← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

مسلم (١) عن ابن عباس: " إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم ﵌ على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعا، والخوف ركعة " وهذا الصحابي الجليل قد صرح بما هو المطلوب للقائلين بوجوب القصر، لأن صلاة المسافر إذا كانت مفروضة ركعتين لم يحل له أن يخالف ما فرضه الله عليه. الحجة الرابعة: حديث عمر عند النسائي (٢) صلاة الأضحى ركعتين، وصلاة الفجر ركعتين، وصلاة السفر ركعتين، تمام غير قصر، على لسان محمد ﵌ " وأخرجه أيضًا أحمد (٣) وابن ماجه (٤)، ورجال الحديث رجال الصحيح، إلا يزيد بن أبي الجعد فقد وثقه أحمد وابن معين (٥). وقد روي من طريق أخر بأسانيد رجالها رجال الصحيح، وفيه التصريح بأن صلاة السفر مفروضة كذلك، وأنها تمام غير قصر. والحجة الخامسة: ما أخرجه النسائي (٦) عن ابن عمر قال: " أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر.

стр. 2557

واحتج القائلون بأن القصر رخصة بحجج: الحجة الأولى: قوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) (١) قالوا: ورفع الجناح لا يدل على العزيمة، بل يدل على الرخصة. (٢) وأجيب بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، وهي أيضًا قد اقتضت قصرا يتناول قصر الأركان بالتجفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين. وقيد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وجد الأمران أبيح القصران، فيصلون صلاة الخوف بقصور عددها وأركانها، وإن انتفى الأمران وكانوا آ منين مقيمين انتفى القصران فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإن وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، وإن وجد السفر والأمن قصر العدد، واستوفيت الأركان، وصليت صلاة أمن. وهذا أيضانوع قصر وليس بالقصر المطلق. وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامة [٣أ] باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في الآية كذا قال المحقق ابن القيم (٣) وما أحسن ما قال!. والحجة الثانية لهم: ما أخرجه مسلم (٤) وأهل السنن (٥) غيرهم (٦) من حديث يعلى ابن أمية قال: قلت لعمر ابن الخطاب: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فقد أمن الناس! فقال عجبت مما

стр. 2558

عجبت منه، فسألت رسول الله فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقتة " قالوا: فقوله: " صدقة " يدل على عدم الوجوب. ويجاب عن هذا بأن محل النزاع هو وجوب القصر، وقد قال: فاقبلوا صدقته " ومعنى الأمر الحقيقي الوجوب، فالحديث عليهم لا لهم. الحجة الثالثة: ما روي أن الصحابة كانوا يسافرون مع النبي ﵌ فمنهم القاصر، ومنهم المتم، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر؛ لا يعيب بعضهم على بعض. كذا قال النووي في شرح مسلم (١) وقد عزي هذا إلى صحيح مسلم (٢) ولم نجده فيه (٣). ويجاب عنه بأن لم يكن فيه أن النبي ﵌ اطلع على ذلك وقررهم عليه. وقد نادت أقواله وأفعاله بخلاف ذلك. وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لما أتم بمنى (٤). والحجة الرابعة لهم: ما أخرجه النسائي (٥)، والدارقطني (٦)، البيهقي (٧)، عن عائشة قالت: خرجت مع النبي ﵌ في عمرة في رمضان فأفطر

стр. 2559

وصمت، وقصر وأتممت، فقالت: بأبي وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت فقال: " أحسنت يائشة " قال الدارقطني (١): وهذا إسناده حسن. ويجاب عنه بأن في إسناده العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن يزيد، والأسود النخعي عنها، والعلاء بن زهير قال فيه ابن حبان (٢) كان يروي عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الأثبات، وقال ابن معين (٣): ثقة. وقد اختلف في سماع عبد الرحمن منها. قال الدارقطني: أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق، وقال أبو حاتم (٤): أدخل عليها وهو صغير، ولم يسمع منها. قال أبو بكر النيسابوري: من قال فيه عن عائشة فقد أخطأ، ومع هذا فقد اختلف قول الدارقطني (٥) فيه، فقال في السنن: إسناده حسن، وقال في العلل: المرسل أشبه (٦) وقال البدرالمنير (٧) إن في متن هذا الحديث نكارة وهو كون عائشة خرجت معه في رمضان للعمرة، والمشهور أنه ﵌ لم يعتمر (٨) إلا أربع عمر ليس منهن شيء في رمضان، بل كلهن في ذي القعدة، إلا التي مع حجته فكان إحرامها في ذي القعدة، وفعلها في ذي الحجة قال: هذا هو المعروف في الصحيحين (٩)

стр. 2560

وغيرهما. وقد وجه ذلك بعض أهل العلم بتوجيهات متعسفة لا ينبغي الاعتماد عليها، خصوصا مع مخالفة هذا الحديث لأقوال ﵌ الصريحة، وأفعاله الصحيحة. وقال ابن حزم (١): هذا الحديث لا خير فيه، وطعن فيه، ورد عليه ابن النحوي بما لا يصلح للرد. قال في الهدي (٢) بعد ذكر لهذا الحديث: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا حديث كذب على عائشة. الحجة الخامسة لهم: ما أخرجه الدارقطني (٣) عن عائشة أن النبي ﵌ كان يقصر في السفر، ويتم، ويفطر ويصوم. قال بعد أخراجه: إسناده صحيح. ويجاب عنه بأن الإمام أحمد استنكره كما حكى ذلك صاحب التلخيص (٤) وقال: وصحته بعيدة، فإن عائشة كانت تتم يعني بعد موت النبي ﵌[٣ب]- كما ذكر عروة أنها تأولت كما تأول عثمان كما في الصحيح (٥)، فلو كان عندها عن النبي ﵌ رواية لم ينقل عروة أنها تأولت ما تأول عثمان. قال في الهدي (٦): وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله ﵌. وبالجملة فهذا الحديث وأشباهه لا يقوى على معارضة بعض حجج القائلين بوجوب

стр. 2561

القصر فضلا عن كلها، فالحق أن القصر عزيمة لا رخصة، وأنه متعين على كل مسافر إذا وجد المقتضى وفقد المانع.

стр. 2562

قال السائل - عافاه الله -: المبحث الثالث: عن مدة الإقامة التي إذا عزم المسافر عليها هل حد كما قال ابن عباس (١): " من أقام سبعة عشر يوما، ومن أقام أكثر من ذلك أتم " وكذلك ما روي عن ابن عمر (٢): " كان إذا أجمع المكث، وإذا كان اليوم إذا قصر "!. وهل إباحته ﵌ للمهاجر أن يقيم بمكة أيام يكون حدا بين السفر والإقامة كما قد قال به من قال، أو لا حد لها، لأنه لم يعلم منه ﵌ كان إذا أراد زاد على سبعة عشر أو عشرين كما في حديث جابر (٣) في غزوة تبوك أتم؟ وهل هناك فرق بين إذا كانت الإقامة لحرب كما نقله أن ابن عمر في أيام حصار أذربيجان قصر ستة أشهر (٤)، ولما أراد الجوار بمكة أتم أم لا فرق؟ وهل جاور بمكة؟ وهل القصر بمنى وعرفات للسفر أو للنسك، وما حال سكان منى وعرفات أقصر صلاتهم في حجهم مع رسول الله ﵌ أم أتموا؟ وهل ورد عن رسول الله ﵌ أنه قال لأهل منى وعرفات: " أتموا " كما قال في مكة لأهلها (٥) أم

стр. 2563

لم يكن فيها مستوطن؟ انتهى. أقول: قد اختلفت أقوال السلف ومن بعدهم في قدر المدة المعتبرة للمسافر مع تردده، فذهب قوم إلى أنها شهر، وذهب آخرون إلى أنها عشون يوما، وذهب البعض إلى أنها ستة أشهر. وذهب البعض إلى أنها أربعة أشهر. وذهب قوم إلى أنها أربعة أيام، وليس لكل من هذه الأقوال متمسك ينبغي الكلام عليه حتى نسوقه ونسوق الجواب عليه، وأرجحها قول من اعتبر العشرين، ووجه ذلك أن المسافر إذا أقام ببلده وحط رحله، وذهب عنه وعثاء السفر فهو بالمقيم أشبه منه بالمسافر، ولولا أن النبي ﵌ قصر الصلاة عند إقامته في مكة (١)، وعند إقامته في تبوك (٢) لكان الأصل التمام، فينبغي أن يقتصر على المقدر الذي قصر فيه ﵌ ويتم المسافر الصلاة إذا زاد عليه مع التردد لا القصر، فقال: ومن أين لنا أن النبي ﵌ لو أقام في ذينك الموطنين زيادة على المقدار أتم، لأنا نقول: التمام مع الإقامة هو الأصل فلما قصر النبي ﵌ شرع لنا القصر مع الإقامة إلى ذلك المقدر، والأصل عدم جواز القصر بعد تلك المدة، ولم يدل دليل على جوازه بعدها فيجب الاقتصار على ما وقع منه ﵌ من القصر في ذينك الموطنين، ويرجع فيما زاد إلى الأصل لعدم الدليل الدال على الجواز. وقد أخرج أحمد (٣)، وأبو داود (٤)، وابن حبان (٥)،. .........................

стр. 2564

والبيهقي (١)، وابن حزم (٢) والنووي (٣) عن جابر: أقام النبي ﵌ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة. وقد أعل بما لا يقدح في الاحتجاج به. وأخرج أبو داود (٤)، والترمذي (٥) وحسنه البيهقي (٦) عن عمران بن حصين قال: غزوت مع النبي ﵌ وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين يقول: " يا أهل مكة، صلوا أربعا، فإنا سفر " في إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. وأخرج أحمد (٧) [٤ أ]، والبخاري (٨)، وابن ماجه (٩) عن ابن عباس قال: لما فتح النبي ﵌ مكة أقام فيها تسع عشرة يصلى ركعتين قال: " فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسعة عشر ليلة قصرنا، وإن زدنا أتممنا " ورواه أبو داود (١٠) بلفظ سبع عشرة بتقديم السين. وقد روي أنه أقام خمس عشرة أخرجه النسائي (١١)، وأبو داود (١٢)،. ....

стр. 2565

وابن ماجه (١)، والبيهقي (٢) عن ابن عباس. قال البيهقي: أصح الروايات في ذلك رواية البخاري (٣)، وهي رواية تسع عشرة بتقديم التاء: ولا يخفاك أن هذه الرواية وإن كانت أصح من غيرها فذلك لا ينافي وجود الصحة المعتبرة في رواية العشرين (٤). وقد صححها من قد بينا في ذلك، وهي مشتملة على الزيادة، فالاعتبار بها على أن الترجيح بين الروايات إنما وقع للحفاظ في الإقامة بمكة. وقد جاء في الإقامة بتبوك ما فيه الزيادة التي لم تقع منافية لما دونها، فكان المصير إلى ذلك محتما. والأخذ به لازما، فالحق أن المقيم متردد لا يزال يقصر إلى عشرين يوما ثم يتم، لما قدمنا. ولا يجوز التمسك بما روي عن بعض الصحابة من القصر مع الإقامة أكثر من عشرين، فليس في ذلك حجة. ولا فرق بين الإقامة لحرب وأغيره لما عرفت. وما ذكره السائل بقوله: وما حال سكان منى وعرفات. .. إلخ. فيقال: حالهم كحال أهل مكة يلزمهم التمسك بقوله ﵌ لأهل مكة: " أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر " (٥) فقد ثبت بهذا حكم غير أهل مكة كما ثبت حكم أهل مكة، ولا يحتاج إلى أن يطلب هل قال لهم رسول الله ﵌ مثل ما قال لأهل مكة أم لا؟

стр. 2566

قال السائل - عافاه الله -: المبحث الرابع: إذا قلنا بفرضية صلاة المسافر ركعتين، فهل يجوز له أن يصليها أربعا كما عن الطبري أنه قال: يحتمل أن قول عائشة فرضت الصلاة ركعتين في السفر يعني إن اختار المسافر أن يكون فرضه ركعتين فله ذلك، وإن اختار أن يكون أربعا فله ذلك، وشبهه بتأخر الحاج وتعجله في منى قال: إن تأخر فعن فرضه أقام، وإن تعجل فعن فرضه نفر. وأي ذلك فعل فعل صوابا، وهل قوله هذا صحيح وله وجه تسلى النفس إليه أم لا؟ انتهي. أقول: قد عرفناك فيما تقدم أن القصر عزيمة بالأدلة الصحيحة التي لا تحتمل التأويل، وهذا التأويل الذي ذكره الطبري ليس بشيء، ولم تلجئ إليه ضرورة، ولا دعت إليه الحاجة.

стр. 2567

قال السائل - عافاه الله -: المبحث الخامس: لو اقتدى قاصر بمنتم أيلزم كما نقل عن ابن عباس أنه سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعا إذا ائتم بمقيم؟: " إن ذلك من السنة " (١) أن القصر لأنه باق في سفره؟ وهل هناك دليل على واحد منهما غير ما ذكر؟ انتهى. أقول: إذا ثبت وجوب القصر بأدلته المتقدمة كان تخصيص بعض الأزمنة أو الأمكنة أو الأحوال أو الأشخاص بأنه يتم محتاجا إلى دليل يصلح للتخصيص، ولم يبلغنا أنه اقتدى مسافر بمقيم في حضرته ﵌ ولا ثبت لنا أنه ﵌ سئل عن ذلك فأجاب. ولكن الخبر أن ابن عباس أعلم بسنة رسول الله ﵌ فإذا ثبت عنه أنه قال: إتمام المسافر بعد المقيم من السنة،

стр. 2568

فالتمسك بذلك واجب، وبه تخصيص أدلة وجوب [٤ ب] القصر، ولا بد من تصحيح هذا الحديث حتى يبلغ إلى درجة الاعتبار، وينتهض للتخصيص، فهاهنا جسر عظيم هو أدلة وجوب القصر التي قدمنا ذكرها، ولا يجوز أن يجوزه أحد إلا بحقه، والبقاء على ما تقتضيه الأدلة الصحيحة متحتم حتى يرد ما نصه لتخصيصها، وأين ذاك؟ ولا سيما مع احتمال لفظ السنة. وعلى كل حال فينبغي للمسافر أن يتجنب الائتمام بالمقيم، لأنه يدخل نفسه في أحد الخطرين، إما مخالفة رسول الله ﵌ عن الاختلاف على الأئمة، وأوجب علينا الاقتداء بهم وقال: " إنما جعل الإمام ليؤتم به. .. " (١) الحديث، فإن وقع في مثل ذلك اقتدى به في الركعتين الآخرتين من صلاته. ولا يدخل معه في الأوليين، فإن دخل معه فيهما فقد عرض نفسه للاختلاف على إمامه أو مخالفة أدلة وجوب القصر، فليوازن بين الخطرين بما يؤدي إليه اجتهاده.

стр. 2569

قال السائل - عافاه الله -: المبحث السادس: ما المقرر في الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، أهو خاص بعرفات ومزدلفة كما ذهب إليه طائفة منهم الحسن، وابن سيرين، ونقل عن ابن القيم أنه قال: لم ينقل عنه ﵌ الجمع وهو [نازل] (١) إلا بعرفة ومزدلفة. أم وهو جائز فيهما، وفيما إذا كان على ظهر سير، وفيما إذا جد به السير كما في الرواية البخاري عن ابن عباس، وابن عمر، أو مطلقا كما في روايته عن أنس؟ وهل هو خاص بالسفر كما في هذه الروايات، أو فيه وفي الحضر كما في رواية أبي داود (٢) وغيره (٣) عن ابن عباس ﵁: " جمع رسول الله ﵌ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر " فقيل لابن عباس: ما أدرك إلى ذلك قال: " لا أراد ألا يحرج أمته " ولذلك جمعه ﵌ بعرفة ومزدلفة إن جمع معه مستوطنوهما يصدق عليه أنه جمع بحضر إلا أن يثبت أنه نبه عليهم في ترك الجمع كما قال لأهل مكة في القصر: " أتموا " (٤)؟ وهل هناك فرق ثابت بدليل بين جمع التقديم وجمع التأخير حتى يقال: أن حديث ابن عباس لا يحتج به، لأنه غير معين لجمع تأخير ولا تقديم؟ فإن وجد الدليل على أن أهل عرفة ومزدلفة لم يجمعوا، وإلا فما الجواب عن ما أخرجه الترمذي (٥) عن ابن عباس عن النبي ﵌:

стр. 2570

" من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر "؟ وهل تأول حديث ابن عباس في الجمع في الحضر بأنه الصوري (١) مطابق لقول ابن عباس: أواد ألا يحرج أمته؟ فإن وإن كان أيسر من حيث أنه يكفي للصلاتين تأهب واحد إلا أنه من حيث مراقبة آخر وقتي الظهر والمغرب، وأول وقتي العصر والعشاء لا يخلو فيما يظهر عن حرج والله اعلم. أفتونا بالأدلة الساطعة، والبراهين القاطعة التي تطمئن إليها القلوب، ويدان بها علام الغيوب، والتحقيق الذي تخمد به نار الخلاف - أن شاء الله - مأجورين من فضل الله. والسلام. أقول: أما الجمع بمزدلفة فقد ثبت بالأدلة الصحيحة، وكذلك الجمع للسفر فقد ثبت تأخيرا بالأدلة الصحيحة (٢) في الصحيحين وغيرهما، وثبت تقديما بالأدلة الحسنة الثابتة فيما عدا الصحيحين من دواوين الإسلام، وكذلك الجمع للمطر (٣) [٥أ] ثبت. ..............................

стр. 2571

بأدلته (١). وأما الجمع من غير عذر ولا مطر ولا سفر فقد أطال أهل العلم الكلام فيه، وألفوا في ذلك رسائل في كل عصر خصوصا هذه العصور القريبة، وإلى عصرنا الآن. فالمسوعون للجمع مطلقا تمسكوا بما في الصحيحين (٢) وغيرهما من حديث ابن عباس: " أن النبي ﵌ صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء ". وأخرج أحمد، ومسلم (٣)، وأهل السنن إلا ابن ماجه عنه بلفظ: " جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر " قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته " وفي لفظ من غير خوف ولا سفر. وقد أجاب الجمهور القائلون بعدم جواز الجمع لغير عذر عن هذا الحديث بأجوبة منها: أن الجمع منه ﵌ كان لعذر المرض وقواه النووي (٤). وليس هذا الجواب صحيح ولا قوي، فإنه لو كان الجمع لعذر المرض لبينه راوي الحديث، ولما صلى معه ﵌ إلا من كان له مثل ذلك العذر. وقد وقع التصريح في بعض الروايات بأنه ﵌ جمع بأصحابه. ومن جملة (٥) ما أجابوا به أنه كان في غيم ثم انكشف الغيم فبان أن وقت العصر قد دخل. وهذا جواب متعسف، فإن مثل هذا ما كان يخفى على الراوي ولا كان لقوله: لئلا يحرج أمته " معنى. ومما أجابوا به بأن الجمع المذكور صوري بأن يكون آخر الأولى إلى آخر وقتها، وقدم

стр. 2572

الثانية في أول وقتها. قال النووي (١): وهذا احتمال ضعيف أو باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل. قال الحافظ ابن حجر (٢): وهذا الذي ضعفه قد استحسنه القرطبي (٣)، ورجحه إمام الحرمين، وجزم به من القدماء ابن الماجشون، والطحاوي، قواه ابن سيد الناس بأن الشعثاء وهو راوي الحديث عن ابن عباس قد قال به انتهى (٤). ومما يؤيد حمل هذا الجمع على الجمع الصوري ما أخرجه النسائي (٥) عن ابن عباس بلفظ: " صليت مع النبي ﵌ الظهر والعصر جمعا، والمغرب والعشاء جمعا، أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء " فهذا تفسير ابن عباس الراوي لحديث الجمع، وكفى به حجة على بيان ماهية هذا الجمع الذي أطال الناس الكلام فيه، وغلا فيه من غلا حتى أخرجوا الصلوات عن أوقاتها المضروبة لها المبينة بتعليم جبريل رسول الله ﵌ وتعليم رسول الله ﵌ لأصحابه كما ثبت بذلك الأحاديث الصحيحة، وخالفوا ما كان عليه رسول الله ﵌ منذ بعثه الله - سبحانه - إلى أن قبضه من الإتيان لكل صلاة في وقتها المضروب لها، وكذلك أصحابه في حياته وبعد موته. ومما يؤيد ذلك ما أخرجه البخاري (٦) ومسلم (٧) وغيرهما (٨) عن عمرو بن دينار أنه قال

стр. 2573

يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظنه. وأبو الشعثاء هو راوي الحديث عن ابن عباس. ومما يؤيد ذلك ما أخرجه البخاري (١)، ومالك في الموطأ (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، عن ابن مسعود قال: " ما رأيت لرسول الله ﵌[٥ب]- صلى لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة " ففي هذا من ابن مسعود التصريح بأنه لم يقع منه ﵌ الجمع الحقيقي إلا بالمزدلفة، وقد كان أكثر الصحابه ملازمة لرسول الله ﵌ فأفاد ذلك أن الجمع غير الحقيقي بل صوري جمعا بين حديث ابن عباس، وحديث ابن مسعود هذا. ويزيد هذا تأكيدا أن ابن مسعود أحد رواة حديث الجمع كما بينت ذلك في غير هذا الموضع، فلا بد من الجمع بين روايتيه بما ذكرنا. ومن المؤيدات لذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابن عمر قال: " خرج علينا رسول الله ﵌ فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء فيجمع بينهما " وهذا هو الجمع الصوري. وابن عمر ممن روى جمعه ﵌ بالمدينة كما أخرج ذلك عبد الرزاق عنه. فهؤلاء الصحابة الذين رووا ذلك الجمع فسروه بالصوري، وكذلك فسره بعض الرواة عنهم فلم يبق حينئذ ما يشكل في المقام. فإن قلت: قد زعم بعضهم أن الجمع الصوري لم يرد عن الشارع ولا عن أهل الشرع. قلت: ما ذكرناه هاهنا يرد زعم هذا الزاعم، وقد ثبت عنه ﵌ أنه قال للمستحاضة: " وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر

стр. 2574

فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين " (١) ومثله في المغرب والعشاء، وهو ثابت في الأمهات من حديث ابن عباس، وابن عمر. وهذا هو الجمع الصوري بلا شك ولا شبهة. وقد زعم الخطابي (٢) أنه لا يصح حمل الجمع المذكور على الجمع الصوري، لأنه يكون أعظم ضيقا من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأوخرها مما لا يدركه الخاصة فضلا عن العامة. ويجاب عنه بأن الشارع قد بين أوقات الصلوات بعلامات حسية مشترك في العلم بها الخاصة والعامة، ومعلوم أن الخروج إلى الصلاتين مرة واحدة أخف من الخروج مرتين والضوء لها مرة واحدة أخف من التأهب لهما مرتين، فمن هذه الحيثية ظهر التخفيف وعدم الحرج، لأنه فعله ﵌ المستمر الدائم طول حياته من بعد أن بعثه الله إلى أن قبضه هو فعل كل صلاة في أول وقتها، وخفف عن امته بتشريع الجمع الصوري مع كونه فعلا لكل صلاة في وقتها المضروب لها، لكن الصلاة الأولى فعلت في آخر وقتها، والصلاة الأخرى فعلت في أول وقتها، وليس في ذلك إخراج يدل على شيء من الصلوات عن وقتها المضروب لها، ولا ورد عن النبي ﵌ شيء يدل على ذلك دلالة مطلقة تستلزم إخراج إحدى الصلاتين المجموعتين عن وقتها المضروب لها إلا في جمع مزدلفة (٣)، وفي جمع السفر والمطر، فليعض الجامعون بين الصلوات على بنانهم، وليبكوا على تفريطهم

стр. 2575

في صلواتهم التي كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، وليعلموا دخولهم تحت قوله ﵌[٦ أ]-: " ليس التفريط في النوم، وإنما التفريط في اليقظة، وذلك بأن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت أخرى " (١) ودخولهم تحت قوله ﵌: " من جمع بين الصلاتين فقد أتى بابا من أبواب الكبائر " (٢) كما روي ذلك مرفوعا. وليعلموا أيضًا أنهم من القوم الذين يميتون الصلاة وقد ذمهم الشارع بما هو معروف. والحاصل أنهم مخالفون لهديه الدائم المستمر منذ ثلاث وعشرين سنة، ومتمسكون بما هو خارج عن مطلوبهم خروجا أوضح من شمس النهار، وعلى نفسها براقش تجني. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. انتهى الجواب والله الموفق للصواب [٦ب].

стр. 2576

سؤال عن لحوق ثواب القراءة المهداة من الأحياء إلى الأموات تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2577

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة: (سؤال عن لحوق ثواب القراءة المهداة من الأحياء إلى الأموات). ٢ - موضوع الرسالة: فقه. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله، سألتم كثر الله فوائدكم ونفع بعلومكم عن لحوق ثواب القراءة المهداة من الأحياء. .. ٤ - آخر الرسالة:. .. وفي هذا المقدار كفاية لمن هداية، والله ولي التوفيق كمل من تحرير جامعه القاضي البدر محمد بن علي الشوكاني حفظه الله ووفقه لما يرضاه، بحق محمد الأمين، وآله الأكرمين، وصحبه الراسين. في تاريخ صبح الخميس أحد أيام شهر ربيع الأول سنة ١٢٠٨ هـ. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٦ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٨ سطر ما عدا الصفحة الأخيرة سبعة أسطر. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

стр. 2578

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله. سألتم - كثر الله فوائدكم - ونفع بعلومكم، عن لحوق ثواب القراءة المهداة من الأحياء إلى الأموات، وهل الراجح لحوق أولا؟ وأمرتم المحب بتحرير بحث في ذلك، فأقول: قد اختلف أهل العلم في اللحوق. فذهب الشافعي (١) وجماعة والمعتزلة (٢) إلى أنه لا يلحق الميت ثواب القراءة المهداة له بدون وصية. وذهب أحمد بن حنبل (٣) وجماعة من الشافعية، وحكاه صاحب زهرة الحقائق من الحنفية عن أهل السنة إلى أنه يلحق، وحكاه ابن الصلاح عن أكثر الناس، وجعله ابن النحوي المشهور، والمختار عند الشافعية. احتج الأولون بقوله تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) (٤)، ووجه الاستدلال بها ما فيها من العموم المشعور به من الصيغة الحصرية القاضية بأنه لا يكون للإنسان إلا سعيه، وينفي ما عداه عنه بطريق المفهوم على ما زعمه الجمهور، أو المنطوق على ما زعمه آخرون، وقد أجاب الآخرون عن هذه الآية بأجوبة: الأول: أنها منسوخة (٥) بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ) كذا في شرح الكنز، ويجاب عن ذلك بأن النسخ إنما يثبت بعد العلم بتأخر الناسخ، لا بمجرد

стр. 2579

الاحتمال بالإجماع، وذلك غير حاصل ههنا. وأيضا الآية الثانية لا تصلح لنسخ جميع ما دلت عليه الأولى، على تسليم تأخرها، لأنها اشتملت على ما هو أخص مما اشتملت عليه مطلقا، والخاص لا ينسخ العام (١)، وغايتة أنها تصلح لنسخ ما تناولته على فرض تأخرها تأخرا متراخيا على ما ذهب إليه بعض أهل الأصول. والجواب الثاني: أنه أريد بالإنسان (٢) الكافر، ذكره أيضًا صاحب الكنز، ويجاب عن هذا الجواب بأن الإنسان يشتمل الكافر والمسلم لغة وشرعا وعرفا، فتخصيصه بالكافر إن كان بالسبب، أو بالسياق على فرض دلالتهما، أو أحدهما على ذلك، فهما لا يصلحان له لأن العام لا يقصر على سببه، ولا على ما دل عليه السياق كما تقرر في الأصول (٣)، وإن كان الدليل آخر فما هو؟. الجواب الثالث: أن ذلك ليس للإنسان من طرق العدل، وهو له من طريق الفضل، ذكره صاحب شرح الكنز أيضا، ويجاب عنه بأن الآية تقضي بعمومها على أن ذلك ليس للإنسان من غير فرق بين العدل والفضل، فالتخصيص بأحدهما لا بد له من دليل فما هو؟. الرابع: أن اللام في قوله: " للإنسان " لمعنى على كما في قوله تعالى: (ولَهُمُ اللَّعْنَةُ)، أي: عليهم، ذكره أيضًا صاحب شرح الكنز، ويجاب بأن ورود اللام بمعنى على قليل نادر كما صرح بذلك أئمة اللغة (٤) والإعراب، والتنازع فيه [١] يحمل

стр. 2580

على ما هو الأعم، لا على ما هو الأغلب، لا على ما قل ونذر باتفاق أهل العلم. ومن جملة ما احتج به الأولون ما أخرجه مسلم (١)، وأهل السنن (٢) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌ إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " ووجه الاستدلال به التصريح بانقطاع عمل الإنسان، وهو عام لأنه مصدر مضاف. ويرشد إلى عمومه في خصوص المقام الاستثناء فأنه لا يكون إلا من العام، فدل على انقطاع كل عمل ما عدا الثلاث، كائنا ما كان. ومما يستدل به للأولين قوله تعالى: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى)؛ فإن الجزي أعم من الثواب والعقاب، ولكنه لا يخفى أن التنصيص على أنها تجزى كل نفس بما عملت لا يستلزم أنها لا تجرى بغيره، إذا تقرر لك عدم انتهاض ما أسلفناه من الأجوبة على الآية فاعلم أنه يمكن الاستدلال للحوق بأدلة تصلح لتخصيص ذلك العموم. الأول: حديث ابن عباس عند البخاري (٣) أن نفرا من أصحاب النبي - صلى الله

стр. 2581

عليه وآله وسلم -: " مروا بماء فيهم لديغ، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق؟ فإن في الماء رجلا لديغا، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا، حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرا، فقال رسول الله ﵌: إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ". وقد أخرج هذه القصة الشيخان (١)، وأهل السنن (٢)، وأحمد (٣) من حديث أبي سعيد بأطول من هذا. ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن النبي ﵌ سوغ أخذ الأجرة على تلاوة القرآن؛ فدل على أنه يحصل للمتلو له بتلاوة التالي نفع، ويناله منها حظ، ولو كان أجرها للتالي فقط ما جوز له ﵌ أخذ الأجرة على التلاوة، لأنه يكون من أكل أموال الناس بالباطل، كيف، وقد جعل ﵌ التلاوة أحق الأمور التي يؤخذ عليها الأجور، والأجر إنما يكون في مقابلة عمل انتفع به المؤجر كسائر الإجارات. ولا سبب يوجب مصير ثواب التلاوة إلى لمستأجر، ويثبت به انفصاله أو بعضه عن التالي إلا النية من التالي، ولا يصلح أن يكون غيرها عند من يعرف مسلك السير والتقسيم. وإذا كانت النية مؤثرة فلا فرق بين أن ينوي التالي أن نكون ثوابه لحي أو لميت بأجر أو بغير أجر، كما هو حق العمل بتنقيح المناط.

стр. 2582

فإن قلت: ربما كان سبب مصير [٢] الثواب إلى المستأجر مجموع النية من التالي والأجرة. قلت: لا شك أنه إذا جاز للإنسان تصيير هذا العمل إلى غيره بعوض جاز له تصييره إلى غيره بغير غوض، والأشباه والنظائر متفقة على ذلك، فإن لم يكن ذلك من باب فحوى الخطاب فهو من باب لحن الخطاب. فإن قلت: ربما كان ما في الحديث مختصا بالرقية التي هي السبب في ذلك. قلت: لا يشك من له علم بأساليب كلا م العرب أن قوله ﵌ أحق ما أخذتم إلخ (١) يدل على جواز ما هو أعم من القصة، والعبرة بما يستفاد من اللفظ، لا بما يقتضيه السبب من الخصوص، كما تقرر في الأصول. فإن قلت: قد زعم بعض الحنفية (٢) أن الأجر المذكور في الحديث هو الثواب. قلت: يرد هذا الزعم سياق القصة، فإنهم لم يسألوا النبي ﵌ عن الثواب الذي هو النفع الأخروي. إنما سألوه عن حل ما أخذوه من الأجرة. الدليل الثاني: ما أخرجه. ...............................................................

стр. 2583

الشيخان (١) وغيرهما (٢) عن سهل بن سعد أن النبي ﵌ جاءته امرأة فقال: يا رسول الله، زرجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال ﵌ هل عندك شيء تصد قها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذه. فقال النبي ﵌: " إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا فقال: ما أجد شيئا، فقال: التمس ولو خاتما من حديد "، فالتمس فلم يجد شيئا فقال له النبي ﵌ هل معك من القرآن شيء؟ " فقال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا، فقال النبي ﵌: " قد زوجتكها بما معك من القرآن "، وفي رواية (٣): " قد ملكتكها بما معك من القرآن ". ولمسلم (٤): " زوجتكها تعلمها من القرآن ". وفي رواية لأبي داود (٥): "علمها عشرين آية، وهي امراتك " ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن الرجل المذكور أحل له النبي ﵌ أن يطلب بتلاوته تفعا دنيويا لنفسه، ويلحق به طلب النفع لغيره بتنقيح المناط، إما بأجر، أو بغير أجر يلحق الخطاب أو بفحواه. فإن قلت: التعليم إنما يحصل بتكرير التلاوة، فليس هو أمرا غيرها، ولا فرق بين تلاوة المرة والمرات. فإن قلت: قد زعم بعض أهل العلم أن النبي ﵌ لم يزوجه

стр. 2584

بها على ما ظننت من التعليم، بل زوجه بها لأجل المزية التي استحقها بحفظ ذلك المقدار من القرآن، إكراما له، ولم يجعل التعليم الصداق (١). قلت: يكفي في رد هذا الزعم ما قدمناه من قوله ﵌: " زوجتكها [٣] تعلمها من القرآن "، وقوله: " عملها عشرين آية ".

стр. 2585

الدليل الثالث: ما أخرجه أبو داود (١)، وابن ماجه (٢)، والنسائي (٣)، وأحمد (٤)، وابن حبان (٥)، وصححه من حديث معقل بن يسار قال: قال رسول الله - صلى الله

стр. 2586

عليه وآله وسلم -: " اقرءوا يس على موتاكم " ووجه الاستدلال به أن النبي ﵌ لا يأمر إلا بما فيه نفع للميت؛ فلو كانت التلاوة غير نافعة له لكان الأمر ضائعا، ولم يقيد ذلك بوقوع وصية من الميت، فدل على أنه يلحق الميت ما يقرب به إليه من القرآن من غير فرق بين أن يكون التالي ولدا، أو غير ولد. وإذا نفع الميت تلاوة بعض من القرآن تفعه تلاوة البعض الآخر، والتنصيص على هذه السورة إنما هو لمزيد فضلها وشرفها، لكون ماله مزيد فضل وشرف أدخل في باب النفع بما هو دونه؛ وذلك لا يوجب نفي أصل النفع عن المشارك للأفضل إلا شرف في أصل الفضل، والشرف، وبهذا يتبين أن تخصيص هذه السورة بالذكر لا يدل على نفي هذه المزية عن غيرها، وهذا واضح. وغاية الأمر أن هذا الحديث يخصص عموم مفهوم تلك الآية والحديث بالنص في البعض، والقياس في الباقي، والتخصيص بالقياس مذهب فحول أئمة الأصول، ومجرد الأفضلية في الأصل لا يمنع الإلحاق، لأن أصل الفضل وصف جامع صالح لذلك.

стр. 2587

فإن قلت: قد قيل أن المراد بالأموات في الحديث هم الأحياء الذين حضرتهم المنية. قلت: هذا مجاز لا يجوز المصير إليه إلا لعلاقة وقرينة، فأين هما؟ حتى يخرج عن المعنى الحقيقي للفظ الأموات، على أنه يدفع دعوى ذلك المجاز ما أخرجه في مسند (١) الفردوس من طريق مروان بن سالم عن صفوان بن عمرو، عن شريح، عن أبي الدرداء، وأبي ذر قالا: قال رسول الله ﵌: " ما من ميت، فيقرأ عنده يس إلا هون الله عليه ". وأخرج أبو الشيخ (٢) عن أبي ذر وحده في فضل القرآن، وقال أحمد في مسنده (٣): حديثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان قال: كانت المشيخة يقولون: إذا قرئت يعني: يس لميت خفف الله عنه بها. الدليل الرابع: القياس على ما ورد في الحج عن الميت من غير الولد، كما في حديث المحرم عن شبرمة (٤)، ولم يستفصله ﵌ هل أوصى شبرمة أم لا؟ والجامع كون الجميع قربة بدنية. الدليل الخامس: القياس على الحديث الصحيح المتفق عليه (٥): " من مات وعليه صيام، صام عنه وليه " والولي أعم من الولد، والجامع ما تقدم. الدليل السادس: القياس على الدعاء، فإنه يلحق الميت من غير وصية، [٤] ومن الولد وغيره بنص قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا. ..................................

стр. 2588

بِالْإِيمَانِ) (١)، وبحديث: " استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل " أخرجه أبو داود (٢)، والبزار (٣)، والحاكم (٤)، وصححه من حديث عثمان. ولحديث فضل الدعاء للأخ بظهر الغيب (٥)، ولما ثبت من الدعاء للميت عند الزيارة، كحديث بريدة عند مسلم (٦)، وأحمد (٧)، وابن ماجه (٨) قال: كان رسول الله ﵌ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، نسأل الله لنا ولكم العافية ". وقد حكى النووي في شرح مسلم (٩) والإجماع على وصول الدعاء إلى الميت، وكذا حكى الإجماع أيضًا على أن الصدقة تقع عن الميت، ويصله ثوابها (١٠). وحكى (١١) أيضًا الإجماع عن لحوق قضاء الدين. وقد ورد في الصدقة، وفي قضاء الدين (١٢) من الولد وغيره أحاديث. .........................................................

стр. 2589

كثيرة (١) لا يتسع لها المقام، فينبغي أن يجعل القياس عليهما هو الدليل السابع والثامن بجامع القربة. وقد خصص عموم مفهوم الآية والحديث بمخصصات كثيرة، منها ما ذكرنا، ومنها غيره. وقد بسطتها بأطول من هذا في شرح المنتقى (٢). ولا يخفى على

стр. 2590

عارف أن دلالة العموم من أصلها ظنية، وفي الاحتجاج بالظنيات خلاف، فكيف إذا كان ذلك العموم مفهوما فإنها قد ذهب طائفة من أهل أنه لا يجوز العمل

стр. 2591

بالمفهوم، ولا تثبت به الحجة، فكيف إذا كان ذلك المفهوم العام قد دخله التخصيص بما هو مخصص له بالإجماع في البعض، وعلى الخلاف في بعض آخر، فإن طائفة من أئمة الأصول لا يرون العام بعد التخصص جحة، وهذه المباحث، ونشر الخلاف فيها، وبسط الكلام في أدلتها مستوفي في الأصول. وإنما أشرنا إلى هذا لأن مخالفة ما أطبق عليه السلف والخلف في كل عصر، وكل قطر من التقرب بالتلاوة إلى أرواح الموتى، حتى صار إجماعا فعليا يستحسنه جميع المسلمين (١)، ويرونه من أعظم القرب، لا ينبغي تأييد ذلك الإجماع بما أسلفناه في هذا البحث. قال ابن النحوي في شرح المنهاج: إنه ينبغي الجزم بوصول ثواب القراءة المهداة إلى الأموات، لأنه دعاء، فإذا جاز للميت بما ليس للداعي فلان يجوز بما هو له أولى. ويبقى الأمر موقوفا على استجابة الدعاء، وهذا المعنى لا يختص بالقرآن، بل يجري في سائر الأعمال. قال: والظاهر أن الدعاء متفق عليه أنه ينفع الميت والحي، القريب والبعيد، بوصية وغيرها (٢). وعلى ذلك أحاديث كثيرة، بل كان [٥] أفضل الدعاء أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. وأما سائر أنواع القرب فقد دلت على أكثرها

стр. 2592

أحاديث صحيحة. وظاهرها من دون وصية. قال: ويقاس ما لم يرد فيه نص على ما ورد، والجامع موجود، ولا وجه للاقتصار انتهى.

стр. 2593

وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والله ولي التوفيق. كمل من تحرير جامعه القاضي البدر محمد بن علي الشوكاني حفظه الله، ووفقه لما يرضاه، بحق محمد الأمين، وآله الأكرمين، وصحبه الراسين، في صبح الخميس أحد أيام شهر ربيع الأول سنة ١٢٠٨هـ[٦].

стр. 2594

إفادة السائل في العشر المسائل تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2595

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة: "إفادة السائل في العشر المسائل ". ٢ - موضوع الرسالة: فقه. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله الطاهرين. وبعد: فإنه ورد هذا السؤال من الوالد العارف الطالب الراغب الصالح صالح بن محمد بن عبد الله العنسي. ... ٤ - آخر الرسالة: انتهى جواب شيخنا أدام الله إفادته، وحرس شريف ذاته، وأسعد آماله وأوقاته بقلم السائل الحقير صالح بن محمد العنسي - غفر الله لهما - وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم بتاريخ شهر الحجة الحرام سنة (١٢٢٥هـ). ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد ٦ - الناسخ: صالح بن محمد العنسي. ٧ - عدد الصفحات: ١١+ صفحة العنوان. ٨ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٨ - ٢٩ سطرا. ٩ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ - ١٤ كلمة. ١٠ - الرسالة من المجلد الرابع من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
следующие страницы →