стр. 2941
← Джавами‘ следующие страницы →
Джавами‘ · id 36543
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الشوكاني
Полный текст (5 091 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2942
والثنيا (١)، ألا تعلم، وبيعتين في بيعة (٢)، ونحو ذلك. فإن النهي عن بيع هذه الأمور إنما هو لعدم وجود الرضى المحقق في الحال، أو في المال، لما فيها من الغرر الذي لا يمكن مع وجوده ذلك المناط الذي اعتبره القرآن والسنة، ومنها ما هو لعروض مانع شرعي يصير وجود ذلك المقتضي عند وجوده غير مؤثر في الصحة التي هي الأصل في ثبوت آثاره المترتبه عليه، كما هو شأن كل مانع، وذلك كالنهي عن بيع الخمر والميتة، والدم والخنزير والأصنام (٣)، وثمن الكلب (٤)، .....................................................
стр. 2943
стр. 2944
стр. 2945
стр. 2946
стр. 2947
إذا تقرر هذا، فالمتوجه القضاء بصحة كل بيع وجد فيه ذلك المقتضي؛ وهو الرضى فيتعين البقاء على أصل الصحة بعد وجود مقضيتها، كما هو شأن القواعد الشرعية المقررة عند علماء الإسلام، ما لم يتيقن المانع الذي ثبت كونه مانعا بنص، أو إجماع، لا بمجرد الظنون الفاسدة، والأوهام الباردة، فإن مجرد ذلك لا يعتد به على فرض تجرده عن المعارض، فضلا عن كونه معارضا بما هو مستقل في ترتب الآثار المقصودة، ومعارضا أيضًا بالأصل.
والظاهر اللذان هما المركز الأعظم في تعرف أحكام الأمور الجزئية، عند تجردها عن نص بعضها، وبيان ذلك أن الأصل في معاملات المسلمين الواقعة على الصورة الشرعية التي لم يصحبها مانع هو الصحة، والمراد بالصورة الشرعية وجود مشعر بطيبة النفس من مالك العين (١)، بانتقالها عن ملكه إلى المشتري، ووجود مشعر بطيبة نفس المشتري بخروج الثمن المدفوع عن ملكه إلى رب العين عوضا عنها، فهذا هو البيع الشرعى الذي أذن الله لعباده.
والمراد بعدم المانع أن لا يعارض هذه الصورة الشرعية أمر يستلزم وجوده عدم صحتها كالنهى عنها بخصوصها، أو النهي عن أمر تندرج هي تحته مع فقد دليل يخصها من ذلك العموم. ولا ريب أن الأصل عدم هذا المانع، فلا يجوز إثبات حكمه بيقين، وهكذا الظاهر فيما كان على الصفة المذكورة هي الصحة، لأنه تصرف أذن فيه الشارع، وكل تصرف أذن فيه الشارع صحيح، فهذا صحيح.
أما الكبرى فبنص: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢)، وبنص: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٣)، وأما الصغرى فبإجماع المسلمين إذا لم يوجد مانع، والمفروض أن المانع هاهنا غير متقين،
стр. 2948
وكل مانع غير متيقن لا يعتد به؛ فالمانع الغير المتيقن لا يعتد به، وإلا لزم الاعتداد بكل مانع إذا حصل الظن بكونه مانعا، وإن لم يثبت بنص ولا إجماع. واللازم باطل لأن مثل هذا لا يصلح لتخصيص ما يندرج تحت ما أذن به الشارع. وبيانه أنه إذا انتفى اليقين لم يبق إلا الظن، أو الشك. والشك لمجرده غير معمول به بالإجماع، والظن الذي لا مستند له كذلك.
فإن قلت الكبرى ممنوعة، والسند أنه إذا دل الدليل الظني على أن هذا الأمر مانع وجب المصير إلى ذلك، وتوجه الحكم ببطلان تلك الصورة الشرعية، وليس هاهنا إلا مانع مظنون، لأن ظنية الدليل تستلزم ظنية المدلول.
قلت: ليس المراد بقولنا: وكل مانع غير متيقن لا يعتد به كونه ثابتا بدليل يفيد اليقين، بل المراد تيقن دلالة الدليل، لأن ذلك الظن قد يكون غلطا في نفس الأمر، باعتبار عدم صحة تطبيق الدليل على المدلول كما ينبغي، ومثل هذا الظن لمجرده لا يصلح لتخصيص دليل تلك الصورة الشرعية على فرض ثبوتها بدليل عام، ولا لإبطالها على فرض ثبوتها بدليل خاص، ولا سيما إذا كانت معتضدة بالأصل، والظاهر كنا سلف، ومتأيدة بالبراءة الأصلية القاضية بعدم التعبد بذلك المانع المظنون.
إذا استوضحت هذا لاح لك أن بيع الرجا على الصفة المذكورة في السؤال هي أن البائع يأتي إلى المشتري يعرض عليه أرضه، فيتراضيان على ثمن معين معلوم، يكون ثمن المثل في غالب الأزمان، ودونه في النادر، فيقع البيع على ذلك الثمن المتراضى عليه، ثم بعد انقضاء العقد يلتزم المشتري للبائع مدة معلومة إن وفر الثمن فيها فسخ له بيع صحيح أذن له فيه الشارع لم يصحبه مانع معتبر، وإطلاق الأسماء المصطلحة عليه كقولهم: بيع الرجا، بيع رهن، بيع أجل بيع إلتزام، لا تأثير له لإجماع المسلمين على أن الأسماء لا تحيل المسميات عن حكمها الشرعي، وإلا لزم حل الأعيان المحرمة عند إطلاق اسم عليها غير
стр. 2949
اسمها، وتحريم الأعيان المحللة عند إطلاق غير اسمها عليها. واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله.
وأما دعوى البائع بعد انقضاء المدة المضروبة، أنه إنما باع أرضه بدون ثمنها رغبة في الالتزام المذكور، ولولاه لما وقع منه البيع بهذا المقدار، فهذه الدعوى مما لا تأثير له في نقض ما أبرمه برضاه، واختيار وقت العقد.
أما إذا كان الثمن الذي وقع به عقد البيع هو ثمن في ذلك الوقت، أو في الغالب فلا سماع لمثل هذه الدعوى بالإجماع. وأما إذا كان الثمن دون ثمن تلك العين في ذلك الوقت، أو الغالب، فلا سماع أيضًا لتلك الدعوى، لأن إذن الشارع بالبيع لأهل الشرع لم يقيد بثمن المثل، بل أذن لهم بالتجارة الكائنة عن تراض، وإن بلغ الثمن باعتبار المبيع إلى غاية الارتفاع أو الانخفاض، بل سمي الأخذ البدون الثمن المتعامل به رزقا، كما في حديث جابر عند مسلم (١)، وأبي داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤)، وابن ماجه (٥)، وأحمد (٦) أن النبي ﵌ قال: " لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " فإن السر في هذا النهي أن البادي يبيع بثمن أرخص من الثمن الذي وقع التعامل به في البلد، وإذا باع له الحاضر باعه بثمن المثل المعروف، فنهى ﵌ الحضري أن يبيع للبدوي لذلك، وجعل ما ينقصه البدوي من ثمن أهل الحضر رزقا لأهل .............................
стр. 2950
الحضر (١)، وأيضا البائع الذي ادعى أنه ما باع أرضه بدون ثمنها إلا لمجرد ذلك الالتزام، قد نادى على نفسه بما يصلح لجعله مستندا للحكم عليه فإن ذلك المقدار الذي أسقطه عن المشتري لغرض الالتزام بالفسخ تلك المدة. وقد وقع ذلك الالتزام، وصار المبيع فيها معرضا للفسخ , والمشتري راض بذلك، مذعن له، فإنه لو جاءه في المدة المضروبة، ودفع إليه ما كان في قبضه من الثمن، لقال له خذ مبيعك هنيئا مريئا، بارك الله لك فيه.
فالغرض الذي لأجله الحط على فرض صحة الدعوى قد وقع، صار المشتري لأجله يظن في كل وقت أن ذلك المبيع خارج عن ملكه وكل عاقل يعلم أن ضرب مدة وقع التواطؤ عليها بين البائع والمشتري أن البائع إذا سلم فيها الثمن رجع إليه المبيع من أعظم الأغراض التي يتطلبها من باع ما يشح ببيعه لولا الحاجة. فإسقاط جانب من الثمن إلى مقابل هذا العرض إسقاط صحيح، والمشتري قد وفى بما عليه فاستحق ما حط لأجله، ولكن البائع أتى من قبل نفسه، فترك الاسترجاع في الأجل المضروب، وجاء إلى المشترى بعد انقضائه يطالبه بما يلزمه شرعا ولا عرفا.
وبهذا تعرف أن التعامل من البائع بحط جانب من الثمن إنما يصح لو كانت المدة المضروبة بينهما باقية، وحصل من المشتري الامتناع عن الرد، وأما بعد انقضائها فالأمر كما قيل: وقد حيل بين العير والنزوان (٢):
راحت مشرقة ورحت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب
فإن قلت: ربما قال قائل إن الحط لمثل هذا الغرض لا يحل مال البائع بمثله.
стр. 2951
قلت: الحط لمثل هذا الغرض جائز حلالا دليلا ومذهبا:
أما الدليل: فقال تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ (١) والبائع والمشتري إذا تواطأ على حط جانب من الثمن لأجل الغرض المذكور فذلك عقد يتوجه الوفاء به.
وأخرج أبو داود (٢)، والحاكم (٣)، من حديث أبي هريرة مرفوعا: " المسلمون على شروطهم ". وقد ضعفه ابن حزم بكثير بن زيد، والوليد بن رباح، ولكنه قد حسنه الترمذي. ويشهد له ما أخرجه الترمذي (٤) والحاكم (٥) من حديث كثير بن عبد الله بن
стр. 2952
عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده بنحوه. وزاد: " إلا شرطا أحل حراما، أو حلل حلالا " وكثير المذكور - وإن كان ضعيفا - ولكن الحديث المتقدم شواهد من حديث أنس عند الحاكم (١)، والدارقطني (٢). ومن حديث عائشة عندهما (٣) أيضا. ومن حيث عطاء مرسلا عند ابن أبي شيبة (٤). ووجه دلالته أن المشتري شرط للبائع الفسخ في مدة مقدرة، والبائع شرط له في مقابل ذلك جانبا من الثمن، فعلى كل واحد منهما شرط، لأن النبي ﵌ -يقول: " المؤمنون عند شروطهم " أي شأن من اتصف بصفة الإيمان الثبوت على ما يقبضه الشرط، وليس هذا من الشروط المحللة للحرام، أو المحرمة للحلال، بل من الشروط الجائزة الجارية على مقتضى التراضي، وطيبة النفس.
وأخرج البيهقي (٥) من حديث بن عباس أن الرسول ﵌
стр. 2953
لما أمر بإخراج بني النضير جاء ناس منهم، فقالوا: يا رسول الله إنك أمرت بإخراجنا، ولنا على الناس ديونا لم تحل، فقال رسول الله ﵌: " ضعوا وتعجلوا ".
وهذا الحديث نص صريح في جواز الحط لمجرد عرض هو نفس التعجيل قبل مضي الأجل.
ومسألة السؤال: العرض فيها الحط لأجل التنفيس على البائع المجعول له الخيار من جهة المشتري في تلك المدة.
وقد عقد البيهقي (١) لذلك بابا فيمن عجل له شيء من حقه قبل محله فقبله، ووضع عنه بطيبة من أنفسهما، واستدل له أيضًا بالحديث (٢) المتقدم، وبحديث (٣): " من أحب أن يظله الله تعالى في ظله فلينظر معسرا أو ليضع عنه " وقال (٤): كان ابن عباس لا يرى بأسا بأن يقول: أعجل لك وتضع عني، وذكر أن حديث بن عباس المتقدم في سنده ضعف. وعقد بابا (٥) لعدم جواز ذلك مع الشرط، وذكر فيه حديثا عن المقداد أنه قال: أسلفت رجلا مائة دينار، فخرج سهمي في بعث بعثه رسول الله ﵌، فقلت له: عجل لي بسبعين دينارا، وأحط لك عشرة دنانير. فقال: نعم. فذكر ذلك عند رسول الله ﵌ فقال: " أكلت الربا يا مقداد وأطعمته " وهذا الحديث على فرض صحته يجمع بينه وبين الحديث الأول، وما يقويه بما أشار إليه البيهقي في ترجمة البابين من حمل هذا على الشرط، وحمل الأول
стр. 2954
على عدمه، وعلى فرض عدم إمكان الجمع. فهذا الحديث لا يدل على إبطال الحط لكل غرض، وغايته عدم جواز هذا الحط الخاص لهذا الغرض الخاص في تلك المعاملة الخاصة - أعني القرض - فإلحاق سائر الأغراض به مطلقا فاسد الوضع والاعتبار في كثير من الصور، ومستلزم لإبطال الزيادة في الثمن والنقصان منه لكل غرض مطلقا؛ إذ لا فرق بين الزيادة والنقصان لأجل غرض، لكونهما جعل نصيب من المال في مقابلة غرض واللازم باطل بالإجماع، فإن جميع العلماء قائلون بأنه يجوز للإنسان أن يزيد في ثمن العين المشتراة لأجل غرض من الأغراض، ويحل البائع قبض ذلك، وكذلك أجمعوا على أنه يجوز للبائع أن يبيع بدون ثمن المثل لأجل غرض من الأغراض، ويحل للمشتري تملك العين المبيعة.
وقد ثبت في مسلم (١)، والترمذي (٢)، والنسائي (٣)، وأبي داود (٤) أنه جاء إلى النبي ﵌ عبد فأسلم فجاء سيده يريده فاشتراه ﵌ بعبدين أسودين، ومعلوم أن هذه الزيادة ليست إلا لغرض له ﵌، وهو أن لا يرجعه إلى الكفار. فهذا ما خطر بالبال من الأدلة الدالة على جواز
стр. 2955
الحط للغرض المذكور في مسألة السؤال.
وأما وقع من ذلك القبيل في كلام أهل المذهب، فمنه قولهم بصحة التعجيل بشرط حط البعض، فإنه لم يقابل هذا الحط إلا مجرد التعجيل لما كان مؤجلا إلى أجل قبل حضور أجله، فما هو جوابهم في هذا جوابنا في مسألة السؤال، ومن ذلك قولهم: أنه يندب الوفاء بالشرط، ويرجع بما حط لأجله من لم يوف لديه، فإنهم إنما ابتنوا الرجوع بما وقع له الحط مع عدم الوفاء، لا إذا وقع الوفاء فلا رجوع.
ومن ذلك قولهم: ويلحق بالعقد الزيادة والنقص المعلومات في المبيع والثمن والخيار فإن ظاهر ذلك جواز الزيادة والنقص مطلقا لكل غرض من الأغراض، أو لغير غرض مع أنهم جازمون بأن هذه الصورة المسئول عنها من البيع بشرط الخيار كما صرح بذلك جماعة منهم، كالسامولي في حاشيته على الأزهار، وهو الذي رجحه مشائخ المذهب المتأخرون من أهل مدينة ذمار، وصنعاء، والصغير، فقالوا إن ما جرت العادة في كثير من المحلات أن يقول البائع: بعت وأنا مقال، وكذا المشتري يقول: اشتريت وأنا مقال، أو ولي الإقالة، إلى يوم كذا، فالذي عرف من حال الناس أنهم يريدون الخيار وقد يصرحون به في بعض الألفاظ، فهذا بيع صحيح إذا كان إلى يوم معلوم، ويكون خيارا بلفظ الإقالة، لأن الإقالة إنما يكون بعد البيع، فهذا كلام شيوخنا المشتغلين بالمذهب وشيوخهم، وهو مقرر عندهم، ومختار للمذهب، لا يختلفون فيه، وإذا كانت الصورة المسئول عنها من البيع بشرط الخيار، فكيف يحسن من الحاكم المترافع إليه أن يسمع دعوى البائع بأن المشتري قد استغل من المبيع مقدار الثمن المدفوع، والفوائد في خيار الشرط لمن استقر له الملك كما صرح به أهل المذهب في المطولات والمختصرات من كتبهم، وهو الموافق للقواعد الشرعية، لأن المشتري لم يستغل إلا ملكه إذ الملك قد صار مستقرا له بعد مضي مدة الأجل، وعلى فرض أنه يصدق على الصورة المسئول عنها أنها من بيع الرجا، فأهل المذهب لا يجزمون في كل ما يسمونه بيع الرجا أنه باطل، فإنه قال السمولي في حاشيته أنه يدخل تحت قوله في ...................
стр. 2956
الأزهار (١): ويلغي شرط خلافه، ولو في الصفة تعليق الإقالة برد مثل الثمن إلى المشتري، أو من يقوم مقامه، وهو بيع الرجا المعروف، فيؤخذ من هنا صحته ما لم يكن فيه ما يقتضي الربا، كأن يريد المشتري التوصل إلى الغلة فقط، ولا غرض له في أخذ رقبة المبيع انتهى.
قال في شرح الفتح (٢): فإن إلتبس القصد عمل بالعرف فإن التبس أو لا عرف حمل على الصحة، لأن العقد إذا احتمل وجهي صحة وفساد حمل على الصحة انتهى.
ونقلنا عن شيوخنا عن شيخهم شيخ المتأخرين في المذهب بن أحمد الشبيبي (٣) ﵀ ما لفظه: يفصل في بيع الرجا فإن كان مراد المشتري الرقبة - لا غرض له إلى الغلة وحدها - فهو بيع رجا صحيح، وإن لم مراده الرقبة، بل الغلة فقط فهذا بيع الرجا الذي لا يجوز لتضمنه الربا بزيادة الغلة على الثمن. انتهى.
وهذا هو المقرر عند جميع الشيوخ المشتغلين بالمذهب الآن، وشيوخهم، وعلى هذا يحمل ما رواه السائل - كثر الله فوائده - عن شرح الأثمار (٤)، ويحمل عليه أيضًا ما في سؤالات الإمام عز الدين بن الحسن (٥) حيث أجاب لما سئل عن بيع الرجا فقال: مذهبنا
стр. 2957
أنه غير صحيح لوجهين:
أحدهما: أنه وصلة إلى الربا المحض، فإن الغرض فيه ليس المعاوضة والتمليك، بل التوصل إلى الربح في القرض، فإن البائع إنما أراد أن يقرضه المشتري مائة درهم مثلا، والمشتري لا يسعفه إلا بفائدة وزيادة، فلما لم يجتريا على أن يقرضه درهما بدرهمين مثلا ونحو ذلك، جعلا هذا البيع وصلة لذلك، وذريعة إليه، مع التواطؤ والبناء على عدم إنفاذ الملك، وعلى أن المبيع باق على ملك البائع وهذه حيلة قبيحة توصل إلى هدم قاعدة شرعية؛ وهي تحريم الربح في القرض، فكل قرض جر منفعة حرام، ليس كالحيلة في بيع صاع من التمر الجيد بصاعين من التمر الرديء؛ إذ لم يجعل ذلك توصل إلى ربح وزيادة وفائدة مستفادة.
الوجه الثاني: أنه بيع مؤقت في الحقيقة، وتقريره أنه العرف جار بأن البائع متى رد مثل الثمن استرجعه، شاء المشتري أم كره، وهو في حكم التوقيت، فتبين بهذا أن البيع غير صحيح، ومع كونه غير صحيح فلا يملك بالقبض، لأن البائع لم ينسلخ منه، ولا يحصل به تسليط للمشتري على التصرف فيه شاء، ثم إن فساده من جهة الربا في أحد الوجهين، فالأقرب أنه باطل قال:
إذا عرفت ما ذكرناه فاعلم أن هذه المسألة من المعضلات المشكلات التي حارت فيها أنظارنا، ليس من جهة أنه صحيح، أو غير صحيح فقد أبنا القوى من الوجهين، بل من جهة أخرى؛ وهو أنا إن قررنا الناس على ما يعتادونه من هذا البيع، وقضينا بينهم بتنفيذه وتقريره، وألزمنا البائع تسليم الأجرة، أو الغلة، فهو بناء على غير قاعدة،
стр. 2958
وأصول ذلك فاسدة، وإن عرفنا الناس ببطلانه وانهدام بنيانه، فقد أغرق الناس فيه، واستمروا على ما يمكن تلافيه، وكان ذلك يؤدي إلى فتح أبواب واسعة من الشجار، وإثارة فتن كبار.
قال: ومن أجل الذي قوى لنا لا نحكم به، ولا نشهد فيه، ولا نحصر عليه، ولا نلزم به تسليم الأجرة، أو غلة فيه. ومن أجل خشية فتح أبواب الشجار لا يكاد يذكر مذهبنا للمتنازعين في شأنه، ولا يلزم المشتري رد ما استفاد استصلاحا، انتهي كلامه وفيه زيادة على هذا المقدار.
وفى موضع آخر من فتاوى الإمام عز الدين المذكورة، ولعله من كلام محمد بن أمير المؤمنين أحمد بن عز الدين بن الحسن، وهو الجامع لتلك الفتاوى ما لفظه: بيع الرجا ليس للمؤيد بالله فيه نص، إنما أخذ من قوله: بجواز بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النسا، لأنه احتج بقوله ﵌: " نحن نحكم بالظاهر " (١) فخرج له جواز هذا، وبنوا على أنه ﵇ لا يعتبر الضمير وقد زاد المذاكرون ونقصوا، وطولوا وقصروا، وهي مسألة غير مرضية، ونحن من أشد الناس مبالغة في النهي عن هذه المسألة واعتمادها، وفى بطلان هذا البيع في جميع صوره وأساليبه، واختلاف الأعراف فيه، وتحريمه على البائع والمشتري، والكاتب والشاهد. وقد أثر ذلك في كثير من الجهات والنواحي انتهى.
أقول: إذا كان بيع الرجا واقعا على الصورة الأولى التي ذكرها الإمام عز الدين من أن المقصود هو أن يريد الرجل استقراض مائة درهم من أجل، ولكن المقرض لا يرضى إلا بزيادة فيزيدان من إثم الزيادة في القرض، فيبيع منه أرضا بتلك المائة الدرهم، ويجعل له الغلة عوضا ينتفع بها عن المائة التي استقرضها، وليس المراد البيع والشراء الذي أذن الله فيه، فلا شك أن صورة هذا البيع محرمة يجب على كل مسلم
стр. 2959
إنكارها، لأنها أفضت إلى ما يحل شرعا، وهو الربح في القرض، واستجلاب النفع به. وقد منع رسول الله ﵌ من قبول الهدية ونحوها من المستقرض، فكيف بمثل الذي وقع التواطؤ من أول وهلة.
اخرج ابن ماجه (١) عن أنس أنه سئل عن الرجل يقرض أخاه، فيهدي إليه، فقال: قال رسول الله ﵌: " إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدي إليه، أو حمله على دابة، فلا يركبها، ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك ".
وأخرج البخاري في تاريخه (٢) من حديث أنس عن النبي ﵌ قال: " إذا أقرض فلا يأخذ هدية ".
عن أبي بردة بن موسي قال: قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام، فقال لي: "إنك بأرض فيها الربا فاش، فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير، أو حمل قت فلا تأخذه؛ فإنه ربا " رواه البخاري في صحيحه (٣).
وأخرج البيهقي في المعرفة (٤) عن فضالة بن عبيد موقوفا بلفظ: " كل قرض
стр. 2960
جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا "
ورواه في السنن الكبرى (١) عن ابن مسعود، وأبي بن كعب (٢)، وعبد الله بن سلام (٣) موقوفا عليهم.
ورواه الحارث بن أبي أسامة (٤) من حديث على ﵇ بلفظ: " أن النبي ﵌ نهي عن قرض جر منفعة " قرض جر منفعة: " كل قرض جر منفعة فهو ربا "، وفى إسناده سوار بن مصعب، وهو متروك (٥). قال عمر به زيد في المغني (٦): لم يصح فيه شيء. انتهى.
ووهم إمام الحرمين، والغزالي فقالا: إنه صح، ولا خبرة لهما بهذا الفن وقد أجمع العلماء على تحريم الزيادة في القرض إذا كانت مشروطة، ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة عند الشيخين (٧) قال: كان لرجل على النبي ﵌ سن
стр. 2961
من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال: " أعطوه " فطلبوا سنة فلم يجدوا إلا سنا فوقها فقال: " أعطوه "فقال: أوفيتني أوفاك الله، فقال ﵌: " إن خيركم أحسنكم قضاء ".
وما أخرجه أيضًا الشيخان (١) من حديث جابر قال: " أتيت النبي ﵌ وكان لي عليه دين فقضاني، وزادني " فإن ذلك من الزيادة بعد القضاء بطيبة النفس بلا مواطأة، ولا لطمع في التنفيس، وهي جائزة بل مستحبة كما قاله المحاملي من الشافعية (٢)، فإذا كان المقصود بالبيع هو مجرد الزيادة على مقدار الدراهم المدفوعة بصورة الثمن من دون رغبة في المبيع أصلا، بل التوصل إلى الربح في القرض كما قال الإمام عز الدين في كلامه السابق فلا شك أن هذا ليس من البيع الذي أذن الله له، فيحكم بالبطلان، ويجب رد جميع الغلات المقبوضة إلى البائع، أو الكراء على القولين في ذلك ورد الثمن بصفقة بلا زيادة ولا نقصان (٣) ولكن هذه صورة غير الصورة
стр. 2962
المسئول عنها، التي خرجنا بصحتها، ولا يقدح في هذه الصورة الصحيحة ما قاله الإمام عز الدين أن بيع الرجا مؤقت في الحقيقة، لأن البائع إذا أراد رد الثمن مثل استرجعه، رضي المشتري أم كره، لأنا نقول: هذا شأن خيار الشرط الذي ينفرد به البائع، فإنه انقضى الأجل، واختار من هو له أحد المبيع أخذه شاء الآخر أم كره، وهو صحيح لا يخالف في صحته الإمام عز الدين ولا غيره كما سيأتي.
وقد قررنا فيما سلف أن بيع الرجا على الصورة المسئول عنها بيع مع خيار الشرط. وقد دلت الأدلة الصحيحة على صحة البيع الذي يقع فيه التفرق بين البائع والمشتري، وبينهما صفة خيار كما في حديث ابن عمر عند الشيخين (١) وغيرهما (٢) بلفظ: " المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر، أو يكون بينهما بيع الخيار "، وفى لفظ متفق عليه (٣): " كل بيعين، لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع خيار ".
للحديث ألفاظ أخر.
في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن النبي ﵌ قال: " البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار" أخرجه أحمد (٤)، وأهل السنن (٥) إلا ابن ماجه، وسيأتي حديث حبان بن منقذ، وفى الباب
стр. 2963
أحاديث كثيرة. فما هو جواب عز الدين عن هذه الأدلة فهو جوابنا لأن مسألة النزاع من خيار الشرط كما قررناه.
إذا تقرر هذا عرفت أن البيع المصحوب بتلك الإقالة العرفية التي هي في الحقيقة خيار شرط، إذا لم يكن المقصود منه التوصل إلى ما حرمه الله من الربا، أو القرض الذي يجر منفعة صحيح دليلا ومذهبا.
فالمبادرة من بعض الحكام إلى القضاء ببطلانه عند دعوى البائع أنه باع أرضه بدون ثمنها رغبة في الالتزام وإقامة الشهادة على أن ذلك الثمن دون القيمة المثلية مجازفة، لا يقع مثلها من متورع، ولا يصدر التجاري بالحكم على القطع عندها من متشرع، لأن القضاء يذلك إن كان تقليدا فمن المقلد، فإن العلماء من أهل المذهب وغيرهم إنما أبطلوا صورة من الصور التي يقع عليها بيع الرجا عرفا، والتعميم الموجود في عبارة بعضهم، إنما هو بالنسبة إلى مواطن تلك الصورة باعتبار اختلاف الجهات والكيفيات، وإن كان اجتهادا فما المستند؟ فإنا لم نجد ما يدل على بطلان الصورة والمسئول عنها، لا في كتاب الله تعالى، ولا وفى سنة رسوله ﵌، ولا في قياس صحيح، ولا في إجماع ولا قول صاحب، بل وجدنا ما يدل على صحتها كتابا وسنة وقياسا وإجماعا كما قدمنا تحقيق ذلك.
والحاصل أنا لم نؤمر بالبحث عن خفيات الضمائر، والتفتيش للقلوب عن ما لا سبيل لنا إلى معرفة حقيقته من السرائر، فإذا توقع التنازع الينا في صورة من الصور التي أذن الشارع بها كصورة السؤال، فالمتوجه علينا القضاء بصحتها حتى يقوم دليل يوجب علينا الانتقال عن الحكم بصحة هذه الصورة، لا بمجرد دعوى البائع أن المشتري لا بقصد له بهذا البيع إلا الانتفاع بالغلة في مقابل ذلك الثمن المدفوع منه، فإن هذه الدعوى مع مخالفتها لما هو الأصل والظاهر، ولما يجب علينا من تحسين الظن بالمسلمين، وحمل معاملاتهم على الصحة، ليست مما تبني على مثلها قناطر الاحكام، ويفصل بالنظر إليها ما يعرض بين المتخاصمين من الجدال والخصام، وقد نهينا عن العمل بما لا علم لنا به فيما
стр. 2964
هو دون اقتطاع الأموال، قال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (١)، وقال: ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ (٢) وقال: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ (٣) فلا يجوز لنا الإقدام بدون علم، أو بمجرد الظن إلا فيما أذن الشارع، لا فيما عداه، والذي تبعدنا به عند عروض الخصومات هو القضاء بما يظهر لنا في تلك الواقعة. وحيث: " نحن نحكم بالظاهر " (٤) وإن لم يكن له أصل كما قال المزي (٥)، والذهبي وابن كثير، ولكن لمعناه شواهد كقوله ﵌: " إنما أقضي بنحو ما أسمع "، وهو في الصحيح (٦).
وقال البخاري (٧) في كتاب الشهادات: قال عمر: إن ناسا كانوا يؤخذون بالوحي على عهد رسول الله ﵌، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذ الآن بما يظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته
стр. 2965
يحاسبه الله في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه، ولم نصدقه، وإن قال سريرته حسنة.
ورواه أحمد في مسنده (١) مطولا، وأبو داود مختصرا (٢)، وهو من رواية أبي فراس (٣) عن عمر قال أبو زرعة: لا أعرفه ولكنه قد عرفه مثل البخاري، فروي عنه ذلك في صحيحه تعليقا (٤). ومن الشواهد أيضًا حديث أن العباس قال: يا رسول الله لقد كنت مكرها - يعني يوم بدر - فقال ﵌: " أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله ".
ومنه حديث (٥) معاتبته ﵌ لأسامة بن زيد لما قتل كافرا بعد أن قال لا إله إلا الله، ظنا منه أنه قالها تقية فما زال ﵌ يكرر عليه: " كيف قتلته وقد قال لا إله إلا الله! " أو " فما تصنع بلا إله إلا الله! " وهو يقول: إنما قالها يا رسول الله تقية. فلم يسمع ذلك منه، ولا جعله عذرا له حتى تمنى أسامة أنه لم يسلم إلا في ذلك الوقت.
ووقع في بعض الروايات أنه لما قال له أسامة: إنما قالها تقية قال له ﵌: " أفتشت عن قلبه " أو كما قال. ومن ذلك قضية خالد في قتله لبني جذيمة بعد أن أظهروا الإسلام، فتأول خالد في قتلهم، فلم يرض ذلك ﵌ قال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ووادهم " وهذه الأحاديث (٦) موجودة في
стр. 2966
كتب الحديث المعتمدة، وكتب السير، فانظر كيف اعتبرها ﵌ في هذه الأمور ظواهر الاحوال، ولم يصده عن التمسك بالظاهر مجرد ما يعرض من الاحتمال، وهكذا يجب علينا أن نصنع فيمن عقد عقدا صحيحا، موافقا لظاهر الشرع. ولا يجوز لنا الإلتفات إلى احتمال أنه إنما فعل ذلك لغرض آخر غير مأذون به، ولا سيما إذا كان مصرحا بإرادة ذلك الظاهر وقت الخصام، متبرئا عن إرادة غيره، مما لا يخالفه، ويخالف ما أذن به الشارع، والحاكم المنور البصيرة الممد من الله بالتوفيق إذا أشكل عليه أمر فتح الله له من أبواب معارفه ما يميز به بين الحق والباطل. ولنوضح ما أسلفناه من الجزم بصحة الصورة المسئول عنها بسلوك طريقة من طرائق النظر فنقول لمن ادعى عدم صحتها:
هل المانع من صحة هذه الصورة أمر يرجع إلى نفي العقد، أو إلى البائع والمشتري أو إلى المبيع، أو إلى الثمن، أو إلى شرط الإقالة، أو إلى أمر غير ذلك؟ لا جائز أن يكون المانع من الصحة أمرا راجعا إلى نفس العقد، لأنه وقع على صورة صحيحة شرعية، لأن صورة السؤال التي ذكرها السائل صحيحة مشتملة على التراضي الذي هو المناط الشرعي؛ وهو كاف.
أما عند من لم يعتبر حصول العقد بلفظ: بعت، شربت أو ما يؤدي معناهما من ألفاظ مخصوصة فظاهر، وأما عند من يعتبر بعد حصول التراضي زيادة ذلك اللفظ المعتبر فالمفروض في صورة السؤال أنه وقع بينهما عقد بلفظ يقتضي التمليك، ولم أزل أبحث عن وجه اشتراط العقد في البيع، وما يماثله بألفاظ مخصوصة فلم أجد في ذلك ما يشفي، وظاهر الأحاديث والكتاب العزيز أن الشرط صدوره عن تراض، وأن التراض مستقل بانتقال الملك، والألفاظ إنما هي قرائن للرضي، ودوال عليه. وأما لفظ مخصوص من الجانبين فلا دليل عليه، وإنما قلنا كذلك لأنه قوله ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (١)، وقوله
стр. 2967
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس " (١) يدلان على استقلال مجرد الرضى، والطيبة بذلك مع تقدير أي قيد، وبعد ثبوت مطلق الحل يحتاج مدعي اعتبار لفظ خصوص إلى دليل يزيل هذا الحل، إن لم يحصل ذلك اللفظ المخصوص.
نعم لابد من أمر مشعر بالرضا ن لأنه مما لا يمكن الوقوف علي حقيقته، ولكن هذا المشعر أعم من الألفاظ الخاصة التي وقع الاصطلاح على أنه لا يجزي سواها، ولو كان ذلك المشعر إشارة من قادر على النطق، أو كتابة من حاضر، وعلى مدعي الاختصاص الدليل، ولا ينفعه في المقام حديث (٢): "إذا بعت " وحكاية مبايعته (٣) ﵌ للأعرابي، وما أشبه ذلك، لأنا لا نمنع من اشعار لفظ بعت ونحوه بالرضي، وإنما نمنع دعوى التخصيص ببعض الأفراد، وقصر الدلالة والصلاحية لها على صيغ مخصوصة، ومن هنا يلوح لك بطلان قولهم: لا ربا إلا في المعطاة، وكم لهذه من أخوات تستعين بتحقيق ما ذكرنا على حلها، وأشف ما وقفت عليه من وضوح ركته من كلام المتكلمين على اشتراط العقد المصطلح عليه ما ذكره الموزعي (٤) في " تفسير
стр. 2968
البيان في أحكام القرآن " (١)، وهو: فإن قال قائل: فاشتراط التلفظ في البيع أمر زائد على ما ورد به القرآن الكريم؛ إذ لم يرد إلا باشتراط التراضي، ولم ترد السنة باشتراطه أيضا، ومقتضي هذا أنه يجوز بيع المعاطاة إذ دلت القرائن، وشواهد الأحوال على الرضي.
قلنا: التجارة والبيع أمر معتاد في الوجود، وهو التعاوض، ثم استدل على اعتبار العقد تحديث: " لا يبيع أحدكم على بيع أخيه " (٢) وجعله مقتضيا أن البيع هو التعاقد الناقل لملك أحدهما إلى ملك الآخر، وأن التساوم لما كان من مقدمات البيع، ولا ينعقد بمثله مع كونه بألفاظ من البائع والمشتري، أفاد اعتبار العقد ت، ثم قوى هذا بما وقع في الأحاديث من ذكر لفظ " إذا بعت " ونحو ذلك، ولا يخفى عليك أن مجرد المساومة أمر متقدم على الرضي المعتبر، فلا بد معها من أمر مشعر بالرضى، بأي صيغة كانت، والتنصيص على لفظ: " بعت " في بعض المواطن لا يستلزم الحصر في المنصوص عليه كما سلف، لا سيما بعد تطابق اللغة والشرع والعرف على تسمية هذه المعارضة بيعا، وإن وقعت بغير لفظ: " بعت " فيكون هذا هو النكتة في إطلاق مثل ذلك اللفظ بخصوصه على تلك المعاوضة.
وبهذا تعرف أن كون المساومة (٣) من مقدمات البيع لا يستلزم ما اشتملت عليه تلك الدعوى من اشتراط العقد بألفاظ مخصوصة، لأنا لم ندع أن مجرد وقوع التلافظ بين البائع والمشتري بأي لفظ كان يكفي في البيع حتى يرد علينا أنهما قد تساوما بألفاظ، ولم يكن ذلك بيعا بل قلنا: المعتبر صدور لفظ يدل على الرضا، أو ما يؤدي مؤداه من كتابة أو إشارة، وهذا أمر وراء المساومة، لأنها ألفاظ لا إشعار لها بالرضى على أنه يلزم
стр. 2969
المستل بما وقع في الأحاديث من لفظ: " إذا بعت " (١)، ولفظ: " البيعان بالخيار " (٢)، ونحو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣) لازم باطل بالإجماع، وهو أنه لا ينعقد البيع بشيء من الألفاظ غير تلك الصيغ، مع أنهم مصرحون بأنه ينعقد بكل لفظ يفيد التمليك؛ وذلك هو أعم من الألفاظ الواردة في الأدلة، فإن كان ذلك بطريق إلحاق ما لم يذكر منها بما ذكره فقد عرف النكتة في الاقتصار على تلك الألفاظ، وهي غير موجودة في كل لفظ يفيد التمليك، فهو إلحاق مع وجود الفارق، ووجوده مانع كما تقرر في الأصول.
ولو سلمنا صحة الإلحاق فإن كان الجامع هو الإشعار بالرضي بالانتقال، فما وجه الاختصار على لفظ يقتضي التمليك، وجعله شرطا من القادر، فإن المشعرات أعم منه، وإن كان الجامع ما هو أخص من الإشعار بالرضى فما هو، وما الدليل عليه بعد دلالة الدليل على خلافه؟ وأما الاستدلال على العقد واشتراطه بالنهي عن بيع الجاهلية كالمنابذة (٤) والحصاة (٥) كما ذكر صاحب البحر فيجاب عنه بأن النهي عن بيع مخصوص من بيوعات الجاهلية، أو عن مطلق بيع الجاهلية لا يستلزم صحة صورة مخصوصة دون غيرها، بل غاية ما يلزم من ذلك تجنب تلك الصورة المخصوصة، أو مطلق الصور التي كانت تبايع بالجاهلية، ويتعين بعد ذلك المصير إلى البيع الثابت بالشرع، ولم يأت في الشرع ما يدل على اعتبار أمر زائد على الرضي، وصدور بعض المشعرات به من الشارع في تصرفاته، أو تعليماته للأمة ما يدل على أنه الفظ الذي لا يجوز غيره بإجماع من يعتد به من علماء الأصول، فالحق ما ذهب إليه أبو حنيفة (٦) من عدم اعتبار العقد،
стр. 2970
ووافقه على ذلك جماعة من الفحول.
ولا جائز أن يكون المانع المدعي راجعا إلى البائع والمشتري، أو إلى أحدهما، لأن المفروض في صورة السؤال أنهما مكلفان مختاران مالكان لما تصرفا به. ولا جائز أن يكون المانع راجعا إلى المبيع، لأن المفروض في تلك الصورة أنه عين يجوز التصرف فيها بالبيع ظاهرة حلال مقبوضة، موجودة، معلومة، متعرية عن سائر الأوصاف المنهي عنها، ولا جائز أن يكون ذلك المانع في الثمن، لأن المفروض في محل النزاع أنه ثمن يصبح تملكه، ووقع به التراضي بين البائع والمشتري. ودعوى البائع أنه دون ثمن المثل لا يأتي بفائدة، لإجماع المسلمين على أنه يصح البيع بدون ثمن المثلي مع التراضي عليه.
وقد تقرر أنه لا غبن على مكلف، فيقال للبائع عند صدور هذه الدعوى منه: نعم بعت يا مسكين بدون ثمن المثل، فكان ماذا، وأقررت على نفسك أنك حططت ذلك المقدار القاصر عن ثمن المثل لغرض الإمهال من المشتري، والالتزام بالفسخ عند عودة الثمن والمشتري قد وفى بما تريد، وانقضت تلك المدة المتواطأ عليها، فأين أنت قبل انقضائها، وكيف طلبت الآن ما ليس لك، وفى الصيف ضيعت اللبن؟.
وإن كان المانع المدعي يرجع إلى شرط الإقالة فقد قررنا فيما سلف أنها نوع من خيار الشرط، وهو مجمع على صحته. قال في البحر (١): فصل وخيار الشرط مشروع إجماعا لقوله ﵌ لحبان: " لك الخيار ثلاثا " (٢) انتهي. هذا ثابت في الصحيحين (٣) من حديث ابن عمر وفى السنن الأربع (٤) وأحمد من حديث أنس، وصححه الترمذي، وفى تاريخ البخاري وسنن الدارقطني، ومسند الحميدي من حديث ابن عمر أيضا.
стр. 2971
وقد قدمنا الاستدلال (١) على مشروعية بغير هذا، وإن كان المانع لأمر يرجع لغير هذه الأمور فما هو؟.
فإن قلت: إنه سلف من أنه لا مقصد للمشتري إلا أن ينتفع في مقابل القرض بالغلات، من دون أن يكون مريدا التملك ذلك الشيء، ولا قاصدا لحقيقة البيع الذي أذن الله به، فقد عرفناك أن هذه الصورة خارجة عن محل النزاع، وأوضحنا أن الأصل والظاهر عدم ذلك، فأتنا ببرهان معتبر شرعا أنه لا مقصد للمشتري إلا ذلك، وأنه لم يتوصل بصورة البيع إلا إلى هذا الأمر الذي لا يجوز، ولا سبيل لك إلى ذلك إلا ما يشهد عليه من فلتات لسانه، ولا طريق لك إلى معرفة ما اشتمل جنانه، فإنه لا يطلع على في الضمائر إلا علام الغيوب، ولا سيما الرجل الذي يدعي عليه أنه غير قاصد للتملك يظهر عند الخصام غاية الحرص على تلك العين، ويبالغ في استقرار ملكه عليها كلية المبالغة، وأما مجرد رغوب المشتري في الغلات، فمثل هذا لا يعد مانعا لا عقلا، ولا شرعا، ولا عرفا، لأن حصول الغلة هو أعظم الآثار المترتبة على بيع الأراضي ونحوها، بل هي - أعني الغلة - العلة الغائبة لذلك، وهي إن تأخرت على البيع، باعتبار الحصول فهي متقدمة في التصور عند جميع علماء المعقول، فكل عاقل يتصور الفائدة المطلوبة من التصرفات وغيرها قبل الشروع في تحصيلها وإلا كان عابثا متعبا لنفسه في غير طائل، وهذا ما لا يفعله عاقل بنفسه. فأي ضير في تصور هذا المشترى لاستغلال أرضه التي ثبت ملكه عليها، ولم يبق للبائع فيها إلا خيار الشرط، وأيضا هذا الغرض مما يتصوره ويقصده كل من باع بخيار شرط في مدة محتملة، وما هو الجواب عن هذا فهو الجواب عن القصد في صورة السؤال لما قدمنا أن ذلك الالتزام خيار شرط. وقد تقرر أن الفوائد فيه لمن استقر له الملك كما سلف. قال في البحر (٢): مسألة: والفوائد فيه - يعني
стр. 2972
خيار الشرط - لمن استقر له الملك، لأنها كالجزء منه، والمؤن عليه انتهى. وفى الزهار (١): والفوائد فيه لمن له الملك والمؤن عليه. وقد ذكرنا فيما سلف أن هذا هو الحق، ووجهه أن هذا مالك لعين بملك شرعي، وكل مالك لعين كذلك يستحق غلاتها، فهذا يستحق غلاتها، والكبرى والصغرى مجمع عليهما مع عدم المانع.
وقررنا في ما سلف أيضًا أن المشتري مع إقالة عرفية مشتر مع خيار شرط، وكل مشتر مع خيار شرط يصح شراؤه، فالمشتري كذلك يصح شراؤه.
أما الصغرى فلكونهما متحدين في اقتضاء توقف النفوذ والاستقرار على انقضاء المدة.
وأما الكبرى فبالإجماع. ويقال أيضا: هذا مشتر بخيار شرط، وكل مشتر بخيار شرط فله الفوائد، فهذا له الفوائد. ودليل الصغرى والكبرى معلوم من القياسين الأولين.
وفى هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق انتهي.
بقلم المجيب غفر الله له في شهر صفر سنة ١٢٠٩ هـ.
стр. 2973
كشف الأستار عن حكم الشفعة بالجوار (١)
تأليف محمد بن على الشوكاني
[فلله علومه ومعاليه، وصدق فراسته بمعرفة من السائل تقاصر عبارته بعانيه، فوالله لقد استقضى جميع ما مشت ظلمت البال من الإشكالات التي ما وقعت في ضمن ما حرره من المقال، ولا عجب فهذا شأن المجيب. فقد قيل: إنه كالطيب يجعل الدواء على قدر العلة وإن قصر العليل في وصف ما هو في هوله - دامت أيامه في جهة الزمان عزة لكشف مشكلاته - هو لأعين الأعيان قرة] (٢).
стр. 2974
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " كشف الأستار عن حكم شفعة الجار ".
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله الطاهرين ورضي الله عن أصحابه الراشدين.
وبعد:
فإنه ورد هذا السؤال القوي المباني.
٤ - آخر الرسالة: وسلك بما قرره في مسلك سوي، والحمد لله وأولا وآخرا.
انتهى تحريره بقلم المجيب محمد بن على الشوكاني غفر الله لهما.
انتهى من خطه زيد رفعة وأديم للعالمين نفعه في شهر رجب سنة ١٢١٩ هـ.
٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ - عدد الصفحات: ٧ صفحات + صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٣٣ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 2975
وصف المخطوط: (ب)
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " كشف الأستار عن حكم شفعة الجوار "
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله الطاهرين ورضي الله عن أصحابه الراشدين ".
٤ - آخر الرسالة: سبحان من جعل الفضائل كلها فيه وفضله على الأقران وعليه مني ألف تحية ما غردت ورقا على الأغصان
٥ - نوع الخط: خط نسخي عادي.
٦ - عدد الصفحات: ١٢ صفحة ما عدا صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٧ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٩ كلمات.
٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
١٠ - حصلت على المخطوطة (ب) من الهند بواسطة الأخ عادل حسن أمين جزاه الله خيرا.
стр. 2976
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله الطاهرين (١) ورضي الله عن أصحابه الراشدين.
وبعد:
فإنه ورد هذا السؤال القوي المباني، المحكم المعاني من بعض الأعلام الضاربين في كل فن من فنون بأوفر سهم، ولفظه: " أحسن الله إليكم، ووالى أياديه عليكم، ولا زال جاركم في مرتبة علية، وعليكم [من السلام] (٢) من التحية ما يحاكي [عرفا] (٣) ذكي أخلاقكم السنية ذو الفهم السقيم، والفكر العليل العقيم، أشكل عليه اشتراط أهل المذهب - أقام الله قناته - ما شمس طلعت، ونسيم هب الملاصقة في سببية الجوار للشفعة فأحسنوا بيان وجهه الذي إذا اعتمد عليه كان مستندا إلى مدرك شرعي، وطريق إلى إصابة حكم الحكيم مرعي، فالسائل مراده إصابة الحق، والخلوص عما به العقاب يحلق من يلقي قول من لم يجعل الشارع قوله منهجا لمعرفة أحكامه، بل ورد التخويف في صحيح الآثار من لحق آثامه، وهل ينفق [تعليلهم] (٤) لثبوت أصل شفعة الجار بأن بينهما اشتراكا في جزء غير منقسم، حتى لعله تفرع عليه الاشتراط المذكور على تسليم التخصيص بالمعني، فإني لم أجد تعليله في شيء مما وقفت عليه، ويفزع عليه أيضًا عدم [ثبوت] (٥) الشفعة في الأبنية المعمورة في [عرصات] (٦) الأوقاف، كما في حواشي شرح
стр. 2977
الأزهار (١)، وهذا الإشكال جمعية بناء على أن [الشارح] (٢) [على] (٣) الشفعة بوصف الجار، وهو كما في القاموس (٤) ما قرب من المنازل، والمبحث لغوي، ولا يخفي ما يصدق عليه أن الملاصقة داخل في مفهوم الجار على أنها صفة كاشفة في عباراتهم، [وشرطية] (٥) الملاصقة في سببية الجوار أن جعل زائد [١ أ. ب] على مفهومه شرعيا وضعيا يفتقر إلى دليل شرعي. انتهى.
стр. 2978
وأقول مستعينا بالله، ومتكلا عليه: اعلم أن الأدلة [الشرعية] (١) الواردة في إثبات الشفعة وردت على أنحاء، فمنها ما يتضمن إثبات الشفعة بين الشركاء في الشيء المشترك كحديث جابر عند مسلم (٢) وغيره (٣) بلفظ: " قضى في كل شركة [١] لم يقسم ريعه، أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه " الحديث.
وحديث عبادة بن الصامت: " أن النبي ﵌ قضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور " رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٤)، والطبراني في الكبير (٥)، وهو من رواية إسحاق عن عبادة ولم يدركه.
ومنها عند ابن ماجه (٦) من حديث الشريد من سويد مرفوعًا بلفظ: " الشريك أحق بسقبه " (٧).
ومنها ما أخرجه الترمذي (٨) عن ابن عباس أن رسول الله ﵌
стр. 2979
قال: " الشريك يشفع والشفعة في كل شيء ".
فهذه الأحاديث وما ورد في معناها ليس فيها إلا أن الشفعة ثابتة في الأشياء المشتركة.
ومثلها في الأدلة الواردة في إثبات الشفعة في الشيء الذي لم يقسم، كحديث جابر عند البخاري (١)، وأحمد (٢)، وأبي داود (٣)، وابن ماجه (٤): " أن النبي ﵌ قضى بالشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة " وفى رواية الترمذي (٥)، وصححها قال: قال رسول الله ﵌: " إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة "؛ فإنه يفيد أن الشفعة لا تثبت إلا مع بقاء الشركة قبل وقوع القسمة (٦).
стр. 2980