← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

في الشرع (١)، هذا على فرض عدم وقوع التضييق من الزوجة، والامتناع من الدخول إلا بالمهر، كما وقع في هذه القصة. أما لو طلبت تعجيله، وامتنعت عن الدخول بها إلا بتسليمه فلا شك، ولا شبهة أن لها ذلك، لأنه ثم بضعها، وبه يستحل فرجها. وقد ثبت عنه ﵌: " أن أحق ما يلزم الوفاء به ما استحلت به الفروج " (٢)، فلو كان التأجيل للمهر (٣) وبقاؤه دينا على الزوج لازما للزوجة، رضيت أم كرهت، لكان في هذه القصة المتقدمة لذلك الفقير فرجا ومخرجا، فإن النبي ﵌ كان سيقول له: زوجتكها على مهر هو كذا، يكون دينا عليك حتى يرزقك لله، وبالجملة فنقل الواقعات الدالة على أن الثابت عنه

стр. 2732

- ﵌، وعن أهل عصره هو تسليم المهر للنساء قبل الدخول (١) بهن يحتاج إلى بسط طويل، ومن رام استيفاء ذلك فليبحث [في] (٢) الأمهات والمسانيد، وما يلتحق بذلك، وعندي أنه يجوز للمرأة أن تمنع نفسها من زوجها بعد دخوله بها حتى يسلم مهرها، على فرض أنه لم يسلمه قبل الدخول، لأنها تطلبه بدين عليه استحل به فرجها، أو هو يطلبها بما يجب له عليها من التمكين، وحقها مقدم على حقه، لأنه عوض بضعها الذي يطلبه منها، فلا حرج عليها إن منعت منه ما لم يوفها بعوضه، ومن لم يسوغ لها الامتناع بعد الدخول لم يحتج عليه بما يقوم به حجة، بل لمجرد رأي ومناسبة حاصلة، رعاية ما يجب للزوج بعد الدخول، وإهمال ما يجب للزوجة قبله وبعده. ولم يرد ما يوجب هذه الرعاية في جانب الزوج، ويسوغ الإهمال في جانب الزوجة، بل ورد ما يفيد خلاف ذلك، وهو أنعليه الوفاء بمهرها الذي استحل به بضعها، وحسن عشرتها. ومن أهم ما يجب عليه من حسن العشرة، وأقدم ما يلزم من المعروف الذي أمر الله به في محكم كتابه بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ ....................

стр. 2733

بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) هو تسليم مهرها , ولا سيما إذا كانت مطالبة له به، مصبقة عليه فيه، بل مطلها من أعظم أنواع الضرار التي نهى الله عنها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ (٢). وبالجملة فالهدي النبوي، والقانون المصطفوي هو تسليم مهر النساء قبل استحلال فروجهن، والدخول عليهن، من غير نظر إلى وقوع الطلب منهن. أما إذا وقع الطلب منهن فقد تعين ذلك على الزوج، فإن قدر عليه سلمه، وإن لم يقدر عليه فهو قبل الدخول بالخيار بين تسريحها أو إمساكها، غير مطالب لها بحقه قبل الوفاء منه بحقها، وإن كان قد دخل بها وطالبته بتسليمه وهو متمكن فلا شك ولا شبهة أنه يجب عليه ذلك، فإن لم يفعل كان لحكام المسلمين أن يأخذوا من ماله بقدر ذلك، شاء أم أبى، كما يفعلون ذلك في سائر الديون، فإن هذا دين من أهم الديون وأحقها بالوفاء. وليس له ولا لغيره من ولي , أو صحب ولاية أن يجبرها على تسليم حقه حتى تستوفي منه حقها. وأما إذا كان فقيرا فلا حرج عليها في الامتناع حتى يذهب، فيتكسب ما يقوم بمهرها. وقد يقال: إن هذا الدين وإن كان من أهم الديون فقد دخل تحت قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣) ولما كان الزوج ذا عسرة كان عليها إنظاره إلى ميسرة، ولكن هذا الدليل وإن أفاد وجوب الإنظار فلا يفيد وجوب التمكين منها له. والأدلة الدالة على وجوب الطاعة والانقياد وإن تناولت التمكين من الوطء تناولا أوليا، لكن لا يبعد أن يقال: إن لها أن تمنع منه ما مطلها بعوضه، حتى تحصله

стр. 2734

وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) , وكون الفقر عذرا له بقابله بأن نطلها في عوض بضعها عذر لها في منعه منه. فإن قيل: ما نزل به من الفقر صيره غير واجد، وكان ذلك عذرا له عن وجوب التعجيل، والزوجة لم يكن مطلها من مهرها عذرا لها في ترك التمكين لأنها متمكنة من ذلك، وليس من تعذر عليه تسليم ما يجب عليه كمن لم يتعذر عليه ذلك. فيقال: لم ينسد على الزوج طرق المكاسب، وأسباب المعاش التي يتوصل بها إلى تسليم ما يجب عليه بها، وهي لم تطلب منه التسليم في الحال، إنما طلبت منه السعي في التحصيل، ومنعته من شيء لم يسلم ما يجب عليه فيه، وبعد اللتيا والتي (٢) فلو كان الامتناع من تمكين الزوج (٣) الفقير بعد الدخول

стр. 2735

غر جائز، لكونه غير واجد، وقد أوجب الله إنظاره لم يكن الامتناع من الغني الممكن من التسليم غير جائز، بل لا شك في جوازه. أما قبل الدخول فظاهر، وأما بعد الدخول فلتعادل ما قدمنا ذكره من أدلة وجوب الوفاء من كل منهما بحق الآخر، وعدم المرجح لأحد الحقين على الآخر لا شرعا ولا عقلا. وإذا تقرر ما ذكرناه سابقا من أن تقديم تسليم المهر على الدخول هو المنهج الشرعي، والمهيع النبوي فقد اختلف في كونه واجبا منجما أم لا؟. فاستدل من أوجبه بما قدمنا في حديث الواهبة نفسها (١)، ومن أوجب تسليم بعضه استدل بما أخرجه أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وصححه الحاكم (٤) من حديث ابن عباس، قال: لما تزوج على فاطمة ﵄ قال له رسول الله - صلى الله عليه وآله

стр. 2736

وسلم -: " أعطها شيئا " قال: ما عندي شيء. قال: " أين درعك الحطمية؟ "، وفي لفظ لأبي داود (١) أنه أراد أن يدخل بها فمنعه رسول الله ﵌ حتى يعطيها شيئا، فقال: يا رسول الله، ليس لي شيء، فقال له: " أعطها درعك " فأعطاها درعه، ثم دخل بها. واستدل من لم يجعل ذلك واجبا بما أخرجه أبو داود (٢)، وابن ماجه (٣) من حديث عائشة قالت: أمرني رسول الله ﵌ أن لا أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا، وقد سكت على هذا الحديث أبو داود، والمنذري. ويمكن الجمع بين الحديثين بوجوه: منها: أنه يجب تقديم التسليم مع الطلب من الولي، أو المرأة , ولا يجب مع عدم ذلك، وإن كان هو الباعث على عهد النبوة، الشائع الذائع، فأقل الأحوال أن يكون سنة مؤكدة مع عدم الطلب , واجبا منجما معه، فهذا حاصل ما ينبغي أن يقال به في هذه المسألة، وإن كان المقام يحتمل التطويل والبسط (٤).

стр. 2737

وأما احتجاج من يحتج على مطل النساء في مهورهن بأنه قد جرى العرف بذلك، فليست الأعراف المخالفة للمنهج الشرعي بحجة على أحد، بل هي معصية لله ولرسوله، فكيف نجعل المعاصي أدلة شرعية! فإن من بلغ به القصور إلى جعل معاصي الله - سبحانه - ومخالفة شرعه، وتعدي حدوده أدلة شرعية على عباد الله حقيق بأن يطلب العلم، ويستفيد من أهله , ويدع الاستدلال بما ليس بدليل، فإن ذلك ليس من شأنه لأنه لم يتعقل الحجج الشرعية فضلا عن أن يصلح للاحتجاج بها. هو بخط المجيب المولى شيخ الإسلام ﵁. وإنما ضرب على اسمه لكون أول البحث ليس بخطه - جزاه الله خيرا.

стр. 2738

بلوغ المنى في حكم الاستمنى تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2739

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " بلوغ المني في حكم الاستمني ". ٢ - موضوع الرسالة: " فقه النكاح ". ٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم. إياك نستعين والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وبعد، فإنه سأل الشيخ العلامة محمد عابد مراد السندي ... ". ٤ - آخر الرسالة: " واعلم أن الكلام في المرأة كالكلام في جميع ما أسلفنا لأن الحكم واحد، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية والله ولى التوفيق. بخط المؤلف العلامة بدر الإسلام محمد بن علي الشوكاني ". ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١٤ صفحة. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٣ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ٩ - ١٠ كلمة ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها ٨. ٩ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني. ١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 2740

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وإياك نستعين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله. وبعد: فإنه سأل الشيخ العلامة: " محمد عابد مراد السندي " - دامت فوائده، ومت موائده - بما لفظه: " ما قولكم - أدام الله فوائدكم، وأمتع بحياتكم - في الاستمناء بالكف أو التفخيذ، أن نحوهما، أو شيء يخالف جسد الإنسان، كالحك في شيء يحصل به الاستمناء هل ذلك محرم أم لا؟ معاقب عليه أم لا؟ مثاب فيه عند ضرورة، توجهت له تكاد توجب الزنا، أم لا. بينوا لنا بجواب شاف، مشتمل على الدلائل الشافية الصريحة في المقصودة، جزيتم خيرا " انتهى.

стр. 2741

أقول: الجواب عن هذا السؤال، بمعونة الملك المتعال ينحصر في بحثين. " البحث الأول " في النقل عن أهل العلم " البحث الثاني " في الكلام على ما تمسكوا به، وعلى ما أشار إليه السائل في السؤال من الاستفهامات. أما البحث الأول: فنقول: حكى ابن القيم (١) في كلام له عن ابن عقيل (٢) أنه قال: إذا قدر الرجل على التزويج حرم عليه الاستمناء بيده، قال: وأصحابنا - أي الحنابلة - وشيخنا أين (ابن تيمية) لم يذكروا سوى الكراهة، ولم يطلقوا التحريم، قال ابن عقيل أيضا: وإن لم يكن له زوجة، ولا أمة، ولم يجد به كره ولم يحرم، والفقير إذا خشي العنت فإنه جائز له، نص عليه أحمد (٣)، وروي أن الصحابة كانوا يفعلونه في غزواتهم

стр. 2742

وأسفارهم ... إلى أن قال: وإذا استمنى وصور في نفسه شخصا، أو دعا باسمه، فإن كان زوجة أو أمة فلا بأس، وإن كان غائبا عنهما، فإن الفعل جائز، ولا يمنع من توهمه أو تخيله، وإن كان غلاما أو أجنبية كره له ذلك، لأنه يكون أغرى لنفسه بالحرام، وحث عليه، قال: فإن أولج في بطيخة، أو عجين فهو أسهل من استمنائه بيده. فتلخص من كلامه هذا أن الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه يجوزون الاستمناء مع خشية العنت، ويجعلونه مكروها مع عدمها، ولو صور في نفسه صورة ويجعلون الكراهة في الاستمناء بالكف أشد من الكراهة في استخراج المني بشيء من الجمادات، كالبطيخ والعجين ونحوهما. وفي منتهى الإرادات (١) في فقه الحنابلة ما يدل على أنه لا يحل مع عدم الحاجة، فإنه قال: ومن استمنى لغير حاجة من ورجل أو امرأة حرم، وإن فعله خوفا من الزنا فلا شيء عليه. وقد حكى الرخصة عبد الرزاق في جامعه (٢) عن جماعة، فذكر بإسناده عن مجاهد قال: كان من مضى يأمرون شبابهم بالاستمناء يستعفون، وذكره معمر عن أيوب عن مجاهد. وأخرج عبد الرزاق (٣) أيضًا عن ابن جريج قال: قال لي عمرو بن دينار: ما أرى بالاستمناء بأسا. وأخرج (٤) أيضًا بإسناد متصل عن ابن عباس ما يدل على أنه يجوزه، وقد حكى ذلك عنه البيهقي (٥)، فإنه قال في سننه: أخبرنا أبو طاهر الفقيه، وأبو بكر

стр. 2743

القاضي، قالا: أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي: حدثنا عبد الرحيم بن منيب، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سفيان الثوري عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن ابن عباس أنه سئل عن الخضخضة أي نكاح اليد. فقال: نكاح الأمة خير منه، وهو خير من الزنا. هذا مرسل موقوف. أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي قال: أخبرنا أبو عبد الله بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، أخبرنا جعفر بن عون، أخبرنا الأجلح عن أبي الزبير عن ابن عباس [﵁] (١) أن رجلا أتاه فجعل القوم يقومون، والغلام جالس، فقال له بعض القوم: قم يا غلام، فقال ابن عباس [﵁] (٢): دعوه، شيء ما أجلسه، فلما خلى سبيله قال: يا ابن عباس إني غلام شاب أجد غلمة شديدة، فأدلك ذكري حتى أنزل، قال ابن عباس: هو خير من الزنا، ونكاح الأمة خير منه (٣). انتهى. وقال ابن نجيم (٤) من الحنفية: إن الاستمناء لتسكين الشهوة صغيرة. وقال السيد المهودي في فتاوية؛ نقل ابن كج أن فيه توقفا في القديم. قال: وفي تحرير المجد لابن تيمية: إنه مباح لمن خشي العنت أن يستمني بيده، فإن لم يخش حرم عليه، وعن أحمد يكره تنزيها، مقتضاه عند أحمد الجواز مع كراهة التنزيه حالة عدم الضرورة بأن لا يخشى العنت. قال السمهودي: ويحتمل حمل ما أطلقه الأصحاب من الجزم بالتحريم على هذه الحالة. انتهى. فتقرر بهذا أنه ذهب إلى الجواز أعم من أن يكون مع كراهة، أو مع عدمها ابن

стр. 2744

عباس، ومجاهد، وعمرو بن دينار، وابن جريج، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وبعض الحنفية، وبعض الشافعية، فما حكاه السيد العلامة هاشم بن يحيى الشامي ﵀ في جواب له من أن الاستمناء باليد أو نحوها مجمع على تحريمه إذا قدر الرجل على التزوج، أو التسري، أو كان لا يخشى العنت والضرر يخالف ما قدمناه عن أحمد وأصحابه، ويؤيد ذلك أن صاحب البحر (١) حكى الخلاف من غير تقييد يقيد فقال: مسألة: الأكثر ويحرم استنزال المني بالكف، ثم قال حاكيا عن أحمد بن حنبل، وعمرو بن دينار: إنه مباح، فأفاد هذا أنه منعه الأكثرون مطلقا، وأباحه الأقلون مطلقا، وقد اقتصر البيهقي في السنن (٢) على حكاية المنع عن الشافعي فقال: قال الشافعي (٣): لا يحل العمل بالذكر إلا في زوجة، أو ملك يمين ولا يحل الاستمناء. انتهى.

стр. 2745

البحث الثاني في الكلام على ما تمسك به المختلفون من المانعين والمجوزين. استدل المانعون بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (١). وتقرير الاستدلال ما يقيده قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ فإن الإشارة إلى قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فما غاير ذل فهو من الورى الذي لا يبتغيه إلا العادون، ويمكن أن يقال إنه لا عموم لهذه الصيغة ما هو مغاير للأرواح، وملك اليمين مغايرة أي مغايرة، وإلا لزم تحريم كل ما يبتغيه الإنسان، وهو مغاير لذلك، وإن كان الابتغاء لمنفعة من المنافع التي لا تتعلق بالنكاح، كالأكل والشرب. واللازم باطل بالإجماع، فلا بد من تقييد ذلك الابتغاء للورى، ومع

стр. 2746

تقييده بذلك، فلا بد من تقييده بكونه في فرج من قبل أو دبر، فيكون ما في الآية في قوة: فمن ابتغى نكاح فرج غير فرج الزوجات والمملوكات فأولئك هم العادون. فإن قلت: هذا إنما يتم إذا كان التقدير: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على فروج أزواجهم، أو فروج ما ملكت أيمانهم حتى يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، وذلك يستلزم أن يكون الاستمتاع بغير الفرج من الزوجات، وملك اليمين من الورى، فلا يحل، واللازم باطل فالملزوم مثله. قلت: جواز الاستمتاع بغير الفرج من الزوجات والمملوكات ورد به الدليل، كالأحاديث الواردة في جواز الاستمتاع منهما بغير الفرج (١)، وكقوله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٢) فلا يلزم بطلان اللازم، ولا بطلان الملزوم، فإن قلت: تقييد ما في الآية بالنكاح في فروج الزوجات والمملوكات غير ظاهر، بل المتبادر ما هو أعم من ذلك. قلت: هذا وإن كان هو الظاهر لكن صدق اسم النكاح على الاستمتاع من الزوجات والمملوكات بغير الفرج غير ظاهر، وقد عرفت أنه لا بد من تقييد ما في الآية به، وإلا لزم الباطل بالإجماع كما قدمنا؛ فإن قلت أنت لا يقدر النكاح بل يكفيك بمجرد ما في الآية من ذكر الحفظ، قلت: حفظ الفرج باعتبار مدلوله اللغوي أعم من حفظه عن النكاح وعن غيره، كالبول والمماسة للثبات، والجمادات، فلا بد من تقييد ما في الآية بالنكاح، وكما لا يصدق على الاستمتاع بغير الفرج من الزوجات والمملوكات اسم النكاح، وكذلك لا يصدق على الاستمناء بالكف ونحوه اسم النكاح، فتدبر هذا. وقد قيل: إن الآية مجملة، والمجمل لا يحتج به إلا بعد بيانه، وقد بين الله سبحانه في

стр. 2747

كتابه (١)، وكذلك رسوله ﷺ في سنته (٢) ما يحرم نكاحهم مثل الزنى الذي أوجب الله فيهم الحد. واحتجوا ثانيًا: بحديث: " ملعون من نكح يده " ولم أجده بهذا اللفظ، لكنه أورده ابن حجر في التلخيص (٣) فقال: رواه الأزدي في الضعفاء (٤)، وابن الجوزي (٥) من طريق الحسن بن عرفة (٦) في جزئه المشهر من حديث أنس بلفظ: " سبعة لا ينظر الله إليهم، فذكر منهم: الناكح يده "، وإسناده ضعيف. ولأبي الشيخ في كتابه: الترهيب (٧) من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي، وكذلك رواه جعفر الفريابي من حديث عبد الله بن عمر، وفي إسناده ابن لهيعة، كذا في تلخيص ابن حجر (٨). وأخرجه البيهقي في الشعب (٩)، وروى السيوطي في مسند أبي هريرة من جمع

стр. 2748

الجوامع: أن النبي ﷺ نهى عن نكاح اليمين. قال: أخرجه ابن عساكر. ويجاب بأن مثل هذه الروايات الواهية لا تنتهض للاحتجاج بها. وعلى فرض أنه يقوي بعضها بعضا، فيحمل مطلقها على مقيدها، ويكون الممنوع منه الاستمناء باليمين لا باليساء، ولا بشيء من الجمادات. ومن جملة ما تمسك به المانعون ما علم من محافظة الشرع وعنايته بتحصيل مصلحة التناسل (١). ويجاب بأن هذا مسلم إذا استمنى من له زوجة، أو أمة حاضرتان لا من كان أعزب، أو كان في بلاد بعيدة عن من يحل له نكاحه، ولا سيما إذا كان ترك ذك يضره، كمن يكون قوي الباءة، كثير الاحتياج إلى إخراج ما ببدنه من فضلات المني، فإن هذا باب من أبواب التداوي التي أباح الشارع جنسها من غير تعيين لنوعها، ولا لشخصها. وليس هذا من التداوي بالحرام حتى يقال أن الله (٢) لم يجعل شفاءنا فيما حرمه علينا، لما عرفت أنه لم ينتهض الدليل القاضي بالتحريم. ومن جملة ما تمسكوا به أنه ينافي ما ورد في الشرع من الترغيب في النكاح (٣)،

стр. 2749

ويجاب عن ذلك بأن هذا الذي هو محل النزاع، فعل ما فعله من الاستمناء للحاجة، وعدم القدرة على زوجة أو أمة، أما لو كان قادرا عليهما، وأراد أن يعدل عنهما إلى الاستمناء فلا شك أن فعله هذا يخالف ما ورد من الترغيب في النكاح، بل مجرد ترك التزوج مع القدرة عليه، يخالف ما ورد في الشرع من الترغيب في النكاح، ولو لم يقع منه الاستمناء أو نحوه. ومن جملة ما تمسكوا به، قياس الاستمناء على اللوطية (١)، يجامع قطعهما للنسل، ومنعهما منه، ويجاب بأن هذا قياس مع الفارق؛ فإن التلوط هو في فرج محرم شرعا، وليس الاستمناء في فرج. وأيضا يجاب بالمعارضة، وهو أن هذا القياس يجري في الاستمتاع فيقال: الاستمتاع من الزوجة بغير الفرج قد سوغه الشارع مع كونه يجامع اللوطية في قطع النسل، فلو كان ذلك موجبا للتحريم لكان الاستمتاع المذكور حراما، واللازم باطل فالملزوم مثله، والجواب الجواب، وأيضا بالنقض فيقال: لو كان هذا القياس صحيحا لكان الحد واجبا على من استمنى، كما يجب على من تلوط، وليس بواجب بإجماع المسلمين. ومن جملة ما تمسكوا به قياس الاستمناء بالكف ونحوه على العزل (٢)، ويجاب بأن

стр. 2750

الأصل مختلف في تحريمه لاختلاف أدلته (١)، فلا يصح القياس لمحل النزاع على ما هو متنازع فيه، وأيضا يجاب بالمعارضة بمثل الاستمتاع من الزوجة والأمة بغير الفرج، فإن كل ما فرض مانعا الاستمناء فهو مانع من الاستمتاع. وقد صح الدليل في جواز الثاني، ولم يصح الدليل في تحريم الأول. ومن جملة ما تمسكوا به أن الاستمناء بالكف استمتاع بالنفس، ويجاب بأن هذا إن كان استدلالا على عدم جواز الاستمتاع بالكف فهو مصادرة على المطلوب؛ لأنه استدلال بمحل النزاع، فمن يقول بإباحة الاستمناء بالكف يجوز الاستمناء بحك الذكر مثلا بالفخذ والساق ونحوهما، وأيضا لو صح أن يكون أصلا يقاس عليها الاستمناء بالكف لكان دليل التحريم في الأصل ممنوعا، فالفرع مثله، وأيضا لو خلى العقل وشأنه لكان للإنسان الانتفاع بنفسه في دفع الضرر عنه، ورفع الحاجة منه، بما لا يحرم عليه، كما أن له أن ينتفع بها في طلب المعاش والكسب العائد نفعه عليه، وفي الرياضة ونحوها من أسباب الصحة، ودفع المرض، وفي إكراهها على استعمال الأدوية التي تكرهها، والأدوية المسهلة والاستفراغات التي لا تتم إلا بتأليم للبدن بوجه من الوجوه كالفصد، والحجامة، والحقنة، واللدود، ونحو ذلك.

стр. 2751

ومن جملة ما تمسكوا به أن المستمني بالكف ونحوه قد يتصور (١) شخصا ممن يحرم عليه، وفي ذلك إغراء للنفس بالحرام، وتهوينه عليها، ويجاب بأن هذا التصور على فرض وقوعه، ما الدليل على تحريمه؟ إن كان ما ذكرتم من الإغراء للنفس، فإن كان هذا صحيحا كان مجرد التفكير في النكاح وخطوره بالبال، أو تصور صورة لا تعرف، ولا يعلم المتصور وجودها حراما، وهو باطل بالإجماع، وما استلزم الباطل باطل، ثم يلزمكم جواز الاستمناء بالكف عند عدم تصور الصورة المحرمة أو عند صور من يحل نكاحه، وأنتم لا تقولون به. والجواب الجواب، ثم ما ذكرتم من كون ذلك إغراء للنفس، وذريعة إلى الحرام، وتوصلا إليه ممنوع، بل الأمر بالعكس، فإن من ترك إخراج فضلات المني تزايد شبقه، وتضاعفت دواعي شهوته، ووقع في الحرام اضطرارا لا اختيارا، فلو كان مجرد مظنة الإغراء للنفس مسوغا للأحكام الشرعية لكان ذلك حجة عليكم لا لكم. ومن جملة ما تمسكوا به أن في الاستمناء بالكف مضارا يذكرها أهل الطب، منها فتور الذكر، ويجاب بأن النزاع ههنا في الأحكام الشرعية، لا في الأحكام الطبية (٢)،

стр. 2752

ثم هذه المضار لا يمكن تقديرها في الاستمناء دون الاستمتاع بما عدا الفرج م الزوجة والأمة، والجواب لجواب، ثم لو كان مجرد ما يؤثر فتور الذكر موجبا للتحريم، لكان جميع الأطعمة والأغذية المؤثرة لذلك حراما، واللازم باطل بالإجماع والملزوم مثله، ثم قد وقع الإجماع على جواز الاستمناء بيد الزوجة، وكل ما يفرض من المضار الطبية في الاستمناء بكف لإنسان نفسه فهو موجود في الاستمناء بكف الزوجة، والجواب الجواب.

стр. 2753

ومن جملة ما تمسكوا به المانعون ما قاله الشيخ هاشم بن يحيى في جوابه المشار إليه سابقا، ولفظه: وأقول مما يؤيد التحريم ما أخرجه البخاري (١) عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل شاب وأخاف العنت، ولا أجد ما أتزوج به، ألا أختصي؟ فسكت عني، ثم قلت: فسكت عني، ثم قال: " يا أبا هريرة، من القدر (٢)

стр. 2754

بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر ". ولو كان الصحابة يفعلون ذلك لما عدل عنه أبو هريرة إلى طلب الترخيص في أن يختصي، ولو كان إلى جواز ذلك سبيل لأرشده من هو بالمؤمنين رؤوف رحيم، الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، ولم يعدل إلى ذلك الجواب القاطع للطمع عن كل رخصة في حق من بلغ في المشقة إلى تلك الغية. انتهى. وأقول: ليس في الحديث شيء من الدلالة التي زعمها، أو التأييد لذي ذكره. أما قوله: لو كان الصحابة يفعلون ذلك لما عدل عنه، فليس كل مباح كان الصحابة يفعلونه، ولم يقل أحد من أهل الإسلام: إن ما لم يفعله الصحابة حرام، وإلا لزم تحريم كثير من الأطعمة والأشربة والأدوية والملبوسات التي كان الصحابة لا يفعلونها، واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله. وأما كون النبي ﷺ لم يرشد أبا هريرة إلى الاستمناء، فلم يقل أحد من علماء الإسلام أن كل ما لم يرشد النبي ﷺ إليه يكون حراما، وإنما السنة قوله وفعله، وتقريره، وليس منها ترك إرشاده، وغاية ما في الحديث أن النبي ﷺ أخبر أبا هريرة أن ما يلاقيه من شدة الحاجة إلى النكاح هو بقدر الله (١)، . والحاصل أن هذا الاستمناء إن لم يستلزم ما ذكره الله في كتابه العزيز من قوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (٢) ولا كان فيه مباشرة لقدر كما علله الله به اعتزال الحائض: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٣)، بل كان عند الضرورة، والحاجة وعدم الزوجة، والأمة، أو البعد عنهما، فلا وجه لتحريمه، وغاية ما فيه أن يقال: هو

стр. 2755

من المشتبهات التي لم تكن من الحلال البين (١)، ولا من الحرام البين، والمؤمنون وقافون عند الشبهات (٢)، ولو صح الحديث المتقدم في نكاح اليد، أو كان حسنا لتبين به التحريم، وهكذا لو صحت دلالة الآية عليه بوجه من وجوه الدلالات، ولا شك أن في هذا العمل هجنة، وخسة وسقوط نفس، وطرح حشمة، وضعف همة، وكن الشأن في تحريمه، فإن من حرم شيئا لم ينتهض الدليل على تحريمه كان من المتقولين على الله ما لم يقل، وقد جاءت العقوبة لفاعله بالأدلة الصحيحة، وبهذا يتضح جواب ما سأل عنه السائل - كثر الله فوائده - حيث قال: ما قولكم في الاستمناء بالكف أو التفخذ أو نحوها؟. وأما قوله: أو شيء يخالف جسد الإنسان كالحك في شيء يحصل به الاستمناء، هل ذلك محرم أم لا معاقب عليه، مثاب فيه عند ضرورة توجهت له تكاد توجب الزنا , أم لا؟. انتهى. فأقول: ليس في كتاب الله , ولا في سنة رسوله ﷺ دليل صحيح، ولا ضعيف يقتضي تحريم ما ذكره، بل هو عند الضرورة إليه مباح (٣)، وإذا تعاظمت الضرورة،

стр. 2756

وتزايدت الحاجة، وخشي أن يفضي ذلك إلى الإضرار ببدنه فهو بمنزلة الأدوية واستعمالها، ويزداد ذلك جوازا وإباحة إذا خشي الوقوع في المعصية إن لم يفعله. وهذا إذا لم يمكنه دفع الضرورة، وكسر سورة الباءة، وقمع هيجان الغلمة، وتسكين غليان الشبق بشيء من الأمور التي هي طاعة محضة، كالصوم، وكثرة العبادة، والاشتغال بطلب العلم، والتفكر في أمور المعاد، أو بشيء من الأطعمة أو الأشربة، أو الأدوية (١) , أو مزاولة الأعمال التي يستقيم بها معاشه، ويرتفق بها حاله. واعلم أن الكلام في المرأة (٢) كالكلام في الرجل في جميع ما أسلفنا، لأن الحكم واحد. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والله ولي التوفيق. بخط المؤلف شيخنا العلامة بدر الإسلام محمد بن علي الشوكاني.

стр. 2757

جواب على الأسئلة الواردة من العلامة أحمد بن يوسف زبارة، وتتضمن الأبحاث التالية: ١ - بحث في نفقة الزوجات. ٢ - بحث في الطلاق المشروط. ٣ - بحث في الصوم لي وأنا أجزي به. ٤ - بحث في اختلاف النقد المتعامل به . تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2758

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " جواب على الأسئلة الواردة من العلامة أحمد بن يوسف زبارة وتتضمن الأبحاث التالية: ١ - بحث في نفقة الزوجات. ٢ - بحث في الطلاق المشروط. ٣ - بحث في الصوم لي وأنا أجزي به. ٤ - بحث في اختلاف النقد المتعامل به. ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم " " الحمد لله وحده، وبعد: فإنه وصل من سيدي العلامة صفى الإسلام أحمد بن يوسف زبارة - كثر الله فوائده - ونفع بعلومه سؤالات ... ". ٤ - آخر الرسالة: " ... وفي هذا كفاية ... حرره في النصف الأول من ليلة سادس وعشرين شهر الحجة سنة ١٢١٣ هـ المجيب محمد الشوكاني. ٥ - عدد الصفحات: ١٧ صفحة. ٦ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢١ سطرا. ٧ - عدد الكلمات في السطر: ٩ - ١٠ كلمات. ٨ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٩ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني. ١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 2759

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، وبعد: فإنه وصل من سيدي العلامة صفي الإسلام أحمد بن يوسف زبارة - كثر الله فوائده ونفع بعلومه - سؤالات. [بحث في نفقة الزوجات] الأول: منها لفظه: الفرض للزوجة ونحوها ما حكمه حتى يجعل لها قد ونحوه، كيف يجزم في اليوم بنصف صاع مثلا، وإذا قلنا بهذا فهو معارض لقول النبي ﵌: " خذي ما يكفيك وولدك " (١)، وإذا ألزمنا بذلك في هذا الزمان أنها تأخذ ما يكفيها، فهل تصدق في أنه لا يكفيها إلا زائد على ما يعتاد، وإذا صدقناها

стр. 2760

فهل يكون التصديق داخلا في النهي، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (١)، فقد ورد في كثير من التفاسير (٢) بأنه تمكين المرأة مال الرجل؟ أفيدوا فالمسألة كثيرة الورود، وما ذا يكون الاعتماد؟ انتهى. والجواب أنهال قد اختلفت المذاهب في تقدير النفقة الواجبة بمقدار معين، وعدم التقدير، فذهب جماعة من أهل العلم، وهم الجمهور إلى أنه لا تقدير للنفقة إلا بالكفاية (٣). وقد اختلفت الرواية عن الهادي، فروي عنه ما تقدم، وجزم في الفنون بالتقدير بمدين لكل يوم، ولكل شهر درهمان للإدام، وجزم في المنتخب (٤) بأنه يجب على الموسر ثلاثة أمداد لكل يوم، سوى الإدام، وعلى المعسر مد ونصف. قال في الغيث (٥): وليس هذا بتحقيق، لأن الهادي قد قال: أو أقل من ذلك على ما يراه الحاكم، وقال الشافعي (٦): على المسكين والمتكسب مد، وعلى الموسر مدان، وعلى المتوسط مد ونصف، وقال أبو حنيفة (٧): على الموس سبعة دراهم إلى ثمانية في الشهر، والمعسر أربعة دراهم إلى خمسة. قال بعض أصحابه (٨): هذا التقدير في وقت رخص الطعام، وأما في غيره فتعتبر بالكفاية. انتهى.

стр. 2761

والحق ما ذهب إليه القائلون بعدم التقدير (١)، لاختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والأشخاص؛ فإنه لا ريب أن بعض الأزمنة قد يكون أدعى للطعام من بعض، وكذبك الأمكنة، فإن في بعضها قد يعتاد أهله أن يأكلوا في اليوم مرتين، وفي بعضها ثلاثا، وفي بعضها أربعا، وكذلك الأحوال؛ فإن حالة الجدب تكون مستدعية لمقدار من الطعام أكثر من لمقدار الذي تستدعيه حالة الخصب، وكذلك الأشخاص، فإن بعضهم قد يأكل الصاع فما فوقه، وبعضهم قد يأكل نصف صاع، وبعضهم ربع صاع، وبعضهم دون ذلك. وهذا الاختلاف معلوم بالاستقراء التام، ومع العلم بالاختلاف يكون التقدير على طريقة واحدة ظلما وحيفا، ثم إنه لم يثبت في هذه الشريعة المطهرة التقدير بمقدار معين قط، بل كان ﵌ يحيل على الكفاية مقيدا لذلك بالمعروف، كما في حديث عائشة عند البخاري (٢)، ومسلم (٣) وأبي داود (٤)، والنسائي (٥) وأحمد بن حنبل (٦)، وغيرهم (٧) أن هندا قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ". فهذا الحديث الصحيح فيه الإحالة على الكفاية (٨) مع التقييد

стр. 2762

بالمعروف، والمراد به الشيء الذي يعرف، وهو خلاف الشيء الذي ينكر، وليس هذا المعروف الذي أرشد إليه الحديث شيئا معينا معلوما، ولا المتعارف بين أهل جهة معينة، بل هو في كل جهة باعتبار ما هو الغالب على أهلها المتعارف بينهم. مثلا أهل صنعاء المتعارف بينهم الآن أنهم ينفقون على أنفسهم وأقاربهم الحنطة والشعير والذرة، ويعتادون الإدام سمنا ولحما، فلا يحل أن يجعل طعام من تجب نفقته من طعام غير الثلاثة الأجناس المتقدمة، كالعدس، والفول، ولا من الشعير والذرة فقط، ولا بدون إدام، ولا بإدام غير المعتاد كالزيت والتلبينة، ونحو ذلك؛ فإن ذلك جميعه وإن كان يصدق عليه لفظ الكفاية لا يصدق عليه معنى المعروف، والعمل بالمطلق وإهمال قيده لا يحل. وأما أهل البوادي المتصلة بصنعاء والقريبة منها بمقدار بريد (١) ودونه وفوقه فالمعروف عندهم هو الكفاية من أي طعام كان، من غير سمن ولا لحم إلا في أندر الأحوال، بل يكتفون تارة بالتلبينة (٢)، وتارة بما يقوم مقامها، فالمتوجه شرعا على من وجبت عليه

стр. 2763

أن يدفع إلى من كان في مثل صنعاء ما هو المعروف لديهم مما قدمنا، وإلى من كان في البوادي ما قدمنا مما هو المعروف لديهم، ويعتبر في كل محل ما يعرف أهله، ولا يحل العدول عنه إلا مع التراضي، وكذلك الحاكم يجب عليه مراعاة المعروف بحسب الأزمنة والأمكنة، والأحوال والأشخاص، مع ملاحظة حال الزوج من اليسار والإعسار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (١). وإذا تقرر لك أن الحق عدم جواز تقدير الطعام بمقدار معين فكذلك لا يجوز تقدير الإدام بمقدار معين، بل المعتبر الكفاية بالمعروف. وقد حكى صاحب (٢) البحر (٣) أنه قد قدر في اليوم أوقيتان دهنا من الموسر، ومن المعسر أوقية، ومن المتوسط أوقية ونصف. وفي شرح الإرشاد أنه يعتبر في الإدام تقدير القاضي باجتهاده عند التنازع، فيقدر في المد من الإدام ما يكفييه، ويقدر على الموسر ضعف ذلك، وعلى المتوسط بينهما، ويعتبر في اللحم عادة البلد للموسرين والمتوسطين كغيرهم. قال الرافعي (٤): وقد تغلب الفاكهة في أوقاتها فتجب، ثم قال: وإنما يجب ما ذكر لزوجته إن لم تؤاكله حال كونها رشيدة، فإن واكلته وهن رشيدة سقطت نفقتها، ثم ذكر كلاما طويلا. وأقول: المرجع ما هو معروف عند أهل البلد في الإدام جنسا، ونوعا، وقدرا، وكذلك في الفاكهة لا يحل الإخلال بشيء مما يتعارفون به إن قدر من تجب عليه النفقة على ذلك، وكذلك ما يعتاد من التوسعة في الأعياد ونحوها. ويدخل في ذلك مثل القهوة والسليط (٥). وبالجملة فقد أرشد الشارع إلى ما هو معروف من الكفاية، وليس بعد هذا الكلام الجامع المفيد شيء من .................................

стр. 2764

البيان (١). وأما ما أجاب به عن الحديث بعض من لم يتمرن بعلم الأدلة، ويتدرب بمسالك الاجتهاد من أنه لم يكن منه ﵌ على طريقة الحكم بل على طريقة الإفتاء (٢)، فهذه غفلة كبيرة، وبعد عن الحقيقة، لأنه ﵌ لا يفتي إلا بما هو حق وشرع، وقد تقرر أن السنة أقواله وأفعاله وتقرياته، لا مجرد أحكامه فقط، أي التي تكون بعد الخصومة، وحصول المتخاصمين، ولو كانت السنة ليست إلا الأحكام الكائنة على تلك الصفة لم يبق منها حجة على العباد إلا أقل من عشر معشارها؛ لأن صدور الحكم منه ﵌ على تلك الصفة إنما وقع في قضايا محصورة كقضية الحضرمي، والزبير (٣)، وعبد بن زمعة (٤)، ....................

стр. 2765

والمتلاعنين (١). فإن قلت: ما وجه ما فعله كثير من القضاة في هذه الأزمنة من تقدير النفقة بقدح من الطعام متنوعا. قلت: هو من تقدير الكفاية بالمعروف؛ لأن القدح يكفي غالب الأشخاص شهرا لا سيما في مثل صنعاء، فيكون للشخص في كل يوم نصف صاع يأتي المجموع في ثلاثين يوما خمسة عشر صاعا، وهي قدح ينقص صاعا، فهذا فيه ملاحظة للمعروف باعتبار الغالب، ولكن إذا انكشف أنه لا يكفي بأن يكون الشخص أكولا فلا يحل العمل بذلك الغالب؛ لأن فيه إهمالا لما أرشد إليه ﵌ من الكفاية، وهذا ليس فيه كفاية. فالحاصل أنه لا بد من ملاحظة أمرين: أحدهما الكفاية، والثاني كونها بالمعروف، فإذا علم مقدار الكفاية كان المرجع في صفاتها إلى المعروف، وهو الغالب في البلد (٢)، وإذا لم يعلم حال الشخص في مقدار ما يكفيه، أو وقع الاختلاف (٣) بينه وبين من يجب عليه إنفاقه كان القول قول من يدعي ما هو المتعارف به، مثلا إذا قال من له النفقة لا يكفيه إلا قدحان، وقال من عليه النفقة: بل يكفيه قدح، كان القول قول من عليه

стр. 2766

النفقة، لكونه مدعيا لما هو الغالب في العادة، وإذا تبين حال من له النفقة وجب الرجوع إلى ذلك لما عرفناك من أنه لا يحل الوقوف على مقدار معين على طريق القطع والبت، ثم الظاهر من قوله ﵌: " خذ ما يكفيك بالمعروف " (١) أن ذلك غير مختص بمجرد الطعام والشراب، بل يعم جميع ما يحتاج إليه، فيدخل تحته الفضلات (٢) التي قد صارت بالاستمرار عليها مألوفة، بحيث يحصل التضرر بمفارقتها، أو التضجر، أو التكدر. ويختلف ذلك بالأشخاص والأزمنة والأمكنة والأحوال، ويدخل في الأدوية (٣) ونحوها. وإليه يشير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ

стр. 2767

وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١)؛ فإن هذا نص في نوع من أنواع النفقة أن الواجب على من عليه النفقة رزق من عليه إنفاقه، والرزق يشمل ما ذكرناه، وقال في الانتصار (٢): ومذهب الشافعي (٣): لا تجب أجرة الحمام، وثمن الأدوية، وأجرة الطبيب؛ لأن ذلك يراد لحفظ البدن، كما لا يجب على المستأجر أجرة إصلاح ما انهدم من الدار (٤)، وقال في الغيث (٥): الحجة أن الدواء لحفظ الروح، فأشبه النفقة. انتهى. قلت: وهو الحق لدخوله تحت عموم قوله: ما يكفيك، وتحت قوله ﴿رِزْقُهُنَّ﴾، فإن الصيغة الأولى عامة باعتبار لفظ (ما)، والثانية عامة لأنها مصدر مضاف، وهو من صيغ العموم، واختصاصه ببعض المستحقين للنفقة لا يمنع من الإلحاق. وبمجموع ما ذكرناه يتقرر لك أن الواجب على من عليه النفقة لمن له النفقة هو ما يكفيه بالمعروف، وليس المراد تفويض أمر ذلك إلى من له النفقة، وأنه يأخذ ذلك بنفسه حتى يرد ما أورده السائل - دامت إفادته - من خشية السرف في بعض الأحوال، بل المراد تسليم ما يكفي على وجه لا سرف فيه بعد تبين مقدار الكفاية بأخبار المخبرين، الأنبياء, تجريب المجربين، كما

стр. 2768

سبق، وهو معنى قوله ﵌: " بالمعروف " أي لا يغير المعروف، وهو السرف والتقتير. نعم. إذا كان الرجل لا يسلم ما يجب عليه من النفقة جاز لنا الإذن لمن له النفقة بأن يأخذ ما يكفيه، إذا كان من أهل الرشد لا إذا كان من أهل السرف والتبذير، فإنه لا يجوز لنا تمكينه من مال من عليه النفقة، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (١) بل ورد ما يدل على عدم جواز دفع أموال من لا رشد لهم إليهم كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢) فجعل الرشد شرطا لدفع أمولهم إليهم، فكيف يجوز دفع أموال غيرهم إليهم مع عدم الرشد؟ ولكن يجب علينا إذا كان من عليه النفقة متمردا، ومن له النفقة ليس بذي رشد أن يجعل الأخذ إلى ولي من لا رشد له، أو إلى رجل عدل. وأما ما ورد في بعض التفاسير (٣) من أن المراد بالسفهاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا

стр. 2769

السُّفَهَاءَ (١) أَمْوَالَكُمُ﴾ (٢) تمكين المرأة (٣) من مال الرجل، كما ذكره السائل - عافاه الله -

стр. 2770

فذلك إنما هو باعتبار أن غالب نوع النساء خال عن الرشد، وإلا فلا شك أن عدم الرشد يوجد في غيرهن، كالصبيان والمجانين، ومن يلتحق بهم من البله والمعتوهين، وكثير ممن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين. ولا شك أيضًا أن في النساء من لها من الرشد والكمال ما لا يوجد في أفراد الرجال، ومنهن هند بنت عتبة بن ربيعة المذكورة في الحديث، فإنها كانت من سروات نساء قريش المشهورات بحسن العقل، وكمال الفطنة، كما يعرف ذلك من عرف أخبارها ومحاوراتها لرسول الله ﵌ عند مبايعته لها، فالحاصل أنه لا ملازمة بين القول بوجوب الكفاية في النفقة، وبين حصول السرف، بل الأمر كما قدمنا، والله أعلم.
следующие страницы →