← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

يلونهم (١). وإن كانت تلك المزايا لأمر عقلي فما هو؟ أو لأمر شرعي فأين هو؟. ولا ننكر أن الله قد جعلهم بمحل من العلم والورع، وصلابة الدين، وأنهم من أهل السبق في كل الفضائل والفواضل، وعن الشأن في المتعصب لهم من أتباعهم، القائل أنه لا يجوز تقليد غيرهم، ولا يعتد بخلافه إن خالف، ولا يجوز لأحد من علماء المسلمين أن يخرج عن تقليدهم وإن كان عارفا بكتاب الله، وسنة رسوله، قادرا على العمل بما فيهما، متمكنا من استخراج المسائل الشرعية منهما، فلم يكن مقصودنا إلا التعجيب لمن كان له عقل صحيح، وفكر رجيح، وتهوين الأمر عليه فيما نحن بصدده من الكلام على ما يفعله المعتقدون للأموات، وأنه لا يغتر العاقل بالكثرة وطول المهلة مع الغفلة؛ فإن ذلك لو كان دليلا على الحق لكان ما زعمه المقلدون المذكورون حقا، ولكان ما يفعله المعتقدون للأموات حقا. وهذا عارض من القول أوردناه للتمثيل، ولم يكن من مقصودنا، والذي نحن بصدده هو أنه إذا خفي على بعض أهل العلم ما ذكرناه وقررناه في حكم المعتقدين [٣٦] للأموات لسبب من أسباب الخفاء التي قدمنا ذكرها، ولم يتعقل ما سقناه من الحجج البرهانية القرآنية والعقلية فينبغي أن تسأله: ما هو الشرك؟ فإن قال: هو أن تتخذ مع الله إلها آخر كما كانت الجاهلية تتخذ الأصنام آلهة مع الله -سبحانه- فقل له: وماذا كانت الجاهلية تصنعه لهذه الأصنام التي اتخذوها حتى صاروا مشركين؟ فإن قال: كانوا يعظمونها ويقربون لها، ويستغيثون بها، وينادونها عند الحاجات، وينحرون لها النحائر، ونحو ذلك من الأفعال الداخلة في مسمى العبادة فقل له: لأي شيء كانوا يفعلون لها ذلك؟ فإن قال: لكونها الخالقة، أو الرازقة، أو المحيية، أو المميتة فاقرأ عليه ما قدمنا لك من البراهين القرآنية المصرحة بأنهم مقرون بأن الله الخالق الرازق المحيي المميت، وأنهم إنما عبدوها لتقربهم إلى الله زلفى، وقالوا: هم شفعاؤهم عند الله، ولم يعبدوها

стр. 317

لغير ذلك؛ فإنه سيوافقك ولا محالة إن كان يعتقد أن كلام الله حق، وبعد أن يوافقك أوضح له أن المعتقدين في القبور قد فعلوا هذه الأفعال أو بعضها على الصفة التي قررناها وكررناها في هذه الرسالة، فإنه إن بقي فيه بقية من إنصاف، وبارقة من علم، وحصة من عقل فهو لا محالة يوافقك وتنجلي عنه الغمرة، وتنقشع عن قلبه سحائب الغفلة، ويعترف بأنه كان في حجاب عن معنى التوحيد الذي جاءت به السنة والكتاب، فإن زاغ عن الحق، وكابر وجادل، فإن جاءك في مكابرته ومجادلته بشيء من الشبهة فادفعه بالدفع الذي قد ذكرناه فيما سبق، فإنا لم ندع شبهة يمكن أن يدعيها مدع إلا وقد أوضحنا أمرها، وإن لم يأت بشيء في جداله، بل اقتصر على مجرد الخصام والدفع المجرد لما أوردته عليه من الكلام [٣٧] فاعدل معه عن حجة اللسان بالبرهان والقرآن إلى محجة السيف والسنان، فآخر الدواء الكي. هذا إذا لم يكن دفعه بما هو دون ذلك من الضرب والحبس والتعزير؛ فإن أمكن وجب تقديم الأخف على الأغلظ عملا بقوله تعالى:﴾ فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ﴿(١)، وبقوله:﴾ ادفع بالتي هي أحسن ﴿(٢). ومن جملة الشبه التي عرضت لبعض أهل العلم ما جزم به السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير (٣) ﵀ في شرحه لأبياته (٤) التي يقول في أولها:

стр. 318

رجعت عن النظم الذي قلت في النجدي (١). . . . . . . . . . . . . فإنه قال: إن كفر هؤلاء المعتقدين للأموات هو من الكفر العملي، لا الكفر الجحودي، ونقل ما ورد في كفر تارك الصلاة كما ورد في الأحاديث (٢) الصحيحة، وكفر تارك الحج في قوله تعالى:﴾ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴿(٣)، وكفر من لم يحكم بما أنزل الله كما في قوله تعالى:﴾ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴿(٤)، ونحو ذلك من الأدلة الواردة فيمن زنى، ومن سرق، ومن أتى امرأة حائضا، أو امرأة في دبرها، أو أتى كاهنا، أو عرافا، أو قال لأخيه: يا كافر. قال: فهذه الأنواع من الكفر وإن أطلقها الشارع على فاعل هذه الكبائر فإنه لا يخرج به العبد عن الإيمان، ويفارق به الملة، ويباح به دمه وماله وأهله كما ظنه من لم

стр. 319

يفرق بين الكفرين، ولم يميز بين الأمرين، وذكر ما عقده البخاري في صحيحه من كتاب الإيمان في كفر دون كفر، وما قاله العلامة ابن القيم: إن الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة من الكفر العملي، تحقيقه أن الكفر كفر عمل وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا، فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل فهو نوعان: نوع يضاد الإيمان، ونوع لا يضاده. ثم نقل عن ابن القيم كلاما في هذا المعنى. ثم قال السيد المذكور: قلت: ومن هذا -يعني الكفر العملي- من يدعو الأولياء [٣٨] ويهتف هم عند الشدائد، ويطوف بقبورهم، ويقبل جدرانها، وينذر لها بشيء من ماله؛ فإنه كفر عملي لا اعتقادي، فإنه مؤمن بالله وبرسوله ﵌ وباليوم الآخر، لكن زين له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحون ينفعون، ويشفعون، ويضرون، فاعتقدوا ذلك جهلا كما اعتقده أهل الجاهلية في الأصنام، لكن هؤلاء مثبتون التوحيد لله لا يجعلون الأولياء آلهة كما قاله الكفار إنكارا على رسول الله ﵌ لما دعاهم إلى كلمة التوحيد:﴾ أجعل الآلهة إلها وحدا ﴿(١)، فهؤلاء جعلوا لله شركاء حقيقة، وقالوا في التلبية: " لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" (٢) فأثبتوا للأصنام شركة مع رب الأنام وإن كانت عباراتهم الضالة قد أفادت أنه لا شريك له، لأنه إذا كان يملكه وما ملك فليس بشريك له تعالى، بل مملوك، فعباد الأصنام جعلوا لله أندادا، واتخذوا من دونه شركاء، وتارة يقولون: شفعاء يقربونهم إلى الله زلفى، بخلاف جهلة المسلمين الذين اعتقدوا في أوليائهم النفع والضر؛ فإنهم مقرون لله بالوحدانية، وإفراده بالإلهية، وصدقوا رسله، فالذي أتوه من تعظيم الأولياء كفر عمل لا اعتقاد.

стр. 320

فالواجب هو وعظهم وتعريفهم جهلهم، وزجرهم ولو بالتعزير كما أمرنا بحد الزاني، والشارب، والسارق من أهل الكفر العملي إلى أن قال: فهذه كلها قبائح محرمة من أعمال الجاهلية، فهو من الكفر العملي. وقد ثبت أن هذه الأمة تفعل أمورا من أمور الجاهلية هي من الكفر العملي كحديث: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة ". أخرجه مسلم في صحيحه (١) من حديث أبي مالك الأشعري. فهذه من الكفر العملي، لا تخرج بها الأمة عن الملة، بل هم مع إتيانهم [٣٩] بهذه الخصلة الجاهلية أضافهم إلى نفسه فقال: من أمتي. فإن قلت: الجاهلية تقول في أصنامها أنهم يقربوهم إلى الله زلفى كما يقوله القبوريون، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله كما يقوله القبوريون أيضا، قلت: لا سوى فإن القبوريين مثبتون لتوحيد الله، قائلون أنه لا إله إلا هو، ولو ضربت عنقه على أن يقول: إن الولي إله مع الله لما قالها، بل عنده اعتقاد جهل أن الولي لما أطاع الله كان له بطاعته عنده تعالى جاه، به تقبل شفاعته، ويرجى نفعه، لا أنه إله مع الله، بخلاف الوثني فإنه امتنع عن قول لا إله إلا الله حتى ضربت عنقه زاعما أن وثنه إله مع الله، ويسميه ربا وإلها. قال يوسف ﵇:﴾ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ﴿(٢) سماهم أربابا لأنهم كانوا يسمونهم بذلك، كما قال الخليل:﴾ هذا ربي ﴿(٣) في الثلاث الآيات مستفهما لهم مبكتا متكلما على خطابهم، حيث يسمون الكواكب أربابا. وقالوا:﴾ أجعل الآلهة إلها واحدا ﴿(٤)، وقال قوم إبراهيم:

стр. 321

﴾ من فعل هذا بآلهتنا ﴿(١)﴾ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ﴿(٢). وقال إبراهيم:﴾ أإفكا آلهة دون الله تريدون ﴿(٣). ومن هنا تعلم أن الكفار غير مقرين بتوحيد الإلهية والربوبية كما توهمه من توهم من قوله:﴾ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ﴿(٤)،﴾ من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ﴿(٥)،﴾ قل من يرزقكم من السماء والأرض ﴿إلى قوله:﴾ فسيقولون الله ﴿(٦). فهذا إقرار بتوحيد الخالقية والرازقية ونحوهما [٤٠]، لا أنه إقرار بتوحيد الإلهية، لأنهم يجعلون أوثانهم أربابا كما عرفت، فهذا الكفر الجاهلي كفر اعتقاد، ومن لازمه كفر العمل بخلاف من اعتقد في الأولياء النفع والضر مع توحيد الله، والإيمان به، وبرسله، وباليوم الآخر، فإنه كفر عمل، فهذا تحقيق بالغ، وإيضاح لما هو الحق من غير إفراط ولا تفريط ... انتهى كلام السيد المذكور ﵀. وأقول: هذا الكلام في التحقيق ليس بتحقيق بالغ، بل كلام متناقض، متدافع، وبيانه أنه لا شك أن الكفر ينقسم إلى كفر اعتقاد، وكفر عمل، لكن دعوى أن ما يفعله المعتقدون في الأموات من كفر العمل في غاية الفساد فإنه قد ذكر في هذا البحث أن كفر من اعتقد في الأولياء كفر عملي، وهذا عجيب، كيف يقول كفر من يعتقد في الأولياء، وسمى ذلك اعتقادا، ثم يقول: إنه من الكفر العملي. وهل هذا إلا التناقض

стр. 322

البحث، والتدافع الخالص!. انظر كيف ذكر في أول البحث أن كفر من يدعو الأولياء، ويهتف بهم عند الشدائد، ويطوف بقبورهم، ويقبل جدراتها، وينذر لها بشيء من ماله هو كفر عملي!. فليت شعري ما هو الحامل له على الدعاء والاستغاثة، وتقبيل الجدران، ونذر النذورات! هل هو مجرد اللعب والعبث من دون اعتقاد، فهذا لا يفعله إلا مجنون، أم الباعث عليه الاعتقاد في الميت، فكيف لا يكون هذا من كفر الاعتقاد الذي لولاه لم يصدر فعل من تلك الأفعال!. ثم انظر كيف اعترف بعد أن حكم على هذا الكفر بأنه كفر عمل، لا كفر اعتقاد بقوله: لكن زين له الشيطان [٤١] أن هؤلاء عباد الله الصالحين، ينفعون، ويشفعون، ويضرون! فاعتقد ذلك جهلا كما اعتقده أهل الجاهلية في الأصنام. فتأمل كيف حكم بأن هذا كفر اعتقاد ككفر أهل الجاهلية، وأثبت الاعتقاد واعتذر عنهم بأنه اعتقاد جهل. وليت شعري أي فائدة لكونه اعتقاد جهل! فإن طوائف الكفر بأسرها، وأهل الشرك قاطبة إنما حملهم على الكفر ودفع الحق، والبقاء على الباطل الاعتقاد جهلا. وهل يقول قائل: إن اعتقادهم اعتقاد علم حتى يكون اعتقاد الجهل عذرا لإخوانهم المعتقدين في الأموات!. ثم تمم الاعتذار بقوله: لكن هؤلاء مثبتون للتوحيد إلى آخر ما ذكره. ولا يخفاك أن هذا عذر باطل، فإن إثباتهم للتوحيد إن كان بألسنتهم فقط فهم مشتركون في ذلك هم واليهود والنصارى والمشركون والمنافقون، وإن كان بأفعالهم فقد اعتقدوا في الأموات ما اعتقده أهل الأصنام في أصنامهم. ثم كرر هذه المعنى في كلامه، وجعله السبب في رفع السيف عنهم، وهو باطل فما ترتب عليه مثله باطل، فلا نطول برده، بل هؤلاء القبوريون قد وصلوا إلى حد في اعتقادهم في الأموات لم يبلغه المشركون في اعتقادهم في أصنامهم، وهو أن الجاهلية كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله وحده، وإنما يدعون أصنامهم مع عدم نزول الشدائد من

стр. 323

الأمور كما حكى الله عنهم بقوله:﴾ وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ﴿(١)، وبقوله تعالى:﴾ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين ﴿(٢)، وبقوله تعالى:﴾ وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خولناه نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل ﴿(٣)، وبقوله تعالى:﴾ وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ﴿(٤)، بخلاف المعتقدين في الأموات؛ فإنها إذا دهمتهم الشدائد استغاثوا بالأموات، ونذروا لهم النذور، وقل من يستغيث بالله -سبحانه- في تلك الحال، وهذا يعلمه كل من له بحث عن أحوالهم. ولقد أخبرني بعض من ركب البحر للحج أنه اضطرب اضطرابا شديدا، فسمع من في السفينة من الملاحين، وغالب الراكبين معهم ينادون الأموات، ويستغيثون بهم، ولم يسمعهم يذكرون الله قط. قال: ولقد خشيت في تلك الحالة الغرق لما شاهدته من الشرك بالله. وقد سمعنا عن جماعة من أهل البادية أن كثيرا منهم إذا حدث له ولد جعل قسطا من ماله لبعض الأموات المعتقدين، ويقول: إنه قد اشترى ولده ذلك من الميت الفلاني بكذا، فإذا عاش حتى يبلغ سن الاستقلال دفع ذلك الجعل لمن يعتكف على قبر ذلك الميت من المحتالين لكسب الأموال (٥).

стр. 324

وبالجملة فالسيد المذكور ﵀ قد جرد النظر في بحثه السابق إلى الإقرار بالتوحيد الظاهري، واعتبر مجرد التكلم بكلمة التوحيد فقط من دون نظر إلى ما ينافي ذلك من أفعال المتكلم بكلمة التوحيد ويخالفه في اعتقاده الذي صدرت عنه تلك الأفعال المتعلقة بالأموات [٤٣]، وهذا الاعتبار لا ينبغي التعويل عليه، ولا الاشتغال به، فالله -سبحانه- إنما ينظر إلى القلوب، وما صدر من الأفعال عن اعتقاد لا إلى مجرد الألفاظ، وإلا لما كان فرق بين المؤمن والمنافق. وأما ما نقله السيد (١) المذكور ﵀ عن ابن القيم في أول كلامه من تقسيم الكفر إلى عملي واعتقادي، فهو كلام صحيح، وعليه جمهور المحققين، ولكن لا يقول ابن القيم ولا غيره أن الاعتقاد في الأموات على الصفة التي ذكرها هو من الكفر العملي. وسننقل هاهنا كلام ابن القيم في أن ما يفعله المعتقدون في الأموات من الشرك الأكبر كما نقل عنه السيد ﵀ في كلامه السابق، ثم نتبع ذلك بالنقل عن بعض أهل العلم، فإن السائل -كثر الله فوائده- قد طلب ذلك في سؤاله. [أنواع الشرك] فنقول: قال ابن القيم في شرح المنازل (٢) في باب التوبة: وأما الشرك فهو نوعان: أكبر، وأصغر: فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله. أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشائخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين، وقد شاهدنا هذا -نحن وغيرنا- منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه إن قام وإن قعد وإن عثر، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده. وهكذا كان عباد الأصنام،

стр. 325

سواء وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجز، وغيرهم اتخذها من البشر. قال الله حاكيا عن أسلاف هؤلاء [٤٤]:﴾ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴿(١). وهكذا حال من اتخذ من دون الله وليا يزعم أنه يقربه إلى الله تعالى. وما أعز من تخلص من هذا بل ما أعز من لا يعادي من أنكره! والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك. وقد أنكر الله ذلك في كتابه، وأبطله. وأخبر أن الشفاعة كلها له. ثم ذكر الآية التي بسورة سبأ (٢)، وهي قوله تعالى:﴾ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ﴿. وتكلم (٣) عليها ثم قال (٤): والقرآن مملوء من أمثالها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن كما قال عمر بن الخطاب ﵁: إنما تنقض عرى الإسلام عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، وهذا لأنه إذا يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا

стр. 326

يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو نظيره، أو شر منه، أو دونه، فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والمسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ﵌، ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي سليم يرى ذلك عيانا. والله المستعان. ثم قال في ذلك الكتاب (١): (وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، كما ثبت عن النبي ﵌ أنه قال: " من حلف بغير الله فقد أشرك بالله " (٢)، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، هذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا. وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده. ثم قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في ذلك الكتاب (٣) بعد فراغه من ذكر الشرك الأكبر والأصغر، والتعريف لهما: ومن أنواع الشرك سجود المريد للشيخ (٤)، ومن

стр. 327

أنواعه التوبة للشيخ، فإنها شرك عظيم، ومن أنواعه النذر لغير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غير الله، وإضافة نعمه إلى غيره. ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا لمن استغاث به، أو سأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والله لم يجعل استعانته وسؤاله سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها، وهذا حال كل مشرك. والميت محتاج إلى من يدعو له، ويترحم عليه، ويستغفر له كما أوصانا (١) النبي ﵌ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم، ونسأل الله لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا، وزارهم زيارة العبادة في قضاء الحوائج والاستعانة بهم، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد، وسموا قصدها حجا، واتخذوا عندها الوقفة، وحلق الرءوس، فجعلوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى التنقص بالأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياء الموحدين المخلصين له الذين لم يشركوا به شيئا بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص؛ إذ ظنوا [٤٦] أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به، وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم. ولله در خليله إبراهيم حيث يقول:﴾ واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ﴿(٢)

стр. 328

وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله ... انتهى كلام ابن القيم (١). فانظر كيف صرح بأن ما يفعله هؤلاء المعتقدون في الأموات هو شرك أكبر، بل أصل شرك العالم، وما ذكره من المعاداة لهم، فهو صحيح:﴾ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ﴿(٢). قال الله تعالى:﴾ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴿إلى قوله [تعالى]:﴾ كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ﴿(٣). وقال شيخ الإسلام تقي الدين في الإقناع: إن من دعا ميتا، وإن كان من الخلفاء الراشدين فهو كافر، وإن من شك في كفره فهو كافر. وقال أبو الوفاء ابن عقيل (٤) في الفنون: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى

стр. 329

بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل لي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر إقتداء بمن عبد اللات والعزى ... انتهى. وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان (١) في إنكار تعظيم القبور: وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين إلى أن صنف بعض غلاتهم كتابا سماه: مناسك المشاهد (٢). ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عبادة الأصنام ... انتهى. وهذا [٤٧] الذي أشار إليه هو ابن المفيد. وقال في النهر الفائق: اعلم أن الشيخ قاسم قال في شرح درر البحار: إن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي فلان إن رد غائبي، أو عوفي مريضي فلك من الذهب، أو الفضة، أو الشمع، أو الزيت كذا. باطل إجماعا لوجوه إلى أن قال: ومنها ظن أن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا كفر ... انتهى. وهذا القائل هو من أئمة الحنفية. وتأمل ما أفاده من حكاية الإجماع على بطلان النذر المذكور، وأنه كفر عنده مع ذلك الاعتقاد. وقال صاحب الروض: إن المسلم إذا ذبح للنبي ﵌ كفر ... انتهى. وهذا القائل من الشافعية. وإذا كان الذبح لسيد الرسل ﵌ كفرا عنده، فكيف بالذبح لسائر الأموات (٣).

стр. 330

وقال ابن حجر في شرح الأربعين له: من دعا غير الله فهو كافر ... انتهى. وقال شيخ الإسلام تقي الدين ﵀ في الرسالة السنية: إن كل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو انصرني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبده وحده لا يجعل معه إلها آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم [٤٨] ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة. وقال تعالى:﴾ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ﴿(١) الآية. قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة، ثم قال في ذلك الكتاب: وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل الله به الكتب. قال الله تعالى:﴾ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴿(٢)، وقال تعالى:﴾ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ﴿(٣)

стр. 331

وكان ﵌ يحقق التوحيد، ويعلمه أمته حتى قال رجل: ما شاء الله وشئت. قال: " أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده " (١). ونهى عن الحلف بغير الله وقال: " من حلف بغير الله فقد أشرك" (٢). وقال ﵌ في مرض موته: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (٣) يحذر ما فعلوا. وقال ﵌: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" (٤)، وقال ﵌: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" (٥). ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه من سلم على النبي ﵌ عند قبره أنه لا يتمرغ بحجرته، ولا يقبلها، لأنه إنما يكون لأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق. كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين، ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، كما قال الله تعالى:﴾ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴿(٦) ولهذا كانت كلمه التوحيد أفضل الكلام، وأعظمه آية الكرسي:﴾ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴿(٧). وقال

стр. 332

-﵌: " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " (١)، والإله هو الذي يأله القلب عبادة له، واستغاثة به، ورجاء له خشية وإجلالا ... اهـ. وقال أيضًا شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في كتابه: اقتضاء (٢) الصراط المستقيم في الكلام على قوله تعالى:﴾ وما أهل به لغير الله ﴿(٣) أن الظاهر أنه ما ذبح لغير الله سواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه، وقال فيه: باسم المسيح ونحوه كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه بسم الله؛ فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له أعظم من الاستغاثة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم من الاستعانة بغير الله، فلو ذبح لغير الله متقربا إليه لحرم، وإن قال فيه: بسم الله كما قد تفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعات، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح. ثم قال في موضع آخر من هذا الكتاب (٤): إن العلة في النهي عن الصلاة عند القبور ما يفضي إليه ذلك من الشرك. ذكر ذلك الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- وغيره، وكذلك الأئمة من أصحاب أحمد ومالك، وكأبي بكر الأثرم علله بهذه العلة .. اهـ، وكلامه في هذا الباب واسع جدا، وكذلك كلام غيره من أهل العلم. وقد تكلم جماعة من أئمة أهل البيت -رضوان الله عليهم- ومن أتباعهم ﵏ في هذه المسألة بما يشفي ويكفي، ولا يتسع المقام لبسطه، وآخر من كان منهم نكالا عن القبوريين وعلى القبور الموضوعة على غير الصفة الشرعية مولانا الإمام المهدي

стр. 333

العباس (١) بن الحسين بن القاسم ﵀، فإنه بالغ في هدم المشاهد التي كانت فتنة للناس، وسببا لضلالهم، وأتى على غالبها، ونهى الناس عن قصدها والعكوف عليها فهدمها، وكان في عصره جماعة من أكابر العلماء أرسلوا إليه برسائل، وكان ذلك هو الحامل له على نصرة الدين بهدم طواغيت القبوريين. وبالجملة فقد سردنا من أدلة الكتاب والسنة فيما سيق ما لا يحتاج معه الاعتضاد بقول أحد من أهل العلم، ولكن ذكرنا ما حررناه من أقوال أهل العلم، مطابقة لما طلبه السائل -كثر الله فوائده-. [إخلاص التوحيد في كتاب الله] وبالجملة فإخلاص التوحيد، والأمر الذي بعث الله لأجله رسله، ونزل به كتبه. وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل، ولو أراد رجل أن يجمع ما ورد في هذا المعنى من الكتاب والسنة لكان مجلدا ضخما، فانظر فاتحة الكتاب التي تكرر في كل صلاة مرات من كل فرد من الأفراد، ويفتتح بها التالي لكتاب الله، والمتعلم له، فإن فيها الإرشاد إلى إخلاص التوحيد في مواضع، فمن ذلك﴾ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿؛ فإن علماء المعاني والبيان ذكروا أنه يقدر المتعلق متأخرا ليفيد اختصاص البداية باسمه تعالى، لا باسم غيره. وفي هذا ما لا يخفى من إخلاص التوحيد، ومنها في قوله:﴾ الحمد لله رب العالمين ﴿(٢)، فإن التعريف يفيد أن الحمد مقصور على الله، واللام في﴾ الله ﴿تفيد اختصاص الحمد به، ومقتضى هذا أنه لا حمد لغيره أصلا وما وقع منه لغيره فهو في

стр. 334

حكم العدم. وقد تقرر أن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري لقصد التعظيم، فلا ثناء إلا عليه، ولا جميل إلا منه، ولا تعظيم إلا له، وفي هذا من إخلاص التوحيد ما ليس عليه مزيد. ومن ذلك قوله:﴾ مالك يوم الدين ﴿(١) أو (ملك يوم الدين) على القراءتين السبعيتين (٢)، فإن كونه المالك ليوم الدين يفيد أنه لا ملك لغيره فلا ينفذ إلا تصرفه لا تصرف أحد من خلقه من غير فرق بين نبي مرسل، وملك مقرب، وعبد صالح [٥٢]، وهكذا معنى كونه﴾ ملك يوم الدين ﴿، فإنه يفيد أن الأمر أمره، والحكم حكمه ليس لغيره معه أمر ولا حكم، كما أنه ليس لغير ملوك الأرض معهم أمر ولا حكم، ولله المثل الأعلى. وقد فسر الله هذا المعنى الإضافي المذكور في فاتحة الكتاب في موضع آخر من كتابه العزيز فقال:﴾ وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ﴿(٣) ومن كان يفهم كلام العرب ونكتة وأسراره كفته هذه الآية عن غيرها من الأدلة، واندفعت لديه كل شبهة، ومن ذلك قوله:﴾ إياك نعبد ﴿(٤) فإن تقدم الضمير قد صرح به أئمة المعاني والبيان، وأئمة التفسير أنه يفيد الاختصاص، فالعبادة لله -سبحانه- لا يشاركه فيها غيره، ولا يستحقها سواه، وقد عرفت أن الاستغاثة، والدعاء،

стр. 335

والتعظيم، والذبح، والتقرب من أنواع العبادة. ومن ذلك قوله:﴾ وإياك نستعين ﴿(١) فإن تقدم الضمير هاهنا يفيد الاختصاص كما تقدم، وهو يقتضي أنه لا يشاركه غيره في الاستعانة به في الأمور التي لا يقدر عليها غيره. فهذه خمسة مواضع في فاتحة الكتاب يفيد كل واحد منها إخلاص التوحيد، مع أن فاتحة [٥٣] الكتاب ليست إلا سبع آيات، فما ظنك بما في سائر الكتاب العزيز!، فذكرنا لهذه الخمسة المواضع في فاتحة الكتاب كالبرهان على ما ذكرناه من أن في الكتاب العزيز من ذلك ما يطول تعداده، وتتعسر الإحاطة به. ومما يصلح أن يكون موضعا سادسا لتلك المواضع الخمسة في فاتحة الكتاب قوله تعالى:﴾ رب العالمين ﴿. وقد تقرر لغة وشرعا أن العالم لمن سوى الله -سبحانه-. وصيغ الحصر إذا تتبعتها من كتب (٢) المعاني والبيان والتفسير والأصول بلغت ثلاث عشرة (٣) صيغة فصاعدا، ومن شك في هذا فليتتبع كشاف الزمخشري، فإنه سيجد فيه

стр. 336

ما ليس له ذكر في كتب المعاني والبيان، كالقلب، فإنه جعله من مقتضيات الحصر، ولعله ذكر ذلك عند تفسيره (١) للطاغوت، وغير ذلك مما لا يقتضي المقام بسطه ومع

стр. 337

الإحاطة بصيغ الحصر المذكورة تكثر الأدلة الدالة على إخلاص التوحيد، وإبطال الشرك بجميع أقسامه. واعلم أن السائل -كثر الله فوائده- ذكر في جملة ما سأل عنه أنه لو قصد الإنسان قبر رجل من المسلمين، مشهور بالصلاح، ووقف لديه وأدى الزيارة، وسأل الله بأسمائه الحسنى، وبما لهذا الميت لديه من المنزلة، هل تكون هذه البدعة عبادة لهذا الميت، ويصدق [٥٤] عليه أنه قد دعا غير الله، وأنه قد عبد غير الرحمن، ويسلب عنه اسم الإيمان، ويصدق على هذا القبر أنه وثن من الأوثان، ويحكم بردة ذلك الداعي، والتفريق بينه وبين نسائه، واستباحة أمواله، ويعامل معاملة المرتدين، أو يكون فاعل معصية كبيرة أو مكروه؟. وأقول: قد قدمنا في أوائل هذا الجواب أنه لا بأس بالتوسل بنبي من الأنبياء، أو ولي من الأولياء، أو عالم من العلماء. وأوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه، فهذا الذي جاء إلى القبر زائرا، ودعا الله وحده، وتوسل بذلك الميت، كأن يقول: اللهم إني أسألك أن تشفيني من كذا، وأتوسل إليك بما لهذا العبد الصالح من العبادة لك، أو المجاهدة فيك، أو التعلم والتعليم، خالصا لك، فهذا لا أتردد في جوازه. لكن لأي معنى قام يمشي إلى القبر؟، فإن كان لمحض الزيارة ولم يعزم على الدعاء والتوسل إلا بعد تجريد القصد إلى الزيارة، فهذا ليس بممنوع، فإنه إنما جاء ليزور. وقد أذن لنا رسول الله ﵌ بزيارة القبور بحديث: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها " وهو في الصحيح (١). وخرج لزيارة الموتى، ودعا لهم،

стр. 338

وعلمنا كيف نقول إذا نحن زرناهم. وكان يقول: " السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، [٥٥] وإنا بكم -إن شاء الله- لاحقون، وأتاكم ما توعدون، نسأل الله لنا ولكم العافية (١)، وهو أيضًا في الصحيح بألفاظ، وطرق، فلم يفعل هذا الزائر إلا ما هو مأذون له به، ومشروع، لكن بشرط أن لا يشد راحلة، ولا يعزم على سفر، ولا يرحل كما ورد تقييد الإذن بالزيارة للقبور بحديث: " لا تشد الرحال إلا لثلاث ... " (٢) وهو مقيد لمطلق الزيارة. وقد خصص بمخصصات منها زيارة القبر الشريف النبوي المحمدي على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم وفي ذلك خلاف بين العلماء، وهي مسألة من المسائل التي طالت ذيولها، واشتهرت أصولها، وامتحن بسببها من امتحن، وليس ذكر ذلك هاهنا من مقصودنا. [حكم المشي إلى القبر ليشير إليه عند التوسل] وأما إذا لم يقصد مجرد الزيارة، بل قصد المشي إلى القبر ليفعل الدعاء عنده فقط، وجعل الزيارة تابعة لذلك، أو مشى لمجموع الزيارة والدعاء فقد كان يغنيه أن يتوسل إلى الله بما لذلك الميت من الأعمال الصالحة من دون أن يمشي إلى قبره. فإن قال: إنما مشيت إلى قبره لأشير إليه عند التوسل به، فيقال له إن الذي يعلم السر وأخفى، ويحول بين المرء وقلبه [٥٦]، ويطلع على خفيات الضمائر، وتنكشف لديه مكنونات السرائر لا يحتاج منك إلى هذه الإشارة التي زعمت أنها الحاملة لك على قصد القبر، والمشي إليه. وقد كان يغنيك أن تذكر ذلك الميت باسمه العلم، أو بما يتميز به عن غيره، فما أراك مشيت لهذه الإشارة، فإن الذي تدعوه في كل مكان، ومع كل إنسان، بل مشيت لتسمع الميت توسلك به، وتعطف قلبه عليك، وتتخذ عنده ندا

стр. 339

بقصده وزيارته، والدعاء عنده، والتوسل به، وأنت إن رجعت إلى نفسك وسألتها عن هذا المعنى فربما تقر لك به وتصدقك الخبر، فإن وجدت عندها هذا المعنى الدقيق الذي هو بالقبول منك حقيق فاعلم أنه قد علق بقلبك ما علق بقلوب عباد القبور، ولكنك قهرت هذه النفس الخبيثة عن أن تترجم بلسانك عنها، وتنشر ما انطوت عليه من محبة ذلك القبر، والاعتقاد فيه، والتعظيم له، والاستغاثة به، فأنت مالك لها من هذه الحيثية، مملوك لها من الحيثية التي أقامتك من مقامك، ومشت بك إلى فوق القبر، فإن تداركت نفسك بعد هذه وإلا كانت المسئولة عليك المتصرفة فيك المتلاعبة بك [٥٧] في جميع ما تهوى مما ما قد وسوس به لها الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس. فإن قلت: رجعت إلى نفسي فلم أجد عندها شيئا من هذا، وفتشتها فوجدتها صافية من ذلك الكدر. فما أظن الحامل لك على المشي إلى القبر إلا أنك سمعت الناس يفعلون شيئا ففعلته، ويقولون شيئا فقلته. فاعلم أن هذه أول عقدة من عقد توحيدك، وأول محنة من محن تقليدك، فارجع تؤجر، ولا تتقدم تنحر، فإن هذا التقليد الذي حملك على هذه المشية الفارغة العاطلة الباطلة سيحملك على أخواتها فتقف على باب الشرك أولا، ثم تدخل منه ثانيا، ثم تسكن فيه وإليه ثالثا. وأنت في ذلك كله تقول: سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، ورأيتهم يفعلون أمرا ففعلته. [أحوال الذي يقصد القبر ليدعو عنده] وإن قلت: إنك على بصيرة في عملك وعلمك، ولست ممن ينقاد لهوى نفسه كالأول، ولا ممن يقهرها، ولكنه يقلد الناس كالثاني، بل أنت صافي السر، نقي الضمير، خالص الاعتقاد، قوي اليقين، صحيح التوحيد، جيد التمييز، كامل العرفان، عالم بالسنة والقرآن، فلا لمراد نفسك اتبعت، ولا في هوة التقليد وقعت،

стр. 340

فقل لي بالله ما الحامل لك على التشبه بعباد القبور، والتعزير على من كان في عداد سليمي الصدور، فإنه يراك الجاهل [٥٨] والخامل، ومن هو عن علمك وتمييزك عاطل، فيفعل كفعلك، ويقتدي بك، وليس له بصيرة مثل بصيرتك، ولا قوة في الدين مثل قوتك، فيحكي فعلك صوره، ويخالفه حقيقة، ويعتقد أنك لم تقصد هذا القبر إلا لأمر، ويغتنم إبليس اللعين غربة هذا المسكين الذي اقتدى بك، واستن بسنتك، فيستدرجه حتى يبلغ به إلى حيث يريد، فرحم الله امرأ هرب بنفسه عن غوائل التقليد، وأخلص عبادته للحميد المجيد. وقد ظهر بمجموع هذا التقسيم أن من يقصد القبر ليدعو عنده هو أحد ثلاثة: إن مشى لقصد الزيارة فقط، وعرض له الدعاء، ولم يحصل بدعائه تغرير على الغير فذلك جائز، وإن مشى لقصد الدعاء فقط، أو له مع الزيارة، وكان له من الاعتقاد ما قدمنا فهو على خطر الوقوع في الشرك، فضلا عن كونه عاصيا، وإذا لم يكن له اعتقاد في الميت على الصفة التي ذكرنا فهو عاص آثم، هذا أقل أحواله، وأحقر ما يربحه في رأس ماله. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والله ولي التوفيق ... انتهى. تحريره بقلم مؤلفه في ليلة الأحد لسبع مضت من شهر رجب سنة ١٢١٣هـ. حامدا الله، ومصليا مسلما على رسوله وآله.

стр. 341

[٥] [٢٣/ ٤] بحث في أن إجابة الدعاء لا ينافي سبق القضاء تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 342

وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة: " بحث في أن الدعاء لا ينافي سبق القضاء ". ٢ - موضوع الرسالة: في العقيدة. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه الأكرمين. اعلم وفقك الله وإياي أنه قد وقع الخلاف بين أهل العلم، وطالت ذيوله. ٤ - آخر الرسالة: فلنقتصر على هذا المقدار، والحمد لله أولا وآخرا، والصلاة والسلام على رسوله وآله. ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني. ٧ - عدد صفحات الرسالة: (٣) صفحات. الأولى: ١٨ سطرا. مع هامش على يمين الصفحة. الثانية: ٤١ سطرا. الثالثة: ١٦ سطرا. مع الهامش في أعلى الصفحة. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١١ - ١٢ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الرابع من " الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني ". ١٠ - وجدت العبارة التالية في نهاية المجلد الرابع من " الفتح الرباني ": " الحمد لله كمل للحقير أحمد بن محمد الشوكاني غفر الله لهما النظر فيه جزى الله مؤلفه أفضل الجزاء، ونفعه بعلمه النافع في دار البقاء وتغشاه برحمته ورضوانه. آمين ".

стр. 343

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله وصحبه الأكرمين. اعلم -وفقك الله وإياي- أنه قد وقع الخلاف بين أهل العلم، وطالت ذيوله، وتشعبت أبحاثه في التعارض بين ما ورد من أن القضاء الأزلي من الله لا يتغير ولا يتبدل، وهو المعبر عنه بأم الكتاب [بقوله] (١) تعالى:﴾ لا معقب لحكمه ﴿(٢) وقوله:﴾ ما يبدل القول لدي ﴿(٣) وبين ما ورد من الإرشاد إلى الأدعية، وطلب الخير من الله ، وسؤاله أن يدفع الشر، ويرفع الضر، وسائر المطالب التي [يطالبها] (٤) العباد من ربهم -سبحانه- (٥) كقوله ﷺ : " لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر " أخرجه الترمذي (٦) من حديث سلمان وحسنه، وابن حبان (٧)، وصححه، والحاكم (٨) وصححه، والطبراني في الكبير (٩)، والضياء في المختارة (١٠) ومثله حديث ثوبان مرفوعًا بلفظ: " لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في

стр. 344

العمر إلا البر، وإن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه" (١) وكقوله: " لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة " أخرجه الحاكم في المستدرك (٢)، والبزار (٣)، والطبراني في الأوسط (٤)، والخطيب (٥) قال الحاكم: صحيح الإسناد من حديث عائشة مرفوعًا.

стр. 345

وقال في مجمع الزوائد (١) (٢). وقد ضعف هذا الحديث بزكريا بن منظور (٣)، وكما ذكرته في شرحي للعدة (٤). ومن ذلك ما أخرجه أبو داود (٥) والترمذي (٦)، وابن ماجه (٧) وابن حبان (٨) وصححه عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : " إن ربكم حيي كريم يستحي

стр. 346

من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا ". وأخرجه أيضًا الحاكم (١)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وله شاهد صحيح. ثم رواه (٢) من حديث أنس مرفوعا: " إن الله رحيم حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه، ثم لا يضع فيهما خيرا " وأخرجه الطبراني (٣)، وأبو يعلى (٤). ومن ذلك قوله: " لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد ". أخرجه ابن حبان (٥) من حديث أنس، والحاكم في المستدرك (٦)، وقال: صحيح الإسناد، والضياء في المختارة (٧) وقد رددت في شرحي للعدة (٨) على من ضعفه.

стр. 347

ومن ذلك: ما أخرجه الترمذي (١) من حديث أبي هريرة، والحاكم في المستدرك (٢)، وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي. وأخرجه أيضًا (٣) من حديث سلمان وقال: صحيح الإسناد. ومن ذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك (٤) من حديث أبي هريرة، وقال صحيح الإسناد. قال: قال رسول الله ﷺ : " الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض ". وأخرجه أبو يعلى (٥) من حديث علي [بهذا اللفظ، وأخرج أبو يعلى (٦) من حديث جابر ﵁] (٧) قال: قال رسول الله ﷺ : " ألا أدلكم على ما ينجيكم من عدوكم، ويدر لكم أرزاقكم؟ تدعون الله في ليلكم ونهاركم، فإن الدعاء سلاح ...

стр. 348

المؤمن" (١). وأخرج أحمد في المسند (٢) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من مسلم ينصب وجهه لله في مسألة، إلا أعطاه إياها، إما أن يعجلها له، وإما أن يدخرها له ". قال المنذري في الترغيب والترهيب (٣)، لا بأس بإسناده، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٤)، والحاكم (٥). ويشهد لمعناه ما أخرجه أحمد (٦)، والبزار (٧)، وأبو يعلى (٨). قال المنذري (٩)، بأسانيد جيدة من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: " ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها ". وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٠)، ...

стр. 349

وأبو داود (١)، والترمذي (٢)، والنسائي (٣)، وابن حبان (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : " الدعاء هو العبادة، ثم تلا:﴾ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي ﴿الآية (٥) وصححه الترمذي (٦)، وابن حبان (٧)، والحاكم (٨). وأخرج الترمذي (٩) من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء مخ العبادة". وأخرج الترمذي (١٠) والحاكم في المستدرك (١١) وصححه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من لم يسأل الله يغضب عليه ". وفي لفظ: " من لم يدع الله يغضب

стр. 350

عليه " أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١)، والحاكم في المستدرك (٢) وصححه. ومن ذلك استعاذته ﷺ من سوء القضاء كما في صحيح مسلم (٣) وغيره (٤). ومن (٥) ذلك ما ثبت في قنوت الوتر عنه ﷺ أنه قال فيه: " وقني شر ما قضيت " وهو حديث صحيح، وإن لم يخرجه الشيخان (٦) وفيهما الاستعاذة من القضاء المشتمل على الشر والسوء. ومن ذلك الأحاديث الواردة في صلة الرحم، وأنها (٧) تزيد في العمر وهي أحاديث

стр. 351

صحيحة (١). ومن ذلك الأحاديث الواردة في إجابة دعاء المظلوم على ظالمه (٢). والأحاديث الواردة في دعاء الوالدين لولدهما (٣). والأحاديث الواردة في دعوة الإمام العادل (٤)، والأحاديث

стр. 352

الواردة في إجابة دعوة من دعا الله باسمه الأعظم (١)، وغير ذلك كثير، وجميع ذلك على اختلاف دلالته متواتر. فليت شعري؟! كيف ذهب جماعة من أهل العلم إلى مخالفة ذلك كله وقالوا: إن أحكام الله وقضاءه في سابق علمه، لا تتغير أصلا (٢)؟!. فإن استدلوا بمثل قوله تعالى:﴾ ما يبدل القول لدي ﴿(٣)، وما ورد في اللوح المحفوظ، وما كتب فيه، وأنه قد حق القضاء ونحو ذلك، فأي فائدة في مثل قوله :﴾ ادعوني أستجب لكم ﴿(٤)،

стр. 353

فإن هذا أمر منه لعباده بدعائه، وأي فائدة في أمر رسوله ﷺ بأن يخبر عباده بأنه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه؟ وأي فائدة في قوله [١ ب] مخبرا لعباده.﴾ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴿(١)، كيف وقد علمنا سبحانه كيف ندعو في نحو قوله:﴾ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا ﴿إلى آخر الآية، وحكى لنا رسول الله ﷺ كما ثبت في الصحيح أن الله قال عن هذه الدعوات: قد فعلت؟؟ وكذلك سائر ما قصه الله علينا في كتابه من إجابته لدعوة أنبيائه كما في قوله [ ] (٢).﴾ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ﴿(٣)؟. وفي مثل:﴾ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴿(٤)، وما يشابه ذلك من الآيات (٥) وما شوهد من نبينا ﵊ من إجابة دعواته في مواطن يتعسر إحصاؤها (٦)، وما شوهد من صالحي هذه الأمة في كل قرن من

стр. 354

القرون، من إجابة دعواتهم في الحال. ومن جهل هذا، أو بعضه، نظر في مثل حلية الأولياء (١)، ومثل رسالة القشيري (٢)، ومثل صفوة الصفوة لابن الجوزي (٣)، وغير ذلك مما يكثر تعداده. بل ينظر الدعوات المجابة من الصحابة ﵃ كما دوَّناه في البحث الذي قبل هذا (٤). كما وقع مع جماعة كثيرة من السلف ﵏ أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: " اللهم إن كنت قد كتبتني في ديوان الأشقياء فانقلني إلى ديوان السعداء" بعبارات مختلفة هذه أحدها (٥). وبالجملة فالكتاب العزيز، والسنة المتواترة، ترد عليهم ردا أوضح من شمس النهار. وطائفة قالت: إن الأقضية على نوعين (٦): مطلقة ومقيدة. فالمطلقة ما لم تكن

стр. 355

مشروطة بشرط، واقعة، وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مردودا مثل الأول، إلا أنه أقل مفسدة منه، وإن كان رأيا بحتا ليس عليه دليل. وبالجملة فالبحث يطول. فلنقتصر على هذا المقدار، والحمد لله أولا وآخرا، والصلاة والسلام على رسوله وآله. الحمد لله، كمل للحقير أحمد بن محمد الشوكاني -غفر الله لهما- النظر فيه - جزى الله مؤلفه أفضل الجزاء، ونفعه بعلمه النافع في دار البقاء، وتغشاه برحمته ورضوانه - آمين [٢ أ].
следующие страницы →