تقصر (١)،، ولا يحتاج إلى نقل في مثل هذا، فهو أمر مجمع عليه، معلوم لكل الأمة.
وهذا في صلاة السفر من غير خوف. وأما في صلاة الخوف فقد ورد ما يدل على جواز الاقتصار على ركعة واحدة كما هو معروف في مواطنه من كتب السنة (٢).
وأما السؤال عن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، هل ورد فيه نص من قول الشارع غير مجرد فعله أم لا؟.
فأقول: أخرج البارودي، والطبراني في. ................................
стр. 2627
الكبير (١) من حديث الحكم بن عمير (٢) الثمالي مرفوعا: " إذا قمتم إلى الصلاة فارفعوا أيديكم، ولا تخالف آذانكم ".
وأخرج الطبراني في الكبير (٣) من حديث وائل بن حجر أن النبي ﵌ قال له: " يا وائل بن حجر، إذا صليت فاجعل يديك حذو أذنيك، والمرأة تجعل يديها حذو ثدييها ".
وأخرج الطبراني في الأوسط (٤) من حديث ابن عمر مرفوعًا " إذا استفتح أحدكم فليرفع يديه، وليستقبل بباطنهما القبلة، فإن الله تعالى أمامه ".
هذا ما وفقنا عليه من قوله ﵌ في رفع اليدين عند تكبيرة [٥أ] الإحرام، وهذه السنة قد ثبتت عنه ﵌ ثبوتا متواترا تواترا كليا عن خمسين صحابيا، منهم العشرة المبشرون بالجنة كما قال العراقي (٥) وغيره.
وقال الحسن وحميد بن هلال (٦): كان أصحاب رسول الله ﵌ يرفعون أيديهم من غير استثناء. حكى ذلك البخاري في. ..................................
стр. 2628
جزء (١) " رفع اليدين " وقال البخاري أيضا: لم يثبت عن أحد م أصحاب رسول الله ﵌ أنه لم يرفع يديه، وقال الشافعي (٢): روى الرفع جمع من الصحابة، لعله لم يرو حديث قط بعدد أكثر منهم.
وقال البيهقي في الخلافيات (٣): سمعت الحاكم يقول: اتفق على رواية هذه السنة يعني رفع اليدين عند التكبيرة العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن بعدهم من أكابر الصحابة، قال البيهقي (٤): وهو كما قال.
قال الحاكم (٥) واليبهقي (٦) أيضا: ولا نعلم سنة اتفق على رواتها العشرة فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفريقهم في الأقطار الشاسعة غير هذه السنة.
قال النووي في شرح مسلم (٧): إنها أجمعت الأمة على ذلك عن تكبيرة الإحرام، وإنما اختلفوا فيما عدا ذلك.
وحكى النووي (٨) أيضًا عن الظاهري أنه واجب عند تكبيرة الإحرام. قال: وبهذا قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سيار، والنيسابورى من أصحابنا، وهكذا حكى الحافظ في الفتح (٩) عن ابن عبد البر (١٠) أنه حكى إجماع العلماء على ذلك، قال الحافظ: وممن قال بالوجوب الأوزاعي، والحميدي شيخ البخاري، وابن خزيمة. وحكى ذلك القاضي
стр. 2629
حسين عن الإمام أحمد.
إذا عرفت هذا فاعلم أن سنة نقلها عن رسول الله ﵌ خمسون صحابيا منهم العشرة المبشرون بالجنة، وأجمع على فعلها جميع الصحابة في حياته ﵌ وبعد موته، واتفق علماء الإسلام على ثبوتها، وقال قائل منهم بوجوبها لحقيقة بأن لا يسال عنها، وخليقة بأن لا يبحث عنها.
وفعله ﵌ سنة بإجماع المسلمين، ولكن السائل - أرشده الله - أراد أن يسأل عن ورود خصوص القول، ويبحث عنه مع علمه بأنها ثابتة ضمن الفعل على هذه الصفة التي أشرنا إليها.
стр. 2630
وأما سؤال السائل - عافاه الله - عن حديث: " من كان له أما فقراءة الإمام له قراءة ". هل يصح مرفوعًا أم لا؟.
أقول: أخرجه الدارقطني (١) في سننه عن عبد الله بن شداد أن النبي ﵌ قال: " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " وقال (٢) بعد إخراجه: لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة، والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان، قال (٣): وروى هذا الحديث سفيان الثوري، شعبة، إسرائيل، وشريك، وأبو خالد الدالاني، وأبو الأحوص، وسفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد وغيرهم [٥ب] عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد مرسلا عن النبي ﵌ وهو الصواب انتهى.
وقال المجد ابن تيمية في المنتقى (٤): قد روى مسندا من طرق كلها ضعاف، والصحيح أنه مرسل.
وقال الحافظ ابن حجر (٥): وهو مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة كلها معلولة.
وقال في الفتح (٦): إنه ضعيف عند جميع الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني. انتهى.
فهذا الحديث كما ترى قد علله الحافظ، وجزموا بأنه مرسل، والمرسل من قسم الضعيف، وعلى فرض أنه ينتهض لكثرة طرقه فهو عام، لأن المصدر المضاف هو من
стр. 2631
صيغ العموم (١) كما تقرر في الأصول، وقراءة الإمام مصدر مضاف فيعم جميع قراءة الإمام.
وقد خصص هذا العموم بأحاديث صحيحة كحديث عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله ﵌ الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: " إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم " قال: قلنا: يارسول الله، إي والله، قال: " فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإن لا صلاة لمن لم يقرأ بها " أخرجه أبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤)، وأحمد (٥)، والبخاري في جزء القراءة (٦)، والدارقطني (٧) وصححه البخاري (٨)، وابن حبان (٩)، والحاكم (١٠)، وله شواهد كثيرة (١١). وفي معناه أحاديث أخر لا حاجة لنا ببسطها هنا.
وقد استوفينا في شرح المنتقى (١٢)، فعرفت بمجموع ما ذكرنا أنه لا بد من قراءة الفاتحة (١٣) خلف الإمام في الصلاة التي يجهر فيها الإمام، ويسمعه المؤتم. وأما في السرية
стр. 2632
فالمؤتم يقرأ لنفسه. والبحث على الوجه الذي ينبغي أن يكون تحريره وتقريره عليه يطول جدا. وقد أفردناه برسالة مستقلة (١).
وفي هذا المقدر كفاية. والله ولي التوفيق.
حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما، حامدا الله، مصليا ومسلما على رسوله وآله -.
انتهى جواب شيخنا - أدام الله إفادته، وحرس شريف ذاته، وأسعد آماله وأوقاته - بقلم السائل الحقير صالح بن محمد العنسي - غفر الله لهما - وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم بتاريخ شهر الحجة الحرام سنة ١٢٢٥ هـ.
стр. 2633
تم ولله الحمد والمنة المجلد الثالث ... من كتاب الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني ويليه المجلد الرابع إن شاء الله
стр. 2634
بحث في لزوم الإمساك إذا علم دخول شهر رمضان أثناء النهار
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
стр. 2635
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين:
وبعد:
فإنه لما وقع الإشعار بدخول شهر رمضان سنة ١٢٠٤ هـ وقت الضحى، سألني جماعة من الخاصة عن وجوب الإمساك؛ هل هو مذهب راجح أو مرجوح؟ وعما تقضي به الأدلة؟ فأجبت أن الحق يحتم الإمساك على من أفطر، وعلى من لم يفطر، فاستنكر ذل جماعة منهم، حتى زعم بعضهم أن الأدلة مصرحة بخلاف ذلك، وزعم آخر أن وجوب الإمساك لا دليل عليه، وآخر أن عدم الوجوب مذهب الجمهور، وأنه لم يقل به إلا أهل المذهب، وآخر بلغني عنه أنه أفطر بعد شعوره بالإشعار، فحملني ذلك على إعادة النظر في المسألة، ومراجعة البحث، فلم أجد لهم في تلك الجدعاوي متمسكا، ثم إن بعض العلماء الأماثل أعاد علي المذاكرة، وأدار في المسألة كؤوس المناظرة، فأمليت عليه ما أمليته، منتهضا على الوجوب، وألقيت إليه ما ظننته وافيا بالتحتم المطلوب، فسألني زبر ذلك وتحريره، لتكون عين المتمسك به قريرة، فأجبته إلى ذلك، راجيا الاستفادة منه، لا الإفادة له. وقد اختصرت في المقام الذي يليق به التطويل، علما مي أن نقل أقوال الرجال ليس على مثله عند المتأهلين تعويل، ولكني أحكي في هذه البياضة ما يسود دعوى مننزعم أن عجم الوجوب قد مال إليه الجمهور، لا سيما منن تأخر عصره من علماء اليمن، ولا بد قبل ذكر الأدلة من تقديم مقدمة أصولية لينتفع بها المتأهل للنظر.
اعلم أنه قد تقرر في الأصول أن النقص في العبادة نسخ للقدر الذي أزيل حكمه اتفاقا (١). وأما أنه نسخ للجميع ففيه خلاف قد استوفاه ابن الحاجب في المختصر (٢)
стр. 2636
وشراح كتابه، والإمام المهدي في شرح المعيار (١)، وابن الإمام في الغاية (٢) وشرحها. وقد جعله في شرح المعيار إطلاقين وتفصيلا فقال ما لفظه:
(الأول لأبي رشيد، وأبي عبد الله البصري (٣)، وأبي الحسن الكرخي (٤) أن النقص ليس
стр. 2637
بنسخ للجميع مطلقا، سواء نقص ركن أم شرط متصل، أم منفصل. ومن ثمة ذكروا أن نسخ صوم يوم عاشورا لا ينسخ معه إجزاء النية للصوم م بعد الفجر (١)، بل يبقى
стр. 2638
إجزاؤها في شهر رمضان كما كانت في صوم عاشوراء، لأنه إنمانسخ صوم اليوم لا أحكام صومه من النية وغيرها إلخ). انتهى بلفظه.
قلت: وقد ذهب إلى هذا المنصور بالله بن حمزة (١)، والإمام يحيى بن حمزة (٢)، والرازي (٣) والشيخ الحسن الرصاص (٤). قال المحقق ابن الإمام في الغاية (٥) أنه المختار، وعليه الجمهور. وقال المهدي في شرح المعيار أنه الصحيح، وصدره ابن الحاجب في المختصر (٦).
وقد احتجوا على ذلك بحجج منها أن لنقض لو كان نسخا لما بقي لكان مبطلا لوجوبه أو صحته، وافتقر إلى دليل آخر، لذلك قال ابن الحاجب: (٧).: وهو خلاف الإجماع، إذا تقرر لك أن هذا مذهب جمهور الأصوليين، ومختار أئمة المحققين فاعلم أن حديث العوالي الذي فيه الأمر بالإمساك يوم عاشوراء من الأحاديث المتفق على صحتها.
وقد اتفق على الاحتجاج به أهل البيت، وأهل الحديث، فأخرجه الإمام زيد بن علي في مجموعه (٨) عن أبيه، عن جده، عن علي ﵇ عن النبي ﷺ ، وأخرجه أيضًا في شرح التجريد (٩)، وأصول الأحكام (١٠)، والشفا (١١)، والاعتصام (١٢)، وغير هذه
стр. 2639
الكتب، وأخرجه البخاري (١) من حديث سلمة بن الأكوع، ومسلم (٢) من حديث بريدة واتفقا عليه (٣) من حديث الربيع بنت معوذ بألفاظ منها أن النبي ﷺ : " بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء أن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل " وله ألفاظ أخر. ومنها: " فإن اليوم يوم عاشوراء ". وأخرجه النسائي (٤) من حديث سلمة.
وقد ثبتت الأدلة الصحيحة أن صوم عاشوراء كان قبل نزول (صوم) رمضان واجبا. وخالفت في ذلك الشافعية مع موافقتهم على لزوم الإمساك في يوم الانكشاف. وقد جاءوا في مقابل الأدلة الناصة على الوجوب بما لا طائل تحته. وقد استوفى ذلك ابن حجر في الفتح (٥)، والنووي في شرح مسلم (٦)، فراجعهما. والحق أنه كان واجبا كما ذهب إلى ذلك أئمتنا والجمهور لما ثبت عند البخاري (٧)، ........................
стр. 2640
ومسلم (١)، وأبي داود (٢) من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ أمر بصيامه، ولما ثبت عند مالك (٣)، والبخاري (٤)، ومسلم (٥) والترمذي (٦)، وأبي داود من حديث عائشة ﵂ قالت: " كانت عاشوراء تصام قبل رمضان، فلما نزل رمضان كان من شاء صام، ومن شاء أفطر " وترتيب التخيير على نزول رمضان يدل على أنه كان قبل متحتما، ومثله من حديث قيس بن سعد عند النسائي (٧).
ويدل عليه أيضًا ما سلف من الأوامر بالإمساك في حديث العوالي، لا سيما بعد تعليل
стр. 2641
ذلك بما ثبت في بعض ألفاظ الحديث بلفظ: " فإن اليوم يوم عاشوراء ".
إذا عرفت هذا فاعلم أن أحاديث وجوب الإمساك واردة في جنس الصوم الواجب المؤدى، فشمولها لرمضان من باب شمول النص، لا من باب القياس كما أشعر بذلك قول من سلف ذكره من أهل الأصول. ومثل هذا الوصية للوارث، فإن إيجابها لها اقترن بأحكام، وهي كونها بالمعروف (١)، وكون التبديل فيها محرما، والجنف ممنوعا، فنسخ وجوبها لا يوجب انتفاء ثبوت هذه الأحكام وغيرها من الوصايا بالنص، ولذلك نظائر كثيرة.
وهكذا لو فرض أن الصوم الواجب كان عشرا فجعل ثلاثين، فإن الأحكام الثابتة في العشر ثابتة في الثلاثين بالنص، لأنها أشياء معتبرة في ماهية الصوم، المتصفة بالوجوب، والتأدية والماهية واحدة لا تختلف.
وهكذا إذا كان الواجب يوما ثم صار ثلاثين، وإلا لزم أن ما ثبت من الأحكام المتعلقة بالصوم في يوم مثلا من أيام رمضان يخص ذلك اليوم، وليس في جميع الشهر لأيام زيادة على جمع السنة لأيامها التي عاشوراء من جملتها. وقد تقرر في الأصول أن زيادة صلاة سادسة (٢) لا يكون نسخا بالإجماع، إلا ما يحكى عن العراقيين (٣) من الحنفية.
стр. 2642
وهكذا زيادة عشرين في حد القذف , وزيادة التغريب عند جمهورهم. وقد نقح البحث السعد في تلويحه (١)، فجعل الزيادة إن كانت عبادة مستقلة فلا نزاع بين الجمهور في أنها لا تكون نسخا (٢)، وإنما النزاع في غير المستقل. قال: واختلفوا فيه على مذاهب ستة (٣)، ثم ذكرها.
стр. 2643
ومما يرشدك إلى صحة هذه الطريقة التي ذكرناها أعني: أن حديث العوالي كالنص في رمضان وقوع الإجماع الذي سنبينه على لزوم الإمساك. ولو كان دلالته على ذلك بالقياس فقط لوقع الاختلاف فيه على حد الاختلاف في العمل بالقياس والتخصيص به. ولو سلمنا عدم ثبوت هذا الحكم في رمضان بالنص بل قلنا أنه بالقياس كما صرح به الأكثر لما كان ذلك قادحا في رجحان هذا المذهب؛ فإن التعبد بالقياس عقلا (١) وسمعا، أو سمعا فقط، أو عقلا فقط، مذهب جميع الأمة إلا الإمامية، وتابعهم شذوذ من معتزلة بغداد (٢). وناهيك أن الظاهرية المشهورين بنفي القياس قائلون بالتعبد به عقلا (٣)، ولا يشك عارف أن حديث: " لا صيام لمن لم يبيت النية " (٤) عام لصوم الفرض، والنفل،
стр. 2644
والأداء والقضاء والنذر والكفارة؛ لأن لفظ صيام نكرة في سياق النفي (١) ولا نزاع في عمومها.
والقياس صحيح على يوم عاشوراء يخصص هذا العموم. والتخصيص بالقياس مذهب مشهور ذهب إليه أئمتنا (٢) ﵈ والجمهور، والفقهاء الأربعة (٣) والأشعري، وأبو هاشم، وأبو الحسين (٤) والرازي (٥) والآمدي (٦)، والكرخي (٧) هكذا في شرح الغاية. وقال ابن الحاجب في المختصر (٨): مسألة: الأئمة الأربعة، والأشعري، وأبو هاشم، وأبو الحسين جواز تخصيص العموم بالقياس إلخ ... على أن حديث: " لا صيام لمن لم يبيت النية " (٩) قال فيه أبو داود (١٠): لا يصح رفعه. وقال الترمذي (١١) الموقوف أصح. ونقل في العلل (١٢) عن البخاري أنه قال: هو خطأ، وفيه
стр. 2645
اضطراب، والصحيح عن ابن عمر أنه موقوف كما ثبت عنه في الموطأ (١) والنسائي (٢) وقال أحمد: ما له عندي ذلك. وقال النسائي: الصواب عندي موقوف، ولم يصح رفعه. وقال ابن أبي حاتم (٣) عن أبيه: الموقوف أشبه.
وقد روى أبو داود عن معمر بن راشد , والزبيدي , وابن عيينة، ويونس، كلهم عن الزهري أنه موقوف على حفصة. وقال البيهقي (٤): رواته ثقات، إلا أنه روي موقوفا , وفي رجاله في حديث عائشة مجهول، وفي حديث حفصة الواقدي، وتصحيح الحاكم (٥) له لا ينافي الوقف، وكون الرفع زيادة مقبولى لا يتم عند جماعة من أهل الحديث، بل هو علة قادحة عندهم، كما ذكره الزين في شرح المنظومة (٦)، وعلى تسليم قبولها فالاضطراب مانع منه. فهذا هو الحديث الذي بنيت حوله القناطر، وردت به الأدلى الصحيحة، وهو كما ترى ن والنزاع في غير النفل لا فيه؛ فإنه مخصوص من وجوب التبييت بما أخرجه مسلم (٧)، وأبو داود (٨) والترمذي (٩)، والنسائي (١٠)، ........................................
стр. 2646
والدارقطني (١)، والبيهقي (٢) من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: " هل عندكم شيء؟ قلت: لا، قال: فإن صائم، فلما خرج أهديث لنا هدية فلما جاء قلت: يا رسول الله، أهديث لنا هدية، وقد خبأت لك شيئا، فقال هاتيه، فجئت به فأكل " وفي لفظ: أنه كان يدخل على أهله فيسألهم عن الغداء، فإن لم يجده قال: إني صائم. وهو ظاهر في إنشاء الصوم. وقد رد بأنه لا يدل على عدم التبييت. وفي المقام نزاع لا يتسعه البحث.
قال ابن حجر في الفتح (٣) عند الكلام على حديث سلمى السابق لما قهرته حجته: وكل ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء، بل قد ورد ذلك صريحا في حديث أخرجه أبو داود (٤)، والترمذي (٥) من طريق قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة، عن عمه أن أم سلمة أتت النبي ﷺ فقال: " صمتم يومكم هذا؟ " قالوا: لا، قال: فأتموا بقية يومكم واقضوه. وهكذا قال النووي في شر مسلم (٦).
وأنت إن أنصفت علمت أن الأمر بالقضاء مرتب على إخبارهم بعدم الصوم. ولا نزاع في وجوب القضاء على من أمسك بعد الإفطار، وإنما النزاع فيمن لم يأكل قبل الشعور بأن ذلك اليوم من رمضان؛ فالشافعية أوجبوا عليه الإمساك والقضاء لوجوب التبييت، وهكذا عن المؤيد بالله (٧). ومذهب الجمهور صحة صوم ذلك اليوم، وعدم وجوب القضاء إن لم يأكل فيه وهو الحق.
стр. 2647
إذا تصفحت ما سلف فنحن نزيده تأكيدا، ونقول: لم نقف بعد البحث في كثير من الكتب التي هي مجاميع الخلاف على قول عالم أن الإمساك في اليوم الذي ينكشف من رمضان غير واجب، وليس من قال بوجوب التبييت يقول بعدم وجوب الإمساك في يوم الانكشاف، بل يوافق في وجوبه. إما لأنه يخص مثل هذه الصورة لو وقعت كما صرح بذلك ابن القيم (١)، وصاحب المنار (٢)، وضوء النهار (٣)، ومنحة الغفار (٤)، أو لا يخصص، ولكنه يوافق في الوجوب، ونقول بفساد الصوم، وعدم إجزائه، ووجوب القضاء كالمؤيد بالله، والشافعية.
وناهيك أن ابن حزم (٥) من الظاهرية قد وافق على وجوب الإمساك، وجزم بإجزاء النية في النهار، وإجزاء الصوم، مستدلا بحديث سلمة , روى ذلك عنه ابن حجر في الفتح (٦)، وهذا مما يرشدك إلى أن التمسك في المسألة ليس بمجرد القياس كما أوضحناه، ولو كان كذلك لما ذهب ابن حزم (٧) الظاهري مع نفيه للقياس مطلقا، وتأليفه في إبطاله إلى الجزم باللزوم، والاستدلال بحديث سلمة إن فرضنا أنه لم يدل على ذلك بغير القياس. ومما يؤيد ذلك ما ثبت في أمالي (٨) أحمد بن عيسى (٩) بلفظ: قال أبو جعفر: من صام يوم الشك نوى أنه من شعبان، فإن تبين أنه من شهر رمضان قضاه ... إلى أن قال:
стр. 2648
فإنه يتم صومه ويقضيه، لا يعلم فيه اختلاف. فهذا الإمام الجليل قد حكى الإجماع على وجوب الإمساك، وهذه مجاميع الخلاف لم نر فيها خلافا، فمن أهدى إلينا في المسألة قول قائل فأجره على الله.
نعم قد وقع الخلاف في مسألة من زال عذره في النهار، هل يلزمه الإمساك، أو يندب له أو لا أيهما، وهي مسألة أخرى، وقد التبس على البعض فخلط المسألتين، وجعل الخلاف راجحا، وهو محض الغلط.
قال شيخ الإسلام ﵀: انتهى في شعر رمضان سنة ١٢٠٤ هـ.
стр. 2649
بلوغ السائل أمانيه بالتكلم على أطراف الثمانية
تأليف
محمد بن على الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديث
محمد صبحي بن حسن خلاق
أبو مصعب
стр. 2650
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: (بلوغ السائل أمانيه بالتكلم على أطراف الثمانية).
٢ - موضوع الرسالة: فقه.
٣ - أول الرسالة: هذا لفظ السؤال الوارد - من نجد - بسم الله الرحمن الرحيم. ما قول العلماء أثابهم الله الجنة: متي تحل الزكاة للفقير إذا كان عليه وعنده خمسون درهما أو أكثر ...
٤ - آخر الرسالة:. وقد أوضحت هذا المعني، وقررته في مؤلفاته تقريرا بالغا، لأنه يخفى على كثير من المشتغلين بالعلم، ومثل هذا المقام لا يتسع لبسط ذلك كما ينبغي، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والله ولي التوفيق كتبه المجيب / محمد بن على الشوكاني غفر الله لهما.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - الناسخ: المؤلف: محمد بن على الشوكاني.
٧ - عدد الصفحات: ١٠ صفحات + صفحة العنوان.
٨ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢١ - ٢٥ سطرا.
٩ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ - ١١ كلمة.
١٠ - الرسالة من المجلد الرابع: (من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
стр. 2651
هذا لفظ السؤال الوارد (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ما قول العلماء - أثابهم الله الجنة - متى تحل الزكاة للفقير إذا كان ذا عيلة، وعنده خمسون جرهما أو أكثر، ولا يكفي عائلته ربع سنته، فهل يحل له أن يطلب ما يكفيه جميع سنته من الزكاة أم لا؟.
فإن قلتم: لا يحل له أن يطلب فهل إذا جاءه شيء بلا طلب يحل له أخذه، أم لا؟. وإذا كان في الحديث أنه لا يسأل إلا من الإمام الذي عنده بيت المال. فهل الأمير الذي في البلدان مثله أم لا؟.
وإذا اجتمع أموال كثيرة من بلدان مغصوبة، نقد أو بر أو غيره من المأكول، وفيه شيء قدر الخمس من الزكاة مختلط به، وهذه الأموال مجهولة أربابه أو لم تجهل، وتعذر رده إليهم لعدم تميزه أو غير ذلك، فهل يحل أخذه للغني، أو لا يحل للغني ويحل للفقير أو يحرم على الجميع؟.
فإن قلتم: يحل لهما أو لأحدهما، فهل يحل طلبه من الأمير الذي هو في يده إذا كان مأيوسا من رده إلى أربابه أم لا؟ وهل لين الإمام وغيره فرق إذا كان في يده شيء من هذه الأموال المذكورة أم لا؟.
ابسطوا لنا القول؛ لأن هذه الأمور عامة البلوى بها، وهل الصلاة في هذه المغصوبة وفي بيوتها تصلح أم لا؟ - شكر الله سعيكم وعظم أجركم - انتهى.
стр. 2652
وأقول بعد حمد الله والصلاة على رسوله وآله: إن هذا السؤال قد اشتمل على أطراف ثمانية:
الطرف الأول:
متى تحل الزكاة للفقير؟.
وأقول: قد اختلف في ذلك على أقوال:
الأول: للحنفية (١) والزيدية - أنها تحل الزكاة لمن لم يملك النصاب لا لمن يملكه واستدلوا بقوله ﷺ في الحديث الصحيح المروي عن معاذ مرفوعًا بلفظ: " تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم " (٢).
قالوا: فوصف من تؤخذ منه الزكاة بالغني وقد قال: " لا تحل الصدقة لغني " (٣) وفي لفظ: " لا حظ فيها لغني " (٤) وهو حديث صحيح.
стр. 2653
والقول الثاني: للثوري وابن المبارك وأحمد، وإسحاق، وجماعة من أهل العلم (١) أن الغني من كان عنده خمسون درهما أو قيمتها، واستدلوا بحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت يوم القيامة خدوشا أو كدوشا في وجهه " قالوا: يا رسول الله وما غناه؟ قال: " خمسون درهما أو حسابها من الذهب " أخرجه أحمد (٢) وأبو داود (٣)، والترمذي (٤) والنسائي (٥)، وابن ماجه (٦)، وحسنه الترمذي (٧).
القول الثالث: قول أبي عبيد القاسم بن سلام (٨) أن الغني الذي تحرم عليه الصدقة من وجد أربعين درهما. واستدل بقوله ﷺ : " من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف " أخرجه أحمد (٩)، وأبو داود (١٠)، ..........................................
стр. 2654
والنسائي (١) من حديث أبي سعيد، ورجال إسناده ثقات، وقد تكلم في عبد الرحمن بن محمد أبي الرجال (٢) ولكن وثقه أحمد والدارقطني، وابن معين. وذكره ابن حبان في الثقات (٣) وقال: " ربما أخطأ "، ووجه استدلاله لما قاله بهذا الحديث أن الأوقية قيمتها أربعون درهما (٤).
القول الرابع: للشافعي (٥) وجماعة أنه يكون غنيا بالدرهم مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله، ويمكن الاستدلال له بالحديث الصحيح من قوله ﷺ : " لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب " (٦).
القول الخامس: ما حكاه الخطابي (٧) عن بعض أهل العلم أن الغني الذي تحرم عليه الصدقة: من وجد ما يغديه أو يعشيه، واستدل القائلون بهذا بما أخرجه أحمد (٨)، وأبو داود (٩)، وابن حبان (١٠) وصححه من حديث سهل لن الحنظلية عن رسول الله - صلى
стр. 2655
الله عليه وسلم - قال: " من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم " قال: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: " ما يغديه أو يعشيه ".
القول السادس: لأبي طالب والمرتضى (١): أن الغني الذي تحرم عليه الصدقة من كان له غلة أرض تكفيه للسنة، ولعل وجه ذلك أنه لا يستغني عن الناس إلا بما يكفيه عن سؤالهم، وهو ضعيف.
وأرجح هذه الأقوال القول الثاني، لاشتماله على الزيادة المقبولة التي وقعت غير مخالفة للمزيد، وبذلك يجمع بين الأحاديث المختلفة، فمن كان له خمسون درهما أو قيمتها فهو الغني الذي يحرم عليه أخذ الصدقة ما دام كذلك.
الطرف الثاني من أطراف السؤال
قوله: إذا كان ذا عيلة، وعنده خمسون درهما، أو أكثر , ولا يكفي عائلته ربع سنته فهل له أن يطلب ما يكفيه جميع سنته من الزكاة أم لا؟.
أقول: أما هو فلا يحل له أن يطلب لنفسه، لأنه قد صار غنيا، ولا تحل الصدقة لغني، وأما عائلته فلهم أن يأخذوا من الزكاة القدر الذي لا يصيرون به أغنياء، فإن ذهبت النفقة بما في أيديهم جاز لهم أن يأخذوا من الزكاة، ثم كذلك، وهوة إذا ذهبت النفقة بما في يده جاز له أن يأخذ من الصدقة، وليس المراد هنا إلا أن يصير من كان مالكا للخمسين الدرهم مالكا لدونها. فإذا نقص من الخمسين درهما درهم جاز له أن يأخذ من الزكاة. وليس المراد أنه لا يجوز له الأخذ حتى يستنفق جميع الخمسين الدرهم.
الطرف الثالث من أطراف السؤال
قوله: " فإن قلتم لا يحل له أن يطلب، فهل إذا جاءه شيء بلا طلب يحل له أخذه أم لا؟ ".
стр. 2656
أقول: قد ثبت جواز أخذ ما يعطاه الرجل من بيت المال بلا سؤال منهم. لما ثبت في الصحيحين (١) وغيرهما (٢) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول:: اعطه من هو أفقر مني إليه، فقال: " خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك ".
وظاهر هذا أنه يجوز قبول العطاء من بيت المال، وإن كان غنيا؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال (٣) - ولا سيما بعد قول عمر الراوي للحديث: " اعطه من هو أفقر إليه مني "، ويوضح ذلك ما وقع في رواية شعيب بلفظ: " خذه فتموله " - وقد حكى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري الخلاف هل يجب قبوله أم يندب؟ وفي ذلك ثلاثة مذاهب، وذلك بعد أن حكى ابن جرير الإجماع على أن القبول مندوب.
стр. 2657
قال النووي (١) الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه مستحب - ويؤيد هذا ما أخرجه أحمد (٢)، وأبو يعلى (٣)، والطبراني في الكبير (٤) من حديث خالد بن عدي الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من بلغه معروف عن أخيه عن غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه " قال في مجمع الزوائد (٥): رجال أحمد رجال الصحيح.
وظاهره أنه لا فرق بين لعطية من بيت مال المسلمين وبين ما يعطيه الأخ لأخيه من غير بيت المال، وهذا الحديث يدفع قول من قال: إن القبول مندوب في عطية السلطان دون غيره.
الطرف الرابع من أطراف السؤال
قوله: وإذا كان في الحديث أنه لا يسأل إلا من الإمام الذي عنده بيت المال. فهل الأمير الذي في البلدان مثله أم لا؟.
أقول: ثبت عند أبي داود (٦)، والنسائي (٧)، والترمذي (٨) وصححه، وابن حبان (٩)
стр. 2658
وصححه من حديث سمرة قال: قال رسول الله ﵌: " إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد له منه ".
فهذا الحديث يدل على أنه يجوز السؤال لغير السلطان في الأمر الذي لا بد منه، فيكون هذا الحديث مقيدا لحديث النهي عن مطلق السؤال، وأيضا قد ثبت عند أحمد (١) وأبي داود (٢)، والترمذي (٣) وحسنه من حديث أنس عن النبي ﵌ أنه قال: " المسألة لا تحل إلا لثلاثة، لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع ".
فهذا الحديث فيه جواز المسألة لهؤلاء الثلاثة من غير تقييد بكون ذلك السؤال لذي سلطان.
وإذا تقرر هذا فسؤال الأمير المتولي على بلد من البلدان جائز على كل حال، لأنه إن كان مفوضا من الإمام فيده كيد الإمام، وإن لم يكن مفوضا فهو من جملة من عنده من أموال الله التي وزعها بين عباده كما يقتضيه نص القرآن بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٤) الآية.
الطرف الخامس من أطراف السؤال
قوله: وإذا اجتمع أموال كثيرة من بلدان مغصوبة، نقد أو بر أو غيره من المأكول، وفيه شيء قدر الخمس من الزكاة مختلط به، وهذه الأموال مجهولة أربابه أو لم تجهل، وتعذر رده إليهم لعدم تميزه أو غير ذلك، فهل يحل أخذه للغني أو لا يحل للغني، ويحل
стр. 2659
للفقير أو يحرم على الجميع؟.
أقول: هذه الأموال المغصوبة باقية على ملك أهلها، معصومة بعصمة الإسلام، لا يحل لأحد أن يأخذ منها شيئا؛ لأن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، والله - سبحانه - يقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) وصح عن رسول الله ﵌ في الصحيحين (٢) وغيرهما (٣) أنه قال: " إن دماءكم وأموالك عليكم حرام " وصح عنه ﵌ أنه قال: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " (٤).
فهذه الأموال مهما كان أهلها معروفين كأهل قرية معينة، أو مدينة معروفة وجب دفعها إليهم، فمن عرف حقه وأقام عليه البينة أخذه، وإذا اختلط ببعض أخذ كل واحد قدر ملكه الذي ص له بالقسمة، ولا تخرج الأموال بالاختلاط أو بعدم معرفة نصيب كل واحد من المالكين على التعيين عن ملك أهلها، وهذا مما لا أظن أنه يقع فيه حلاف بين أهل العلم.
стр. 2660
وإذا وقع في كتب الفقه ما يوهم خلاف هذا فالسبب عدم فهم الكلام على ما ينبغي فهمه عليه، فإن حصل الجهل للمالك على التعيين، ولكنه يعلم أن هذه الأموال هي أموال أهل القرية الفلانية فالواجب التخلية لينها وبين أهل تلك القرية - وعلى المتولي أمورهم، ومن كان من أهل العلم فيهم أن يجعلها - حيث لا مدعي على التعيين يدعيها في مصالحهم الدينية أو الدنيوية، أما إذا جهل مالك تلك الأموال جهلا كليا فلا يعرف شخصه ولا نوعه، ولاا ممن هو، ولا تبين أن تلك الأموال من أموال أهل المحلة الفلانية، ولا وجد من يدعي أنها له أو لقومه على وجه صحيح، فهذه الأموال هي التي يقال لها المظالم الملتبسة وهي من جملة أموال الله - سبحانه ه- ومن جملة بيت مال المسلمين والواجب على إمام المسلمين أو من كان صالحا منهم حيث لا إمام عندهم أن يصرف تلك الأموال في محاويج المسلمين، وإذا لم يكن ثم محاويج صرفها فيما يصلح أحوالهم من مصلح دينهم ودنياهم، وأهم المصالح وأحقها وأقدمها، وأولاها الجهاد في سبيل الله وإذ تبين للإمام أو لمن هو صالح للقيام بأمور المسلمين مع عدم الإمام أن في تلك الأموال شيئا من الزكاة صرفه في مصارف الزكاة، وله أن يصرف في نفسه ما يجوز له تناوله.
وبالجملة فقد تبين بنصوص الشريعة مصرف كل نوع من أنواع الأموال، والعارف بموارد الشرع لا يخفى عليه مثل ذلك.
الطرف السادس من أطراف السؤال
قوله: فإن قلتم يحل لهما أو لأحدهما، فهل يحل طلبه من الأمير الذي هو في يده إذا كان مأيوسا من رده إلى أربابه أم لا؟.
أقول: جواب هذا الطرف قد تبين من جواب الطرف الذي قبله، ولا شك أن كل من يستحق الصرف إليه من نوع من أنواع الأموال يجوز ل أن يطلب ما يستحقه من الإمام، أو من الأمير الذي يتولى العمل من جهة الإمام، أو من الرجل الذي يصلح
стр. 2661
للولاية حيث لا إمام ولا أمير من جهة الإمام، فلم يرد ما يدل على منع طلب ما هو حق أثبته الشرع، وإنما الممنوع السؤال من غير ذلك، أو سؤال من ليس لمستحق لذلك النوع، كسؤال الغني ونحوه أن يصرف إليه نوع من أنواع الزكاة، فإنه: " لا حق فيها لغني ولا لقوي مكتسب (١) ولا لهاشمي " (٢)، وأما سائر أموال الله فمصارفها معروفة فقد كان العطاء في أيام اصحابة والتابعين وتابعيهم يصرف في المسلمين على اختلاف أنواعهم، ويأخذون منه على قدر منازلهم في القيام بأمور الدين (٣)، وفي استحقاقهم
стр. 2662
في أنفسهم، حتى كان يعطى كثير من أكابر الصحابة مائة ألف وأكثر من ذلك، وقد كان يخذ مثل الحسن بن علي، والحسين بن علي، وعبد الله بن جعفر، وأمثالهم من ذلك ما هو معروف فيما صح من كتب التاريخ والسير.
الطرف السابع من أطراف السؤال
قوله: وهل بين الإمام والأمير المفوض من جهته، وبين المتولي من جهة الصلاحية، مع عدم الإمام، فإنه يجوز لكل واحد منهم أن يصرف كل نوع من أنواع الأموال في مصارفه التي ورد الشرع بإثبات كونها مصارف، وإن كان ثم فرق بينهم من حيث كون ولاية الإمام أصلية صارت ثابتة له ببيعة المسلمين له، وكون ولاية الأمير مستفادة من الإمام , وكون ولاية الصالح للولاية من جهة الصلاحية مع عدم الإمام، ولكن اختلاف ولايتهم من هذه الحيثية لا يوجب اختلاف حالهم فيما يجب أن يضعوه في مواضعه، ويصرفوه في مصارفه.
الطرف الثامن من أطراف السؤال
قوله: وهل الصلاة في هذه المغصوبة، وفي بيوتها تصح أم لا؟.
أقول: الكلام في الصلاة بالمغصوب - كالثوب - وفي المغصوب - كالدار - قد طال الكلام فيه، وحرره أئمة الأصول وأئمة الفروع بما لا يخفى على عارف، وتحقيق الحق في مثل ذلك يطول، ويخرج بنا الكلام إلى مباحث لها ذيول.
والحق الحقيق بالقبول: أن على الغاصب إثم غصبه. وأما كون صلاته لا تصح
стр. 2663
فلم يرد من الشرع ما يدل على ذلك (١)، أو يفيده؛ لأن عدم الصحة الشرعية لا يثبت إلا لفقد شرط، أو انخرام ركن، أو وجود مانع دل الشرع على أنه يمنع من الصحة، وفرق بين كون الشيء ممنوعا منه، وبين كون وجوده يؤثر في عدم الشيء، أو كون عدمه يؤثر في عدم الشيء، ثم الدليل المفيد ذلك لا يكون إلا بلفظ يفيد عدم صحة ذلك الشيء عند عدم ما هو معتبر فيه.
كأن يقول الشارع: لا تصح صلاة من فعل كذا، أو لا تصح صلاة من لم يفعل كذا، أو لا يقبل الله صلاة من فعل كذا - على ما في نفي القبول من النزاع المعروف بين أهل العلم - وحاصله:
هل نفي قبول الشيء يدل على نفي صحته أم لا (٢)؟ كقوله ﵌: " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " (٣). ونحو ذلك مما يكثر تعداده.
стр. 2664
والظاهر من لغة العرب، ومن اصطلاح الشرع أن ما صرح الشارع بنفي صحته، أو بنفي جوازه، أو بنفي قبوله، فهو غير معتد به , ولا عتبر، ولا مسقط للطلب، وهكذا ما صرح الشارع بنفيه كقوله مثلا " لا صلاة لمن فعل كذا، أو لا صلاة لمن ترك كذا " إذا لم يرد ما يفيد صرف ذلك النفي إلى الفضيلة والكمال، فإن الظاهر أن هذا النفي يتوجه إلى الذات الشرعية، ولا اعتبار بالذات الموجودة في الخارج، لأنها ذات غير شرعية.
وبهذا يتضح لك عدم صحة قول من قال: إن النفي لا يصح أن يتوجه إلى الذوات، لأنها قد وجدت في الخارج، بل إنما يتوجه إلى الصحة أو إلى الكمال، وهما مجازان، وأقرب المجازين توجهه إلى الصحة، لأنه يلزم من عدمها عدم صحة الذات، وإنما قالوا هكذا لأنهم ظنوا أن الذات إذا قد وجدت في الخارج لم يصح نفيها.
ونحن نقول: ليس هذا النفي متوجها إلى مطلق الذات حتى ينافي وجود الذات في الخارج. بل هو متوجه إلى الذات الشرعية وهي لم توجد في الخارج، وإنما وجد في الخارج ذات غير شرعية.
نعم ومن جملة ما يفيد عدم الصحة الشرعية النهي عن فعل الشيء إذا كان النهي متوجها إلى ذاته، أو إلى جزئه، لا إذا كان متوجها إلى أمر خارج عنه، فإن ذلك لا يفيد عدم صحة تلك الذات ... وإذا عرفت هذا كما ينبغي، عرفت ما يوجب بطلان العبادة من الأدلة، وما لا يوجبها. وقد أوضحت هذا المعنى، وقررته في مؤلفاتي (١) تقريرا
стр. 2665
بالغا، لأنه يخفى على كثير من المشتغلين بالعلم، ومثل هذا المقام لا يتسع لبسط ذلك كما ينبغي، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والله ولي التوفيق.
كبته المجيب محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما -. اهـ.