← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

ومن هنا - الجواب على قاضي بلاد عسير - (١) الحمد لله رب العالمين وبه أستعين: الجواب [الأول] عن السؤال [الأول] وهو قوله عن عوائد بعض الجهات إلخ. الحمد لله رب العالمين وبه أستعين إلخ. إن التواطؤ من أهل القرى على توظيف قواعد تندفع بها عنهم مفاسد وتحصل لهم عندها فوائد ينبغي أولا الاستفسار عن هذه القواعد هل هي مما له انتظام في سلك الأحكام المشروعة للأنام من سيد الأنام ﵊ وعلى آله الكرام وصحبه الفخام أم لا. فالأول لا ريب أن ذلك من المستحسنات الداخلة تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢) و: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ

стр. 2697

أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١) وغير ذلك من الآيات الكريمة. وفي السنة من دلائل هذا ما لا يأتي عليه الحصر: " الدين النصيحة " (٢)، " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " (٣)، " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه " (٤)، " المؤمنون كالبنيان " (٥)

стр. 2698

بل هذا داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المكر فما دل عليهما دل على هذا من كتاب وسنة فلا نطيل ببسط ذبك، وإنما قلنا كذلك لأن الواجبات الرعية المتعلقة بالأبدان والأموال لا يقوم بها غالب المكلفين من قبل نفسه إلا إذا خاف النكير عليه وإنزال الضرر به من سلطان أو رئيس من رؤساء المسلمين وهذا مشاهد محسوس معلوم فكل بلاد لا حكم فيها لسلطان من سلاطين المسلمين لو خلا كل فرد من الأفراد الساكنين بها وشأنه لما قام ببعض ما أوجب الله عليه إلا النادر، وقليل ما هم، ولهذا يقول رسول الله ﷺ العرافة حق ولا بد للناس من عريف ثم قال عند أن عزم على إرجاع السبي من هوازن وقد سمع الناس يقولون إنهم قد طابوا أنفسا بإرجاع ما في أيديهم. فقال: لا نعلم من رضي ممن لم يرض ثم أمر الرؤساء أن يعرفوا حقيقة ذلك من كل فرد، وكان رسول الله ﷺ لا تفد عليه قبيلة من القبائل ولا بطن البطون للإسلام إلا جعل عليهم واحدا منهم ينظر في أمورهم، وهذا وقد تلقوا أحكام الشريعة بالقبول ونفذت فيه الأوامر والنواهي من الرسول فكيف بمن لا ينفذ فيهم أمر آمر ولا ينفق لديهم نهي ناه، فتقرر بهذا أن لتواطؤ على تلك القواعد ونصب من يقوم بها من أعظم الواجبات الشرعية ولهذا كان حلف الفضول الواقع من أولئك الرؤساء الفحول ممدحا على تعاقب العصور وتوارد الدهور، مع أنه واقع من قوم لم يرح أحدهم رائحة الإسلام على قوم من الجاهلية الطغام، ولكنه لما كان مشتملا على مكارم الأخلاق التي أحدها الانتصاف للمظلوم من الظالم كان بذلك المكان المكين عند المسلمين والكافرين فكيفي لا يحسن عقلا وشرعا التواطؤ بين ثلة من المسلمين الذين لا سبيل عليهم لأحد من السلاطين على نصب جماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإن هذا من أعظم شعائر الدين. وليس من شرط حسن هذا القانون أن يكون القيام من أولئك بجميع الأمور الشرعية، بل الفرد منها كاف في الحسن إذا خلصت هذه المصلحة عن أن تشاب بمفسدة تساويها أو

стр. 2699

ترجح عليها مثلا لو لم يكن نصب أولئك المنصوبين إلا لزجر أهل بلدهم عن معصية الربا فقط فهذا نوع من أنواع الأمر بالمعروف (١) والنهي عن المنكر المعلوم وجوبها كتابا وسنة، لأن هذه مصلحة خالصة متضمنة لدفع مفسدة قبيحة فإن كان ذلك التواطؤ والنص لذلك مثلا وللإجبار على معاملات الربا فلا شك أن لهذا التواطؤ والنصب جهتين إحداهما حسنة والأخرى قبيحة، فإذا جرد النظر إلى جهة الحسن فهو، وإن جرد النظر إلى جهة القبح فهو قبيح، فإن كان القيام بجهة الحسن لا يمكن إلا مع انضمام جهة القبح إليها فينبغي النظر من جهة أخرى وهي: هل المعاملات الربوية متروكة فيلزم قبل هذا النصب ومع عدمه أم لا؟ فالأول لا ريب أن النصب قد اشتمل على مفسدة منضمة إلى تلك المصلحة، ودفع المفاسد (٢) أهم من تأسيس المصالح فيكون هذا النصب معصية ويتوجه تركه. والثاني لا شك أن المفسدة لم تحدث لمجرد النصب بل هي كائنة مع عدمه كوجوده فيكون هذا النصب قد طاعة لأن تلك المصلحة خالصة لم تعارض بمفسدة راجحة إذ هي في تحريم لربا تقليل المعاصي وانضمام ذلك المعارض حيث كان حاصلا مطلقا لا يوجب الترك للكل ولا يسوغه.

стр. 2700

وأما إذا كان النصب مشتملا على القيام بأمور مخالفة للشريعة المطهرة فهذا هو الطرف الثاني من طرفي الاستفسار، ونقول: لا مرية في أن ذلك التواطؤ والنصب من أعظم المعاصي الموجبة للهلاك، ويجب على كل مسلم الجهاد لمن كان كذلك، وإذا لم يقدر فالهجرة محتمة لأن هذا إظهار شعار لمعاص محضة وإبراز قانون لمنكرات خالصة وقيام وقعود في محرمات متيقنة، وبين العصيان على هذه الصورة وعصيان كل فرد فرد بدون ذلك كما بين السماء والأرض، وذلك كما يقع من جماعة من طغام البداوة، يحملون؟ جماعة من شياطينهم على تنفيذ الأحكام الطاغوتية ويسلطونهم على أنفسهم، إن حادوا عن شيء منها فهذا من أشد الكفر بالله وبشريعته، والراضي بذلك كافر والقاعد عن الهجرة داخل تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (١) والتارك لجهاد هؤلاء مع القدرة تارك للجهاد في سبيل لله فهذا جواب على الإجمال. ولنتكلم على الصور التي ذكرها السائل كثر الله فوائده فنقول: قوله ويأخذون منهم أجرا على القيام بتنفيذ تلك الأحوال، الجواب عنه مفتقر إلى النظر في صفة ما قاموا به فإن كان داخلا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حل لهم ما يحل لسلاطين المسلمين من أموالهم وقد كان الخلفاء الراشدون يأخذون من الأموال المجموعة عند الحاجة ما يقوم به بالكفاية والجهة واحدة، فإن قيام المسؤول عنهم هو النفس ما قام به الخلفاء. وإن كان القيام والنصب لمفسدة خالصة كما أشرنا إليه فأخذ الأجرة ظلمات بعضها فوق بعض، لأن أصل القيام والمباشرة حرام وانضم إليها أكل أموال الناس بالباطل. قال كثر الله فوائده: إن ما صدر منهم من قتل أو جرح عمدا إلخ أقول هذا وإن لم يكن في باب من أبواب الشريعة على الخصوص فهو غير ممنوع شرعا لأن ما كان هذا

стр. 2701

سبيله فهو مسوغ باعتبار التراضي على التعاون بالأموال ومواساة من نابته نائبة، لكن هذا مع الرضا المحقق في دفع ما يخص الغارم من المغرم اللازم لغيره. وكذلك عدم الاختصاص بالمغنم لمن هو له على الخصوص فمن دخل في ذلك وأراد الرجوع عن التواطؤ الواقع بينه وبين أهل قريته فهو غير ممنوع من ذلك لكن بشرط أن لا يكون الأمر الذي خرج عنه مما لا يقوم به إلا الجميع، وذلك مثل ما يلزم من الغرامات في حفظ نفوس الساكنين وأموالهم إما بمصالحة العدو أو بدفع جانب من المال لمن هو أقدر على الدفع منهم أو من غيرهم. وكذلك لوازم الضيافة المشروعة فإن الضيف في غالب القرى لا يقصد فردا معينا بل ينزل المسجد أو النادي فيقوم بما يحتاج إليه من كان الدول عنده لأنهم يوزعون ذلك بينهم مثلا يقسمون القرية أرباعا أو أثمانا فيكون القائم بالضيف الوارد أهل الربع أو الثمن الأول ثم الثاني ثم كذلك، وأهل الربع أو الثمن يتناوبون ذلك فيما بينهم على قانون صحيح لأنهم ينظرون في عدد الأشخاص وفي مقدار ما يملكه كل واحد فينزلون ذلك عليه، ولو لم يفعلوا كذلك لبطل القيام بالضيافة المشروعة لأن كل فرد يحيل على سائر أهل القرية. ومثل ذلك ما يقع في البلاد التي فيها سلطان كالاستعانة من أموالهم لمايدهم مما لا طاقة لهم به وغير ذلك. والحاصل أن الانفراد إن استلزم مفسدة أو فوت مصلحة فلا يجاب طالبه إليه وإن كان لا يستلزم وجبت الإجابة. ومن اطلع على أسرار الشريعة المطهرة علم أنها بأسرها مبنية على مراعاة جلب المصالح ودفع المفاسد ومما يستأنس به في اعتبار القواعد الممهدة بين من يجمعهم مكان أو أمكنة - أن الشارع صلوات الله عليه كان يغزو القبيلة [أو بعضها إذا بلغه عدم تمسكم بشريعته المطهرة] (١) فيسفك دماءهم ويسلب أموالهم

стр. 2702

ويسترق نساءهم وأطفالهم من دون أن يسأل كل فرد فرد أو ينقل له ذلك عن كل شخص شخص، وليس ذلك إلا لأن الاعتبار بما ظهر من دون معارضة ولا مفارقة، وإذا اعتبر الشارع مثل هذا في ترتيب إباحة الدماء والأموال عليه وليس هو إلا مجرد اتحاد كلمتهم في الظاهر لجري القوانين بمثل ذلك فجواز ما هو أخف من ذلك بالأولى، وهذا وإن كان يرى في الظاهر أجنبيا عن محل السؤال فهو نافع عند من يعقل المناطات الشرعية، وقد ثبت أن العباس يوم بدر لما قال للنبي ﵌ أنه خرج مع القوم مكرها فقال له ﵌ إن ظاهرك كان علينا (١) ثم لم يعذره من تسليم الفداء فانظر يف ألحقه بالقوم الذين خرج معهم ورتب على ذلك أخذ الفداء منه. ومثل ذلك ما ثبت عنه ﵌ أنه هم بصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة (٢) وفيهم من يملك الكثير وفيهم من لا يملك القطمير ما ذاك إلا لأنهم

стр. 2703

مجتمعون في اللوازم العامة وهو لا يهم إلا بالجائز، فمن أراد من أهل القرية أن ينفرد بما حصل له من غنم من دية أو أرش فإن كانت هذه الإرادة إنما هي عند أن عرف أن له نفعا في الانفراد ولو كان عليه مغرم ثقيل لما طلب ذلك ولا أحب أن يطلبه غيره، وإن كان انتفع الاجتماع بدفع أمور ينفرد بغرمها لولا مشاركة قومه له ي ذلك لاجتاحت ماله أو لم تف بها ذات يده فلا يجاب إلى ما يطلبه من الانفراد عند غنمه دون غرمه، اللهم إلا أن يغرم لقومه ما قد استفاده باجتماعهم في دفع ما يرد علي وجلب ما وصل إليه بسبب اجتماع الكلمة ويكون انفراده غير مستلزم لمفسدة لاحقة بالكل وبالبعض فلا بأس أن يجاب إلى الانفراد في غير الأمور التي لا تقوم إلا بالجمع كما سلف. نعم: إذا طلب المفارقة لقومه بمفارقة محلهم من دون أن يبقى له فيها نشب ينتفع به كأن يبيع جميع ما يملكه هنالك ويرحل بنفسه وأهله فلا بأس بذلك لأن البقاء عليه لديهم ليس بمحتم شرعا. قال كثر الله فوائده: ولقصد حال أولئك المنصوبين كالدولة في تنفيذ ما مر إذا أخذوا بيد المانع وعزره إلخ. أقول: قدر عرف مما تقدم أن بعض الأمور لا يجاب فيها طالب الانفراد لأنه يريد الخروج عن أمور شرعية أو حاجية أو ضرورية عامة، فهذا يسوغ للمنصوبين أن يأخذوا بيد من أراد الانفراد ويكرهونه على ذلك ولكن ينبغي تقديم الأخف فالأخف وتقديم الليونة على الخشونة، فإن أعيا الأمر وأعضل الدواء فلا يحل الإضرار ببدن الممتنع بل يؤخذ من ماله مقدار ما عليه حيث كان ذلك لازما له شرعا مثل ما فيه دفع مفسدة أو جلب مصلحة لا ما كان من اللوازم الجاهلية التي لا ترجع إلى منفعة دينية ولا دنيوية كما يقع في كثير من البدو من اللوازم الطاغوتية، وإذا عرض لازم آخر بعد ذلك اللازم الذي وقع الإجبار أو التغريم بمقداره، جاز للمنصوبين أن يأخذوا من ماله مثل م هو لازم، ثم كذلك حتى يدخل فيم دخل فيه قومه أو يفارقهم على الصفة

стр. 2704

المذكورة سابقا. وأما التعزير وأخذ المال لمجرد العقوبة للممتنع فلا يحل لأن أخذ ما عليه ممكن، فإن امتنع من تسليم ما يلزم شرعا جاز للمنصوبين مقاتلته حيث تعذر عليهم استعمال ما هو دون ذلك أو لم ينفع ويكون ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان على كل فرد فرد. قال كثر الله فوائده: وهذا كله بناء على جواز التعزير بالمال إلخ. أقول: هذه المسألة طويلة الذيول، متشعبة الطرق، ولا يعرف الصواب فيها إلا بعد تحرير أدلتها، فمن جملة الأدلة الدالة على جواز العقوبة بالمال ما رواه أحمد (١) والنسائي (٢) وأبو داود (٣) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " في كل إبل سائمة وفي كل أربعين لبون لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله، عزمة من عزمات ربنا ﵎ لا يحل لآل محمد منها شيء ". وأخرجه أيضًا الحاكم (٤) والبيهقي (٥). قال يحيى بن معين (٦): إسناده صحيح إذا كان من دون بهز ثقة. وقد اختلف في بهز فقال: أبو حاتم (٧): لا يحتج به. وروي عن الشافعي أنه قال: ليس بهز حجة لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولو ثبت لقلنا به، وكان قال به في لقديم ثم رجع. وسئل أحمد (٨) عن هذا الحديث فقال: ما أدري ما وجهه. وسئل عن إسناده فقال:

стр. 2705

صالح الإسناد، وقال ابن حبان (١): لولا هذا الحديث لأدخلت بهزا في الثقات. وقال ابن حزم (٢): إنه غير مشهور العدالة. وقال (ابن الطلاع) إنه مجهول، وتعقب بأنه قد وثقه جماعة من الأئمة. وقال ابن عدي (٣) لم أر له حديثا منكرا وقال الذهبي (٤): ما تركه عالم قط وقد تكلم فيه أنه كان يلعب بالشطرنج. قال ابن القطان (٥): وليس ذلك بضائر له فإن استباحته مسألة فقهية مشتهرة. قال الحافظ (٦): وقد استوفيت الكلام فيه في تلخيص التهذيب. وقال البخاري (٧) بهز بن حكيم مختلفون فيه. وقال ابن كثير: الأكثر لا يحتجون به. وقال الحاكم (٨): حديثه صحيح، وقد حسن له الترمذي عدة أحاديث، ووثقه. واحتج به أحمد وإسحاق والبخاري خارج الصحيح وعلق له فيه. وروي عن أبي داود أنه حجة عنده. ومن جملة الأدلة على جواز المعاقبة بالمال ما ثبت في دواوين الإسلام أنه ﷺ هم بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة (٩).

стр. 2706

ومنها ما أخرجه أبو داود (١) من حديث عمر قال: قال النبي ﷺ : إذا وجدتم لرجل قد غل فأحرقوا متاعه وفي إسناده صالح بن محمد بن زائدة المديني (٢) قال [البخاري (٣): عامة أصحابنا يحتجون به وهو باطل. وقال الدارقطني] (٤): أنكروه على صالح ولا أصل له، والمحفوظ أن سالما أمر بذلك في رجل غل في غزاة مع الوليد بن هشام قال أبو داود: وهذا أصح. ومنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود (٥) والحاكم (٦) والبيهقي (٧) أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال ضربوه. وفي إسناده زهير بن محمد قيل هو الخراساني (٨) وقيل غيره، وهو مجهول. ولكن للحديث شاهد. ومنها أن سعد بن أبي وقاص سلب عبدا وجده يصيد في حرم المدينة , وقال: سمعت

стр. 2707

رسول الله ﷺ يقول: " من وجدتموه يصيد فيه فخذوا سلبه " أخرجه مسلم (١). ومنها ما أخرجه أبو داود (٢) وسكت عنه هو والمنذري من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ سئل عن التمر المعلق فقال: " من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه , ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن تؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع. ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة ". وأخرج نحوه النسائي (٣) والحاكم (٤) وصححه. ومن الأدلة قضية المددي الذي أغلظ لأجله الكلام عوف بن مالك على خالد بن الوليد لما أخذ سلبه فقال النبي ﷺ : " لا ترد عليه سلبه " أخرجه مسلم (٥). ومنها تغريم كاتم الضالة أن يردها ومثلها وهو في الأمهات (٦). ومن المؤيدات لجواز التأديب بالمال إحراق علي ﵇ لطعام المحتكر (٧) ودور قوم

стр. 2708

يبيعون الخمر (١) وهدمه دار جرير بن عبد الله (٢) ومشاطرة عمر لسعد بن أبي وقاص في ماله الذي جاء به من العمل الذي بعثه إليه (٣)، وتضمينه لحاطب بن أبي بلتعة [مثلي قيمة الناقة التي غصبها عبيده وانتحروها (٤): زيادة من نسخة أخرى. وتغليظه هو وابن عباس الدية على من قتل في الشهر الحرام (٥) في البلد الحرام، فبهذه الأدلة استدل القائلون بجواز التأديب بالمال. قال الإمام المهدي أحمد بن يحيى في الغيث (٦) لا أعلم خلافا في ذلك بين أهل البيت وإلى ذلك ذهب الشافعي في القديم من قوليه ثم رجع عنه، وقال: إنه منسوخ.

стр. 2709

وهكذا قال البيهقي وأكثر الشافعية. وتعقبه النووي، فقال: الذي ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في الإسلام ليس بثابت ولا معروف، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ. وقد نقل الطحاوي والغزالي الإجماع على نسخ العقوبة بالمال وهي دعوى ساقطة. وزعم الشافعي أن الناسخ حديث ناقة البراء لأن النبي ﷺ حكم عليه بضمان ما أفسدت ولم ينقل أنه ﷺ في تلك القضية أضعف الغرامة. ولا يخفى أن تركه ﷺ للمعاقبة بأخذ المال في هذه القضية لا يستلزم الترك مطلقا ولا يصلح للتمسك به في مجرد عدم الجواز فضلا عن جعله ناسخا. وقد أجاب المانعون عن الأدلة التي قدمناها بأجوبة: أما عن حديث بهز فبما فيه من المقال , وبما رواه ابن الجوزي في جامع المسانيد (١) والحافظ في التلخيص (٢) عن إبراهيم الحربي أنه قال في سياق هذا المتن ما لفظه، وهم فيها الراوي: وإنما قال فإنا آخذوها من شطر ماله أي يجعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق ويأخذ الصدقة من خير الشطرين عقوبة لمنعه الزكاة، فأما ما لا يلزمه فلا، وبما قال بعضهم إن لفظة وشطر ماله بضم الشين المعجمة وكسر الطاء المهملة فعل مبني للمجهول ومعناه جعل مله شطرين بأخذ المصدق الصدقة من أي الشطرين أراد. ويجاب عن القدح بما في الحديث (٣) من المقال بأنه مما لا يقدح بمثله وكلام الحربي وما بعده بأن الأخذ من خير الشطرين صادق عليه اسم العقوبة بالمال لأنه زايد على الواجب، وأيضا الرواية على خلاف ذلك وأئمة الحديث هم المرجع في ذلك وقد رووه كما في الباب وأجابوا أيضًا عن حديث .............................

стр. 2710

عمر (١) بما فيه من المقال المتقدم وكذلك أجابوا عن حديث ابن عمرو (٢) ويجاب عنهم بمثل ما سلف. وأجابوا عن حديث الهم (٣) بالإحراق بأن السنة أقوال وأفعال وتقريرات والهم ليس من الثلاثة، ويرد بأنه ﵌ لا يهم إلا بالجائز وأجابوا عن حديث سعد (٤) بأنه من باب الفدية كما يجب على من تصيد صيد مكة، وإنما عين النبي ﵌ نوع الفدية هنا بأنها سلب العاضد فيقتصر على السبب لقصور العلة عن التعدية. ويجاب بأن هذا إنما يصح بعد تسليم شجر المدينة كمكة وهو ممنوع. وأما حديث تغريم كاتم الضالة (٥) والمخرج (٦) غير ما يأكل من التمر، وقضية المددي (٧) فهي واردة على سبب خاص فلا يجاوز بها إلى غيره لأنها وسائر أحاديث الباب مما ورد على خلاف القياس لورود الأدلة كتابا وسنة بتحريم مال الغير. ويجاب بأن أدلة جواز التأديب بالمال (٨) مخصصة لعموم أدلة التحريم ولا تعارض بين عام وخاص، وإلحاق غير المنصوص عليه من المواضع التي تسوغ التأديب بالمال بالمواضع المنصوص عليها بعدم الفارق، والورود على خلاف القياس ممنوع وأجابوا على أفعال الصحابة السابقة بعدم الحجية وعلى فرض التسليم فذلك من قطع ذرائع الفساد كهدم مسجد الضرار (٩) وتكسير المزامير، وعلى كل حال فالتأديب بالمال لا يحل إلا لذي ولاية

стр. 2711

عامة مع اجتماع خصال فيه، منها سعة العلم ووضع ذلك المأخوذ في مواضع من مصالح المسلمين لا من كان مقصرا في العلم أو كان يأخذ ذلك لمصلحة نفسه أو مصلحة من يلوذ به فهذا حرام لا يسوغه شرع ولا عقل. [انتهى جواب السؤال الأول]

стр. 2712

[السؤال الثاني] قال السائل كثر الله فوائده: إن بعض القبائل لهم سوق يجتمع فيه الناس في يوم معروف فمن مشى إليه فهو في أمانهم، فإذا حصل في ذلك جناية حمل أهل السوق على الجاني للقتال إلا أن يلتزم لهم بمال كثير لأنفسهم، والجناية بحالها إلى آخر كلامه. أقول: قيام هؤلاء الجماعة في حفظ السوق الذي يجتمع فيه جماعة من المسلمين ومنع من أراد أن يجني فيه على غيره لا شك أنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن بشرط أن تكون الجناية في ذلك المحل واقعة على المنهج الشرعي، أما إذا كانت واقعة على قانون الشرع مثل من يجني على غيره مدافعة أو قصاصا مستحقا عليه فهذا لا يسوغ المنع منه، نعم يسوغ إذا كان من باب سد الذرائع مثل أن يؤدي السكوت للجاني إلى أن يجني غيره بالباطل وكان ذلك أمرا معلوما بحيث يتعذر أن يقتصر على الحق دون الباطل فيه، كما هو معروف في كثير من الأسواق التي يجتمع إليها جماعة من البدو، فهذا من باب المعارضة بين جلب المصلحة الخاصة ودفع المفسدة العامة، ولا خلاف أن دفع المفسدة العامة أرجح فيكون المنع على العموم قربة والأعمال بالنيات. وأما الأخذ من مال الجاني لمن قام بالحفظ والمنع فإن كان ذلك المأخوذ بالعدل لا بالجور يصير إلى مصلحة لا يتم الحفظ الموصوف بدونها فلا بأس، وإن كان على خلاف ذلك فهو من باب أكل أموال الناس بالباطل.

стр. 2713

[السؤال الثالث] قال كثر الله فوائده فيمن وجد مالا مغصوبا أو مسروقا فعرف مالكه ففداه له هل يلزم المالك ذلك أم هو كالشراء يرده ويرجع بما بذل على أخذه. أقول: مال المسلم (١) لا يحل إلا بإذنه أو بحق شرعي مأذون به من طريق الشرع ولم يأت عن الشارع الإذن للغير باستفداء مال غيره المغصوب أو المسروق فيما أعلم، نعم إذا تبرع بالاستفداء وسلم ما استفدى به جهة نفسه فهو من باب المعاونة على البر امأمور به بل من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما الشأن في رجوعه بما سلم فهذا هو الذي لم يأب به إذن من الشارع فلم يبق إلا اعتبار إذن مالك المال فإن أذن رجع عليه وإلا فلا.

стр. 2714

[السؤال الرابع] قال عافاه الله في رجل فاضل ظهرت عليه الولاية وصل إلى بلادنا وادعى الإمامة فيها وأجابوه جملة وحصل منه الرغب والرهب وألزمهم الأحكام الشرعية وقد كان جمع أموالا أخذها على أهل الربا ونحوهم ثم قتل. والمراد من السؤال أن الأموال محفوظة، ومن هي بيده يقول: لا أردها إلا بحكم شرعي لأن الرجل لا يعلم له وارث. أقول: يتوجه صرف هذا المال إلى بيت مال المسلمين مع إمكان إيصال ذلك إليه إن علم أن سيصرف في مصارفه الشرعية إن وصل إليه وإذا تعذر الإيصال أو أمكن ولكن غلب على الظن أنه لا يصرف في المصارف الشرعية فالمتوجه دفعه إلى أصلح رجل من الساكنين بذلك المحل بشرط أن يكون ذا دين متين، وله حظ من العلم يعرف مهمات الشريعة، وهو يتوجه عليه أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة إن أمكن أن يتيسر له ذلك، فإن تعذر لانسداد أبواب ذلك أو اختلاط المعروف بالمنكر فعليه أن يصرفه في فقراء المسلمين القائمين بواجبات الإسلام لا من كان منهم مرتكسا في مهاوي الحرام مرتكبا لما يرتكبه سائر الطغام من موجبات الآثام.

стр. 2715

[السؤال الخامس] قال نفع الله به: إن مريم بنت ناموس (١) على عظام يوسف ﵇ مع قولهم إن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ويصومون. ما المراد وكيف الجمع؟. أقول: حديث الأنبياء أحياء في قبورهم صححه البيهقي وألف فيه جزءا (٢)، ويؤيد ذلك ما ثبت أن الشهداء أحياء (٣) يرزقون في قبورهم وهو ﷺ رأس الشهداء. قال الأستاذ أبو منصور البغدادي (٤): قال المتكلمون من أصحابنا: إن نبينا ﷺ حي بعد وفاته (٥) انتهى. ويعكر على هذا أمور:

стр. 2716

الأول: ما ورد في الصحيح (١) في حديث الإسراء أنه ﷺ لقي جماعة من الأنبياء في السماوات. أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم فوق ثلاث. ورني فوق أربعين يوما إن صح ذلك والله أعلم. وقد تكلم عن ذلك أهل العلم فأطالوا وأطابوا فبعضهم ضعف حديث الأنبياء أحياء في قبورهم وبعضهم جمع بينه وبين ما عارضه بأنه لا مانع من رفعهم إلى السماء ثم عودهم. وبعضهم جزم بأنهم باقون في قبورهم، وفي السماء ملائكة على صورهم. والحاصل أن المقام من المجازات لا باعتبار القصة (٢) المسؤول عنها فهي لا تنتهض

стр. 2717

لمعارضة ما ثبت عن الشارع ولا تستشكل الأحاديث باعتبارها فكثيرا ما وقع من الأكاذيب في كتب التفسير لا سيما المشتملة على حكاية القصص المطولة فهي متلقاة من أهل الكتاب المنصوص على أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويبدلون القول، بل كثير من الحكايات المدونة في كتب التفسير (١) لا مستند لها إلا ما يعتاده القصاص من تطويل ذيول المقال بالأكاذيب الحرية بالإبطال، فما كان كذلك لا ينبغي أن يلتفت إليه أو يعتقد صحته على فرض عدم معارضته لشيء مما ورد عن الشارع فكيف إذا عارض ما ورج وإن كان قاصرا عن رتبة الصحة. والحاصل أن التفسير الذي ينبغي الاعتداد به والرجوع إليه هو تفسير كتاب الله ﷻ باللغة العربية حقيقة ومجازا إن لم تثبت في ذلك حقيقة شرعية فإن ثبتت فهي مقدمة على غيرها، وكذلك إذا ثبت تفسير ذلك من الرسول ﷺ فهو أقدم من كل شيء، بل حجة متبعة لا تسوغ مخالفتها لشيء آخر، ثم تفاسير علماء الصحابة المختصين برسول الله ﷺ فإنه يبعد كل البعد أن يفسر أحدهم كتاب الله ولم يسمع في ذلك شيئا عن رسول الله ﷺ وعلى فرض عدم السماع فهو أحد العرب الذين عرفوا من اللغة دقها وجلها. وأما تفسير غيرهم من التابعين ومن بعدهم فإن كان من طريق الرواية نظرنا في صحتها سواء كان المروي عنه الشارع أو أهل اللغة وإن كان بمحض الرأي فليس ذلك بشيء، ولا يحل التمسك له ولا جعله حجة، بل الحجة ما قدمناه. ولا يظن بعالم من علماء الإسلام أن يفسر القرآن برأيه، فإن ذلك مع كونه من الإقدام على ما لا يحل [بما لا

стр. 2718

يحل] (١) قد ورد النهي عنه في حديث: " من فسر القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ، ومن فسر القرآن برأيه فأخطأ فقد كفر " (٢) أو كما قال، إلا أنا لم نتعبد بمجرد هذا الإحسان للظن على أن نقبل تفسير كل عالم كيفما كان (٣)، بل إذا لم نجده مستندا إلى

стр. 2719

الشارع ولا إلى أهل اللغة لم يحل لنا العمل به مع التمسك بحمل صاحبه على السلامة، ونظير ذلك اختلاف العلماء في المسائل العلمية، فلو كثر الله فوائده كان إحسان الظن مسوغا للعمل بما ورد عن كل واحد منهم لوجب علينا قبول الأقوال المتناقضة في تفسير آية واحدة أو في مسألة علمية، واللازم باطل فالملزوم مثله، وكثيرا ما نسمع من أسراء التقليد الذين يعرفون الحق بالرجال لا بالاستدلال إذا قال لهم القائل: الحق في هذه المسألة كذا أو الراجح قول فلان، قالوا: لست أعلم من فلان، يعنون القائل من العلماء بخلاف الراجح في تلك المسألة، فنقول لهم: نعم لست أعلم من فلان، ولكن هل يجب علي اتباعة والأخذ بقوله، فيقولون: لا ولكن الحق لا يفوته ومن يشابهه من العلماء، فنقول لهم: لا يفوته وحده لخصوصية فيه أم لا يفوته هو وأشباهه ممن بلغ إلى الرتبة التي بلغ إليها في العلم، فيقولون: نعم لا يفوته هو وأشباهه ممن هو كذلك، فيقال لهم: من الأشباه والأنظار في علماء السلف والخلف آلاف مؤلفة بل فيهم أعداد متعددة يفضلونه ولهم في المسألة الواحدة الأقوال المتقابلة، فربما كانت العين الواحدة عند بعضهم حلالا وعند الآخر حراما، فهل تكون العين حلالا حراما لكون كل واحد منهم لا يفوته الحق كما زعمتم، فإن قلتم: نعم، فهذا باطل، ومن قال بتصويب المجتهدين (١) إنما يجعل قول كل واحد منهم صوابا لا إصابة، وفرق بين المعنيين أو يقول القائل في جواب مقالتهم فلان أعرف منك بالحق لكونه أعلم إذا كان الأسعد بالحق الأعلم فما أحد إلا وغيره أعلم منه، ففلان الذي يعنون غيره أعلم منه فهو أسعد منه بالحق فلم يكن الحق حينئذ بيده ولا بيد أتباعه، وهذه المحاورات إنما يحتاج إليها من ابتلي بمحاورة المقصرين الذين لا يعقلون الحجج ولا يعرفون أسرار الأدلة

стр. 2720

ولا يفهمون الحقائق فيحتاج من ابتلي بهم وبما يرد عليه من قبلهم إلى هذه المناظرات التي لا يحتاج إلى مثلها من له أدنى تمسك بأذيال العلم، فإن كان عارف يعرف أن وظيفة المجتهد ليست قبول العالم المختص بمرتبة من العلم فوق مرتبته إنما وظيفته فبول حجته، فإذا لم تبرز الحجة لم يحل للمجتهد الأخذ بذلك القول الخالي عن الحجة في علمه، وإن كان في الواقع ربما له حجة لم يطلع عليها العالم الأول، وحمله على السلامة لا أنه يجوز التمسك به في أن المقالة حق يجوز التمسك به كما يجوز التمسك بها كما يجوز التمسك بالدليل فهذا لا يقوله إلا من لا حظ له من العلم ولا نصيب له من العقل

стр. 2721

[السؤال السادس] قال عافاه الله: السؤال السادس: إذا كان لقبيلة أرض موات يدعونها ولا منازع لهم فيها ولا بينة إلا اليد الحكمية إلخ. أقول: ينظر في مستند دعوى كونها ملكا لهم هل هو صدور إحياء في زمان سابق (١)، أو شراء من محي أو نوع من أنواع التمليك أو كان المستند هو كونها انصباب السيل إلى أملاكهم أو مواطن رعي أنعامهم: فإن كان الأول فلا شك أن دعوى الملك صحيحة واليد الحكمية يثبت بها الأصل والظاهر، فلا يقبل من الغير دعوى تخالف ذلك إلا ببرهان شرعي، وإن كان المستند ما ذكرنا آخرا فمثل الانصباب والمراعي ليست بأملاك في نفسها لمجرد ذلك فلا تقبل دعوى الملك لأن غاية ما تفيده اليد على الانصباب والمراعي هو ثبوت الحق لا الملك، وعلى الأول إذا عمرها غيره أو نحو ذلك كان له نزعها منه ولا يرجع بما غرم فيها إلا بإذن، وعلى الثاني ليس له نزعها منه ويكون أحق بها إلا أنه إذا حصل الضرر على الأول لعدم انصباب السيول إلى أرضه أو عدم رعي ماشيته في ذلك المحل فالظاهر أن له منعه، ويأثم إن لم يمتنع. والحاصل أن الأسباب المقتضية (٢) للملك معروفة وقد جود أئمة العلم الكلام في

стр. 2722

الإحياء (١) والتحجر (٢) وفرقوا بينهما بما يشفي فليراجع كلامهم في مواطنه (٣).

стр. 2723

وهذا النظم جواب السائل عافاه الله: نظام يا ابن ودي أم لآلي ... منظمة بأسلاك السؤال يقول إذا الأسير أراد سيرا ... إلى ربع الكمال مع الكمال ولام بأن يدين بما حوته ... نصوص كتاب ربي ذي الجلال وما في سنة للطهر طه ... مسلسلة بأسناد الرجال فهل غير الأدلة من سبيل ... لمن رام الوصول إلى الوصال وهل خير القرون ومن يليه ... سعوا يوما إلى قيل وقال فقل لي أي فرد منهم قد ... تلبس بانتساب وانتحال فما عرفوا التمذهب في رجال ... ولا صحبوه يوما في ارتحال بإسلام وإيمان تداعوا ... وصدوا عن مراء أو جدال ومن قصرت يداه عن مساع ... سعى نحو الأكابر للسؤال فيسرب من معين النص حتى ... يقول لقد رويت بما روى لي ولم ينسب إلى المسؤل شخص ... ولم يخطر لهم هذا ببال إذا ما لم يسعك سبيل قوم ... هم خير القرون بلا جدال فقد ضاقت عليك الأرض طرا ... ودافعت الحقيقة بالخيال فمن يعلم فإن له مثيلا ... من الصحب الكرام بلا مثال

стр. 2724

ومن يجهل فإن له نظيرا ... من الأصحاب لاذوا بالسؤال فقد كانوا على قسمين: قسم ... مجل قد تحلى بالجلال وقسم ما له في العلم حظ ... وكان له حظوظ في النزال كلا القسمين قد سلكوا طريقا ... وما دانوا بتقليد الرجال وما نسب امرؤ منهم لبكر ... ولا عمرو على مر الليالي فهذا عالم يروي لهذا ... وهذا قاصر يحفي السؤال وإنك أيها الحبر المفدى ... حقيق أن تميل إلى المعالي كذاك أبوك وهو الفذ فيما ... يحبر من بديعات المقال فكونا تابعين لكل نص ... صحيح واشردوا عن كل خال ولا تتهيبا جمهور قوم ... فمن وجد الدليل فما يبالي وقيسوا في الصدور ذوي جلال ... لديكم من جلالة ذي الجلال إذا ما قال " قال الله " شخص ... تطأطأ عند ذا شم الجبال وإن قال " الرسول يقول هذا " ... فقد طاحت أقاويل الرجال ومن وجد الحقيقة وهي حق ... فقد بطل التمسك بالخيال ومن رام الجدال فقد تولت ... لك الويلات أوقات الجدال وإن قال البغيض بلا احتشام ... فلان منك أعرف بالمقال فقد برح الخفاء فلا تجبه ... فإن الجهل كالداء العضال وأما من غدا ينفي اجتهادا ... ولم يستحي من قول المحال فقل لا در درك أي نص ... أتى يقضي بتخصيص الكمال وإن الفائزين به رجال ... ومحروم كثير من رجال وهل خص الإله بفضله من ... يعد مقدما من دون تالي مقال لم يقله غير قزم ... تقاعس عند معترك النزال مقال صان عنه الله قوما ... كراما صافحوا كف المعالي

стр. 2725

مقال من يكشفه يراه ... حديث خرافة في كل حال لعمرك إن بعد الست قوما ... هم أبطال معترك الجدال لعمرك إن بعد الست جيلا ... يجل على المخصص بالجلال وقلت وفي العقائد ليس يرضى ... لها التقليد أو ربط العقال فتلك لها اندراج في عموم ... هو المنع المعمم في المقال وما خبر الحدود حديث صدق ... ولكن عد في قيل وقال إلى البصري (١) ينسبه أناس ... ومنصور بن زاذان (٢) يغالي وجمعة ربنا شرعت ليسر ... ولم تشرع مقيدة بوالي ودم في نهج حق تنتحيه ... وتسلكه على مر الليالي كمل من تحرير المجيب وجمعه القاضي فخر الدين محمد بن علي الشوكاني حفظه الله ومتع المسلمين بحياته وحرسه بعينه، بحق محمد وآله وصحبه.

стр. 2726

بحث في جواز امتناع الزوجة حتى يسمى لها المهر تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2727

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " بحث في جواز امتناع الزوجة حتى يسمى لها المهر ". ٢ - موضوع الرسالة: " النكاح ". ٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم ". الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين وبعد: فإنه ورد السؤال من بعض الأعلام نفع الله بهم المسلمين الإسلام عن ما وقع من كتب الفقه: أنه يجوز للمرأة أن تمتنع من تمكين الزوج حتى يسمي لها مهرا. ٤ - آخر الرسالة: فإن ذلك ليس من شأنه، لأنه لم يتعقل الحجج الشرعية فضلا عن أن يصلح للاحتجاج بها. هو بخط المجيب المولى شيخ الإسلام ﵁، وإنما ضرب على اسمه لكون أول البحث ليس بخطه جزاه الله خيرا. ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - عدد الصفحات: ٦ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ١٩ سطرا ما عدا الأخيرة فهي ستة أسطر. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات. ٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 2728

صورة جواب نقل من خط المجيب سيدي المالك، الصنو، العلامة، البدر، عز الإسلام، محمد بن علي بن محمد الشوكاني - أطال الله مدته - لفظه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله الطاهرين، وبعد: فإنه ورد السؤال من بعض الأعلام - نفع الله بهم المسلمين والإسلام - عن ما وقع في كتب الفقه: من أنه يجوز للمرأة أن تمتنع من تمكين الزوج حتى يسمي لها مهرا، ثم حتى يعين، ثم حتى يسلم، وكان مضمون السؤال هو عن ما يذهب إليه راقم الأحرف - غفر الله له -. فأقول: اعلم أنه لا يخفى على من يعلم بما كان عليه أهل الإسلام، في أيام النبوة فما بعدها، أن المهور (١) كان يسلمها الأزواج قبل الدخول، ويسوقون ذلك إلى نسائهم، أو

стр. 2729

إلى أولياء النساء، وهذا معلوم بالنقل الذي تضمنته الوقائع المتعددة، والحكايات المدونة في كتب الحديث والتواريخ والسير. وقد كان الرجل إذا أراد نكاحا سعى في تحصيل المهر حتى يحصله، ثم يدفعه إلى من يريد نكاحها، ويدخل بها بعد ذلك، ومن جملة ما يفيد ما ذكرناه ما أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢)، وغيرهما (٣) من حديث سهل بن سعد أن النبي ﵌

стр. 2730

جاءته امرأة فقالت: إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﵌: " هل عندك من شيء تصدقها؟ " قال: ما عندي إلا إزاري، فقال النبي ﵌: " إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا "، فقال: ما أجد شيئا، فقال: " التمس ولو خاتما من حديد " فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له رسول [الله]﵌: " هل معك شيء من القرآن؟ " فقال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سماها، فقال النبي ﵌: " قد زوجتها بما معك من القرآن "، وللحديث ألفاظ وروايات (١). والمراد من هذا أنه قدم ﵌ سؤاله عن وجود المهر لديه، ثم ما زال ينتقل معه إلى خاتم الحديد (٢)، ثم إلى تعليمها ما يحفظه من القرآن (٣)، فأفاد ذلك أن تعجيل المهر وتقديمه على النكاح هو الثابت ...................................

стр. 2731

في الشرع (١)، هذا على فرض عدم وقوع التضييق من الزوجة، والامتناع من الدخول إلا بالمهر، كما وقع في هذه القصة. أما لو طلبت تعجيله، وامتنعت عن الدخول بها إلا بتسليمه فلا شك، ولا شبهة أن لها ذلك، لأنه ثم بضعها، وبه يستحل فرجها. وقد ثبت عنه ﵌: " أن أحق ما يلزم الوفاء به ما استحلت به الفروج " (٢)، فلو كان التأجيل للمهر (٣) وبقاؤه دينا على الزوج لازما للزوجة، رضيت أم كرهت، لكان في هذه القصة المتقدمة لذلك الفقير فرجا ومخرجا، فإن النبي ﵌ كان سيقول له: زوجتكها على مهر هو كذا، يكون دينا عليك حتى يرزقك لله، وبالجملة فنقل الواقعات الدالة على أن الثابت عنه

стр. 2732

- ﵌، وعن أهل عصره هو تسليم المهر للنساء قبل الدخول (١) بهن يحتاج إلى بسط طويل، ومن رام استيفاء ذلك فليبحث [في] (٢) الأمهات والمسانيد، وما يلتحق بذلك، وعندي أنه يجوز للمرأة أن تمنع نفسها من زوجها بعد دخوله بها حتى يسلم مهرها، على فرض أنه لم يسلمه قبل الدخول، لأنها تطلبه بدين عليه استحل به فرجها، أو هو يطلبها بما يجب له عليها من التمكين، وحقها مقدم على حقه، لأنه عوض بضعها الذي يطلبه منها، فلا حرج عليها إن منعت منه ما لم يوفها بعوضه، ومن لم يسوغ لها الامتناع بعد الدخول لم يحتج عليه بما يقوم به حجة، بل لمجرد رأي ومناسبة حاصلة، رعاية ما يجب للزوج بعد الدخول، وإهمال ما يجب للزوجة قبله وبعده. ولم يرد ما يوجب هذه الرعاية في جانب الزوج، ويسوغ الإهمال في جانب الزوجة، بل ورد ما يفيد خلاف ذلك، وهو أنعليه الوفاء بمهرها الذي استحل به بضعها، وحسن عشرتها. ومن أهم ما يجب عليه من حسن العشرة، وأقدم ما يلزم من المعروف الذي أمر الله به في محكم كتابه بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ ....................

стр. 2733

بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) هو تسليم مهرها , ولا سيما إذا كانت مطالبة له به، مصبقة عليه فيه، بل مطلها من أعظم أنواع الضرار التي نهى الله عنها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ (٢). وبالجملة فالهدي النبوي، والقانون المصطفوي هو تسليم مهر النساء قبل استحلال فروجهن، والدخول عليهن، من غير نظر إلى وقوع الطلب منهن. أما إذا وقع الطلب منهن فقد تعين ذلك على الزوج، فإن قدر عليه سلمه، وإن لم يقدر عليه فهو قبل الدخول بالخيار بين تسريحها أو إمساكها، غير مطالب لها بحقه قبل الوفاء منه بحقها، وإن كان قد دخل بها وطالبته بتسليمه وهو متمكن فلا شك ولا شبهة أنه يجب عليه ذلك، فإن لم يفعل كان لحكام المسلمين أن يأخذوا من ماله بقدر ذلك، شاء أم أبى، كما يفعلون ذلك في سائر الديون، فإن هذا دين من أهم الديون وأحقها بالوفاء. وليس له ولا لغيره من ولي , أو صحب ولاية أن يجبرها على تسليم حقه حتى تستوفي منه حقها. وأما إذا كان فقيرا فلا حرج عليها في الامتناع حتى يذهب، فيتكسب ما يقوم بمهرها. وقد يقال: إن هذا الدين وإن كان من أهم الديون فقد دخل تحت قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣) ولما كان الزوج ذا عسرة كان عليها إنظاره إلى ميسرة، ولكن هذا الدليل وإن أفاد وجوب الإنظار فلا يفيد وجوب التمكين منها له. والأدلة الدالة على وجوب الطاعة والانقياد وإن تناولت التمكين من الوطء تناولا أوليا، لكن لا يبعد أن يقال: إن لها أن تمنع منه ما مطلها بعوضه، حتى تحصله

стр. 2734

وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) , وكون الفقر عذرا له بقابله بأن نطلها في عوض بضعها عذر لها في منعه منه. فإن قيل: ما نزل به من الفقر صيره غير واجد، وكان ذلك عذرا له عن وجوب التعجيل، والزوجة لم يكن مطلها من مهرها عذرا لها في ترك التمكين لأنها متمكنة من ذلك، وليس من تعذر عليه تسليم ما يجب عليه كمن لم يتعذر عليه ذلك. فيقال: لم ينسد على الزوج طرق المكاسب، وأسباب المعاش التي يتوصل بها إلى تسليم ما يجب عليه بها، وهي لم تطلب منه التسليم في الحال، إنما طلبت منه السعي في التحصيل، ومنعته من شيء لم يسلم ما يجب عليه فيه، وبعد اللتيا والتي (٢) فلو كان الامتناع من تمكين الزوج (٣) الفقير بعد الدخول

стр. 2735

غر جائز، لكونه غير واجد، وقد أوجب الله إنظاره لم يكن الامتناع من الغني الممكن من التسليم غير جائز، بل لا شك في جوازه. أما قبل الدخول فظاهر، وأما بعد الدخول فلتعادل ما قدمنا ذكره من أدلة وجوب الوفاء من كل منهما بحق الآخر، وعدم المرجح لأحد الحقين على الآخر لا شرعا ولا عقلا. وإذا تقرر ما ذكرناه سابقا من أن تقديم تسليم المهر على الدخول هو المنهج الشرعي، والمهيع النبوي فقد اختلف في كونه واجبا منجما أم لا؟. فاستدل من أوجبه بما قدمنا في حديث الواهبة نفسها (١)، ومن أوجب تسليم بعضه استدل بما أخرجه أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وصححه الحاكم (٤) من حديث ابن عباس، قال: لما تزوج على فاطمة ﵄ قال له رسول الله - صلى الله عليه وآله
следующие страницы →