، والحاكم الذي وقع التخاصم الديه يعلم علمًا يقينًا أن القاتل لعمرو غير زيد. قلت: نعم يجب عليه وجوبًا مضيفًا أن يعمل بعلمه، ويترك العمل بشهادة الشاهدين، وإقرار المقر، لأنه هاهنا قد بطل الظن بالعلم، بل ثبت العلم ببطلان شهادة الشاهدين (٢)، وإقرار المقر، و «إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل» (٣). وليت شعري ما يقول في مثل هذا من يقول: بأن الحاكم لا يحكم بعلمه؟ فإن قال: يحكم الحاكم بالشهادة التي قد علم بطلانها [٧أ]، أو الإقرار (٤) الذي قد تبين كذبه.

стр. 1929

فيقال له: هذا -والله- الحكم المخالف لما أمر الله به من الحق، والعدل، والقسطن بل الحكم الذي هو شعبة من الطاغوت. وكيف يجوز لمسلم أن يحكم على مسلم بقتله، وسفك دمه قصاصًا، وهو يعلم أن القاتل غيره؟ وهل هذا يعد من هذه الشريعة؟ يا هذا! قد رجع رسول الله- ﵌ عن أمور حكم بها باجتهاده، لما علم خلافها؛ فإنه أمر عليًا- ﵇ أن يذهب إلى من كان يدخل على بعض أمهات أولاده فيقتله، فلما أراد على ﵁ أن يقتل ذلك الرجل رآه مجبوبًا فرفع السف عنه، وأقره رسول الله- ﵌ وصوبه (١). وكذلك رجع عن حكمه (٢) بحدِّ الرجل الذي ادعته المرأة أنه زنى بها، لما تبين له أن الفاعل غيره. وغير ذلك من القضايا الواقعة في عصر النبوة. وإن قلت: يعمل الحاكم بعلمه في مثل تلك الصورة، ولا يعمل بالشهادة ولا الإقرار. فنقول: ألم يكن هاهنا قد قدمت العلم على الظن المستفاد من الأسباب التي شرعها

стр. 1930

الشارع؟ وأوجبت على الحاكم أن يعمل بعلمه، ويترك الظن؟ فكيف لا يجوز له الحكم بعلمه مع عدم معارضة الظن مع إيجابك عليه أن يعمل بعلمه مع معارضة الظن!. فإن قلت: إن العلم قد كشف بطلان السبب الظني الذي شرعه الشارع. فنقول لك: وكيف كان العلم كاشفًا لبطلانه؟ هل لكونه أرجح من الظن؟ أو مساويًا له أو دونه؟ إن قلت: لكونه مساويًا له أو دونه. فالمساوي والدون لا يكون موجبًا لبطلان ما هو مثله، أو ارجح منه. وإن قلت: لكون العلم أرجح من الظن أقررت بما هو مطلوبنا، فإن قلت أنا أعترف بأن العلم أرجح من الظن يبطله، ولكن لا أسلم أنه يجوز الحكم بمجرد العلم. قلنا: الحاكم لما حكم بأن القاتل غير زيد مثلًا قد حكم بالنفي كما اعترفت بذلك [٧ب]. وهل يراد بحكم الحاكم - عند اهل الشريعة- إلا مجرد إثبات حكم أو نفيه؟ وأي قائل يقول: إن حكم الحاكم إنما يكون في الإثبات لا في النفي. فإنه لا يكون حكمًا. وإذا تقرر لك أن الحكم يجب عليه العمل بعلمه (١)، وترك الحكم بالشهادة والإقرار
следующие страницы →