← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

فأجبت بما لفظه: اعلم أن كلام أهل المذهب في كتبهم (١) الفروعية بأن الطلاق واليمين يتقيدان بالمشيئة الإلهية، ويعتبر ما يظهر للبشر من إرادته تعالى في مجلس الطلاق أو اليمين على حسب التفاصيل المذكورة في كتب الفقه. وفي مسألة التعليق بالمشيئة كلام طويل الذيول، وخلاف منتشر قد أشار السائل إلى طرف منه، فلنقتصر على بيان حجج ما ذكره السائل من الأقوال، فنقول: أما من قال: إن التعليق بالمشيئة يقتضي منع الكلام عن النفوذ فلا يقع طلاق ولا عتاق، فدليله عدم إمكان الوقوف على المشيئة الإلهية على التحقيق، فيتعين البقاء على الأصل حتى تظهر حقيقة الأمر، وهي لا تظهر إلا بإخبار الله لنا عن ذلك، وإخباره لنا لا يكون إلا على لسان نبي أو ملك، وذلك ممتنع بعد انسداد باب النبوة، ويدل أيضًا على عدم لزوم اليمين المعلقة بمشيئة الله على الخصوص ما أخرجه الأربعة (٢)، وابن حبان (٣) وصححه، من حديث ابن عمر قال: إن رسول الله ﷺ قال: " من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، فقد استثنى " (٤) وفي رواية (٥): " من حلف على يمين فاستثنى، فإن، فإن شاء فعل، وإن شاء ترك غير حنث ". ولفظ الترمذي (٦): " من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه ". وأخرج ..........................................................................

стр. 2802

الترمذي (١) والنسائي (٢) من حديث أبي هريرة مرفوعا: " من حلف، فقال: إن شاء الله، لم يحنث ". وأخرج أبو داود (٣) من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: " والله لأغزون قريشا، ثم سكت ن ثم قال: إن شاء الله، ثم لم يغزهم ". فهذه الأحاديث تدل على أن اليمين المعلقة بمشيئة الله تعالى لا ينعقد، وإليه ذهب الجمهور (٤)، وادعى القاضي أبو بكر ابن العربي (٥) الإجماع على ذلك، فقال: أجمع المسلمون على أن قوله: إن شاء الله، يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا ". وأما الاستثناء في الطلاق فذهب الجمهور (٦) إلى أنه مانع منه، ومثله العتق والظهار، والنذر، والإقرار، ونحو ذلك. وقال مالك (٧) والأوزاعي: لا ينفع الاستثناء إلا في الحلف بالله دون غيره، واستقواه ابن العربي. وذهب .................................................................

стр. 2803

أحمد (١): إلى أنه لا يمنع العتق، ويمنع غيره من الطلاق ونحوه، واحتج بما ورد في

стр. 2804

حديث مرفوع، من حديث ابن عباس عند البيهقي (١): " إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لم تطلق. وإن قال لعبده: أنت حر إن شاء الله، فإنه حر ". قال البيهقي (٢): تفرد به حميد بن مالك، وهو مجهول، واختلف عليه في إسناده، قال في " التلخيص " (٣): وفي إسناده إسحاق ابن أبي يحيى الكعبي. وقال الحسن (٤)، وقتادة، وابن أبي ليلى: إن الاستثناء يمنع الجميع إلا الطلاق. قالوا: لأن الطلاق لا تحله الكفارة، وهي أغلظ على الحالف من النطق بالاستثناء، وقد عرفت ما ذهب إليه أهل المذهب في أول البحث. وذهب المؤيد (٥) بالله إلى أنه إذا قال: أنت طالق إن شاء الله، إن الطلاق يقع بكل

стр. 2805

حال؛ لأن معناه إن بقاني الله وقتا أتمكن فيه من الطلاق. ثم اعلم أن الطلاق المسؤول عنه خارج مخرج اليمين، بدليل اللام في قوله: ليقضينه. وقد اختلف فيه أهل العلم على فرض عدم تعليقه بمشيئة الله تعالى، فذهب جماعة من أهل العلم، منهم الظاهرية، وبعض المالكية في بعض الصور، وبعض الشافعية في بعضها أيضًا إلى أنه لا يلزم الطلاق. وإلى ذلك ذهبت الإمامية. وقد روى عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي اليمني المعروف بابن بريدة في شرحه لأحكام عبد الحق عن علي (١) ﵇ وشريح، وطاووس، أنه لا يلزم من حلف بالطلاق والعتاق والمشي وغير ذلك شيء، ولا يقضى بالطلاق على من حلف به فحنث، ولا يعرف لعلي ﵇ مخالف في الصحابة ". انتهى. وحكى ابن القيم في أعلام الموقعين (٢) " عن عليه ﵇ أنه أفتى الحالف بالطلاق أنه لا شيء عليه؛ قال: ولا يعلم له من الصحابة مخالف ". انتهى. وروى عبد الرزاق (٣) عن طاوس أنه قال: ليس الحلف بالطلاق شيئا. وصح عن عكرمة (٤) من رواية سنيد في تفسيره أنه من خطوات الشيطان، لا يلزم به شيء. وصح عن ابن مسعود (٥) وشريح أنه لا يلزم بها الطلاق، كما قال ابن القيم.

стр. 2806

في أعلام الموقعين (١) ما لفظه: " فصل:: ومن هذا الباب اليمين بالطلاق والعتاق، فإن إلزام الحالف بهما إذا حنث بطلاق زوجته وعتق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة، فلا يحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزام الطلاق أبدا ". انتهى. إذا تقرر لك هذا علمت أن أرجح المذاهب وأولاها عدم وقوع الطلاق الخارج مخرج اليمين على فرض تجرده عن التعليق بالمشيئة من الله، وأما مع التعليق بها فعدم الوقوع أولى لما سلف، وكذلك يظهر لك عدم لزوم حكم اليمين المعلقة بمشيئة الله تعالى للأدلة المتقدمة، فهذه حجج القول الأول، أعني قول من قال: إن التعليق بالمشيئة يمنع الكلام من النفوذ (٢). وأما من قال: إن المشيئة المعلق بها هي مشيئة القسر والإلجاء، فإذا لم يقع ما حلف به لم يحنث، فاحتج بأن الله تعالى لو كان يشاء وقوع الطلاق أو اليمين لما منع عن وقوع

стр. 2807

مشيئته مانع، فيلجأ المكلف إلى فعل سبب الطلاق والعتاق، فمهما لم يفعل الحالف السبب يعرف أن الله لا يشاء الوقوع، ولكن التخصيص بمشيئة القسر والإلجاء غير ظاهر، ويلزم منه حمل ما أطلق من مشيئته تعالى على ذلك، وهو باطل عقلا ونقلا. وأما من قال: إن التعليق بالمشيئة بمنزلة إرادة تسهيل الأسباب، ودفع العوائق، فحجته أن الله إذا كان مريدا للسبب يسره للعبد وسهله، وأزال الموانع، فإذا لم يحصل التسهيل والتيسير، وحالت دون السبب الموانع تبين أن الله لا يشاء ذلك الأمر المعلق بالمشيئة، وهذا يؤول إلى المذهب الذي قبله، وفيه ما فيه. نعم، إن أراد الحالف بالتقييد بالمشيئة هذا المعنى، أعني التسهيل عند التلفظ بها كان له وجه، وأما إذا أراد نفس المشيئة، واستدل بالتيسير والتعسير على الحصول وعدمه، فبعيد جدا. وأما قول من قال: إنه يعتبر في المشيئة وعدمها العلم بأن الله يريد ذلك أو لا يريده، فقال: يعرف ذلك بأدلة أخرى، مثلا إذا كان طلاق زوجته (١) محظورا أو مكروها، فالله ﷻ لا يريد طلاقها، وإن كان واجبا أو مندوبا فالله ﷻ يريد ذلك، وكذلك اليمين على فعل أمر أو تركه، إن كان الله مثلا مريدا لحصول ذلك الأمر، كأن يكون خيرا، وقعت اليمين على الفعل، ولم تقع على الترك، وإن كان شرا لم تقع

стр. 2808

على الفعل، وتقع على الترك. فهذا وإن كان أقوى من المذهبين اللذين قبله لكنه مرجوح باعتبار المذهب الذي سردنا أدلته لما قدمنا من الأحاديث المصرحة بأن اليمين إذا علقت بالمشيئة لم يكن لها حكم من الأصل؛ وهي أخص مطلقا من الأدلة القاضية بلزوم حكم الأيمان، فيبنى العام على الخاص. وأيضا نرد على هذا المذهب الأخير، أنا لو سلمنا إمكان الاستدلال على مشيئة الله تعالى فيما كان فعله راجحا كالواجب والمندوب، وما كان فعله مرجوحا كالمحظور والمكروه، لم يمكن معرفة المشيئة في المستوي، كالمباح، وكذلك الملتبس لأمر من الأمور، كتعارض الأدلة ونحوها، لا يقال: قد وقع الطلاق المشروط فيلزم وقوع الطلاق الخارج مخرج اليمين، لأنا نقول: أولاً: في وقوع الطلاق (١) المشروط نزاع طويل بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء. وثانيًا: إنه إنما وقع المشروط عند من قال به؛ لأن الشرط قيد للجزاء، والطلاق الخارج مخرج اليمين ليس كذلك، فإنه ليس قيدا لحكم جوابه، بل هو مؤكد له، فلو وقع لوقع قبل الجواب، لأنه مطلق لا مقيد، وكذا جوابه ليس قيدا له، بدليل وجوب الكفارة عند انتفاء جوابه. وثالثًا: إن قياس الطلاق الخارج مخرج اليمين على الطلاق المشروط (٢) بعد تسليم

стр. 2809

صحة القياس قياس في مقابلة النهي الصحيح عن الحلف بغير الله (١)، فهو فاسد الاعتبار؛ لأن المنهي عنه لا ينعقد. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، وإن كان المقام مقام بسط طويل. كتبه: محمد علي الشوكاني، غفر الله لهما.

стр. 2810

بحث في الطلاق الثلاث مجتمعة هل يقع أم لا ؟ تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد بن صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2811

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " بحث في الطلاق الثلاث مجتمعة هل يقع أم لا؟ ". ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن وقوع الثلاث التطليقات بكلمة واحدة أو كلمات من دون تخلل. ٤ - آخر ما وجد من الرسالة: " قلنا حديث في غاية السقوط لأن يحيى بن العلاء ضعيف من المرتبة الرابعة ". ٥ - نوع الخط: خط رقعة جيد. ٦ - عدد الصفحات: صفحتان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢١ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٤ كلمة. ٩ - حصلنا على هذا الجزء من الرسالة من الهند بواسطة الأخ الفاضل عادل حسن أمين جزاه الله خيرا. ١٠ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 2812

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن وقوع الثلاث التطليقات بكلمة واحدة أو كلمات من دون تخلل. وقد اختلف أهل العلم فيها على أربعة أقوال: الأول: وقوع جميعها، وهو مذهب الأئمة (١) وجمهور العلماء، وكثير من الصحابة وفريق من أهل البيت. الثاني: عدم الوقوع مطلقا، لا واحدة , ولا ما فوقها؛ لأنه بدعة محرمة، وهذا المذهب حكاه ابن حزم (٢)، وحكى الإمام أحمد (٣) ما يكفي، وقال ك هو مذهب الرافضة. قلت: بل هو مذهب جماعة من التابعين (٤) كما حكاه الليث، ومذهب ابن علية، وهشام بن الحكم، وجميع الإمامية. ومن أهل البيت ﵈ الباقر، والصادق، والناصر. وبه قال أبو عبيدة (٥)، وبعض الظاهرية؛ لأن هؤلاء قالوا: إن الطلاق البدعي لا يقع والثلاث بلفظ واحد أو ألفاظ متتابعة لا يقع. الثالث: وقوع الثلاث إن كانت المطلقة مدخولة، وواحدة إن لم يكن كذلك، وهذا مذهب جماعة من أصحاب ابن عباس، وإسحاق بن راهوية (٦).

стр. 2813

الرابع: أنه يقع واحدة رجعية من غير فرق المدخول بها وغيرها، وهذا مذهب ابن عباس على الأصح (١)، وابن إسحاق (٢)، وعطاء (٣) وعكرمة، وأكثر أهل البيت ﵈، وهو أصح هذه الأقوال. ولنشرع الآن في سرد أدلته، ونشير إلى أدلة الأقوال المتقدمة في أثناء المقاولة، إشارة تلم بجميعها ميلا إلى الاختصار. فنقول: من أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٤) أي الطلاق الذي لكم فيه رجعة بشهادة السبب، وهو ما أخرجه الترمذي (٥) وابن مردويه (٦)، والحاكم (٧) وصححه، والبيهقي في سننه (٨)، من طريق هشام عن عروة عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها، وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل: والله لأطلقنك فتلبثي، ولأوذينك، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة، فأخبرتها، فسكتت، حتى جاء النبي ﷺ فأخبرته فسكت النبي ﷺ حتى نزل القرآن: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٩) قالت عائشة ﵂: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا، من كان طلق ومن لم يطلق.

стр. 2814

وخرجه (١) جماعات (٢)، ولا يدل على المقصود منه. والظاهر أن الألف واللام في الطلاق للاستغراق (٣)، فلا طلاق في غير ذلك. وأيضا قد تقرر عند المحققين من علماء البيان أن تحلية المسند إليه باللام مفيدة للحصر (٤). وأيضا فلو كان يصح إرساله دفعة واحدة لناقض الخبر بكونه مرتين. وفيها حديث ابن عباس: " الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﵌ واحدة، فقال عمر بن الخطاب: " إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم " فأمضاه عليهم ". أخرجه مسلم (٥). وفي صحيحه (٦) أيضًا عن طاووس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هاب من هناتك، ألم يكن الطلاق على عهد رسول الله ﵌ وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم. وفي سنن أبي داود (٧) عن طاوس أن رجلا يقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، فقال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته قبل أن يدخل لها جعلوها واحدة على عهد رسول الله، وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله، وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس فيها قال: أجيزوهن عليهم.

стр. 2815

في مستدرك الحاكم (١) من حديث عبد لله بن المؤمل، عن ابن أبي مليكة أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: ألم تعلم أن الطلاق ثلاثا كن يرددن على عهد رسول الله ﵌ إلى واحدة؟ قال: نعم. قال الحاكم (٢): هذا حديث صحيح. وهذه غير طريقة طاوس عن أبي الصهباء. وقد أخرج حديث ابن عباس هذا الشافعي (٣)، وعبد الرزاق (٤)، والنسائي (٥) والبيهقي (٦).

стр. 2816

وأخرج الإمام أحمد في مسنده (١) عن سعيد بن إبراهيم قال: أخبرني محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس قال: طلق ركانة امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﵌ قال: " طلقتها ثلاثا في مجلس واحد؟ " قال: نعم. قال: " فإنك تملك واحدة، فأرجعها إن شئت " قال: فراجعها. وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه، ولذا صححه الحاكم، وأخرجه أيضًا أبو داود (٢) عن ابن عباس بلفظ: فقال: " راجع امرأتك أم ركانة وإخوته " فقال: إني طلقتها ثلاثا، فقال: " قد علمت، راجعها " وتلا ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣). ومما يدل على ذلك أيضًا ما أخرجه النسائي (٤) عن محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله ﵌ عن رجل طلق امرأته ثلاثا جميعا فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟ فكان إنكاره دليلا على أن مثل هذا الطلاق منكور لا يجوز في شريعته. ومنها أيضًا ما أخرجه البخاري (٥) .............................

стр. 2817

والنسائي (١) في قصة المختلعة بلفظ: " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ". والقول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده (٢) قوي كما تقرر في الأصول، فيكون في هذا الحديث المنع من الزيادة. وقد جعل في الكشاف (٣) قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٤) في الثاني الذي يراد به مطلق التكرار مثل: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ (٥) أي: الطلاق المعتبر شرعا متعدد لا مرسل دفعة واحدة، وهذا في حكم النص على مذهب المانع من التوالي، وألفاظ بمنزلة الواحدة. وقد أثبت جار الله (٦) ها هنا، ورفض التمذهب مع أنه حنفي الفروع. قال أهل القول الأول - أعني: القائلين بالتتابع - قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٧)، وقال: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٨)، وقال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٩)، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (١٠). ولم يفرق في هذه

стр. 2818

الآيات بين أن تكون هذه الثلاث مجموعة أو مفرقة، فدلت على وقوع الثلاث دفعة واحدة. قلنا: هذه عمومات قد خصصت بأدلة صورة النزاع السابقة، أو إطلاقات قد ثبتت بالآية النازلة على سبب مبين للمراد، وهي: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) وبالسنة النبوية. قالوا في الصحيحين (٢) أن عويمر العجلاني طلق امرأته ثلاثا بحضرة رسول الله ﵌ قبل أن يأمره بطلاقها، فدل على جواز الثلاث ووقوعها. قلنا: إنما سكت ﵌ لأن الملاعنة تبين بنفس اللعان، وهذا تكلم بكلام من قبل نفسه لا محل له، فكأنه طلق أجنبية، ولا يجب إنكار مثل ذلك، فلا يكون السكوت عنه تقريرا (٣). قالوا: في البخاري (٤) عن عائشة ﵂ أن رجلا طلق امرأته فتزوجت فسئل رسول الله ﵌ هل تحل للأول؟ فقال: " لا حتى يذوق

стр. 2819

عسيلتها كما ذاق الأول "، فلم ينكر ﵌ تلك، وهو دليل على إباحة الثلاث ووقوعها (١). قلنا: لا دليل فيه على مطلوبكم، بل غايته وقوع احتمال الثلاث مفرقة على الوجه المشروع الذي لا ينكره، ومجتمعة، والمحتمل لا يثبت به الحجة في محل النزاع، على أنا لو سلمنا لكم اجتماعها لم يستلزم ذلك التسليم تقرير مجموعها، بل الظاهر تقرير مطلق الوقوع. قالوا: في الصحيحين (٢) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت قيس

стр. 2820

أخبرته ﵌ أن زوجها طلقها ثلاثا، فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله ﵌: " ليس لها من نفقة ". قلنا: ليس بصريح في جمعها كما سبق، على أنه قد ثبت في الصحيح (١) في خبرها نفسها من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن زوجها أرسل إليها تطليقة بقيت لها من طلاقها، وفي لفظ في الصحيح أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات. فهذا مبين لذلك الاحتمال، فأي مثبت في هذا الاستدلال. قالوا: أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٢) عن يحيى بن العلاء، عن عبد الله بن الوليد، عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن داود بن عبادة بن الصامت قال: طلق جدي امرأته ألف تطليقة فانطلق أبي إلى رسول الله ﵌ فذكر له ذلك، فقال النبي: " ما اتقى الله جدك، أما الثلاث فله، وأما تسعمائة وسبع وسبعون فعدوان وظلم، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له "، وفي رواية: " إن أباكم لم يتق فيجعل له مخرجا، بانت منه بثلاث على غير السنة، تسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه ". قلنا: حديث في غاية السقوط؛ لأن يحيى بن العلاء ضعيف من المرتبة الرابعة (٣).

стр. 2821

بيان اختلاف الأئمة في مقدار المدة التي يقتضي الرضاع في مثلها التحريم تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديث محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2822

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " بيان اختلاف الأئمة في مقدار المدة التي يقتضي الرضاع في مثلها التحريم ". ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم " الحمد لله على جزيل نواله وأفضاله وصلاته سلامه على سيدنا محمد وآله. اعلم أن الأئمة اختلفوا في مقدار .... ..... ". ٤ - آخر الرسالة: " .. الذي يدور الحق حيث دار، انتهى الجواب المحرر في شهر صفر سنة ١٢٠١ هـ كما في الأم المنقولة من خط المجيب القاضي العلامة العظيم عز الإسلام محمد بن علي الشوكاني كثر الله فوائده. ٥ - نوع الخط: خط نسخي عادي. ٦ - عدد الصفحات: ٤ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٣١ سطرا. ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها ثمانية. ٨ - عدد الكلمات في السطر:١٢ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 2823

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله على جزيل نواله وأفضاله، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله. اعلم أن الأئمة اختلفوا في مقدار المدة التي يقتضي الرضاع في مثلها التحريم على عشرة أقوال (١): الأول: أنه لا يحرم منه إلا ما كان في الحولين، وهو مذهب جماعة من الصحابة، منهم: عمر وابن عباس وابن مسعود، والعترة، والشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، والحسن بن صالح، ومالك، وزفر، ومحمد، هكذا في البحر (٢)، وهو أيضًا مذهب أبي هريرة، وابن عمر، وأحمد، وأبي يوسف، وسعيد بن المسيب، والشعبي، وابن شبرمة، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر (٣). القول الثاني: إن الرضاع المقتضي للتحريم ما كان قبل الفطام (٤)، سواء كان قبل الحولين وفوقها. وإليه ذهبت أم سلمة. وروي عن أمير المؤمنين، ولم يصح عنه. وروي عن ابن عباس، وبه قال الحسن البصري، والزهري، والأوزاعي (٥)، وعكرمة، وقتادة. القول الثالث: أن الرضاع في حال ......................................

стр. 2824

الصغر يقتضي التحريم (١)، ولم يحده القائل بحد، وروي ذلك عن أزواج النبي ﵌ ما خلا عائشة، وعن ابن عمر، وسعيد بن المسيب. ولعل لهما قولين. القول الرابع: ثلاثون شهر (٢)، وهو رواية عن أبي حنيفة، وزفر، غير الرواية الأولى. القول الخامس: في الحولين وما قاربهما، وهو رواية عن مالك (٣) غير الرواية الأولى. وروي عنه أن الرضاع بعد الحولين لا يحرم قليله ولا كثيره، كما في الموطأ (٤). القول السادس: ثلاث سنين (٥) وهو مروي عن جماعة من أهل الكوفة، وعن

стр. 2825

الحسن بن صالح في رواية: حولان واثنا عشر يوما (١). روي ذلك عن ربيعة. القول السابع: سبع سنين (٢)، روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز. القول الثامن: حولان واثنا عشر يوما (٣)، روي ذلك عن ربيعة. القول التاسع: إن الرضاع يعتبر فيه الصغر إلا فيما دعت إليه الحاجة، كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة ة، ويشق احتجابها منه. وإليه ذهب ابن تيمية (٤). القول العاشر: إن رضاع الكبير يثبت به التحريم مطلقا، وهو مذهب أمير المؤمنين كما حكاه عنه الحافظ ابن حزم (٥). ولا حكم لإنكار ابن عبد البر (٦) لتلك الحكاية، فمن علم حجة على من لا يعلم. وابن حزم من بحور العلم أحاط بما لم يحط به غيره من حفظ المذهب والأدلة، يعرف ذلك من مارس كتبه وبمثل قول أمير المؤمنين قالت عائشة، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، والليث بن سعد، وابن علية، وحكاه الثوري عن داود الظاهري. وإليه ذهب ابن حزم (٧). فهذه عشرة مذاهب في هذه المسألة، مدونة في البسائط من كتب الخلاف، وبعضها محكي في كتب الأئمة من أهل البيت (٨) ﵈ وبعضها محكي في كتب غيرهم. وإيراد الأدلة على كل واحد منها وما ورد عليه، وما أجيب به يحتاج إلى مؤلف مستقل، فليقتصر على

стр. 2826

حجج القول العاشر؛ لأن السؤال واقع عنه لا سوى، فنقول: احتج القائلون بأن رضاع الكبير يقتضي التحريم بحديث زينب بنت أبي سلمة " قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي، فقالت عائشة: أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله، إن سالما يدخل علي وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء، فقال رسول الله ﵌: " أرضعيه حتى يدخل عليك " (١). وفي رواية (٢) عن زينب، عن أمها أم سلمة أنها قالت: " أبى سائر أزواج رسول الله ﵌ أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله ﵌ لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة، ولا رائينا " وهذا الحديث هو في كتب الأئمة من أهل البيت وغيرهم من أهل الحديث، قد رواه من الصحابة أمهات المؤمنين وسهلة بنت سهيل، وهي من المهاجرات، وزينب بنت أم سلمة، وهي ربيبة النبي ﵌ ورواه من التابعين القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وحميد بن يافع. ورواه عن هؤلاء الزهري، وابن أبي مليكة، وعبد الرحمن بن القاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة. ثم رواه عن هؤلاء أيوب السختياني، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة، ومالك، وابن جريج، وشعيب، ويونس، وجعفر بن ربيعة، وسلمان بن بلال، وغيرهم. وهؤلاء هم أئمة الحديث المرجوع إليهم في أعصارهم، ثم رواه عنهم الجم

стр. 2827

الغفير، والعدد الكثير بلغت طرقه نصاب التواتر (١)، وعارضه في الظاهر حديث ابن

стр. 2828

عباس، قال قال رسول الله ﵌: " لا رضاع إلا في الحولين " رواه الدارقطني (١)، وسعيد بن منصور (٢)، والبيهقي (٣)، وابن عدي (٤)، وهو من طريق ابن عيينة عن عمر بن دينار، قال الدارقطني (٥): لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. قال ابن عدي (٦): يعرف بالهيثم وغيره، وكان يغلط، وصحح البيهقي (٧) وقفه، ورجح ابن عدي الموقوف، وقال ابن كثير في الإرشاد (٨): رواه مالك في الموطأ (٩) عن ثور بن يزيد، عن ابن عباس موقوفا، وهو أصح، وكذا رواه غير ثور عن ابن عباس. ومن الأحاديث المعارضة حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله: " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل .............

стр. 2829

الفطام " [أخرجه] (١) الترمذي (٢) والحاكم (٣) وصححاه، وأعل بالانقطاع (٤)؛ لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر بن الزبير الأسدية، عن أم سلمة، ولم يسمع فيها شيئا لصغر سنها إذ ذاك. ومن الأحاديث المعارضة حديث جابر عن النبي ﵌ قال " لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام " رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٥)، وفيه مقال طويل. ومن الأحاديث المعارضة في الظاهر حديث عائشة قالت: دخل علي النبي - صلى الله

стр. 2830

عليه وآله وسلم - وعندي رجل، فقال: " من هذا؟ " قلت: أخي من الرضاعة، قال: " يا عائشة انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة ". وهو في الأمهات (١) إلا الترمذي. ووجه الاستدلال به أن الكبير لا يرجع بينهما لأجل المجاعة بعدم احتياجه اللبن. وأجاب القائلون بأن رضاع الكبير يقتضي التحريم عن هذه

стр. 2831

الأحاديث بأجوبة، منها أن فيها المقال المتقدم، وقد أجيب عنهم في ذلك. واستيفاء الكلام في ذلك يحتاج إلى تطويل؛ لأنه راجع إلى علل حديثية وقواعد أصولية، وربما تشعب البحث إلى أطراف أخر يشغل ذهن السائل فنقول: قد تقرر في الأصول كما ذهب إليه الأقل. وقصة سالم المذكورة مخصصة لعموم الأحاديث المعارضة لها، وبذلك يحصل الجمع بين جميع الأحاديث (١)، وهذه طريقة متوسطة لا إفراط فيها ولا تفريط. وقد عرف من حديث سالم أن سبب الرخصة هو المشقة والحاجة كما في حديث سالم (٢). ويؤيد هذا أن سؤال سهلة امرأة أبي حذيفة (٣) كان بعد نزول آية الحجاب، وهي

стр. 2832

مصرحة بعدم جواز إبداء الزينة لغير من في الآية، فلا يخص منها غير من استثناه الله تعالى إلا بدليل كقصة سالم، وما كان مماثلها في تلك العلة التي هي الحاجة إلى رفع الحجاب من غير أن يقيد ذلك بخاصة مخصوصة من الحاجات المقتضية لرفع الحجاب. ولا لشخص من الأشخاص، ولا بمقدار معلوم من عمر الرضع. وقد ثبت في حديث سهلة أنها قالت للنبي ﵌ أن سالما ذو لحية، فقال: " أرضعيه " (١) ومن أعظم المرجحات (٢) لهذا المذهب أنه قال به أمير المؤمنين الذي يدور معه الحق حيث دار. انتهى الجواب المحرر في شهر صفر سنة ١٢١٠ كما في الأم المنقولة من خط المجيب القاضي العلامة العظيم عز الإسلام محمد بن علي الشوكاني، كثر الله فوائده. اهـ.

стр. 2833

رسالة في رضاع الكبير هل يثبت به حكم التحريم ؟ تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2834

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة في المخطوط: " رسالة في رضاع الكبير هل يثبت به حكم التحريم؟ ". ٢ - موضوع الرسالة: " فقه " ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين فإنه ذاكر بعض الأعلام أبقاه الله في رضاع الكبير ... ". ٤ - آخر الرسالة: انتهى المحرر كما في الأم المنقولة من خط المجيب سيدي الوالد العلامة الجليل شرف الدين بن إسماعيل بن محمد بن إسحاق عافاه الله وأبقاه وزاده مما أولاه آمين. ٥ - نوع الخط: خط نسخي رديء ولكنه واضح. ٦ - عدد الصفحات: ٧ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٣١ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 2835

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله المطهرين، فإنه ذاكر بعض الأعلام - أبقاه الله - في رضاع الكبير (١)، هل يثبت به حكم التحريم أم لا يثبت الحكم إلا إذا كان الرضيع في سن الرضاعة، وطلب من الجواب، وما وسع إلا مطابقته وموافقته، مع كون المسألة مع تعارض أدلتها، وتشعب أطرافها وجهاتها، وكثرة الأنظار فيها من نضار أئمتها يقتضي وقوف النظر، وعدم النفوذ في المسلك الذي لا يخلو عدم الإمعان فيه من خطر. والجواب - والله أعلم بالصواب - أنه وقع الاتفاق على أن الرضاع بالجملة يحرم منه ما يحرم من النسب (٢)، أعني أن المرضعة تنزل منزلة الأم، فتحرم على الرضيع هي وكل ما يحرم على الابن من قبل أم النسب. واختلفوا فيما عدا ذبك من التفاصيل، فذهب أئمتنا ﵈ والجمهور من الصحابة، والتابعين، وأبو حنيفة (٣) والشافعي (٤)، ومالك (٥) إلى أن الرضاع لا يحرم إلا ما كان في مدته، وهي حولان. وذهبت عائشة، والليث (٦) وداود إلى أن الرضاع يحرم مطلقا، سواء كان المرضع كبيرا أو صغيرا، ولكنه قال الحافظ ابن حجر (٧): إن في نسبة القول هذا إلى داود نظر،

стр. 2836

لأن ابن حزم ذكر عن داود مثل ما قاله الجمهور، وكذا نقل غيره من أهل الظاهر، وهم أخبر بمذهب صاحبهم، هكذا قال. وفي المسألة أقوال لا مقتضى لذكرها، فلنقتصر على محل البحث، كما أشرنا إليه. استدل أئمتنا ﵈ والجمهور بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١) فقصرت الآية الشريفة الإتمام على الحولين، ونفت الزيادة كما دل على ذلك المفهوم، وبما أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) وأبو داود (٤)، عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﵌ وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه، فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال: " انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة " والمعنى كما قال الحافظ (٥): تأملن ما وقع من ذلك، هل هو رضاع صحيح، شرطه من وقوعه في زمن الرضاع، فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط. وقال المهلب (٦): معناه: انظرن ما سبب هذه الأخوة، فإن حرمة الرضاعة إنما هي في الصغر حين تسد الرضاعة المجاعة. وقال أبو عبيد (٧): إن الذي جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن [من الرضاع] (٨) لا حيث يكون الغذاء بغير ..............

стр. 2837

[ذلك] (١) وقوله: فإنما الرضاعة من المجاعة، توضح الباعث على إمعان النظر والفكر؛ لأن الرضاعة تثبت السبب، وتجعل الرضيع محرما، وقوله: من المجاعة، أي الرضاعة التي تثبت بها الحرمة حيث يكون الرضيع طفلا، يسد اللبن جوعته، لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن، وينبت بذلك لحمه، فيصير جزءا من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة. وقال المحقق ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - في شرح العمدة (٢): وفيه - يعني في هذا الحديث - دليل على أن (إنما) للحصر؛ لأن المقصود حصر الرضاعة المحرمة في المجاعة، لا مجرد إثبات الرضاع في زمن المجاعة. وقال القرطبي (٣) في قوله: إنما الرضاعة من المجاعة: قاعدة كلية صريحة في اعتبار الرضاع في الزمن الذي يستغني به الرضيع باللبن، ويعتضد بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٤) فإنه يدل على أن هذه أقصى مدة الرضاع المحتاج إليه عادة، المعتبر شرعا، فما زاد عليه لا يحتاج إليه عادة، فلا يعتبر شرعا، إذ لا حكم للنادر، والحدود الشرعية تبنى على الأغلب، فهذا الحديث الذي سقنا الكلام فيه، الواقع جوابا عن قول عائشة أنه أخي من الرضاعة قد وقع فيه الأمر الدال على الوجوب العام لها ولغيرها بالنظر منهن في الأخوة لهن وسببها، ثم توضيح الباعث على النظر، فإن حكم التحريم إنما ثبت مع المجاعة، وتأكدت دلالة الأمر على الوجوب برؤية الغضب في وجهه، واشتداد الأمر عليه. ومع هذا فإنه ﵌ لم يستيقن عدم الأخوة لتجويزه أن تكون الرضاعة وقعت في غير سن الرضاعة، فدلالته على الحكم بعدم التحريم مع استيقان وقوع الرضاعة في غير زمنها ثابتة بالأولى، وهذا واضح. واستدلوا أيضًا بحديث

стр. 2838

ابن مسعود: " لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم " أخرجه أبو داود (١) مرفوعًا عنه ﵌ وجديث أم سلمة عنه ﵌: " لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي فكان قبل الفطام " أخرجه الترمذي وصححه، كما ذكره الظفاري في تخريج البحر، وحديث أم سلمة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﵌: " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء " أخرجه الترمذي (٢) وصححه، والحاكم (٣). وحديث ابن عباس (٤) ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: لا رضاع [إلا ما كان في الحولين] (٥) [قال الدارقطني: لم يسند إلى] (٦) ابن عيينة غير الهيثم بن جميل (٧)،

стр. 2839

وهو فقيه حافظ، فهذا صريح في أن الرضاع المحرم إنما يكون في الحولين لا غير. فهذه الأحاديث كلها واردة بأداة القصر، واضحة الدلالة على أن الرضاع المحرم المعتبر شرعا إنما يثبت حكمه مهما كان الرضيع يستغني باللبن عن غيره، وذلك لا يثبت في رضاع الكبير. وروى الإمام زيد بن عليه ﵇ عن أمير المؤمنين علي ﵇ أن رجلا أتاه فقال: إن لي زوجة، وإني أصبت خادمة فأتيتها يوما فقالت: لقد أرويتها من ثديي، فما تقول في ذلك؟ فقال أمير المؤمنين ﵇: انطلق قاتل امرأتك عقوبة ما أتت، وخذ بأي رجل أمتك شئت، لا رضاع إلا ما أنبت لحما أو شد عظما، ولا رضاع بعد فصال (١). وأخرج البيهقي (٢) نحو هذا عن ابن عمر قال: عمدت امرأة من الأنصار إلى جارية لزوجها فأرضعتها، فلما جاء زوجها قالت: إن جاريتك قد صارت ابنتك، فانطلق الرجل إلى عمر فذكر ذلك له فقال له عمر: عزمت عليك لما رجعت فأصبت جاريتك، وأوجعت ظهر امرأتك، فإنما الرضاعة رضاعة الصغير. احتج القائل بأن رضاع الكبير يثبت به الحكم بالتحريم كالصغير بحديث عائشة، ولفظ مسلم (٣) عنها أنها جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﵌ فقالت: يا رسول الله، إني أرى في

стр. 2840

وجه أبي حذيفة من دخول سالم - وهو حليفه - فقال النبي ﵌: أرضعيه، فقالت: كيف أرضعه، وهو رجل كبير! فتبسم رسول الله ﵌ وقال: " قد علمت أنه رجل كبير " وفي بعض روايات الحديث (١) عنها كما أخرجه الستة إلا النسائي أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدرا مع النبي ﵌ تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله ﵌ زيدا، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورثه من ميراثه، حتى أنزل الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٣) فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب فمولى وأخ في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي العامري، وهي امرأة أبي حذيفة إلى النبي ﵌ فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالما ولدا وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فضلا (٤)، وقد أنزل الله تعالى فيه ما علمت، وكيف ترى يا رسول الله ﵌: " أرضعيه " فأرضعته خمس مرات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك كانت تأمر عائشة بنات إخوتها، وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل
следующие страницы →