له: لا حياك الله ولا بياك، كيف استبدلت بنصوص القرآن الكريم، والسنة المطهرة هذا البدل، ورضيت بالدون، وأعطيت الدنية، واستبدلت العين الصحية بالعور! هات عرفنا ما هوهذا المناسب الذى تذعم؟ هل وجدته في كتاب الله، أوأخذته من سنة رسول الله- ﷺ ، أو هو من ذلك الهذيان المنصوب فى وجه السنة والقرآن؟ ثم هذا المناسب الذى آثرته على النصوص قد صرح أهل الأصول (١) وجميع الأئمة الفحول أنه لايجوذ العمل به فى أدنى حكم من الأحكام الشرعية، فضلاً عن مثل هذا الحكم الذى هو أخذ للمال بلا برهان ولا قرآن، ولاعقل ولانقل، رسموه فى مؤلفاتهم بالمناسب الملغى (٢) أى الذى يجب إلغاء العمل به، وترك التعويل عليه بمصادمته للنصوص، فحينئذ تطيح الحجج والأعذار، وتحق الكلمة على من خالف شريعة المختار.
دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن فى دينه كمخاطر
فالحاصل أن الحكم بأخذ أموال العباد بدون وجود المناط الشرعى من الحرام البين عند كل من له دربة بأحكام الشرع، وعلى فرض من فعل ذلك، أوقرره، أوأفتى به قاصر الباغ غير متميذ عن طبقة الرعاع، فأقل الأحوال أن يكون قد سمع قوله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "والمؤمنون وقافون عند الشبهات" (٣) "دع ما يريبك الىمالاً يريبك" (٤) اللهم نق كدورات قلوبنا بمياه الشرع، وأصقل مرآة بصائرنابصقيل السمع. فإن قلت: أين لنا كيف يصنع من ولى قطراً من الأقطار، قد تعارف أهله، وإن باب حله وعقده على الإلذام لمن جاور بضمان ما ذهب فيها من دم أو مال، ثم إذا أراد أن يعلمهم السياسة الشرعية فماذا يصنع؟
стр. 3047
قلت: إن تمكن من قطع تلك الحبائل الشيطانية، وتمهيد [٥ب] القواعد القرآنية بأى ممكن فهوالواجب عليه، فليثت الثمرة للعلم إلا حمل الناس على الشريعة الغراءالتى يقول فيها-﵌: "تركتم على الواضحة ليلها كمهارها ولايذيل عنها إلاجاحد، وعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين الهادين عضوا عليها بالنواجذ" (١)
وإذا تعذر عليه ذلك تعذرا تقوم به بحجة بين يدي الله فليعمل بقوله- ﵌: "مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت هوى متبعا، وشحا مطاعا، وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن كالقبض على الجمر، أجر العامل فيهن أجر خمسين بعلا" (٢) قيل يا رسول الله، منا أو ممن بعدنا. قال: "منكم".والحديثان صحيحان ثابتان في دواوين الإسلام.
وأما السؤال عن كيفية عمله إذا أراد أن يعرفهم السياسات الشرعية فيقول لهم فيهما ذهب في الطريق من نفس أو مال، أو موطن ولم تكمل شروط القسامة أن الذي جاءت به هذه الشريعة العراء أن هذا غير مضمون على أحد من الناس، وأنه قد قال قائل من أهل الشريعة أنها لا تهدر دماء المسلمين، ةأنه يجب ضمانها من بيت مالهم، ولكن لا يدع جهدا في الكشف والفحص عن الفاعل، فإن هذا الكشف هو من السياسة الشرعية لا الكفرية.
ثم إذا سأله سائل عن إصلاح فساد الطريق كيف يكون، وبأى سبب يتوصل إلى
стр. 3048
ذلك؟ قال: تأمين السبل، والأخذ على يد الظالم هو الذي شرع الله لأجله نصب الملوك، وهو الركن الأعظم من أركان السلطنة، بل الشرط الأهم من شروط الزعامة، بل هو الأمر الذي إذا قام به سلطان المسلمين لم يحتج معه إلى غيره، وهذا وإن استبعده من اعتقد اعتبار شروط كثيرة العدد فهو إن نظر حق النظر لم يخف عليه صحة ما قلناه، وإذا كان الأمر هكذا فإصلاح طرقات المسلمين، وتامين سبلهم من أهم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهو واجب على السلطان خصوصا (١) وعلى المسلمين عموما،
стр. 3049
فعليه وعليهم أن يقوموا بذلك أثم القيام، ولو جماعة من المسلمين في جوانب الطرق المخوفة لتأمين المارة، ويدفع إليهم من بيت مال المسلمين، أو من خالص أملاكهم إذا لم يوجد في بيت المال ما يقوم بذلك، فعلى العالم أن يقول هكذا إذا سئل عن ذلك، وينهى الأمر إلى السلطان [٦أ] الأعظم، من ينوب عنه، وياخذ نفسه بإنكار ما علمه منكرا، أو الأمر بما علمه معروفا بما يبلغ إليه قدرته، وليس عليه بعد ذلك شىء، وإذا لم يطع فيما يقول فقد حصل له أجر من تكلم بالحق، وفاز بمقام العلماء العالمين، فهذه الطريقة تحفظُ دينَه من المهالكِ، ويستفيدُ في ولايته ربحَ ما يقدرُ على القيام بهِ كما ينبغي، وليس من الورع أن يضيقَ صدرُهُ عند عروض ما يخرجُ عن طاقته، حتى يحملَه ذلك على تركِ ما يدخلُ تحتَ مقدرته، أو تعطيلِ نفسِه عن القيامِ في مركزِ الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فإنَّ ذلك لو كان مسوِّغًًا للتعطيلِ والخروجِ عن المراكزِ الدينيةِ لتعطيل الشريعةِ، إذْ ما من زمانٍ من الأزمنةِ، ولا مكان من أمكنة الأرضِ إلاّ وفيه ما يُعْرَفُ وما يُنكَرُ، اللهم إلاَّ أنْ يكونَ ذلك العالِمُ قد عرف بالتجربةِ وطولِ المدة أنه لا تأثيرَ لبقائه في صغيرٍ ولا كبيرٍ، ولا جليلٍ، ولا خطيرٍ، فليس له في التلبُّسِ أثوابِ الزورِ فائدةٌ، كما أنَّه لا يعودُ إليه مِنْ خيرِها عائدةٌ، والأحوال تختلفُ باختلافِ الإراداتِ، وإنما الأعمال بالنيات. وما ذكرتُم ـ دامت لكم الإفادة ومنكم ـ من أنه إذا ادَّعى ورثةُ رجلٍ على أهل بلدةٍ قَتْلَ مورِّثهم يريدونَ بذلك ثبوتَ القسامةِ عليهم، وخَفَتْ قرائنُ صادقةٌ بوقوعِ القتلِ وصادقَ بعضُ أهل البلدينِ بوقوع القتلِ في بلدهم، فهل يقالُ: مصادقةُ البعض منهم إقرارٌ على من أقروا بشهادةٍ على الباقينَ، فيثبتُ بها وجودُ القتيلِ، وإذا ثبت ثبتِ القسامةُ بشروطها أم لا؟ ثم إذا طلبتَ منهم اليمينَ لا
стр. 3050
وُجِدَ قتيلاً في بلادهم، ونكَل البعضُ منهم، هل يكونُ حكمُ النكولِ حكمَ المصادقةِ في كونها شهادةً على الآخرين أم يفترقُ به الحال بين المصادقة والنكول؟ انتهى.
أقول: اعلمْ أنَّ القسامةَ الشرعيةَ لا تثبتُ إلاَّ بعد ثبوتِ وجودِ القتيلِ في محلٍّ يختصُّ بالمدَّعى عليهم قتيلاً أو جريحًا، وثبوتُ الوجودِ يكونُ بأحدِ المناطاتِ الشرعيةِ. إمَّا الإقرارُ من جميع المدّضعى عليهم، أو نكولُ جميعِهم، أو شهادةُ عَدْلَيْنِ، أو رجلٍ وامرأتينِ، أو رجلٍ ويمينِ المدَّعي على وجود القتيلِ هنالِكَ كذلكَ على وجه بحكمِ الحاكمِ بأحد تلك الأمورِ، أو عَلِمَ الحاكمُ بذلك على ما هو الحقُّ كما قررته في غير هذا الموضعِ، فإنْ أقرَّ البعضُ وأنكرَ البعضُ، أو نكلَ البعضُ وحلفَ [٦ب] البعضُ من أهل القسامةِ كما في مسألة السؤال.
فاعلم أنَّ إقرارَ من أقروا نكولَ مَنْ نكلَ هو مستنَدٌ للحكم بالوجودِ، والوجودُ أمرٌ واحد، وهو يستلزمُ ثبوتَ القسامةِ على الجميع، فإذا كان ذلك الإقرارُ أو النكولُ بحيث يصلُح مُسْتَنَدًا لحكم الحاكمِ بالوجودِ ثبتتِ القسامةُ بالحكم بالوجود بذلك المستندِ، ولا وجود الشهادةِ، أو عِلْمِ الحاكمِ، لأنَّه قد ترتَّبَ الحكمُ بالوجود على إقرارِ البعضِ، أو نكوله كما ترتَّبَ الحكمُ بالوجودِ على شهادةِ الشهودِ، أو علم الحاكمِ. والعلمُ بالوجودِ هو أمرٌ واحدٌ كما قدمنا، فلا تثبتُ به القسامةُ على بعض أهل القسامةِ دون بعض، بل تثبت على الجميع.
فإن قلتَ: الشهادةُ وعِلْمُ الحاكم هما مناطٌ للحكمِ على المشهودِ عليه بخلافِ الإقرارِ والنكولِ فإنّهما مناطٌ للحكم على المقرِّ والناكلِ دونَ غيرهما.
قلت: قد صحَّ كلُّ واحدٍ منهما مناطًا للحكم بالوجود كما صلحتِ الشهادةُ مناطًا لذلك، ولا يضرُّ إنكار مَنْ أنكر، وحَلْفُ مَنْ حَلَفَ، كما لا يضران إذا كان المناطُ هو الشهادةَ.
فالحاصل: أنَّ المعتبرَ ما يصلحُ مستندًا لحكم الحاكمِ بالوجودِ، هذا من غير نظرٍ إلى
стр. 3051
تنزيل إقرارِ المقرِّيْنَ، أو نكولِ الناكلينَ منزلَة الشهادةِ على المنكرينَ أو الحالفينَ، مع أنه لو قيلَ بذلك لكانَ التنزيلُ صحيحًا رجيحًا، فإنَّ المقِرَّ إنما أقرَّ بما قد صحَّ لديه بإحدى الطُّرقِ المفيدةِ لمضمونِ الإقرارِ، فإقرارُهُ إخبارٌ لنا بالوجودِ، وكذلك الناكلُ إنما نَكَلَ عن الحَلِفِ على عدمِ الوجود لكونهِ قد علم نقيضَه، وهو الوجودُ، فكأنه قد أخبرنا بوجود القتيلِ. ولا شكَّ أنَّ هذا أدخلُ في إفادةِ الوجودِ، وانثلاجِ الصدرِ به من شهادةِ بالوجود إذا اتفقتِ الحواملُ على ما وقعَ من المقرينَ والمنكرينَ من محاباةِ المدَّعي أو العداوةِ لأهل المحلِّ، أو نحو ذلك. ولا ريبَ أنَّ الشهادةَ على النفسِ، وعلى الأهل أولى من شهادة الأجانبِ على الأجانبِ. ولم يبقَ إلاَّ المنازعةُ في اشتراطِ لفظِ الشهادةِ، والإقرارُ والنكولُ ليسا من ألفاظِها، وهذه منازعةٌ فقهيةٌ لا ترجعُ إلى دليل شرعيّس ولا عقليٍّ ولا لغويٍّ، فإنَّ الشهادةَ هي الإخبارُ بالشيء بأيّ صيغةٍ [٧أ] كانت، ودلالةُ الخبرِ على مدلولهِ قد يكون بالمطابقةِ، وقد يكون بالتضمينِ، وقد يكون بالالتزامِ. وإلى هنا انتهى الجوابُ عن السؤال.
قال في المنقول منه:
حرره المجيبُ ـ غفر الله له ـ في نهار الاثنينِ رابعَ شهرِ الحجةِ سنة ١٢١٢ انتهى من خط المؤلف [٧ب].
стр. 3052
(١٢٠) ٢٩/ ٢
سمط الجمان فيما أشكل من مسائل عقد الجمان
تأليف
الحسين بن يحيى الديلمي
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3053
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "سمط الجمان فيما أشكل من مسائل عقد الجمان".
٢ - موضوع الرسالة: "فقه".
٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم" وبه نستعين، وصلى الله على سيدنا محمد الأمين والسلام عليه وعلى آله الأكرمين، قرأت السؤال .. ".
٤ - آخر الرسالة: " ... حرره في شهر ربيع الآخر سنة ١٢١٤ بقلم مؤلفه حسين بن يحيى بن إبراهيم الديلمي عفا عنه وعن آبائه والمسلمين أجمعين".
٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ - عدد الصفحات: ١١ صفحة + صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصحفة: ٢٧ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة.
٩ - الناسخ: المؤلف: حسين بن يحيى بن إبراهيم الديلمي.
١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3054
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين، وصلى الله على سيدنا محمد الأمين، والسلام عليه وعلى آله الأكرمينَ. قرأتُ السؤالَ الوارد على القاضي العلامة محمدِ بن علي الشوكاني في شأنِ الحدودِ التي في البلاد اليمنيةِ، وهي المحجَّراتُ لمنع لغير منها إلى تجمُّعِها ما حولَ القرية، أو الحدودِ التي بين المدينة وما يُنْسَبُ إليها من البلاد، وبين المحلِّ الآخَرِ، فحصل من جواب القاضي ـ عفاه الله تعالى ـ المنعُ، ورأيتُ كلامًا ذكره القاضي أحمدُ بن يحيى حابس (١) ﵀ وهو ممن عاصَرَ الإمام القاسِمَ بنَ محمد ليضمنَ تقريرَها حيث قال في المقصد الحسن (٢): وإجراءُ المحاجرِ مجرى الإملاكِ إمَّا للعرف بأنَّ ضَرْبَ الأعلام فيها التي يعتادونَها فيها يوجبُ الملكَ، لأنَّ للعرفِ مجالٌ، وأيُّ مجال أو من باب النظرُ في تسكينِ الدَّهْمَاءِ.
قلتُ: هنا قولٌ حسن، وقد ورد في هذا حديثانِ:
أحدُهما: "المسلمون شركاءُ في ثلاثة: في الماء، والكلأ، والنار" (٣).
الثاني حديث: "مَنْ سبقَ إلى ما لم يَسْبِقَ إليه مسلمٌ فهو له" (٤) فيكون الأولُ عامًا محمولاً على عدم السبق، والثاني: خاصٌّ أنَّ من سبق إلى مباحٍ مَلَكَهُ. ولا فَرْقَ بين تقدُّم العامّ وتأخُّره، أو مع جهل التاريخِ. هذا المختارُ عند جماعة من أهل الأصول، ورجَّحه ابنُ الإمام في الغاية (٥)، وإليه أشار القاضي محمد بهران (٦) في الكافلِ (٧)، فتكون
стр. 3055
الحدودُ المتحجرة من هذا، لسبقِ الحق بالتحجرِ لمن حازه، فإن لم يُسَلَّمُ هذا كان من القياس المرسلِ (١)، وهو كما حقَّقَهُ في شرح الجمع ومَتْنِهِ حيثُ قال: والمناسبُ الملائم لأفعال العقلاءِ عادةً. وقيل ما يجلبُ نفعًا ويدفع ضررًا، أو قال بعضُهم: ما لو عرضَ على العقول لتقلَّتْه بالقبولِ كمسألتنا.
والمناسبُ (٢) ضروريٌّ فحاجي فتحسيني بالضروري كحفظ الدين، والنسبِ (٣)، والمال (٤)، والعِرض، والحاجي كالبيع والإجاربة، وقد يكون الحاجي ضروريًّا كالإجارة لتربية الطفل، والذي نحن فيه قد دعت إليه حاجةٌ ضرورية فيها حفظُ النفوس لما يؤدي إليه نفي الاشتراك إلى الفتن، وبسفك الدماء التي لا تنتهي إلى غاية. هذا جوابٌ فيه يوجبُ التفصيل، ولنا أن نجيب بما يريده استظهارًا وتتميمًا للفائدة فنقولُ: [١أ].
стр. 3056
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحدَه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ:
فإنه ورد سؤالٌ على القاضي العلامةِ، علامةِ الزمن، المحيي سنةَ النبيِّ المؤتَمَنِ ﵌ عِزِّ الإسلام محمد بن علي الشوكاني ـ عافاه الله ـ وزاد في فوائده في شأن الحدود التي وُضِعَتْ في جهة اليمينِ، ولم أقف فيه على نصٍّ لأحدٍ من الأئمة ذكره صاحبُ المقصدِ الحسنِ (١)، وكان جوابُ القاضي مشتملاً عليه من جهتين:
الأولُ: في تحريم وضْعِه بالأدلة الصحيحة.
والثاني: يعلن القسامةَ بأهله وما يلحقهم من الضمان بسببه، وضعنا السؤالَ بأكثرِ لفظِه.
وحاصلُ السؤال عن شأن الحدودِ المقسومِ من الأودية التي ليست بمحياةٍ، وصبَّابات السيول والجبال بين أهل القرى المحيطة بها، وليجعلَ لأهلِ هذه القريةِ بعضًا لا يتعدَّاه أهلُ القرية الأخرى، بل يختصوا بالكلأ النابتِ فيه رعيًا، واحتشاشًا، واحتطابًا دون أهل القرية الأخرى، فهل يسوغُ ذلك؟ وهل يصحُّ تعلُّق القَسَامةِ ومعاقبةُ أهله بسبب ما يقعُ فيه من قتلٍ ونهب، وتغريمِهم؟ فقد اشتمل السؤالُ على ثلاث مسائلَ:
الأولى: هل يسوغُ شرعًا قسمتُه قبل أن يسبق إليه أحدٌ؟ سواءً أهل القريتين ونحوهما؟ فأجاب القاضي ـ تولاه الله تعالى ـ بتحريم ذلك التحجُّرِ والقسمةِ، مستدِلاً عليه بحديث "المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماءِ، والنار، والكلأ" (٢) أخرجه أحمد وأبو داودَ من حديث أبي خداش ثم قال.
стр. 3057
الوجه الثاني: أنه قد ثبت عنه ﵌: النهيُ عن موضع الكلأ من حديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﵌ قال: "لا يمنعُ الماءُ والنارُ والكلأُ" (١) وما في معناه.
الوجه الثالثُ: لأنه قد ثبت عنه ﵌ المنعُ من الحِمى لما ثبت من حديث الصَّعبِ بن جثامةَ: أنَّ النبي ﵌ حَمَى النقيعَ بالنون، وقال: "لا حمى إلا لله ولرسوله" (٢).
الوجه الرابع: أنه قد ثبت عنه ﵌: "من سبقَ إلى ما لم يُسْبَقْ غليه فهو له" (٣) أخرجه أبو داودَ.
فنقول: نعم هذه النصوصُ صحيحةٌ دالةٌ على تحريم التحجُّرِ على العموم، ولكنَّ دلالةَ العامّ عند أهل الأصول ظنيةٌ، ولهذا خُصِّصَ تخصيصًا ظاهرًا متصلاً لقوله ﵌: "لا حمى إلا لله ولرسوله" (٤) فالذي فهمنا من نصِّه ﵌ أنه لدفع الضر الحاصلِ بالمنع، فإذا زالتِ العلةُ جاز التحجُّر والمنعُ. وقد فهِمَ عمر بن الخطاب هذا لأنَّه حمى شرف الرَّبذة للمصلحة العامة أعني خيلَ المجاهدين والربذة.
وعن أسْلَمَ مولى عمر أنَّ عمرَ استعملَ مولى له يُدْعى هنيًّا على الحِمى فقالَ: يا هنيُّ [١ب] أُدْخِلُ ربَّ الصريمةِ، وربَّ الغنيمةِ وإياي، ونُعْمَ بنَ عوف، ونُعْم بنَ عفان، فإنَّهما إن تهلكْ ماشيتُهما يرجعان إلى نخل وزرع، وربُّ الصريمة وربُّ الغنيمةِ إن تهلكْ ماشيتُهما يأتينني ببينةِ يقول: يا أمير المؤمنين: أفتارِكُهم أنا؟ لا أبا لك إلى آخر كلامه" أخرجه البخاريُّ (٥). وقوله الصريمةُ والغنيمةُ يريد صاحبَ الإبلِ القليلةِ والغنمِ القليلةِ،
стр. 3058
ذكره في النهاية. ودليل عمرَ فِعْلُ رسول الله ﵌ بلغنا نَّ رسول الله ﵌ حمى النقيعَ (١)، والنقيعُ ما يستنقعُ فيه الماءُ أي يجمع، فإذا جاز التخصيصُ بالحمى للمصلحةِ العامةِ جاز تخصيص النصِّ بالقياس المرسلِ ولا يكون من الملْغَى بل من الملائم، لأنَّ القياسَ المرسلَ ما لم يشهدْ له أصلٌ معيَّنٌ لكنه مطابقُ مقاصدَ الشرعِ الجليلةِ، ونظيرُهُ قتلُ المترس المسلم (٢)، وغايتُه للمصلحةِ، وهو حفظ عامةٍ من المسلمين، وما يحصل من المفسدةباستئصال قطرِهم حتى ينالَ المترسَ بهم ما نال إخوانَهم المسلمينَ، وهو مصادِمٌ للنصوصِ فيت تحريم قتل المسلمِ كتابًا وسنةً، ولم يكن الداعي إلى قتله إلاَّ الضرورة، ورعايةُ المصلحةِ.
وكما فيتحريم نكاحِ الفاجرِ عن الوطئ من يقضي لتركِه، وكما جاز قتلُ الزنديقِ (٣) إذا ظفرنا به ونطقَ بالشهادتينِ، لأنَّا قد علمنا من مذهبهم التقيةَ، وقتلُه بعد قوله: لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله ﵌ حرامٌ لولا الاستنادُ إلى القياس، وهذا قول جماعةٍ من العلماء. وخالفَ فيه كثيرٌ كالمنصور بالله، [ ...... ] (٤) والجصَّاصّ، وغيرهم، كما ذكره في جنة الفصول، لكنْ فيه استظهارٌ، فثَبتَ اعتبارُهُ عندنا، وجاز عن ابن عباس قال: كان الطلاقُ على عهد رسول الله ﵌ وابي بكر بكر وسنتين من خلافة عمر طلاقَ الثلاثِ واحدةً، فقال عمر ﵁: "إنَّ الناس قد
стр. 3059
استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناهُ عليهم فأمضاه عليهم" (١) رواه مسلم.
والإصلاحُ في صنع عمرَ النظرُ في تتابع الناس في الطلاق، كما روي مرجح القولِ بالتتابع، وأنَّ الثلاثَ تكون ثلاثًا مع عدم رجعةٍ متخللةٍ، فنظرَ المصلحةَ في ذلك وترك النصَّ، ولم يُرْوَا التنكيرُ عليه، فلو كان خطأ لأنكر عليه، كقصة الجاريةِ (٢) التي أرادَ جَلْدَهَا وهي حاملٌ فقال له أمير المؤمنين ﵇: هذا [٢أ] سلطانُكَ عليها، فما سلطانُك على ما في بطنِها! فرجع، وقال: "لا أبقاني لمعضلةٍ ليس فيها عليُّ بن أبي طالب". هكذا قولُهُ أو معناهُ.
وكان الأذانُ بحيَّ على خير العمل، ثم أمر عمر بحذفِ هذه الكلمةِ، وري عن الباقر قال: كانت هذه الكلمةُ في الأذان، فأمر عمر أن يكفّثو الئلا يتثبطَ الناس عن الجهاد، ويَتَّكِلُوا على الصلاة، وكذا في حاشية السعد على شرح العَضُدِ بالإسناد إلى من رواه عن عمرَ أنه كان يقولَ: "ثلاثٌ كُنَّ على عهدِ رسولِ الله ﵌ أن أُحَرِّمُهُنَّ، وأنهَى عنهنَّ: متعةُ الحجِّ (٣)، ومتعةُ النكاحِ (٤)، وحيَّ .....................
стр. 3060
على خير العمل (١). وكنَّ النساءُ يخرجْنَ إلى المساجد ثم منعن خشيةَ الفتنة (٢) وقد قال رسول الله ﵌: "لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله" (٣) هكذا
стр. 3061
أو معناه. فإذا عرفتَ هذا علمت أن الأحكام الشرعية لا تخلو من أن يكون لجلب مصلحة، أو دفع مفسدة علمنا ما لم تكن معرفتُه من ذلك، وبعضُها جهلنا وجهَ الحكمة فيه، فصحَّ أن يكون التحجُّرُ بين أهل القرى لمصحلة، وهي حَقْنُ الدماء، وتسكين الفتن، وإمكان أن يتصل الضعيفُ بحقِّه في رعي مواشيه، لأنَّ ترك التحجُّر إبقاءه على الأصل قد جُرِّبَ واخْتُبِرَ لا تخلِّي عن القتل وغيره. وحصولُ المفسدة بالتحجر هي أهونُ منها مع عدم التحجُّر على الوجه المعروفُ، فدفعُ أعظمِ المفسدتين بأهونها وجه مصلحة.
فإن قلتَ: المجيبُ قد ذكر ما معناه أنهم يقوموا بالشريعة المطهرة، وأنه يؤدي التأديب الشرعي من تعدَّى، وما أُمِرْنا الإَّ بما جاء عن رسول الله ﵌ كما روي أنَّ عاملاً لعمر بن عبد العزيز كتب إليه شاكيًا من عدم إمكان تقويم الرعيةِ فقال في جوابه: "قومهم بكتاب الله، فإنْ قاموا وإلاَّ فلا أقامَهم الله تعالى".
قلتُ: نعم هذا هو الحقُّ الحقيق بأن يُتَّبَعَ، لكنَّ زمانَنَا قد فسد أكثرُ الناس فيه، وخرجوا عن قانون الشريعة المطهَّرةِ، ولو رامَ ذو الولاية ممن ولاَّه الإمام أنْ يقوِّمُهم وينتصفَ من ظالِمِهم لمظلومِهم لم يكنْه ذلك، خصوصًا هذا الزمن فإنَّها قد تغيَّرتِ الأحوالُ من قصرِ أكثر الأحكامِ في بلاد القبائل، ويميلونَ إلى الأحكام الطاغوتية، فبهذا التحجُّرِ يقلُّ التعدِّي والقتلُ والنذضهبُ وغيرُهما، ولم يعلِ المجيبُ ـ عافاه الله تعالى ـ ما عند الطّغام من رفض الأحكامِ، وأخْذِ الأموال، وقَتْلِ النفوسِ تعدِّيًا وظلمًا، وصار أقصى الأحكامِ عليهم في هذا الزمن من المتعذِّر، وشاهدُ الحال منفقةٌ في بلاد عَنْسٍ (١) [٢ب] أنَّ ثمة قريتين بينهما مراعي لكلٍّ ما قابل قريته، وما أحاط بها وبأموالها، ودفعَ كلَّ ما
стр. 3062
يسقون منه مواشيهم فتعدت أخرى على الأخرى برعي ما اختصت به الأخرى، وسقى مائهم، وتركوا ما لديهم من الماء والعشب لوقت آخرهم إليه أحوج، ويمنعون أهل القرية الأخرى من الوصول إلى مراعيهم والسقي من مائهم. فهذا وقع.
وقد قسمت الحدود فكيف مع الشياع! وقد قرر ما وقع من عليه الاعتماد في تقرير ما حكم به الدولة القاسمية، والمتوكلية، والمؤيدية. وفي عصرهم من الأعلام من يمكنهم الحل والعقد والإبرام، وما ذكره المجيب ﵀ من كلام السيد المفتي والشامي والقاضي عامر فهو الحق، فكيف وقع منهم التكلم قبل أن يشاهدوا الفساد الحاصل في هذا الزمن! والشريعة كما ذكرناه إنما مبناها على ما فيه المصالح ودفع المفاسد. انظر كيف حرم الشارع الربا (١)، ورخص رخصة العرايا (٢) للحاجة! وكيف منه بيع المعدوم (٣) وأجاز السلم للحاجة (٤) وحرم أكل الأموال بالباطل إلا أن يكون عن تجارة بتراض (٥)، وأجاز أخذ الشفعة (٦) كرها، ووجب الحد على قذفه عائشة ـ رضي الله
стр. 3063
عنها ـ وم يجلْ أبن أُبيٍّ لمصلحةٍ رآها كما وري (١)، وكلُّه لما بني عليه الكتابُ والسنةُ من الشريعةِ السمحةِ على أن التحجُّر الذي نحن بصدد ذِكْرِه. لم يكن في كلمةُ المخالفةِ والمنعِ الكاملِ لمن يريد، لأنَّ هذه حدودٌ هي لأهلها لا يَرِدُ عليها غيرُهم مما لنا، فالقسمةُ بينَهم لأجل سَبْقِهم إليه وهؤلاء قد سبقوا إلى تحجُّر ما عمروهُ وتحجروه محيطيًا وفرعًا وغيرهما والسبقُ من حيث الحقَّ كما دل عليه حديثُ أبي داودَ: "من سبق إلى ما لم يَسْبِقْ إليه مسلمٌ فهو له" (٢). أخرجه أبو داود.
وهاهنا يسلِّمُ الجوابَ سيدي العلامةُ ـ تولاه الله ـ لأنه دليلُه على المنع، ثم صرَّح بقلمه بما يقطع يقطع مادةَ اعتراضه بقوله ـ تولاه الله تعالى ـ، فدلَّ على أنَّ من سبقَ إلى شيء من الكلأ لم يَسْبِقْ إليه غيره بإحياء، ولا تحجُّرٍ، ولا قطْعٍ كان أحقَّ به، والحدود تستلزمُ أنَّ ما كان في الحد فهو لصاحبه، فقد جرى ما نريدُه على لسانه وكفانا مَؤُنَةَ التطويل.
قلتُ: وقوله ـ تولاه الله تعالى ـ أنَّ جميع الأدلة [٣أ] مخالفةٌ لما شرعه رسولُ الله ﵌، لأنَّ القياسَ أحدُ أدلةِ شريعته ﵌ المطهرة، ولم يخالف فيه إلاَّ من شد كالنَّظَّامِ (٣) والخوارجِ، كيف وقد نبَّه عليه في قياس العكس في وضع الشهور الحرام مما ذكره في شرح جمع الجوامع (٤) للمحلي وقوله أو التوالي كان على قصد دين في خبر الخثعمية (٥).
стр. 3064
فنقول: بل موافقةٌ، لأنَّه ﵌ قد اعتبر المصحلةَ الدافعةِ للضررِ في هذا الباب، الأمرُ إلى فعلِه في قصةِ أبيضَ بنِ حمالٍ حَبْر وفد إلى النبيِّ ﵌: "فأقطعَهُ الملحَ بعد أنْ سأَله فلما ولي قال رجلٌ في المجلس: أتدري ما أقطتَه الماء العدَّ قال: فانتزعه رسولُ الله ﵌ وسأله عما يحمي من الأراكِ، فقال: "ما لم تنلْه أخفافُ الإبلِ".
رواه الترمذيُّ (١)، ففيه أنه لا يجوزُ إقطاعُ الحقِّ العام إنْ أدَّى إلى الضررِ وحيث لا ضررَ أجازه، ولهذا أقطَعه ما لم تَنَلْهُ أخفافُ الإبلِ.
قلتُ: الماءُ العدُّ هو الماء الدائمُ (٢) الذي لا ينقطع (٣)، وجمعه إعدادٌ، ونهيُهُ عن حمى الأراك إلاَّ ما لم تنلْه أخفافُ الإبل أي لم تبلغْه أفواهها بمشيها إليه وقال: الأصمعي: الخفُّ الجملُ المسِنُّ والجمعُ أخفافٌ، أي ما مرَّتْ من المرعي لا يُحْمَى بل يتركُ لمسانّ الإبلِ، وما في معناها من صغار الإبل التي لا تقوى على الإمان في طلب المرعي.
ذكره في نهايةِ ابن الأثيرِ (٤). فالمتحجَّر في الحدود، ولا ضرر فيه، لأنَّ كلَّ أحدٍ قد رضي بما يليهِ، ولا ضرر فيه على سائر المسلمين، فالذي فهمنا من تجنبه النصَّ أنَّ بيعَ الحِمى لأجْلِ الضررِ، والحدودُ شُرِعَتْ لدفع الضَّررِ المؤدي إلى سَفْكِ الدماء على وجهٍ لا يمكنُ إجراءُ أحكامِ الشريعة فيهم، ولم يكن مخالفًا للأدلة؛ لأنَّ القياس (٥) المرسلَ قد أسستْ عليه كثيرٌ من أحكام الشريعةِ، وهو قريب من .........................
стр. 3065
الاستحسانِ (١) في أحد الأقوال، لأنه وقع فيه اضطرابٌ (٢)، أعني في حقيقةِ الاستحسانِ.
стр. 3066
وقد استحسنَ جماعةٌ من العلماء أشياءَ كثيرةً في العبادات والمعاملاتِ كما حكى عن بعض الأئمة أنَّه كان يمنعُ الناسَ عن المعاملة في السَّلْمِ أن يقعوا في الرِّفقِ مع جَهْلِهم. وما استدلَّ به ـ تولاه الله ـ في منع الماء من الأحاديث (١) فصحيحٌ، ولكنْ ما سبقَ إليهِ الحقُّ فهو للسابقِ كما ذكرناه في العشبِ، لأنَّ لفظ الحديث عامٌّ في كل مباح، ولهذا جرتْ عادةُ الناسِ بمنع الدخول إلى آبارهم التي في دورِهم وبساتينِهم، والحديثُ عامٌّ: "المسلمونَ شركاءُ في ثلاثٍ" (٢) كما تقدم. فما أدري من أين التخصيصُ للباقي ـ عافاه الله ـ في غير داره، لو دخل أحد يترعُ لَعُزِّرَ بأنواع التعزيرِ إن لم يكن سبقَ الحقَّ، أو يكون من حديثِ بئرِ رومةَ (٣) حين شرَاها عثمانُ وسبَّلها، وجعلَ دلوه فيها كدلاء المسلمين، فيجوزُ للمالك أن يمنعَ على بئرهِ المملوكةِ أعني من استعمالِ ملكِه، ولو أدى إلى منع الكلأ، لأنَّ الحديثَ (٤) ورد فيما لم [٣ب] يَسْبِقْ إليه أحدٌ فيكونُ سبيلُ المتحجِّر من المراعي سبيلَ ما يتحجّر لمرافقِ القريةِ لحاجتِهم إليه، وأنا أضرب له مثالاً ـ عافاه الله ـ لو كان عشبٌ بين جبلينِ في بطنِ وادٍ يسعُ قدرًا معلومًا من الشاء والإبل نحو ألفٍ، فورد عليه أهلُ قريتين في لحظةٍ واحدة، وهو لا يكفي إلاَّ إحداهما، وثار بينهم الخصامُ كلٌّ يريدُ الاستبدادَ به فيقولُ: لا يصلُحُ شأنُهما إلاَّ قسمتُه بينَهما ونضرب محجَّرًا قاسِمًا يدفعُ الخصامِ، ويرتفعُ به الضِّرارُ، وإن قلنا أنتم سواءٌ ألقيناهُم في الحيرةِ
стр. 3067
الله تعالى ـ فما أرى هذه الحدودَ إلاَّ من جنسِ إقطاعِ ما لم يسبق إليه حقٌّ مسلمٍ، فتقرير الإمام القاسمِ ومَنْ بعدَهُ لهذه المحاجِرِ من الإقطاع كما أقطعَ رسول الله ﵌ بلال بنَ الحارث المزني، معادنَ القبليَّة جَلْسيَّها وغوريَّها، وحيثُ يصلُحُ الزرعُ من قُدْسٍ، لم يعطهِ حقَّ مسلمٍ. هكذا رواه أحمد (١)، وأبو داود (٢). تفسيرُه (٣): الغورِ ما انخفضَ من الأرضِ، والجلسُ ما ارتفعَ منها.
وقوله: من قُدس هو بضمِّ القافِ، وسكونِ الدالِ جبلٌ معروفٌ. وقيل هو الموضعُ الذي يصلح للزراعة. وفي كتاب الأمكنةِ "أنه قريسٌ" قيل: قريس وقَرْس: جبلان قربَ المدينةِ ذكره في النهاية (٤)، فاعرفْ أنه ﵌ أقْطَعَهُ ما يصلح للزرعِ، وما يصلح الزرع الكلأُ عادةً. والله أعلم. وهنا انتهى الجواب باختصار.
المسألة الثانية من مسائل السؤال: أنها إذا ساغتِ الحدودُ المذكورةُ فهل يجوز تضمينُ من يختصُّ بذلك من قتلٍ ونهبٍ وسَلْبٍ؟.
المسألةُ الثالثةُ من مسائل السؤال: أنه إذا كان في ذلك الحدِّ طريقٌ وقع فيها القتلُ أو النَّهبُ، ولا يختصُّ بها أهل الحدِّ فهل يجوزُ تضمينُ أهل الحدِّ وإن كانتِ القسامةُ الشرعيةُ غَيْرَ ثابتةٍ، لأنَّ تَرْكَ تضمينهم قد يؤدي إلى أنهم يفعلون في تلك الطريقِ من الأفاعيلِ ما يكون سببًا لانقطاع المارَّةِ؟.
فأجاب ـ تولاه الله ـ أنَّ من قال [٤أ] يسوغُ له تعذيبُ عباد الله، أو قتلُهم، لأنَّ الله ـ سبحانه ـ يبتليهم بالأمراضِ والموتِ، أو قال يجوزُ له سلبُ أموالهم لمصلحة لأن الله قد يبتليهم بمثل ذلك أو قال إنه يجوز تسليطُ بعضهم على بعض، لأنَّ الله قد يفعلُ ذلك، لم يكن هذا القائلُ في عداد العلماء، بل لا يكون في عداد العقلاء.
стр. 3068
قلت: هذا فَرَضُ ما لم يقعُ ولا يُسْمَعْ به. قال ﵁: ومن هنا يُعْلَمُ بطلانُ استدلالِ بعضِ المتأخرينَ على جواز تغريمِ أهل قريةٍ من القرى، أو مدينة من المدن ما يوجد في حدودهم أو طرقِهم الخاصةِ بهم، أو العامَّةِ لهم ولغيرهم من جناياتٍ، وأموالٍ منهوبةٍ، أو نفوسٍ مسلوبةٍ، حيث لا تصحُّ القسامةُ الشرعيةُ بما فعله الله تعالى من معاقبةِ قوم عاقرِ الناقةِ، وشمولِ العذابِ للفاعل ولغيره، فإنَّ هذا فِعْلُ من لا يُسْألُ عما يفعلُ. وأبطلَ من هذا استدلالَ منِ استدلَّ على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١)؛ فإن هذه الآيةَ ليس فيها إلاَّ التحذيرُ من الفتن إلى أن قال ﵁: فكيف يصحُّ الاستدلالُ بهذه الآيةِ على جوازِ تعميمِ العقوبةِ منَّا لمن يعلم أنَّه لم يكن من تلك في شيء؟.
قلتُ: الكلام في هذا من وجهينِ:
الأولى: في صحة دعوى القسامةِ على نقل الحدِّ، مع كون الحد قد يكون في طريقٍ عامٍّ لا يختصُّ بمحصورين.
الوجه الثاني: أنْ يستدَّ المستدلُّ بفعلِ الله تعالى في عبادِه.
فنقول: ما قصَّه الله تعالى في قصصِ الأنبياءِ فقد أخذَ العلماءُ منه أحكامًا من غير نكيرٍ وليس المرادُ أنه من سؤاله تعالى عن فعلِه في خلقِه حتى يكونَ داخلاً في النَّهي الذي قوله : ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٢) وجه ما ذكرناه أنَّهم قد أخذوا من قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (٣) أنه ينبغي تظعيمُ العلماء، لأن الملائكةَ ﵈ لما أنبأهم آدمُ بالأسماء (٤)، ورأو معه من العلم
стр. 3069
ما لم يعلموه عظّموه، وأنه يجوز السجودُ لغير الله، لكنه محمولٌ أنه على جهة التحيةِ والتعظيمِ (١) حيثُ لم يعلم صفتَه كما ذكره قاضي القضاة في المحيط. هذا التأويل حيث لم يكن جائزًا في شريعتنا، وقد ذكر فيه [٤ب] وجوهًا كثيرًا من التأويلِ، ليس الغرضُ الاستيفاءَ، إنما المرادُ التنبيهُ على رؤوسِ المسائل.
ومنها قوله ما ذكره الله تعالى في اصطفاء طالوتَ حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) قال بعض المفسرين (٣): إن حرفته الدباغةُ، وقيل السقايةُ فقالوا: يؤخذ من الآية. ويؤخذ منها أنَّ النبوةَ والإمامةَ لا يشترطُ فيها أن يكون صاحبُها ممن له حرفةٌ رفيعةٌ، أو أن يكونَ غنيًّا، لأنه قد روي أنه كان فقيرًا فاستنكر قومُهُ فَقْرَهُ. وفي قصة صالحٍ (٤) المذكورةِ في عَقْرِ الناقةِ أنَّ الساكتَ كالراضي أُخذ من قوله: فعقروا الناقةَ، وذلك لما حصَلَ بينَهم وبين فاعلِ العقرِ من التراضي، ولم يقل أحدٌ من العلماء فيما رأيتُه أنه يُؤخذ منه دعوى القسامةِ. ومنها: ما ذكرَهُ في قصة قوم لوطٍ في تعذيبهم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (٥)
стр. 3070
فأَخَذَ منها أميرُ المؤمنين عليٌّ ﵇ عمر بن الخطاب ﵁ وعثمان ﵁ أنه يُلقى على اللائطِ (١) حائط.
وعن ابن عباس (٢) يلقى من أعلى إلى أسفلَ في أعلى بناءٍ في البدل ثم يُتبعُ الحجارةَ. وفي القرآن شيءٌ كثير لو استوفيناه لخرجْنا عن المقصودِ، فعرتَ أنَّهم أخذوا أحكامًا من فعل الله (٣)، لأنه من باب السؤال عمّا يفعلُ فَذَا مِنَ التعرضِ للإحاطةِ بحكمة اللهِ في خلقِ الخلقِ، وكما تعرَّضَتِ الملائكةُ ﵈ بقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (٤) الآية، فلم يُشْفِهم تعالى من الاطَّلاع عليه، بما يَشْفي غُلَّةً، ولا أجابَ عليهم إلاَّ بعلمِه ما لا يعلمونَ في الجملة، ثم قمعَهم بإظهار آدم ﵇ حين علَّمه الأسماءَ فأنبأهم بها معارضةً لما توهَّموه من الفسادِ المحضِ. ومثلُ ذلك ما لا يكونَ لا يسألُ عما يفعل وهم يُسْألونَ.
هذا هو الذي يرادُ من معنى الآية [٥أ] فما قضتْ به حكمتُهُ فهو يحملُ عليه معنى النَّهي في الآية أنَّه لا يسأل عنه. ولْنَذْكُرْ شاهدًا على ما ذكرناه: أخرج البيهقيُّ في كتاب الأسماء والصفات (٥) عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، "قال: لما بعثَ الله موسى ﵇ وكلَّمه [وأنزل عليه التوارة] (٦) فقال: اللهم إنك ربٌّ عظيمٌ، لو شئتَ أن تُطاعَ لأُطعتُ، ولو رضيتَ أنْ لا تُعْصى ما عُصيتَ (٧)، فكيف هذا يا ربِّ!؟ فأوحى الله تعالى إليه أني لا أُسأَلُ عما أفعلُ وهم يسألون، فانتهى موسى. رواه
стр. 3071
الهيثميُّ في مجمع الزوائد (١)، وعزاه إلى الطبراني (٢) أيضًا، وزاد: "فلما بعثَ الله عُزيْرًا يسألُ الله مثلَ ما يسأل موسى ثلاثَ مرَّاتٍ فقال له: أتستطيعُ أن تصر صُرَّة من الشمس قال: لا، قال: أتستطيع أن تجيء بمكيال من الريح؟ قال: لا. قال: أفتسطيع أن تأتي بمثقالٍ من نور؟ قال: لا. قال أفتستطيع أن تجيء بقيراطٍ من نور؟ قال: لا، قال: فهكذا لا تقدِرُ على الذي سألتَ عنه إني لا أُسأل عما أفعل وهم يسألون، أما أني لا أجعل عقوبتَك إلاَّ أن أَمْحُوَ اسمكَ من الأنبياء فلا تُذْكَرُ فيهم فمحا اسمه من الأنبياء فليس بذكر فيهم وهو نبيٌّ، فلما بعثَ الله عيسى ﵇ (٣) [طلبَ مثلَ ما طلبه عزيرٌ فأقسم الله] (٤) لئن لم تنتهِ لأفعلنَّ بك كما فعلتُ بصاحبك بين يديكَ، إني لا أُسأل عما أفعل وهم يسألون، فجمع عيسى تبعته فقال: القدَرُ سرُّ الله فلا تَكَلَّفوه "فهذه هي الحكمةُ التي نهى الله تعالى عن السؤالِ عنها. لا يُسألُ عما يفعلُ وهم يُسألون: اللهم تَعبَّدْ ألسنتنا على التكلُّم بما يرضيكَ، ونعوذ بك من السخط وأسبابه، والتعرضِ لما لا يعني من الأقوال والأفعال، واجعلِ الأعمالَ خالصةً لوجهك يا ذا الإكرام والجلال.
قوله تولاه الله: وأبطلُ من هذا مَنِ استدلَّ بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٥)، السائلُ أورد هاتين الآيتينِ، وهما بمعزل عن الدليل
стр. 3072
بهما في ثبوت القسامةِ، ونهْبِ الأموالِ، والمجيبُ ـ عافاه الله ـ حملَهما على غير ظاهرهما فلما جرى الكلام في الآية الأولى [٥ب] فتكلَّم في الآية [الثانية] (١)، وكان من حقِّ المجيب ـ عافاه الله ـ أن يقول: لا مأخذ من الآيتين، قال ﵁: هذه الآيةُ ليس فيها إلاَّ التحذيرُ عن أسباب الفتنِ ... إلى أن قال: فالمرادُ من الآية الكريمةِ التحذيرُ لمن لم يتلَّبسْ بأسباب الفتنِ عن أن يدعَ الجدَّ والاجتهاد في دفع تلك الأسبابِ، وهذا هو معنى إبقائها الذي أمرنا الله لأنَّ التفريطَ في هذا الاتقاء يؤدي إلى إصابة الفتنِ لمن تلبَّس بأسبابها، ومن لم يتلبَّسْ، وما كان هذا مالَهُ فما أحقَّه بأن يتَّقيهُ كلُّ أحد، وأكثر ما تكون هذه الإصابةُ العامةُ في الفتن الجاهلية، أو ما يلتحق بها من الفتن، فكيف يصحُّ الاستدلالُ بهذه الآية على جواز تعميم العقوبةِ! قد أطال الكلامَ ـ تولاه الله ـ وهذا بعض منه.
فالآية هذه لم يكنْ في ذهني أنها ما عُدَّتْ في آيات الأحكام، والتفسير الذي ذكره ـ تولاه الله تعالى ـ أنها محمولة على ترك الأسباب لم أجدْه (٢) إلاَّ أنَّ الذي في الكشاف (٣) أنَّ المرادَ إقرارُ المنكر بين أظهرهم، أو افتراقُ الكلمةِ. وقيل: المرادُ بالفتنةِ العذابُ. ثم قال ما معناه: لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصَّةً، أي لا تصيبُ الظالمينَ منكم خاصَّةً، ولكنها تعمُّكم كما يُحْكى أنَّ علماء بني إسرائيلَ نهوا عن المنكر تعذيرًا فعمهم الله تعالى بالعذاب، ومعنى تعذيرًا أي تقصيرًا بمعنى مقصِّرينَ. وقيل: نزلتْ في عليٍّ ﵇ وعمارٍ وطلحةَ والزبيرَ ﵃ وهو يوم الجملِ خاصَّةً. قال الزبير: نزلتْ فينا وقرأناها زمانًا، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيونَ بها. وعن السُّديِّ: نزلتْ في أهل بدر فاقتتلوا يومَ الجملِ. هذا معنى الآية عن إمام المفسرينَ وقُدوتهم، وحاملُ ألويةِ علمِ البيانِ، وتُرجمان ما أنزله الرحمنُ ـ جزاه الله عن المسلمين الجزاءَ الأوفر ـ.
стр. 3073
أما مسألةُ تضمينهم ما نُهبَ من المال فلا وجْهَ له في الشريعة، والأمرُ ظاهرٌ، ومسألة صحَّتْ دعوى القسامةِ فالقسامةُ قد جُعِلَتْ مما ورد على خلاف القياس، فيجب الوقوف على وجه الذي جاء عن الشارع، فإن استحسنَ ذو الولاية مع علمه وورعِهِ وملاحظتِهِ ما فيه المصلحةُ لحقنِ الدماء وصيانةِ الأموالِ فلا حرجَ عليه؛ فقد كان عمر ﵁ استحسنَ أشياءَ، ولا يُنْكَرُ عليه، ومن جملتها ما ذكره الأمير الحسينُ في الشفاء أنَّ قومًا امتنعوا عن بيع دورِهم ليجعلَها المسلمون في الحرم لتوسيعهِ، فجعل عمر بن الخطاب أثمانَها في بيت المال، ولم ينكر عليه أحدٌ من المسلمين في عصره، وكان ذلك في قابِهم مع أنه لا ضرورةَ في الدين، ولا حاجةَ ضروريةَ، لأنَّ الصلاة ممكنةٌ في كل مكان، وأحاديث القسامةِ فرَّعوا عليها تفريعًا كثيرًا وفيها من التعارضِ فات كل عين النظر في مسالكه ليس الكلامُ عليها من الغرض المقصود والله أعلم. وفوقَ كل ذي علم عليم.
هذا ما انتهى إليه نظري، وكلُّ مجتهم مصيبٌ (١)، والله يُلْهِم إلى صالح الأعمال والأقوالِ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا ولي الأفضال.
حرره في شهر ربيع الآخر سنة ١٢١٤ بقلم مؤلفه حسينِ بنِ يحيى بن إبراهيمَ الديلمي عفا الله عنه، وعن آبائه والمسلمين أجمعينَ [٦ب].
стр. 3074
(١٢١) [٣٠/ ٢]
إرشاد الأعيان إلى تصحيح ما في عقد الجمان
تأليف محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3075
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "إرشادالأعيان إلى تصحيح ما في عقد الجمان".
٢ - موضوع الرسالة: "فقه".
٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم الله الرحمن الرحيم" الحمد لله ربِّ العالمين وصلاته وسلامه على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين ... ،
٤ - آخر الرسالة: "كان تحرير هذه الأحرف في النصف الأول من ليلة الاثنين إحدى ليالي شهر جمادى الآخرة سنة ١٢١٤هـ.
بقلم مؤلفه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما، وتجاوز عنهما وعن جميع المسلمين آمين.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ٢٢ صفحة + صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٧ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة.
٩ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني.
١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3076
بسم الله الرحمن الرحيم الله
الحمدُ لله رب العالمينَ، وصلاتُه وسلامُه على سيدنا محمد الأمينَ وآله الطاهرينَ.
وبعدُ:
فإني وقفتُ على ما حرره مولاي السيد السَّنَدُ، العلامةُ الأوحدُ، بقيةُ الأعلام، حسَنَةُ الآلِ الكرام الحسينُ بن يحيى الديلمي (١) ـ كثر الله فوائده وبارك للمسلمين في أيامه ـ من الأبحاث النفيسة المقبولة على رسالتي المسماة "عِقْدُ الجمانِ في شأن حدود البلدانِ وما يتبعها من الضمان". ولما كانتِ المذاكرةُ العلمية من أعظم القُرَبِ المقرِّبة إلى الله ـ سبحانه ـ حداني ذلك إلى الكلام معه ـ عافاه الله ـ في بعض ما حرره من المباحث.
قال ـ كثر الله فوائده ـ: ورأيتُ كلامًا ذكره القاضي أحمدُ بن يحيى حابس (٢)، وهو ممن عاصر الإمامَ القاسمَ بنَ محمد.
أقول: القاضي المذكورُ أدرك أيام الإمام ﵇ في إبَّانِ شبابه، ولم يصر رأسًا في العلم والتدريس والتأليف إلاَّ بعد موتِ الإمام سنة ١٠٢٩، ومات القاضي سنةَ ١٠٤١ كما حرَّرتُ ذلك في "البدر الطالع" بمحاسنِ مَنْ بعدَ القرن السابع (٣) وبهذا يتبينُ
стр. 3077
صحةُ ما ذكره الشرفي ـ عافاه الله ـ من معاصرة القاضي الإمام.
قوله: قال في المقصد الحسن: وإجراءُ المحاجرِ مجرى الأملاك ... إلخ.
أقول: اعلم أن رسالتنا في الحدود الموضوعةِ بين قريتينِ أو أكْثَرَ بحيثُ يكون المستحقُّ من الكلأ والماء لأهل هذه القرية إلى مكان معلوم، ولأهل القرية الأخرى إلى مكانٍ كذلك لا يتعدّى هؤلاء إلى حدِّ هؤلاء، ولا هؤلاء إلى حدِّ هؤلاء.
وأما المحاجرُ فهي في العُرْف غيرُ الحدودِ، فإنها تواطؤُ أهلِ قريةٍ من القرى على أن يمنعون رِعْيانَهم من بعض أوديتِهم أو جبالِهم ليتوفَّر الكلأُ في ذلك المكان، ويكون مدَّخرًا لهم من أيام الخِصْبِ إلى أيام الجَدْبِ، فيرعَونَ فيه سوائِمَهم عند الحاجة إليه. فالذي تكلَّم عليه ابنُ حابس هو هذا، وهو غير الحدودِ التي كلامنا فيها [١أ]. وفَرْقٌ بين المحاجرِ والحدودِ؛ فإن المحاجِرَ ليس فيها المنعُ من الكلأ المباح إلاَّ لمصلحة راجعة إلى الممنوعينَ، وهي انتفاعُهم به في أيام الحاجة إليه، وهو باقٍ لهم مُدَّخَرٌ لمواشيهم بخلاف الحدود بين البلدانِ، فإن وضْعَها لمنع بعض المواضعِ عن البعض الآخرِ منعًا مطلقًا، وتخصيصَ استحقاقِه بالبعض الآخر، وهذا هو المنع الذي تردُّه تلك الأحاديث التي حررناها في الرسالة (١) المذكورة، وهذا الذي يسمونه مَحْجَرًا عُرْفًا هو الذي كانت العربُ تسميه حِمًى، وقد ذكرنا في الوجه الثالث من الأدلة في "عقد الجمان" الأدلةَ القاضية بتسويغه، والقاضيةَ بمنعه، وفرَّقنا بينه وبين الحدود، فلْيُرَاجِعِ الشرفيُّ ذلك ـ كثر الله فوائده ـ وبالجملةِ فكلامُ ابن حابسٍ الذي نقله الشرفي مستدلاً به على ما قاله في تلك الأبحاثِ، مصرِّحًا بأنه لم يقف في المسألة على كلام لأحد من المجتهدينَ سواهُ هو في غير ما نحن بصدده من الحدود، فحينئذ لم يبقَ قائلٌ من أهل الاجتهاد يقول بتسويغ الحدودِ المعروفةِ باعتراف مولانا الشرفي ـ كثر الله فوائده.
стр. 3078
وأما قول ابن حابس ﵀ بأنَّ ضربَ الأعلام فيها التي يعتادونَها يوجبُ الملكَ لأنَّ للعُرفِ مجالٌ، وأيُّ مجال، أو من باب النظرُ في تسكين الدهماء!.
فأقولُ: اعلم أن التخصيص بالأعراف (١) للأدلة الشرعية عند مَنْ قال به مختصٌ بالأعراف التي لأهل الشرع عند نزول القرآن الكريم، مع وجود رسول الله ﵌ بين ظهرانِيْهم، فما كان من الأعراف بهذه المثابةِ فقد قال قائل من أهل الأصول بصلاحيته، لتخصيص عمومات الأدلةِ الشرعيةِ.
ووجهُ ذلك ما ذكروه من أن الخطاباتِ الواردةِ في التفريعات هي لقوم قد تعارفوا بكذا، فكان المرادُ منها ما استقر في عُرْفِهم، ولكنَّ الحقَّ عندي عدمُ صلاحية العُرْفِ الكائنِ على هذه الصفةِ للتخصيص حسبما قرَّرَتُ ذلك في غير هذا الموطنِ، وهذا في الأعراف الثابتةِ للمخاطبينَ بالخطابات الشرعية عند حدوث الشريعة، وأما الأعرافُ الحادثةُ بعد انقراض الصدر الأول فلا يقولُ قائل بحمل الخطاباتِ الشارعِ عليها، وكيف يقول بذلك والأعراف اصطلاحيةٌ! لكل أحد [١ب] من الناس أن يتعارفَ هو وقومُهُ بما شاء، فإذا حدثَ مثلاً بعد انقطاع الوحي، وموتِ صاحبِ عُرْفٍ لقوم اصطلحوا عليه، فهل يتجاسرُ عالِمٌ على حمل الخطابات الشرعيةِ على هذا العرفِ الحادثِ في الاصطلاح، أو على تخصيص الأدلة الشرعية (٢)
والحقُّ أ، ها لا تخصَّص لأن الحجة في لفظ الشارع وهو عامٌّ والعادةُ ليسن بحجة حتى تكون معارضةً له.
انظر: "تيسير التحرير" (١/ ٣١٧) و"المسودة" (١٢٤ - ١٢٦).؟ وهو شيء اخترعتُه طائفة من الطوائف، وابتدعته
стр. 3079
فرقةٌ من الفِرق! هذا هو العجبُ ولو كان صحيحًا لكانت الشريعةُ دائرةً بين الاصطلاحات الحادثة المتجددِّة تابعةً لها، فمن رامَ المخالفةَ لحكمٍ من أحكام الشريعة تواضَعَ هو وقومُهُ على شيء من الأعراف المخالفةِ للشرع، واستراحوا منا لتعب، وألْقَوْا عن أعناقهم ما يثقل عليهم من الشرعيات. فرحم الله ابن حابس كيف جرى قلمُه بقوله: للعرف مجالٌ وأيُّ مجال. وأيُّ مجال لعرفٍ حدث بعد ألف سنة من موت رسول الله ﵌! فإنْ كان يريد العرف في الحِمَى الذي كان ثابتًا في أيام الصحابة ﵃ فكان يغنيه عن هذا أن يستدلَّ بما أخرجه البخاري، وأحمد، وأبو داود من حديث الصَّعبِ بن جُثامَةَ (١) أن النبيَّ ﵌ حَمَى النقيع، وكذلك أخرجه أحمد من حديث ابن عمر (٢) فما بالُه عوَّل على مجرد العرف. وفي المقام سُنَّةٌ ثابتةٌ.
نعم الأعرافُ محكمةٌ فيما يتجاوزُ به جماعةٌ إذا تكلَّموا بشيء فيما بينهم حمل على أعرافهم، مثلاً إذا حلفَ الحالفُ على شيء حُمل على عُرْف بلده، وكذلك إذا وهب أو ملَّكَ أو نحو ذلك. وأما حمل الخطابات الشرعية على [الأعراف] (٣) الحادثة فهذا لم يقل به أحدٌ من المسلمين، وما ذكره أهل الأصول في العرْفيات العامَّة، والعرفيات الخاصَّة، فهو مرادٌ به ما ذكرناه.
وأما قول ابن حابس: أو من باب النظر في تسكين الدَّهْمَاء.
فأقولُ: قد قررنا في تلك الرسالةِ (٤) أنَّ هذه الحدود صارت من أعظم أسباب الفتنِ
стр. 3080
والمِحن، وأوضحنا ذكل بما لا مزيدَ عليه، فليس في الحدود إلا إثارةُ الفتن وتحريكُ الدهماء، وإراقة الدماء، وتهييج الشحناء، فإن التبسَ [٢أ] عليك هذا فها نحن نوضح لك الأمر في صورة معلومة عند كل أحد، وهي أن أكثر ما يحدث من الفتن بين الناس إنما يكون بعد قسمة الحدود بخلاف المشركين في الحدود، فإنك لا تجدُ بينَهم شيئًا من الفتن.
ومن تتبع هذا بالاستقراء على أن الشر كل الشر في مخالفة الشريعة بضرب الحدود التي أفضتْ إلى منع ما جعله الله شرِكَة بين عباده، في جميع بلاده، على لسان رسوله. ومن التبسَ عليه هذا فلْيسْألْ سُكان البوادي عن الفتن الحادثة في محلِّهم، هل هي بينهم وبين من قد ضُرِبَت بينهم الحدود، أو بينَهم وبين من لم يضرب بينهم الحدود؟ فإنه لا محالة سيخبرونه بأن هذه الفتن المشتعلة نارُها ليست إلا بينهم وبين من قد ضربت بينَهم الحدود في جميع البلاد. وهذا لا يكاد يلتبس عند من مارس أحوال الناس أدنى ممارسة.
قوله: هذا قول حسنٌ، وقد ورد في هذا حديثان:
أحدُهما: "المسلمون شركاء في ثلاث" (١).
والثاني: "من سبقَ إلى ما لم يُسْبَقْ إليه" (٢). [و] (٣) قد ذكرتُ في الرسالة (٤) الكلامَ عليه، وتصحيح بعض الحُفَّاظ له، وقد جعله الشرفي ـ عافاه الله ـ هاهنا دليلا للكلام الذي قدَّمه عن ابن حابس، ولا يخفى أن كلامَ ابن حابس ليس هو في مسألة السؤال التي أجبنا عليها، بل هو المحاجر التي هي الحمى كما قدمنا.
стр. 3081
وتلك مسألةٌ أخرى، وإن شاركت مسألة السؤال في بعض الوجوه. وحينئذ لا وجه للاستدلال على المحاجر بحديث: "من سبقً ... إلخ"؛ لأنه لم يسبق إليها أحدٌ، وإنما اجتمعَ رأيُ أهل القرية على أن يجعلُوها حِمَى، وايضًا لو فرضنا أن كلامَ ابن حابس في الحدود لم يصحَّ الاستدلالُ على جوازها بحديث: "من سبق ... إلخ" لوجوه:
الأول: أن هذا الحديث حجة على الشرفي ـ عافاه الله ـ لا له، لأنَّا إنما منعنا الحدود لأجل أن يكون الناس [٢ب] مشتركين في الكلأ ونحوِه، ومعنى الاشتراك أن يكون للجميع، ومن سبق منهم إلى شيء كان أولى به، فالحديث حجةٌ لمن قال بعدم جواز الحدود؛ إذ هي بعد ضربها مانعة عن معنى الحديث، وهو أن من سبق إلى شيء فهو أولى به، بل ليس لكل أحد إلاَّ ما في حدِّه، سواءٌ كان سابقًا أو مسبوقًا، فإن قال الشرفي ـ كثر الله فوائده ـ: أن المراد بالسبق هو ضرب الحدود فليس ذلك بصحيح، إذ من المعلوم أنَّ الكلأ الذي كلامُنا فيه يحدُثُ في السنة مراتٍ، فإذا فرضنا أنه حدث كلأ بعد ضرب الحدو، ثم سبق إليه كلامُنا فيه يحدُثُ في السنة مراتٍ، فإذا فرضنا أنه حدث كلأ بعد ضرب الحدود، ثم سبق إليه غيرُ صاحب الحدِّ فهل يقول الشرفي بأنه أولى به أم لا؟ إن قال بالأول فهو ما نريده من عدم ابتداع الحدود المفْضيةِ إلى منع ما أباحه الله. وإن قال بالثاني، قلنا له هذا خلافُ الحديث الذي جعلتَه دليلا لك، وإن قال إنَّ ضارِبَ الحدود سابقٌ إلى ما لم يَسْبِق إليه أحدٌ فنقول: هذا باطلٌ، فإنه لم يسبق إلى تحجُّر الكلأ، بل وضع أحجار على ظهر الأرض، فكيف يستحقُّ من الكلأ ما يحدث بعدَ ذلك مرةً بعد مرةٍ! وهل هذا إلا مخالفٌ لحديث السَّبْقِ، وللأحاديث الدالة على اشتراك الناس فيه، المذكورة في تلك الرسالة.
الوجه الثاني: أنْ لو سلَّمنا تنزلاً أن السبقَ صادقٌ على صورة وضع الحدودِ، فنقول: لا يخفى على عارفٍ أن حديثَ السبق أعم من حديث: "الناس شركاء في ثلاث"، وبيانُه أنَّ قوله: "من سبق إلى ما لم يُسبق إليه" فيه صيغتان من صيغ العموم (١).
стр. 3082
الأولى: لفظ (من) العامَّةِ في الأشخاص.
والثاني: لفظ (ما) العامَّة للثلاثة وغيرِها؛ فإن الحديث في قوَّة: أيُّ شخصٍ من الأشخاص سبقَ إلى شيء من الأشياء فهو أولى به. وظاهرُه عدمُ الفرق بين الثلاثةِ وغيرها فيكون حديث الثلاث [٣أ] مخصِّصًا له، فيحصل من المجموع أن من سبق إلى شيء فهو أولى به ما لم يكن ذلك الشيء أحد الثلاث المذكورة، وبناءُ العامّ على الخاص مجمع عليه. هذا على تسليم أنَّ في الحديث رائحة دلالةٍِ على ما ذكره الشرفي، وإلا فنحن لا نشكُّ أنه حجةٌ عليه كما سلفَ. وبهذا تعرف أنَّ ما استدلَّ به ـ عافاه الله ـ هو دليلٌ لمخالفة وأنه على فرض التسليم عامٌّ لا خاصٌّ كما قرره، ولهذا أوردناه في أدلة المنع من الحدود كما ذكرناه في تلك الرسالة.
الوجه الثالث: أن قوله: فيكون الأول عامًّا محمولاً على عدم السبق ينافي مرادَهُ عند إمعان النظر لما قدمنا من أنَّ السبق لا يكون موجبًا للأحقِّية إلاَّ إذا كان الشيءُ على أصل الاشتراك والحدود يمنعُ من ذلك كما قدمنا.
قوله: فإن لم يسلِّم هذا كان من القياس المرسل (١) إلى آخر كلامه.
أقولُ: ليس ضرب الحدود من القياس المرسل في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ، بل هو من القياس الملغي (٢) ليظهر له ما ذكرناه.
وقد حققنا ذلك في الرسالة (٣) التي تكلَّم عليها ـ عافاه الله ـ، وصرَّحنا بأنه من هذا القبيل. وأما ما نقله عن بعض أهل الأصول في بيان مفهوم المناسب الملائم فالأمرُ كما ذكره، ولكنه غيرُ هذا المناسبِ الملْغي، ونحن نزعمُ أن هذه الحدودَ ليست مما يجلبُ نفعًا،
стр. 3083
ولا يدفع ضررًا بل هي مظنَّة لجلب الضَّرر، ومنع النفع كما حققنا ذلك في الرسالة.
وأما خروجه ـ كثر الله فوائده ـ إلى ذكر الضروريات الخسم المعروفة (١) عند أهل الأصول فتلوُّنٌ في البحث، وأين ما نحن بصدده من ذاك؟ وكيف يكون ضربُ الحدود بين البلدان الذي هو سبب إثارة الفتن، وإراقة الدماء مما دعت إليه حاجةٌ ضروريةٌ! وما في ترك الناس على هذه [٣ب] الشريعة الواضحةِ الغراء من ضررٍ! وأيُّ ضرر في شيء شرعه الله لأمته؟ وما املنفعةُ في حَجْرِ أهل هذه القرية عن الكلأ الذي أباحه الله لهم، وحجر أهل القرية الأخرى عن الكلأ المباح بالشريعة المحمَّدية؟ فقد رأينا وسمعْنا أن جميعَ المواضع المشتركة في الكلأ لا يحدُثُ بينهم عُشْرُ معشار ما يحدث بين من ضُرِبَتْ بينهم الحدود، وما أبعد دعوى الحاجة الضرورية التي يعلم كلُّ عاقل خلافَها، وأين الضرورةُ من هذا؟ فيا لله العجبُ أيعيش الناسُ من زمن النبوة إلى بعد ألفِ سنةٍ من ذلك مشتركينَ في الكلأ، عاملينَ بالشريعة الغراء المطهَّرة حتى أوجد الله بعد الألف رجلاً ليس عنده من علوم الاجتهاد نقيرٌ ولا قِطْميرٌ يقال له الشكايذي، فجاء للناس بما يخالفُ الشريعةَ وينافيها، ثم سَرَتْ بدعتُه حتى طبَّقتِ الأقطار اليمنية، وجاء بعده من الحكَّام جماعةٌ هم دون طبقتِه في معرفة المسائل الفقهيةِ فقلَّدوه في ما جاء به من المخالفة البحتةِ للشريعة المطهَّرة، فقامت الفتنُ على ساق، واشتغل صاحب كلِّ محلٍّ بمن يقاربه ممن
стр. 3084
ضُرِبَتْ بينهم الحدودُ، فسُفِكَت الدماءُ، وهُتِكَت الحُرُمُ، ثم إن مولانا الشرفيّ ـ عافاه الله ـ يحتجُّ لهذه البدعةِ الساقطة المخالفة لما هو معلومٌ من الشريعة بحجةٍ لا يجري القلم بمثلها إلا في أمر معلوم بالضرورة الدينية، أو الضرورة العقلية، فيقول: إن ذلك قد دعت إليه حاجةٌ ضروريةٌ، ولعمري ما كان يطمعُ الشكايذيُّ ببعض هذا، وهو معذورٌ لقصور باعه عن النظر في الأدلة، فما عُذْرُ الشرفي! ونحن لا نشك أن الشكايذيُّ ﵀ لو قال له قائلٌ: ماذا صنعتَ بنفسك! خالفتَ الشريعةَ المطهَّرةَ، وأوقعت الناسَ في الفتنة، لما وَسِعَهُ إلاَّ الاعترافُ بالخطأ، والرجوعُ عما فرَطَ منه، فقد كان بمحلٍّ من الورع.
قوله: الجواب عنه من وجوه:
الأول: نفيُ العموم بعدَ وجود المخصِّص من وجهٍ ما.
أقول: الجوابُ عن هذا الوجه من وجوهٍ:
الأول: أنَّ ظاهرهُ أنّ العامّ إذا خُصِّصَ لم يبق متَّصفًا بالعموم، وهو خلافُ ما أطبق عليه أهلُ الأصول (١)؛ فإنَّ العامَّ وإن خُصِّصَ بمخصِّصاتٍ متعدِّدةٍ لا يخرجُ عن كونه عامًّا.
الوجه الثاني: الاستفسارُ للشرفي ـ عافاه الله ـ عن المخصِّص الذي زعمه، وأبطلَ به دلالَة العمومِ ماذا هو؟ فإن كان حديث: "من سبقَ ... إلخ" فقد قدمنا أنه حجةٌ عليه لا له، وإن كان العرفُ الذي زعمه ابن حابسٍ فقد قدمنا إبطاله، وإن كان القياسُ المرسلُ الذي زعمه الشرفيُّ فقد أوضحنا فسَادَهُ.
الوجه الثالث: أن الشرفيَّ قامَ في مركز المنعِ، وليس المقامُ مقامَ المنع، بل المقامُ مقامُ الاستدلالِ، ومركزُ المنعِ هاهنا بيد المتمسِّكِ بالعموم، فيقول: أنا أمنعُ تخصيصَ العموم، وأمنع عدمَ بقاء العموم على عمومِهِ، وعلى مدَّعي التخصيص، أو ذهابِ العمومِ
стр. 3085
الاستدلالُ كما تقرَّر في علم الجدل (١) الذي قال له علم المناظرة، وآدابُ البحث.
قوله: ولكنَّ دلالةَ العامِّ عند أهل الأصول ظنيَّةٌ (٢).
أقول: هذا الاستدراكُ واقعٌ في غير موقِعِه، لأنه قد قرَّرَ سابقًا عدمَ بقاء العمومِ بعد وجودِ المخصِّصِ، وكان القياسُ على مقتضى السياقِ أن يقول: هذه العمومات مخصصَّة، ويوضِّح المخصَّص، ولا حاجة إلى المنع الذي ليس هو وظيفة المستدِل، ولا حاجة أيضًا إلى ذكر ظنيَّة العموم؛ فإن هذا [٤ب] إنما يناظِرُ به من كان مدعيًا لقطعيةِ دلالةِ العموم، ولم ندَّع ذلك في الرسالة، ولا حِمْنَا حوله؛ إذ الكلامُ عليه قد تقرَّر في الأصول ببراهينه.
قولُه: ولهذا خصِّص تخصيصًا ظاهرًا بقوله ﵌: "لا حمى إلاَّ لله" (٣).
أقولُ: إن كان الشرفيُّ بصدد الكلام على تسويغ منع الكلأ بالحدود فالحِمَى أمرٌ آخر كما بيَّناه في أول الكلام، وإن كان بصدد التخصيص لأدلة منع الحِمَى فهو أمرٌ غيرُ ما نحن بصدده، ولا نخالِفُ في أن قولَهُ ﵌: "لا حمى" مُخَصَّصٌ بالمخصِّص المتصل (٤)، وهو الاستثناء بقوله: "إلاَّ لله ولرسوله" ولكنَّ هذا لا ينفع الشرفيّ ولا يضرُّنا، وإن كان بصدد الاستدلالِ على ظنيِّة العموم من غير تعرُّضٍ للبحث الذي نحن بصدده فالمسألةُ أجنبيةٌ، ولها في الأصول براهينُ صحيحةٌ.
قولُه: فالذي فهمنا من نصِّه أنه لدفعِ الضررِ الحاصل بالمنع، فإذا زالتِ العلة جاز