قلت: أما التدليس (١) التسوية فقد يندفع بالتصريح بحديث في رواية ابن ماجه (٢)، قال: حدثنا يونس، وقال النسائي (٣): حدثنا الزهري، فبقيت المخالفة على ما هي. وأورده ابن عدي في الكامل (٤) يف ترجمة إبراهيم بن عطية الثقفي الواسطي، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: فهذا غير محفوظ. قال: وإنما يعرف من حديث بقية عن يونس، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، والزهري روى هذا الحديث عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وإبراهيم هذا ضعيف، قال ابن حبان (٥): منكر الحديث جدا، وكان هشيم يدلس عنه ألأخبار التي لا أصل لها، وهو حديث خطأ. قال العراقي (٦): وقد اضطرب فيه بقية، رواه مرة عن الزبيدي، عن الزهري، عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ قال: " من أدرك من الصلاة ركعة فليصل إليها أخرى " رواه البزار في مسنده (٧). وقد خالف (٨) الزبيدي الحفاظ في هذا، لأن الزهري يرويه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقال ابن حجر: هذا خطأ من تصرف البزار.
стр. 2382
قلت: لعل ابن حجر يعني أن المخالف بقية لا الزبيدي، أو غير ذلك فينظر. قال العراقي (١): وراه الدارقطني (٢) أيضًا من رواية عيسى بن إبراهيم، وهو البركي، والطبراني في " الأوسط " (٣) من رواية إبراهيم بن سليمان الدباس، وكلاهما عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " من أدرك ركعة من يوم الجمعة فقد أدركها، وليضف إليها أخرى " وهذا إسناد حسن. ورجاله موثقون انتهى.
فقال في الميزان (٤) عيسى بن إبراهيم البركي صدوق، له أوهام، قال ابن معين (٥): لا يسوى شيئا، أو ليس حديثه بشيء كما في الكامل [٣أ] للحافظ، قال الذهبي (٦) قال شيخنا أبو الحجاج: ذلك وهم، إنما ذلك القرشي، وهو أقدم من هذا، قال الذهبي (٧): والبركي منسوب إلى سكة البرك من البصرة يروي عن حماد بن سلمة، وطبقته، وعنه أبو داود، وأحمد بن علي الأبار قال أبو حاتم (٨): صدوق، وقال النسائي (٩): ليس به بأس، مات سنة ثمان وعشرين ومائتين. انتهى.
لكنه يبقى النضر هل لقي شيخه، لأن عبد العزيز القسملي قال فيه ابن حجر في التقريب (١٠): إنه من الطبقة العاشرة (١١) وهذه الطبقة قائمة مقام الشيوخ كما. ......................
стр. 2383
نبه (١) عليه في الخطبة، ولأن بين موت هذا وموت شيخه عبد العزيز بن مسلم (٢) إحدى وستين سنة. وقد قرر ابن حجر (٣) أيضًا أن عيسى بن إبراهيم ربما وهم كما في عادته في " التقريب " (٤) في [. ... ] (٥) بما هو الأرجح، فما قيل في الرجل قال العراقي: رواه الدارقطني (٦) من رواية يعيش بن الجهم عن محمد بن عبده بن نمير، عن يحيى بن سعيد عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﵌ قال: " من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى " وأورده ابن عدي في " الكامل " (٧) في ترجمة يعيش بن الجهم قال: وهذا الإسناد غير محفوظ. قال العراقي: وقد تقدم من رواية عبد العزيز القسملي، والقسملي احتج به الشيخان، رواه عنه ثقتان عيسى بن إبراهيم البركي (٨)، وإبراهيم بن سليمان (٩) الدباس انتهى.
قلت: أما عبد العزيز قال في الميزان: بصري ثقة. قال العقيلي (١٠): في حديثه بعض الوهم. قال الذهبي (١١): هذه الكلمة صادقة الوقوع على مثل مالك، وشعبة. ثم ساق العقيلي (١٢) له حديثا واحدا محفوظا قد خالفه فيه من دونه في الحفظ. قال يحيى (١٣)
стр. 2384
ابن معين عبد العزيز القسملي لا بأس به. وقال أبو حاتم (١): صالح. وقال يحيى بن إسحاق: سمعت منه، وكان من الأبدال. وقال العقدي: كان من العابدين. قال الذهبي (٢): روى عن عبد الله بن دينار، وحصين، ورى عنه خلق منهم القعني، مات سنة ١٦٧هـ انتهى.
لكن ابن حجر (٣) قال ربما رهم. وأما إبراهيم بن سليمان الدباس فذكره ابن أبي حاتم (٤)، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. وذكره ابن حبان في الثقات (٥)، لكن قال ابن حجر (٦): أنه ذكر الدارقطني في العلل (٧) الاختلاف فيه، وصوب وقفه انتهى.
لأنه يرويه جعفر بن عون عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر موقوفا، ورواه سفيان عن الأشعث، عن نافع، عن ابن عمر موقوفا أيضا، وتابع الأشعث أيوب عن نافع أيضًا موقوفا.
وأما حديث جابر فرواه ابن عدي في الكامل (٨)، في ترجمة كثير بن شنظير عن عطاء بن أبي رباح [٣ب] عن جابر عن النبي ﵌ قال: " من أدرك السجد فقد أدرك الركعة ". قال ابن عدي (٩): أحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة. انتهى.
стр. 2385
والعجب من الحافظ العراقي (١) ميله إلى تصحيح هذا، لأنه إن كان المراد أنه قد أدرك الفضيلة فلا بأس في ذلك، وإن كان المراد أنه قد أدرك بالركعة بكمالها ويعتد بها فهذا أعلى غاية من الشذوذ، وكيف لا يشذ وعند أبي داود (٢): " إذا أتيتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا " وأما هو فقد مال إليه كما يظهر من كلامه عليه حيث قال (٣): ولم أر من فرق بين إدراكه جالسا إلا أن فهم ذلك من قول أنس ﵁ وابن المسيب، والحسن، والشعبي، وعلقمة، والأسود: إذا أدركهم جلوسا صلى أربعا. ولو قال قائل بأنه إذا أدركه قبل الجلوس للتشهد في الرفع من الركوع والسجود والرفع منه صلى ركعة. واستدل بحديث جابر المتقدم ولفظه: من أدرك السجدة فقد أدرك الركعة " فعلى هذا يكون مدركا للركعة بإدراك السجدة إلا أن يراد بالركعة السجدة، ومراد بالركعة كمالها بقراءتها، وفيه نظر. انتهى كلامه.
стр. 2386
قلت: ولم تحفظ هذه الزيادة إلا من طريق زيد بن عياض، وهو متروك، فبطلت دعوى ابن عدي - والله أعلم -. وإن حملت السجدة على ما هي عليه برواية البخاري (١) فهي إذا محفوظة. ولا يخفي ما في كلام العراقي من التكلف والتحمل، وإن قال آخرا: وفيه نظر تتمة للبحث، فقد تقرر في الأصول أن الفعل إذا كان بيانا لواجب مجمل وجب. والخطبة من بيان المجمل المأمور به في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) الآية. ولا شك أن الخطبة من ذكر الله، وقصر الذكر على الصلاة محتاج إلى دليل قاهر، ومما يزيد ذلك ما قال القاضي زيد في وجه قول يحيى ﵇، وهو ما روي عن عمر- ﵁ أنه قال: " إنما جعلت الخطبة مكان ركعتين، من لم يدرك الخطبة فليصل أربعا " ولم يؤثر خلافه عن أحد من الصحابة، فوجب أن يجري مجرى الإجماع في كون حجة. فإن قيل هذا يحتاج إلى إخراجه من الكتب المشهورة، قيل له: رواه أبو بكر ابن أبي شيبة في المصنف (٢) من رواية يحيى بن
стр. 2387
كثير. قال: حدثت عن عمر بن الخطاب قال: " إنما جعلت الخطبة مكان الركعتين، فإن لم يدرك الخطبة [٤ أ] فليصل.
إلى هنا الموجود من هذه المخطوطة والله أعلم.
стр. 2388
اللمعة في الاعتداد بإدراك الركعة من الجمعة
تأليف محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 2389
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة: (اللمعة في الاعتداد بإدراك الركعة من الجمعة).
٢ - موضوع الرسالة: فقه الصلاة.
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين، ورضي الله عن صحبه الأكرمين، وبعد: فإنه وقف الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله له ذنوبه وستر عيوبه على بحث لبعض الأعلام. ..
٤ - آخر الرسالة:. ... جمعنا هذه الورقات للكلام على ما فيه من العلماء المنصفين المؤثرين للأدلة على غيرها لكان لنا في الترك مندوحة.
حرر في نهار يوم الخميس لعله سادس شهر شوال سنة ١٢١٨هـ.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني.
٧ - عدد الصفحات: ١٤صفحة + صفحة العنوان.
٨ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٧ سطرا.
٩ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات.
١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
стр. 2390
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله الطاهرين، ورضي الله عن صحبة الأكرمين، وبعد:
فإنه وقف الحقير محمد بن علي الشوكاني - غفر الله ذنوبه، وستر عيوبه - على بحث لبعض الأعلام المبرزين في من أدرك ركعة من الجمعة، ولم يدرك الخطبة فأطال في ذلك وأطاب؛ ولكنه طلب مني بعض المستفيدين أن أحرر في هذه المسألة ما يظهر لي، وأوضح ما لدي، فأقول: حاصل ما يتعلق بهذه المسألة ينحصر في مقدمة وعشرة مقاصد.
أما المقدمة:
فاعلم أنه يقع كثيرا في كتب الاستدلال الإهمال للمسالك المعتبرة عند أهل العلم من كون من يدعي كون كذا شرطا (١) لكذا، أو فرضا فيه، أو ركنا له (٢)، ونحو ذلك، هو الذي يطلب منه الدليل على إثبات تلك الدعوى، فإن جاء به خالصا عن شوب كدر النقص والمعارضة ونحوهما كانت دعواه صحيحة، وإن لم ينهض بذلك على الوجه المعتبر فالحق بيد المانع ولا يطالب بدليل، بل قيامه في مقام المنع، وثبوته في مركز الدفع يكفيه هذا إذا كان البحث بحث اجتهاد واستدلال، كما هو المفروض فيما نحن بصدده. وأما إذا كان البحث تقليد ونقل فليس على الناقل إلا تصحيح النقل، وهذه الجملة معلومة عند علماء هذا الفن، لا يختلفون في شيء من تفاصليها. فإذا رأيت من هو قائم في مقام المنع، وقد خاطبه المناظر به بالدليل، أو من كان مدعيا وقد تبرع له المانع بالدليل الذي ليس بسند للمنع فاعلم أن ذلك غلط في البحث، وخلط في المناظرة، فإن قيام المدعي في مقام المانع أو المانع في مقام المدعي لا يكون إلا لأحد أمرين:
إما عدم الخبرة بكيفية المناظرة، أو لقصد المغالطة والترويج للشبهة.
стр. 2391
إذا تقرر هذا فاعلم أن من ادعى أن الجمعة لا تصح بدون سماع الخطبة فقد ادعى أن الخطبة شرط، أو ركن لها، إذ الذي يقتضي البطلان هو ذلك.
أما الشرط (١) فلكونه وصف ظاهر منضبط يستلزم عدمه عدم الحكم، كما تقرر في الأصول، وأما الركن (٢) فلأن الذات التي طلبها الشارع قد وجدت ناقصة، ولا تكون مجزية إلا بدليل يدل على ذلك، ولا يفيد مدعي البطلان إقامة البرهان على أن تلك الذات قد وجدت خالية عن فرض من فرائضها، أو واجب من واجباتها، لأنهما لا توجبان [١أ] بطلان ما هما فيه كذلك.
أما عند من يجعلهما مترادفين (٣) فظاهر؛ إذ هما لا يستلزمان إلا المدح للفاعل، والذم للتارك، كما تقرر في الأصول (٤) أن ذلك هو مفهومهما. أما عند من لم يجعلهما مترادفين كالحنفية (٥) فهو لا يفرق بينهما إلا من حيث ثبوت الفرض بدليل قطعي،
стр. 2392
والواجب بدليل قطعي، والواجب بدليل ظني، مع كون لكل واحد منهما لوازم عنده لا مدخل لها في البطلان. فغاية ما يلزم من ترك فرضا، أو واجبا أن يكون مذموما بذلك الترك، وهذا الذم لا يستلزم بطلان الذات. ولا منافاة بين كون المكلف يمدح على تأديته لما هو مكلف به، ويذم على تركه بعض ما هو فرض أو واجب فيه. فإن الصحة سقوط القضاء في العبادات، وترتب الآثار جميعا في المعاملات، وههنا قد سقط القضاء، وهكذا الإجزاء كما قرره أهل الأصول؛ فإنهم جعلوا الإجزاء كالصحة في العبادات، وأما ما قاله المتكلمون من أن الصحة موافقة الأمر فهو غير اصطلاح أهل الأصول على أنهم قد صححوا الذات التي وقع التكليف بها مع، عدم شرطها في الواقع إذا حصل الظن بفعله فقط.
إذا عرفت هذا فاعلم أن كون الشيء شرطا لشيء لا يثبت إلا بدليل يدل على عدم وجود ذلك المشروط، عند عدم ذلك الشرط، وذلك كالنفي المتوجه إلى الذات التي وقع التكليف بها كقوله ﵌: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (١) ونحوه، فإن هذا النفي يتوجه إلى الذات الشرعية التي وقع بها التكليف، فالخطاب باق، وعلى فرض وجود ذات غير شرعية فلا اعتبار بها، لأن التكليف الذي يلزم المكلف، ويسقط به القضاء هو شيء مخصوص، وهو ما كان شرعيا لا كل فعل يفعله، وأي صورة جاء بها، سواء كانت شرعية أم لا. وبهذا تعلم أن توجه النفي إلى الذات بهذا الاعتبار صحيح، فلا ضرورة تلجئ إلى القول بأنه لا يمكن توجيهه إلى الذات، لوجودها في الخارج، بل يتوجه إلى الصحة أو الكمال، لأنا نقول: لا اعتبار بتلك الذات التي
стр. 2393
وجدت في الخارج؛ إذ هي غير شرعية. والاعتبار إنما هو بالذات الشرعية التي وقع [١ب] التكليف بها. وكما يصلح الدليل المشتمل على نفي الذات لإثبات الشرطية، كذلك يصلح الدليل المشتمل على نفي القبول المتعلق بالذات، لإثبات الشرطية كقوله ﵌: " لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " (١).
وقد ذهب بعض المحققين إلى أنه لا تلازم بين القبول (٢) والإجزاء. وقال: القبول أعم مطلقا من الإجزاء، وبينه بأن كل مقبول مجز ولا عكس (٣). قال: لأن المجزي ما يخرج به المكلف عن عهدة التكليف، والقبول ما يترتب على فعله الثواب؛ وأقول: إن نفي القبول المتعلق بتلك الذات التي وقع التكليف بها ظاهره يعم القبول للذات التي يخرج المكلف بفعلها عن عهدة التكليف والقبول لثوابها إلا بدليل يدل على قبول الذات، وسقوط التكليف بفعلها مع عدم ذلك الأمر الذي كان نفي القبول لأجله، فلا يرد ما أورده هذا القائل من الأدلة على سقوط التكليف، مع تصريح الشارع بعدم القبول، كقيام الإجماع على قبول صلاة الفاسق مع قوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (٤) وكذلك الأحاديث الواردة في عدم قبلو صلاة الآبق (٥)، ومن بلغت
стр. 2394
المحيض بدون خمار (١) ونحو ذلك، فإنها إذا قامت الأدلة المقبولة على سقوط التكليف مع تصريح الشارع بعد القبول (٢) كانت تلك الأدلة مخصصة لما يقتضيه نفي القبول، وإن لم يقم كان الواجب البقاء على نفي القبول على العموم. فإن الفعل المنفي يتضمن النكرة، فيكون من باب النكرة (٣) الواقعة في سياق النفي.
ومن جملة ما يصلح للاستدلال به على الشرطية النهي الصريح المتعلق بفعل الذات عند عدم شيء، وذلك كقول القائل: لا يصل أحدكم وهو محدث، ونحو ذلك؛ فإن النهي (٤) يدل على الفساد المرادف للبطلان (٥) إن كان لذات الشيء أو لجزء الذات، لا لأمر خارج كما قرره أهل الأصول. ولا ت نافي بين قول من قال: إنه يدل على التحريم أو القبح. ومن جملة ما يصلح للاستدلال به على الشرطية إذا قال الشارع: من فعل كذا بدون كذا ففعله خداج، أو باطل أو غير صحيح، أو غير مجز، أو نحو ذلك، مما يؤدي هذا المعنى، ويفيد هذا المفاد [٢أ]. وأما ذهاب ركن الشيء
стр. 2395
الذي وقع التعبد به، فذلك كالصلاة التي هي ناقصة ركعة أو ركوعا، أو سجدة، فإن التعبد بالصلاة إنما ورد بصورة مخصوصة؛ فإذا كانت ناقصة نقصانا يخرج به عن الهيئة المطلوبة من الشارع، وهو النقصان الذاتي، فمن فعلها على تلك الصورة الناقصة لم يفعل الصورة التي طلبها منه الشارع.
فإذا ادعى صحتها فعليه الدليل، ويكفي المانع للصحة أن يقوم في مركز المنع حتى يأتي مدعي الصحة بما ينقله عن مقام المنع، ولا ينقله عن ذلك إلا دليل صحيح يدل على أن تلك الصورة الناقصة صحيحة، مجزية، مسقطة للقضاء، هذا إذا كان قد اتفق المتناظران على أن ذلك الشيء الذي تركه المكلف هو ركن من أركان الصورة التي وقع التكليف بها، وأنها بدونه ناقصة نقصانا ذاتيا؛ أما إذا لم يتفقا، بل قال أحدهما: إن هذ الشيء الذي تركه المكلف ليس بجزء من أجزاء الصورة المطلوبة، أو أنه لا يوجب نقصانا في تلك الصورة فالدليل على مدعي الجزئية، وكون ذلك الجزء يوجب نقصا في الصورة المطلوبة من الشارع؛ ويكفي المانع قيامه في مقام المنع، حتى يبرهن المدعي على دعواه. فإذا برهن عليها برهانا مقبولا لم يقبل بعد ذلك المنع المجرد من المناظر له، بل قد ثبت بالبرهان أن ذلك الشيء ركن لتلك الصورة المطلوبة.
فمن ادعى أنها مقبولة بدونه فعليه البرهان، إن جاء به فذاك، وإلا كان عليه أن يسلم بأنها غير مقبولة ولا مجزئة. إذا تقرر لك ما يكون به الشرط شرطا، وما يكون به الركن ركنا، وما هو الدليل الذي يصلح لإثبات ذلك، عرفت أن المقتضي للبطلان ما وقع التكليف به هو إما عدم شرطه، أو عدم شطره، لا عدم ما هو واجب من واجباته التي ليست بشرط ولا شطر. فمن استدل مثلا بالأمر بشيء على كون ذلك الشيء شرطا يستلزم عدمه عدم المشروط فقد غلط غلطا بينا، بل عامة ما يفيده الأمر هو كون ذلك المأمور به واجبا يمدح فاعله [٢ب] ويذم تاركه. وهو لا يدل على استلزام عدمه لعدم ما هو واجب فيه، لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام. وإذا كان الأمر الصريح المفيد للوجوب بقاء على معناه الحقيقي، لعدم وجود ما يصرفه لا يفيد البطلان، فبالأولى عدم
стр. 2396
استفادة ذلك من طول الملازمة، وتكرير الفعل، وإلى هنا. انتهى ما نريده من المقدمة، فلنشرع الآن في المقاصد فنقول:
[المقصد الأول]
إذا قال قائل: إن الخطبة شرط لصلاة الجمعة، أو شطر لها، فمنع ذلك مانع، فالدليل على مدعي الشرطية أو الشطرية. ويكفي المانع وقوفه في موقف المنع، فيقول مثلا: لا أسلم أن الخطبة شرط لصلاة الجمعة، ولا أسلم أنها شطر لها. ولا يفيد المدعي إلا دليل يدل على أن الخطبة شرط. وقد عرفت أنه لا يدل على الشرطية إلا تلك الأدلة الخاصة، لا مجرد أن النبي ﵌: كان يخطب، أو أنه أمرنا بالخطبة، أو نحو ذلك. ولا يمكنه ههنا دعوى كون الخطبة ركنا لصلاة الجمعة، لأن صلاة الجمعة صلاة تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم. فما لم يكن بين تحريمها وتحليلها فليس منها فضلا عن أن يكون شرطا لها ولا ريب أن الشرط كما يكون داخلا ومصاحبا يكون خارجا، ولكن أين الدليل الذي يدل على الشرطية التي هي المدعاة.
[المقصد الثاني]
أن بعض الأعلام وهو الذي قدمنا الإشارة إليه في أول هذا البحث جعل عنوان بحثه: الكلام على تضعيف رواية: " من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى " (١)، وغير خاف عليك أن المقام مقام الاستدلال من مدعي الشرطية أو الشطرية، لا مقام إيراد دليل من هو قائم مقام المنع، فإنه ليس بمستدل في هذا المقام، ولا يتوجه عليه الخطاب بإبراز الدليل، ولا يصلح للمدعي أ، يغضب عليه منصب المنع، فيجعله مستدلا، ويجعل نفسه مانعا، فإن هذا مخالف لأدب البحث، ومباين لقواعد المناظرة.
стр. 2397
[المقصد الثالث]
أنه - كثر الله فوائده [٣أ]- سلم في عنوان بحثه، الذي أشرنا إليه، أنه قد ثبت الحديث بلفظ: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " كما في الصحيحين (١) وغيرهما، فلو فرضنا أن المانع قد تبرع بإيراد هذا الدليل، ولم يتوقف في مركزه الذي ليس عليه غير الوقوف فيه، بل جاء بما يشبه سند المنع قائلا: لم لا يجوز أن تكون الجمعة كسائر الصلوات؟ يحصل إدراكها بإدراك ركعة منها، للحديث المذكور في الصلاة على العموم، لكان في هذا السند للمنع من الفائدة ما يوجب على من ادعى أنها ليس كسائر الصلوات أن يقيم البرهان على ذلك، لأن صلاة الجمعة قد وجد فيها ما وجد في غيرها من الصلوات، وهي كونها ذات أذكار وأركان، تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (٢)، مع كونها قد قامت مقام إحدى الصلوات الخمس.
فالقائل بأنها كسائر الصلوات القول قوله، والظاهر معه، والدليل على مدعي إخراجها عن الصلوات، وعدم الاعتداد بإدراك ركعة منها، ولا يفيد ذلك إلا دليل يدل على الأمرين جميعا، أعني أنها لا تستحق هذا الوصف، وهو أنها صلاة من الصلوات، ولا يكون إدراك الركعة منها إدراكا لها، فأين هذا الدليل؟ وما هو؟.
[المقصد الرابع]
لو سلم المانع بأن رواية: " من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدركها. (٣) أو: " من
стр. 2398
أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته " (١). باطلة أو موضوعة، فماذا عليه؟ وهو يقول أنا أمنع كون الخطبة شرطا أو شطرا، حتى يكون من لم يدركها غير مدرك لصلاة الجمعة، أو يقول: أنا أتبرع بسند لهذا المنع.
فأقول: قد ثبت في سائر الصلوات بالاتفاق، وبالدليل الصحيح، أن من أدرك ركعة منها فقد أدركهأ، ويتم ما بقي عليه من عدد تلك الصلاة، فما بال الجمعة لم تكن هكذا، مع كونها صلاة من الصلوات بالاتفاق، ومسقطا لإحدى الصلوات الخمس بلا خلا ف. فأنا أطلب الدليل من المدعي لها [٣ب] ما ليس لغيرها من شرط أوشطر، ومن المدعي أنها ليست كغيرها في أنه يكون مدراك الركعة منها مدركا لها، وتم ما بقي عليه منها، فأين البرهان على هذا؟ أو ما هو؟.
[المقصد الخامس]
ما ذكره - دامت إفادته - من أن الإجماع كائن على أن من أدرك الركعة لا يكون مدركا لكل الصلاة، بل يتم ما بقي، فيقال له: وهكذا القائل بأن إدراك الركعة من الجمعة، إدراك للجمعة لا يقول إنها تدرك الجمعة كلها بالركعة من دون تمام، بل يقول: إنه يتم الركعة الأخرى كسائر الصلوات، وليس مطلوبه إلا هذا، مع منعه للتفرقة بين صلاة الجمعة وغيرها، فهذا القدر يكفيه، مع أنه يمكنه أن يربط ما يقوله بفحوى الخطاب فيقول: إذا كان إدراك ركعة من سائر الصلوات يكفي في إدراكها، وإن خرج الوقت بعد إدراك الركعة، وقبل تمام بقيتها فكيف لا يكون من أدرك ركعة من الجمعة مع بقاء وقتها! والتمكن من تأدية الركعة الباقية في الوقت مدركا لها، مجتزيا بها، فهذا سند للمنع قوي، وكلام سوي.
стр. 2399
[المقصد السادس]
قال - كثر الله فوائده - بعد أن ساق طرق حديث: من أدرك من الجمعة ركعة ما لفظه: قلت: وهذا محمول على أنه أدرك الفضيلة، أو أدرك وقتها، بدليل قوله إلا أن يقضي ما فاته.
وأقول: إن كان هذا الحمل للأدلة الواردة في سائر الصلوات من غير تخصيص بالجمعة استلزم عدم الاعتداد بالركعة التي يدركها المدرك من جميع الصلوات، وأن من أدرك من الجماعة ركعة فلا اعتبار بتلك الركعة، بل المدرك لها إنما أدرك الفضيلة فقط، ويستأنف الصلاة من أولها في جماعة أو فرادى. وهكذا من أدرك من صلاة من الصلوات الخمس بركعة، وخرج وقتها لم يدرك إلا الفضيلة، وقد فاتته الصلاة، وهذا خرق للإجماع، وإهمال للأدلة المتواترة.
وإن كان هذا الحمل إنما هو لصلاة الجمعة فقط، فما ذنبها مع اندراجها تحت الأحاديث الصحيحة المتواترة المصرحة بأن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها، وهي صلاة بالاتفاق؛ بل عليه أن يضيف إليها أخرى، ولا يقتصر [٤أ] على الركعة بناء على ظاهر الحديث ويقول: قد تمت صلاة الجمعة بإدراك الركعة، وليس عليه غير ذلك؛ فهذا معلوم للمانع، كما هو معلوم للمستدل، بل هو مجمع عليه، ولا يحتاج إلى الحمل، فإن الأدلة قد دلت على أنه يتم ما بقي عليه.
[المقصد السابع]
قال - كثر الله فوائده -: قد تقرر في الأصول أن الفعل إذا كان تبيانا لواجب مجمل وجب، والخطبة من بيان المجمل المأمور به في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ. ... ) (١) الآية.
стр. 2400
ولا يشك أن الخطبة من ذكر الله، وقصر الذكر على الصلاة محتاج إلى دليل فما هو؟.
أقول: إذا كان الواجب المدعو إليه هو الذكر الذي هو الخطبة، والذكر الكائن في الصلاة، فمن أين الإجمال سلمنا، فكل واحدة من الخطبة والصلاة مأمور بالسعي إليها على طريق الاستقلال، فكل واحد منهما واجب مستقل، فمن أدرك الواجبين فقد أدركهما، من أدرك أحدهما فقد أدركه، فمن أين للمدعي شرطية أحدهما للآخر، أو شطريته؟ والبرهان على ذلك وهذا هو محل النزاع، ولا سبيل له إلى ذليل يدل على أن خطبة الجمعة شرط لصلاة الجمعة، كما أنه لا سبيل له إلى تصحيح دعوى أن الخطبة شطر للصلاة، بعد تسليمه أنها صلاة مستقلة بتحريم، وتحليل، وأذكار، وأركان. فخلاصة ما يستفاد من الآية التي فيها الأمر بالسعي هو وجوب السعي، لا وجوب ما إليه السعي. ولو سلمنا أن وجوب الوسيلة بعلوم وجوب المتوسل إليه، فغاية ما هناك أنه يجب على الساعي استماع الخطبة، وهذا واجب مستقل، وفعل الصلاة، وهذا أيضًا واجب مستقل. فما الذي تقيده هذه الآية؟ غير هذا، وهو كون أحد الواجبين المنفصل أحدهما عن الآخر شرطا له أو شطرا له حتى يكون سماع الخطبة مؤثرا عدمه في عدم الصلاة.
فالحاصل أن المطلوب منه - عافاه الله - أن يبين؛ أولا الإجمال الذي ادعاه، ثم يوضع دليل الوجوب، ثم يبرهن على أن الخطبة داخلة في المدعو إليه، فإن الذي فهمه الصحابة فمن بعدهم أن الدعاء بالآية الكريمة، إنما هو إلى الصلاة [٤ب].
ثم يبين أن الخطبة شرط للصلاة، أو شطر لها، حتى يصح ما ادعاه من أن من فاتته الخطبة لم يعتد بصلاة الجماعة، فإن هذا أعني عدم الاعتداد بالشيء لا يكون إلا لفوات شرطه أو شطره، ومهما أمكنه بيان ما تقدم فلا يمكن بيان هذا الوجه الآخر بوجه من الوجوه، وهو محل النزاع.
стр. 2401
[المقصد الثامن]
قال - كثر الله فوائده -: " مجيبا على من علل بالانقطاع: إن أصحابنا يحتجون بالمنقطع (١)، فيقال له: إن كان المقصود بيان مذهب الأصحاب فنصوصهم في هذه المسألة معروفة للمقصر والكامل، ومصرح بها في المختصرات من كتب الفقه، فضلا عن المطولات، فقد صرحوا تصريحا لا شك فيه أن من لم يدرك قدر آية من الخطبة أتمت ظهرا، ولكن الشأن في دفع التعليل بالانقطاع بكون مذهب الأصحاب العمل به، فإنه لا يعجز المعلل بالانقطاع أن يقول: ومذهب أصحابه أنهم لا يحتجون به وحينئذ فما التخلص عن أصحاب هذا، وأصحاب هذا، وإن كان مقصودة بيان الحق في الواقع في هذا التحرير الذي حرره، فيقال له: كيف يكون ما انقطع إسناده مما تقوم به الحجة والعقل، يجوز أن ذلك الانقطاع قد يكون في كذب، أو رضاع، أو ضعيف لا يحتج به، كم يجوز العقل أن الذي فيه ثقة مقبول، بل التجويز الأول أظهر، لأن غالب الانقطاع، والتدليس، والإرسال، والإعضال (٢) لا يكون إلا لعلة، وإلا فما وجه ذكر بعض الرجال السند دون بعض؟.
وما النكتة في ذلك مع كون كلهم ثقات تقوم بكل واحد منهم الحجة.
стр. 2402
[المقصد التاسع]
قال - كثر الله فوائده -: فإن قيل: هذا الذي روي عن ابن مسعود غير مرفوع، فيحتمل أن يكون مذهبا له، قيل له: الظاهر أن ذلك من المرفوع إذ لا يصدر ذلك التعميم من ذلك الصحابي الجليل، وعنده سنة مخالفة، والاحتمال لا يدفعه الظهور.
أقول: أما كونه لا يصدر عنه ذلك، وعنده سنة مخالفة فيمكن. ولكن قد وقع من جماعة من الصحابة المخالفة لما رروه بالراي، كحديث غسل الإناء سبع مرات من ولوغ [٥أ] الكلب، وتعفيره بالتراب (١)؛ فإن أبا هريرة (٢) الراوي له كان يفتي بثلاث. وكذا الكلام فيمن أصبح جنبا، وفي مواضع عديدة. فإن كان هذا التعلق المذكور نافعا فيلزم صاحب البحث - عافاه الله - أن يجعل قول كل صحابي حجة، ويقدمه على المرفوع، وما أراه يقول بذلك. ثم إذا سلمنا أن ابن مسعود إنما قال ذلك لأنه لم يكن عنده سنة مخالفة، فماذا ينفعنا هذا. غاية الأمر أن أفتي لعدم وجود النص لديه، فمن أين يستلزم هذا أن لا يكون ذلك اجتهادا منه؟ وأي قول لصحابي (٣) في كل جزء من جزئيات الشريعة لا يمكن أن يدعي فيه مثل هذا، ومن قد سبقه إلى مثل هذه المقالة، فإن أهل الأصول وغيرهم إنما جعلوا لأقوال الصحابة حكم الرفع إذا كان الشيء لا مجال للاجتهاد فيه (٤) كتقدير الجزاء، وعدد الركعات، والطوافات، والرمي للجمرات وما
стр. 2403
جرى هذا المجرى، فكيف يقال في مثل ما نحن بصدده من صلاة الجمعة أنه لا مجال للاجتهاد فيه. فإن كان الجزم منه بعدم احتماله للاجتهاد صادرا عن دليل فما هو؟ وإن كان لا جزم منه بل مجرد احتمال فنحن نمنع هذا الاحتمال، على أنه لو سلم الاحتمال لكان جوابنا عليه بما قاله هاهنا، من أن الاحتمال لا يدفع الظهور. [المقصد العاشر]
قد ترك - كثر الله فوائده - العمل بالأحاديث المروية فيمن أدرك ركعة من الجمعة مع كون بعضها قد صححه بعض الأئمة المعتبرين (١)، وبعضها قد حسنه بعضهم وبعضها فيه مقال، ولو فرض أنه لا صحيح فيها ولا حسن لكانت بمجموعها مع كثرة طرقها، وتباين مخارجها من الحسن لغيره، وهو معمول به، فما باله - عافاه الله - عدل عن هذه الروايات المرفوعة إلى رسول الله ﵌ إلى ما رواه عن أولئك الصحابة ﵃ مع كون في طرق تلك الروايات عن الصحابة من المقال [٥ب] ما هو أشد مما قيل في طرق هذه الأحاديث المرفوعة (٢).
فليت شعري كيف وقع له هذا مع إنصافه وطول باع عرفانه، وما الموجب لهذا عليه، مع كون قول الصحابي ليس بحجة عنده، ما لم يكن إجماعا لهم على خلاف فيه، فلقد طال تعجبي من ذاك. وكيف أبعد النجعة هذا الإبعاد، وسافر إلى دعوى الإجمال في الآية الكريمة، ثم لم يكفه ذلك حتى زعم أنه يجب على الأمة العمل بقول صحابي لكونه لا يقول ما قال إلا لعدم وجود دليل لديه، وأنه لا مجال للاجتهاد في ذلك، فله
стр. 2404
حكم الرفع، فهب أنه لا وجود لدليل لدى ذلك الصحابي فكان ماذا، فقد جاءنا الدليل الثابت في الصحيح (١) وغيره (٢) من طريق جماعة من الصحابة أن من أدرك من صلاة العصر ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك، ومن أدرك ركعة من صلاة الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من الصلاة ركعة قبل خروج وقتها فقد أدركها (٣)، من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة (٤)، من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة (٥). وألفاظ غير هذه، لا يتسع المقام لبسطها، وهي متواترة في المعنى المراد. أعني أن إدراك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها، أو مع الإمام إدراك لها، ويتم ما بقي عليه. ولا خلاف بين المسلمين أن الجمعة صلاة، وأن لها ركعة يمكن إدراكها، كما لغيرها ركعة يمكن إدراكها. فهلا قدم - كثر الله فوائده - هذه السنة المتواترة وقال: الجمعة كغيرها.
فإن قال: قد قام البرهان أنها ليست كغيرها. فما هو البرهان؟ وما الموجب لإخراجها عن غيرها مع كونها صلاة ذات أذكار وأركان، فيها تحريم بالتكبير، وتحليل بالتسليم، وقد قامت مقام غيرها من الصلوات الخمس، وهي الظهر في يوم الجمعة؟ فإن قال: إن الذي أخرجها عن هذه العمومات، ما رواه عن بعض الصحابة. فهل يقول في غير هذه المسألة بالتخصيص للسنن المتواترة بمثل ذلك، أم هذا تخصيص منه لهذه العبارة بهذه الخصوصية. فإن قال: إنه يقول في غيرها بذلك فما البرهان على هذا؟ وإن كان لا
стр. 2405
يقول بذلك بل يخص هذه العبادة بذلك [٦أ] وحدها دون غيرها، فما هذا بأول تعسف خصصت به هذه العبادة. فقد تلاعبت بها أقوال الرجال من يمين إلى شمال (١). هذا يقول: لا تصح إلا بعدد أربعين، وآخر يقول بأكثر من ذلك العدد، وآخر يقول بأقل منه، وهذا يقول: يشترط فيها المصر الجامع، وآخر يقول الذي فيه حمامات ومساجد ويسكنه عشرة آلاف، وآخر يقول دون ذلك، وآخر يقول أكثر، وهذا يقول: الإمام الأعظم على شروط يشترطونها واختراعات يخترعونها، وهذا يقول: يشترط سماع الخطبة، وهذا يقول كذا، وهذا يقول كذا. ليت شعري ما بال هذه العبادة من بين سائر العبادات ثبتت لها شروط وفروض وأركان بأمور لا يستحل العالم المحقق العارف بكيفية الاستدلال أن يجعل أكثرها سننا، ومندوبات، فضلا عن فرائض وواجبات، فضلا عن شرائط.
ومع هذا فقد تأكد دخول هذه الصلاة تحت عموم الصلوات بأدلة خاصة مصرحة بها. وبالغ الشارع في البيان حتى قال: من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته. (٢) فلم يكتف بمجرد الإدراك، بل ضم إلى ذلك إضافة أخرى إليها ثم لم يكتف بذلك، بل جاء بما يدفع كل علة، وينقع كل غلة، فقال: وقد تمت صلاته. ومع هذا فقد أوضحنا لك أن الدليل على مدعي كون لهذه العبادة شرطا أو شطرا، وبينا ما يصلح للاستدلال به على مثل ذلك، فأين الدليل القائل لا صلاة جمعة لمن لم يسمع الخطبة أو بعضها، أو لا تقبل صلاة جمعة إلا بسماع خطبة، أو لا يصل أحدكم الجمعة إذا لم يسمع شيئا من الخطبة، فإنا لم نجد حرفا من هذا في السنة المطهرة؛
стр. 2406
بل لم نجد فيها قولا يشتمل على الأمر بها الذي يستفاد منه الوجوب، فضلا عن الشرطية. وليس هناك إلا مجرد أفعال محكية عن رسول الله ﵌ أنه خطب وقال في خطبته كذا، وقرأ كذا، وهذا غاية ما فيه أن تكون الخطبة قبل صلاة الجمعة سنة [٦ب] من السنن المؤكدة، لا واجبة، فضلا عن أن تكون شرطا للصلاة بخلاف الصوم، فإن الشارع صرح لأمته أن الله أبدلهم يوم الجمعة بصلاة مكان صلاة الظهر وهي الجمعة.
وورد الأمر بها والنهي عن تركها (١)، والوعيد لتاركها (٢) بأن يحرق عليه منزله بالنار , وبأن الله يطبع على قلبه (٣)، ويختم على قلبه ويكون من الغافلين، وغير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة، ولم يأت في حرف منها ذكر الخطبة، ولا ما يدل على وجوبها، فضلا عن كونها شرطا للصلاة، ولا ورد الوعيد على تركها لا بتصريح ولا بتلويح. فما بال من يتصف بجعلها فريضة كفريضة صلاة الجمعة، وتجاوز ذلك إلى أنها شرط لصلاة الجمعة، فليته إذا فرط في إثبات مشروعية الخطبة وجاوز بها كونها سنة إلى كونها فريضة أن لا يدعي ما لا يقبله الإنصاف من كونها شرطا لغيرها، ويهمل ما يعتبره أهل العلم في دلائل الشروط من الأمور التي يجب الوقوف عندها، بل يعمل الأدلة المتواترة الواردة في أن من أدرك ..............
стр. 2407
ركعة من الصلاة فقد أدركها (١) بل يعمل الأدلة الخاصة بصلاة الجمعة بعد اندراجها تحت هذا العموم، وقد رويت من ثلاث عشرة طريقا (٢)، من حديث أبي هريرة، يقول الحاكم في ثلاث (٣) منها: إنها على شرط الشيخين، ورويت من ثلاث طرق من حديث (٤) ابن عمر، ورويت من طرق غير هذه الطرق (٥). فليت شعري ما هو الأولى بالتأثير؟ هل جميع ما ذكرناه هنا، أم قول يقوله بعض الصحابة على ضعف في طريقه، ونزاع فيمدلوله، وكونه من باب الاجتهاد، والذي لا يكون حجة على أحد فليتأمل
стр. 2408
المنصف هذا بعين بصيرته، وليدع ما يعرض له من أسباب العدول عن الصواب؟ فالدين دين الله، والتكليف هو لعباد الله، والشريعة المطهرة الموضوعة بين ظهراني هذا العالم هي ما في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﵌ وليس أحد من العباد بمستحق للمجادلة والمصاولة عن وقله على وجه يستلزم طرح ما هو ثابت من الشريعة، فأهل العلم أحياؤهم وأمواتهم، وإن بلغوا في معرفة الشريعة المطهرة إلى حد يقصر عنه الوصف، وفي التقيد بها إلى مبلغ تضيق عنه العبارة [٧أ]، وفي جلالة القدر ونبالة الذكر إلى رتبة يضيق الذهن عن تصورها، فهم ﵏ متعبدون بهذه الشريعة كتعبدنا بها، وتابعون لا مبتدعون ومكلفون لا مكلفون. هذا يعلمه كل من لديه نصيب من علم الشريعة، ومع هذا فالخلاف قائم بين أهل البيت رضوان الله عليهم في هذه المسألة فضلا عن غيرهم.
قال الأمير الحسين في الشفا: فصل: فيمن أدرك ركعة من الجمعة ولم يدرك شيئا من الخطبة اختلف في ذلك علماؤنا ﵏ فقال يحيى: من لم يدرك من الخطبة قدر آية لم تصح منه الجمعة، وصلى أربعا، وبه قال ولده أحمد بن يحيى، فإنه قال: من لم يدرك شيئا من الخطبة يصلي الظهر أربعا عند القاسم، والناصر، وعند زيد بن علي أن من أدرك ركعة من الجمعة اضاف إليها أخرى، وأجزأته الجمعة. وبه قال المؤيد بالله والمنصور بالله (١)، انتهى كلامه.
стр. 2409
ولنقتصر على هذا المقدار، ففيه كفاية لمن كانت له هداية، ولولا أن جامع البحث الذي جمعنا هذه الورقات للكلام على ما فيه من العلماء المنصفين المؤثرين للأدلة على غيرها كلان لنا في الترك مندوحة.
حرر في نهار يوم الخميس لعله سادس شهر شوال سنة ١٢١٨ [٧ب].
стр. 2410
ضرب القرعة في شرطية خطبة الجمعة
تأليف عبد الله عيسى
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 2411
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة: (ضرب القرعة في شرطية خطبة الجمعة).
٢ - موضوع الرسالة: فقه الصلاة.
٣ - أول الرسالة: الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، وبعد: فإني على جواب لبعض علماء العصر المحققين ....
٤ - آخر الرسالة: وأصلح لنا النيات، وأحسن الختام بجاه محمد ﵌ صلاة وسلاما يدومان بدوام الملك العلام حرر بتاريخ سلخ شهر صفر سنة ١٢١٩هـ
٥ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني.
٦ - نوع الخط: خط رقعة.
٧ - عدد الصفحات: ١١صفحة + صفحة العنوان.
٨ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢١ سطرا.
٩ - عدد الكلمات في السطر: ٨ - ١٠ كلمات.
١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
стр. 2412
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين. وبعد:
فإني اطلعت على جواب لبعض علماء العصر المحققين - كثر الله فوائده - جعله على الرسالة المسماة بإشراق الطلعة (١) وحصر ذلك الجواب في مقدمة وعشرة مقاصد، إلا أن المقدمة هي مصب الغرض، وزبدة البحث، والأصل الذي بنيت عليه المقاصد فهي الحقيقة بأن يكون هي المقصودة بالبحث، وتلك المقاصد إنما هي فروع عنها فرأيت أن أتكلم على أبحاث تلك المقدمة، وأبين عدم ورودها، وأما المقاصد فبعضها سيتضح الجواب عنها في الكلام على المقدمة، والبعض الآخر قد عرف جوابه من الرسالة الأولى المسماة بإشراق الطلعة (٢) كما سيأتي التنبيه على ذلك في آخر الجواب، فلو تعرضنا لدفعها بعد ذلك لكان من تحصيل الحاصل، والتطويل لما عرف.
فأقول وبالله التوفيق، وهو حسبي وكفى، ونعم الوكيل: إن الجواب على تلك يشتمل على أبحاث.
البحث الأول
اعلم أن ذكر المسائل العلمية، وإقامة الأدلة عليها، والجمع أو الترجيح بينها إن تعارضت قد يكون المقصود بها إفادة الحق، والإرشاد إلى العمل بما يريده الشارع والهداية إلى أحكام الله، والدعاء إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة (٣).
стр. 2413
وهذا القسم لا يشترط فيه أن يكون على ترتيب معين، ولا جاريا على القواعد الجدلية، ولم يلتزم الصحابة والتابعون والعلماء المتقون في ذلك سلوك الطريق الجدلية، وقواعد المناظرات، وقد يكون المقصود بها إسكات الخصم، وقطع مشاغبته، وعوق المناظر وغلبته في المناظرة والحيلولة بينه وبين ما أراد إثباته أو نفيه، وهذا القسم هو المقصود بتأليف كتب الجدل (١) ورسائل آداب البحث والمناظرات، وذكر الأصوليون أنواعها في القياس، وهي اعتراضاته المعروفة، وقد ذكر أصحاب الفصول اللؤلؤية (٢) أنه
стр. 2414
لا يجب معرفتها على المجتهد، أي لأنها [١أ] إنما شرعت طرقا للمناظرة، والمناظرة ليست بواجبة حتى تكون الاعتراضات مما لا يتم الواجب إلا به , وقد صرح أئمة المعقول والمنطق بأن الغرض من الجدل إنما هو إلزام الخصم بمقدمات يسلمها، فيبنى عليها الكلام، وإن كانت باطلة، أو بمشهورات لا يعتبر فيها اليقين، ومطابقة الواقع، وممن نص على ذلك المولى الحسين ابن الإمام في شرح الغاية (١) عند تقسيم القياس باعتبار المادة، وقال أيضا: إن الغرض من الجدل إما إقناع القاصر عن درك البرهان، أو إلزام الخصم، انتهى.
إذا علمت ذلك، فنقول: إذا رأيت من هو قائم في مقام الإفادة للحق وقد طولب بأن يسلك المسالك المعتبرة في الجدل فاعلم أن ذلك غلط في البحث، وخلط في المخاطبة، فإن إقامة المفيد للحق في مقام مريد الجدال أو العكس لا يكون إلا لأحد أمرين: إما عدم الخبرة بالتفريق بين المقامين، أو لقصد المغالطة والترويج للشبهة، إذا تقرر هذا فاعلم أني لم أقصد بالرسالة التي سميتها إشراق الطلع (٢) قصد الجدال لأحد، إنما قصدت ما ذكرته في خطبتها، وهو ما لفظه: إنها وقعت مذاكرة في تلك المسألة، فخطر في البال ذكر المسألة رأسها، وقل ذلك من كتب أهل البيت ﵈ وغيرهم، وذكر الأحاديث المتعلقة بها، والكلام عليها، ومع جمعها يتبين للناظر الراجح من القولين , انتهى.
стр. 2415
البحث الثاني
إنها لم تهمل في تلك المسألة المسالك المعتبرة عند أهل العلم كما قال المجيب - عافه الله - معرضا بالإهمال ما لفظه: اعلم أنه كثيرا ما يقع في كتب الاستدلال الإهمال للمسالك المعتبرة عند أهل العلم. انتهى.
بل ولا أعلم أنه يهملها أحد من المصنفين في كتب الاستدلال، وإنما هو كثيرا ما يقع الإهمال للمتأمل، وتجويد النظر في كتبهم [١ب] حتى يتوهم إخلالهم بها، وبيان ذلك في هذه المسألة التي صدرنا رسالتنا بها أنا قد ادعينا نقلها عن القاضي زيد ﵀ فإن كان الكتاب موجودا عند المناظر فلينظرها فيه، حتى يصح النقل، وإن لم يكن موجودا بعثنا به إليه، فإذا صح النقل فقد حصلت الدعوى فيه بأن المأموم إذا لم يدرك من الخطبة قدر آية لم تصح منه الجمعة (١) بل يصلي أربعا ويبني على ما أدركه مع الإمام، وإن الهادي ﵇ قد نص على ذلك في المنتخب (٢) فإن طلب المناظرة لتصحيح النقل عن الهادي، فالكلام فيه كما سمعت، وإن طلب الدليل على تلك الدعوى فقد ذكره بقوله: وعمدتهم في ذلك أن الخطبة بمثابة ركعتين، وأنهما شرط كما سيأتي بيانه. فبعد الاستدلال بهذا يثبت للمناظر على المستدل أحد ثلاثة أمور: إما النقض (٣) أو المناقضة، أو المعارضة، وللمناظر أن يورد على المستدل ما أراد من هذه الثلاثة، وعلى المستدل أن يجيب عن ذلك، وإلا انقطع فوقع الاستشعار في هذا المقام لإيراد المناظر للمعارضة بدليل يدل على خلاف المدعي، وإنما وقع الاستشعار لإيراد المعارضة المذكورة لكونها ظاهرة الورود بخلاف المنع، فإن انعدام الصلاة بانعدام الخطبة مجمع عليه عند ................................
стр. 2416
الجمهور (١)، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن وداود، والجويني، وابن الماجشون فقط، وبعد أن تم البحث في المعارضة وقع الاستشعار أيضًا بإيراد المنع، لكونهما بمثابة ركعتين وإنها شرط فتعرضنا لإثباتها بما ذكرناه من التتمة في آخر البحث.
البحث الثالث
قال المجيب - كثر الله فوائده -: وإن لم ينهض به على الوجه المعتبر، فالحق بيد المانع، ولا يطالب بدليل، بل قيامه في مقامع المنع [٢أ]، وثبوته في مركز الدفع يكفيه، إلى أن قال: وهذه الجملة معلومة عند أهل النظر، لا يختلفون في شيء من تفاصيلها.
وأقول: إن أراد بالمانع النافي لحكم المسألة، وأنه بمجرد نفيه أو يعجز المستدل يكون الحق بيد المانع، وأن ذلك يكفيه في حقيقة منعه، وأن ذلك مما لا يختلف في تفاصيله أحد، فلا يخفى أن هذا مخالف لما أوجبته جميع أئمتنا ﵈، والجمهور من العلماء من وجوب الدليل على النافي لحكم غير ضروري شرعي أو عقلي، كما يجب على المثبت. وهذه المسألة هي آخر مسألة في» غاية السول " (٢) ونسب في الفصول (٣) القول بوجوب الدليل على النافي إلى جميع أئمتنا والجمهور، وهو الذي اختاره ابن الحاجب في مختصره (٤) قال الشيخ العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآبادي (٥) الشيرازي ما لفظه: فصل: وقد ألحق بعض أصحابنا من أهل النظر بهذا الباب بأن
стр. 2417
يقول: أنا ناف فلا يلزمني إقامة دليل، وإنما الدليل على من يثبت، ألا ترى أن من نفى نبوة غيره لا يلزمه الدليل على ذلك، وإنما يلزم من يثبت النبوة، وهذا ليس بشيء لأن القطع بالنفي لا يجوز إلا على دليل، كما لا يجوز القطع بالإثبات إلا عن دليل فكما يجب إقامة الدليل على ما قطع به من الإثبات وجب إقامة الدليل على ما قطع به من النفي (١) انتهى كلامه.
стр. 2418
وإن أراد المجيب أبقاه الله بالمانع طلب الدليل على مقدمة أو أكثر، فلا يخفى أيضًا أنه لا يكون الحق بيده بمجرد طلب الدليل، وغاية ما هناك أن المستدل إذا لم ينهض بالدليل على الوجه المعتبر لزم انقطاعه وعوقه، وذلك هو الغرض من الجدل ولكن عوقه وانقطاعه لا يستلزم أن يكون الحق بيد المانع [٢ب]، وغلا لزم أن يكون الحق بيد كل غالب في المراء والجدال، ولا يخفى ما يترتب على ذلك، وعلى الجلة، فعبارة المجيب في هذا المقام مشكلة جدا.
البحث الرابع
في تقرير أن الخطبة بمثابة ركعتين، وأنها شرط كما أشرنا إلى ذلك في إشراق الطلعة (١) وهو مبني على مقدمات.
الأولى: أن الحقائق الشرعية (٢) واقعة بمعنى أن الشارع نقلها عن معانيها اللغوية إلى
стр. 2419
معان مخترعة شرعية، وصار اللفظ اسما لمجموع تلك الأجزاء بخصوصها، ولتكن هذه المقدمة أصلا موضوعا، لأنه قد برهن عليها في الأصول.
المقدمة الثانية: أن الماهيات كما تكون طبيعية تكون وضعية، بمعنى أن واضع الاسم إذا اعتبر في معناه مجموع أشياء وجودية، أو عدمية حقيقية أو اعتبارية صار مسمى اللفظ مجموع ما اعتبره، وكان كل معتبر جزءا من الماهية، فلا يكون المعنى الحقيقي للفظ إلا جميع الماهية الملتئمة من الأجزاء التي لاحظها الواضع عند الوضع، وهذه المقدمة أيضًا أصل موضوع قد تقررت في علم الحكمة، وفي علم الوضع.
المقدمة الثالثة: أن تلك الأجزاء المعتبرة للماهية الاعتبارية قد تكون مختلفة كأركان الحج وأركان القياس، والتشبيه مثلا، وقد يختص بعض أجزائها بحكم غير ما يختص به البعض الآخر كهذه المذكورة ونحوها، وهذه المقدمة أيضًا غنية عن البيان.
المقدمة الرابعة: إن أحكام الشارع على الحقائق الشرعية إنما تنصرف إلى الماهيات التي اعتبرها ووضع اللفظ بإزائها.
стр. 2420
المقدمة الخامسة: أنه إذا انعدم جزء من أجزاء الماهية انعدمت لانعدامه، إذ المركب من مجموع أجزاء ينعدم لانعدام جزء منها وذلك واضح [٣أ].
المقدمة السادسة: إن الماهيات التي اعتبرها الشارع، وهي معاني الحقائق الشرعية تكون معرفتها بقول يدل على ذلك أو بفعل مبين لذلك ويعرف كون الفعل بيانا اقترانه بقول أو بقرينة كما تقرر في الأصول (١) فما شمله الفعل أو القول من الأجزاء المعتبرة فهو الملاحظ في تلك الماهية، ويلا يلغى اعتبار الجزئية إلا لدليل يدل على أنه لم يعتبر ذلك الأمر جزاء، بل اعتبره واجبا مستقلا أو شرطا أو نحو ذلك.
وبعد:
هذه المقدمات يعلم أنه وقع خطاب التكليف بصلاة الجمعة، وهي حقيقة شرعية موضوعة بإزاء ماهية اعتبارية وضعية، ولا سبيل إلى معرفة تلك الماهية المطلوبة إلا بتعريف الشارع وبيانها لنا بقول، أو فعل مع قول، أو مع قرينة، فبينها صلى لله عليه وآله وسلم، بالخطبة والصلاة في جماعة، واستمر هذا البيان من حين قدم المدينة (٢) إلى أن توفاه الله تعالى، فكانت الخطبة ركنا من أركانها وبعضا من أجزائها ولو لم تكن كذلك لبين حكمها أو تكرها لبيان الجواز ولو مرة في عمره، كما فعل في غيرها ولو لم تكن كغيرها من سائر الصلوات التي لم يجعل ما هو خارج عنها من أركانها بل هي حقيقة مستقلة اعتبر فيها ما لا يعتبر في غيرها ولهذا خالفت سائر الصلوات من جهات عديدة، منها عذر المسافر عنها والعبد والمرأة والمريض وأهل البادية (٣) ومنها أنها