← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

التي هي اللآلئ المروجة، شيخ الإسلام، وقاضي الأنام محمد بن علي أعلى الله شأنه، ورزقه المكانة، وأباح له فضله وإحسانه، وإذا تشرفت هذه الكتابة بمثولها بين يديه، فالتوسل في ستر ما فيها به أعزه الله إليه. ولتعلم أولا أن السائل ممن يرى جواز هذه الوسائل لكنه وقف قديما وحديثا على كلام لبعض الأكابر أوجب تحرير هذه الأحرف، وإبراز ما عنده ولا عند القاصر، ولما كان الأمر على هذه الصفة كان التحرير على طراز لعله يوافق الطائفة المنصفة، وسينجاب عن وجه السؤال غبار الأشكال إن شاء الله. إذا لوحظ من مولاي- حفظه الله- بالأفعال، ويحمد السرى عند الصباح، وتظهر أسارير وجهه عليها تباشير الفلاح، والله تعالى يديم ديم فوائدكم، ويعيد علينا بركات عوائدكم بمنه وفضله. فنقول: التوسل (١) إلى الله- معناه التقرب إليه والاستشفاع إلى جنابه ﷻ بمن له منزلة لديه، وكرامة من عمل أو شخص. ولا يخفى أن لبعض الأعمال مزايا ومنازل لدى الملك المتعال، كما أن لبعض الأشخاص كذلك بلا إشكال، ومنه حديث الثلاثة (٢) الذين انطبقت عليهم الصخرة فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، ففرج الله عنهم، ومنه: كلمتان (٣) خفيفتان [١] حبيبتان إلى الرحمن، فإن وصفها بكونهما حبيبتين مما يشعر بأن الحبيب إلى الله مما يتوسل به إليه لكرمه عليه. ومن التوسل بالأشخاص حديث الضرير (٤) الذي علمه الرسول- ﵌ صلاة الحاجة، وهو في (الحصن الحصين)، ورمز له للترمذي والنسائي والحاكم في المستدرك: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، اللهم فشفعه في، قال المحقق

стр. 247

الفاسي: أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب، والنسائي وابن ماجه والطبراني. وذكر في أوله قصة، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم. ولفظ النسائي: أن أعمى أتى النبي- ﵌ فقال: يا رسول الله، ادع الله لي أن يكشف لي عن بصري، قال: أو ادعك قال: يا رسول الله إنه قد شق علي، قال: فانطلق فتوضأ، ثم صل ركعتين .... ) الحديث. فهذا فيه التوسل بنبينا- ﵌. ومنه الدعاء الوارد إذا تفلت القرآن عزاه السيوطي في أذكاره إلى الديلمي في مسند الفردوس (١)، وابن حبان: (اللهم إني أسألك بمحمد نبيك، وإبراهيم خليلك، وموسى نجيك، وعيسى روحك وكلمتك .... ) الحديث. وفي أدعية الصباح والمساء مما رواه الطبراني في الكبير (٢): (أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك). وفي الأدعية الواردة بعد الصلاة: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، فإن للسائلين عليك حقا .... ) الحديث. عزاه السيوطي في أذكاره إلى الديلمي (٣)

стр. 248

ومنه ما ذكره المفسرون (١) في تفسير الكلمات التي تلقاها أبو الخليقة آدم ﵇ من ربه- جل وعلا- فأخرج ابن المنذر (٢) عن محمد بن علي بن الحسن بن علي- ﵃ قال: لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه، واشتد ندمه، فجاءه جبريل [﵇] فقال: يا آدم هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك؟ قال: بلى يا جبريل. قال: قم في مقامك الذي تناجي فيه ربك فمجده، وامدح حتى قال في آخر الحديث: "اللهم إني أسألك بجاه محمد عندك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي، فقال الله: يا آدم، من علمك هذا؟ قال: يا رب إنك لما نفخت في الروح فقمت بشرا سويا أسمع وأبصر وأعقل وأنظر رأيت على ساق عرشك مكتوبا: "بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، فلما لم أر على أثر اسمك اسم ملك مقرب، ولا نبي مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك، قال صدقت يا آدم ". وهذا وإن كان منقطعا فإن مثله [٢] من مثل الباقر محمد بن علي- ﵁ لا يقال بالرأي ولا يطلقه شاكا في سنده. وأخرج الديلمي (٣) في مسند الفردوس بسند واه عن علي- رضي الله تعالى عنه- أنه قال آدم: "اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد". وأخرج ابن النجار (٤) عن ابن عباس قال: سألت رسول الله- ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم قال: (سأل بحق محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن والحسين إلا تبت علي فتاب عليه). وأخرج الطبراني في معجمه الصغير (٥)، والحاكم (٦) وأبو نعيم.

стр. 249

والبيهقي (١) كلاهما في الدلائل، وابن عساكر (٢) عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله- ﵌: " لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى العرش، وقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي ..... " الحديث. كل هذه الأحاديث في الدر المنثور (٣) - رحم الله مؤلفه، وجزاه خيرًا-. فهذه الأحاديث منادية بجواز التوسل بمن له عند الله منزلة. وقد ساق الحافظ السيوطي في الخصائص (٤) الكبرى صلاة الحاجة التي علمها النبي- ﵌ الضرير في باب اختصاصه- ﵊ بجواز أن يقسم على الله تعالى به. وذكر فيه قصة رواها أبو نعيم، والبيهقي في دلائل النبوة حاصلها عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان- ﵁ وكان عثمان لا ينظر في حاجته، ولا يلتفت، فلقي عثمان بن حنيف، فشكى عليه، فقال له: ائت الميضاة، وعلمه صلاة الحاجة ففعلها، ثم أتى باب عثمان بن عفان فأدخله البواب على عثمان، ثم لقي عثمان بن حنيف فقال: جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي- يريد عثمان بن عفان- حتى كلمته، قال له: ما كلمته، ولكن رأيت النبي- ﵌ جاءه ضرير فشكى إليه .... .. الحديث. قال السيوطي (٥) قال ابن عبد السلام: ينبغي أن يكون هذا مقصورا على رسول الله

стр. 250

- ﵌ لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والأولياء؛ لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خص به- ﵌ تنبيها على علو درجته ومرتبته .... انتهى. ولعله لأجل كلام ابن عبد السلام ترجم السيوطي (١) هذا الباب بهذه الترجمة، ولا يخفى أنه ليس في كلام ابن عبد السلام ما يشعر بالجزم، فإنه إنما قال ينبغي، وأصل وصفها إنما هو بمعنى الأولوية. وأيضا ليس في هذه الأدلة ما ينفي الجواز، بل كلها صريح في جواز التوسل بالنبي- ﵌ أو بمن له [٣] منزلة عند الله رفيعة. ولنتأمل في الأحاديث الواردة في شأن قصة آدم، فإنها منادية بأن كل ذي جاه عند ربه تعالى يجوز التوسل إليه تعالى، وعلى هذا جرى أكثر العلماء في توسلاتهم وأدعيتهم وأشعارهم بلا نكير. فأما ما نقل عن ابن عبد السلام (٢)، ومثله عن مالك، فإنه ما أداهما إليه اجتهادهما. وهذه الأحاديث تلقاها الناس خلفا عن سلف بالقبول، وعمل بهذه الأدعية الفاضل منهم والمفضول، وما تحرج أحد من المسلمين عن الدعاء فيما أحسب بهذه الأدعية، ولا عن صلاة الحاجة. فأما ما توهم من اختصاص صلاة الحاجة والتوسل بالنبي- ﵌ في حاله حياته فهذا التوهم ما أبعده عن فهم الأحاديث، وعن قوانين أهل العلم! فإنه لو صح التخصيص بهذه التخيلات الفاسدة لجاز في أكثر الأحاديث أن يقال: هذا خاص في حياته- ﵌ ومن أين لنا أنه عام بعد مماته! ونحو هذا ما توهم أيضًا في التوسل بالعباس (٣) بن عبد المطلب- ﵁ أنه يجوز التوسل بالحي دون الميت،؛ لأن الميت الذي قد صار رهينا في التراب ليس بأهل يتوسل بما له من الجاه والكرامة

стр. 251

والثواب .... وهذا كما أنه تخصيص بلا دليل بل بحسب الواقعة، بعيد في النظر فإن الحي يجوز منه الغفلة والخطأ، فأما الميت الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- ﵌ أو المقطوع بأن لهم عند الله منازل رفيعة، فإنه لا يجوز منه ما ذكر، والتوسل إنما هو بتلك المنزلة التي لذلك الشخص في الحقيقة التي نالها من ربه تعالى. وحاصل الأمر أن من علمنا بطريق صحيحة منزلته عند ربه تعالى، فأي مانع لنا من التوسل به إلى ربه الذي أعطاه هذه الرتبة لديه! وإذا جازت الشفاعة في يوم القيامة لمن لهم الشفاعة من الأنبياء والصديقين والشهداء والعلماء، فما المانع من أن الله يشفعهم في هذه الدار. وهذه الأدعية الواردة عن النبي- ﵌ أصل لهذه الدعوى، فإنها واقعة منه- ﵌ في هذه الدار نقلها رواة أخباره لتعليم العباد بالدعاء بها عند الشدائد، ونزول الملمات، واستجلاب الخيرات، ودفع البليات [٤]. ومن فروع هذه المسألة الدعاء عند قبور الصالحين. قال العلامة شمس الدين محمد بن محمد الجزري- رحمه الله تعالى- في عدة الحصن الحصين (١): وجرت استجابة الدعاء عند قبور الصالحين انتهى. وفي كثير من التراجم لكثير من العلماء لا يأتي عليهم الحصر: وقبره مشهور مزور، وقبره مشهور باستجابة الدعاء، وقبر فلان ترياق مجرب، وقبر فلان من دعا عنده قضيت حاجته، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة في التراجم، لا سيما ما في كتب المتصوفة كطبقات الشعراني (٢)

стр. 252

ولا ريب أن الدعاء عند القبور بغير ما ورد عن الرسول- ﵌ بدعة، فقد مات في عصر النبوة أجلاء الصحابة، ومنهم حمزة أسد الله وأسد رسوله ﵌ وشهداء أحد، وشهداء بدر، ومات عثمان بن مظعون (١) الذي بكى عليه النبي- ﵌ وعلم على قبره بصخرة ليلحق به من مات من أهله. وسعد بن معاذ (٢) الذي اهتز عرش الرحمن لموته، وغيرهم من أكابر الصحابة ولم يؤثر عن النبي- ﵌ أنه أرشد أحدا من أمته أنه إذا أهمته مهمة، أو نزلت به حاجة أن يأتي إلى قبر فلان من الصحابة ويقصده في قضاء الحاجات، ويتوسل به في المهمات. وعرفهم أنه- ﵌ سيموت، ولم يرشدهم أنه إذا نابتهم نائبة أن يأتون إلى قبره الشريف، ويدعون عنده، وقبره سيد القبور، وعصره خير العصور. بل قال: "لا تتخذوا قبري عيدا" (٣) وعرفهم بالمحلات والأوقات التي تستجاب فيها الدعوات، ولم يقل إن قبر سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرحمن، أو قبر سيد الشهداء ترياق مجرب لقضاء الحاجات ونيل الطلبات. فتعمد القبور للأدعية لديها، والتوسل بأهلها لا يخفى على متحل بالإنصاف، متخل عن الاعتساف أنه بدعة لم يأت بها أثر عن النبي- ﵌ ولا عن أصحابه- ﵃ ولا عن التابعين. وخير الأمور السالفات على الهدى ... وشر الأمور المحدثات البدائع [٥] ويكفي المتدين بدين الإسلام قوله- ﵊: " كل عمل ليس عليه

стр. 253

أمرنا فهو رد " (١). فأقل أحوال الممتثل للحديث أن ينظر هل جاء بقصد القبور لقضاء الحاجات أمر من النبي- ﵌ أو فعل، أو تقرير؟ فإن جاء فبها ونعمت، وإن لم يجئ شيء من ذلك عرف أنه مردود. فإن قيل: زيارة القبور سنة مثاب عليها جاءت بها السنة قولا وفعلا وتقريرا، فإذا دعا الداعي بعد الزيارة، فإن الدعاء بعد عمل الصالحات من مظان الإجابة، وهو إن لم يرد بخصوصه فهو داخل فيما ذكروه من تقديم عمل صالح قبل الدعاء. قلت: لا ريب أن زيارة القبور من أجل الطاعات، وأن الدعاء بعد العمل الصالح من مظان الإجابة، ولعله- والله أعلم- حمل ابن الجزري وغيره على ما قالوه من استجابة الدعاء عند قبور الصالحين، فإن رحمة الله لا تعزب عن قبورهم، لكن الاعتبار بالمقاصد، فإن كان قصد الزائر إنما هو التوسل بالميت الصالح، فهذا هو الذي نعده بدعة، وإن كان القصد الزيارة للقبور فتلك سنة مثاب فاعلها، والدعاء بعدها مظان الإجابة. وقد أجمع المسلمون إجماعا فعليا على الدعاء بعد زيارة قبر الرسول- ﵌ فإن الزائر بعد إكمال الزيارة يتوجه إلى القبلة، ويستدبر القبر الشريف، وقد يستقبل بعض الناس القبر الشريف ويدعو، وهذا لا إنكار فيه من أحد، فالمأمون من مولانا

стр. 254

العلامة الإمام- نصر الله به شريعة سيد الأنام-. بيان ما في مسألة التوسل بالأنبياء والأولياء، والدعاء عند القبور واستيفاء الكلام في ذلك، مما يجوز به المسئول أعظم الأجور. ولقد وقفت حال همي بتحرير السؤال في ترجمة السبكي الكبير- ﵀ في طبقات ولده-﵀ على أمر غريب من مثل السبكي. قال التاج في الطبقات (١) في ترجمة والده (٢) بعد أن ذكر من علومه وصلاحه، وأثنى عليه. ومنها ما حكاه الأخ الشيخ العلامة الإمام بهاء الدين أبو حامد، ونقلته من خطه قال: عدت من الحجاز في سنة ٧٥٦ هـ ووجدته ضعيفا، فاستشارني في نزوله لولده قاضي القضاة تاج الدين عن قضاء الشام، ووجدته كالجازم بأن ذلك سيقع، وقال لي: سبب هذا أني قبل أن أمرض بأيام [٦]- أغلب ظني أنه قال: خمسة أيام- رحت إلى قبر الشيخ حماد خارج باب صغير، وجلست عند قبره منفردا ليس عندي أحد، وقلت له: يا سيدي الشيخ، لي ثلاثة أولاد: أحدهم قد راح إلى الله، والآخر في الحجاز، ولا أدري حاله، والثالث هذا، وأشتهي أن موضعي يكون له، قال: فلما كان بعد أيام- أغلب ظني أنه قال: يومين أو ثلاثة- جاءني الخالدي يسير إلى شخص كان فقيرا صالحا يصحب الفقراء فقال لي: فلان يسلم عليك ويقول لك: تقاطع عليه الزورة، تروح للشيخ حماد تطلب حاجتك منه ولا تقول له. قال: فقلت له على سبيل البسط: سلم عليه وقل له: ألست تعلم أني فقيه بائس، وأن كل أحد رآني ذاهبا إلى قبر الشيخ حماد، ولكن الشيطان يقوله له: إيش حاجته؟ قال: فتوجه الخالدي إليه ثم عاد وقال: يقول لك: لا تكن تعترض على الفقراء، الشيخ حماد يقول لك: انقضت حاجتك التي هي كيت وكيت. قال: فقلت

стр. 255

له: أما الآن فنعم، فإن هذا لم يشعر به أحد. قال: فقلت له: سله هل ذلك كشف أو منام؟ قال: فعاد وقال: ليس ذلك إليك. انتهى المنقول من خط الأخ، انتهى المنقول من (١) الطبقات (٢) وهو مما نتعجب منه ونسأل عنه. نعم يبقى الكلام فيما لو فعل الإنسان هذا الذي قررنا أنه بدعة، يعني أنه أصابته نائبة فقصد قبر إمام من أئمة المسلمين، مشهور بالصلاح، ووقف لديه، وأدى الزيارة، وسأل الله بأسمائه الحسنى، وبما لهذا الميت لديه من المنزلة، هل تكون هذه البدعة عبادة لهذا الميت؟ ويصدق عليه أنه قد دعا غير الله، وأنه قد عبد غير الرحمن، ويسلب عنه اسم الإيمان، ويصدق على هذا القبر أنه وثن من الأوثان، ويحكم بردة ذلك الداعي، والتفريق بينه وبين نسائه، واستباحة أمواله، ويعامل معاملة المرتدين، أو يكون فاعل معصية كبيرة، أو مكروه؟ هذا كله فيمن فعل على هذه الصورة، ثم كذلك من يأتي من العوام إلى قبور الأولياء، فيقول: يا فلان- يخاطب الولي- أنا عليك، أنا مستجير بك، أنا أنا إلى غير ذلك، ولا ريب أن هذا عاص لله تعالى، لكن هل يكون عصيانه مخرجا له من الإيمان؟ وكاسيا له ثوب الكفران [٧] مع كونه يعترف بعقله ولسانه أن الله تعالى هو المسبب لجميع الأمور حقيقة لا تحوم حول حماها؟ فإذا سألته عن هذا الفعل الذي يصنعه فيقول: إن للولي كرامات عند الله، وله جاه وشفاعة، ونحو هذا جرى في أشعار كثير من علمائهم في مدح الأولياء، نحو: قم بي بأهلي وبصحبي. ونحو قول بعض الأدباء: هات لي منك يا ابن موسى إغاثة ... عاجلا في مسيرها حثاثه وأجرني من الزمان الذي يسر ... لي ذا البلاء بغاثه [ونحو هذا كثير] (٣)، حاصل الأمر أنها أوصاف لا تطلق إلا على الله تعالى، فإذا سألت من يتمسكها قال: لا أقول إن الولي يفعلها استقلالا، وإنما له من

стр. 256

الكرامات (١) بعد الممات ما ينجو به الداعي لديه، والمستجير به، وهذا لا ريب في خطئه إنما الشأن في كفر فاعله، ومعاملته معاملة المرتد في جميع أحواله، بحيث لو تيسر للإنسان قتله لقتله، أو لو تيسرت أمواله لأخذها، فإن كان الأمر هكذا، فما بال أئمة المسلمين وعلماء الدين لم يناشدوا أهل هذه الجهات التهامية واليمنية والشامية كصعدة وأحوالها بالقتال، ويذيقونهم أشد النكال! وقد أمرهم الله تعالى بالقوة التي لا تنكر، والأمداد الذي هو أشهر من أن يشهر. وإن كان الأمر مفضيا إلى الفسق فالمطلوب تحقيق هذا السؤال بأطرافه، ولا يمنع مولاي-حفظه الله وحماه- سوء أدب السائل لتحرير السؤال على غير قاعدة السؤال، فإنه إنما عرض ما في خلده الملازم للاختلال، ليتبين للمسؤل علة السؤال، فيرشد إلى دواء ذلك الاعتلال، والله تعالى هو المطلع على خفيات السرائر، ونسأله أن يغفر لنا الكبائر من الذنوب والصغائر والسلام ختام. ومن تمام الفائدة المطلوبة نقل ما تكلم به ابن تيمية (٢) وتلميذه (٣) في الدعاء عند القبور، والتكلم عليه نفيا أو إثباتا، فقد أطال الكلام في مواضع من كتبه. ومحط الفائدة هل تلك الكلمات الصادرة من العوام أو الخواص عبادة لغير الله أم لا (٤)؟ والله الهادي وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله. الحمد لله، أورد السيوطي- ﵀ في الدر المنثور (٥) في تفسير قوله تعالى: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب .. (٦). أحاديث كثيرة في النهي عن اتخاذ المحلويب (٧) في

стр. 257

المساجد فالسؤال: أولاً: عن رتبة تلك الأحاديث. ثانيًا: عن صفة المحاريب المنهي عن اتخاذها، هل هي الطاقات كما في بعض الآثار التي سردها، أم هذه المحاريب التي توجد الآن في المساجد؟ ثالث: عن محراب الرسول- ﵌ الذي كان في عهده كيف صفته، وهل غير الآن عن صفته الذي كان عليها؟ رابعًا: هل يظهر لكم عله للنهي لعلها زالت فحصل الإقدام من الناس على هذه المحاريب على فرض أنها هي المنهي عنها. وقد ساق السيوطي تلك الأحاديث بعينها في الخصائص (١) الكبرى فنقلتها بلفظه، قال: باب: اختصاصه- ﵌ بكراهة الصلاة في المحراب. وقد كان لمن قبلنا، كما قال تعالى:﴾ فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ﴿(٢). أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (٣) عن موسى الجهني قال: قال رسول الله- صلى الله

стр. 258

عليه وآله وسلم-: "لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى". وأخرج ابن أبي شيبة (١) عن عبيد بن الجعد قال: كان أصحاب محمد- ﵌ يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد، يعني الطاقات. وأخرج ابن أبي شيبة (٢) عن ابن مسعود قال:" اتقوا هذه المحارب". وأخرج ابن أبي شيبة (٣) عن أبي ذر قال: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد. وأخرج ابن أبي شيبة (٤) عن علي أنه كره الصلاة في الطاق. وأخرج مثله (٥) عن الحسن وإبراهيم النخعي (٦)، وسالم بن أبي

стр. 259

الجعد (١)، وأبي خالد الوالي. وأخرج الطبراني (٢) والبيهقي في سننه (٣) عن أبي عمر مرفوعا: اتقوا هذه المذابح يعني المحاريب ...... انتهى منه. بعد تحرير هذا وقفت على شرح المناوي (٤) لحديث: اتقوا هذه المذابح، يعني: المحاريب، ففسر المحاريب بصدور المجالس أي تجنبوا صدور المجالس، قال: ووقع للمصنف أنه جعل هذا نهيا عن اتخاذ المحاريب في المساجد والوقوف فيها. وقال: خفي على قوم كون المحراب بالمسجد بدعة، وظنوا أنه كان في زمن النبي- ﵌، ولم يكن في زمنه ولا في زمن خلفائه، بل حدث في المائة الثانية مع ثبوت النهي عنه، ثم ردة المناوي، وقال: إن ابن الأثير (٥) فسر المحاريب بصدور المجالس، وتبعه غيره، ونقل فيه كلمات محتملة ليس فيها صرت الرد لما فهمه السيوطي، ثم نقل كلام ابن الهمام في الفتح القدير (٦)، وسيحيط الجواب منكم- إن شاء الله- بجميع ما فيه، وإثبات ما يثبته البال، ونفي ما ينفيه. والسلام.

стр. 260

وصف المخطوط ١ - عنوان المخطوط: الدر النضيد في إخلاص التوحيد. ٢ - موضوع الرسالة: في العقيدة. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. أحمدك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآل رسولك. ٤ - آخر الرسالة: .. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق. انتهى تحريره بقلم مؤلفه في ليلة الأحد لسبع مضت من شهر رجب سنة\٢١٤ هـ حامدا ومصليا مسلما على رسوله وآله. ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - عدد الصفحات:\٦٠\صفحة. الصفحة الأولى هي للعنوان. ٧ - المسطرة: ٢٣ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ - ١٤ كلمة. ٩ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني.

стр. 261

[الجواب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآل رسولك، وبعد: فإنه وصل إلى الحقير الجاني محمد بن علي الشوكاني، غفر الله له ذنوبه، وستر عن عيون الناس عيوبه- سؤال من عالم مفضال، عارف بما قد قيل وما يقال في مدارك الحرام والحلال عند اختلاف الأقوال، وتباين آراء الرجال، وهو العلامة الفهامة الأفخم محمد بن أحمد بن محمد (١) مشحم كثر الله فوائده، ومد على أهل العلم موائده. وحاصل السؤال هو عن التوسل بالأموات المشهورين بالفضل وكذلك الأحياء والاستغاثة هم ومناجاتهم عند الحاجة من نحو: " على الله وعليك يا فلان" و" وأنا بالله وبك " وما يشابه ذلك، وتعظيم قبورهم واعتقاد أن لهم قدرة على قضاء حوائج المحتاجين، ونجاح طلبات السائلين، وما حكم من فعل شيئا من ذلك، وهل يجوز قصد قبور الصالحين لتأدية الزيارة ودعاء الله عندها من غير استغاثة بهم، بل للتوسل بهم فقط؟ فأقول مستعينا بالله: اعلم أن الكلام على هذه الأطراف يتوقف على إيضاح ألفاظ هي منشأ الاختلاف والالتباس، فمنها الاستغاثة بالغين المعجمة، والمثلثة، ومنها الاستعانة بالعين المهملة والنون، ومنها التشفع ومنها التوسل. [معنى الاستغاثة] (٢) فأما الاستغاثة بالمعجمة والمثلثة: فهي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة كالاستنصار وهو

стр. 262

طلب النصر، ولا خلاف أنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق، فيما يقدر على الغوث فيه من الأمور، ولا يحتاج مثل ذلك إلى استدلال فهو في غاية الوضوح، وما أظنه يوجد فيه خلاف، ومنه:﴾ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ﴿(١). وكما قال:﴾ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ﴿(٢). وكما قال تعالى:﴾ وتعاونوا على البر والتقوى ﴿(٣). وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يستغاث فيه إلا به كغفران الذنوب، والهداية، وإنزال المطر والرزق، ونحو ذلك كما قال تعالى:﴾ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴿(٤). وقال:﴾ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ﴿(٥)، وقال:﴾ يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض ﴿(٦). وعلى هذا يحمل ما أخرجه الطبراني في معجمه (٧) الكبير أنه كان في زمن النبي- صلى

стр. 263

الله عليه وآله وسلم- منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر: قوموا بنا نستغيث برسول الله- ﵌ من هذا المنافق، فقال النبي ﵌: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ". فمراده أن- ﵌ أنه لا يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأما ما يقدر عليه المخلوق فلا مانع من ذلك، مثل أن يستغيث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل الحجر، أو يحول بينه وبين عدوه الكافر، أو يدفع عنه سبعا صائلا، أو لصا، أو نحو ذلك. وقد ذكر أهل العلم: أنه يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله سبحانه، وأن كل غوث من عنده، وإذا حصل شيء من ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه، ولغيره مجاز. ومن أسمائه المغيث والغياث. قال أبو عبد الله الحليمي (١) الغياث (٢) هو المغيث، وأكثر ما يقال غياث المستغيثين، ومعناه: المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه، ومجيبهم ومخلصهم (٣). وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين [٢] (٤): "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا" يقال: أغاثه

стр. 264

إغاثة وغياثة وغوثا، وهو في معنى المجيب والمستجيب. قال تعالى:﴾ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ﴿(١)، إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة بالأقوال. وقد تقع كل منهما موقع الآخر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه (٢) ما لفظه: والاستغاثة بمعنى أن تطلب من الرسول- ﵌ ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيه مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر وإما مخطئ ضال. وأما بالمعنى الذي نفاها رسول الله- ﵌ فهو أيضًا مما يجب نفيها ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضًا كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها. ومن هذا الباب قول أبي يزيد البسطامي (٣): استغاثة المخلوق (٤) بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقول الشيخ أبي

стр. 265

عبد الله (١) القرشي: استغاثة المخلوق (٢) بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون. وأما الاستعانة بالنون فهي طلب العون، ولا خلاف أنه يجوز أن يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من أمور الدنيا، كأن يستعين به على أن يحمل معه متاعه، أو يعلف دابته، أو يبلغ رسالته، وأما ما لا يقدر عليه إلا الله- ﷻ فلا يستعان فيه إلا به. ومنه:﴾ إياك نعبد وإياك نستعين ﴿(٣)

стр. 266

[حكم التشفع بالمخلوق] وأما التشفع بالمخلوق فلا خلاف بين المسلمين أنه يجوز طلب [٣] الشفاعة من المخلوقين فيما يقدرون عليه من أمور الدنيا، وثبت بالسنة المتواترة (١)، واتفاق جميع الأمة

стр. 267

أن نبينا ﵌ هو الشافع المشفع، وأنه يشفع للخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربه، ولم يقع الخلاف إلا في كونها لمحو ذنوب المذنبين، أو لزيادة ثواب المطيعين. ولم يقل أحد من المسلمين بنفيها قط. وفي سنن أبي داود (١) أن رجلا قال للنبي ﵌: إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله، فقال: "شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه"، فأقره على قوله نستشفع بك على الله، وأنكر عليه قوله: نستشفع بالله عليك. وسيأتي تمام الكلام في الشفاعة.

стр. 268

[التوسل] وأما التوسل (١) إلى الله سبحانه بأحد من خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه فقد قال

стр. 269

الشيخ عز الدين بن عبد السلام (١): إنه لا يجوز (٢) التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي ﵌ إن صح الحديث فيه، ولعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي (٣) في سننه، والترمذي (٤) وصححه، وابن ماجه (٥) وغيرهم (٦): أن أعمى أتى إلى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله، إني أصبت في بصري فادع الله لي، فقال له النبي ﵌: " توضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، يا محمد إني أشفع بك في رد بصري، اللهم شفع نبيي في " وقال: " فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك " (٧) فرد الله بصره.

стр. 270

وللناس في معنى هذا قولان: أحدهما: أن هذا التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال: كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا، وإنا نتوسلك إليك بعم نبينا. وهو في صحيح البخاري (١) وغيره، فقد ذكر عمر ﵁ أنهم كانوا يتوسلون بالنبي-﵌[٤] في حياته في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله. والنبي ﵌ كان مثل هذا شافعا وداعيا لهم. والقول الثاني: أن التوسل به ﵌ يكون في حياته وبعد موته (٢)، وفي حضرته ومغيبه. ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به ﵌ في حياته، وثبت التوسل بغيره من الأحياء بعد موته بإجماع الصحابة سكوتيا لعدم إنكار أحد منهم على عمر ﵁ في توسله بالعباس ﵁. وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي ﵌ كما زعمه الشيخ عز (٣) بن عبد السلام لأمرين:

стр. 271

الأول: ما عرفناك به من إجماع الصحابة. والثاني: أن التوسل إلى الله بأهل الفضل (١) والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة، ومزاياهم الفاضلة، إذ لا يكون الفاضل فاضلا إلا بأعماله. فإذا قال القائل: اللهم إني أتوسل إليك بالعا لم الفلاني فهو باعتبار ما قام به من العلم. وقد ثبت في الصحيحين (٢) وغيرهما أن النبي ﵌ حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله، فارتفعت الصخرة فلو كان التوسل بالأعمال الفاضله غير جائز، أو كان شركا كما يزعمه المتشددون في هذا الباب كابن عبد السلام، ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الإجابة من الله لهم، ولا سكت النبي ﵌ عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم. وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل إلى الله بالأنبياء [٥] والصلحاء من نحو قوله تعالى:﴾ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴿(٣)، ونحو قوله تعالى:

стр. 272

﴾ فلا تدعوا مع الله أحدا (١) ونحو قوله تعالى: ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء﴾ (٢) ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النزاع بما هو أجنبى عنه؛ فإن قوله: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (٣) مصرح بأنهم عبدوهم لذلك، والمتوسل بالعالم مثلا لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك، وكذلك قوله: ﴿فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ (٤) فإنه نهي عن أن يدعى مع الله غيره، كأن يقول: بالله ويا فلان، والمتوسل بالعالم مثلا لم يدع إلا الله وإنما وقع منه التوسل إليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم، وكذلك قوله: ﴿والذين يدعون من دونه﴾ (٥) الآية، فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم، ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم، والمتوسل بالعالم مثلا لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه، ولا دعا غيره معه. وإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النزاع خروجا زائدا على ما ذكرناه، كاستدلالهم بقوله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾ (٦) [٦] فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المتفرد بالأمر في يوم الدين، وأنه ليس لغيره من الأمر شيء، ولا يملك لغيره من الأمر شيئا، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله ﷻ في أمر يوم الدين، ومن اعتقد هذا لعبد سواء كان نبيا أو غير نبي فهو في ضلال مبين.

стр. 273

وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء (١)،﴾ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ﴿(٢) فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله ﵌ من أمر الله شيء، وأنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فكيف يملكه لغيره وليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء، أو الأولياء، أو العلماء. وقد جعل الله لرسوله ﵌ المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى، وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه، وقاله له: " سل تعطه، واشفع تشفع " (٣) وقيد ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه (٤)، ولا تكون إلا لمن ارتضى. ولعله يأتي تحقيق هذا المقام إن شاء الله. وهذا الاستدلال على منع التوسل بقوله ﵌ لما نزل قوله تعالى:﴾ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴿(٥)، " يا فلان ابن فلان لا أملك لك من الله شيئا، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئا، يا بني فلان لا أملك لكم [٧] من الله شيئا" (٦)، فإن هذا ليس فيه إلا أنه ﵌ لا يستطيع نفع من أراد الله ضره، ولا ضر من أراد الله نفعه، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلا عن غيرهم شيئا من الله، وهذا معلوم لكل مسلم، وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو

стр. 274

طلب الأمر ممن له الأمر والنهي، وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبته ما يكون سببا للإجابة ممن هو المتفرد بالعطاء والمنع، وهو مالك يوم الدين. وإذا عرفت هذا فاعلم أن الرزية كل الرزية، والبلية كل البلية أمر غير ما ذكرناه من التوسل المجرد، والتشفع ممن له الشفاعة، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام، وبعض الخواص في أهل القبور، وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء من أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ويفعلون بهم ما لا يفعله إلا الله حتى نطقت ألسنتهم مما انطوت عليه قلوبهم، فصاروا يدعونهم تارة مع الله تعالى، وتارة استقلالا، ويصرحون بأسمائهم، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع، ويخضعون لهم خضوعا زائدا على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي ربهم في الصلاة والدعاء. وهذا إذا لم يكن شركا فلا ندري ما هو الشرك، وإذا لم يكن كفرا فليس في الدنيا كفر [٨]. [الأدلة من الكتاب والسنة في تحريم التمائم] وها نحن نقص عليك أدلة في كتاب الله -سبحانه-، وفي سنة رسوله ﵌ فيها المنع مما هو دون هذا بمراحل، وفي بعضها التصريح بأنه شرك، وهو بالنسبة إلى هذا الذي ذكرناه يسير حقير، وبعد ذلك نعود إلى الكلام على مسألة السؤال. فمن ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده (١) بإسناد لا بأس به عن عمران بن حصين أن النبي ﵌ رأى رجلا بيده حلقة من صفر، فقال (ما هذه؟) قال: من الواهنة، قال: " انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، ولو مت وهي عليك ما

стр. 275

أفلحت ". وأخرج (١) أيضًا عن عقبة بن عامر مرفوعا: " من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له " وفي رواية (٢): " من تعلق تميمة فقد أشرك "، ولابن أبي حاتم (٣) عن حذيفة أنه رأى رجلا في يده خيط للحمى فقطعه، وتلا:﴾ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴿(٤) وفي الصحيح (٥) عن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع النبي ﵌ في بعض أسفاره، فأرسل رسولا: " ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر إلا قطعت " ... وأخرج أحمد (٦) وأبو داود (٧) عن ابن

стр. 276

مسعود: سمعت رسول الله ﵌ يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة (١) شرك ". وأخرج أحمد (٢) والترمذي (٣) عن عبد الله بن حكيم مرفوعا: " من تعلق شيئا وكل إليه ". وأخرج أحمد (٤) عن رويفع قال: قال لي رسول الله ﵌: " يا رويفع لعل الحياة ستطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمدا بريء منه". فانظر كيف جعل الرقى والتمائم والتولة شركا وما ذلك إلا لكونها مظنة لأن يصحبها اعتقاد أن لغير الله تأثيرا في الشفاء من الداء، وفي المحبة والبغضاء، فكيف. بمن [٩] نادى غير الله، وطلب منه ما لا يطلب إلا من الله، واعتقد استقلاله بالتأثير أو اشتراكه مع الله . ومن ذلك ما أخرجه الترمذي (٥) وصححه عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﵌ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عليها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة

стр. 277

فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﵌: " الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل:﴾ اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ﴿(١) لتركبن سنن من كان قبلكم ". فهؤلاء إنما طلبوا أن يجعل لهم شجرة ينوطون بها أسلحتهم كما كانت الجاهلية تفعل ذلك، ولم يكن من قصدهم أن يعبدوا تلك الشجرة أو يطلبوا منها ما يطلبه القبوريون من أهل القبور، فأخبرهم ﵌ أن ذلك بمنزلة الشرك الصريح، وأنه بمنزلة طلب آلهة غير الله. ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه (٢) عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- قال: حدثني رسول الله ﵌ بأربع كلمات: " لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض ". وأخرج أحمد (٣) عن طارق بن شهاب أن رسول الله -صلى الله عليه وآله

стр. 278

وسلم- قال: " دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب " قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: " مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب إليه شيئا، فقالوا لأحدهم: [١٠] قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب فقال: ما كنت أقرب لأحد دون الله فضربوا عنقه فدخل الجنة ". فانظر لعنه ﵌ لمن ذبح لغير الله، وإخباره بدخول من قرب لغير الله النار، وليس في ذلك إلا مجرد كون ذلك مظنة للتعظيم الذي لا ينبغي إلا لله، فما ظنك بما كان شركا بحتا!. قال بعض أهل العلم: إن إراقة دماء الأنعام عبادة لأنها إما هدي، أو أضحية، أو نسك، وكذلك ما يذبح للبيع لأنه مكسب حلال فهو عبادة ... ويتحصل من ذلك شكل قطعي هو إراقة دماء الأنعام عبادة، وكل عبادة لا تكون إلا لله، فإراقة دماء الأنعام لا تكون إلا لله. ودليل الكبرى قوله تعالى:﴾ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴿(١)،﴾ فإياي فاعبدون ﴿(٢)،﴾ إياك نعبد ﴿(٣)،﴾ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ﴿(٤)،﴾ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴿(٥). [الحلف بغير الله شرك] ومن ذلك أنه ﵌ نهى عن الحلف بغير الله وقال: " ومن

стр. 279

حلف فليحلف بالله أو ليصمت" (١)، وقال: " من حلف بملة غير الإسلام لم يرجع إلى الإسلام سالما" (٢)، أو كما قال: وسمع رجلا يحلف باللات والعزى فأمره أن يقول: لا إله إلا الله (٣). وأخرج الترمذي (٤) وحسنه، والحاكم (٥) وصححه، من حديث عمر أن رسول الله ﵌ قال: " من حلف بغير الله فقد أشرك ". وهذه الأحاديث في دواوين الإسلام، وفيها أن الحلف بغير الله يخرج به الحالف عن الإسلام، وذلك لكون الحلف بشيء مظنة تعظيمه، فكيف بما كان شركا محضا يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق في طلب النفع، واستدفاع الضر، وقد يتضمن تعظيم المخلوق زيادة على تعظيم الخالق كما يفعله كثير من المخذولين، فإنهم يعتقدون أن لأهل القبور من جلب النفع، ودفع الضر ما ليس لله -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-، فإن أنكرت هذا فانظر أحوال [١١] كثير من هؤلاء المخذولين، فإنك تجدهم كما

стр. 280

وصف الله -سبحانه-:﴾ وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون ﴿(١). ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين (٢) عنه ﵌ عند موته أنه كان يقول: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا. وأخرج مسلم (٣) عن جندب بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك ". وأخرج أحمد (٤) بسند جيد، وأبو حاتم في صحيحه عن ابن مسعود مرفوعا: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد ". والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيها التصريح بلعن من اتخذ القبور مساجد، مع أنه لا يعبد إلا الله، وذلك لقطع ذريعة التشريك، ودفع وسيلة التعظيم. وورد ما يدل على أن عبادة الله عند القبور بمنزلة اتخاذها أوثان تعبد. أخرج مالك في الموطأ (٥) أن رسول الله ﵌ قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا

стр. 281

يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". وبالغ في ذلك حتى لعن زائرات القبور كما أخرجه أهل السنن (١) من حديث ابن عباس قال: لعن رسول الله ﵌ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. ولعل وجه تخصيص النساء بذلك ما في طبائعهن من النقص المفضي إلى الاعتقاد والتعظيم بأدنى شبهة. ولا شك أن علة النهي [١٢] عن جعل القبور مساجد، وعن تسريجها، وتجصيصها، ورفعها، وزخرفتها هي ما ينشأ عن ذلك من الاعتقادات الفاسدة، كما ثبت في

стр. 282

الصحيح (١) عن عائشة: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﵌ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله". ولابن خزيمة عن مجاهد (٢):﴾ أفرأيتم اللات والعزى ﴿(٣) قال كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره. وكل عاقل يعلم أن لزيادة الزخرفة للقبور، وإسبال الستور الرائعة عليها، وتسريجها والتأنق في تحسينها تأثيرا في طبائع غالب العوام، ينشأ عنه التعظيم والاعتقادات الباطلة، وهكذا إذا استعظمت نفوسهم شيئا مما يتعلق بالأحياء وبهذا السبب اعتقدت كثيرا من الطوائف الألوهية في أشخاص كثيرة. ورأيت في بعض كتب التاريخ أنه قدم رسول لبعض الملوك على بعض خلفاء بني العباس، فبالغ الخليفة في التهويل على ذلك الرسول، وما زال أعوانه ينقلونه من رتبة إلى رتبة حتى وصل إلى المجلس الذي يقعد الخليفة في برج من أبراجه، وقد جمل ذلك المنزل بأبهى الآلات، وقعد فيه أبناء الخلفاء، وأعيان الكبراء، وأشرف الخليفة من ذلك البرج وقد انخلع قلب ذلك الرسول مما رأى، فلما وقعت عينه على الخليفة قال لمن هو [١٣] قابض على يده من الأمراء: أهذا الله؟ فقال: ذلك الأمر، بل هذا خليفة الله. فانظر ما صنع ذلك التحسين بقلب هذا المسكين!. وروي لنا أن بعض أهل جهة القبلة وصل إلى القبة الموضوعة على قبر الإمام أحمد بن الحسين صاحب ذيبين ﵀ فرآها وهي مسرجة بالشمع، والبخور ينفخ في

стр. 283

جوانبها، وعلى القبر الستور الفائقة فقال عند وصوله إلى باب: أمسيت بالخير يا أرحم الراحمين. وفي الصحيح (١) عن ابن عباس في قوله تعالى:﴾ لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ﴿(٢)، قال: هذه أسماء رجال من قوم نوح، لما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم يعبدوا، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت. وقال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم (٣).

стр. 284

[العيافة والطرق والطيرة من الجبت] ومن ذلك ما أخرجه أحمد (١) بإسناد جيد عن قبيصة عن أبيه أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: " إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت "، وأخرجه أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وابن حبان (٤) أيضا. وأخرج أبو داود (٥) بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر ".

стр. 285

[تحريم إتيان الكاهن والعراف وتصديقه] وأخرج النسائي (١) من حديث أبي هريرة: " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه ". وهذه الأمور إنما كانت من الجبت والشرك، لأنها مظنة للتعظيم الجالب للاعتقاد الفاسد. ومن ذلك ما أخرجه أهل السنن (٢). . .
следующие страницы →