← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

للولاية حيث لا إمام ولا أمير من جهة الإمام، فلم يرد ما يدل على منع طلب ما هو حق أثبته الشرع، وإنما الممنوع السؤال من غير ذلك، أو سؤال من ليس لمستحق لذلك النوع، كسؤال الغني ونحوه أن يصرف إليه نوع من أنواع الزكاة، فإنه: " لا حق فيها لغني ولا لقوي مكتسب (١) ولا لهاشمي " (٢)، وأما سائر أموال الله فمصارفها معروفة فقد كان العطاء في أيام اصحابة والتابعين وتابعيهم يصرف في المسلمين على اختلاف أنواعهم، ويأخذون منه على قدر منازلهم في القيام بأمور الدين (٣)، وفي استحقاقهم

стр. 2662

في أنفسهم، حتى كان يعطى كثير من أكابر الصحابة مائة ألف وأكثر من ذلك، وقد كان يخذ مثل الحسن بن علي، والحسين بن علي، وعبد الله بن جعفر، وأمثالهم من ذلك ما هو معروف فيما صح من كتب التاريخ والسير. الطرف السابع من أطراف السؤال قوله: وهل بين الإمام والأمير المفوض من جهته، وبين المتولي من جهة الصلاحية، مع عدم الإمام، فإنه يجوز لكل واحد منهم أن يصرف كل نوع من أنواع الأموال في مصارفه التي ورد الشرع بإثبات كونها مصارف، وإن كان ثم فرق بينهم من حيث كون ولاية الإمام أصلية صارت ثابتة له ببيعة المسلمين له، وكون ولاية الأمير مستفادة من الإمام , وكون ولاية الصالح للولاية من جهة الصلاحية مع عدم الإمام، ولكن اختلاف ولايتهم من هذه الحيثية لا يوجب اختلاف حالهم فيما يجب أن يضعوه في مواضعه، ويصرفوه في مصارفه. الطرف الثامن من أطراف السؤال قوله: وهل الصلاة في هذه المغصوبة، وفي بيوتها تصح أم لا؟. أقول: الكلام في الصلاة بالمغصوب - كالثوب - وفي المغصوب - كالدار - قد طال الكلام فيه، وحرره أئمة الأصول وأئمة الفروع بما لا يخفى على عارف، وتحقيق الحق في مثل ذلك يطول، ويخرج بنا الكلام إلى مباحث لها ذيول. والحق الحقيق بالقبول: أن على الغاصب إثم غصبه. وأما كون صلاته لا تصح

стр. 2663

فلم يرد من الشرع ما يدل على ذلك (١)، أو يفيده؛ لأن عدم الصحة الشرعية لا يثبت إلا لفقد شرط، أو انخرام ركن، أو وجود مانع دل الشرع على أنه يمنع من الصحة، وفرق بين كون الشيء ممنوعا منه، وبين كون وجوده يؤثر في عدم الشيء، أو كون عدمه يؤثر في عدم الشيء، ثم الدليل المفيد ذلك لا يكون إلا بلفظ يفيد عدم صحة ذلك الشيء عند عدم ما هو معتبر فيه. كأن يقول الشارع: لا تصح صلاة من فعل كذا، أو لا تصح صلاة من لم يفعل كذا، أو لا يقبل الله صلاة من فعل كذا - على ما في نفي القبول من النزاع المعروف بين أهل العلم - وحاصله: هل نفي قبول الشيء يدل على نفي صحته أم لا (٢)؟ كقوله ﵌: " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " (٣). ونحو ذلك مما يكثر تعداده.

стр. 2664

والظاهر من لغة العرب، ومن اصطلاح الشرع أن ما صرح الشارع بنفي صحته، أو بنفي جوازه، أو بنفي قبوله، فهو غير معتد به , ولا عتبر، ولا مسقط للطلب، وهكذا ما صرح الشارع بنفيه كقوله مثلا " لا صلاة لمن فعل كذا، أو لا صلاة لمن ترك كذا " إذا لم يرد ما يفيد صرف ذلك النفي إلى الفضيلة والكمال، فإن الظاهر أن هذا النفي يتوجه إلى الذات الشرعية، ولا اعتبار بالذات الموجودة في الخارج، لأنها ذات غير شرعية. وبهذا يتضح لك عدم صحة قول من قال: إن النفي لا يصح أن يتوجه إلى الذوات، لأنها قد وجدت في الخارج، بل إنما يتوجه إلى الصحة أو إلى الكمال، وهما مجازان، وأقرب المجازين توجهه إلى الصحة، لأنه يلزم من عدمها عدم صحة الذات، وإنما قالوا هكذا لأنهم ظنوا أن الذات إذا قد وجدت في الخارج لم يصح نفيها. ونحن نقول: ليس هذا النفي متوجها إلى مطلق الذات حتى ينافي وجود الذات في الخارج. بل هو متوجه إلى الذات الشرعية وهي لم توجد في الخارج، وإنما وجد في الخارج ذات غير شرعية. نعم ومن جملة ما يفيد عدم الصحة الشرعية النهي عن فعل الشيء إذا كان النهي متوجها إلى ذاته، أو إلى جزئه، لا إذا كان متوجها إلى أمر خارج عنه، فإن ذلك لا يفيد عدم صحة تلك الذات ... وإذا عرفت هذا كما ينبغي، عرفت ما يوجب بطلان العبادة من الأدلة، وما لا يوجبها. وقد أوضحت هذا المعنى، وقررته في مؤلفاتي (١) تقريرا

стр. 2665

بالغا، لأنه يخفى على كثير من المشتغلين بالعلم، ومثل هذا المقام لا يتسع لبسط ذلك كما ينبغي، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والله ولي التوفيق. كبته المجيب محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما -. اهـ.

стр. 2666

بحث في تحريم الزكاة على الهاشمي تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2667

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: (بحث في تحريم الزكاة على الهاشمي). ٢ - موضوع الرسالة: فقه الزكاة. ٣ - أول الرسالة: " الحمد لله - سبحانه - وصلى الله على سيدنا محمد وأله وسلم. حفظكم الله تعالى , وكثر فوائدكم، وأعاد على منجلي العلم الشريف عوائدكم، وجعل الأعمال والأقوال خالصة لوجهه، فهو ولي التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل ... ". ٤ - آخر الرسالة: بما يستخرج من أصوله المستورة بالتراب وفي هذا المقدار كفاية والله ولي التوفيق، كتبه المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما. ٥ - عدد الصفحات: ٢٦ صفحة. ٦ - عدد الأسطر في الصفحة: ١٣ سطرا. ٧ - عدد الكلمات في السطر: ٨ - ٩ كلمات. ٨ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٩ - الأسئلة بخط السائل، أما الجواب فبخط المؤلف. ١٠ - ملحوظة: في نهاية الرسالة فائدة بخط العلامة الحسين بن يحيي الديلمي. ١١ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 2668

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله - سبحانه - وصلى الله على سيدنا محمد وأله وسلم. حفظكم الله تعالى , وكثر فوائدكم، وأعاد على منجلي العلم الشريف عوائدكم، وجعل الأعمال والأقوال خالصة لوجهه، فهو ولي التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل، وأتحفكم بسلامه الجزيل. مسألة الزكاة المفروضة فيما وجبت فيه، رأينا كثيرا في زماننا وأغلب ما رأيناه في عامة العوام في مثل بلاد القبائل الطغام من حاشد (١) وبكيل (٢) وغيرها من جهات القبلة وغيرها، رأينا من قد لا يصلي إلا نادرا، أو لئلا يقال: إنه قاطع صلاة، ولا يصوم إلا لمثل هذا. وقد يتجاسر على تركه ظاهرا، والحج لا يخطر له ببال، وشهادة لحق مشوبة بالشرك عنده بالعقائد الملعونة في الأولياء وغيرهم. ومع هذا فالأكثر متجاسر على الطاغوت، ونهب المساكين، وقطع السبل، وقتل

стр. 2669

النفس لا يمنعه إلا عدم الإمكان، وغير ذلك من تعدي حدود لله، وأما الزكاة فيتجرأ فيها، ويصرح أن ذلك لئلا يخلف ماله في المستقبل، أو يقع عليه جائحة بسببها في أهل، أو مال، ولا يريد بما أداه منها أداء الفريضة التي افترضها الله عليه، ولا القربة، وقليلا جدا من رأيناه منهم يسلمها ويقول: هي فريضة واجبة، ونحو هذا، لكن أما أنه يسلم من شائبة مما ذكر , ولو كان سالما من الأكثر، فلا يخلو من مثل خيفة خلف المال. فهل مثل هذه الزكاة ممن ذكر حكمها حكم الزكاة في مصيرها في مصرفها الشرعي؟ وتحريمها على الهاشمي والغني أو لا؟ ولها حكم غير ذلك. أما ما أخذه المصدق، وذو الولاية، ومن له شوكة وبيده الأمر، فلعله يصير المفترض منها حكمه حكم الزكاة، لكن كيف وبما يعلم أنه راد على مقدار الزكاة، كما ينفق ذلك فهذا الزائد ما حكمه؟. ثم زكاة الهاشمي للفقير الهاشمي، ما المتقرر عندكم؟ وقد علم الخلاف في ذلك، غنما المراد ما يرجح لديكم. ثم ما قيل من حل زكاة غير الهاشمي للهاشمي كذلك، قد عرف، وما عندكم في ذلك، والسائل معتقده التحريم. وثمة أعجوبة لمن تصفحها، وقد تصفحناها أنك ترى التشديد الكلي من كل أخذ على الهاشمي، وأنها محرمة عليه؛ لورود الدليل، وهو الحق. وأما الغني فقل من تسمع، من تنقم ذلك عليه، أو يتوجع، مع أن تحريمها عليه ما نعلم بخلاف فيما أظن، وإن شاع للإمام إنالة أحد الأغنياء كثيرا من يقبض الزكاة مثل أهل القطع، ويجري عليه من أولي الأمر عادته من ذلك، ويقال: قد كان هذا من إمام سابق لمن سبق آثار هذا القابض إجراء للعادة فقط، ولا يدري أو يدري، لكن لا ينظر كيف ترجيح الإمام

стр. 2670

الأول لذلك، ولا أنه جعل ذلك لوجه قد بطل في الآخر، فيقضي العجب من عدا غايته. والزكاة هل في الحبوب فقط؟ فما يقال في العنب والزبيب، أو في كل ما أنبتت الأرض، وحملت الأشجار، فتكون في مثل البرقوق، والفرسك، وسائر الفواكه. ومن الفوائد العائدة على أهلها شيء لا ينبت، وإنما يبقى تحت الأرض، ويستخرج منها، فما حكمه؟ وذلك كالهرد، فإنا رأيناه في بلاد الشرف ما يحسب أن في البقعة شيئا، إنما هو تحت التراب، ويبقى مدة معروفة عندهم، ويباع بأثمان نفعه، فهل مثل هذا له زكاة كزكاة المنبت أم لا؟. - والله لا خلى عنكم - آمين.

стр. 2671

الحمد لله رب العالمين: الجواب - وبالله الثقة، وعليه التوكل، ومنه استمداد الإعانة - أن الزكاة المفروضة قد جاء القرآن الكريم بتعيين مصارفها، بصيغة تقتضي الحصر، وهي (١) إنما التي وقع الاتفاق بين أئمة البيان والأصول والنحو على اقتضائها لذلك، ثم وردت السنة المطهرة المتواترة تواترا معنويا يجب على كل مسلم العمل به، ويحرم عليه مخالفته: " أن الصدقة لا تحل لمحمد وآل محمد " (٢)، فكان هذا النص المتواتر مقيدا للآية الكريمة المصرحة بمصارف الزكاة، فتكون الصدقات الواجبة مصروفة في الفقير الذي ليس من آل محمد، وكذلك

стр. 2672

بقية المصارف، لأن نفي لحل لآل محمد ورد تارة عاما، وتارة مطلقا؛ فيفيد أنها لا تحل لهم على كل حال، فلا بد أن يكون كل صنف من الأصناف التي لم يأت فيها تخصيص، ليس بمتصف بوصف كونه من آل محمد. ومن ادعى أنها تحل لمن كان من آل محمد إذا كان مثلا عليلا، ومؤلفا فهو مطالب بالدليل الصحيح المفيد لتخصيص دليل التحريم المتواتر، ولم يكن في شيء من الأمهات والمسانيد والمجاميع الموضوعة لجمع الأحاديث النبوية ما يفيد ذلك، ذلك فيما أعلم بل فيها التصريح بما يقوي تعميم التحريم، وهو امتناعه ﵌ من تولية المطلب بن ربيعة بن الحارث، والفضل بن العباس على الصدقات، بعد أن سألاه ذلك، كما في الصحيح معللا ذلك بقوله: " إنما هذه الصدقات أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد وآل محمد " (١). فالحاصل أن تحريم الزكاة على آل محمد قطعي من قطعيات الشريعة، ولم يأت من رام القدح في قطعيته بشيء يصلح للتمسك به. وقد أطال العلامة الجلال في رسالته " المقال "، ولكنه في غير طائل، وهكذا جاء في شرحه للأزهار بطرف من ذلك (٢)، والكل منهار، وليس هذا موضع بيان تزييفه (٣). وقد تعقبه في ذلك من تعقبه من المعاصرين له (٤)، فمن بعدهم بما فيه كفاية، مع احتمال تلك المقامات والمقالات التي أدخل نفسه في مضايقها

стр. 2673

الرد عليه، وتزييف كلامه، وتبيين فساده. وإذا تقرر ما ذكرناه من كون التحريم قطعيا فاعلم أن كون من عليه الزكاة مخلا بشيء مما أوجب الله عليه، أو تاركا لفرض من فرائض الإسلام، أو لركن من أركانه لا يوجب تحويل المصرف الذي جعل صرف الزكاة إليه إلى مصرف آخر، ولا يحلل الزكاة لمن حرمها الله عليه؛ فإن الله - سبحانه - قد أوجب على من عصاه بذنب عقوبات معروفات، منها ما هي دنيوية، ومنها ما هي أخروية، فمن مثلا متساهلا في الصلاة فالواجب على كل مسلم أن يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويحمله على القيام بما أوجب الله عليه طوعا أو كرها، وليس لمن كان غير مصرف للزكاة كالأغنياء، وبني هاشم أن يقولوا به، ونخون الله في بعض ما حرمه علينا، فنأكل زكاة هذا المتساهل في بعض الصلاة، فإن هذا من تشفيع معصية بمعصية، وذنب بذنب، وبلية ببلية. وما مثل هذا الغني أو الهاشمي لذي أقدم على أكل زكاة من عصى الله بذنب أو ذنوب إلا مثل بعض أعوان سلاطين الدنيا إذا عثر على خيانة للسلطان من بعض الأعوان فخانه مثل تلك الخيانة قائلا: قد سبقه إلى الخيانة فلان فاقتدى به، والكل معصية للسلطان، وخيانة له، وجناية عليه، وهكذا ما نحن بصدده هو خيانة لله، ومعصية له، وتعد لحدوده، فإن زكاة ذلك العاصي قد جعلها الله لمصارف معروفة معينة، فهي حق لهم، وليست بحق للعاصي، فمن أكلها ممن لا تحل له فقد أكل أموال مصارف الزكاة وظلمهم، وجنى عليهم، ولم يأكل مال ذلك العاصي التارك لبعض ما أوجبه الله عليه، فما ذنب هؤلاء المصارف حتى يأكل أموالهم من منعه إليه من أكلها، فإن قال من حرم الله عليه الزكاة أنه استحل هذه الزكاة عقوبة لمعصية المزكي، فيقال له: هذا باطل من وجوه: الأول: إن هذه العقوبة بالمال واردة على خلاف الأصول الشرعية، فبقر حيث وردت، وذلك في جزئيات معروفة

стр. 2674

الوجه الثاني: أن المعاقبة بالمال ليست إلى كل فرد من أفراد المسلمين، بل هي إلى أئمة المسلمين، ولو كانت مفوضة لكل فرد لأكل الناس أموال بعضهم البعض بهذه الذريعة، وهتكوا حرمة الأملاك المملوكة بهذه الوسيلة الشيطانية. الوجه الثالث: أن هذا الذي لا تحل له الزكاة لو فرضنا أن له ولاية تسوغ التأديب بالمال , وفرضنا أن الذي عليه الزكاة قد افترق ذنبا من الذنوب التي جاءت الشريعة بجواز التأديب فيها بالمال، فغاية ما هناك أن له تأديب العاصي على تلك المعصية بأخذ شيء من ماله، وأما تأديبه بأخذ مال غيره، وهم المصارف الذين جعل الله هذه الزكاة لهم فليس ذلك من هذا الباب، بل من باب الظلم البحت، والطاغوت المتيقن. فإن قال المستحل لهذه الزكاة: إن صاحبها لما عصى الله بذنب أو ذنوب صارت زكاته غير زكاة شرعية، فيقال له: ليس هذا إليك، ولا أمرك الله به، بل الذي أمرك الله به هو أن تأخذ على يد هذا العاصي، وتحول بينه وبين عصية الله، وتأمره بالقيام بما أوجب الله عليه وفاء بما أوجبه الله عليك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تعمد إلى ما قد قام به مما أوجبه الله عليه، فتضعه في غير موضعه الذي وضعه الله فيه، وتصرفه في غير مصرفه الذي صرفه الله إليه، فإن هذا منكر، معاونة للشيطان، لأنه أوقعه في بعض الذنوب ففعلها، أو سول له ترك بعض الواجبات فتركها، وأنت عمدت إلى ما قد قام به مما أوجبه الله عليه فوضعته في غير موضعه، فظلمته بوضع زكاته في غير موضعها، وظلمت المصارف، وحلت بينه وبين ما جعله الله لهم، فكنت عاصيا من جهات: الأولى: بمخالفة التحريم القطعي. الثانية: بظلم المزكي. الثالثة: بظلم المصارف. فانظر ما صنعت بنفسك، وفي أي هوة وقعت يا مسكين، فإن كنت تظن أن

стр. 2675

الله إنما حرم عليك أوساخ المؤمنين، ولم يحرم عليك أوساخ الفسقة والعصاة المتلوثين بالذنوب، فقد ركبت شططا، وسلكت غلطا، ولو فرضنا أن هذا الذي أخرج الزكاة قد ارتكب من المعاصي ما يوجب انسلاخه عن الدين بإجماع المسلمين، وصار في عداد المرتدين، فالذي يجب علينا حينئذ أن نعامله معاملة المرتدين في النفس والمال، فنطالبه بالإسلام، فإن قبل فذاك، وإن أبى فالسيف هو الحكم العدل، وهذ هو الذي أوجبه الله علينا، وطلبه منا، وليس لنا أن نعمد إلى ما قد أخرجه من ماله باسم الزكاة فنأخذه ونقرره على كفره، ونوهمه أن ذلك الذي أخرجه زكاة، وأنه من المسلمين، فإن هذا الذي أخرجه على فرض أنه ليس بزكاة شرعية هو تمليك منه لمصارف الزكاة، أو إباحة لهم، والتمليك من الكافر والإباحة صحيحان بإجماع المسلمين، فكيف يحل لنا أن نظلمهم بأخذ ما قد استحقوه بالتمليك، أو الإباحة، وهذا إنما هو على طريقة التنزل، وإرخاء العنان في المناظرة وإلا فنحن نعلم أن هؤلاء العصاة لو خبطوا بأسواط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقاموا بجميع ما أخلوا به، فضلا عن يمدوا أعناقهم للسيف، ويصروا على الكفر بعد الاستتابة، بل لو وجدوا من يعلمهم معالم الدين، ويبذل نفسه للهداية، ويصبر نفسه معهم، ويقرعهم بالقوارع التي في كتاب الله، وسنة رسوله، ويرغبهم برغائب الوعد للمطيعين، ويرهبهم بالترهيبات التي رهب الله بها العصاة لما شذ عن الإجابة إلا القليل، لأنهم يثبتون لأنفسهم الإسلام، وينفون عنها الكفر من نسبة ذلك إليه، وينفرون عنه، فليسوا ممن شرح بالكفر صدرا، بل لو قيل لأحدهم إنه كافر لقامت عليه القيامة، وقابل من رماه بذلك بكل حجر ومدر. وهذه المقامات التي هن مقامات التكفير، هو مزالق الأقدام، ومزلات أنظار الأعلام، فمن أقام نفسه فيها، وحكم على بعض من ينتمي إلى الإسلام بالكفر، فقد تعرض لأمر عظيم، وأدخل نفسه في مدخل وخيم، فإن أسباب الكفر بعيدة المدارك مظلمة المسالك، ومن دخل في شيء من هذه القوانين التي يتعامل بها البدو المسماة عندهم تارة بالمنع، وتارة بالشرع لا يكفر بمجرد الدخول في ذلك، حتى يعلم أن تلبسه

стр. 2676

بذلك يخرجه عن الإسلام، ويلحقه بالكفار الحربيين الذي كفرهم أشد من كفر اليهود والنصارى، فلا بد ههنا من أمرين: الأول: أن تتيقن أن ذلك الذي دخل فيه سبب من أسباب الكفر. الثاني: علمه بذلك حتى يكون ممن شرح بالكفر صدرا، ودون الأمرين مهمامه، فيح تتعثر فيها أقدام المحققين، وتخرس عن وصف بلاقعها ألسن المبرزين. وهكذا من كان متلبسا من العوام بالعقائد الباطلة في حي أو ميت، فلا بد من الأمرين المتقدمين، ودونهما ما وصفنا من صعوبة المدرك، وفظاعة المعترك، ولو قام أهل العلم بما أخذه الله عليهم من البيان، وقام أهل الأمر بما أوجبه الله عليهم في محكم القرآن، وقام سائر المسلمين بما أمرهم الله له من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لما وجد على ظهر الأرض الإسلامية من يتلبس بسبب من أسباب الكفر، فإن لعوام أقرب الناس إلى قبول الهداية، ومن كان منهم غير قابل لها باللسان فهو يقبلها بالسنان. وإذا تبين لك صعوبة مسلك الكفر، وحزونة أسبابه , واشتراط العلم الذي لا يكون شرح الصدر بدونه، ولا يتحقق إلا بعد وجوده لاح لك أن أولئك المسئول عن حكم زكاتهم ليسوا إلا من عصاة المسلمين، ولكن معاصيهم مختلفة في كون بعضها أشد من بعض، وكل شيء مما يفعلونه من أسباب الكفر على فرض مباشرتهم لشيء منها ليس من الكفر المتفق عليه، بل من قال إنه سبب يوجب الكفر فهو يشرطه بشروط يبعد كل البعد وجودها في من ينتمي إلى الإسلام، ويدعي أنه من أهله، فإن من خالف قطعيا من قطعيات الشريعة كقطع ميراث بعض من ثبت توريثه بدليل قطعي لا يكفر عند من قال بكفره إلا بعد أن يعلم تلك القطعية، ويصر على مخالفتها، إما استحلالا، أو استخفافا. وأين من يعلم قطعية الدليل من هؤلاء البدوان، فضلا عن ما وراء ذلك. فتلخص من هذا أن المزكي من أهل المعاصي يجب صرف زكاته إلى المصارف الشرعية، ولا يحل لأحد ممن لا تحل له أن يتناول شيئا منها. وهكذا من فعل سببا من أسباب الكفر المختلف فيها لا يحل لأحد أن يحكم بكفره إلا بعد قيام ........................

стр. 2677

البرهان على الكفر (١)، ولا بد بعد قيام البرهان على أن ذلك سبب من أسباب الكفر أن

стр. 2678

يكون المرتكب له عالما بأنه كفر، شارحا به صدره، مصرا على البقاء عليه، غير راجع عنه، وبعد أن يتقرر كفره لا يحل لأحد أن يعمد إلى ما قد أخرجه من ماله، وخرج ملكه إلى مصارفه الشرعية، فإن تلك القطعة من ماله قد أخرجها باسم الزكاة لمصارفها، فإذا لم يكن زكاة لمانع فيه كانت إباحة لمصارف الزكاة دون غيرهم، وذلك منه صحيح لا مانع عنه، فمن أخذها فقد ظلم المصارف؛ لأن الإباحة لهم لا لغيرهم. وقد خرجت عن ملك مالكها. وعلى فرض أنه يصح الرجوع عن الإباحة فالذي يجوز له الرجوع فيها هو مخرجها لا غيره. ولا يقدح في ذلك كون الذي أخرجها إنما أخرجها لغرض دنيوي، كاعتقاده أنه لا يأتي له ثمرة كاملة في ماله إلا بإخراج الزكاة، فإنه إنما أخرجها هاهنا إلى قوم هم أهلها ومصارفها، لأن ما يعتقده من كمال الثمرة، وحصول البركة إنما يكون بالصرف إلى المصارف، لا إلى غيرهم , وهذا أعني: التعويل على أنها كالإباحة لقوم معينين إنما هو بعد تسليم الكفر الصراح، والردة البحت، وانتفاء الشبهة، وارتفاع حكم الإسلام بالمرة. وأما مع عدم كذلك فهي زكاة بلا شك، ولا شبهة، وإن كان كثير المعاصي، مسرفا على نفسه كلية الإسراف. وما ذكره السائل - كثر الله فوائده - في الغني فهو كما قال، ودليل تحريم الزكاة على الغني قطعي في الأصناف التي ورد اعتبار الفقر فيها بنص الكتاب، أو بصحيح السنة، أو بإجماع المسلمين , وأما الأصناف التي لم يعتبر فيها الفقر فمن كان من أهلها فهي حلال له من تلك الحيثية التي سوغها الشارع له، كالعامل عليها، والمؤلف منها، والغارم. وبالجملة فجميع ما قدمنا من الكلام ليس بخاص ببعض من تحرم عليه الزكاة دون

стр. 2679

بعض، بل هو كلام من كل من تحرم عليه الزكاة. وقد حاول جماعة من علماء السوء وشياطين المتفيهقين تحلي هذه الصدقة التي تولى الله - سبحانه - تعيين مصارفها؛ فجعلوا فيها نصيبا لغير من عينه الله بدسائس إبليسية، ووسائل طاغوتية، والكل من التقول على الله بما لم يقل , وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأما ما ذكره السائل - كثر الله فوائده - من زكاة الهاشمي للهاشمي، هل تحل أم لا؟. فأقول: لا شك أنه يصدق عليها اسم الصدقة، وقد قال ﵌ في الحديث الثابت في الصحيح، بل المتواتر: " إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة " (١)، وفي لفظ: " إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد " (٢)، وفي لفظ: " إنا لا نأكل الصدقة " (٣)، وكلها ثابتة في الصحيح , ولا شك أيضًا أن بني هاشم من الناس. وقد علل النبي ﵌ تحريمه الصدقة عليهم بأنها أوساخ الناس (٤) فلا تحل صدقة هاشمي لهاشمي؛ لأن العلة موجودة، وهي كون تلك الصدقة من أوساخ الناس. وأما ما استدل به القائل بجواز زكاة الهاشمي للهاشمي من حديث العباس الذي أخرجه الحاكم في النوع السابع والثلاثين (٥) من علوم الحديث، بإسناد جميع رجاله من بني هاشم العباسيين، أن العباس بن عبد المطلب قال: قلت ت: يا رسول الله، إنك حرمت علينا صدقات الناس، هل تحل لنا صدقات بعضنا لبعض؟ قال: " نعم ". فهذا الحديث لو صح لكان دليلا واضحا صالحا لتخصيص ذلك العموم، ولكنه لم يصح (٦)، بل قد اتهم به

стр. 2680

بعض رواته. وقد أطال الكلام على ذلك صاحب الميزان، ومن الغرائب أن الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير (١) ﵀ قال - بعد سياقه لهذا الحديث - ما لفظه: وأحسب له متابعا لشهرة القول به، قال: والقائل به جماعة وافرة من أئمة العترة، وأولادهم، وأتباعهم، بل ادعى بعضهم أنه إجماعهم , ولعل توارث هذا بينهم يقوي الحديث. انتهى. وصدور هذا الكلام من مثل هذا الإمام من أعجب ما يطري الأسماع، فإنه بعد اعترافه بأنه اتهم به بعض رواته عول على مجرد الحسبان بأن لذلك الراوي متابعا، وهذا الحسبان لا يجوز التعويل عليه، ولا التمسك به بإجماع المسلمين، بل لو كوشف هذا العلامة ﵀ عن هذا لما خالف، فإن الحسبان لو كان حجة ومستندا لقال من شاء ما شاء، فما يعجز من جاء بحديث في إسناده كذاب أو وضاع قد اتهم به أن يقول: أحسب أن له متابعا، ويكون هذا الحسبان حجة له على الناس، وهذا من غرائب التعسفات، وعجائب الكبوات. وأما تعليل هذا الحسبان بأن القائل به كثير فليست الكثرة دليلا على الحق بإجماع المسلمين، على أنه لا كثرة هاهنا، بل القائل بذلك بالنسبة إلى المخالفين له نزر يسير، وعدد حقير، ولم أسمع إلى الآن من جعل ذهاب طائفة من الناس إلى قول من الأقوال دليلا على أن ذلك القول حق، وأن دليله صحيح، فاعتبر بهذا من مثل هذا الإمام، واجعله زاجرا لك عن التقليد، وليس مقصودنا من هذا الإزراء عليه ﵀ فهو إمام الناس في التبحر في جميع المعارف، والوقوف على الدليل، وعدم التعويل على ما يخالفه من القال والقيل. وقد نفع الله به من جاء بعده، ولكن المعصوم من عصمه الله، وكل واحد يؤخذ من قوله ويترك، وما أردت بهذا التنبيه إلا تحذير أهل العلم عن إحسان الظن بعالم من العلماء، حتى يفضي هذا الإحسان إلى تقليده في كل ما يأتي ويذر، واعتقاد أنه محق في كل إيراد وإصدار، فهذه رتبة ما فاز بها إلا المعصومون

стр. 2681

فحسب. ومن العجائب أيضًا ما ذكره ﵀ في آخر كلامه السابق من أن بعضهم قد ادعى أنه إجماع أئمة العترة، ولا شك أن هذه الدعوى من أبطل الباطلات، فإن القائل بذلك بالنسبة إلى من لم يقل به هو القليل النادر، وكيف يصح دعوى إجماع العترة، والقاسم، والهادي، والناصر، والمؤيد بالله وأتباعهن، وهم جمهور العترة خارجون عنه، وهذه كتب العترة وأتباعهم موجودة على ظهر البسيطة، وأعجب من هذا قول العلامة محمد بن إسماعيل الأمير ﵀ في المنحة (١) أنها سكنت نفسه إلى هذا الحديث بعد وجدان سنده، وما عضده من دعوى الإجماع، فيا الله العجب من مثل هذا السكون لمجرد وجدان السند، ودعوى الإجماع! فإن وجدان السند يكون في الموضوع كما يكون في الصحيح، وليس من وجد سند حديث من دون بحث عن حاله، وكشف عن رجاله، وجد نفسه ساكنة إليه عاملة به، فإن هذا ليسم من الاجتهاد في شيء، بل من الوساوس الفاسدة، والتشهيات الباطلة، وهكذا قوله: ودعوى الإجماع؛ فقد جعله جزء علة السكون، ويالله العجب كيف تجري بمثل هذا أقلام العلماء المتقيدين بالدليل! فإن الدعاوي إذا لم تعضد بالبراهين فهي أكاذيب، وهذه الدعوى من بينها، أوضح كذبا وأظهر بطلانا، وأبين اختلالا. وأما ما ذكره السائل - كثر الله فوائده - من زكاة الخضروات. فأقول الأدلى العامة من الكتاب والسنة قد دلت على وجوب الزكاة فيها، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢) فإن الأموال تعم، وما خص من هذا العموم خرج، وذلك كحديث: " ليس على المرء في عبده، ولا في بيته صدقة " (٣)، ونحو ذلك.

стр. 2682

ومن جملة العمومات حديث: " فيما سقت الأنهار والغيم العشر وفيما سقي بالسانية نصف العشر " (١) وهو في الصحيح، وفي لفظ: " فيما سقت السماء والعيون، أو ما كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر " (٢)، وهو أيضًا في الصحيح، وقد قال من لم يوجب الزكاة في الخضروات أنها مخصصة من العموم بحديث عطاء بن السائب قال: أراد عبد الله بن المغيرة أن يأخذ من أرض موسى بن طلحة من الخضروات صدقة، فقال له موسى بن طلحة: ليس لك ذلك، إن رسول الله ﵌ كان يقول " ليس في ذلك صدقة ". رواه الأثرم في سننه، وأخرجه الدارقطني (٣) والحاكم (٤) من حديث إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمه موسى بن طلحة، عن معاذ بلفظ: " وأما القثاء، والبطيخ، والرمان، والقضب فعفو عفا عنه رسول الله ﵌ ". قال ابن حجر (٥): وفيه ضعف وانقطاع. وروى الترمذي (٦) بعضه من حديث عيسى بن

стр. 2683

طلحة عن معاذ، وهو ضعيف، قال الترمذي (١): ليس يصح عن النبي ﵌ شيء يعني في الخضروات، وإنما يروى عن موسى بن طلحة عن النبي ﵌ مرسلا. وذكره الدارقطني في العلل (٢)، وقال: الصواب مرسل، وروى البيهقي (٣) بعضه من حديث موسى بن طلحة قال: عندنا كتاب معاذ، ورواه الحاكم (٤) وقال: موسى تابعي كبير لا ينكر أنه لقي معاذا، وقال ابن عبد البر (٥): لم يلق معاذا ولا أدركه، وكذلك قال أبو زرعة، وروى البزار (٦) والدارقطني (٧) من طريق الحارث بن نبهان، عن عطاء بن السائب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه مرفوعا: " ليس في الخضروات صدقة " قال البزار لا نعلم أحدا قال فيه عن أبيه إلا الحارث بن نبهان. وقد حكى ابن عدي (٨) تضعيفه عن جماعة، والمشهور عن موسى مرسل. ورواه الدارقطني (٩) من طريق مروان بن محمد السنجاري، عن جرير، عن عطاء بن السائب، فقال: عن أنس بدل قوله: عن أبيه، ومروان ضعيف جدا. وروى الدارقطني (١٠) من الحديث علي - كرم الله وجهه (١١) - مثله، وفيه الصفر بن حبيب، وهو

стр. 2684

ضعيف جدا. وفي الباب عن جماعة، وفي أسانيدها مقال، وقد استوفيت ذلك في شرح المنتقى (١)، ويشد من عضد هذا الحديث الأحاديث الواردة في أن الصدقة لا تؤخذ إلا من أربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر، وهي مروية من طريق جماعة من الصحابة، منها من حديث أبي موسى ومعاذ عند الحاكم (٢)، والبيهقي (٣)، والطبراني (٤)، قال البيهقي (٥): رواته ثقات، وهو متصل، ومن حديث عمر عند الطبراني (٦)، ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده عند ابن ماجه (٧) والدارقطني (٨)، وروي ذلك من طرق غير هذه يقوي بعضها بعضا. وهذا الحصر في الأربعة هو بالنسبة إلى ما تنبته الأرض، وإلا فقد وجبت في الذهب والفضة والسوائم بالأدلة الصحيحة، وبإجماع المسلمين. وقد أخرج البيهقي (٩) من طريق الحسن قال: لم تفرض الصدقة إلا في عشرة، فذكر

стр. 2685

الأربعة المتقدمة، والذرة، والإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، وأخرج ابن ماجه (١) الحديث السابق، وذكر خامسة، وهي الذرة، ولكن في إسنادها محمد بن عبد الله العرزمي، وهو متروك، وأخرج البيهقي (٢) عن مجاهد قال: لم تكن الصدقة في عهد رسول الله ﵌ إلا في خمسة، فذكر الذرة، وقد روى عدم وجوب الزكاة في الخضروات عن علي عن البيهقي (٣) موقوفا، وكذلك عن عمر عنده (٤) أيضًا موقوفا، وعن عائشة عند الدارقطني (٥) موقوفا أيضا، وفي إسناده صالح بن موسى، وفيه ضعف، وعن محمد بن جحش عن الدارقطني (٦) أيضا، وفي إسناده عبد الله بن شبيب، وهو ضعيف. وقد اختلف من بعد الصحابة في ذلك من العلم اختلافا طويلا. والذي أقول به هو عدم وجوبها في الخضروات، لانتهاض جميع ما ذكر لتخصيص تلك العمومات التي قد دخلها التخصيص بالأوساق، والبقر العوامل، والعبد، والفرس، ونحوها. وقد تقرر الخلاف في الأصول في حجية العام المخصص، فذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة، وذهب البعض الآخر إلى أنه حجة، فما بقي وهو الراجح لدي. ويدخل في الخضروات ما أشار إليه السائل - كثر الله فوائده - ي آخر سؤاله من ذلك الشيء الذي لا ينتفع إلا بما يستخرج من أصوله المستورة بالتراب. وفي هذا المقدار كفاية. والله ولي التوفيق. كتبه المجيب محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما -.

стр. 2686

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا خط سيدي العلامة الحسين بن يحيى الديلمي (١) - حفظه الله - لعله رقم هذا هنا مزيدا لمباحثة الحقير فيه. الحمد لله: فائدة: الذي حفظناه في تخصيص العام العمل بما بقي من العموم بعد المخصص، وإنما الخلاف في كونه في الباقي، هل حقيقة أو مجاز؟ والخلاف معروف في تقدمه على الخاص وتأخره، والتباسه، لكن في عبارة الجلال (٢) ما يفهم أنه لا يبقى دليلا بعد التخصيص، ولعله مع قرينة تقتضيه، وذلك كما في حديث: " فيما سقت السماء العشر " (٣) هكذا لفظه أو معناه، وفي لفظ: " فيما سقت الأنهار والعيون والغيم العشور " (٤)، وعند الجماعة من حديث ابن عمر أن النبي ﵌ قال: " فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريا العشر " (٥) إلخ.

стр. 2687

فتخصصت هذه العمومات بحديث الأوسق (١)، ثم تخصص حديث الأوسق بأحاديث أخر، منها ما قد انحصر كحديبث الشعبي: كتب النبي ﵌ إلى اليمن: " إنما الصدقة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب " قال البيهقي (٢): هذه الأحاديث توكد بعضها بعضا. قلت: لأن في الباب غير هذا، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: " إنما سن رسول الله ﵌ الزكاة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب " (٣) زاد ابن ماجه (٤) (والذرة)، وفيه العرزمي متروك، ورواه البيهقي (٥) من طريق مجاهد، ومن طريق الحسن: لم يفرض النبي ﵌ الصدقة إلا في عشرة، فذكر الخمسة، وساق الحديث. قال الجلال (٦): قلت: وهي كافية في تخصيص العمومات، للأدلة، ثم قال ما معناه: إن المخصصات لم تبق معها للتعميم رمقا، فمن هذا يؤخذ أن الخاص قد رفع العموم، وأنه بمنزلة النسخ في نقص الأحوال، ولا يسلم أن تكون كلية، والله أعلم (٧).

стр. 2688

الجواب المنير على قاضي بلاد عسير تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2689

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " الجواب المنير على قاضي بلاد عسير ". ٢ - موضوع الرسالة: " فقه الزكاة ". ٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم " " الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على بدر الكمال الآمر بالسؤال وعلى آله وصحبه خير صحب وآل وبعد فهذه أسئلة يحتاج السائل الى المبادرة بجوابها مصدرة إلى من يؤمل فيه قلع حجابها ... ". ٤ - آخر الرسالة: ودم نهج حق تنتحيه وتسلكه على مر الليالي كمل من تحرير المجيب وجمعه القاضي فخر الدين محمد بن علي الشوكاني حفظه الله ومتع المسلمين بحياته وحرسه بعينه بحق محمد وآله وصحبه. ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - عدد الصفحات: ١٩ صفحة. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٥ سطرا ما عدا الصفحة الأولى فعدد أسطرها ٨ أسطر والأخيرة ٧ أسطر. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١١ - ١٢ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 2690

[الأسئلة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على بدر الكمال الآمر بالسؤال وعلى آله وصحبه خير صحب وآل. وبعد: فهذه أسئلة (١): يحتاج السائل إلى المبادرة بجوابها مصدرة إلى من يؤمل فيه قلع حجابها متع الله بحياته والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. السؤال الأول عن عوائد في بعض الجهات الخالية عن سلطنة الولاة وهي أن أهل كل قرية أو قبيلة يتواطئون على توظيف قواعد ينتظم بها لهم الحال ويلمون بها شعث تلك لمحال، ثم تارة يتعاهدون على ذلك وعلى الوفاء بما تضمنته تلك القواعد أخذ وعطاء وتارة يكتفون بالمواطأة والرضا ثم يتراضون على نصب قبيلة أخرى يضمنونهم عرفا في تنفيذ تلك القواعد والأخذ بيد الناقض لتلك لعوائد ويشرطون لهم احتمال تعزيراتهم بالأموال ويأخذون منهم أجرا على القيام بتنفيذ تلك الأحوال. منها أن ما صدر منهم من قتل أو جرح عمدا أو خطأ فإنهم يشتركون في غرمه، وما وقع فيهم كذلك يتقاسمون في غنمه على قانون معروف بينهم مع خروجهم عن دائرة الانتساب وضابط العاقلة فكيف لو أراد من وقع له أرش - أو دية - بعد هذه المعاهدة أو المواطأة ونصب المنفذ لذلك أن ينفرد بها أو أراد من لم يصدر منه جناية أن لا يغرم ما تواطأوا عليه هل يجوز ذلك ويخرج من لعهدة فيما هنالك أم هو كالمطارحات في العرس ونحوه يجب الوفاء بمثل ما أخذ ويجوز النقض إن لم يكن قد حصل منهم اشتراك، وهل

стр. 2691

يفرق بين أن يكون الاشتراك فيها للمانع وعليه وبين غيره؟ وهل يحل أخذ الأجر المسمى الضمانة أم لا، نعم، هل يدخل في هذا المولودون بعد أم لا. هذه مقدمة السؤال فيما بين المتواطئين، والقصد حال أولئك القبيلة المنصوبين كالدولة في تنفيذ ما مر آنفا إذا أخذوا بيد المانع وعزروه بأخذ ماله لهم، أو لأهل المواطأة أو أخذوا بقرة مثلا أو ذبحوها وأكلوها وغرموه الثمن تعزيرا ولولا هذا ما انتظمت الكلمة وكانوا فوضى وانشقت بالعصا وربما يحصل عند النزاع والمطالبة خصام وسب لبعضهم بعضا أو للقبيلة المنفذة فيغرمون الساب مالا تعزيريا أو يكرهونه على تسليمه ولولاه لتطاول بعضهم على بعض وعاد كل معزول إلى النقض وهذا كله بناء على جواز التعزير بالمال. المطلوب بيان قائليه ومن اختاره عند خلو الجهة من الإمام لأن الضرب والحبس ونحوه لا يقدر عليه في البلاد المذكورة، الجواب مطلوب جزيتم خيرا آمين. السؤال الثاني إن بعض القبائل لهم سوق يجتمع فيه الناس في يوم معروف فمن مشى إليه فهو في أمانهم وخفارتهم ذهابا وإيابا من غرمائه وأعدائه فإذا حصل في ذلك جناية حمل أهل السوق على الجاني للقتال إلا أن يلتزم لهم مالا كثيرا لأنفسهم، والجناية بحالها لأهلها، فهل يحل ويجب على الجاني تسليمه ويلحق قبيلته غرمه حسبما تواطؤا عليه كما هو مذكور في السؤال الأول، فلولا أهل السوق لتهالك الناس بالمقاتلة وانحبس كثير من المعايش والمعاملة. تتمة: ومثل أهل السوق من خرج من بيت شخص أو بعد أكله لديه فهو في خفارته حتى يصل بيته وعلى من خفر الذمة منها كذا وكذا فتفضلوا أوضحوا لنا هذه الأشياء لعل قائلا يقول بها عند خلو الجهة من الإمام ولحفظ بيضة الإسلام، وإلا فنصوص أهل المذهب في المتون ظاهرة وأفيدوا أين مصرف هذا المال المعزر به هل هي المصالح

стр. 2692

العامة أم المخفور ذمته والضمين مثلا، وكذا المسبوب. والقوانين الفقهية في هذا معلومة، إنما السؤال هل لهذه الجمل في قواعد الشرع محل فالتفسير به بحسب ما تفسره عند بعض أهل العلم والشرع مبني على جلب المصالح ودرء المفاسد، الجواب مطلوب. جزاكم الله خير الدارين بحق محمد وآله. السؤال الثالث فيمن وجد مالا مغصوبا أو مسروقا فعرف مالكه ففداه له هل يلزم المالك ذلك أم هو كالشراء يرده ويرجع بما بذل على أخيه؟ أفيدوا جزيتم الجنة آمين. السؤال الرابع في رجل فاضل ظهرت عليه الولاية ووصل إلى بلادنا وادعى الإمامة فيها وأجابوه جملة وحصل منه الرغب والرهب وألزمهم الأحكام الشرعية والتزموها ثم وصل إلى بعض القرى وغدروه وقتلوه خذلهم الله ونصره، وكان قد جمع أموالا بعضها أخذها على أهل الربا ونحوهم كالتعزير وبعضها نهبها العسكر من الناس وأمرهم بجمعها لديه فجمعوها وردوها له ومال أهل الربا بيده ثم قتل وقد أودع الكل في بعض القرى فيقول المودع لا أردها إلا بالحكم الشرعي فلكم الفضل بإيضاح الحكم في هذا المال وتقسيمه. والإمام ﵀ لا يعلم له وارث ولا ندري من أين خرج وطولوا النفس في هذا مأجورين. بحق النبي الأمين وآله الأكرمين وصحابته الراشدين. السؤال الخامس في تفسير الجلالين أن مريم بنت ناموسا دلت على عظام يوسف ﵇ مع قولهم إن الأنبياء ﵈ أحياء في قبورهم يصلون ويصومون ما المراد وكيف الجمع. أفيدوا وجزيتم خيرا بالجواب الشافي.

стр. 2693

السؤال السادس إذا كان لقبيلة أرض موات يدعونها ولا منازع لهم فيها ولا بينة إلا اليد الحكمية مع نقصان الإحياء المشروط، فهل يقال إنها حمة ولا تجوز للآحاد أم ما ذا؟. ثم السؤال لو أعمر بعضهم بعضها وأحياه للزراعة وأرادوا نزعها منه أو قسمتها وقد غمرها هل يرجع بالغرامة عليهم وتقسم أم يكون أحق بها والله يرعاكم ومتع بحياتكم والسلام عليه ورحمة الله.

стр. 2694

وهنا أسئلة تضمنتها أبيات جرت على لسان الفقير إلى الله عفا الله عنه، المطلوب من سيدي العلامة تولى الله معونته الإجابة عليها بما فتح به الفتاح: جمال الدين قاموس الآلئ ... وبدر التم في داجي الليالي وفاتح قفل مغلاق المعاني ... ومغلق باب أرباب الجدال وكشاف العويص وروض مجد ... بأزهار وأثمار الأمالي عليك سلام ربي كل حين ... ورحمته تعمك بالنوال ومن مأسور ودك ألف ألف ... من التسليم كالتسنيم حالي ويا مولاي قد لاحت أمور ... على ذهني ستبدو في مقالي فحرر لي جوابا مستطيلا ... ووشحه بأخبار غوالي ... فأولها المذاهب والتزام ... لها ما ذا ترى في ذا المجال وآيات الكتاب لها وضوح ... وأخبار الأدلة كالهلال فهل لي أن أسير إلى دليل ... أراه أم أخيم في جلالي وهل لي أن أقلد في جواز ... لتقليد الرجال ذوي الكمال وإن كان الصحاب ذوي اجتهاد ... فما وجه العدول ولا تبالي وأعراب البوادي كيف كانوا ... أقلدوا للصحابة بالمقال وما وجه الألى منعوا اجتهادا ... وطأطأ ذلك الشم العوالي وقالوا بعد ست من مئين ... تغلق بابه دون الرجال وقولهم العقائد ليس نرضى ... لها التقليد أو ربط العقال وينتسب الكثير إلى إمام ... فهذا أشعري (١) في نضال

стр. 2695

وهذا ما تريدي (١) وهذا ... يميل إلى عقيدة الاعتزال (٢) وذا العدلي (٣) لا يرضى سواه ... وهذا فيه تقليد الرجال كذا خبر الحدود وما يليه ... يكون إلى الإمام أخي المعالي فهل هذا دليل ترتضيه ... يكون خفيرنا يوم المآل فإن الجمعة الغراء عيد ... وحج فيه أرباح غوالي وهل في ذا الزمان لنا إمام ... يقوم بمقتضى ذاك المقال فإن قلتم نعم صحت أمور ... تعاطاها نحارير الرجال وإلا كان تجميع البرايا ... إذا فقد الشرط كالضلال وقول إمامنا زيد ويحيى ... يكون مؤولا في ذا المقال فإن إمامة الداعين منهم ... هي الحق الصواب بلا جدال ولكن زاحمتهم آل هند ... وقوم آخرون على التوالي فقل لي هل أقاموها وأحيوا ... شريعة جدهم بدر الكمال أم اتكلوا على جور المولى ... وصار وجوده مثل الزوال نعم لا زلت في نعم توالي ... وللتقوى وللآيات تالي أفدني عن مقال مستفيض ... بأن المصطفى بدر الكمال هو الأصل الأصيل لكل شيء ... فهل هذا العموم تراه خالي عليه صلاة ربي كل حين ... صلاة لا تؤول إلى زوال تعم الآل والأصحاب طرا ... وتغشى من أجاب على سؤالي

стр. 2696

ومن هنا - الجواب على قاضي بلاد عسير - (١) الحمد لله رب العالمين وبه أستعين: الجواب [الأول] عن السؤال [الأول] وهو قوله عن عوائد بعض الجهات إلخ. الحمد لله رب العالمين وبه أستعين إلخ. إن التواطؤ من أهل القرى على توظيف قواعد تندفع بها عنهم مفاسد وتحصل لهم عندها فوائد ينبغي أولا الاستفسار عن هذه القواعد هل هي مما له انتظام في سلك الأحكام المشروعة للأنام من سيد الأنام ﵊ وعلى آله الكرام وصحبه الفخام أم لا. فالأول لا ريب أن ذلك من المستحسنات الداخلة تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢) و: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ

стр. 2697

أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١) وغير ذلك من الآيات الكريمة. وفي السنة من دلائل هذا ما لا يأتي عليه الحصر: " الدين النصيحة " (٢)، " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " (٣)، " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه " (٤)، " المؤمنون كالبنيان " (٥)

стр. 2698

بل هذا داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المكر فما دل عليهما دل على هذا من كتاب وسنة فلا نطيل ببسط ذبك، وإنما قلنا كذلك لأن الواجبات الرعية المتعلقة بالأبدان والأموال لا يقوم بها غالب المكلفين من قبل نفسه إلا إذا خاف النكير عليه وإنزال الضرر به من سلطان أو رئيس من رؤساء المسلمين وهذا مشاهد محسوس معلوم فكل بلاد لا حكم فيها لسلطان من سلاطين المسلمين لو خلا كل فرد من الأفراد الساكنين بها وشأنه لما قام ببعض ما أوجب الله عليه إلا النادر، وقليل ما هم، ولهذا يقول رسول الله ﷺ العرافة حق ولا بد للناس من عريف ثم قال عند أن عزم على إرجاع السبي من هوازن وقد سمع الناس يقولون إنهم قد طابوا أنفسا بإرجاع ما في أيديهم. فقال: لا نعلم من رضي ممن لم يرض ثم أمر الرؤساء أن يعرفوا حقيقة ذلك من كل فرد، وكان رسول الله ﷺ لا تفد عليه قبيلة من القبائل ولا بطن البطون للإسلام إلا جعل عليهم واحدا منهم ينظر في أمورهم، وهذا وقد تلقوا أحكام الشريعة بالقبول ونفذت فيه الأوامر والنواهي من الرسول فكيف بمن لا ينفذ فيهم أمر آمر ولا ينفق لديهم نهي ناه، فتقرر بهذا أن لتواطؤ على تلك القواعد ونصب من يقوم بها من أعظم الواجبات الشرعية ولهذا كان حلف الفضول الواقع من أولئك الرؤساء الفحول ممدحا على تعاقب العصور وتوارد الدهور، مع أنه واقع من قوم لم يرح أحدهم رائحة الإسلام على قوم من الجاهلية الطغام، ولكنه لما كان مشتملا على مكارم الأخلاق التي أحدها الانتصاف للمظلوم من الظالم كان بذلك المكان المكين عند المسلمين والكافرين فكيفي لا يحسن عقلا وشرعا التواطؤ بين ثلة من المسلمين الذين لا سبيل عليهم لأحد من السلاطين على نصب جماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإن هذا من أعظم شعائر الدين. وليس من شرط حسن هذا القانون أن يكون القيام من أولئك بجميع الأمور الشرعية، بل الفرد منها كاف في الحسن إذا خلصت هذه المصلحة عن أن تشاب بمفسدة تساويها أو

стр. 2699

ترجح عليها مثلا لو لم يكن نصب أولئك المنصوبين إلا لزجر أهل بلدهم عن معصية الربا فقط فهذا نوع من أنواع الأمر بالمعروف (١) والنهي عن المنكر المعلوم وجوبها كتابا وسنة، لأن هذه مصلحة خالصة متضمنة لدفع مفسدة قبيحة فإن كان ذلك التواطؤ والنص لذلك مثلا وللإجبار على معاملات الربا فلا شك أن لهذا التواطؤ والنصب جهتين إحداهما حسنة والأخرى قبيحة، فإذا جرد النظر إلى جهة الحسن فهو، وإن جرد النظر إلى جهة القبح فهو قبيح، فإن كان القيام بجهة الحسن لا يمكن إلا مع انضمام جهة القبح إليها فينبغي النظر من جهة أخرى وهي: هل المعاملات الربوية متروكة فيلزم قبل هذا النصب ومع عدمه أم لا؟ فالأول لا ريب أن النصب قد اشتمل على مفسدة منضمة إلى تلك المصلحة، ودفع المفاسد (٢) أهم من تأسيس المصالح فيكون هذا النصب معصية ويتوجه تركه. والثاني لا شك أن المفسدة لم تحدث لمجرد النصب بل هي كائنة مع عدمه كوجوده فيكون هذا النصب قد طاعة لأن تلك المصلحة خالصة لم تعارض بمفسدة راجحة إذ هي في تحريم لربا تقليل المعاصي وانضمام ذلك المعارض حيث كان حاصلا مطلقا لا يوجب الترك للكل ولا يسوغه.

стр. 2700

وأما إذا كان النصب مشتملا على القيام بأمور مخالفة للشريعة المطهرة فهذا هو الطرف الثاني من طرفي الاستفسار، ونقول: لا مرية في أن ذلك التواطؤ والنصب من أعظم المعاصي الموجبة للهلاك، ويجب على كل مسلم الجهاد لمن كان كذلك، وإذا لم يقدر فالهجرة محتمة لأن هذا إظهار شعار لمعاص محضة وإبراز قانون لمنكرات خالصة وقيام وقعود في محرمات متيقنة، وبين العصيان على هذه الصورة وعصيان كل فرد فرد بدون ذلك كما بين السماء والأرض، وذلك كما يقع من جماعة من طغام البداوة، يحملون؟ جماعة من شياطينهم على تنفيذ الأحكام الطاغوتية ويسلطونهم على أنفسهم، إن حادوا عن شيء منها فهذا من أشد الكفر بالله وبشريعته، والراضي بذلك كافر والقاعد عن الهجرة داخل تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (١) والتارك لجهاد هؤلاء مع القدرة تارك للجهاد في سبيل لله فهذا جواب على الإجمال. ولنتكلم على الصور التي ذكرها السائل كثر الله فوائده فنقول: قوله ويأخذون منهم أجرا على القيام بتنفيذ تلك الأحوال، الجواب عنه مفتقر إلى النظر في صفة ما قاموا به فإن كان داخلا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حل لهم ما يحل لسلاطين المسلمين من أموالهم وقد كان الخلفاء الراشدون يأخذون من الأموال المجموعة عند الحاجة ما يقوم به بالكفاية والجهة واحدة، فإن قيام المسؤول عنهم هو النفس ما قام به الخلفاء. وإن كان القيام والنصب لمفسدة خالصة كما أشرنا إليه فأخذ الأجرة ظلمات بعضها فوق بعض، لأن أصل القيام والمباشرة حرام وانضم إليها أكل أموال الناس بالباطل. قال كثر الله فوائده: إن ما صدر منهم من قتل أو جرح عمدا إلخ أقول هذا وإن لم يكن في باب من أبواب الشريعة على الخصوص فهو غير ممنوع شرعا لأن ما كان هذا
следующие страницы →