← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

لأن ابن حزم ذكر عن داود مثل ما قاله الجمهور، وكذا نقل غيره من أهل الظاهر، وهم أخبر بمذهب صاحبهم، هكذا قال. وفي المسألة أقوال لا مقتضى لذكرها، فلنقتصر على محل البحث، كما أشرنا إليه. استدل أئمتنا ﵈ والجمهور بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١) فقصرت الآية الشريفة الإتمام على الحولين، ونفت الزيادة كما دل على ذلك المفهوم، وبما أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) وأبو داود (٤)، عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﵌ وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه، فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال: " انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة " والمعنى كما قال الحافظ (٥): تأملن ما وقع من ذلك، هل هو رضاع صحيح، شرطه من وقوعه في زمن الرضاع، فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط. وقال المهلب (٦): معناه: انظرن ما سبب هذه الأخوة، فإن حرمة الرضاعة إنما هي في الصغر حين تسد الرضاعة المجاعة. وقال أبو عبيد (٧): إن الذي جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن [من الرضاع] (٨) لا حيث يكون الغذاء بغير ..............

стр. 2837

[ذلك] (١) وقوله: فإنما الرضاعة من المجاعة، توضح الباعث على إمعان النظر والفكر؛ لأن الرضاعة تثبت السبب، وتجعل الرضيع محرما، وقوله: من المجاعة، أي الرضاعة التي تثبت بها الحرمة حيث يكون الرضيع طفلا، يسد اللبن جوعته، لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن، وينبت بذلك لحمه، فيصير جزءا من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة. وقال المحقق ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - في شرح العمدة (٢): وفيه - يعني في هذا الحديث - دليل على أن (إنما) للحصر؛ لأن المقصود حصر الرضاعة المحرمة في المجاعة، لا مجرد إثبات الرضاع في زمن المجاعة. وقال القرطبي (٣) في قوله: إنما الرضاعة من المجاعة: قاعدة كلية صريحة في اعتبار الرضاع في الزمن الذي يستغني به الرضيع باللبن، ويعتضد بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٤) فإنه يدل على أن هذه أقصى مدة الرضاع المحتاج إليه عادة، المعتبر شرعا، فما زاد عليه لا يحتاج إليه عادة، فلا يعتبر شرعا، إذ لا حكم للنادر، والحدود الشرعية تبنى على الأغلب، فهذا الحديث الذي سقنا الكلام فيه، الواقع جوابا عن قول عائشة أنه أخي من الرضاعة قد وقع فيه الأمر الدال على الوجوب العام لها ولغيرها بالنظر منهن في الأخوة لهن وسببها، ثم توضيح الباعث على النظر، فإن حكم التحريم إنما ثبت مع المجاعة، وتأكدت دلالة الأمر على الوجوب برؤية الغضب في وجهه، واشتداد الأمر عليه. ومع هذا فإنه ﵌ لم يستيقن عدم الأخوة لتجويزه أن تكون الرضاعة وقعت في غير سن الرضاعة، فدلالته على الحكم بعدم التحريم مع استيقان وقوع الرضاعة في غير زمنها ثابتة بالأولى، وهذا واضح. واستدلوا أيضًا بحديث

стр. 2838

ابن مسعود: " لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم " أخرجه أبو داود (١) مرفوعًا عنه ﵌ وجديث أم سلمة عنه ﵌: " لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي فكان قبل الفطام " أخرجه الترمذي وصححه، كما ذكره الظفاري في تخريج البحر، وحديث أم سلمة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﵌: " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء " أخرجه الترمذي (٢) وصححه، والحاكم (٣). وحديث ابن عباس (٤) ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: لا رضاع [إلا ما كان في الحولين] (٥) [قال الدارقطني: لم يسند إلى] (٦) ابن عيينة غير الهيثم بن جميل (٧)،

стр. 2839

وهو فقيه حافظ، فهذا صريح في أن الرضاع المحرم إنما يكون في الحولين لا غير. فهذه الأحاديث كلها واردة بأداة القصر، واضحة الدلالة على أن الرضاع المحرم المعتبر شرعا إنما يثبت حكمه مهما كان الرضيع يستغني باللبن عن غيره، وذلك لا يثبت في رضاع الكبير. وروى الإمام زيد بن عليه ﵇ عن أمير المؤمنين علي ﵇ أن رجلا أتاه فقال: إن لي زوجة، وإني أصبت خادمة فأتيتها يوما فقالت: لقد أرويتها من ثديي، فما تقول في ذلك؟ فقال أمير المؤمنين ﵇: انطلق قاتل امرأتك عقوبة ما أتت، وخذ بأي رجل أمتك شئت، لا رضاع إلا ما أنبت لحما أو شد عظما، ولا رضاع بعد فصال (١). وأخرج البيهقي (٢) نحو هذا عن ابن عمر قال: عمدت امرأة من الأنصار إلى جارية لزوجها فأرضعتها، فلما جاء زوجها قالت: إن جاريتك قد صارت ابنتك، فانطلق الرجل إلى عمر فذكر ذلك له فقال له عمر: عزمت عليك لما رجعت فأصبت جاريتك، وأوجعت ظهر امرأتك، فإنما الرضاعة رضاعة الصغير. احتج القائل بأن رضاع الكبير يثبت به الحكم بالتحريم كالصغير بحديث عائشة، ولفظ مسلم (٣) عنها أنها جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﵌ فقالت: يا رسول الله، إني أرى في

стр. 2840

وجه أبي حذيفة من دخول سالم - وهو حليفه - فقال النبي ﵌: أرضعيه، فقالت: كيف أرضعه، وهو رجل كبير! فتبسم رسول الله ﵌ وقال: " قد علمت أنه رجل كبير " وفي بعض روايات الحديث (١) عنها كما أخرجه الستة إلا النسائي أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدرا مع النبي ﵌ تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله ﵌ زيدا، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورثه من ميراثه، حتى أنزل الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٣) فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب فمولى وأخ في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي العامري، وهي امرأة أبي حذيفة إلى النبي ﵌ فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالما ولدا وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فضلا (٤)، وقد أنزل الله تعالى فيه ما علمت، وكيف ترى يا رسول الله ﵌: " أرضعيه " فأرضعته خمس مرات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك كانت تأمر عائشة بنات إخوتها، وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل

стр. 2841

عليها، وإن كان كبيرا خمس رضعات، ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﵌ أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس، حتى يوضع في المهد. وقلن لعائشة: ما ندري لعلها رخصة لسالم من رسول الله ﵌ دون الناس. وفي رواية زينب بنت أم سلمة عن أمها أم سلمة زوج النبي ﵌ كما في مسلم (١) " أنها كانت تقول: أبى سائر أزواج النبي ﵌ أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضعة، وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله ﵌ لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا بهذه الرضاعة ولا رائينا ". وروى الشافعي (٢) ﵀ عن أم سلمة أنها قالت في الحديث: كان رخصة لسالم خاصة. قال الشافعي (٣) فأخذنا به يقينا لا ظنا، حكاه عنه البيهقي في المعرفة (٤)، قال: إنما قال هذا لأن الذي في غير هذه الرواية أن أمهات المؤمنين قلن ذلك بالظن. ورواه عن أم سلمة بالقطع. ذكر ذلك في شرح التقريب (٥). وقد أجيب عن قصة سالم بأجوبة منها ما قاله أبو الوليد الباجي (٦) أنه قد انعقد الإجماع على خلاف التحريم برضاعة الكبير. قال القاضي عياض (٧): لأن الخلاف إنما كان أولا ثم انقطع. وهذا مبني على ما هو

стр. 2842

المختار في الأصول من أنه لا يشترط في انعقاد الإجماع أن لا يسبقه خلاف، بل يصير حجة بعد الخلاف كما عرف في محله. ومنها أنه حكم منسوخ، وبه جزم المحب الطبري (١). وحكى الخطابي (٢) عن عامة أهل العلم أنهم حملوا ذلك على الخصوص أو النسخ. ومنها الخصوصية لسالم وامرأة أبي حذيفة. والأصل فيه قول أزواج النبي ﵌ خاصة. وقد سبق قريبا ما رواه الشافعي (٣) عن أم سلمة أنها قالت: كان رخصة لسالم خاصة على جهة الجزم. وقرره ابن الصباغ (٤) وغيره بأن قصة سالم ما كان وقع من النبي قبل أن ينهى عنه، فكان وقوع الترخيص مترتبا على التبني قبل النهي عنه، الذي أدى إلى الخلطة بسلهة، وتنزيله منزلة الولد الذي يصير قلب أمه فارغا لعدم رؤيته، وملابسته كما هو مقتضى تقرير الخصوصية، فلا يصح أن يثبت للتبني بعد النهي مثل الحكم الذي يثبت له قبل النهي، لأن المتبنى لا يحل له ذلك، وإن كان جاهلا أيضًا فهو الجاني على نفسه بفعل ما قد حرم، فلا يثبت الرخصة التي ثبتت لسلهة. وقرره آخرون بأن الأصل أن الرضاع لا يحرم، فلما ثبت ذلك في الصغر خولف الأصل، وبقي ما عداه على الأصل. وقضية سالم واقعة عين (٥) يطرقها احتمال الخصوصية، فيجب الوقوف عن الاحتجاج

стр. 2843

بها. وقال العلامة المقبلي ﵀ في المنار (١) بعد أن ذكر أن للحديث علة بمنع صدقه ما لفظه: ولأم المؤمنين في باب الرضاع أغرب من هذا، وإن كان الغرابة هنا من حيث الرواية، وهناك من حيث الاجتهاد؛ وذلك قولها برضاع الكبير أنها محرمة لحديث سهلة امرأة أبي حذيفة، فأخذت وعممت الحكم، وكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، ويعارضه أحاديث أن الرضاعة في الحولين (٢)، وفي الثدي، أي في وقت حاجة الرضيع إليه، واستغنائه به، وأقوى ما يبين الخصوصية أن يقال: مباشرة الرجل لأجنبية ممنوعة قطعا بالإجماع وغيره من الأدلة (٣)، وهو حكم عام مستمر، فهذا أقوى من الحديث المذكور، فيتعين صحة اجتهاد زوجاته المطهرات، وخطأ اجتهادها. وإنما قعقع ناس بتعظيم حرمتها فكيف بهتك حجاب رسول الله ﵌ وأنها وأنها

стр. 2844

فيقال لهم: ليست معصومة، وأيهما أشد خطرا هذه المسألة أم حرب علي (١) - كرم الله وجهه؟ - انتهى كلامه. وقال البيهقي في السنن الكبرى (٢): وإذا كان هذا لسالم خاصة فالخاص لا يكون مخرجا من حكم العام، ولا يجوز إلا أن يكون رضاع الكبير غير محرم، ويعني بهذا أنه لا يصح حينئذ أن يكون من باب تخصيص العموم. وقال (٣): فلا يحكم بأن رضاع الكبير مطلقا محرما كما ذهبت عائشة إلى تعميم الحكم كما سبق، ولا مع زيادة قيد أيضا، بل توقف قضية سالم في محلها كما ذهب إلى ذلك أئمتنا ﵈ (٤) والجمهور، وهو القول الراجح فيما يظهر - والله سبحانه أعلم - وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. انتهى الجواب المحرر كما في الأم المنقولة من خط المجيب سيدي الوالد العلامة الجليل شرف الدين بن إسماعيل بن محمد بن إسحاق - عافاه الله، وأبقاه، وزاد مما أولاه - آمين.

стр. 2845

إيضاح الدلالات على أحكام الخيارات (١) تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2846

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين. وبعد: فإنه ورد هذا السؤال من سيدي العلامة المفضال، حسنة الآل، بقية أرباب الزهد والحلال إسماعيل بن أحمد بن محمد الكبسي (١) - كثر الله فوائده، ومد على الطلاب موائده - وهذا لفظه: من حسنات علماء الإسلام - كثر الله وجودهم الملك العلام - حل ما أشكل في خيار المغابنة، وإيضاح المرام، هل له حكم خيار الإحازة كما قاله ابن بهران - رحمه الله تعالى - ناقلا عن الغيث (٢): أنه في التحقيق يرجع إلى خيار الإحازة؟ فمع هذا إن كان المبيع باقيا على صفته من غير زيادة ولا نقص فلا إشكال في أن الحكم الرد بالخيار، أو الإمضاء، وإن كان قد زاد أو نقص فما الحكم؟ هل يمتنع الرد ويلزم ما بين الثمن والقيمة كما نرى عليه الحكام في العصر إذا ادعى مدع الغبن فيما باعه عنه غيره أنهم يأمرون من أول الأمر بتقويم عدلين، ويلزمون المشتري ما نقص عن القيمة، أم لا يمتنع

стр. 2847

الرد مطلقا؟ فالكل مشكل، أو لخيار المغابنة حكم خيار العيب، وهو به أشبه من حيث إن كل واحد منهما واقع مع التزام العقد، فيتمشى عمل الحكام، لكنه لم يظهر مأخذه من كلام أهل المذهب الشريف وغيرهم، ولا من نص عليه من أهل العلم، وبقي إشكال آخر في إلزام الحكام للبائع المدعي للغبن بتقويم عدلين من أول الأمر، وجعل أجرة العدلين بينهما نصفين، وتقويمهما هو بينة يلزم المدعي، وكان الظاهر إلزام مدعي الغبن البينة، والمشتري اليمين؟ فأفيدوا في الأطراف كلها - أحيا الله بوجودكم الشريعة الغراء، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وآله الكرام - انتهى السؤال.

стр. 2848

وقد أجاب عليه ثلاثة من علماء الإسلام، هم في كل فن راسخو الأقدام، بل هم ورابعهم السائل، كثر الله فوائده. أربعة (١) عندي هم ما هم ... أعلم من يهدي طريق الصواب فمن رام الوقوف على تحقيق الحق في هذه المسألة فليضم ما حرروه إلى ما أحرره - إن شاء الله - هنا فأقول، مستعينا بالله، ومتكلا عليه: إن الخيارات الثلاثة عشر المعدودة في كتب الفقه كل واحد منها لا يخلو عن نوع من أنواع الغرر، فهو العلة المقتضية للفسخ في جميعها، ورجوع بعضها إليها ظاهر لا يخفى، ورجوع البعض الآخر فيه بعض خفاء يزول بالبيان، ونحن الآن نبين لك ذلك لتعلم صحة ما ذكرناه، فنقول: الأنواع التي ترجع إلى الغرر رجوعا واضحا هو تسعة: الأول: خيار فقد الصفة (٢)؛ فإنه إنما ثبت الفسخ به لكون المشتري لما فقد الصفة التي اعتقد وجودها في المبيع كان مغرورا في الجملة، وإن لم يكن للبائع عناية في ذلك؛ إذ المراد وجود الغرر، فإن الباعث على المبيع هو كون المشتري اعتقد المبيع متصفا بتلك الصفة، هذا على فرض أنها لم تكن مشروطة، ولكنه قد حصل العلم بأن المشتري كان عند العقد معتقدا لوجودها، أما إذا كانت مشروطة فالأمر أوضح. الثاني: خيار الخيانة في المرابحة (٣)، ....................

стр. 2849

والتولية (١)، فإن الغرر فيه في غاية الوضوح، بل هو أظهر أنواع الغرر؛ لأن .......................

стр. 2850

الخيانة فيهما غرر صادر من جهة البائع بلا شك ولا شبهة (١). الثالث: خيار الصبرة (٢) التي علم .........................

стр. 2851

قدرها البائع فقط (١)، فإن إقدام المشتري على شراء ما لم يعلم بقدره إقدام على جهالة،

стр. 2852

وذلك تكرير من غير نظر إلى كون سكوت البائع عن بيان القدر تغريرا. والرابع: خيار المغابنة (١)، فإن شراء الشيء أو بيعه بغبن غرر؛ لأنه لو علم بذلك لم يقدم عليه. أما إذا كان الغبن بسبب من البائع أو المشتري، من رفع أو وضع، غير مطابقين للخارج، فالأمر ظاهر، وأما إذا كان لا بذلك السبب بل بسبب كون المغبون لا يدري بأنه مغبون فقد حصل الغرر في الجملة. والخامس والسادس والسابع: خيار جهل قدر الثمن (٢)، أو المبيع، أو تعيينه، فإن من لم يعلم بمقدار ثمن ما شراه، أو باعه، أو لم يعلم بمقدار ما باعه أو ما شراه، أو لم يعلم بأن ما باعه أو شراه هو هذا الشيء بعينه دون غيره، فلا شك ولا ريب أنه قد أقدم على هذه الأمور وهو مغرور في الجملة؛ لأنه خاطر بماله، وغرر به، وهو لا يدري بأنه غابن أو مغبون، أو لا غابن ولا مغبون. والثامن: خيار الرؤية (٣)، فإن من اشترى ما لم يره ولا عرفه قد وقع في أعظم أنواع الغرر. والتاسع: خيار العيب (٤)، فإن من اشترى شيئا انكشف له أن به عيبا من قبل العقد

стр. 2853

مغرور في الجملة؛ لأنه لو علم بذلك العيب لم يقدم على الشراء بلا شك، فهذه تسعة خيارات من الخيارات المعدودة في كتب الفقه، قد رجعت إلى الخيار العاشر منها، وهو الخيار المسمى بخيار الغرر، كبيع المصراة، وبقيت ثلاثة أنواع ربما يخفى رجوعها إلى الغرر، ولكنه يرتفع الخفاء بالإيضاح لوجه الرجوع. الأول من الثلاثة: كون العقد موقوفا، فإن العاقد إنما يقدم على العقد لتترتب عليه آثاره، والعقد الموقوف قد صار المعقود عليه فيه في حكم المحبوس، فجميع آثاره غير مترتبة عليه، فالعاقد قد وقع بعقده في نوع من أنواع الغرر، فله التخلص مما وقع فيه. والثاني: خيار تعذر تسليم المبيع؛ فإن المشتري لو علم بأن العين التي اشتراها متعذر تسليمها لم يعقد عليها، وذلك غرر، فله التخلص عنه بالفسخ. والثالث: خيار الشرط، فإن المشتري، أو البائع لو كان على بصيرة من نفسه، ولم يكن عنده جهالة تستلزم الغرر في الجملة لم يشرط لنفسه أجلا، فلما شرطه كان متمكنا من التخلص قبل أن تلزم الصفقة، ويتم البيع. فهذه ثلاثة عشر خيارا، وهي المعدودة في كتب الفقه قد رجع اثنا عشر منها إلى واحد، وهو خيار الغرر على ما بيناه. وإذا تقرر لك هذا في الأنواع المعدودة في كتب الفقه فاعلم أن الأدلة الواردة في الخيار هي جميعها راجعة إلى الغرر لا تخرج عنه، وبيان ذلك أن جملة الأدلة المثبتة للخيار ستة: الأول: بيع المصراة (١)؛ فإنه ثبت في

стр. 2854

الصحيح (١) بألفاظ، منها بلفظ: " لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر "، وسائر الألفاظ تؤدي هذا المعنى، ويفيد هذا المفاد، ومعلوم أن العلة التي ثبت الفسخ لأجلها هي ما وقع فيه المشتري من الغرر بسبب التصرية (٢) التي كانت سببا

стр. 2855

لاعتقاد أنها تحلب في العادة مثل تلك الحلبة الواقعة عقب التصرية. الدليل الثاني: حديث حبان بن المنقذ (١) الذي كان يخدع في البيوع، وكان في

стр. 2856

عقله ضعف، وكان لا يصبر عن البيع؛ فإنه لما نهاه النبي ﵌ عن البيع فقال: يا نبي الله، لا أصبر عن البيع. وله طرق وألفاظ في الصحيحين وغيرهما، منها في الصحيحين بلفظ: " من بايعت فقل: لا خلابة "، وفي بعض ألفاظه أنه جعل له الخيار ثلاثا. وفي لفظ البخاري (١): " إذا أنت بايعت فقل: لا خلابة، ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال، إن رضيت فأمسك، وإن سخطت فارددها على صاحبها " ولا شك ولا ريب أن العلة في هذا هي الغرر بالخدع.

стр. 2857

الدليل الثالث: حديث النهي عن تلقي الجلب، وله ألفاظ (١) منها في الصحيح (٢) وغيره بلفظ: " فإن تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة فيها بالخيار، إذا وردت السوق " ولا ريب أن العلة في الخيار إذ ذاك هي أنه قد وقع عليه الغرر قبل ورود السوق، فباع بثمن دون الذي يباع به في السوق، فأثبت له الخيار ليبيعها بالثمن الذي يدفع فيها في السوق. الدليل الرابع: دليل خيار المجلس، وله طرق، وألفاظ، منها في الصحيحين (٣) بلفظ:

стр. 2858

" البيعان بالخيار ما لم يتفرقا "، وفي لفظ " حتى يفترقا "، وفي لفظ فيهما: " المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار "، فأثبت ﵌ الخيار قبل التفرق؛ لأنه مظنة التأمل والتدبر للمبيع، وعدم الإحاطة بجميع أوصافه، والجهل لشيء منها فهو قبل التفرق إذا وجد ما لا يرتضيه كان له أن يفسخ به؛ لأنه إذ ذاك واقع في الغرر بالعقد الذي عقده قبل الاطلاع على هذا الأمر الذي كان سببا للفسخ، فهو قبل التفرق متمكن من التخلص من عهدة العقد، وقادر على الخروج مما دخل فيه من الغرر، فإذا فارق المجلس فقد اختار المبيع وفرغ من تدبر أوصافه، ورضي بما رآه (١).

стр. 2859

الدليل الخامس: دليل خيار العيب، وهو ما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، والترمذي وصححه، وأيضا صححه ابن حبان، وابن الجارود، والحاكم، وابن القطان. واختلفت الرواية عن ابن خزيمة في تصحيحهم، وله ألفاظ: منها أن رجلا ابتاع غلاما فاستغله، ثم وجد عيبا فرده بالعيب، فقال البائع: غلة عبدي، فقال النبي ﵌: " الغلة بالضمان " (١)، وفي لفظ " قضى أن الخراج بالضامن " (٢)، فأثبت للمشتري الفسخ؛ لأنه لما وجد العيب كان عقده

стр. 2860

الواقع على العبد مع جهل هذا العيب من الغرر، وهذا ظاهر لا سترة به (١). الدليل السادس: دليل خيار الرؤية، وهو حديث: " من اشترى ما لم يره فله الخيار إذا رآه " أخرجه الدارقطني (٢) والبيهقي (٣) من حديث أبي هريرة، وفي إسناده (٤) من لا تقوم به الحجة، وله شواهد (٥) غير خالية عن المقال، فأثبت الخيار لمن اشترى ما لم

стр. 2861

يره إذ رآه؛ لأنه أوقع العقد على ما لا يعلمه، وذلك غرر بلا شك ك. فهذا ما أمكن استحضاره عند تحرير هذا الجواب من الأدلة الدالة على ثبوت الخيار. وقد أوضحنا أن العلة في جميع ذلك هو الغرر كما تقتضيه مسالك العلة (١) المدونة في

стр. 2862

الأصول، وكذلك أوضحنا فيما سلف من أنواع الخيارات المدونة في كتب الفقه أن العلة هو الغرر كما تقتضيه أيضًا مسالك العلة (١) العشرة المقررة في علم الأصول

стр. 2863

وإذا تقرر هذا علم السائل - كثر الله فوائده - أن خيار المعاينة الذي وقع السؤال عنه هو لاحق بخيار الغرر، وله حكمه إجمالا وتفصيلا، لأن خيار الغرر هو الأصل الذي رجعت إليه أنواع الخيارات، كما أسلفنا. وأما القول بأنه كخيار الإجازة فلا أدري بأي مسلك من المسالك المقبولة ثبت ذلك، فإن إلحاق الشيء بالشيء لا بد فيه من وجود الأركان الأربعة (١)، أي: الأصل بعد ثبوت كونه أصلا بالبرهان، والفرع بعد ثبوت كونه فرعا بالبرهان، والعلة بعد ثبوت كونها علة بمسلك مقبول، والحكم الذي هو ثمرة الإلحاق وفائدته، ومن قام في مقام منع كون خيار الإجازة أصلا، وخيار المغابنة فرعا، فقد قام مقاما لا يزحزحه عنه إلا البرهان المقبول. هذا على فرض عدم وجود الفارق، فكيف والفارق ها هنا موجود! فإنه ناجز يترتب عليه أحكامه. وإذا تقرر ما قدمنا من إلحاق خيار المغابنة بخيار الغرر للعلة الجامعة بينهما، فقد حكم الشارع في خيار الغرر في المصراة (٢) بأنه يرد المشتري قيمة ما استهلكه من درها، فليثبت

стр. 2864

مثل ذلك في الفرع، وهو سائر الخيارات، فمن فسخ ما اشتراه بنوع من أنواع الخيارات كان عليه إرجاع ما هو باق لديه من فوائده، وضمان قيمة ما استهلكه كما يقتضيه القياس الصحيح بالجامع الذي كررنا ذكره. فإن قلت: لا عموم في حديث المصراة، حتى يستدل به على سائر أنواع الخيارات. قلت: الأمر كذلك، ولم ندع أنه عام، بل قلنا: إنه حكم الأصل، فكان للفرع مثله، ولو كان الدليل عاما لم يحتج إلى القياس لشموله للفرع بنفسه من دون واسطة فيكون هذا الحكم الثابت في المصراة ثابتا في جميع الفروع، وهي سائر الخيارات إلا ما دل الدليل على أن لفوائده حكما غير حكم الأصل، وهو خيار العيب، فإن الشارع قد أثبت فيه أن الخراج بالضمان فيكون ذلك خاصا به، لأنه فرع من فروع الغرر، فلا يرد إليه ما هو مماثل له في الفرعية، بل يرد إلى الأصل الجامع، ويثبت له حكمه، ويكون ذلك الفرع الذي ورد في فوائده دليل يخصه خارجا عن حكم الأصل في مورد الدليل، لأن القياس حينئذ يكون مصادما للنص، وهو فاسد الاعتبار، ولا يوجب هذا الدليل الوارد في بعض تفاصيل فرع من الفروع أن يكون ذلك الفرع خارجا عن كونه فرعا في غير مورد الدليل، فتحرر من هذا أن الفوائد في كل نوع من أنواع الخيار بكون للبائع من غير فرق بين الأصلية والفرعية، فما كان منها باقيا رجع بعينه (١)، وما كان تالفا فقيمته. والتقدير بالمدة من ثلاثة أيام أو غيرها يرجع المجتهد فيه إلى اجتهاده (٢).

стр. 2865

فإن قلت: إذا كان الأمر كما ذكرته من أن العلة الغرر في كل نوع من أنواع الخيارات، فهل يثبت خيار المعاينة لغير صبي، ومن له حكمه، ومتصرف عن الغير؟. قلت: نعم، يثبت كما ثبت خيار الغرر في المصراة لكل متصرف عن نفسه، أو عن غيره (١)، وكما ثبت لرب السلعة في تلقي الجلب الخيار إذا وصل السوق، سواء كان متصرفا عن نفسه بعد تكليفه أو عن غيره، وليس في حديث حبان بن منقذ ما ينفي ثبوت الخيار لغير من كان مماثلا له في نقص العقل، بل غاية ما هناك أنه أثبت الخيار لرجل يخدع في البيوع، غير كامل الرجولية، وثبت الخيار لغيره من المتصرفين عن أنفسهم، أو عن غيرهم بدليل الأصل، وهو حديث المصراة، وبما ثبت في خيار تلقي الجلب بعلة الغرر، وليس في قوله ﵌ لحبان: " فقل: لا خلابة " (٢) ما يخالف ما قررنا، أو ما يقتضي أنه لا يثبت الخيار إلا بهذه المقالة؛ لأن الباعث على تلقينه لذلك يحتمل أن يكون هو إرادة الإشعار لمن يبايعه من أول الأمر بأن حبان رجل يخدع فلا يخادعه من يعامله مع أن هذا الأمر، أعني: عدم الخدع، هو شأن كل معاملة يتعاملها أهل الإسلام.

стр. 2866

أخرج ابن ماجه (١) والترمذي (٢) وحسنه (٣)، والبخاري (٤) تعليقا، والبيهقي (٥) عن العداء بن خالد قال: كتب رسول الله ﵌ كتابا: " هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله، اشترى منه عبدا أو أمة لأداء (٦) ولا غايلة (٧)، ولا خبثة (٨)، بيع المسلم للمسلم ". وأخرج ابن ماجه (٩) من حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: " المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع بيعا من أخيه وفيه عيب إلا بينه ". وأخرج أحمد (١٠) من حديث واثلة قال: قال رسول الله ﵌: " لا يحل لأحد يبيع شيئا إلا بين ما فيه، ولا يحل لأحد يعلم ذلك إلا بينه ".

стр. 2867

وفي إسناده أبو جعفر الرازي (١)، مختلف فيه، عن أبي سباع، مجهول. وأخرج مسلم (٢)، وأحمد (٣)، وأهل السنن (٤) من حديث أبي هريرة أن النبي ﵌ مر برجل يبيع طعاما، فأدخل يده فيه، فإذا هو مبلول، فقال: " من غشنا فليس منا " فكل بيع في الإسلام هو مشروط بمثل ما قاله ﵌ لحبان بن منقذ (٥)، ولا فرق بينه وبين غيره في ذلك. فإن قلت: إذا كان خيار المغابنة ثابتا لمن تصرف من المكلفين عن نفسه، أو عن غيره، فكيف الجواب عن حديث جابر الثابت في صحيح مسلم (٦) بلفظ: أن النبي ﵌ قال: " لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعضهم ". قلت: الجواب عن ذلك بأنه لا منافاة بينه وبين ثبوت الخيار لهذا البادي إذا عرف بعد ذلك أنه مغبون، وغاية ما في هذا الحديث النهي للحاضر أن يبيع للبادي؛ لأن البادي ربما باع برخص، إما لكون الغالب (٧) على أهل البادية السماحة وعدم المماحكة في ثمن ما يجلبونه، فإذا باعوا ما يجلبونه بأنفسهم رزق الله المشتري منهم بما يتحصل له من

стр. 2868

الرخص المستلزم لانحطاط الثمن، أو لأنهم يجهلون السعر الذي يبتدعه أهل الحضر فيبيعون بخص طيبة بذلك أنفسهم، غير ملتفتين إلى القوانين المعروفة في الحضر. وعلى تقدير أنهم باعوا برخص جاهلين للغلا، ولو علموا به لم تطب أنفسهم بذلك، فهذا نوع من الغرر إذا طلبوا الفسخ به كان لهم ذلك. فالحاصل أن بيع البادي قد يحصل له الرزق للمشتري منه على هذه الاحتمالات، ولا ينافيه ثبوت الخيار على تقدير من تلك التقادير، فتدبر هذا الإجازة. وأما ما سأل عنه السائل - كثر الله فوائده - إذا كان المبيع الذي وقعت فيه المغابنة قد زاد أو نقص. فأقول: قد تقدم الدليل على ثبوت الرد للعين المغبونة، فإذا ذهب بعضها، وبقي البعض، فهذا الحكم الذي أثبته الشارع للكل هو ثابت لذلك البعض، بنفس ذلك الدليل، ومن ادعى أن تلف البعض يمنع من ثبوت حكم الكل له فعليه الدليل، ولا أعلم هاهنا دليلا يدل على اختصاص الرد بالكل لا بالبعض، والأصل عدم وجود المانع حتى يقيم مدعيه البرهان عليه، وهذه الأمور معلومة من قواعد الشريعة. وقد تكلم أئمة الفروع ﵏ في هذه المادة بتفاصيل، وجمل معلومة عند من يعلمها، ولكن فرض المجتهد أن يمشي مع الدليل على مقتضى قواعد علوم الاجتهاد. ويكون ما ذكرناه من رد البعض بحصته من الثمن بالنسبة إلى الكل (١). وما أشار إليه السائل - كثر الله فوائده - من صنيع كثير من الحكام أنهم يأمرون بتقويم المبيع الذي وقع فيه الغبن، ويلزمون المشتري ما نقص عن القيمة، فهذا إن تراضيا عليه الخصمان، فهو أقل مؤونة، وأقرب مسافة، والتراضي هو المناط الأكبر في تحليل أموال العباد، وأما إذا وقف الخصمان على مر الحق، وطلبا من الحاكم أن يقضي بينهما به، فلا يجوز له أن يسلك هذا المسلك، ويصنع هذا الصنع، فإنه خلاف المسلك الشرعي

стр. 2869

بل يقول للمغبون: قد أثبت لك الشرع رد ما غبنت فيه، وأخذ ما دفعته في مقابلته، وخذ إن شئت أو دع. وأما ما سأل عنه السائل - كثر الله فوائده - من إلزام الخصمين أجرة العدلين. فأقول: إن كان للتقويم هو المدعي للغبن فلا شك أن أجرة عملهما عليه؛ لأنه الطالب، وخصمه قائم مقام المنع، وليس على من قام مقام المنع من الغبن أن يغرم من ماله للعدول، بل قيامه في هذا المقام يكفيه، سواء ترتب على التقويم ثبوت الغبن أو عدمه، وإن كان الذي أمر بالتقويم هو القاضي توصلا إلى مستند يرفع به الخصومة، ويدفع عن الخصمين معرة طولها المستلزمة لإتعابهما، وذهاب شطر من مالهما، لا سيما إذا وقعا في حاكم حكام السوء المبالغين في تطويل ذيول الخصام للحطام، والمتكالبين على توسيع دائرة الزحام لمباهاة أمثالهم من الحكام، فلا شك ولا ريب أن هذا النظر من ذلك الحاكم من أسد الأنظار وأنفسها، وله أن يوزع ما يلزم للمقومين على الغريمين على ما يرياه أقرب إلى الصواب، وهذه الشريعة الغراء قد شهدت كليات منها وجزئيات بأن جلب المصالح ودفع المفاسد من أهم مقاصدها، وأجل مواردها (١). وفي هذا المقدار كفاية. حرره محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما - في الثلث الأول من ليلة الجمعة، لعلها ليلة ثلاثين من شهر محرم سنة ١٢١٩ هـ.

стр. 2870

دفع الاعتراضات على إيضاح الدلالات تأليف محمد بن على الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2871

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " دفع الاعتراضات على إيضاح الدلالات ". ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم " الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين بعد: فإني وقفت على ما حرره المولى العلامة شرف الإسلام زين الأعلام الحسن بن يحيى الكبسي كثر الله فوائده ومد على طلاب العلم موائده على رسالتي التي سميتها " إيضاح الدلالات " ... " ٤ - آخر الرسالة: " وتركنا الكلام على ما قرراه لأنفسهما لأن البحث في ذلك يطول جدا. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١٥ صفحة + صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٤ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 2872

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين. وبعد: فإني وقفت على ما حرره المولى شرف الإسلام، زين الأعلام، الحسن بن يحي الكبسي (١) - كثر الله فوائده، ومد على طلاب العلم موائده - على رسالتي التي سميتها " إيضاح الدلالات على إحكام الخيارات " (٢) فوجدته - عافاه الله - قد أفاد وأجاد , وجاء بعلوم غزيرة المواد، ولما كان ذلك البحث المشتمل على المناقشة قد تضمن الاستفهام في غضون الكلام استحسنت تحرير هذه الكلمات لتمام الفائدة. قال - كثر الله فوائده -: وينبغي أن ينظر في حقيقة الغرر لغة ... إلخ. أقول: تقرر في الأصول وغيرها أن الواجب تفسير ألفاظ الكتاب والسنة على ما تقتضيه لغة العرب، لأنهما وإن كان الخطاب فيهما لكل ما يتعلق به الخطاب من الأمة، لكن لا خلاف أنه للجميع بلسان العرب، لا بلسان غيرهم، ولا بلسانهم مع لسان غيرهم، فإذا نظرنا في لفظ من ألفاظهما وقع فيه النزاع كان الحق بيد من كانت لغة العرب معه، إلا أن يتقرر بنقل صحيح أن لذلك اللفظ معنى شرعيا، فالحقائق الشرعية (٣) مقدمة، ولا تلازم بين ما ينقله بعض علماء الشريعة، وينسبه إلى الاصطلاح، وبين المعنى الشرعي؛ فإن المعاني الاصطلاحية هي مما اصطلح عليه أهل الشرع، ولو بعد عصر النبوة بدهر طويل، وهذا معلوم لكل باحث، ومن عرف العلوم الشرعية عرف ما يصطلحون عليه في كل فن من الاصطلاحات الحادثة التي تواضعوا عليها؛ وكذلك من عرف غير

стр. 2873

العلوم الشرعية عرف ما لأهلها من الاصطلاحات الدائرة بينهم، وليس ذلك من الحقائق الشرعية التي تحمل عليها خطابات الشرع في ورد ولا صدر. فالحاصل أنه يجب عند الاختلاف في معنى لفظ من ألفاظ الكتاب والسنة أن يبحث عن كلام أهل اللغة في كتبهم المدونة لهذا الشأن، ويفسر ذلك اللفظ به إذا لم يتقرر بوجه صحيح مقبول أن الشارع قد هجر لغته ولغة العرب الذين قومه في ذلك الفظ بخصوصه، ونقله إلى معنى مشهور معروف عند أهل الشرع، كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج (١)، ونحو ذلك. إذا عرفت هذا، فاعلم أنه لم يشتهر عند المتشرعين أن للغرر المذكور في أحاديث بيع الغرر معنى شرعيا يخالف المعنى اللغوي، وجميع ما نقله العلامة الشرفي هي معان لغوية لكن منهم من جاء بعبارة عامة بحيث يندرج تحتها جميع أنواع الغرر، وبعضهم اقتصر على بعض من ذلك، فمن الناقلين للمعنى العام القاضي عياض (٢) حيث قال: الغرر في اللغة هو ما له ظاهر محبوب، وباطن مكروه. فإن هذا المعنى يشمل كل نوع من أنواع الغرر، وهو مثل ما نقله صاحب النهاية (٣) في تفسير الغرر، فإنه قال: هو ما كان له ظاهر يغري المشتري، وباطن مجهول. ونقل عن الأزهري (٤) أنه قال: بيع الغرر ما كان على غير عهد ولا ثقة، ويدخل فيه البيوع التي لا تحيط بكنهها المتبايعان من كل مجهول. انتهى. وهذا هو المعني الأول في العموم، وهكذا قول القرافي (٥) أصل الغرر هو الذي لا

стр. 2874

يدري هل يحصل أم لا، فإن هذا المعنى عام كالمعاني المتقدمة، لأنه لما تحصل الدراية كان الباطن مجهولا، والمجهول مكروه لا محبوب. وأما قوله: كالطير في الهواء (١)، والسمك في الماء. فهذا تمثيل للغرر بعض أنواعه، وليس المثال قيدا كما هو الظاهر في مثل هذه العبارة، وكما تدل عليه كاف التمثيل، فهذا المعنى العام للغرر الذي نقله هؤلاء الأئمة وغيرهم هو الذي أريده، والمصير إليه متحتم، لأن تفسير ذي المعنى العام ببعض أفراده بدون مخصص تحكم، وهذا المعنى هو وصف ظاهر منضبط، وأما مأخذ عليته فبعد تسليم أنه ورد النهي عنه، بل تواتر ذلك تواتر معنويا، لا وجه للتردد في كونه العلة للنهي عن البيع المشتمل عليه، فكل بيع غرر يدخل تحت النهي، فيكون له حكمه، ولا يصح من البيوع المشتملة على

стр. 2875

الغرر إلا ما صححه الشارع، ويكون ذلك مخصصا للنهى العام الدال بحقيقته على التحريم، أو يحمل النهي على ما لا يقتضى البطلان لتصحيح الشارع لبعض أنواعه كما سيأتي. على أن اعتبار غالب مسالك العلة العشرة (١) هاهنا ممكن، فإنه لو سلك المعتبرة مسلك السبر والتقسيم في بيع المصراة (٢)، وبيع السلع قبل ورودها إلى الأسواق، ونحوها لما كانت العلة إلا الغرر، وهكذا لو سلك مسلك تخريج المناط (٣)، وإذا كان هذا ظاهرا في بعض أنواع الغرر فقد أوضحنا وجود أصل الغرر في كل نوع من أنواع المبيعات التي ثبت فيها الخيار، إما بمسلك تنقيح المناط، أو بما هو دونه أو فوقه، وليس المعتبر إلا وجود ما يصدق عليه مسمى الغرر العام أما دعوى أنه حكمه مجرد فلعله مترتب على تقرير عدم الانضباط، نظرا إلى الاختلاف الواقع في تفسير الغرر مع أنه لا خلاف كما قدمنا. قال - كثر الله فوائده -: فإن المشهور أن العلة والسبب في هذا الخيار. ثم قال: وصرح بأنه العلة والسبب النجري ... إلخ. أقول: هذا لا يصلح للرد على من يبني بحثه على الاجتهاد، فإنه لا يلزمه العمل على المشهور إذا كان الراجح لديه غيره، ولا يتعرض عليه بقول عالم معين، ولا بمذهب الجمهور، وهذا لا يخفى على المعترض - عافاه الله -. إذا عرفت هذا فاعلم أنا قد أوضحنا معنى الغرر وفقد الصفة التي يعتقدها المشتري يدخل في ذلك أوليا، فإنه قد كان لهذا المبيع عند فقد الصفة باطن مكروه وباطن مجهول لا يحيط بكنهه المشتري، وهذا هو الغرر اللغوي، فهل ورد في اللغة أو الشرع ما يوجب تخصيص هذا المعني أو تقييده بالشرط؟ حتى يلزم المجتهد المصير إليه؟
следующие страницы →