← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

فيه إضرار به، والإضرار ممنوع، فكما لا يجوز الإضرار بجاره لا يجوز الإضرار به، فإن منعه من الانتفاع بملكه إضرار به، لأنا نقول: إنما يكون إضرارا به لو فرضنا أنه يمكنه الانتفاع بملكه بوجه من الوجوه إلا بإضرار جاره، وليس الأمر كذلك فإنه يمكن الانتفاع بالملك بمنافع عدة، كالزرع، وغرس ما لا يضر من الغروس. وعلى فرض أنه لا يمكن الانتفاع به إلا بذلك الوجه الذي يضر بجاره فهاهنا قد تعارض أمران: أحدهما: جلب مصلحة المالك. والثاني: دفع المفسدة عن الجار. ودفع المفاسد أهم من جلب المصالح وأقدم، كما تقرر في الأصول، فإنه لا يلتفت إلى جلب المصلحة إلا إذا كانت خالية عن مفسدة، لا إذا كانت مشوبة بها؛ فلا يجوز تسويغها، ولكن هذا الأمر الذي ذكرناه وهو منع الغارس من غرس ما يضر بجاره مبني على أنه لا يمكن دفع الضرر إلا بترك الغرس، أما لو أمكن دفعه بأن يجعل الغارس خندقا في ملكه يمنع سراية أصول الغروس وفروعها، أو بأن يعمر جدارا مثلا من حجر، ويحفر لأساس البناء مقدارا يمنع من السراية فهاهنا قد اندفع الضرار، فيجوز الغرس. أما لو كانت الأرض لا ينتفع بها إلا بالغرس فقط، ولا يمكن الانتفاع بها بغيره فلا ضرار ممن غرس في أرضه، لأنه وإن كان سيسري من عروق غروسه إلى أرض جاره فقد يسري إلى أرضه من عروق غروس جاره مثل ما يسري إلى أرض الجار فلا إضرار. فإن كانت الأرض تصلح للغرس ولغيره يتمكن اعتبار الأغلب، فإن كان الأغلب في تلك الأرض من المالكين لها هو الغرس لا يمنع الغارس، لأنه جرى على حكم الغالب، ومن جرى على ذلك لم يكن متعديا، والذي لم يجر على الغالب كمن يزرع ملكه في أرض تعتاد الغرس فقد رضي بإدخال الضرر على نفسه، فأما دفع ما يسري إلى ملكه بأن يجعل لنفسه خندقا، أو جدار في ملكه يمنع من سريان العروق إليه، أو صبر على ما يرد على أرضه من ذلك، أو جرى عليه حكم الغالب، وترك زرع أرضه، ويغرسها كغيره.

стр. 3012

فإن لم يكن ثم غالب بل الأرض تصلح لهذا ولهذا، والبعض منها مغروس، والبعض مزروع، فإن كان غرس الغارس متقدما على إحياء الأرض التي لجاره فالغارس ليس بمضار جاره، وإن لم يكن الغارس متقدما فهذا من مواضع النظر للحاكم، وربما يختلف باختلاف الأحوال، واختلاف الأشجار التي تغرس؛ فإن بعض المواضع قد تضرها الغروس التي تغرس بالقرب منها، وبعضها لا تضرها، وبعض الغروس قد يضر ما هو مجاور له من الأرض وبعضها لا يضر. وبالجملة فهذه الشريعة الغراء من عرفها حق معرفتها وجدها مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد. وقد ورد مما يدل على هذا من كليات الشريعة وجزئياتها ما لو جمع لكان في مصنف مستقل. وما أشار إليه السائل - كثر الله فوائده - من أنه إذا امتدت الغروس على أرض الغير حتى بلغ الحال لا يمكن الانتفاع بالأرض في الزرع ... إلى آخر ما ذكره. فنقول: حكم هذا حكم من غرس غروسا في أرض الغير (١) غصبا، فإن المتوجه قلع الغروس؛ إذ: " ليس لعرق له ظالم حق " (٢)، وعلى صاحب الغروس أجرة الأرض للمدة التي شغلها فيها بالغروس، وإن لم ينتفع، وإذا حصل في الأرض نقص بالغرس فعليه أرش النقص، وليس هذا من باب الاستهلاك الحسي، ولا الحكمي، ولا من باب التغير إلى غرض أو إلى غير غرض. وفى هذا المقدار كفاية، والله ولي التوفيق. حرر المجيب محمد بن على الشوكاني - غفر الله لهما - في ليلة من ليال شهر القعدة سنة ١٢١٧.

стр. 3013

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١١٨) ٣١ - /١ سؤال وجواب عن أرض مشتراة من جماعة ولها مسقى في أرض مستوية كالأرض المشتراة . وفيه أشجار طلح كبار لها مدة مديدة وصرح في بصائر الشراء بدخول المساقي والسواقي وما يتبع المبيع عرفا وشرعا. فادعى البائعون للأرض أن أشجار الطلح غير داخلة في المبيع فهل تستحق هذه الدعوى إجابة أم لا؟ تأليف محمد بن علي الشوكاني و علي بن هادي عرهب حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3014

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " سؤال وجواب عن أرض مشتراة من جماعة ولها مسقى في أرض مستوية كالأرض ... ". ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم. سؤال عن أرض مشتراة من جماعة ولها مسقى في أرض مستوية كالأرض المشتراة ". ٤ - آخر الرسالة: " ... فقاطعهما بغير إذن المشتري غاصب مغير يتبعه حكم ضامن للمشتري مان الغاصب المعتدي، والله ﷻ أعلم. انتهى من خطه." ٥ - نوع الخط: خط رقعي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٤ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٧ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3015

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سؤال عن أرض مشتراة من جماعة ولها مسقى في أرض مستوية كالأرض المشتراة، وفيه أشجار طلح كبار لها مدة مديدة وصرح في بصائر الشراء بدخول المساقي والسواقي وما يتبع المبيع عرفا وشرعا فادعى البائعون للأرض أن أشجار الطلح غير داخلة في المبيع. فهل تستحق هذه الدعوى إجابة أم لا؟ لأنه تقدم ما يكذبها وهو مصادقتهم بالبيع وهي داخلة في المبيع تبعا كما نص الأئمة ﵈ عليه من دخول المساقي والسواقي تبعا، .. ونابت تبقى سنة فصاعدا والطلح مما ينبت عادة وعرفا ثم إن البائعين أقدموا إلى قطع تلك الأشجار فهل قطعهم لها غصب يستحقون عليه العقوبة والغرامة بأوفر القيم. وهل ثمة نص لأئمة أهل بيت النبوة ﵈ يخالف تصريحهم بدخول ما ذكر تبعا للمبيع وعل لقول من قال أنه مباح يشترك فيه الناس كالثابت في المباح وجه في الشرع الشريف أفتونا مأجورين جزاكم الله خيرا.

стр. 3016

أجاب القاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني حماه الله تعالى بما لفظه: لا شك ولا ريب أن المذكور إن كان نابتا في المواضع الداخلة تبعا للملك المصرح بدخولها في المبيع فلا يقبل من البائع دعوى عدم الدخول إلا أن يقيم على عدم الدخول برهانا صحيحا راجحا فذاك وهذا معروف مألوف في كلام أهل المذهب وغيرهم لا ينكره من له أدني اطلاع. وإذا تقرر بطلان الدعوى ودخول ذلك النابت في المبيع فصاحب الأرض المشتري لها قد صار مستحقا له (١) ومقدما على غيره. وهذا مصرح به في مطولات كتب المذهب

стр. 3017

ومختصراته وصرحوا أيضًا بأنه لا يحل لأحد أن يأخذه بغير رضاه وقد دل على هذا قوله ﵌: "من سبق 'لى ما لم يسبق إليه [٢أ] فهو له" أخرجه أبو داود (١) وصححه المقدسي (٢). وهذا إذا حصل مجرد السبق بالتحجر فكيف إذا كان الموضع مسبوقا إليه من أزمان

стр. 3018

تتناقله الأيدي من مالك إلى مالك يثبت عليه بتبعيته للملك كمسألة السؤال. وأما حديث الاشتراك في الماء والكلأ والحطب (١) فهو باعتبار الأمور المباحة التي لم يثبت عليها ثابت بتحجر أو نحوه وهذا معلوم لا يشك فيه. والله سبحانه أعلم. وأجاب: شيخنا الفقيه العلامة المحقق علي بن هادي عرهب (٢) حفظه الله تعالى بما لفظه: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. قال في الأثمار (٣): باب ما يدخل في المبيع ونحوه ما ثبت به عرف جار وفي شرحه للعلامة ابن بهران ما لفظه: ما جرى به عرف ظاهر في الجهة إذ العرف مختلف باختلاف الجهات والمالكين فربما يتسامح التجار والملوك بما لا يتسامح به النخاسون. انتهى. ثم قال أو المسيل حقا أو ملكا فإن ذلك وإن كان ملكا يدخل لأجل العرف كما

стр. 3019

قدمنا في دخول العذار والسراويل وثياب البدلة. انتهى. وقال بعض المحققين على قول الإمام في الأزهار (١): فصل يدخل في المبيع ونحوه (٢) من

стр. 3020

التملكيات لله تعالى أو لعباده ما به العرف تقييدا للمطلق بالعادة كما علم في الأصول ثم إذا كان هناك عرفان خاص وعام فقال الإمام يحيى ﵇ (١) يتبع العرف العام وهو خلاف القواعد لأن الخاص في محله أقوى من العام. انتهى.

стр. 3021

وإلىتقديم الخاص يشير كلام "الأثمار" (١) وهو صريح كلام شارحه المنقول آنفا وفي البحر (٢) فصل فيما يدخل في المبيع تبعا. قال الإمام يحيى: المتبع في ذلك العرف العام لا الخاص. مسألة ويدخل في البيع ونحوه للماليك ثيات البذلة وما تعورف به لا ما في يده ولا ما للزينة للنفاق كالعمامة والمنطقة والخاتم. قلت: إلا العرف، وقيل ما يستر عورته فقط. قلنا المتبع العرف. مسألة: وفي الخيل والبغال العذار [قاله] (٣) الإمام يحيى واللجام في عرفنا وساق حتى قال مسألة وفي الأرض الماء إلا العرف .. إلخ. ثم قال: فرع ويدخل فيها نابت يبقى سنة فصاعدا إذ يصير كالجزء منها سواء كان ذا ساق أم لا (٤). ثم قال: فرع ولا يدخل الثمر في بيع الشجر كالزرع على الأرض. قلت: والأقرب عندي دخوله هنا كالصوف على الشاة إلخ كلامه فلما لم يذكر العرف في هذا الفرع اعتمادا منه على ما قد قرره وكرره عنه أن المتبع العرف كتب عليه بعض المحققين ما نصه: الأصل فيما يدخل ويباع منفردا ويشترط كثيرا دخوله وخروجه أن لا يدخله إلا شرط أو عرف ولا فرق بين [٢ب] الشجر وثمرة الأرض وشجرها كما قال المصنف إلا أنا نخالفه في أن أيها ونحوها تدخل بغير ذكر أو ما في حكمه وهو العرف انتهى. وإذا حقق كلامه الإمام فهو لم يرد بما أطلق دخوله أو خروجه إلا ما جرى العرف الذي هو المناط في الباب بأيهما وترك التصريح في بعض التفريغ اختصارا مع وضوح المراد

стр. 3022

وعدم التباس المفاد وفي البيان قريب من لفظ البحر (١) بما لا يخالفه في المعنى أصلا في أصل الباب وفي مقصود السؤال مع التصريح بأن المعتمد العرف فهذه نصوص معتمدي أهل المذهب مصرحة بأن المناط في دخول ما يدخل تبعا من شجر أو غيره هو العرف وقاضية بعدم الفرق بين أن يكون المتبوع مقصودا بالبيع أصالة أو تبعا لغيره كما في صورة السؤال وكما لو دخل نحو البئر تبعا لبيع الأرض مثلا فلا مرية في دخول طرقات البئر وسائر حقوقها تبعا للتابع ولم أر من نصوصهم ما يخالف ذلك ولا ما يقدح فيما هنالك فاتضح أن مثل ذلك الطلح النابت في المسقى الداخل في بيع الأرض تبعا بل اصالة كما في السؤال داخل في بيعها داخل في ملك المشتري كدخولها هذا ما يقضى به العرف العام والأصل عدم عرف خاص يخالفه فان ادعى عرف خاص مستقر مشتهر أو ثابت من غير طريق أهل المحل الذي يتواصلون بدعواه إلى أموال الناس. جاء الخلاف بين الإمام يحيى وغيره في تقديم العرف الخاص أو العام. والله سبحانه أعلم وأما قول من قال: أن أشجار الطلح الكبار الذي استقر العرف بالعناية بها وتنبيتهامباحة يشترك الناس فيها مثل النابت في الأرض المباحة فقول غريب واستدلال عجيب ببيان ذلك وإن كنا في مقام المانع بعد استقرار الضرورة الشرعية بجرمة مال المسلم ودمه وعرضه أن الطلح وسائر ما تحويه الأرض المملوكة بالأصالة أو بالتبعية كمحل السؤال مال لغة شرعا وعرفا داخل في مسمى مال المسلم فيشمله عموم: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (٢) ويتناوله صريح عام: "ألا وإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم

стр. 3023

عليكم حرام" (١) ويندرج تحت قوله ﷺ : "لا يحل مال امرء مسلم ... " (٢) وهذه العمومات ثابتة الحكم مسلمة الدلالة قطعا واجماعا فان أراد التمسك بحديث: " المسلمون شركاء في ثلاث" (٣) بناء على دخول الشجر في مسمى الكلأ كما توهمه ظاهر عبارة الأزهار (٤). فجوابهٍٍٍ يمنع دخول الأشجار [٣أ] الداخلة في بيع الأرض الموصوفة في السؤال فيالحديث المخصص لعموم احاديث حرمة مال المسلم إذ لا يدخل في شيءعن الثلاث لعدم شمول مسمى الكلام لتلك الأشجار. فان مسمى الكلام هو الحشيش. قال العلامة ابن بهران في باب شركة الأملاك من شرحه ما لفظه: فائدة: قوله صاى الله عليه وأله وسلم: " المسلمون شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار". (٥) ثم ساق كلاما حتى قال: وأما الكلأ فالمراد به الحشيش لا الشجر. وقيل: كل نابت من غير عناية وهو قد حرمة بأنه الحشيش لغة لا الشجر. قول القاموس (٦): الكلأ: الحشيش وفي شرح مسلم (٧) ومثله في الضياء ما لفظه:

стр. 3024

الكلأ: مهموز ومقصور هو النبات سواء كان رطبا أو يابسا وأما الحشيش فمختص باليابس والعشب الرطب منه. انتهى. وهذا ظاهر في أن الكلأ (١) هو النبات المسمى رطبه عشبا ويابسه حشيشا. فلا يخالف ما في القاموس (٢) في عدم شمول الكلأ للأشجار المسئول عنها ونحوها وإذا لم يصدق على تلك الأشجار أنا كلأ بقيت داخلة تحت القطعي العام متناولا لها دليل الحرمه والاحترام. وإن أراد التمسك بقياس الأشجار المذكورة على الكلأ فقياس ممنوع لوجود العلة في الفرع فاسد الاعتبار ساقط عن الاعتبار وإن أراد التمسك بظاهر لفظ الإمام في الأزهار (٣) فجمود على ظاهر لفظ قد علم عدم اعتبار ظاهره بيان ذلك أن الإمام وإن عبر بلفظ الشجر فلم يرد به ظاهره للقطع بعدم إرادته إذ يلزم أن نحو الخيار والرمان والزيتون مباحة ولذا قيدت العبارة بنحو النابت بنفسه وبنحو إذا كان مما لا ينبة الناس. وإذا كان ظاهر اللفظ غير مراد فلا بد من حمله على ما قصده من المجمل الصحيح الذي أرشد إليه تصرفه في"البحر الزخار" (٤) وهوانه أراد بالشجر الكلأ المذكور في حديث: "المسلمون شركاء في ثلاث" (٥) الذي استدل به في البحر على المسألة المذكورة. وأعاد الاستدلال به في كتاب الشركة على إباحة فضل الماء ويكون بغيره في المقاعدة بلفظ الشجر بالنسبة إلى دليل الذي لم يعتمد في المسألة إلا عليه ولم يضعها إلا انتماء إليه قريبا من الرواية بالمعنى فاتضح أن مراده بالشجر اكلأ. وقد عرفت مداول الكلأ لغة فحينئذ ظهر تقرر أن أشجار الطلح المذكورة غير داخلة في عبارته كما لم تدخل في أصله وهو الحديث الكريم فبقيت تحت سرادق الحرمة

стр. 3025

والاحترام فقاطعها بغير إذن المشتري (١) غاصب مغير يتبعه حكم ضامن للمشتري ضمان الغاصب المعتدي. والله ﷻ أعلم. انتهى من خطه.

стр. 3026

(١١٩) ٢٨/ ٢ عقد الجمعان في شأن حدود البلدان وما يتعلق بها من الضمان تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج احاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3027

وصف المخطوط: (أ) ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "عقد الجمان في شأن حدود البلدان وما يتعلق بها من الضمان". ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على خير خلقه وأله. وبعد: فانه ورد سؤال من العلامة المحقق، والفهامة المدقق عز الكمال محمد بن أحمد مشحم كثر الله فوائده ... ". ٤ - اخر الرسالة: " ... وقد يكون بالتضمين وقد يكون بالالتزام، وإلى هنا انتهى الجواب عن السؤال قال في المنقول منه: حرره المجيب غفر الله له في نهار الاثنين رابع شهر الحجة سنة١٢١٢ انتهى من خط المؤلف." ٥ - نوع الخط: خط نسخى عادي. ٦ - عدد الصفحات: ١٤ صفحة + صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٧ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3028

وصف المخطوط: (ب) ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "عقد الجمان في شأن حدود البلدان وما يتعلق بها من الضمان". ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على خير خلقه وأله. وبعد: فانه ورد سؤال من العلامة المحقق، والفهامة المدقق ... ". ٤ - اخر الرسالة: " ... قال في المنقولة منه: حرره المجيب غفر الله له في نهار الاثنين رابع شهر الحجة سنة١٢١٢ ". ٥ - نوع الخط: نسخى جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١٢ صفحة + صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرا ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد الأسطر فيها١٥ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٤ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3029

[بسم الله الرحمن الرحيم] الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على خير خلقه وأله. وبعد: فإنه ورد سؤال من العلانة المحقق، والفهامة المدقق، غز الكمال محمد بن أحمد مشحم (١) -كثر الله فوائده- وحاصل السؤال عن شأن حدود البلدان، أى قسمة الأودية التي ليست بمحياة، وصبابات السيول والجبال بين اهل القرية المحيطة بها، فيجعل لأهل هذه القرية من بعضها بعضا من ذلك لا يتعداه أهل القرية الأخرى، بل يختص بالكلأ النابت فيه راعيا، واحتطابا، واحتشاشا من جعل له دون غيره. ومضمون السؤال: هل يسوغ ذلك شرعا؟ وإذا ساغ هل يجوز تضمين من يختص بذلك ما وقع فيه من قتل، أو سلب، أو نهب، وإن لم توجد شروط القسامة، ولا تعين الفاعل، تمسكا بما وقع منه تعالى من عقاب عاقر الناقة هو وغيره، ممن لم يوافقه على فعله، وبقوله تعالى: ﴿واتقواْ فتنة لا تصيبن الذين ظلمواْ منكم خاصة﴾ (٢) ثم إذا كان ذلك الحد طريق وقع فيها القتيل، أو النهب، ولا يختص بها أهل بحد، فهل يجوز تضمين أهل بحد؟ وإن كانت القسامة الشرعية غير ثابتة، لأن ترك تضمينهم قد يؤدي إلى أنهم يفعلون فى تلك الطريق من الأفاعيل ما يكون سببا لانقطاع المارة عنها؟ هذا حاصل السؤال، وهو مشتمل على ثلاث مسائل: الأولى: هل يسوغ شرعا قسمة ما لم يسبق إليه أحد باحياء ولا تحجر بين أهل القرى المحيطة به، ومنع كل واحد من الانتفاع بما حد الآخر من النبات المباح؟، وأقول: هذه الحدود الواقعة في غالب الديار اليمنية لما جاءت به الشريعة المطهرة من وجوه:

стр. 3030

الوجه الأول: أنها تستلزم عدم الاشتراك في الكلأ، ومنع بعض من ينتفع به، وهو مشترك بين الناس بنص حديث: "المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء والكلأ والنار" أخرجه أحمد (١)، وأبو داود (٢) من حديث أبي خداش عن بع الصحابة مرفوعا. وقد رواه أبو نعيم في الصحابة في ترجمة أبي خداش (٣)، ولم يذكر عن بع الصحابة. وسئل أبو حاتم (٤) فقال: أبي خداش لم يدرك النبي ﷺ ، وقد سماه أبو داود (٥) في روايته حبان بن زيد، وهو الشرعبي تابعي معروف. قال الحافظ في بلوغ المرام (٦) ورجاله ثقات. وأخرج هذا اللفظ ابن ماجه (٧) [١أ] من حديث ابن عباس، وفي إسناده مقال، ولكنه صححه ابن السكن (٨) وزاد فيه: "وثمنه حرام". وأخرجه الخطيب (٩) عن ابن عمر وزاد (والملح) وفيه عبد الحكم بن ميسرة. وأخرجه .................

стр. 3031

الطبراني (١) عنه أيا بإسناد حسن، وله عنده طريق أخرى، وأخرجه أبو داود (٢) عن بهيسة الفزارية ﵂ وهي بمضمومة، وفتح هاء، وسين مهملة و [ .... ] (٣) عن أبيها. وفي الباب أحاديث (٤) وجميعها قاضية بأن الكلأ مشترك بين الناس لا يحل لأحد أن يمنعه أحدا، وهذه الحدود المذكورة ليس المراد بها إلا قسمة ما ينبت في المباحات من الكلأ، واختصاص كل أحد بما ينبت في حدة، وإذا أراد صاحب الحد أن يرعى سائمته عقرت أو بعضها. وقد نشأ عن ذلك فتنة تؤدي إلى قتل نفوس، أو سلب أموال، وقطع سبل. وقد شاهدنا من ذلك وقائع شنيعة، وهكذا إذا أراد غير صاحب الحد أن يحتش أو يحتطب فأقل الأحوال سلب بعض ثيابه، وإهانته. والحاصل أن المحاماة عن صاحب كل حد على حدة أبلغ عن محاماة كل مالك على ملكه، فإن الأملاك لا يترتب عليها ما يترتب على هذه الحدود من الفتن، وإراقة الدماء، وسلب الأرواح، وهتك الحرم. وهكذا يقع ما خولفت فيه الشريعة المطهرة، وظن فاعله أن غيرها أصلح منها، فإنها جرت عادة الله في مثل ذلك أنها تعود المصالح التي يخيل إلى فاعلها أنها مسوغة لمخالفة الشريعة مفاسد محضة، وهذا سر من أسرار الشريعة، وليس بيد من يسوغ هذه القسمة، ورسم هذه الحدود المشئومة إلا تخيل أن ذلك نوع من أنواع المناسب المذكور في الأصول، يسميه من لم يكن له درية بذلك العلم مصالح مرسلة (٥)، وهو عند من يعرف علم الأصول من المناسب

стр. 3032

الملغي (١)، ولم نسمع عن عالم من علماء الاجتهاد أنه يسوغ هذه الحدود، بل جميع من مال إلى تسويغها مقلدة مع أن محققيهم ينكرون ذلك كما روي عن المفتي والقاضي عامر الذماري، والسيد أحمد بن علي الشامي. الوجه الثاني: أنه قد ثبت عنه ﷺ النهي عن منع الكلأ، فأخرج ابن ماجه (٢) بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﵌ قال: "لا يمنع الماءوالنار والكلأ". وأخرج الشيخان (٣) وغيرهما (٤) من حديثه أيا عن النبي ﵌ قال: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ" فنهاهم عن منع فضل الماء (٥) لتوصلهم

стр. 3033

بمنعه إلى منع الكلأ، والنهي عن الوسيلة إلى الشيء يستلزم النهي عنه بالأولى. وأخرج أحمد (١)، والطبراني (٢) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌[١ب] قال: "من منع فل مائه أو فضل كلئه منعه الله فل يوم القيامة" وفي إسناده ليث بن أبي سليم (٣)، وفي الباب أحاديث، وجميعها قاض بالنهي عن منع الكلأ، وحدود البلدان لا يراد بوضعها إلا منع كل صاحب حد لغيره عن الانتفاع بما فيه من الكلأ (٤) ونحوه. الوجه الثالث: أنه قد ثبت عنه ﷺ المنع من الحمى.

стр. 3034

فأخرج البخاري (١) وأحمد (٢)، وأبو داود (٣) من حديث الصعب بن جثامة أن النبي- ﷺ حمى النقيع- بالنون- وقال: "لا حمى إلا لله ولرسوله" وفي الباب احاديث وهي متضمنة لاحتصاص الحمى بالله وبرسول، وأله لا يجوز لأحد من الأمة أن يحمي حمى، ولهذا قال الشافعي (٤) ليس لأحد من المسلمين أن يحمي إلا ما حماه النبي- ﷺ .انتهى. والعله في منع الحمى أنه يستلزم منع الكلأ عن أهل الحاجة إليه من المسلمين، وهذه

стр. 3035

الحدود هي نوع من هذا، لأن أهل كل حد يحمي حده من غيره ويقاتل دونه، مع أنه خال عن المصلحة الكائنة في الحمى في بعض الحالات، لأن الحمى قد يكون خيل الجهاد كما فعله النبي- ﷺ في احتمائه للنقيع، فانه أخراج أحمد (١) من حديث ابن عمر"أن النبي- صلى الله عليه وآهل وسلم-حمى النقيع للخيل خيل المسلمين". وأخرج البخاري (٢) عن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر احتمى لذلك، وهكذا الآن، فان بعض أهل البلدان قد يجتمع رأيهم على أن يمنعوا رعاتهم من بعض المواضع المختضة بهم، ويسمون ذلك محجرا، ويجعلونه ذخرا لهم إذا أجدبت أرضهم فهذا وإن كان مخالفا للشريعة المطهرة لكنه لا ينشامنه ما ينشا من الحدود من الفتن الكبار. الوجه الرابع: أنه قد ثبت عن- صلىالله عليه وآله وسلم- أنه قال: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له"أخرجه ............................

стр. 3036

أبو داود (١) من حديث أسمر بن مضرس، وصححه الضياء في المختار (٢) وقال البغوي (٣): لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث. وفي الباب غير ما ذكر، وجمعه يدل على أن من سبق إلى شيء من الكلأ لم يسبق إليه غيره باحياء، ولا تحجر، ولا قطع كان أحق به، والحدود تستلزم أن ما كان في الحد فهو لصاحبه [١أ]، وإن سبق إليه من سبق. هذا جملة ما خطر بالبال عند تحرير هذه الكلمات من الأدلة الدالة على على مخالفة هذه الحدود لما شرعه رسول الله ﵌ لأمته، وبعضها يكفي في إبطال ما يستند إليه الواضعون لذلك، من كونه مصلحة مرسلة، فإن من شرط المصالح المرسلة (٤) عند جميع من قال بها عدم مصادمة الدليل، وهذه قد صادمت هذه الأدلة الكثيرة فلم يكن منها وهكذا جميع أنواع المناسب ما عدا الملغي منه، فإنه المناسب المصادم للدليل (٥)، ولهذا ذكرنا فيما تقدم أن حدود البلدان من ذلك، ثم قد تقرر في الأصول من اعتبار المصلحة إنما يكون مؤثرا إذا كانت تلك المصلحة خالصة عن المفسدة، أما إذا كانت غير خالصة عن المفسدة فلا خوف أنها غير معتبرة، لأن دفع المفاسد أول من جلب المصالح. وقد عرفت مما تقدم ما ينشأ عن هذه الحدود من المفاسد. المسألة الثانية من مسائل السؤال: أنها إذا ساغت الحدود المذكورة، فهل يجوز تضمين من يختص بذلك من قتل، أو سلب، أو نهب؟. المسألة الثالثة من مسائل السؤال: أنه إذا كان في ذلك الحد طريق وقع فيها القتل والنهب، ولا يختص بها أهل الحد، فهل يجوز تضمين أهل الحدود وإن كانت القسامة.

стр. 3037

الشرعية غير ثابتة، لأن ترك تضمينهم قد يؤدي ألى أنهم يفعلون في تلك الطريق من الأفاعيل ما يكون سببا لانقطاع المارة عنها؟. أقول: الجواب عن هاتين المسألتين يحتاج ألى تقديم مقدمة، هى أن الله تعالى تعبد عباده بأحكام أنزل بها كتبه، وأرسل بها أنبياءه، ولم يشرع لهم الاقتداء بأفعاله وصفاتة، فمن قال أنه يسوغ له تعذيب عباد الله أو قتلهم، لأن الله- سبحانه- يبتليهم بالأمراض والمحن، أوقال أنه يجوز له تسليط بعضهم على بعض، أو تسخير بعضهم لبعض، أو ما يعود عليهم ينقص في الأموال والأنفس، لأن الله قد يفعل ذلك، لأن هذا القائل في عدد العلماء، بل لا يكون في عدد العقلاء، فلله المثل الأعلى. قال الله- : قال تعالى (لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون) (١) ومن هاهنا

стр. 3038

تعلم بطلان استدلال بعض المتأخرين على جواز تغريم أهل قرية من القرى، أو مدينة من المدن ما يوجدفي حدودهم أو طرقهم الخاصة بهم، أوالعامة لهم [٢ب] ولغيرهم من جنايات، أو أموال منهوبة، أو نفوس مسلوبة، حيث لا يصح القسامة الشرعية بما فعله تعالى من معاقبة قوم عاقر الناقة، وشمول العذاب للفاعل ولغيره، فان هذا فعل من لا يسأل عما يفعل، وأبطل من هذا استدلال من استدل على ذلك بقوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (١) فان هذه الأية ليس فيها إلا التحذير عن أسباب الفتن، فانها إذا غلت مراجلها، وسطعت شررها، وأطل قتامها لا تدور على مسعر لهبها، ومثير عجاجها، بل تطحين كل مالاقت، وتدك كل ماتجد، كائنا ما كان. وقد ذكرت العرب هذا في أشعارها كما قال الحارث بن عباد: لم أكن من جناتها- علم الله- ... واني لحرها اليوم صالي وقال الآخر: وجرم جره سفها قوم ... فحل بغير جارمه العقاب فالمراد من الأية الكريمة التحذير لمن يتلبس بأسباب الفتن عن أن يدع الحد والاجتهاد في دفع تلك الأسباب، وهذا هو معنى اتقائها الذي أمرنا الله به، لأن التفريط في هذا الارتقاء يؤدى إلى إصابة الفتن لمن تلبس بأسبابها ومن لم يتلبس، وما كان هذا ماله فما أحقهبأن يتقيه كل أحد، وأكثر ما تكون هذا الإصابة العامة في الفتن الجاهلية، أو ما يلتحق بها من الفتن الواقعة في الإسلام على غير منهج الشرع، وقانون العدل،

стр. 3039

فكيف يحق الاستدلال بهذه الآية على جواز تعميم العقوبة منا لمن تعلم أنه لم يكن من تلك الجناية في شيء!؟ مع أن الله لم يشرع فيها لأهل الفتن أن يصيبوا بها المذنب وغيره، ولا قال: إنه يحل لهم ذلك، أويجوز بل قال: إن الفتن من شأنها إصابة من كان ظالما، ومن كان غير ظالم مع نهيه عنها وأمره باتقاء أسبابها، بل ثبت عن النبي- ﵌ أنه جعل هذه الفتن التي يكون فيها البريء كغيره من علامات القيامة وآيات قرب الساعة. وأين يقع هذا الستدلال من استدلال من استدل على أصالة المنع بقوله تعالى (ولا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل) (١) وبماصح [٣أ] عنه ﵌ وتواتر تواترا معنويا من قوله- ﵌: "إن دماءكم وأموالكم وأعرضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا"ٍ (٢) الحديث، وبقوله- ﵌: "لا يحل ماء امرىء مسلم إلا بطيبة من نفسه" (٣) فهذه الآية قاضية بأنه لايحل من مال أحد من المسلمين مثقال ذرة إلا بحقه، وهو ما ذكره الله تعالى من طيبة نفسه، أوما كان بالحق كما يدل عليه قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (٤) وهذه الأدلة الشرعية يعدها الدلالة العقلية، فان أخذ المال من صاحبه بغير وجه شرعي يستلزم إيلام صاحبه وترره في الغالب، ولا سيما إذا أجحف بماله وهو قبيح عقلا. وقد خصصت تلك الأدلة الشرعية بأمور منها: القسامة، فانها مستلزمة لتغريم من لا ذنب له في الغالب، ولهذا عدها أهل العلم مما ورد على خلاف القياس، لأن منهج هذه الشريعة المطهرة أن لا يؤخذ البريء بذنب المذنب. قال الله- (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (٥)، وقال: .........................

стр. 3040

(لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) (١) وقال: (لتجزى كل نفس بما تسعى) (٢) وقال- ﵌: "لا يجني جان إلا على نفسه" (٣) وقال- في تسويغ المعاقبة ﴿وإن عاقبتهم فعاقبواْ بمثل ما عوقبتم به﴾ (٤) وقال: ﴿وجزاء سيئة مثلها﴾ (٥) وقال: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (٦).

стр. 3041

وأما ما ورد عنه ﵌ من أخذ الجار بالجار، والقريب بالقريب كما في بعض الأحاديث فلعل ذلك كان قبل استقرار الأحكام الإسلامية، وفي مبادىء الإسلام. وقد كانت الجاهلية هكذا فأنزل الله من الأيات القرآنية وأجرى على لسان رسوله من الأحاديث النبوية مالا يبقى بعده ريب لمرتاب. ومن هاهنا يلوح أن هذا الأمور التي تقع في كثير من الأقطار اليمنية، ويتعارف بها كثير من أهلها، ويعمل عليها امراؤها وقضاتها من تغريم اهل قرية من القرى، أو عشيرة من العشائر جميع ما يقع في حدود بلادهم من قتل، او سلب، أو جناية على بدن أو مال بدون وجود المناط الشرعي وهو القسامة، أو ضمان العاقلة ليست من الشرع في قبيل ولا دبير، ولا ورد ولا صدر. ومن هذا تضمين أهل القرى المحيطة بالطرق العامة التي يسلك فيها الناس من مدينة إلى مدينة، ومن قطر إلى قطر، فان ذلك بلأحكام الطاغوتية أشبه [٣ب] منه بالأحكام الشرعية. فان قلت: إذا لم يقع التضمين انقطعت السيل، وذهبت الأموال والأموال والأرواح، وتسلط شرار الناس على خيارهم حتى يرتفع الأمن بالكلية، ولا سيما مع فساد أديان البدوان، وغالب الأعراب المجاورين للطرقات. قلت: هذا خيال مختل، ووسوسة شيطانية من عدو الله إبليس أراد أن يزحلق بها هذه الأمة من الأحكام الشرعية إلى الأحكام الشيطانية، فان من تأمل أحوال سلف هذه الأمة وخلقها إلى عصرنا هذا وجد التدبير بالقوانين الشرعية ما كان فيه إلا وكانت من الأمن والدعة بمحل لا يساويها فيه غيره، ومن شك في هذا فليتدبر ما كان في هذه الدول

стр. 3042

الإسلامية منذ أيام النبوة الآن، فانك لا ترى ملكا من الملوك، ولا أميرا من الأمراء، ولا إماما من الأئمة يؤمن بالعدل، وحسن السيرة، واقامة حدود الشريعة كما هي إلا ورأيت في بلاده ورعيته من النظام، واستقامة الأمور، وصلاح أحوال العامة والخاصة، وأمن السبل، وذهاب التظالم بالكلية ما يعلم به أن تدبير الشارع هو التدبير المشتمل على مصالح المعاش والمعاد، وبعكس هذا ما يخيل له الشيطان أن تدبير المماليك، وصلاح الأمة بالقوانين الشيطانية، والرسوم الطاغوتيه أصلح لها، وأول من أدخل هذه القوانين الكفرية إلى المماليك الإسلامية جنكيز خان (١) ملك التتر، فانه لما كان هو أهل مملكته لا يرجعون إلى شريعة من الشرائع، ولا ينتمون إلى دين من الأديان اخترع لهم كتابا من عند نفسه سماه"إلياسا" (٢) ذكر فيه امورا من التدبيرات الخاصة والعامة، ومراسيم المملوك والرعية، وألزم رعيتهم بها وعملهم عليها بالسيف، ثم إنه أسلم بعض ذريته وبقي

стр. 3043

فيهم الملك في أرض الإسلام حتى انفرضوا، وانتقلعنهم إلى غيرهم من سائر بطون التتر، ومن الجراكسة وأشباههم فعملوا فيها بهذا الكتاب في الأمور المتعالمة بالملك، مع إسلامهم وعملهم في غير ذلك بأحكام الشريعة المطهرة. والسبب في ذلك أن الشيطان سول اهم أن الملك لا يصلح بالتدبيرات الشرعية، ولا يقوم بغير تلك الرسوم الكفرية كما ذكر ذلك غير واحد من المتاجمين لتلك الدول كالمقريزي في الخطط والآثار (١) وغيره. وثم إن عامة مصر أدخلوا [٤أ] على لفظ ذلك الكتاب شيئا مهما فقالوا سياسيا (٢) وبعضهم يقلب الألف الآخرة هاء فيقول سياسة كما هو المعروف الآن، ثم تزايد الشر ووجد الشيطان المجال لما يرومه من الإضلال، فلم يدع مملكة من الممالك، ولا قطر من الأقطار إلا وفيه من هذه القوانين الكفرية نصيب. ومن عرف الأمور كما هي عرف ما وصفناه، وإذا أنكر العالم شيئا من تلك القوانين الطاغوتية على ملك أو أمير أجابه بأن هذه قوانين سلطانية، أو قواعد ملوكية، أو مراسيم دولية، وكأن هذه الشريعة المحمدية لم ترد إلا لتدبير الناس فيما يرجع إلى دينهم دون دنياهم، ولو عقلوا لعلموا علما يقينا أن صلاح أمور الدين والدنيا كله في الهدي المحمدي، والشرع المصطفوي. وانظر ما وقع من واضع الكتاب إلياسا من التدبير الذي هو التدمير لأكثر العالم خصوصا هذه الأمة المرحومة، فان جنكيز خان- لعنه الله- كاد أن يستاصل الإسلام، وبمحق آثارأهله، فانه خرج من بلاده إلى ما وراء النهر كبخارى، وخوارزم، وسمرقند،

стр. 3044

وسائر تلك المدائن العظام فكان يقتل الرجال والنساء والصبيان حتى لا يبقى من أهل المحل صغير ولا كبير، ثمثم يخرب الدور ويغور النهور، ويقطع الشجر، ويهدم المساجد والبيع، والكنائس، فلا يخرج من بلد من البلدان، أومدينة من المدن إلاوقد صارت خاويةليس بها منزل ولا نازل. ثماستمر على هذا الأسلوب حتى دمرأكثر الأرض بطولها والعرض خصوصا بلاد الإسلام، ثم وافاه الحكام، وأراح الله منه أهل الأسلام، فلزم طريقته الملعونة، وتدبير المشؤم الممتلك بعده من أولاده، ثم الممتلك بعدهم من ولد ولده، ومنهم المسمى هولاكو (١) فإنه وصل إلى بغداد وقتل من فيها من الإمام والمأموم والعام والخاص الا من تأخرأجله ففر بنفسه ثم اختفى، ثم اقتفى هذى الطريقة القبيحة والتدبير الكفرى تيمورلنك، فأنه لا يعمل فى تدبير ملكه بغير كتاب الياسا، فدمر جميع الممالك التى وراء النهر، واستأصل بالقتل اكثرأهلها، ثم عطف على ممالك الشام والعراق والروم والهند، وكثير من البلاد، ففعل تلك الأفاعيل، وكان من مرسومه انه اذا فتح قطراً من القطار، اومدينة من المدن الكبار يهدي [٤ب] إليه كل فرد من أفراد جنده رأسين من رؤس بنى آدم بعد أن يقطعها؛ وجنده حوالى ثلاثمائة ألف، وقد تذيد على ذلك، فكانوا يعطفون على من تحت ايديهم من الأسرى والضعفاء وسائر من بقى فيقتلون فى ساعة من النهار نحو ستمائة ألف شخص، وهذا بعد تأمينه للبلد الذي يفتحه، وخروجه منه. وأماعند فتحه قبل تأمينه فلا تذال السيول جارية من دماء المسلمين، وتيمور هذا هو من اعظم الملوك المتقدمين بأحكام الياسا وقوانينه، فأنظر ما فعله واضع هذا الكتاب من إراقة الدماء، وهتك الحرام، وتخريب الديار، وتغوير الأنهار، وقطع الأشجار، وتعميم جميع القطار بالمخاوف الكبار، حتي انقطعت السبل، وتعطلت المدن، وفقر اكثر العالم، وما نشأ عن تدبيره من المصائب، وما لقى به العباد من المتاعب، وكيف صارت الأرض وأهلها بسببه فى أمر مرتج، ثم انظر ما فعله المقتدون به

стр. 3045

من بعده كأولاده واحفاده، وتيمور والجراكسة (١) وأشباههم! فإنها صارت الفتن تغلى كغلى المراجل، ولم يأمن أحد من الناس فى الغالب على دمه ولاعرضه ولا ماله، ثم انظر كيف كان نظام العالم بالتدبير المحمدى! وكيف كانت الأيام النبوية التى هى منشأ الأحكام الشرعية، ثم كيف كان الصحابة ومن بعدهم من المقتدين بشرعة-﵌-لا من خرج عن ذلك الى السياسة الكفرية! .. والحاصل: أن من تأمل حق الأمور التأمل فيما يرى ويسمع علم علماً لا يخالطه شك، ولاتخالجه شبهة أن السياسات الشرعية، والتدبيرات النبوية هى اصل صلاح الدين والدنيا، ومنبع كل خيرمن خيرى الدارين، وأن غيرها أصل فساد الدين والدنيا، ومنبع كل شر من شري الدارين: يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح إذا تقرر هذا عرفت ان تغريم العباد لرجاء المصلحة هو عين المفسدة كما قدمنا ذلك فى الكلام علىحدود البلدان، وما أحق العالم العامل بعلمه، الشحيح على دينه بإجتناب هذه الجهالات والفرار عن مهالك هذه الضلالات! إذا لم يتمكن من طمس آثر السياسات الكفرية، وتشييد آثار السياسات النبوية فأقل الأحوال أن يربأ بنفسه عن أن يكون من المقتدين لجنكيز خان ومن [٥أ] تبعه من حزب الشيطان، فإنه بلا ريب عن ذلك مسؤول بين يدى رب العزة فى حضور بنى الأمة فإذا قيل له: بأى شرع اخذت مال هذه الأرملة، وهذا الصبى، وهذا [ .... ] أهل هذه القرية؟ فماذايكون جوابه؟ إن قال: اردت التوصل بذلك إلى قمع الأشرار، وصلاح الديار، فأى سرية فى احد هؤلاء الثلاثة! فإن رام المجادلة والمحاجة فهو لايزيد على أن يقول: اخذت بنوع من انواع المناسبة المدونة فى علم الأصول (٢)، وما أحقه عند أن يقول هذه المقالة أن يقال

стр. 3046

له: لا حياك الله ولا بياك، كيف استبدلت بنصوص القرآن الكريم، والسنة المطهرة هذا البدل، ورضيت بالدون، وأعطيت الدنية، واستبدلت العين الصحية بالعور! هات عرفنا ما هوهذا المناسب الذى تذعم؟ هل وجدته في كتاب الله، أوأخذته من سنة رسول الله- ﷺ ، أو هو من ذلك الهذيان المنصوب فى وجه السنة والقرآن؟ ثم هذا المناسب الذى آثرته على النصوص قد صرح أهل الأصول (١) وجميع الأئمة الفحول أنه لايجوذ العمل به فى أدنى حكم من الأحكام الشرعية، فضلاً عن مثل هذا الحكم الذى هو أخذ للمال بلا برهان ولا قرآن، ولاعقل ولانقل، رسموه فى مؤلفاتهم بالمناسب الملغى (٢) أى الذى يجب إلغاء العمل به، وترك التعويل عليه بمصادمته للنصوص، فحينئذ تطيح الحجج والأعذار، وتحق الكلمة على من خالف شريعة المختار. دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن فى دينه كمخاطر فالحاصل أن الحكم بأخذ أموال العباد بدون وجود المناط الشرعى من الحرام البين عند كل من له دربة بأحكام الشرع، وعلى فرض من فعل ذلك، أوقرره، أوأفتى به قاصر الباغ غير متميذ عن طبقة الرعاع، فأقل الأحوال أن يكون قد سمع قوله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "والمؤمنون وقافون عند الشبهات" (٣) "دع ما يريبك الىمالاً يريبك" (٤) اللهم نق كدورات قلوبنا بمياه الشرع، وأصقل مرآة بصائرنابصقيل السمع. فإن قلت: أين لنا كيف يصنع من ولى قطراً من الأقطار، قد تعارف أهله، وإن باب حله وعقده على الإلذام لمن جاور بضمان ما ذهب فيها من دم أو مال، ثم إذا أراد أن يعلمهم السياسة الشرعية فماذا يصنع؟

стр. 3047

قلت: إن تمكن من قطع تلك الحبائل الشيطانية، وتمهيد [٥ب] القواعد القرآنية بأى ممكن فهوالواجب عليه، فليثت الثمرة للعلم إلا حمل الناس على الشريعة الغراءالتى يقول فيها-﵌: "تركتم على الواضحة ليلها كمهارها ولايذيل عنها إلاجاحد، وعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين الهادين عضوا عليها بالنواجذ" (١) وإذا تعذر عليه ذلك تعذرا تقوم به بحجة بين يدي الله فليعمل بقوله- ﵌: "مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت هوى متبعا، وشحا مطاعا، وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن كالقبض على الجمر، أجر العامل فيهن أجر خمسين بعلا" (٢) قيل يا رسول الله، منا أو ممن بعدنا. قال: "منكم".والحديثان صحيحان ثابتان في دواوين الإسلام. وأما السؤال عن كيفية عمله إذا أراد أن يعرفهم السياسات الشرعية فيقول لهم فيهما ذهب في الطريق من نفس أو مال، أو موطن ولم تكمل شروط القسامة أن الذي جاءت به هذه الشريعة العراء أن هذا غير مضمون على أحد من الناس، وأنه قد قال قائل من أهل الشريعة أنها لا تهدر دماء المسلمين، ةأنه يجب ضمانها من بيت مالهم، ولكن لا يدع جهدا في الكشف والفحص عن الفاعل، فإن هذا الكشف هو من السياسة الشرعية لا الكفرية. ثم إذا سأله سائل عن إصلاح فساد الطريق كيف يكون، وبأى سبب يتوصل إلى

стр. 3048

ذلك؟ قال: تأمين السبل، والأخذ على يد الظالم هو الذي شرع الله لأجله نصب الملوك، وهو الركن الأعظم من أركان السلطنة، بل الشرط الأهم من شروط الزعامة، بل هو الأمر الذي إذا قام به سلطان المسلمين لم يحتج معه إلى غيره، وهذا وإن استبعده من اعتقد اعتبار شروط كثيرة العدد فهو إن نظر حق النظر لم يخف عليه صحة ما قلناه، وإذا كان الأمر هكذا فإصلاح طرقات المسلمين، وتامين سبلهم من أهم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهو واجب على السلطان خصوصا (١) وعلى المسلمين عموما،

стр. 3049

فعليه وعليهم أن يقوموا بذلك أثم القيام، ولو جماعة من المسلمين في جوانب الطرق المخوفة لتأمين المارة، ويدفع إليهم من بيت مال المسلمين، أو من خالص أملاكهم إذا لم يوجد في بيت المال ما يقوم بذلك، فعلى العالم أن يقول هكذا إذا سئل عن ذلك، وينهى الأمر إلى السلطان [٦أ] الأعظم، من ينوب عنه، وياخذ نفسه بإنكار ما علمه منكرا، أو الأمر بما علمه معروفا بما يبلغ إليه قدرته، وليس عليه بعد ذلك شىء، وإذا لم يطع فيما يقول فقد حصل له أجر من تكلم بالحق، وفاز بمقام العلماء العالمين، فهذه الطريقة تحفظُ دينَه من المهالكِ، ويستفيدُ في ولايته ربحَ ما يقدرُ على القيام بهِ كما ينبغي، وليس من الورع أن يضيقَ صدرُهُ عند عروض ما يخرجُ عن طاقته، حتى يحملَه ذلك على تركِ ما يدخلُ تحتَ مقدرته، أو تعطيلِ نفسِه عن القيامِ في مركزِ الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فإنَّ ذلك لو كان مسوِّغًًا للتعطيلِ والخروجِ عن المراكزِ الدينيةِ لتعطيل الشريعةِ، إذْ ما من زمانٍ من الأزمنةِ، ولا مكان من أمكنة الأرضِ إلاّ وفيه ما يُعْرَفُ وما يُنكَرُ، اللهم إلاَّ أنْ يكونَ ذلك العالِمُ قد عرف بالتجربةِ وطولِ المدة أنه لا تأثيرَ لبقائه في صغيرٍ ولا كبيرٍ، ولا جليلٍ، ولا خطيرٍ، فليس له في التلبُّسِ أثوابِ الزورِ فائدةٌ، كما أنَّه لا يعودُ إليه مِنْ خيرِها عائدةٌ، والأحوال تختلفُ باختلافِ الإراداتِ، وإنما الأعمال بالنيات. وما ذكرتُم ـ دامت لكم الإفادة ومنكم ـ من أنه إذا ادَّعى ورثةُ رجلٍ على أهل بلدةٍ قَتْلَ مورِّثهم يريدونَ بذلك ثبوتَ القسامةِ عليهم، وخَفَتْ قرائنُ صادقةٌ بوقوعِ القتلِ وصادقَ بعضُ أهل البلدينِ بوقوع القتلِ في بلدهم، فهل يقالُ: مصادقةُ البعض منهم إقرارٌ على من أقروا بشهادةٍ على الباقينَ، فيثبتُ بها وجودُ القتيلِ، وإذا ثبت ثبتِ القسامةُ بشروطها أم لا؟ ثم إذا طلبتَ منهم اليمينَ لا

стр. 3050

وُجِدَ قتيلاً في بلادهم، ونكَل البعضُ منهم، هل يكونُ حكمُ النكولِ حكمَ المصادقةِ في كونها شهادةً على الآخرين أم يفترقُ به الحال بين المصادقة والنكول؟ انتهى. أقول: اعلمْ أنَّ القسامةَ الشرعيةَ لا تثبتُ إلاَّ بعد ثبوتِ وجودِ القتيلِ في محلٍّ يختصُّ بالمدَّعى عليهم قتيلاً أو جريحًا، وثبوتُ الوجودِ يكونُ بأحدِ المناطاتِ الشرعيةِ. إمَّا الإقرارُ من جميع المدّضعى عليهم، أو نكولُ جميعِهم، أو شهادةُ عَدْلَيْنِ، أو رجلٍ وامرأتينِ، أو رجلٍ ويمينِ المدَّعي على وجود القتيلِ هنالِكَ كذلكَ على وجه بحكمِ الحاكمِ بأحد تلك الأمورِ، أو عَلِمَ الحاكمُ بذلك على ما هو الحقُّ كما قررته في غير هذا الموضعِ، فإنْ أقرَّ البعضُ وأنكرَ البعضُ، أو نكلَ البعضُ وحلفَ [٦ب] البعضُ من أهل القسامةِ كما في مسألة السؤال. فاعلم أنَّ إقرارَ من أقروا نكولَ مَنْ نكلَ هو مستنَدٌ للحكم بالوجودِ، والوجودُ أمرٌ واحد، وهو يستلزمُ ثبوتَ القسامةِ على الجميع، فإذا كان ذلك الإقرارُ أو النكولُ بحيث يصلُح مُسْتَنَدًا لحكم الحاكمِ بالوجودِ ثبتتِ القسامةُ بالحكم بالوجود بذلك المستندِ، ولا وجود الشهادةِ، أو عِلْمِ الحاكمِ، لأنَّه قد ترتَّبَ الحكمُ بالوجود على إقرارِ البعضِ، أو نكوله كما ترتَّبَ الحكمُ بالوجودِ على شهادةِ الشهودِ، أو علم الحاكمِ. والعلمُ بالوجودِ هو أمرٌ واحدٌ كما قدمنا، فلا تثبتُ به القسامةُ على بعض أهل القسامةِ دون بعض، بل تثبت على الجميع. فإن قلتَ: الشهادةُ وعِلْمُ الحاكم هما مناطٌ للحكمِ على المشهودِ عليه بخلافِ الإقرارِ والنكولِ فإنّهما مناطٌ للحكم على المقرِّ والناكلِ دونَ غيرهما. قلت: قد صحَّ كلُّ واحدٍ منهما مناطًا للحكم بالوجود كما صلحتِ الشهادةُ مناطًا لذلك، ولا يضرُّ إنكار مَنْ أنكر، وحَلْفُ مَنْ حَلَفَ، كما لا يضران إذا كان المناطُ هو الشهادةَ. فالحاصل: أنَّ المعتبرَ ما يصلحُ مستندًا لحكم الحاكمِ بالوجودِ، هذا من غير نظرٍ إلى
следующие страницы →