وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " دفع الاعتراضات على إيضاح الدلالات ".
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم " الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين بعد: فإني وقفت على ما حرره المولى العلامة شرف الإسلام زين الأعلام الحسن بن يحيى الكبسي كثر الله فوائده ومد على طلاب العلم موائده على رسالتي التي سميتها " إيضاح الدلالات " ... "
٤ - آخر الرسالة: "
وتركنا الكلام على ما قرراه لأنفسهما لأن البحث في ذلك يطول جدا.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ١٥ صفحة + صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٤ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 2872
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين.
وبعد:
فإني وقفت على ما حرره المولى شرف الإسلام، زين الأعلام، الحسن بن يحي الكبسي (١) - كثر الله فوائده، ومد على طلاب العلم موائده - على رسالتي التي سميتها " إيضاح الدلالات على إحكام الخيارات " (٢) فوجدته - عافاه الله - قد أفاد وأجاد , وجاء بعلوم غزيرة المواد، ولما كان ذلك البحث المشتمل على المناقشة قد تضمن الاستفهام في غضون الكلام استحسنت تحرير هذه الكلمات لتمام الفائدة.
قال - كثر الله فوائده -: وينبغي أن ينظر في حقيقة الغرر لغة ... إلخ.
أقول: تقرر في الأصول وغيرها أن الواجب تفسير ألفاظ الكتاب والسنة على ما تقتضيه لغة العرب، لأنهما وإن كان الخطاب فيهما لكل ما يتعلق به الخطاب من الأمة، لكن لا خلاف أنه للجميع بلسان العرب، لا بلسان غيرهم، ولا بلسانهم مع لسان غيرهم، فإذا نظرنا في لفظ من ألفاظهما وقع فيه النزاع كان الحق بيد من كانت لغة العرب معه، إلا أن يتقرر بنقل صحيح أن لذلك اللفظ معنى شرعيا، فالحقائق الشرعية (٣) مقدمة، ولا تلازم بين ما ينقله بعض علماء الشريعة، وينسبه إلى الاصطلاح، وبين المعنى الشرعي؛ فإن المعاني الاصطلاحية هي مما اصطلح عليه أهل الشرع، ولو بعد عصر النبوة بدهر طويل، وهذا معلوم لكل باحث، ومن عرف العلوم الشرعية عرف ما يصطلحون عليه في كل فن من الاصطلاحات الحادثة التي تواضعوا عليها؛ وكذلك من عرف غير
стр. 2873
العلوم الشرعية عرف ما لأهلها من الاصطلاحات الدائرة بينهم، وليس ذلك من الحقائق الشرعية التي تحمل عليها خطابات الشرع في ورد ولا صدر.
فالحاصل أنه يجب عند الاختلاف في معنى لفظ من ألفاظ الكتاب والسنة أن يبحث عن كلام أهل اللغة في كتبهم المدونة لهذا الشأن، ويفسر ذلك اللفظ به إذا لم يتقرر بوجه صحيح مقبول أن الشارع قد هجر لغته ولغة العرب الذين قومه في ذلك الفظ بخصوصه، ونقله إلى معنى مشهور معروف عند أهل الشرع، كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج (١)، ونحو ذلك.
إذا عرفت هذا، فاعلم أنه لم يشتهر عند المتشرعين أن للغرر المذكور في أحاديث بيع الغرر معنى شرعيا يخالف المعنى اللغوي، وجميع ما نقله العلامة الشرفي هي معان لغوية لكن منهم من جاء بعبارة عامة بحيث يندرج تحتها جميع أنواع الغرر، وبعضهم اقتصر على بعض من ذلك، فمن الناقلين للمعنى العام القاضي عياض (٢) حيث قال: الغرر في اللغة هو ما له ظاهر محبوب، وباطن مكروه. فإن هذا المعنى يشمل كل نوع من أنواع الغرر، وهو مثل ما نقله صاحب النهاية (٣) في تفسير الغرر، فإنه قال: هو ما كان له ظاهر يغري المشتري، وباطن مجهول. ونقل عن الأزهري (٤) أنه قال: بيع الغرر ما كان على غير عهد ولا ثقة، ويدخل فيه البيوع التي لا تحيط بكنهها المتبايعان من كل مجهول.
انتهى.
وهذا هو المعني الأول في العموم، وهكذا قول القرافي (٥) أصل الغرر هو الذي لا
стр. 2874
يدري هل يحصل أم لا، فإن هذا المعنى عام كالمعاني المتقدمة، لأنه لما تحصل الدراية كان الباطن مجهولا، والمجهول مكروه لا محبوب.
وأما قوله: كالطير في الهواء (١)، والسمك في الماء. فهذا تمثيل للغرر بعض أنواعه، وليس المثال قيدا كما هو الظاهر في مثل هذه العبارة، وكما تدل عليه كاف التمثيل، فهذا المعنى العام للغرر الذي نقله هؤلاء الأئمة وغيرهم هو الذي أريده، والمصير إليه متحتم، لأن تفسير ذي المعنى العام ببعض أفراده بدون مخصص تحكم، وهذا المعنى هو وصف ظاهر منضبط، وأما مأخذ عليته فبعد تسليم أنه ورد النهي عنه، بل تواتر ذلك تواتر معنويا، لا وجه للتردد في كونه العلة للنهي عن البيع المشتمل عليه، فكل بيع غرر يدخل تحت النهي، فيكون له حكمه، ولا يصح من البيوع المشتملة على
стр. 2875
الغرر إلا ما صححه الشارع، ويكون ذلك مخصصا للنهى العام الدال بحقيقته على التحريم، أو يحمل النهي على ما لا يقتضى البطلان لتصحيح الشارع لبعض أنواعه كما سيأتي.
على أن اعتبار غالب مسالك العلة العشرة (١) هاهنا ممكن، فإنه لو سلك المعتبرة مسلك السبر والتقسيم في بيع المصراة (٢)، وبيع السلع قبل ورودها إلى الأسواق، ونحوها لما كانت العلة إلا الغرر، وهكذا لو سلك مسلك تخريج المناط (٣)، وإذا كان هذا ظاهرا في بعض أنواع الغرر فقد أوضحنا وجود أصل الغرر في كل نوع من أنواع المبيعات التي ثبت فيها الخيار، إما بمسلك تنقيح المناط، أو بما هو دونه أو فوقه، وليس المعتبر إلا وجود ما يصدق عليه مسمى الغرر العام أما دعوى أنه حكمه مجرد فلعله مترتب على تقرير عدم الانضباط، نظرا إلى الاختلاف الواقع في تفسير الغرر مع أنه لا خلاف كما قدمنا.
قال - كثر الله فوائده -: فإن المشهور أن العلة والسبب في هذا الخيار. ثم قال: وصرح بأنه العلة والسبب النجري ... إلخ.
أقول: هذا لا يصلح للرد على من يبني بحثه على الاجتهاد، فإنه لا يلزمه العمل على المشهور إذا كان الراجح لديه غيره، ولا يتعرض عليه بقول عالم معين، ولا بمذهب الجمهور، وهذا لا يخفى على المعترض - عافاه الله -.
إذا عرفت هذا فاعلم أنا قد أوضحنا معنى الغرر وفقد الصفة التي يعتقدها المشتري يدخل في ذلك أوليا، فإنه قد كان لهذا المبيع عند فقد الصفة باطن مكروه وباطن مجهول لا يحيط بكنهه المشتري، وهذا هو الغرر اللغوي، فهل ورد في اللغة أو الشرع ما يوجب تخصيص هذا المعني أو تقييده بالشرط؟ حتى يلزم المجتهد المصير إليه؟
стр. 2876
إن قلتم: ورد فما هو؟، وإن قلتم: لم يرد ولكنه قال به فلان، أو اشتهر عند الطائفة الفلانية فليس. بمثل هذا يعترض على أبحاث العلم. وأما ما ألزمتم به من أنه يكون ذريعة لكل مشتر إلى ادعاء الفسخ باعتقاده لصفة لم توجد فجوابه أنا قد قيدنا ذلك في تلك الرسالة (١) بقولنا: لكنه قد حصل العلم بأن المشترى كان عند العقد معتقدا لوجودها، فهذا القيد المصرح به يدفع ذلك الإلزام دفعا واضحا لا يخفى.
قال - كثر الله فوائده -: فإن هذا الخيار فعل صاحب المعيار العلة، والسبب فيه هي الجهالة، ولعلة التبس بالغرر.
أقول: قد قررنا أن المعنى اللغوي يقتضي أن يكون الجهل غررا، بل صرح بذلك صاحب النهاية (٢)، والأزهري (٣)؛فلا التباس. وكلام صاحب المعيار اجتهاد لا نقل عن أئمة اللغة، فليس بحجة على أحد وكذلك من وافقه، بل الحجة الدليل المفسر بلغة العرب.
قال- كثر الله فوائده -: قال البغوي (٤):إن الغبن هو فوت الحظ.
أقول: هذا هو المعنى الذي أردناه، فإن فوت الحظ كما يكون بعناية من أحد البائعين كالخداع، ويكون أيضًا بغير عناية منهما، أو من أحدهما، لأنه قد وجد فوت الحظ، ويؤيد هذا الاعتبار ما ورد في البائع لسلعته قبل وصوله إلى السوق، فإن النبي ﵌ قال فيه: " فصاحب السلعة بالخيار إذا وردت بالسوق " (٥)، ولم يقيد هذا الخيار بكونه كان البيع بسبب الخداع ولا بغير ذلك.
قال - كثر الله فوائده - فإن هذا مما اختلط فيه الغرر بالجهل.
стр. 2877
أقول: قد قدمنا على أئمة اللغة أن الجهل غرر فلا يرد ما أورده.
قال - كثر الله فوائده -: فقد أناطه الشارع بنحو المصراة (١) فقط.
أقول: ليس المطلوب إلا ذلك، ونحو المصراة هو ما كان مشتملا على نوع غرر؛ إذ ليس المراد بقولنا نحو كذا إلا ما كان مماثلا له في الوصف الذي ذكر لأجله، أو مقاربا له فيه.
قال - كثر الله فوائده -: فإن التكلف في هذا غني عن البيان ... إلخ.
أقول: إذا كان الشراء من فضولي، والمشتري لا يعلم بأنه فضولي، فلا شك ولا ريب أنه قد كان للمبيع ظاهر محبوب، وباطن مكروه كما قال القاضي عياض (٢): نقلا هن أهل اللغة في معنى الغرر، وهكذا للمبيع ظاهر يغري المشتري، وباطن مجهول كما نقل صاحب النهاية (٣) عن أهل اللغة في معنى الغرر، وهكذا لم تحصل الإحاطة بكنه المبيع كما نقله الأزهري (٤) وقد تقدم جميع هذا، وليس المراد بتكراره هنا إلا التعريف بأن الغرر موجود في مثل هذا الخيار فلا تكلف.
وأما ما يقوله العلامة الشرفي - حماه الله - في هذا الموطن، وما قبله، وما بعده من التصريح بأن العلة كذا جزما أو ترجيحا من دون ربط بدليل معقول، أو منقول، فلا يخفى أن ذلك دعوى مجردة، ومصادرة على المطلوب في الغالب.
قال - كثر الله فوائده -: فقد يقال: نعم هذا غرر على ما حققه العراقي، لا على ما قاله القاضي العلامة - عافاه الله -.
أقول: إن أراد بالقاضي هنا راقم هذه الأحرف فهو قد صرح بأن هذا غرر في تلك الرسالة، ونقله العلامة الشرفي - حماه الله - في رسالته، ولفظ ما نقله في رسالته من
стр. 2878
رسالتي هكذا: " وذلك غرر فله التخلص بالفسخ ".انتهى.
فهذا تصريح لا يبقى بعده ريب لمرتاب، ولا ينافي ذلك إثبات الخيار مع العلم بالتعذر كما لا يخفى، وإن أراد بالقاضي القاضي عياض فكلامه الذي نقله ونقلناه يشتمل على خيار تعذر تسليم المبيع، كما يشتمل على غيره من الخيارات حسبما أوضحناه، فينبغي تحرير هذا المقام بما هو مقبول من الكلام.
قال - كثر الله فوائده -: فما ذكره القاضي في غاية التكلف، وبمحل من عدم القبول.
إن كان سبب التكلف، وعدم القبول هو كون كلام النجري يخالفه فهذا الاعتراض في غاية الاعتساف، وبمحل من عدم الإنصاف، وأما دعوى أنه صالح للعلية فمجرد الصلاحية لا يستلزم أن يكون الصالح هو العلة دون غيره مما هو أصلح منه، أو مماثلا في الصلاحية. وأما دعوى أن الشارع جعله مناطا في غيره فلا يستلزم أن يكون مناطا فيه لا عقلا ولا شرعا.
قال - كثر الله فوائده -: بل فيه ما يدل على قصر السببية على التصرية من مخالفها للقياس بإرجاع صاع من التمر.
أقول: هذا منه - عافاه الله - جمود وحنين إلى الوطن الذي حبب إلى الرجال، وهو التقليد الذي نشأ كل فرد من أفراد العالم عليه وإن اختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، ومن كان عالما بما ورد من في الشريعة الغراء ضمن الأعيان لأربابها وجد فيها ضمان الشيء بمماثل له، وإن لم يكن مثليا في عرف الفقهاء كما في تضمينه ﵌ ولعائشة ﵂ قصعة مثل القصعة التي كسرتها على بعض أمهات المؤمنين (١)، وضمان الشيء بغير مماثل له كصاع التمر عن لبن المصراة،
стр. 2879
ولم يرد في الشريعة قاعدة كلية تدل على أن المثلي مضمون بمثله، ولا يعدل إلى قيمته إلا عند عدمه، بل هو مجرد رأي مبني على اصطلاح حادث وهو قولهم: هذا مثلي، وهذا قيمي (١)، والعرب لا تعرف ذلك، ولا هو موافق لما كانت عليه لغتها، فإنهم يقولون: هذا السيف مثل هذا السيف، وهذا البعير مثل هذا البعير، وهذا الثوب مثل هذا الثوب، ونحو ذلك. ويقولون في المثليات باصطلاح الفقهاء أن بعضها قيمة للبعض الآخر، وهذا معروف في لسانهم، مشهور، فعرفت بهذا أن كون المثلي هو ما تساوت أجزاؤه (٢)، وكان له مثل في الصورة، وقل التفاوت فيه، والقيمي هو ما لم
стр. 2880
يجمع القيود الثلاثة (١) ليس إلا مجرد اصطلاح حادث (٢)، فكيف يجعل ما ترتب عليه، وهو كون المثلي مضمونا بمثله ولا يعدل عن المثل إلى القيمة إلا عند عدمه قاعدة شرعية يدفع بها ما صح عن الشارع بلا خلاف بين المسلمين في صحته وثبوته! هل هذا إلا من أعظم مفاسد الرأي، وأطم معايب التقليد، وأشد أنواع الغفلة، وأبعد مسافات الإنصاف! فما بال العلامة الحسن أطلق لقلمه في هذه الحلبة الرسن، وهو من الإنصاف
стр. 2881
بمكان مكين، ومن الكمال بأعلى منازل العلم والدين!
قال - كثر الله فوائده -: على أنه مهجور الظاهر كما تقدم، والظاهر فيه الخصوص.
أقول: دعوى هجر الظاهر، ودعوى الخصوص لا تصلحان لرد دليل المستدل حتى يربط بدليل مقبول يوجب دفع الاستدلال بدليل يخالفهما على أي صفة كان، وأين هذا ومن يصنع مثل هذا الصنيع فيتكل على الاعتراض على كلام أهل العلم بمجرد الدعاوى، مع أنه بما تقرر في الأصول من خطاب الواحد، فإنه وإن كان لا يعم بالصيغة فهو يعم بدليل آخر كحديث: " إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة " (١)، وهو يفيد مفاد ما يروونه من حديث: " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة " (٢).والبحث
وقد حكى بعض أهل الأصول الإجماع على ذلك (١).
قال - كثر الله فوائده - ولم يكتف بمجرد الغرر لكونه حكمة مجردة كما مر.
أقول: هذه دعوى مجردة كما مر.
قال - كثر الله فوائده -: ففي هذا أنه على ما قرره - عافاه الله - يكون بالجهل أشبه لا بالغرر.
هذا لا ينفعه ولا يضرنا؛ فقد بينا سابقا أن الجهل (٢) غرر بنقل أئمة اللغة المعتبرين، وأما الرد بمخالفة بعض أهل العلم فليس من دأب المنصفين، وكونه أنيط بالمجلس، لأنه القدر الذي يتمكن فيه المغرور من الاطلاع على الغرر وأما ذات المجلس فطردي كما صرح به أئمة الأصول في عموم الأمكنة.
قال - كثر الله فوائده -: ففي هذين الخيارين به صرح المجيب بالجهل فيهما، وقد عرفت أنه ليس بغرر.
أقول: وعرفت أيضًا أن الجهل غرر لغة (٣)، وأما دعوى أن ذلك حكمة مجردة بدليل كونه قد أنيط بالرؤية والعيب، وهما العلة والسبب، فلا يخفاك أن المتنازع استحق المشترى للمعيب أن يفسخه عند الاطلاع على العيب، والمشتري لما هو غائب عنه أن يفسخه عند الرؤية لعله كذا، فالعيب والرؤية سببان للفسخ، لا علتان له، ومثل هذا لا يخفى على من هو دون المجيب
стр. 2884
- عافاه الله -؛ فإن الفرق بين العلل والأسباب أوضح من الشمس (١).
стр. 2885
قال - كثر الله فوائده -: قد كررت أن الغرر لمجرده حكمه مجرد ... إلخ.
أقول: وكررت أنا أن هذه الدعوى مجردة كما كررت أن رد كلام بعض أهل العلم بمخالفتهم لبعض منهم ليس دأب أهل الإنصاف.
قال - كثر الله فوائده -: ثم ما المراد بتقرير كونها موجودة في جميع الخيارات؟ ...
إلخ.
أقول: هذا بحث قوي، وسؤال سوي، والذي نريده أن الغرر إذا وجد في أنواع المبيعات التي لم ينص عليها الشارع كان له حكم ما نص عليه، وهكذا إذا وجد في نوع من أنواع المبيعات غير الأنواع التي ذكرها أهل الفقه فله حكمه، فتارة يكون ذلك الإلحاق بلحن الخطاب (١)، وتارة يكون بفحواه (٢).
وأما ما ذكره - عافاه الله - من أن النهى عن بيع الغرر يقتضي بطلانه فهكذا معناه الحقيقي، لكنه لما أثبت الشارع الفسخ في بعض بيوع الغرر كالمصراة (٣)، وتلقي الجلب، ومن يخدع في البيوع، والعيب، والرؤية، كان ذلك دليلا على أن بعض أنواع الغرر ينعقد معه البيع، ويثبت الفسخ، أو يكون ذلك دليلا على أن النهي عن بيع الغرر وإن كان مفيدا للتحريم لكنه لا يستلزم الفساد المرادف للبطلان، بل يصح العقد،
стр. 2886
ويثبت الفسخ وتكون هذه الأدلة الواردة في هذه المواضع قرينة صارفة عن اقتضاء الفساد، أو عن المعنى الحقيقي، وهو التحريم من أصله، وأما ما ألزم به -عافاه الله - من اختلاط أحكام تلك الخيارات ومصيرها شيئا واحدا (١)، واختلافها معلوم، فإن كان هذا العلم بالدليل فممنوع، وقد أوضحنا ما يقتضيه الدليل، وإن كان ذلك لكونه قد قال به بعض أهل العلم فليس ذلك بحجة تمنع من المخالفة، وهذا واضح لا يخفى.
قال - كثر الله فوائده - مما لا طائل تحته ولا يفيد المستمع لمعلوميته.
أقول: ليس هذا جواب من قال: لا أدري بأي مسلك ثبت ذلك، بل جوابه أن يقال: ثبت بمسلك كذا، والبرهان على الأصلية والفرعية والحكم العلية كذا، هذا هو الذي ينبغي أن يجاب به، فإن أجيب بما لا يفيد ذلك فهو الجواب الذي لا طائل تحته، ولا يفيد المستمع لعدم ربطه بالبرهان المقبول. وأما دعوى أن خيار الإجازة (٢) فرد من أفراد خيار المغابنة فهذا من أغرب ما يطرق سمع من يسمع، وكيف يقبل العاقل فضلا عن العالم أن فسخ العقد لمبيع باعه غير مالكه بغير ولاية شرعية (٣) فرد من أفراد عقد باعه من له ولاية شرعية!.
وأما ما ذكره - عافاه الله - من قوله: فها هنا أصل ... إلخ. فيجاب عنه الذي طلب بيان الأصلية والفرعية والعلية والحكم له بطلب البيان بأي وجه كان، وعلى أي صفة وقع بل طلب شأن ذلك بالبرهان، فهذا يفيد أن العلامة الشرفي - حماه الله - لم يلم بمراد السؤال، ولا جس فيه بنص علمه الإشكال، ولا أسرف على ما في تلك الرسالة بحال كما قال في جوابات السؤال.
قال - كثر الله فوائده -: وسلم صلاحيته في المصراة فقط فهو فيها بمعنى
стр. 2887
التغرير، وليس الغرر في أكثر الخيارات بهذا المعنى.
أقول: لكن أهل اللغة (١) لم يفرقوا بين الغرر والتغرير كما أوضحناه سابقا، والمدلول اللغوي (٢) عند عدم وجود الحقيقة الشرعية. فما عول عليه - عافاه الله - من الفرق بين الغرر والتغرير إن كان لبيان أصل الفرق بينهما فمسلم، ولا ينفعه ولا يضرنا، وإن كان لبيان كون ذلك الفرق يخرج أحدهما عن معنى الغرر لغة الذي هو محل النزاع فممنوع، والسند ما تقدم به من النقل، واختلاف أمرين في بعض الذاتيات أو العرضيات لا يمنع من اندراجهما تحت أمر يعمهما كالإنسان، والفرس؛ فإن اخل افهما في الناطقية والصاهلية، واستقامة القامة، وظهور البشرة، والضحك لا يمنع من كونه يقال على كل واحد منهما أنه حيوان في جواب ما هو؟ وأما ما ذكره - عافاه الله - من مخالفة حيث المصراة للقياس فقد تقدم جوابه (٣).
قال - كثر الله فوائده -: أحدهما أن خيار العيب أصل برأسه.
أقول لكن العلة الغرر كما بيناه، وذلك لا ينافى تسميته خيار عيب فإنه سمي بذلك لسببية العيب للخيار لا لعليته له.
وأما ما ذكره من تخلف الحكم في العيب، وأنه نقض قادح. فنقول: تخلف الحكم للدليل الخاص فكان ذلك من بناء العام على الخاص، فليس بنقض (٤) ولا كسر (٥).
стр. 2888
وأما ما ذكره من العارضة ففيه قوة لو ربطه بدليل حتى يخلص من شوب المصادرة.
قال - كثر الله فوائده -: وعرفت أن العموم من عوارض (١) الألفاظ ... إلخ.
أقول: لم يذكر إلا عموم العلة، وأوردنا حديث المصراة (٢) للاستدلال به على أنه ثبت فيه الخيار للمكلف البائع عن نفسه، مع كون العلة الغرر، وكذلك حديث تلقي الجلب (٣)، وحديث حبان (٤)، فإنه إيراد هذه الأدلة ليس إلا لثبوت الخيار فيها للمكلف البائع عن نفسه، مع كونه العلة الغرر على ما قررناه فثبتت الخيار للمكلف البائع عن نفسه، مع وجود العلة التي هي الغرر في بيعه.
قال - كثر الله فوائده -: فإن الترتيب الخيار على قوله: هذا القول: دون مجرد الخداع أمر مكشوف ... إلخ.
أقول: لكن هذا الكشف مجرد دعوى، فلا يتم حتى يربط بدليل، وهو اتفاق أهل الفهم على ذلك، وهو ممنوع، فقد وقع الاختلاف، أو أن المدلول اللغوي لا يحتمل إلا ذلك فهو مدفوع، فإن الكل من الاحتمالين يحتمله الكلام اللغوي، ويتناوله المقصد الشرعي فإن كل واحد منهما مقصد من مقاصد الشارع، أو أنه قد ورد دليل الشرع فأوجب المصير إلى ذلك، فأين هذا الدليل؟
стр. 2889
قال - كثر الله فوائده -: فإنه دفع في وجه التعليل النبوي ... إلخ.
أقول: بل هو جمع بين الأدلة الشرعية؛ إذ لا معارضة عند التحقيق، فإن رزق البعض (١) من البعض لا ينافيه ثبوت الخيار عند وجود مسمى الغرر، لا عقلا، ولا شرعا، ولا عرفا، لأن غاية ما علل به النبي ﵌ ما قاله من النهي عن بيع الحاضر للبادي أنه يرزق الله بعض العباد من بعض إذا باع البادي لنفسه بنفسه، وذلك إما لكون الغالب على أهل البادية السماحة، فلا يكثرون المماكسة، ولا يطيلون المماحكة مع كونهم يعلمون أنهم لو صنعوا في بيوعاتهم ما يصنعه الحاضر من كثرة التحسين والتزيين والانتظار إلى وقت الغلاء، والتربص لوقت النفاق لباعوا بثمن مثل الثمن الذي يبيعه الحاضر به، ولكنهم يتسامحون وتطيب أنفسهم بدون ذلك ولا غرر عليهم، ولا مخادعة لهم.
وقد أشرنا إلى هذا المعنى في تلك الرسالة (٢)، وهو ما يستلزم ما فهمه - عافاه الله - من أن الحديث دليل على ما استدل به عليه، لأنه لا غرر أصلا، فكيف يجزم بأن مثل هذا الوجه دفع في وجه التعليل النبوي! وهو عنه أجنبي. ثم قلنا في تلك الرسالة: وعلى تقدير أنهم باعوا جاهلين
إلخ.، وهذا أيضًا لم يدفع في وجه التعليل النبوي ولا معارض له، بل هو جمع حسن، وترجيح مقبول.
قال - كثر الله فوائده - فإن هذه الاجتهادات لا تسوغ ... إلخ.
أقول: قد أطال -أطال الله بقاءه - الكلام هاهنا في غير طائل، فإنه لا يخفى عليه ولا على ذي فهم وعلم أن حكم الحاكم إثباتا ونفيا إذا تعلق بالاطلاع على قيمة العين المتنازع فيها في غبن أو غيره أنه لا يتمكن الحاكم من الحكم، ولا يرتفع النزاع بين الخصمين إلا بالرجوع إلى تقويم العدول؛ إذ لم يرد في هذه الشريعة المطهرة أن قيمة تلك
стр. 2890
العين كذا، وانقطع الوحي بعد عصر النبوة، فلم يبق إلا الرجوع إلى التقويم العدول، وليس هذا بمستنكر عند المتشرعين، فقد شرع الله الرجوع إلى حكم العدول في جزاء الصيد فقال: [يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ] (١)، وقال في الخصومة العارضة بين الزوجين: [فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا] (٢) فالحاكم الذي لا يجد سبيلا إلى الخصومة بين الخصمين إلا بتقويم العدول لا يكون أمره بالتقويم من الاجتهاد الذي لا يسوغ، بل من الإقتداء بما شرعه الله في كتابه العزيز، هؤلاء العدول لا يكون لم يتعين عليهم القيام بذلك التقويم، ولا هو فرض عين عليهما، ولا كلفهما الله سبحانه به، وفى الدنيا من يحسن هذا التقويم غيرهما، بل في كل قرية جماعة، فهما إذا طلبا الأجرة أو امتنعا من التقويم إلا بها لم يكن تعيين الحاكم لها مخالفة للشريعة بل المخالف للشريعة المبنية على العدل هو إتعاب النفوس قسرا أو قهرا بلا أجر، ومطل العاملين بلا وجه شرعي، ولا حجة نيره فالحاكم إذا ألزم الخصمين (٣) أو أحدهما بتسليم أجرة العدول المقومين موزعا ذلك على حسب ما حصل للغريمين من جلب النفع، ودفع الضر ليس يجتهد اجتهادا لا يسوغ، والمفروض أنه لم يطلب التقويم أحد الخصمين بل طلبه الحاكم لرفع الخصومة، ودفع الشجار إقتداء بتحكيم الحكمين في جزاء الصيد. وقد حلت أجرة الشهود الذين يشهدون بما قد وجب عليهم تأديته إذا احتاجوا إلى قطع مسافة، أو مزاولة، فكيف لا يحل الأجرة لعمل المقومين مع كونه لم يجب عليهم ذلك التقويم، ولا تقدم لهم ما يوجبه عليهم! والأمر في هذا واضح.
وإلى هنا انتهى الكلام على اعتراضات العلامة الشرفي - كثر الله فوائده - التي كتبها
стр. 2891
على رسالتي (١) المسماة: إيضاح الدلالات على أحكام الخيارات.
стр. 2892
ولنذكر الآن الكلام على ما اعترض به المولى العلامة ضياء الإسلام، نبراس الآل الكرام إسماعيل بن أحمد ابن محمد الكبسي (١) - كثر الله فوائده -.
وسنقتصر على أوجز عبارة، لأن الكلام قد طال، وقد دخل في الجواب (٢) على العلامة الشرفي - حماه الله - غالب جوابات اعتراضات الضياء -عافاه الله -.
قال - كثر الله فوائده -: الأول أنه أراد أن يجمع الخيارات ... إلخ.
أقول: ربط الشارع النسخ بالرؤية والعيب والشرط ونحوها لا يستلزم أنها العلل، بل هي الأسباب، ولها علل آخرة، ولا تلازم بين الأسباب والعلل كما لا يخفى.
قال - كثر الله فوائده -: الثاني أن الغرر الذي جعله علة لجميعها لم يضبطه
إلخ.
أقول: قد أوضحناه في الرسالة إجمالا، وأوضحناه في أوائل هذه الورقات بما يستفاد منه أنه منضبط مبين، غير مناف لما ذكره أهل العلم في ذلك.
قال - كثر الله فوائده - فلا استقر عقد ... إلخ.
أقول قد أوضحنا في الرسالة أنه لا بد أن يعلم أنه يعتقد وجود ما لم يوجد حال العقد، فلا يلزم قبول قوله مطلقا، ولا استقرار العقد.
أقول - كثر الله فوائده -: وأقر بأنه مغرور إلخ.
أما إذا أقر بأنه غير مغرور فلا خيار، وليعلم- عافاه الله - أن مجرد عدم رؤية المبيع محتملة لوجود الغرر (٣)، لأنه إذا رآه يمكن أن يجده على صفة غير ما ظنه، أو تخيله، فليس الخير كالمعاينة (٤)، لكنه إذا أقر بأنه غير مغرور فقد أبطل ما أثبته له الشارع، فيكون ذلك كإسقاط الخيار الثابت، فالإلزام ملتزم، ولا يرد ما أورده من قوله ﵌: فله الخيار إذا رآه، لأن ذلك ثابت مع عدم الإسقاط، وأما مع
стр. 2893
الإسقاط أو الإقرار بما يوجب سقوط الخيار، وعدم الغرر فلا يخالف الحديث، وإلا لزم المخالفة للحديث إذا أسقط خيار الرؤية، فإنه يقال عليه: إن هذا الإسقاط يوجب بطلان الخيار، وقد قال النبي ﵌: " فله الخيار إذا رآه " (١) وما هو جوابه عن الإسقاط للخيار، فهو جوابنا عن الإقرار بعدم الغرر.
قال - كثر الله فوائده -: الرابع أنا قد وجدنا الخيارات ... إلخ.
أقول: قد تقدم الجواز عن هذا الوجه في جوابات اعتراضات العلامة الشرفي - حماه الله - فليرجع إليها. وقد قدمنا أن المقرر في الأصول أن خطاب الواحد وإن لم يعم باعتبار الصيغة فهو يعم باعتبار أمور خارجة (٢) كما تقدم بيانه، وهو إجماع كما حكاه بعض أهل الأصول.
قال - كثر الله فوائده - وهكذا من وهم أن فكرته تستدرك حكما حادثا إلخ.
أقول تقدم بيان الوجه بما لا يبقى معه ريب لمرتاب، ونزيد ذلك هاهنا بيانا فنقول: إن قلتم أنه لا يجوز الحكم إلا بأسباب معلومة محضورة، وهي الشهادة واليمين والإقرار، وأنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بغيرها، وإن أفاد مفادها، أو زاد عليها طلبنا منكم الدليل الذي يدل على أسباب انحصار الحكم في هذه الأسباب، فأوضحوا لنا ما هو؟ فإن مجرد جعله أسبابا كقوله: شاهداك أو يمينه (٣)، ونحو ذلك لا يفيد أنه لا أسباب إلا هي، لا بمطابقة، ولا بتضمن ولا التزام. ومن زعم أن النص على سبب أو أسباب لشيء يستلزم أنه لا سبب إلا ما وقع النص عليه، مع أنه لم يكن فيه صيغة من صيغ
стр. 2894
الحصر، ولا لفظ من الألفاظ الدالة على سببية الغير، فقد غلط على اللغة غلطا بينا، وأيضا يلزمكم إن علم الحاكم (١)، والنكول (٢)، ورد اليمين ليست (٣) بأسباب لعدم النص عليها، مع أن شهادة الشاهدين لا يفيد إلا لمجرد الظن على أنهم لم يعتبروا حصول الظن للحاكم بل قالوا: يكفي أن لا يظن الكذب، وكذلك إقرار المقر لا يفيد الحاكم العلم بأنه مطابق للواقع لجواز أن يكون كاذبا في إقراره، فغاية ما يستفاد من إقرار المقر على نفسه هو مجرد ظن الصدق، وأما يمين المدعي فهي أضعف من هذين السببين في تحصيل الظن للحاكم، وإذا كان غاية ما يفيده هذه الأسباب للحاكم هو مجرد الظن، فكيف لا يجوز له أن يحكم بما يفيد مفادها! أو يزيد عليها كعلم الحاكم مع عدم ورود ما ينفي العمل بذلك عن الشارع، لما قدمنا من أن مجرد النص على سبب لا ينفي غيره مما يحلق به بفحوى الخطاب أو لحنه.
فإن قلتم: الدليل على حكم الحاكم بعلمه أدلة إطلاع بالعلم. قلنا: وهكذا كل ما يفيد العلم. وإن قلتم: الدليل على أن النكول ورد اليمين سببا أدلة العمل بالظن. وهكذا كل ما يفيد الظن كائنا ما كان، والفرق تحكم. ومع هذا فلست ممن
стр. 2895
يعمل في الحكم بكل ظن، ويكتفي فيه بأي سبب، لكنه اقتضى هذا الكلام زيادة إيضاح لنا.
وإذا تقرر هذا علمت أن رد ما ذكرناه في تلك الرسالة من تقدير العدول، واعتماد الحاكم عليهم، وتحليل الأجرة لهم، بمثل حديث: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، ليس على ما ينبغي، على أن نقول: إن البينة المذكورة في هذا الحديث وغيره هي ما يتبين به الحق، ولا ينحصر ذلك في شهادة الشهود فهو عليكم لا لكم.
وفي هذا المقدار كفاية. وقد اقتصرنا في هذه الورقات على الكلام على ما اعترض به العلامتان على تلك الرسالة، وتركنا الكلام على ما قرراه لأنفسهما، لأن البحث في ذلك يطول جدا.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
стр. 2896
بحث في " لا يبيع حاضر لباد "
تأليف
محمد بن على الشوكاني
وحقق وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 2897
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " بحث في لا يبيع حاضر لباد "
٢ - موضوع الرسالة: " فقه "
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الراشدين وبعد: فإنه وصل إلي سؤال من بعض أهل العلم في شهر الحجة سنة ١٢٠٧ هـ ...... ".
٤ - آخر الرسالة: وليس هذا موطن بسط الكلام في ذلك وفي المقدار كفاية لمن له الهداية. انتهى من تحرير المجيب القاضي محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - عدد الصفحات: ٤ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦. ما عدا الصفحة الأولى فعدد أسطرها سبعة أسطر والصفحة الأخيرة عدد أسطرها سطران.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٤ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 2898
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الراشدين، وبعد:
فإنه وصل إلى سؤال من بعض أهل العلم في شهر الحجة سنة ١٢٠٧هـ سبع ومائتين وألف حاصله: هل يتناول قوله ﵌ لا يبيع حاضر لباد أهل المحلات القريبة أم لا؟ بل عقلت العلة لمن قوله ﵌: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض؛ إذ الحاضر والبادي لا يبيعان إلا بيعا واحدا، وكذلك إذا كان الحاضري صديقا أو قريبا انتهى.
فأجبت: الحمد لله وحده، حديث لا يبيع حاضر لباد هو عند الجماعة (١) كلهم إلا البخاري من حديث جابر، وعند الشيخين (٢) من حديث أنس، وعند الجماعة (٣) كلهم إلا الترمذي من حديث بن عباس، وعند ........................
стр. 2899
البخاري (١)، والنسائي (٢) من حديث ابن عمر وعند الشيخين (٣) من حديث أبي هريرة، وهو في بعض هذه الأحاديث بلفظ " نهينا " (٤) وفي بعض: " نهى "، وفى بعضها بلفظ " لا تبع " (٥) على النفي.
وقد فسر ابن عباس (٦) بيع الحاضر للبادي فقال: لا يكون له سمسارا. أخرج ذلك عنه الجماعة إلا الترمذي. والسمسار (٧) بمهملتين هو القيم بالأمر، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره.
وقد ثبت من حديث جابر ما يشعر بالعلة التي لأجلها نهى الشارع عن أن يبيع حاضر لبادي " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " إذا نفى بهذا فاعلم أن قوله: حاضر لباد نكرتان عامتان لوقوعهما في سياق النفي (٨) والنهي المتضمن له، فيدخل تحت النهي كل
стр. 2900
من صدق عليه اسم الحاضر والبادي (١). ولا ريب أن اسم البادي يصدق على كل من كان ساكنا في البادية، إما دائما أو في بعض الأوقات كي يسكنها عند صلاح ثمارها من غير فرق بين أن يكون محله قريبا (٢) أو بعيدا، أو كما تصدق عليه الصيغة تصدق عليه
стр. 2901
العلة؛ وهي كون البادي يظنه للبيع برخص، فيتسبب عنه ارتزاق الحاضر (١)، وذلك لأن من كان باديا في بعض الأوقات يجهل كيفية التعامل والتبايع في ذلك الوقت الذي يكون فيه باديا، وإن كان يسيرا مهما أمكن التجويز فيه، فلا وجه لجعل النهي مختصا من كان باديا دائما.
فإن قلت تقسيم النظر إلى العلة يستلزم دخول من كان من أهل الحاضر غير عالم
стр. 2902
بالتعامل (١) لأنه مظنة للبيع برخص، فيحرم على من كان عالما بكيفية التعامل أن يبيع له.
قلت ذلك نادر لا اعتبار به، ولهذا لم يلتفت إليه الشارع، فلا يصح النقض (٢) به ولا الكسر (٣)، فإن صلح للاعتبار فهو ملزم.
فإن قلت: إذا كانت العلة ما سلف، فمن كان من أهل البادية عالما بكيفية التعامل كالقريب، بحيث ينتفي عنه مظنة الترخيص في البيع، ولا يبقى بينه وبين الحاضر فرق، هل له أن يوكل بالبيع (٤)؟
стр. 2903
قلت: وجود من هو لهذه الصفة من أهل البادية ممنوع، والسند انه قد غاب عن الحضر في بعض الأوقات، وذلك مستلزم لعدم العلم بكيفية التعامل في وقت الغيبة على التفضيل؛ فهو مظنة للبيع برخص، فإن قيل: ربما كانت الأخبار بمقدار التعامل وكيفيته يتصل به في حال غيبته.
قلت: حديث " ليس الخبر كالمعاينة " (١) مانع من تخصيص النص بمجرد ذلك، لأنه قد أفاد أن وصف كونه باديا في تلك الحال غير طردي، فلا تجوز العادة بمسلك ينقح المناط (٢)، ومن التخصص بمجرد الاستنباط قوله أن النهي مختص بزمن الغلاء (٣)، وقيل (٤): هو مختص بأن يضعه البادي عند الحاضر ليبيعه على التدريج بأغلى من سعر
стр. 2904
الوقت (١).
وقيل: لابد أن يكون المجلوب مما يعم الحاجة إليه (٢).
وقيل لا بد أن يكون ذلك المبيع مما يحصل به التوسعة في البلد، لا إذا كان حقيرا، وكل التخصيص بمجرد الاستنباط، وهو في بعضها في غاية الخفاء، وفى بعض له بعض الظهور، والجميع ما لا يطمئن إلى التخصيص به من راض نفسه في علم الأصول، ولاحظ في تصرفاته على المعقول والمنقول، ثم اعلم أن البادية في اللغة خلاف الحاضرة.
قال في القاموس (٣): البدو البادية، والباداة، والبداوة بخلاف الحضر، وتبدي إقالتها، وتبادي تشبه بأهلها، والنسبة بداوي، وبدوي، وبدا القوم حواء إلى البادية انتهى،
стр. 2905
وظاهر أحاديث النهي السالفة (١) أن بيع الحاضر البادي محرم من غير فرق بين القريب والصديق، وغيرهما، وإلى التحريم ذهب الجمهور (٢)، وهو الحق. وذهب عطاء ومجاهد، والهادي، وأبو حنيفة (٣) إلى ذلك مطلقا من دون كراهة، واحتجوا أولا بأحاديث النصيحة (٤) لكل مسلم، وهي أحاديث صحيحة، ولكنها تجاب عنها بأنها أعم مطلقا حتى أحاديث النهي للحاضر عن البيع للبادي فلا يصلح لمعارضة أحاديث النهي، ولا لنسخها (٥) كما زعم البعض، اللهم إلا أن يصح تأخر أحاديث النصيحة عن أحاديث النهي؛ فإنها تكون ناسخة عند من جعل العام المتأخر ناسخا، وهو مع كونه مذهبا مرجوحا متوقف على تأخر العام، ولم ينتقل أحد من أهل العلم أنه متأخر فيبني العام على الخاص كما هو المذهب الحق. وقد نقل بعضهم أنه مجمع عليه من جهل التاريخ، واحتجوا ثانيا بالقياس على جواز توكيل البادي للحاضر (٦)، ويجاب عنه بأنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد الاعتبار، على أنه لو سلم وجود دليل يدل على جواز التوكيل مطلقا لكان عاما، لشموله وكيل البيع والشراء، والخصومة وغير ذلك، وغير النهي يكون خاصا فيبني العام على الخاص. وممن رجح التحريم الإمام المهدي في البحر (٧) حيث كان فيه إضرار.
стр. 2906
قال ابن حبيب المالكي (١): الشراء للبادي مثل البيع له لقوله: " لا يبيع بعضكم على بيع بعض " (٢) فإن معناه الشراء.
وعن مالك روايتان (٣)، وكرهه ابن سيرين (٤).
стр. 2907
وأخرج أبو عوانة في صحيحه (١) عن أنس أنه قيل له: أنهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟. قال: نعم وأخرج أبو داود (٢) عن أنس أنه قال: هي كلمة جامعة لا تبيع له شيئا، ولا تبتاع له شيئا. ومرجعه إلى جواز استعمال المشترك (٣) في معنييه أو معانيه،
стр. 2908
والخلاف في ذلك معروف في الأصول (١)، وقد تقرر في اللغة (٢) أن البيع يطلق على الشراء والعكس حقيقة لا مجازا، والحق جواز استعمال (٣) المشترك في معنييه أو معانيه إذا لم يكن بينها تضاد (٤)، وليس هذا موطن الكلام في ذلك. وفى هذا المقدار كفاية لمن له هداية. انتهى من تحرير المجيب القاضي محمد بن على الشوكاني -غفر الله لهما -.
стр. 2909
المسك الفايح في حط الجوايح
تأليف
محمد بن على الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 2910
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " المسك الفايح في حط الجوايح ".
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وبعد: فإنه ثبت في صحيح مسلم .... ". ٤ - آخر الرسالة: فالملزوم مثله وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق. كتبه مؤلفه محمد الشوكاني غفر الله له.
ويليه أبيات شعرية " للعلامة على بن يحيى بن أبو طالب لما اطلع على هذا البحث.
٥ - نوع الخط: خط نسخي عادي.
٦ - عدد الصفحات: ٤ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٤ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٩ كلمات.
٩ - الرسالة من المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.