← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". وبالغ في ذلك حتى لعن زائرات القبور كما أخرجه أهل السنن (١) من حديث ابن عباس قال: لعن رسول الله ﵌ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. ولعل وجه تخصيص النساء بذلك ما في طبائعهن من النقص المفضي إلى الاعتقاد والتعظيم بأدنى شبهة. ولا شك أن علة النهي [١٢] عن جعل القبور مساجد، وعن تسريجها، وتجصيصها، ورفعها، وزخرفتها هي ما ينشأ عن ذلك من الاعتقادات الفاسدة، كما ثبت في

стр. 282

الصحيح (١) عن عائشة: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﵌ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله". ولابن خزيمة عن مجاهد (٢):﴾ أفرأيتم اللات والعزى ﴿(٣) قال كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره. وكل عاقل يعلم أن لزيادة الزخرفة للقبور، وإسبال الستور الرائعة عليها، وتسريجها والتأنق في تحسينها تأثيرا في طبائع غالب العوام، ينشأ عنه التعظيم والاعتقادات الباطلة، وهكذا إذا استعظمت نفوسهم شيئا مما يتعلق بالأحياء وبهذا السبب اعتقدت كثيرا من الطوائف الألوهية في أشخاص كثيرة. ورأيت في بعض كتب التاريخ أنه قدم رسول لبعض الملوك على بعض خلفاء بني العباس، فبالغ الخليفة في التهويل على ذلك الرسول، وما زال أعوانه ينقلونه من رتبة إلى رتبة حتى وصل إلى المجلس الذي يقعد الخليفة في برج من أبراجه، وقد جمل ذلك المنزل بأبهى الآلات، وقعد فيه أبناء الخلفاء، وأعيان الكبراء، وأشرف الخليفة من ذلك البرج وقد انخلع قلب ذلك الرسول مما رأى، فلما وقعت عينه على الخليفة قال لمن هو [١٣] قابض على يده من الأمراء: أهذا الله؟ فقال: ذلك الأمر، بل هذا خليفة الله. فانظر ما صنع ذلك التحسين بقلب هذا المسكين!. وروي لنا أن بعض أهل جهة القبلة وصل إلى القبة الموضوعة على قبر الإمام أحمد بن الحسين صاحب ذيبين ﵀ فرآها وهي مسرجة بالشمع، والبخور ينفخ في

стр. 283

جوانبها، وعلى القبر الستور الفائقة فقال عند وصوله إلى باب: أمسيت بالخير يا أرحم الراحمين. وفي الصحيح (١) عن ابن عباس في قوله تعالى:﴾ لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ﴿(٢)، قال: هذه أسماء رجال من قوم نوح، لما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم يعبدوا، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت. وقال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم (٣).

стр. 284

[العيافة والطرق والطيرة من الجبت] ومن ذلك ما أخرجه أحمد (١) بإسناد جيد عن قبيصة عن أبيه أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: " إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت "، وأخرجه أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وابن حبان (٤) أيضا. وأخرج أبو داود (٥) بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر ".

стр. 285

[تحريم إتيان الكاهن والعراف وتصديقه] وأخرج النسائي (١) من حديث أبي هريرة: " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه ". وهذه الأمور إنما كانت من الجبت والشرك، لأنها مظنة للتعظيم الجالب للاعتقاد الفاسد. ومن ذلك ما أخرجه أهل السنن (٢). . .

стр. 286

والحاكم (١) وقال: صحيح على شرط الشيخين، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵌: " من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد " وأخرج أبو يعلى (٢) [١٤] بسند جيد مرفوعا: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " وأخرج نحوه الطبراني من حديث ابن عباس بسند حسن. والعلة الموجبة للحكم بالكفر ليست إلا اعتقاد أنه مشارك لله في علم الغيب، مع أنه في الغالب يقع غير مصحوب بهذا الاعتقاد، ولكن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ومن ذلك ما في الصحيحين (٣) وغيرهما (٤) عن زيد بن خالد قال: صلى بنا رسول الله

стр. 287

-﵌ صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس بوجهه فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي، مؤمن بالكواكب ". ولا يخفى على عارف أن العلة في الحكم بالكفر هي ما في ذلك من إيهام المشاركة، وأين هذا ممن يصرح في دعائه عند أن يمسه الضر بقوله: يا الله، ويا فلان، وعلى الله، وعلى فلان فإن هذا يعبد ربين، ويدعو اثنين، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا فهو لم يقل أمطره ذلك النوء بل قال: أمطر به، وبين الأمرين فرق ظاهر. ومن ذلك ما أخرجه مسلم (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: " يقول الله : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه " وأخرج أحمد (٢) عن أبي سعيد مرفوعا: "ألا

стр. 288

أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلى، قال: " الشرك الخفي، يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ". ومن ذلك [١٥] قوله تعالى:﴾ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صلحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ﴿(١). فإذا كان مجرد الرياء الذي هو فعل الطاعة لله مع محبة أن يطلع عليها غيره، أو يثني بها، أو يستحسنها فيه شركا، فكيف بما هو محض الشرك؟. ومن ذلك ما أخرجه النسائي (٢) أن يهوديا أتى النبي ﵌ فقال: إنكم تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة فأمرهم النبي ﵌ أن يقولوا: " ورب الكعبة " وأن يقولوا: " ما شاء الله، ثم شئت " وأخرج النسائي (٣) أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا أن رجلا قال: "ما شاء الله وشئت، قال:

стр. 289

أجعلتني لله ندا!؟ ما شاء الله وحده ". وأخرج ابن ماجه (١) عن الطفيل قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزير ابن الله، قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﵌ فأخبرته، قال: فهل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد: فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم

стр. 290

كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده ". والوارد في هذا الباب كثير، وفيه أن التشريك في المشيئة بين الله ورسوله، أو غيره من عبيده فيه نوع من الشرك. ولهذا جعل ذلك في هذا المقام الصالح كشرك اليهود والنصارى بإثبات ابن لله [١٦]، وفي تلك الرواية السابقة أنه إثبات ند لله ، ومن ذلك قوله ﵌ لمن قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، " بئس خطيب القوم أنت "، وهو في الصحيح (١). وأخرج ابن أبي حاتم (٢) عن ابن عباس في تفسيره قوله تعالى:﴾ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ﴿(٣) أنه قال: الأنداد أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله، وحياتك يا فلان، وحياتي. وتقول: لولا كلبه هذا لأتانا، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. هذا كله شرك. انتهى. ومن ذلك ما ثبت في الصحيح (٤) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: " لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وأرض ربك، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي ". ووجه هذا النهي ما يفهم من مخاطبة السيد بمخاطبة العبد لربه، والرب لعبده، وإن لم يكن ذلك مقصودا مرادا ...

стр. 291

[النهي عن التصوير] ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين (١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: " قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة شعير " ... ولهما (٢) عن عائشة أن رسول الله ﵌ قال: " أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون خلق الله ". ولهما (٣) عن ابن عباس: سمعت رسول الله ﵌ يقول: " كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسا يعذب بها [١٧] في جهنم ". ولهما (٤) عنه مرفوعا: " من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ " ... وأخرج مسلم (٥) عن أبي الهياج قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته. فانظر إلى ما في هذه الأحاديث من الوعيد الشديد للمصورين، لكونهم فعلوا فعلا يشبه فعل الخالق، وإن لم يكن ذلك مقصودا لهم، وهؤلاء القبوريون قد جعلوا بعض خلق الله شريكا له ومثلا وندا، فاستغاثوا به فيما لا يستغاث فيه إلا بالله، وطلبوا منه ما لا يطلب إلا من الله مع القصد والإرادة. ومن ذلك ما أخرجه النسائي (٦) بسند جيد عن عبد الله بن الشخير قال: انطلقت في

стр. 292

وفد بني عامر إلى النبي ﵌ فقلنا: أنت سيدنا فقال: " السيد الله ﵎ "، قلنا: وأفضلنا وأعظمنا طولا قال: " قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرنكم الشيطان ". وفي رواية: " ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلي الله ... ". وبالجملة فالوارد عن الشارع من الأدلة الدالة على قطع ذرائع الشرك، وهدم كل شيء يوصل إليه في غاية الكثرة، ولو رمت حصر ذلك على التمام لجاء في مؤلف بسيط، فلنقتصر على هذا المقدار، ونتكلم على حكم ما يفعله القبوريون من الاستغاثة بالأموات، ومناداتهم لقضاء الحاجات، وتشريكهم مع الله في بعض الحالات، وإفرادهم بذلك في بعضها. [بعث الله الرسل لإخلاص توحيده] فنقول: اعلم أن الله لم يبعث [١٨] رسله، وينزل كتبه لتعريف خلقه بأنه الخالق لهم، والرازق، ونحو ذلك، فإن هذا يقر به كل مشرك قبل بعثة الرسل،﴾ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ﴿(١)،﴾ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ﴿(٢)،﴾ قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ﴿(٣)،

стр. 293

﴾ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون ﴿(١). ولهذا تجد كل ما ورد في الكتاب العزيز في شأن خالق الخلق ونحوه في مخاطبة الكفار معنونا باستفهام التقرير:﴾ هل من خالق غير الله ﴿(٢)،﴾ أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ﴿(٣)،﴾ أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض ﴿(٤)،﴾ فأروني ماذا خلق الذين من دونه ﴿(٥). بل بعث الله رسله، وأنزل كتبه لإخلاص توحيده، وإفراده بالعبادة﴾ يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴿(٦)،﴾ ألا تعبدوا إلا الله ﴿(٧)،﴾ أن اعبدوا الله واتقوه ﴿(٨)﴾ قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آبآؤنا ﴿(٩)،﴾ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره (١٠)، ﴿فإياي فاعبدون﴾ (١١).

стр. 294

وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والنداء، والاستغاثة، والرجاء، واستجلاب الخير، واستدفاع الشر له ومنه لا لغيره ولا من غيره ﴿فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ (١)، ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء﴾ (٢)، ﴿وعلى الله [١٩] فليتوكل المؤمنون﴾ (٣)، ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ (٤). وقد تقرر أن شرك المشركين الذين بعث الله إليهم خاتم رسله لم يكن إلا باعتقادهم أن الأنداد التي اتخذوها تنفعهم وتضرهم وتقربهم إلى الله، وتشفع لهم عنده، مع اعترافهم بأن الله هو خالقها وخالقهم، ورازقها ورازقهم، ومحييها ومحييهم، ومميتها ومميتهم، ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (٥)، ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ (٦)، ﴿إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾ (٧)، ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ (٨)، ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ (٩). وكانوا يقولون (١٠) في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا

стр. 295

هو لك، تملكه وما ملك. [شرك القبوريين والوثنيين واحد] وإذا تقرر هذا فلا شك أن من اعتقد في ميت من الأموات، أو حي من الأحياء أنه يضره أو ينفعه، إما استقلالا أو مع الله تعالى، وناداه أو توجه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق، فلم يخلص التوحيد لله، ولا أفرده بالعبادة؛ إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه، ودفع الضر عنه هو نوع من أنواع العبادة. ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله، أو معه حجرا، أو شجرا، أو ملكا، أو شيطانا كما كانت تفعل ذلك الجاهلية، وبين أن يكون إنسانا من الأحياء، أو الأموات كما يفعله الآن كثير من المسلمين. وكل عالم يعلم هذا ويقر به فإن العلة واحدة، وعبادة غير الله وتشريك غيره معه تكون للحيوان كما تكون للجماد وللحي كما تكون للميت ... فمن زعم أن ثم فرقا بين من اعتقد في وثن من الأوثان أنه يضر وينفع، [٢٠] وبين من اعتقد من ميت من بني آدم، أو حي منهم أنه يضر أو ينفع أو يقدر على أمر لا يقدر عليه إلا الله فقد غلط غلطا بينا، وأقر على نفسه بجهل كبير؛ فإن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه. ومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكا بالصنم والوثن والإله، ليس فيه زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد، كما يفعله كثير من المسلمين، بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن؛ إذ ليس الشرك هو بمجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئا يختص به -سبحانه [وتعالى]،- سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه

стр. 296

الجاهلية، أو أطلق عليه اسما آخر فلا اعتبار بالاسم قط. ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم (١). وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار (٢) للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها، واعتقاد أنها تضر وتنفع الاستغاثة بها عند الحاجة، والتقريب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور، فإنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله -سبحانه-، بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريبا منه، مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله [٢١]، أو في مسجد من المساجد، أو قريبا من ذلك. وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبا، ولم يحلف بالميت الذي يعتقده، وأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا اشتمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدع أحد منهم ميتا أو حيا عند استجلابه لنفع، أو استدفاعه لضر قائلا: يا فلان افعل لي كذا أو كذا، وعلى الله وعليك، وأنا بالله وبك، وأما التقريب للأموات (٣) فانظر ما يجعلونه من النذور لهم، وعلى قبورهم في كثير من

стр. 297

المحلات، ولو طلب الواحد منهم أن يسمح بجزء من ذلك لله لم يفعل، وهذا معلوم يعرفه من عرف أحوال هؤلاء. [اعتقاد القبوريين في الأموات] فإن قلت: إن هؤلاء القبوريين يعتقدون أن الله هو الضار النافع، والخير والشر بيده، وإن استغاثوا بالأموات قصدا لإنجاز ما يطلبونه من الله -سبحانه [وتعالى]-. قلت: وهكذا كانت الجاهلية، فإنهم يعلمون أن الله هو الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، وإنما عبدوا أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز. نعم إذا لم يحصل من المسلمين إلا مجرد التوسل الذي قدمنا تحقيقه فهو كما ذكرناه سابقا، ولكن من زعم أنه لم يقع منه إلا مجرد التوسل وهو يعتقد من تعظيم ذلك الميت ما لا يجوز اعتقاده في أحد من المخلوقين، وزاد على مجرد الاعتقاد فتقرب إلى الأموات بالذبائح والنذور، وناداهم مستغيثا بهم عند الحاجة، فهذا كاذب في دعواه أنه متوسل فقط، فلو كان الأمر كما زعمه لم يقع منه شيء من [٢٢] ذلك، إذ المتوسل به

стр. 298

لا يحتاج إلى رشوة بنذر، أو ذبح، ولا تعظيم، ولا اعتقاد، لأن المدعو هو الله -سبحانه-، وهو أيضًا المجيب. ولا تأثير لمن وقع به التوسل قط، بل هو بمنزلة التوسل بالعمل الصالح، فأي جدوى في رشوة من قد صار تحت أطباق الثرى بشيء من ذلك! وهل هذا إلا فعل من يعتقد التأثير اشتراكا أو استقلالا ولا أعدل من شهادة أفعال جوارح الإنسان على بطلان ما ينطق به لسانه من الدعاوى الباطلة العاطلة، بل من زعم أنه لم يحصل منه إلا مجرد التوسل وهو يقول بلسانه: يا فلان، مناديا لمن يعتقده من الأموات فهو كاذب على نفسه (١). ومن أنكر حصول النداء (٢) للأموات والاستغاثة بهم استقلالا فليخبرنا ما معنى ما يسمعه في الأقطار اليمنية من قولهم: يا ابن العجيل، يازيلعي، يا ابن علوان، يا فلان يا فلان، وهل ينكر هذا منكر، أو يشك فيه شاك، وما عدى ديار اليمن فالأمر فيها أطم وأعم؛ ففي كل قرية ميت يعتقده أهلها وينادونه، وفي كل مدينة جماعة منهم، حتى إنهم في حرم الله ينادونه يا ابن عباس، يا محجوب، فما ظنك بغير ذلك! فلقد تلطف إبليس وجنوده -أخزاهم الله- لغالب أهل الملة الإسلامية بلطيفة تزلزل الأقدام عن الإسلام. فإنا لله وإنا إليه راجعون (٣).

стр. 299

أين من يعقل معنى: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ (١) ﴿فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ (٢)، ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء﴾ (٣). وقد أخبرنا الله -سبحانه- أن الدعاء عبادة في محكم كتابه بقوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم [٢٣] إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾ (٤). وأخرج أبو داود (٥)، والترمذي (٦) وقال: حسن صحيح من حديث النعمان بن بشير

стр. 300

قال: قال رسول الله ﵌: " إن الدعاء هو العبادة "، وفي رواية (١): " مخ العبادة ". ثم قرأ رسول الله ﵌ الآية المذكورة. وأخرجه أيضًا النسائي (٢)، وابن ماجه (٣)، والحاكم (٤)، وأحمد (٥)، وابن أبي شيبة (٦) باللفظ المذكور. وكذلك النحر للأموات عبادة لهم، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم، والتعظيم عبادة لهم. كما أن النحر للنسك، وإخراج صدقة المال، والخضوع، والاستكانة عبادة لله بلا خلاف. ومن زعم أن ثم فرقا بين الأمرين فليهده إلينا، ومن قال إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم، والنذر عليهم عبادتهم فقل له: فلأي مقتض صنعت هذا الصنع؟ فإن دعائك للميت عند نزول أمر بك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عروض الحاجات من دون اعتقاد منك لهم فأنت مصاب بعقلك، وهكذا إن كنت تنحر لله وتنذر لله فلأي معنى جعلت ذلك

стр. 301

للميت، وحملته إلى قبره؟ فإن الفقراء على ظهر البسيطة في كل بقعة من بقاع الأرض، وفعلك وأنها عاقل لا يكون إلا لمقصد قد قصدته، وأمر قد أردته، وإلا فأنت مجنون قد رفع عنك القلم، ولا نوافقك على دعوى الجنون إلا بعد صدور أفعالك وأقوالك في غير هذا على نمط أفعال المجانين، فإن كنت تصدرها مصدر أفعال العقلاء فأنت تكذب على نفسك في دعواك الجنون في هذا الفعل بخصوصه، فرارا عن أن يلزمك ما لزم عباد الأوثان الذين حكى الله عنهم في كتابه العزيز ما حكاه بقوله: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ (١)، وبقوله: ﴿ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون﴾ (٢) [٢٤]. [كلمة التوحيد لا تكفي مجردة عن العمل] فإن قلت: إن المشركين كانوا لا يقرون بكلمة التوحيد، وهؤلاء المعتقدون في الأموات يقرون بها. قلت: هؤلاء إنما قالوها بألسنتهم، وخالفوها بأفعالهم، فإن من استغاث بالأموات، أو طلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله - سبحانه-، أو عظمهم، أو نذر عليهم بجزء من ماله، أو نحر لهم فقد نزلهم منزلة الآلهة التي كان المشركون يفعلون لها هذه الأفعال، فهو يعتقد معنى لا إله إلا الله، ولا عمل بها، بل خالفها اعتقادا وعملا، فهو في قوله: لا إله إلا الله كاذب على نفسه، فإنه قد جعل لها إلها غير الله يعتقد أنه يضر وينفع، وعبده بدعائه عند الشدائد، والاستغاثة به عند الحاجة، وبخضوعه له وتعظيمه إياه، ونحر له النحائر، وقرب إليه نفائس الأموال. وليس مجرد قول لا إله إلا الله من دون عمل بمعناها مثبتا للإسلام، فإنه لو قالها أحد من أهل الجاهلية، وعكف على صنمه يعبده لم يكن

стр. 302

ذلك إسلاما. فإن قلت: قد أخرج أحمد بن حنبل (١)، والشافعي (٢) في مسنديهما من حديث عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي ﵌ وهو في مجلسه فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فجهر رسول الله ﵌ فقال: " أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له. قال: " أليس يشهد أن محمدا رسول الله "؟ قال: بلى ولكن لا شهادة له، قل: " أليس يصلي؟ " قال بلى، ولا صلاة له قال: " أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم ". وفي الصحيحين (٣) من حديث أبي سعيد في قصة الرجل الذي قال: يا رسول الله، اتق الله. وفيه قال [٢٥] خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: " لا لعله أن يكون يصلي "، فقال خالد: كم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ فقال ﵌: " إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق قلوبهم ". ومنه قوله ﵌ لأسامة بن زيد لما قتل رجلا من الكفار بعد أن قال لا إله إلا الله، فقال ﵌: " فما تصنع بلا إله إلا الله؟ " فقال: يا رسول الله، إنما قالها تقية، فقال: " هل شققت عن قلبه؟ " هذا معنى الحديث، وهو في الصحيح (٤).

стр. 303

قلت لا شك أن من قال لا إله إلا الله، ولم يتبين من أفعاله ما يخالف معنى التوحيد فهو مسلم محقون الدم، والمال إذا جاء بأركان الإسلام المذكورة في حديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويحجوا البيت، ويصوموا رمضان" (١)

стр. 304

وهكذا من قال لا إله إلا الله متشهدا بها شهادة الإسلام، ولم يكن قد مضى عليه من الوقت ما يجب فيه شيء من أركان الإسلام، فالواجب حمله على الإسلام، عملا بما أقر به بلسانه، وأخبر به من أراد قتاله؛ ولهذا قال ﵌ لأسامة بن زيد ما قال. وأما من تكلم بكلمة التوحيد، وفعل أفعالا تخالف التوحيد، كاعتقاد هؤلاء المعتقدين في الأموات، فلا ريب أنه قد تبين من حالهم خلاف ما حكته ألسنتهم من إقرارهم

стр. 305

بالتوحيد، ولو كان مجرد التكلم بكلمة التوحيد موجبا للدخول في الإسلام، والخروج من الكفر، سواء فعل المتكلم بها ما يطابق التوحيد أو يخالفه لكانت نافعة لليهود، مع أنهم [٢٦] يقولون: عزير ابن الله، وللنصارى مع أنهم يقولون: المسيح ابن الله، وللمنافقين مع أنهم يكذبون بالدين، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وجميع هذه الطوائف الثلاث يتكلمون بكلمة التوحيد، بل لم تنفع الخوارج (١) فإنهم من أكمل الناس توحيدا، وأكثرهم عبادة، وهم كلاب النار. وقد أمرنا (٢) رسول الله ﵌ بقتلهم مع أنهم لم يشركوا بالله، ولا خالفوا معنى لا إله إلا الله، بل وحدوا الله حق توحيده، وكذلك المانعون للزكاة هم موحدون لم يشركوا، ولكنهم تركوا ركنا من أركان الإسلام، ولهذا أجمعت الصحابة على قتالهم، بل دل الدليل الصحيح المتواتر (٣) على ذلك، وهو الأحاديث الواردة بألفاظ منها: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويحجوا البيت، ويصوموا رمضان، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " فمن ترك أحد هذه الخمس فلم يكن معصوم الدم ولا المال، وأعظم من ذلك تارك معنى التوحيد، أو المخالف له بما يأتي به من الأفعال. فإن قلت: هؤلاء المعتقدون في الأموات لا يعلمون بأن ما يفعلونه شرك، بل لو عرض أحدهم على السيف لم يقر بأنه مشرك بالله، ولا فاعل لما هو شرك، ولو علم أدنى علم أن ذلك شرك لم يفعله. قلت: الأمر كما قلت، ولكن لا يخفى عليك ما تقرر في أسباب الردة أنه لا

стр. 306

يعتبر في ثبوتها العلم بمعنى ما قاله من جاء بلفظ كفري، أو فعل فعلا كفريا. وعلى كل حال [٢٧] فالواجب على كل من اطلع على شيء من هذه الأقوال والأفعال التي اتصف بها المعتقدون في الأموات أن يبلغهم الحجة الشرعية، ويبين لهم ما أمره الله ببيانه، وأخذ عليهم الميثاق أن لا يكتمه، كما حكى ذلك لنا في كتابه العزيز، فيقول لمن صار يدعو الأموات عند الحاجات، ويستغيث هم عند حلول المصيبات، وينذر لهم النذور، وينحر لهم النحائر، ويعظمهم تعظيم الرب -سبحانه- أن هذا الذي تفعلونه هو الشرك الذي كانت عليه الجاهلية، وهو الذي بعث الله رسله هدمه، وأنزل كتبه في ذمه، وأخذ على النبيين أن يبلغوه عبادة أنهم لا يؤمنون حتى يخلصوا له التوحيد، ويعبدوه وحده، فإذا علموا هذا علما لا يبقى معه شك ولا شبهة، ثم أصروا على ما هم فيه من الطغيان والكفر بالرحمن وجب عليه أن يخبرهم بأنهم إذا لم يقلعوا عن هذه الغواية، ويعودوا إلى ما جاءهم به رسول الله ﵌ من الهداية فقد حلت دماؤهم وأموالهم، فإن رجعوا وإلا فالسيف هو الحكم العدل كما نطق به الكتاب المبين، وسنة سيد المرسلين في إخوانهم من المشركين. [طلب دعاء الأحياء والاستشفاع بهم ليس شركا] فإن قلت: قد ورد الحديث الصحيح (١) بأن الخلائق يوم القيامة يأتون آدم فيدعونه ويستغيثون به، ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدا -صلى الله عليه وعليهم-. قلت: أهل المحشر إنما يأتون [٢٨] هؤلاء الأنبياء يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله -سبحانه-، ويدعوا لهم بفصل الحساب والإراحة من ذلك الموقف، وهذا جائز، فإنه من طلب الشفاعة والدعاء المأذون فيهما، وقد كان الصحابة يطلبون من رسول الله

стр. 307

-﵌ في حياته أن يدعو لهم كما في حديث: " يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم " لما أخبرهم بأنه يدخل الجنة سبعون ألفا، وحديث (١): "سبقك بها عكاشة "، وقول أم سليم (٢): يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له. وقول المرأة (٣) التي كانت تصرع: يا رسول الله، ادع الله لي، وآخر الأمر سألته الدعاء بأن لا تنكشف عند الصرع، فدعا لها. ومنه إرشاده ﵌ لجماعة من الصحابة بأن يطلبوا من أويس القرني (٤) الدعاء إذا أدركوه، ومنه ما ورد في دعاء المؤمن لأخيه بظهر

стр. 308

الغيب (١) وغير ذلك مما لا يحصر، حتى إن رسول الله ﵌ قال لعمر لما خرج معتمرا: لا تنسنا يا أخي من دعائك (٢). فمن جاء إلى رجل صالح، واستمد منه أن يدعو له، فهذا ليس من ذلك الذي يفعله المعتقدون في الأموات، بل هو سنة حسنة، وشريعة ثابتة، وهكذا طلب الشفاعة ممن جاءت الشريعة المطهرة بأنه من أهلها كالأنبياء، ولهذا يقول الله لرسوله يوم القيامة: "سل تعطه، واشفع تشفع" (٣) وذلك هو المقام المحمود الذي وعده الله به في كتابه العزيز. والحاصل [٢٩] أن طلب الحوائج من الأحياء جائز إذا كانوا يقدرون عليها. ومن ذلك الدعاء فإنه يجوز استمداده من كل مسلم، بل يحسن ذلك. وكذلك الشفاعة من أهلها الذين ورد الشرع بأنهم يشفعون ولكن ينبغي أن يعلم أن دعاء من يدعو له لا ينفع إلا بإذن الله وإرادته ومشيئته، وكذلك شفاعة من يشفع لا تكون إلا بإذن الله، كما ورد بذلك القرآن (٤) الكريم، فهذا تقييد للمطلق لا ينبغي

стр. 309

العدول عنه بحال. واعلم أن من الشبه الباطلة التي يوردها المعتقدون في الأموات أنهم ليسوا كالمشركين من أهل الجاهلية، لأنهم إنما اعتقدوا في الأولياء والصالحين، وأولئك اعتقدوا في الأوثان والشياطين. وهذه الشبهة داحضة تنادي على صاحبها بالجهل، فإن الله -سبحانه- لم يعذر من اعتقد في عيسى ﵇ وهو نبي من الأنبياء، بل خاطب النصارى بتلك الخطابات القرآنية، ومنها: ﴿يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله﴾ (١) وقال لمن كان يعبد الملائكة: ﴿ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم﴾ (٢). ولا شك أن عيسى والملائكة أفضل من هؤلاء الأولياء والصالحين الذين صار هؤلاء القبوريون يعتقدونهم، ويغلون في شأنهم، مع أن رسول الله ﵌ وهو أكرم الخلق على الله [٣٠]؛ وسيد ولد آدم قد نهى أمته أن (٣) تغلو فيه كما غلت النصارى في عيسى ﵇، ولم يمتثلوا أمره، ولا امتثلوا ما ذكره الله

стр. 310

-سبحانه- في كتابه العزيز من قوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء (١)، ومن قوله:﴾ وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ﴿(٢)، وما حكاه عن رسول الله ﵌ من أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، وما قاله رسول الله ﵌ لقرابته الذين أمره الله بإنذارهم بقوله:﴾ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴿فقام داعيا لهم، ومخاطبا لكل واحد منهم قائلا: " يا فلان بن فلان لا أغني عنك من الله شيئا، يا فلانة بنت فلان لا أغني عنك من الله شيئا، يا بني فلان لا أغني عنكم من الله شيئا" (٣). فانظر- رحمك الله- ما وقع من كثير من هذه الأمة من الغلو المنهي عنه، المخالف لما في كتاب الله وسنة رسوله ﵌ كما يقول صاحب البردة (٤)

стр. 311

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله ﵌، وغفل عن ربه، ورب رسول الله -إنا لله وإنا إليه راجعون- وهذا باب واسع قد تلاعب الشيطان بجماعة من أهل الإسلام حتى ترقوا إلى خطاب غير الأنبياء بمثل هذا الخطاب، ودخلوا من الشرك في أبواب بكثير من الأسباب [٣١]. ومن ذلك قول من يقول مخاطبا لابن العجيل: هات لي منك يا ابن موسى إغاثة ... عاجلا في مسيرها حثاثة فهذا محض الاستغاثة التي لا تصلح لغير الله بميت من الأموات، قد صار تحت أطباق الثرى منذ مئين من السنين، ويغلب على الظن أن مثل هذا البيت والبيت الذي قبله إنما وقعا من قائليهما لغفلة، وعدم تيقظ، ولا مقصد لهما إلا تعظيم جانب النبوة والولاية، ولو نبها لتنبها ورجعا، وأقرا بالخطأ. وكثيرا ما يعرض ذلك لأهل العلم والأدب والفطنة. وقد سمعنا ورأينا. فمن وقف على شيء من هذا الجنس لحي من الأحياء فعليه إيقاظه بالحجج الشرعية، فإن رجع وإلا كان الأمر فيه كما أسلفنا. وأما إذا كان القائل قد صار تحت أطباق الثرى فينبغي إرشاد الأحياء إلى ما في ذلك الكلام من الخلل. وقد وقع في البردة والهمزية شيء كثير من هذا الجنس، ووقع أيضًا لمن تصدى لمدح نبينا ﵌ ولمدح الصالحين والأئمة الهادين ما لا يأتي عليه الحصر، ولا يتعلق بالاستكثار منه فائدة، فليسر المراد إلا التنبيه والتحذير: ﴿لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (١)،

стр. 312

﴾ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴿(١)،﴾ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ﴿(٢) [٣٢]. واعلم أن ما حررناه وقررناه من أن كثيرا مما يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركا قد يخفى على كثير من أهل العلم، وذلك لا لكونه خفيا في نفسه، بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر، وكونه قد شاب عليه الكبير، وشب عليه الصغير، وهو يرى ذلك ويسمعه، ولا يرى ولا يسمع من ينكره، بل ربما يسمع من يرغب فيه، ويندب الناس إليه، وينضم إلى ذلك ما يظهره الشيطان للناس من قضاء حوائج من قصد بعض الأموات الذين لهم شهرة، وللعامة فيهم اعتقاد. وربما يقف جماعة من المحتالين على قبره، ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت، ليستجلبوا منهم النذور، ويستدروا الأرزاق، ويقتنصوا النحائر، ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم، وعلى من يعولونهم ويجعلوا ذلك مكسبا ومعاشا. وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات، ويجملون قبره مما يعظم في عين الواصل إليه، ويوقدون في مشهده الشموع، ويوقدون فيه الأطياب، ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يجتمع فيها الجمع الجم، فينبهر الزائر، ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق، وازدحامهم وتكالبهم على القرب من الميت والتمسح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به، والالتجاء إليه، وسؤاله قضاء الحاجات ونجاح الطلبات، مع خضوعهم واستكانتهم، وتقريبهم له نفائس الأموال ونحرهم أصناف النحائر (٣). فبمجموع هذه الأمور مع تطاول الأزمنة، وانقراض القرن بعد القرن يظن الإنسان في بادئ عمره وأوائل أيامه أن ذلك [٣٣] من أعظم القربات، وأفضل الطاعات، ثم لا

стр. 313

ينفعه ما تعلمه من العلم بعد ذلك بل يذهل عن كل حجة شرعية تدل على أن هذا هو الشرك بعينه، وإذا سمع من يقول أنكره ونبا عنه سمعه، وضاق به ذرعه، لأنه يبعد كل البعد أن ينتقل ذهنه دفعة واحدة في وقت واحد عن شيء يعتقده من أعظم الطاعات إلى كونه من أقبح المقبحات، وأكبر المحرمات، مع كونه قد درج عليه الأسلاف، ودب فيه الأخلاف، وتعاورته العصور، وتناوبته الدهور. وهكذا كل شيء يقلد الناس فيه أسلافهم، ويحكمون العادات المستمرة. وبهذه الذريعة الشيطانية، والوسيلة الطاغوتية بقي المشرك من الجاهلية على شركه، واليهودي على يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته، وصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، وتبدلت الأمة بمثير من المسائل الشرعية غيرها، وألفوا ذلك، ومرنت عليه نفوسهم وقبلته قلوبهم، وأنسوا إليه، حتى لو أراد من يتصدى للإرشاد أن يحملهم على المسائل الشرعية البيضاء النقية التي تبدلوا بها غيرها لنفروا عن ذلك، ولم تقبله طبائعهم، ونالوا ذلك المرشد بكل مكروه، ومزقوا عرضه بكل لسان، وهذا كثير موجود في كل فرقة من الفرق لا ينكره إلا من هو متهم في عقله. وانظر إن كنت ممن يعتبر ما ابتليت به هذه الأمة من التقليد للأموات في دين الله، حتى صارت كل طائفة تعمل في جميع مسائل الدين بقول عالم من علماء المسلمين، ولا تقبل قول غيره، ولا ترضى به، وليتها وقفت عند عدم القبول والرضا، لكنها تجاوزت ذلك إلى الحط على سائر علماء المسلمين، والوضع من شأنهم، وتضليلهم، وتبديعهم [٣٤]، والتنفير عنهم، ثم تجاوزا ذلك إلى التفسيق والتكفير، ثم زاد الشر حتى صار أهل كل مذهب كأهل ملة مستقلة، لهم نبي مستقل، وهو ذلك العالم الذي قلدوه، فليس الشرع إلا ما قال به دون غيره، وبالغوا وغلوا فجعلوا قوله مقدما على قول الله ورسوله. وهل بعد هذه الفتنة والمحنة شيء من الفتن والمحن!. فإن أنكرت هذا فهؤلاء المقلدون على ظهر البسيطة قد ملئوا الأقطار الإسلامية فاعمد إلى أهل كل مذهب، وانظر إلى مسألة من مسائل مذهبهم هل هي مخالفة لكتاب الله، أو

стр. 314

لسنة رسول الله، ثم أرشدهم إلى الرجوع عنها إلى ما قاله الله أو رسوله (١) وانظر بماذا

стр. 315

يجيبونك فما أظنك تنجو من شرهم، ولا تأمن من معرتهم، وقد يستحلون بذلك دمك ومالك، وأورعهم يستحل عرضك وعقوبتك، وهذا يكفيك إن كان لك فطرة سليمة، وفكرة مستقيمة. ثم انظر كيف خصوا بعض علماء المسلمين، واقتدوا بهم في مسائل الدين، ورفضوا الباقين، بل جاوزوا هذا إلى أن الإجماع ينعقد بأربعة من علماء هذه الأمة، وأن الحجة قائمة بهم، مع أن في عصر كل واحد منهم من هو أكثر علما منه، فضلا عن العصر المتقدم على عصره، والعصر المتأخر عن عصره. وهذا يعرفه كل من يعرف أحوال الناس، ثم تجاوزوا ذلك إلى أنه لا اجتهاد لغيرهم، بل هو مقصور عليهم، فكأن هذه الشريعة كانت لهم لا حظ لغيرهم فيها، ولم يتفضل الله على عباده بما تفضل عليهم. وكل عاقل يعلم أن هذه المزايا التي جعلوها لهؤلاء الأئمة ﵏ إن كانت باعتبار كثرة علمهم، وزيادته على علم غيرهم، فهذا مدفوع عند كل من له اطلاع على أحوالهم، وأحوال غيرهم؛ فإن في أتباع كل واحد منهم من هو أعلم منه لا ينكر هذا إلا مكابر أو جاهل، فكيف بمن لم يكن من أتباعهم [٣٥] من المعاصرين لهم، والمتقدمين عليهم، والمتأخرين عنهم! وإن كانت تلك المزايا بكثرة الورع والعبادة فالأمر كما تقدم، فإن في معاصريهم والمتقدمين عليهم والمتأخرين عنهم من هو أكثر عبادة وورعا منهم، لا ينكر هذا إلا من لا يعرف تراجم الناس، وكتب التواريخ، وإن كانت تلك المزايا بتقدم عصورهم، فالصحابة والتابعون أقدم منهم عصرا بلا خلاف، وهم أحق هذه المزايا ممن بعدهم لحديث: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين

стр. 316

يلونهم (١). وإن كانت تلك المزايا لأمر عقلي فما هو؟ أو لأمر شرعي فأين هو؟. ولا ننكر أن الله قد جعلهم بمحل من العلم والورع، وصلابة الدين، وأنهم من أهل السبق في كل الفضائل والفواضل، وعن الشأن في المتعصب لهم من أتباعهم، القائل أنه لا يجوز تقليد غيرهم، ولا يعتد بخلافه إن خالف، ولا يجوز لأحد من علماء المسلمين أن يخرج عن تقليدهم وإن كان عارفا بكتاب الله، وسنة رسوله، قادرا على العمل بما فيهما، متمكنا من استخراج المسائل الشرعية منهما، فلم يكن مقصودنا إلا التعجيب لمن كان له عقل صحيح، وفكر رجيح، وتهوين الأمر عليه فيما نحن بصدده من الكلام على ما يفعله المعتقدون للأموات، وأنه لا يغتر العاقل بالكثرة وطول المهلة مع الغفلة؛ فإن ذلك لو كان دليلا على الحق لكان ما زعمه المقلدون المذكورون حقا، ولكان ما يفعله المعتقدون للأموات حقا. وهذا عارض من القول أوردناه للتمثيل، ولم يكن من مقصودنا، والذي نحن بصدده هو أنه إذا خفي على بعض أهل العلم ما ذكرناه وقررناه في حكم المعتقدين [٣٦] للأموات لسبب من أسباب الخفاء التي قدمنا ذكرها، ولم يتعقل ما سقناه من الحجج البرهانية القرآنية والعقلية فينبغي أن تسأله: ما هو الشرك؟ فإن قال: هو أن تتخذ مع الله إلها آخر كما كانت الجاهلية تتخذ الأصنام آلهة مع الله -سبحانه- فقل له: وماذا كانت الجاهلية تصنعه لهذه الأصنام التي اتخذوها حتى صاروا مشركين؟ فإن قال: كانوا يعظمونها ويقربون لها، ويستغيثون بها، وينادونها عند الحاجات، وينحرون لها النحائر، ونحو ذلك من الأفعال الداخلة في مسمى العبادة فقل له: لأي شيء كانوا يفعلون لها ذلك؟ فإن قال: لكونها الخالقة، أو الرازقة، أو المحيية، أو المميتة فاقرأ عليه ما قدمنا لك من البراهين القرآنية المصرحة بأنهم مقرون بأن الله الخالق الرازق المحيي المميت، وأنهم إنما عبدوها لتقربهم إلى الله زلفى، وقالوا: هم شفعاؤهم عند الله، ولم يعبدوها

стр. 317

لغير ذلك؛ فإنه سيوافقك ولا محالة إن كان يعتقد أن كلام الله حق، وبعد أن يوافقك أوضح له أن المعتقدين في القبور قد فعلوا هذه الأفعال أو بعضها على الصفة التي قررناها وكررناها في هذه الرسالة، فإنه إن بقي فيه بقية من إنصاف، وبارقة من علم، وحصة من عقل فهو لا محالة يوافقك وتنجلي عنه الغمرة، وتنقشع عن قلبه سحائب الغفلة، ويعترف بأنه كان في حجاب عن معنى التوحيد الذي جاءت به السنة والكتاب، فإن زاغ عن الحق، وكابر وجادل، فإن جاءك في مكابرته ومجادلته بشيء من الشبهة فادفعه بالدفع الذي قد ذكرناه فيما سبق، فإنا لم ندع شبهة يمكن أن يدعيها مدع إلا وقد أوضحنا أمرها، وإن لم يأت بشيء في جداله، بل اقتصر على مجرد الخصام والدفع المجرد لما أوردته عليه من الكلام [٣٧] فاعدل معه عن حجة اللسان بالبرهان والقرآن إلى محجة السيف والسنان، فآخر الدواء الكي. هذا إذا لم يكن دفعه بما هو دون ذلك من الضرب والحبس والتعزير؛ فإن أمكن وجب تقديم الأخف على الأغلظ عملا بقوله تعالى:﴾ فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ﴿(١)، وبقوله:﴾ ادفع بالتي هي أحسن ﴿(٢). ومن جملة الشبه التي عرضت لبعض أهل العلم ما جزم به السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير (٣) ﵀ في شرحه لأبياته (٤) التي يقول في أولها:

стр. 318

رجعت عن النظم الذي قلت في النجدي (١). . . . . . . . . . . . . فإنه قال: إن كفر هؤلاء المعتقدين للأموات هو من الكفر العملي، لا الكفر الجحودي، ونقل ما ورد في كفر تارك الصلاة كما ورد في الأحاديث (٢) الصحيحة، وكفر تارك الحج في قوله تعالى:﴾ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴿(٣)، وكفر من لم يحكم بما أنزل الله كما في قوله تعالى:﴾ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴿(٤)، ونحو ذلك من الأدلة الواردة فيمن زنى، ومن سرق، ومن أتى امرأة حائضا، أو امرأة في دبرها، أو أتى كاهنا، أو عرافا، أو قال لأخيه: يا كافر. قال: فهذه الأنواع من الكفر وإن أطلقها الشارع على فاعل هذه الكبائر فإنه لا يخرج به العبد عن الإيمان، ويفارق به الملة، ويباح به دمه وماله وأهله كما ظنه من لم

стр. 319

يفرق بين الكفرين، ولم يميز بين الأمرين، وذكر ما عقده البخاري في صحيحه من كتاب الإيمان في كفر دون كفر، وما قاله العلامة ابن القيم: إن الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة من الكفر العملي، تحقيقه أن الكفر كفر عمل وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا، فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل فهو نوعان: نوع يضاد الإيمان، ونوع لا يضاده. ثم نقل عن ابن القيم كلاما في هذا المعنى. ثم قال السيد المذكور: قلت: ومن هذا -يعني الكفر العملي- من يدعو الأولياء [٣٨] ويهتف هم عند الشدائد، ويطوف بقبورهم، ويقبل جدرانها، وينذر لها بشيء من ماله؛ فإنه كفر عملي لا اعتقادي، فإنه مؤمن بالله وبرسوله ﵌ وباليوم الآخر، لكن زين له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحون ينفعون، ويشفعون، ويضرون، فاعتقدوا ذلك جهلا كما اعتقده أهل الجاهلية في الأصنام، لكن هؤلاء مثبتون التوحيد لله لا يجعلون الأولياء آلهة كما قاله الكفار إنكارا على رسول الله ﵌ لما دعاهم إلى كلمة التوحيد:﴾ أجعل الآلهة إلها وحدا ﴿(١)، فهؤلاء جعلوا لله شركاء حقيقة، وقالوا في التلبية: " لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" (٢) فأثبتوا للأصنام شركة مع رب الأنام وإن كانت عباراتهم الضالة قد أفادت أنه لا شريك له، لأنه إذا كان يملكه وما ملك فليس بشريك له تعالى، بل مملوك، فعباد الأصنام جعلوا لله أندادا، واتخذوا من دونه شركاء، وتارة يقولون: شفعاء يقربونهم إلى الله زلفى، بخلاف جهلة المسلمين الذين اعتقدوا في أوليائهم النفع والضر؛ فإنهم مقرون لله بالوحدانية، وإفراده بالإلهية، وصدقوا رسله، فالذي أتوه من تعظيم الأولياء كفر عمل لا اعتقاد.

стр. 320

فالواجب هو وعظهم وتعريفهم جهلهم، وزجرهم ولو بالتعزير كما أمرنا بحد الزاني، والشارب، والسارق من أهل الكفر العملي إلى أن قال: فهذه كلها قبائح محرمة من أعمال الجاهلية، فهو من الكفر العملي. وقد ثبت أن هذه الأمة تفعل أمورا من أمور الجاهلية هي من الكفر العملي كحديث: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة ". أخرجه مسلم في صحيحه (١) من حديث أبي مالك الأشعري. فهذه من الكفر العملي، لا تخرج بها الأمة عن الملة، بل هم مع إتيانهم [٣٩] بهذه الخصلة الجاهلية أضافهم إلى نفسه فقال: من أمتي. فإن قلت: الجاهلية تقول في أصنامها أنهم يقربوهم إلى الله زلفى كما يقوله القبوريون، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله كما يقوله القبوريون أيضا، قلت: لا سوى فإن القبوريين مثبتون لتوحيد الله، قائلون أنه لا إله إلا هو، ولو ضربت عنقه على أن يقول: إن الولي إله مع الله لما قالها، بل عنده اعتقاد جهل أن الولي لما أطاع الله كان له بطاعته عنده تعالى جاه، به تقبل شفاعته، ويرجى نفعه، لا أنه إله مع الله، بخلاف الوثني فإنه امتنع عن قول لا إله إلا الله حتى ضربت عنقه زاعما أن وثنه إله مع الله، ويسميه ربا وإلها. قال يوسف ﵇:﴾ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ﴿(٢) سماهم أربابا لأنهم كانوا يسمونهم بذلك، كما قال الخليل:﴾ هذا ربي ﴿(٣) في الثلاث الآيات مستفهما لهم مبكتا متكلما على خطابهم، حيث يسمون الكواكب أربابا. وقالوا:﴾ أجعل الآلهة إلها واحدا ﴿(٤)، وقال قوم إبراهيم:
следующие страницы →