بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنام، وآله الكرام، ورضي الله عن صحبه الأعلام.
وبعد: فإنه وصل سؤال من بعض الأعلام الساكنين ببلد الله الحرام، وهذا لفظه:
بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين، ما يقول فقهاء الدين، وعلماء المحدثين، وجماعة الموحدين، في آيات الصفات وأخبارها اللاتي نطق بها الكتاب العظيم، وأفصحت عنها سنة الهادي إلى صراط مستقيم؟
هل إقرارها، وإمرارها (١)، وإجراؤها على الظاهر بغير تكييف (٢)، ولا تمثيل (٣)، ولا تأويل (٤)، ولا تعطيل (٥) عقيدة الموحدين وتصديق بالكتاب المبين، واتباع بالسلف الصالحين؟ أو هذا مذهب المجسمين؟
وما حكم من أول الصفات، ونفى ما وصف الله به نفسه، ووصفه به بنيه، وتأيد
стр. 212
بالنصوص، واتفق عليه الخصوص، من أن الله- سبحانه- في (١) سمائه، مستو على عرشه، بائن (٢) من خلقه، وعلمه في كل مكان؟ والدليل: آيات الاستواء (٣) والصعود (٤) والرفع (٥).
стр. 213
وقوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ (١).
ومن السنة: حديث الجارية (٢)، والنزول (٣) وعمران بن حصين (٤) وقوله
стр. 214
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء! " (١).
وغير ذلك من الآيات المتواترة، والأحاديث المتكاثرة (٢).
وأول الآيات، وجعل الاستواء استيلاء (٣)
стр. 215
وأول النزول بالرحمة (١)، وهكذا جعل التأويل علة مطردة في سائر نصوص الصفات
стр. 216
وغاص في ظلام العقل، بسبحه في الجهل والشبهات.
وإذا قيل له: أين الله؟ أجاب بأنه لا يقال: أين الله؟ الله لم يكن له مكان كما هو جواب فريقي المضلين.
فهل هذا جواب الجهميين (١) .... والمريسيين (٢) أفيدونا بجواب رجاء الثواب ﴿يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها﴾ (٣).
стр. 217
فإن هذا المقام طال فيه النزاع، وحارت فيه الأفهام، وزلت الأقدام، وكل يدعي الصواب بزخرف الجواب، فأبينوا المدعى بالدليل، وبينوا طريق الحق بالتفصيل والتطويل، ضاعف الله لكم الأجور، ووقاكم الشرور، آمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. انتهى.
وأقول: اعلم أن [١أ] الكلام في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات قد طالت ذيوله، وتشعبت أطرافه، وتباينت فيه المذاهب، وتفاوتت فيه الطرائق، وتخالفت فيه النحل.
وسبب هذا: عدم وقوف المنتسبين إلى العلم حيث أوقفهم الله، ودخولهم في أبواب لم يأذن الله لهم بدخولها، ومحاولتهم لعلم شيء استأثر الله بعلمه، حتى تفرقوا فرقا، وتشعبوا شعبا، وصاروا أحزابا، وكانوا في البداية، ومحاولة الوصول إلى ما يتصورونه من العامة، مختلفي المقاصد، متبايني المطالب.
فطائفة: وهي أخف هذه الطوائف المكلفة علم ما لم يكلفها الله سبحانه بعلمه إثما، وأقلها عقوبة وجرما- وهي التي أرادت الوصول إلى الحق، والوقوف على الصواب، لكن سلكت في طلبه طريقة متوعرة، وصعدت في الكشف عنه إلى عقبة كئود لا يرجع من سلكها سالما، فضلا أن يظفر فيها بمطلوب صحيح.
ومع هذا، أصلوا أصولا ظنوها حقا، فدفعوا بها آيات قرآنية، وأحاديث صحيحة نبوية، واعتلوا في ذلك الدفع بشبه واهية، وخيالات مختلة.
وهؤلاء هم طائفتان:
الطائفة الأولى: هي الطائفة التي غلت في التنزيه، فوصلت إلى حد يقشعر عنده الجلد، ويضطرب له القلب، من تعطيل (١) الصفات الثابتة بالكتاب والسنة ثبوتا أوضح
стр. 218
من شمس النهار، وأظهر من فلق الصبح، وظنوا هذا من صنيعهم موافقا للحق، مطابقا لما يريده الله سبحانه، فضلوا الطريق المستقيم، وأضلوا من رام سلوكها.
والطائفة الأخرى: هي الطائفة التي غلت في إثبات القدرة غلوا بلغ إلى حد أنه لا تأثير لغيرها، ولا اعتبار بما سواها، وأفضى ذلك إلى الجبر المحض (١) والقسر الخالص
стр. 219
فلم يبق لبعثة الرسل، وإنزال الكتب كثير فائدة، ولا يعود ذلك على عباد لله بعائدة.
وجاءوا بتأويلات للآيات البينات، ومحاولات لحجج الله الواضحات، فكانوا كالطائفة الأولى في الضلال والإضلال، مع أن كلا المقصدين صحيح، ووجه كل منهما صبيح، لولا ما شابه من الغلو القبيح.
وطائفة توسطت، ورامت الجمع بين الضب (١) والنون (٢)، وظنت أنها قد وقفت بمكان بين الإفراط والتفريط.
стр. 220
ثم أخذت كل طائفة من هذه الطوائف الثلاث تجادل وتناضل، وتحقق وتدقق [١ب] في زعمها، وتجول على الأخرى وتصول بما ظفرت مما يوافق ما ذهبت إليه ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ (١)، وعند الله تلتقي الخصوم.
ومع هذا فهم متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم. فكان غاية ما ظفروا به من هذه الأعلمية لطريق الخلف أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز، وقالوا هنيئا للعامة.
فتدبر هذه الأعلمية التي كان حاصلها أن يهنئ من ظفر بها لأهل الجهل البسيط، ويتمنى أنه في عدادهم، وممن يدين بدينهم، ويمشي على طريقتهم، فإن هذا ينادي بأعلى صوت، ويدل بأوضح دلالة على أن هذه الأعلمية التي طلبوها، الجهل خير منها بكثير، فما ظنك بعلم يقر صاحبه على نفسه أن الجهل خير منه، ويتمنى عند البلوغ إلى غايته والوصول إلى نهايته أن يكون جاهلا به، عاطلا عنه!.
ففي هذا عبرة للمعتبرين، وآية بينة للناظرين، فهلا عملوا على جهل هذه المعارف التي دخلوا فيها بادئ بدء، وسلموا من تبعاتها، وأراحوا أنفسهم من تعبها، وقالوا كما قال القائل:
أرى الأمر يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولاً
وربحوا الخلوص من هذا التمني، والسلامة من هذه التهنئة للعامة، فإن العاقل لا يتمنى رتبة مثل رتبته، أو دونه، ولا يهنئ لمن هو مثله أو دونه، بل يكون ذلك لمن رتبته أرفع من رتبته، ومكانه أعلى من مكانه.
فيالله العجب من علم يكون الجهل البسيط أعلى رتبة منه، وأفضل مقدارا بالنسبة إليه! وهل سمع السامعون مثل هذه الغريبة، أو نقل الناقلون ما يماثلها ويشابهها؟!
وإذا كان هذا حال هذه الطائفة التي قد عرفناك أنها أخف الطوائف تكلفا، وأقلها تبعة، فما ظنك بما عداها من الطوائف التي قد ظهر فساد مقاصدها، وتبين بطلان
стр. 221
مواردها ومصادرها، كالطوائف التي أرادت بالمظاهر التي تظاهرت بها كياد الإسلام وأهله، والسعي في التشكيك فيه بإيراد الشبه وتقرير الأمور المفضية إلى القدح في الدين، وتنفير أهله عنه؟!.
وعند هذا تعلم أن خير الأمور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع، وأن الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، هو ما كان عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم [٢أ]، ثم الذين يلونهم (١)، وقد كانوا ﵏، وأرشدنا إلى الاقتداء بهم والاهتداء بهديهم يمرون أدلة الصفات على ظاهرها، ولا يتكلفون علم ما لا يعلمون ولا يحرفون ولا يؤلون.
وهذا المعلوم من أقوالهم وأفعالهم، والمتقرر من مذاهبهم. ولا يشك فيه شاك، ولا ينكره منكر، ولا يجادل فيه مجادل. وإن نزغ من بينهم نازغ، أو نجم في عصرهم ناجم، أوضحوا للناس أمره، وبينوا لهم أنه على ضلالة، وصرحوا بذلك في المجامع والمحافل، وحذروا الناس من بدعته، كما كان منهم لما ظهر معبد الجهني (٢) وأصحابه.
стр. 222
وقالوا: إن الأمر أنف (١) فتبرءوا منه، وبينوا ضلالته، وبطلان مقالته للناس، فحذروه إلا من ختم الله على قلبه، وجعل على بصره غشاوة.
وهكذا كان من بعدهم، يوضح للناس بطلان أقوال أهل الضلال، ويحذرهم منها، كما فعله التابعون- ﵏ بالجعد بن درهم (٢)، ومن قال بقوله، وانتحل نحلته الباطلة
стр. 223
ثم ما زالوا هكذا لا يستطيع المبتدع في الصفات أن يتظاهر ببدعته، بل يكتمونها كما تتكتم الزنادقة (١) بكفرهم، وهكذا سائر المبتدعين في الدين، على اختلاف البدع وتفاوت المقالات الباطلة.
ولكنا نقتصر هاهنا على الكلام في هذه المسألة التي ورد السؤال عنها، وهى مسألة
стр. 224
الصفات، وما كان من المتكلمين فيها بغير الحق، المتكلف علم ما لم يأذن الله بأن يعلموه، وبيان أن إمرار أدلة الصفات على ظاهرها هو مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأن كل من أراد من نزاع المتكلفين، وشذاذ المحدثين، والمتأولين أن يظهر ما يخالف المرور على ذلك الظاهر، قاموا عليه، وحذروا الناس منه، وبينوا لهم أنه على خلاف ما عليه أهل الإسلام.
فصار المبتدعون في الصفات، القائلون بأقوال تخالف ما عليه السواد الأعظم من الصحابة والتابعين وتابعيهم في خبايا وزوايا لا يتصل بهم إلا مغرور، ولا ينخدع بزخارف أقوالهم إلا مخدوع، وهم مع ذلك على تخوف من أهل الإسلام، وترقب لتزول مكروه بهم من حماة الدين، من العلماء الهادين، والرؤساء والسلاطين، حتى نجم ناجم المحنة، وبرق بارق الشر من جهة الدولة (١)، ومن لهم في الأمر والنهي والإصدار والإيراد أعظم صولة، وذلك في الدولة بسبب قاضيها أحمد بن أبي دؤاد (٢).
стр. 225
فعند ذلك أطلع المنكمشون [٢ب] في تلك الزوايا رءوسهم، وانطلق ما كان قد خرس من ألسنتهم، وأعلنوا بمذاهبهم الزائفة، وبدعهم المضلة، ودعوا الناس إليها، وجادلوا عنها، وناضلوا المخالفين لها حتى اختلط المعروف بالمنكر، واشتبه على العامة الحق بالباطل، والسنة بالبدعة.
ولما كان الله سبحانه قد تكفل بإظهار دينه على الدين كله (١)، وبحفظه عن التحريف (٢)، والتغيير والتبديل، أوجد من علماء الكتاب والسنة في كل عصر من العصور من يبين للناس دينهم، وينكر على أهل البدع بدعهم، فكان لهم- ولله الحمد- المقامات المحمودة، والمواقف المشهودة في نصر الدين، وهتك المبتدعين.
وبهذا الكلام القليل الذي ذكرنا، وتعرف أن مذهب السلف (٣) من الصحابة [﵃]
стр. 226
والتابعين وتابعيهم هو إيراد أدلة الصفات على ظاهرها، من دون تحريف لها، ولا تأويل متعسف لشيء منها، ولا جبر ولا تشبيه ولا تعطيل يفضي إليه كثير من التأويل. وكانوا إذا سأل سائل عن شيء من الصفات تلوا عليه الدليل، وأمسكوا عن القال والقيل، وقالوا: قال الله هكذا، ولا ندري بما سوى ذلك، ولا نتكفف، ولا نتكلم بما لم نعلمه (١)، ولا أذن الله لنا بمجاوزته، فإن أراد السائل أن يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه، ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه إلا بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه، وما حفظوه عن رسول الله ﷺ ، وحفظه
стр. 227
التابعون عن الصحابة، وحفظه من بعد التابعين عن التابعين. وكان في هذه القرون الفاضلة الكلمة في الصفات متحددة، والطريقة لهم جميعا متفقة، وكان اشتغالهم بما أمرهم الله بالاشتغال به وكلفهم القيام بفرائضه من الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وإنفاق الأموال في أنواع البر، وطلب العلم النافع، وإرشاد الناس إلى الخير على اختلاف أنواعه، والمحافظة على موجبات الفوز بالجنة، والنجاة من النار، والقيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم بحسب الاستطاعة، وبما تبلغ إليه القدوة، ولم يشتغلوا بغير ذلك مما لم يكلفهم الله بعلمه، ولا تعبدهم بالوقوف على حقيقته.
فكان الدين إذ ذاك صافيا عن كدر البدع، خالصا عن شوب قذر التمذهب، فعلى هذا النمط كان الصحابة-﵁ والتابعون وتابعوهم، وبهدي رسول الله- ﷺ [٣ أ] اهتدوا، وبأفعاله وأقواله اقتدوا.
فمن قال: إنهم تلبسوا بشيء من هذه المذاهب الناشئة في الصفات أو غيرها، فقد أعظم عليهم الفرية، وليس بمقبول في ذلك، فإن أقوال الأئمة المطلعين على أحوالهم، العارفين بها، الآخذين عن الثقات الأثبات، يرد عليه، ويدفع في وجهه، يعلم ذلك كل من له علم، ويعرفه كل عارف.
فاشدد يديك على هذا، واعلم أنه مذهب خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم (١)، ودع عنك ما حدث من تلك التمذهبات في الصفات
стр. 228
وأرح نفسك من تلك العبارات التي جاء بها المتكلمون، واصطلحوا عليها، وجعلوها أصلا يرد إليه كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فإن وافقها فقد وافقا الأصول المتقررة في زعمهم، وإن خالفا الأصول المتقررة في زعمهم، ويجعلون الموافق لها من قسم المقبول والمحكم، والمخالف لها من قسم المردود والمتشابه، ولو جئت بألف آية واضحة الدلالة، ظاهرة المعنى، أو ألف حديث مما ثبت في الصحيح لم يبالوا به، ولا رفعوا إليه رءوسهم، ولا عدوه شيئا.
ومن كان منكرا لهذا، فعليه بكتب هذه الطوائف المصنفة في علم الكلام، فإنه سيقف على الحقيقة، ويسلم هذه الجملة، ولا يتردد فيها.
ومن العجب العجيب والنبأ الغريب أن تلك العبارات الصادرة عن جماعة من أهل الكلام، التي جعلها من بعدهم أصولا- لا مستند لها إلا مجرد الدعوى على العقل، والفرية على الفطرة، وكل فرد من أفرادها قد تنازعت فيه عقولهم، وتخالفت عنده إدراكاتهم، فهذا يقول: حكم العقل في هذا الكلام كذا، وهذا يقول: حكم العقل في هذا كذا، ثم يأتي بعدهم من يجعل ذلك الذي يعقله من تقلده ويقتدي به، أصلا يرجع إليه، ومعيارا لكلام الله [تعالى] وكلام رسول الله ﷺ يقبل منهما ما وافقه
стр. 229
ويرد ما خالفه.
فيا لله، ويا للمسلمين، ويا لعلماء الدين من هذه الفواقر [٣ب] الموحشة التي لم يصب الإسلام وأهله بمثلها.
وأعزب من هذا وأعجب، وأشنع وأفظع أنهم بعد أن جعلوا هذه التعقلات التي تعقلوها، على اختلافهم فيها وتناقضهم في معقولاتها، أصولا ترد إليها أدلة الكتاب والسنة، جعلوها أيضًا معيارا لصفات الرب تعالى، فما تعقله هذا من صفات الله قال به جزما، وما تعقله خصمه منها قطع به، فأثبتوا لله- الشيء ونقيضه، استدلالا بما حكمت به في صفات الله عقولهم الفاسدة، وتناقضت في شأنه، ولم يلتفتوا إلى ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله [ ﷺ ]، بل إن وجدوا ذلك موافقا لما تعقلوه جعلوه مؤيدا له ومقويا، وقالوا: قد ورد دليل السمع مطابقا لدليل العقل. وإن وجدوه مخالفا لما تعقلوه جعلوه واردا على خلاف الأصل، ومتشابها وغير معقول المعنى، ولا ظاهر الدلالة.
ثم قابلهم المخالف لهم بنقيض قولهم، فافترى على عقله بأنه قد تعقل خلاف ما تعقله خصمه، وجعل ذلك أصلا يرد إليه أدلة الكتاب والسنة، وجعل المتشابه عند أولئك محكما عنده، والمخالف لدليل العقل عندهم موافقا له عنده، فكان حاصل كلام هؤلاء أنهم يعلمون من صفات الله ما لا يعلمه، وكفاك بهذا، وليس بعده شيء، وعنده يتعثر القلم حياء من الله- .
وربما استبعد هذا مستبعد، واستكثره مستكثر، وقال: إن في كلامي هذا مبالغة وتهويلا وتشنيعا وتطويلا، وإن الأمر أيسر من أن يكون حاصله هذا الحاصل، وثمرته مثل هذه الثمرة التي أشرت إليها.
فأقول: خذ جملة البلوى، ودع تفصيلها، واسمع ما يصك سمعك، ولولا هذا الإلحاح منك ما سمعته، ولا جرى القلم بمثله.
стр. 230
هذا أبو علي (١)، وهو رأس من رءوسهم، وركن من أركانهم، وأسطوانة من أساطينهم، قد حكى عنه الكبار، آخر من حكى عنه ذلك صاحب شرح القلائد (٢) والله لا يعلم الله من نفسه إلا ما يعلم هو.
فخذ هذا التصريح حيث لم تكتف بذلك التلويح، وانظر هذه الجرأة على الله [سبحانه] (٣) التي ليس بعدها جرأة، فيا لأم أبي علي الويل، أينهق مثل هذا النهيق ويدخل نفسه إلى هذا المضيق!؟ وهل سمع السامعون بيمين أفجر من هذه اليمين الملعونة؟ أو نقل الناقلون عن مسلم كلمة تقارب معنى [٤أ] هذه الكلمة المفتونة؟ أو بلغ مفتخر إلى ما بلغ إليه هذا المختال الفخور؟ أو وصل من يفجر في أيمانه إلى ما يقارب هذا الفجور؟
وكل عاقل يعلم أن أحدنا لو حلف أن ابنه أو أباه لا يعلم من نفسه إلا ما يعلمه هو لكان كاذبا في يمينه، فاجرا فيها؛ لأن كل فرد من أفراد الناس ينطوي على صفات وغرائز لا يحب أن يطلع عليها غيره، ويكره أن يقف على شيء منها سواه، ومن ذا الذي يدري بما يجول في خاطر غيره! ويستكن في ضميره، ومن ادعى علم ذلك، وأنه يعلم من غيره من بني آدم ما يعلمه ذلك الغير من نفسه، ولا يعلم ذلك الغير من
стр. 231
نفسه إلا ما يعلمه هذا المدعي، فهو إما مصاب العقل، يهذي بما لا يدري، ويتكلم بما لا يفهم، أو كاذب شديد الكذب، عظيم الافتراء، فإن هذا أمر لا يعلمه غير الله - سبحانه-، فهو الذي يحول بين المرء وقلبه، ويعلم ما توسوس به نفسه، وما يسر عباده وما يعلنون، وما يظهرون وما يكتمون كما أخبرنا بذلك في كتابه (١) العزيز في غير موضع.
فقد خاب وخسر من أثبت لنفسه من العلم ما لا يعلمه إلا الله من عباده، فما ظنك بمن جاوز هذا وتعداه، وأقسم بالله [سبحانه] أن الله لا يعلم من نفسه إلا ما يعلمه هو؟! ولا يصح لنا أن نحمله على اختلال العقل، فلو كان مجنونا لم يكن رأسا يقتدي بقوله جماعات من أهل عصره، وممن جاء بعده وينقلون كلامه في الدفاتر، ويحكون عنه في مقامات الاختلاف.
ولعل أتباع هذا ومن يقتدي بمذهبه لو قال لهم قائل وأورد عليهم مورد قول الله ﴿ولا يحيطون به علما﴾ (٢)، وقوله: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ (٣)، وقال لهم: هذا يرد ما قاله صاحبهم، ويدل على أن يمينه هذه فاجرة مفتراة، لقالوا: هذا ونحوه مما يدل دلالته، ويفيد مفاده، هو من المتشابه
стр. 232
الوارد على خلاف دليل العقل، المدفوع بالأصول المقررة.
وبالجملة، فإطالة ذيول الكلام في مثل هذا المقام إضاعة للأوقات، واشتغال بحكاية الخرافات المبكيات، لا المضحكات. وليس مقصودنا هاهنا إلا إرشاد السائل إلى أن المذهب الحق في الصفات هو إمرارها على ظاهرها من غير تأويل، ولا تحريف، ولا تكلف، ولا تعسف، ولا جبر، ولا تشبيه، ولا تعطيل [٤ب] وأن ذلك هو مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم.
فإن قلت: ماذا تريد بالتعطيل في مثل هذه العبارات التي تكررها؟ فإن أهل المذاهب الإسلامية يتنزهون عن ذلك، ويتحاشون عنه، ولا يصدق معناه، ولا يوجد مدلوله إلا في طائفة من طوائف الكفار، وهم المنكرون للصانع؟.
قلت: يا هذا، إن كنت ممن له إلمام بعلم الكلام الذي اصطلح عليه طوائف من أهل الإسلام، فإنه لا محالة قد رأيت ما يقوله كثير منهم، ويذكرونه في مؤلفاتهم، ويحكونه عن أكابرهم، أن الله- ، وتنزه وتقدس- لا هو جسم، ولا جوهر، ولا عرض، ولا داخل العالم ولا خارجه (١).
فأنشدك الله، أي عبارة تبلغ مبلغ هذه العبارة في النفي؟! وأي مبالغة في الدلالة على هذا النفي تقوم مقام هذه المبالغة؟!
فكأن هؤلاء في فرارهم من شبهة التشبيه إلى هذا التعطيل كما قال القائل:
فكنت كالساعي إلى مثعب ... موائلا من سبل الراعد (٢)
أو كالمستجير من الرمضاء (٣) بالنار، والهارب من لسعة الزنبور إلى لدغة الحية، ومن
стр. 233
قرصة النملة إلى قضمة الأسد.
وقد كان يغني هؤلاء وأمثالهم من المتكلمين المتكلفين كلمتان من كتاب الله ، وصف بهما نفسه، وأنزلهما على رسوله وهما: ﴿ولا يحيطون به علما﴾ (١) و ﴿ليس كمثله شيء﴾ (٢). فإن هاتين الكلمتين قد اشتملتا على فصل الخطاب، وتضمنتا بما يغني أولي الألباب السالكين في تلك الشعاب والهضاب، الصاعدين في متوعدات هاتيك العقاب، فالكلمة منها دلت دلالة بينة على أن كل ما تكلم به البشر في ذات الله وصفاته على وجه التدقيق، ودعاوى التحقيق فهو مشوب بشعبة من شعب الجهل، مخلوط بخلوط هي منافية للعلم، ومباينة له. فإن الله سبحانه قد أخبرنا أنهم لا يحيطون به علما، فمن زعم أن ذاته كذا أو صفته كذا فلا شك أن صحة ذلك متوقفة على الإحاطة، وقد نفيت عن كل فرد؛ لأن هذه القضية هي في قوة لا يحيط به فرد من الأفراد علما.
فكل قول من أقوال المتكلفين صادر عن جهل، إما من كل وجه أو من بعض الوجوه، وما صدر عن جهل فهو مضاف إلى جهل، ولا سيما إذا كان في ذات الله [٥أ] وصفاته، فإن ذلك من المخاطرة في الدين ما لم يكن في غيره من المسائل، وهذا يعلمه كل ذي علم، ويعرفه كل عارف.
ولم يحط بفائدة هذه الآية، ويقف عندها، ويقتطف من ثمراتها إلا الممرون للصفات على ظاهرها، المريحون أنفسهم من التكلفات والتعسفات التأويلات والتحريفات، وهم السلف الصالح-كما عرفت- فهم الذين اعترفوا بالإحاطة، وأوقفوا أنفسهم حيث أوقفها الله، وقالوا: الله أعلم بكيفية ذاته وماهية صفاته، بل العلم كله له، وقالوا كما قال من
стр. 234
قال (١) ممن اشتغل بطلب هذا المحال، فلم يظفر بغير القيل والقال:
العلم للرحمن ﷻ ... وسواه في جهلاته يتغمغم
ما للتراب وللعلوم وإنما ... يسعى ليعلم أنه لا يعلم
بل اعترف كثير من هؤلاء المتكلفين بأنه لم يستفد من تكلفه وعدم قنوعه بما قنع به السلف الصالح إلا بمجرد الحيرة التي وجد عليها غيره من المتكلفين فقال: (٢)
стр. 235
وقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم (١)
وها أنا أخبرك عن نفسي، وأوضح لك ما وقعت فيه في أمسي، فإني في أيام الطلب، وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سموه تارة علم الكلام، وتارة علم التوحيد، وتارة علم أصول الدين، وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم، ورمت الرجوع بفائدة، والعود بعائدة، فلم أظفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة، وكان ذلك من الأسباب التي حببت إلي مذهب السلف، على أني كنت قبل ذلك عليه، ولكن أردت أن أزداد فيه بصيرة، وبه شغفا، وقلت عند النظر في تلك المذاهب:
وغاية ما حصلته من مباحثي ... ومن نظري من بعد طول التدبر
هو الوقف ما بين الطريقين حيرة ... فما علم من لم يلق غير التحير
على أنني قد خضت منه غماره ... وما قنعت نفسي بدون التبحر [٥ب] (٢).
وأما الكلمة الثانية، وهي ﴿ليس كمثله شيء﴾ (٣) فبها يستفاد نفي المماثلة في كل شيء، فيدفع بهذه الآية في وجه المجسمة، ويعرف بها الكلام عند وصفه سبحانه بالسميع والبصير، وعند ذكر السمع والبصر واليد والاستواء ونحو ذلك مما اشتمل عليه الكتاب والسنة، فيقرر بذلك الإثبات لتلك الصفات لا على وجه المماثلة والمشابهة للمخلوقات، فيندفع به جانبي الإفراط والتفريط، وهما المبالغة في الإثبات، المفضية إلى التجسيم، والمبالغة في النفي المفضية إلى التعطيل، فيخرج من بين الجانبين وغلو الطرفين
стр. 236
أحقية مذهب السلف الصالح، وهو قولهم بإثبات ما أثبته لنفسه من الصفات على وجه لا يعلمه إلا هو، فإنه القائل: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (١). ومن جملة الصفات التي أمَرَّهَا السلف على ظاهرها، وأجروها على ما جاء به القرآن والسنة من دون تكليف ولا تأويل: صفة الاستواء التي ذكرها السائل، فإنهم يقولون: نحن نثبت ما أثبته الله لنفسه من استوائه على عرشه، على هيئة لا يعلمها إلا هو، وفي كيفية لا يدري بها سواه، ولا نكلف أنفسنا غير هذا، فليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا يحيط عباده به علما.
وهكذا يقولون في مسألة الجهة التي ذكرها السائل، وأشار إلى بعض ما فيه دليل عليها، والأدلة في ذلك طويلة كثيرة في الكتاب والسنة. وقد أجمع أهل العلم منها لا سيما أهل الحديث مباحث طولوها بذكر آيات قرآنية، وأحاديث صحيحة.
وقد وقفت من ذلك على مؤلف (٢) بسيط في مجلد جمعه مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي (٣) ﵀ استوفى فيه كل ما فيه دلالة على الجهة من كتاب، أو سنة
стр. 237
أو قول صاحب.
والمسألة أوضح من أن تلتبس على عارف، وأبين من أن يحتاج فيها إلى التطويل، ولكنها لما وقعت فيها تلك القلاقل والزلازل الكائنة بين بعض الطوائف الإسلامية كثر الكلام فيها، وفي مسألة الاستواء، وطال خصوصا بين الحنابلة وغيرهم من أهل المذاهب، فلهم في ذلك تلك الفتن الكبرى والملاحم العظمى، وما زالوا هكذا في عصر بعد عصر.
والحق هو ما عرفناك من مذهب [٦أ] السلف الصالح، فالاستواء على العرش والكون في تلك الجهة قد صرح به القرآن الكريم في مواطن يكثر حصرها، ويطول نشرها وكذلك صرح به رسول الله ﷺ في غير حديث (١)، بل هذا مما يجده كل فرد من أفراد المسلمين في نفسه، ويحسه في فطرته، وتجذبه إليه طبيعته كما تراه في كل من استغاث بالله ، والتجأ إليه، ووجه أدعيته إلى جنابه الرفيع، وعزه المنيع، فإنه يشير عند ذلك بكفه، أو يرمي إلى السماء بطرفه، ويستوي في ذلك عند عروض أسباب الدعاء، وحدوث بواعث الاستغاثة، ووجود مقتضيات الإزعاج، وظهور دواعي (٢).
стр. 238
الالتجاء- عالم الناس وجاهلهم، والماشي على طريقة السلف والمقتدي بأهل التأويل، القائلين بأن الاستواء هو الاستيلاء (١) - كما قاله جمهور المتأولين، أو الإقبال (٢). -كما قاله أحمد بن يحيى (٣) ثعلب. . .، والزجاج (٤) والفراء (٥) وغيرهم، أو كناية عن
стр. 239
الملك (١) والسلطان كما قاله آخرون.
فالسلامة والنجاة في إمرار ذلك على الظاهر، والإذعان بأن الاستواء والكون على ما نطق به الكتاب والسنة من دون تكييف ولا تكلف، ولا قيل ولا قال، ولا فضول في شيء من المقال. فمن جاوز هذا المقدار بإفراط أو تفريط فهو غير مقتد بالسلف، ولا واقف في طريق النجاة، ولا معتصم عن الخطأ، ولا سالك في طريق السلامة والاستقامة (٢).
وكما تقول هكذا في الاستواء والكون في تلك الجهة, فكذا تقول في مثل قوله
стр. 240
سبحانه: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ (١) و ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم﴾ (٢) وفي نحو ﴿إن الله مع الصابرين﴾ (٣)، ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ (٤) إلى ما يشابه ذلك ويماثله ويقاربه ويضارعه.
فنقول في مثل هذه الآيات (٥) هكذا جاء القرآن أن الله سبحانه مع هؤلاء، ولا
стр. 241
نتكلف بتأويل ذلك كما يتكلف غيرنا بأن المراد بهذا الكون وهذه المعية هو كون العلم ومعيته، فإن هذه شعبة من شعب التأويل (١)، تخالف مذاهب السلف، وتباين ما كان
стр. 242
عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم. وإذا انتهيت إلى السلامة في مداك فلا تجاوزه:
وهذا الحق ليس به خفاء ... فدعني من بنيات الطريق [٦ ب]
وقد هلك المتنطعون (١) ولا يهلك على الله إلا هالك، وعلى نفسها (٢) براقش تجني.
وفي هذه الجملة- وإن كانت قليلة- ما يغني من شح بدينه، وتحرص عليه عن تطويل المقال، وتكثير ذيوله وتوسيع دائرة فروعه وأصوله، والمهدي من هداه الله.
حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني في شهر ربيع الآخر بحصن كوكبان حامدا لله سبحانه مصليا مسلما على رسوله وآله سنة ١٢٢٨ هـ.
[انتهت الرسالة المفيدة يوم الثلاثاء بعد العصر لعله (١٨) شهر ربيع أول من سنة خمسة وسبعين ومائتين بعد الألف (١٢٧٥هـ) ختمها الله بحق محمد وآله ﷺ ] (٣).
стр. 243
الدر النضيد في إخلاص التوحيد
تأليف: محمد بن علي الشوكاني
حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه:
محفوظة بنت علي شرف الدين
أم الحسن
стр. 244
وصف مخطوطة الأسئلة
١ - في أعلى الصفحة الأولى مكتوب بخط الإمام الشوكاني ﵀ العبارة التالية:
"هذا السؤال كتبه إلي القاضي العلامة محمد بن أحمد مشحم ﵀، وأجبت بالرسالة الآتية ".
٢ - أول الأسئلة: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله. وبعد: فإنه خطر بالخاطر الفاتر القاصر تحرير هذا السؤال عما أهمه من مسألة التوسل بالأنبياء والأولياء الأكابر.
٣ - آخر الأسئلة: .... ثم نقل كلام ابن الهمام في "الفتح القدير" وسيحيط الجواب منكم- إن شاء الله- بجميع ما فيه، وإثبات ما يثبته البال، ونفي ما ينفيه. والسلام.
٤ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٥ - عدد الصفحات:\٩\صفحة.
٦ - المسطرة: ٢٣ سطرًا.
٧ - عدد الكلمات في السطر:
٨ - الناسخ: السائل القاضي: محمد بن أحمد مشحم.
стр. 245
[السؤال]
هذا السؤال كتبه إلي القاضي العلامة \محمد بن أحمد مشحم (١) ﵀ وأجبت بالرسالة الآتية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وبعد.
فإنه خطر بالخاطر الفاتر القاصر تحرير هذا السؤال عما أهمه من مسألة التوسل بالأنبياء والأولياء الأكابر، مع ما عرف فيها من اقتراف الأقوال، والرمي من كل فئة للأخرى بالداء العضال، وخروج أكثر المتوسلين عن جادة الطريق، وتعصب مخالفيهم ورميهم في بعض أقوالهم بالتكفير والتفسيق، فحراني ما رأيت إلى رقم هذه الكلمات في المسألة، واستفتاح أقفالها المقفلة، موجها للسؤال إلى من ألقت إليه العلوم مقاليدها، وملكته بالوهب والكسب طارفها وتليدها، فاقتصر منها أبكار المعاني التي لم يطمثها أحد قبله، وفتح من مقفلاتها ما كان مضموما لم يحم أحد حوله، فأصبحت عيون المعاني به قريرة، وأسرار البلاغة بوجوده مسرورة، ومعالم التنزيل بأنواره منيرة، وصدور الأمهات الست بأنها منشرحة، كما أن سطورها مشروحة، وأطرافها مزينة، بحلاه،
стр. 246
التي هي اللآلئ المروجة، شيخ الإسلام، وقاضي الأنام محمد بن علي أعلى الله شأنه، ورزقه المكانة، وأباح له فضله وإحسانه، وإذا تشرفت هذه الكتابة بمثولها بين يديه، فالتوسل في ستر ما فيها به أعزه الله إليه. ولتعلم أولا أن السائل ممن يرى جواز هذه الوسائل لكنه وقف قديما وحديثا على كلام لبعض الأكابر أوجب تحرير هذه الأحرف، وإبراز ما عنده ولا عند القاصر، ولما كان الأمر على هذه الصفة كان التحرير على طراز لعله يوافق الطائفة المنصفة، وسينجاب عن وجه السؤال غبار الأشكال إن شاء الله. إذا لوحظ من مولاي- حفظه الله- بالأفعال، ويحمد السرى عند الصباح، وتظهر أسارير وجهه عليها تباشير الفلاح، والله تعالى يديم ديم فوائدكم، ويعيد علينا بركات عوائدكم بمنه وفضله.
فنقول: التوسل (١) إلى الله- معناه التقرب إليه والاستشفاع إلى جنابه ﷻ بمن له منزلة لديه، وكرامة من عمل أو شخص. ولا يخفى أن لبعض الأعمال مزايا ومنازل لدى الملك المتعال، كما أن لبعض الأشخاص كذلك بلا إشكال، ومنه حديث الثلاثة (٢) الذين انطبقت عليهم الصخرة فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، ففرج الله عنهم، ومنه: كلمتان (٣) خفيفتان [١] حبيبتان إلى الرحمن، فإن وصفها بكونهما حبيبتين مما يشعر بأن الحبيب إلى الله مما يتوسل به إليه لكرمه عليه.
ومن التوسل بالأشخاص حديث الضرير (٤) الذي علمه الرسول- ﵌ صلاة الحاجة، وهو في (الحصن الحصين)، ورمز له للترمذي والنسائي والحاكم في المستدرك: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، اللهم فشفعه في، قال المحقق
стр. 247
الفاسي: أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب، والنسائي وابن ماجه والطبراني. وذكر في أوله قصة، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم.
ولفظ النسائي: أن أعمى أتى النبي- ﵌ فقال: يا رسول الله، ادع الله لي أن يكشف لي عن بصري، قال: أو ادعك قال: يا رسول الله إنه قد شق علي، قال: فانطلق فتوضأ، ثم صل ركعتين .... ) الحديث. فهذا فيه التوسل بنبينا- ﵌.
ومنه الدعاء الوارد إذا تفلت القرآن عزاه السيوطي في أذكاره إلى الديلمي في مسند الفردوس (١)، وابن حبان: (اللهم إني أسألك بمحمد نبيك، وإبراهيم خليلك، وموسى نجيك، وعيسى روحك وكلمتك .... ) الحديث.
وفي أدعية الصباح والمساء مما رواه الطبراني في الكبير (٢): (أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك).
وفي الأدعية الواردة بعد الصلاة: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، فإن للسائلين عليك حقا .... ) الحديث. عزاه السيوطي في أذكاره إلى الديلمي (٣)
стр. 248
ومنه ما ذكره المفسرون (١) في تفسير الكلمات التي تلقاها أبو الخليقة آدم ﵇ من ربه- جل وعلا- فأخرج ابن المنذر (٢) عن محمد بن علي بن الحسن بن علي- ﵃ قال: لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه، واشتد ندمه، فجاءه جبريل [﵇] فقال: يا آدم هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك؟ قال: بلى يا جبريل. قال: قم في مقامك الذي تناجي فيه ربك فمجده، وامدح حتى قال في آخر الحديث: "اللهم إني أسألك بجاه محمد عندك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي، فقال الله: يا آدم، من علمك هذا؟ قال: يا رب إنك لما نفخت في الروح فقمت بشرا سويا أسمع وأبصر وأعقل وأنظر رأيت على ساق عرشك مكتوبا: "بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، فلما لم أر على أثر اسمك اسم ملك مقرب، ولا نبي مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك، قال صدقت يا آدم ". وهذا وإن كان منقطعا فإن مثله [٢] من مثل الباقر محمد بن علي- ﵁ لا يقال بالرأي ولا يطلقه شاكا في سنده.
وأخرج الديلمي (٣) في مسند الفردوس بسند واه عن علي- رضي الله تعالى عنه- أنه قال آدم: "اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد".
وأخرج ابن النجار (٤) عن ابن عباس قال: سألت رسول الله- ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم قال: (سأل بحق محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن والحسين إلا تبت علي فتاب عليه).
وأخرج الطبراني في معجمه الصغير (٥)، والحاكم (٦) وأبو نعيم.
стр. 249
والبيهقي (١) كلاهما في الدلائل، وابن عساكر (٢) عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله- ﵌: " لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى العرش، وقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي ..... " الحديث. كل هذه الأحاديث في الدر المنثور (٣) - رحم الله مؤلفه، وجزاه خيرًا-.
فهذه الأحاديث منادية بجواز التوسل بمن له عند الله منزلة. وقد ساق الحافظ السيوطي في الخصائص (٤) الكبرى صلاة الحاجة التي علمها النبي- ﵌ الضرير في باب اختصاصه- ﵊ بجواز أن يقسم على الله تعالى به. وذكر فيه قصة رواها أبو نعيم، والبيهقي في دلائل النبوة حاصلها عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان- ﵁ وكان عثمان لا ينظر في حاجته، ولا يلتفت، فلقي عثمان بن حنيف، فشكى عليه، فقال له: ائت الميضاة، وعلمه صلاة الحاجة ففعلها، ثم أتى باب عثمان بن عفان فأدخله البواب على عثمان، ثم لقي عثمان بن حنيف فقال: جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي- يريد عثمان بن عفان- حتى كلمته، قال له: ما كلمته، ولكن رأيت النبي- ﵌ جاءه ضرير فشكى إليه .... .. الحديث.
قال السيوطي (٥) قال ابن عبد السلام: ينبغي أن يكون هذا مقصورا على رسول الله
стр. 250
- ﵌ لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والأولياء؛ لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خص به- ﵌ تنبيها على علو درجته ومرتبته .... انتهى.
ولعله لأجل كلام ابن عبد السلام ترجم السيوطي (١) هذا الباب بهذه الترجمة، ولا يخفى أنه ليس في كلام ابن عبد السلام ما يشعر بالجزم، فإنه إنما قال ينبغي، وأصل وصفها إنما هو بمعنى الأولوية. وأيضا ليس في هذه الأدلة ما ينفي الجواز، بل كلها صريح في جواز التوسل بالنبي- ﵌ أو بمن له [٣] منزلة عند الله رفيعة.
ولنتأمل في الأحاديث الواردة في شأن قصة آدم، فإنها منادية بأن كل ذي جاه عند ربه تعالى يجوز التوسل إليه تعالى، وعلى هذا جرى أكثر العلماء في توسلاتهم وأدعيتهم وأشعارهم بلا نكير. فأما ما نقل عن ابن عبد السلام (٢)، ومثله عن مالك، فإنه ما أداهما إليه اجتهادهما. وهذه الأحاديث تلقاها الناس خلفا عن سلف بالقبول، وعمل بهذه الأدعية الفاضل منهم والمفضول، وما تحرج أحد من المسلمين عن الدعاء فيما أحسب بهذه الأدعية، ولا عن صلاة الحاجة.
فأما ما توهم من اختصاص صلاة الحاجة والتوسل بالنبي- ﵌ في حاله حياته فهذا التوهم ما أبعده عن فهم الأحاديث، وعن قوانين أهل العلم! فإنه لو صح التخصيص بهذه التخيلات الفاسدة لجاز في أكثر الأحاديث أن يقال: هذا خاص في حياته- ﵌ ومن أين لنا أنه عام بعد مماته! ونحو هذا ما توهم أيضًا في التوسل بالعباس (٣) بن عبد المطلب- ﵁ أنه يجوز التوسل بالحي دون الميت،؛ لأن الميت الذي قد صار رهينا في التراب ليس بأهل يتوسل بما له من الجاه والكرامة