← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وتلك مسألةٌ أخرى، وإن شاركت مسألة السؤال في بعض الوجوه. وحينئذ لا وجه للاستدلال على المحاجر بحديث: "من سبقً ... إلخ"؛ لأنه لم يسبق إليها أحدٌ، وإنما اجتمعَ رأيُ أهل القرية على أن يجعلُوها حِمَى، وايضًا لو فرضنا أن كلامَ ابن حابس في الحدود لم يصحَّ الاستدلالُ على جوازها بحديث: "من سبق ... إلخ" لوجوه: الأول: أن هذا الحديث حجة على الشرفي ـ عافاه الله ـ لا له، لأنَّا إنما منعنا الحدود لأجل أن يكون الناس [٢ب] مشتركين في الكلأ ونحوِه، ومعنى الاشتراك أن يكون للجميع، ومن سبق منهم إلى شيء كان أولى به، فالحديث حجةٌ لمن قال بعدم جواز الحدود؛ إذ هي بعد ضربها مانعة عن معنى الحديث، وهو أن من سبق إلى شيء فهو أولى به، بل ليس لكل أحد إلاَّ ما في حدِّه، سواءٌ كان سابقًا أو مسبوقًا، فإن قال الشرفي ـ كثر الله فوائده ـ: أن المراد بالسبق هو ضرب الحدود فليس ذلك بصحيح، إذ من المعلوم أنَّ الكلأ الذي كلامُنا فيه يحدُثُ في السنة مراتٍ، فإذا فرضنا أنه حدث كلأ بعد ضرب الحدو، ثم سبق إليه كلامُنا فيه يحدُثُ في السنة مراتٍ، فإذا فرضنا أنه حدث كلأ بعد ضرب الحدود، ثم سبق إليه غيرُ صاحب الحدِّ فهل يقول الشرفي بأنه أولى به أم لا؟ إن قال بالأول فهو ما نريده من عدم ابتداع الحدود المفْضيةِ إلى منع ما أباحه الله. وإن قال بالثاني، قلنا له هذا خلافُ الحديث الذي جعلتَه دليلا لك، وإن قال إنَّ ضارِبَ الحدود سابقٌ إلى ما لم يَسْبِق إليه أحدٌ فنقول: هذا باطلٌ، فإنه لم يسبق إلى تحجُّر الكلأ، بل وضع أحجار على ظهر الأرض، فكيف يستحقُّ من الكلأ ما يحدث بعدَ ذلك مرةً بعد مرةٍ! وهل هذا إلا مخالفٌ لحديث السَّبْقِ، وللأحاديث الدالة على اشتراك الناس فيه، المذكورة في تلك الرسالة. الوجه الثاني: أنْ لو سلَّمنا تنزلاً أن السبقَ صادقٌ على صورة وضع الحدودِ، فنقول: لا يخفى على عارفٍ أن حديثَ السبق أعم من حديث: "الناس شركاء في ثلاث"، وبيانُه أنَّ قوله: "من سبق إلى ما لم يُسبق إليه" فيه صيغتان من صيغ العموم (١).

стр. 3082

الأولى: لفظ (من) العامَّةِ في الأشخاص. والثاني: لفظ (ما) العامَّة للثلاثة وغيرِها؛ فإن الحديث في قوَّة: أيُّ شخصٍ من الأشخاص سبقَ إلى شيء من الأشياء فهو أولى به. وظاهرُه عدمُ الفرق بين الثلاثةِ وغيرها فيكون حديث الثلاث [٣أ] مخصِّصًا له، فيحصل من المجموع أن من سبق إلى شيء فهو أولى به ما لم يكن ذلك الشيء أحد الثلاث المذكورة، وبناءُ العامّ على الخاص مجمع عليه. هذا على تسليم أنَّ في الحديث رائحة دلالةٍِ على ما ذكره الشرفي، وإلا فنحن لا نشكُّ أنه حجةٌ عليه كما سلفَ. وبهذا تعرف أنَّ ما استدلَّ به ـ عافاه الله ـ هو دليلٌ لمخالفة وأنه على فرض التسليم عامٌّ لا خاصٌّ كما قرره، ولهذا أوردناه في أدلة المنع من الحدود كما ذكرناه في تلك الرسالة. الوجه الثالث: أن قوله: فيكون الأول عامًّا محمولاً على عدم السبق ينافي مرادَهُ عند إمعان النظر لما قدمنا من أنَّ السبق لا يكون موجبًا للأحقِّية إلاَّ إذا كان الشيءُ على أصل الاشتراك والحدود يمنعُ من ذلك كما قدمنا. قوله: فإن لم يسلِّم هذا كان من القياس المرسل (١) إلى آخر كلامه. أقولُ: ليس ضرب الحدود من القياس المرسل في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ، بل هو من القياس الملغي (٢) ليظهر له ما ذكرناه. وقد حققنا ذلك في الرسالة (٣) التي تكلَّم عليها ـ عافاه الله ـ، وصرَّحنا بأنه من هذا القبيل. وأما ما نقله عن بعض أهل الأصول في بيان مفهوم المناسب الملائم فالأمرُ كما ذكره، ولكنه غيرُ هذا المناسبِ الملْغي، ونحن نزعمُ أن هذه الحدودَ ليست مما يجلبُ نفعًا،

стр. 3083

ولا يدفع ضررًا بل هي مظنَّة لجلب الضَّرر، ومنع النفع كما حققنا ذلك في الرسالة. وأما خروجه ـ كثر الله فوائده ـ إلى ذكر الضروريات الخسم المعروفة (١) عند أهل الأصول فتلوُّنٌ في البحث، وأين ما نحن بصدده من ذاك؟ وكيف يكون ضربُ الحدود بين البلدان الذي هو سبب إثارة الفتن، وإراقة الدماء مما دعت إليه حاجةٌ ضروريةٌ! وما في ترك الناس على هذه [٣ب] الشريعة الواضحةِ الغراء من ضررٍ! وأيُّ ضرر في شيء شرعه الله لأمته؟ وما املنفعةُ في حَجْرِ أهل هذه القرية عن الكلأ الذي أباحه الله لهم، وحجر أهل القرية الأخرى عن الكلأ المباح بالشريعة المحمَّدية؟ فقد رأينا وسمعْنا أن جميعَ المواضع المشتركة في الكلأ لا يحدُثُ بينهم عُشْرُ معشار ما يحدث بين من ضُرِبَتْ بينهم الحدود، وما أبعد دعوى الحاجة الضرورية التي يعلم كلُّ عاقل خلافَها، وأين الضرورةُ من هذا؟ فيا لله العجبُ أيعيش الناسُ من زمن النبوة إلى بعد ألفِ سنةٍ من ذلك مشتركينَ في الكلأ، عاملينَ بالشريعة الغراء المطهَّرة حتى أوجد الله بعد الألف رجلاً ليس عنده من علوم الاجتهاد نقيرٌ ولا قِطْميرٌ يقال له الشكايذي، فجاء للناس بما يخالفُ الشريعةَ وينافيها، ثم سَرَتْ بدعتُه حتى طبَّقتِ الأقطار اليمنية، وجاء بعده من الحكَّام جماعةٌ هم دون طبقتِه في معرفة المسائل الفقهيةِ فقلَّدوه في ما جاء به من المخالفة البحتةِ للشريعة المطهَّرة، فقامت الفتنُ على ساق، واشتغل صاحب كلِّ محلٍّ بمن يقاربه ممن

стр. 3084

ضُرِبَتْ بينهم الحدودُ، فسُفِكَت الدماءُ، وهُتِكَت الحُرُمُ، ثم إن مولانا الشرفيّ ـ عافاه الله ـ يحتجُّ لهذه البدعةِ الساقطة المخالفة لما هو معلومٌ من الشريعة بحجةٍ لا يجري القلم بمثلها إلا في أمر معلوم بالضرورة الدينية، أو الضرورة العقلية، فيقول: إن ذلك قد دعت إليه حاجةٌ ضروريةٌ، ولعمري ما كان يطمعُ الشكايذيُّ ببعض هذا، وهو معذورٌ لقصور باعه عن النظر في الأدلة، فما عُذْرُ الشرفي! ونحن لا نشك أن الشكايذيُّ ﵀ لو قال له قائلٌ: ماذا صنعتَ بنفسك! خالفتَ الشريعةَ المطهَّرةَ، وأوقعت الناسَ في الفتنة، لما وَسِعَهُ إلاَّ الاعترافُ بالخطأ، والرجوعُ عما فرَطَ منه، فقد كان بمحلٍّ من الورع. قوله: الجواب عنه من وجوه: الأول: نفيُ العموم بعدَ وجود المخصِّص من وجهٍ ما. أقول: الجوابُ عن هذا الوجه من وجوهٍ: الأول: أنَّ ظاهرهُ أنّ العامّ إذا خُصِّصَ لم يبق متَّصفًا بالعموم، وهو خلافُ ما أطبق عليه أهلُ الأصول (١)؛ فإنَّ العامَّ وإن خُصِّصَ بمخصِّصاتٍ متعدِّدةٍ لا يخرجُ عن كونه عامًّا. الوجه الثاني: الاستفسارُ للشرفي ـ عافاه الله ـ عن المخصِّص الذي زعمه، وأبطلَ به دلالَة العمومِ ماذا هو؟ فإن كان حديث: "من سبقَ ... إلخ" فقد قدمنا أنه حجةٌ عليه لا له، وإن كان العرفُ الذي زعمه ابن حابسٍ فقد قدمنا إبطاله، وإن كان القياسُ المرسلُ الذي زعمه الشرفيُّ فقد أوضحنا فسَادَهُ. الوجه الثالث: أن الشرفيَّ قامَ في مركز المنعِ، وليس المقامُ مقامَ المنع، بل المقامُ مقامُ الاستدلالِ، ومركزُ المنعِ هاهنا بيد المتمسِّكِ بالعموم، فيقول: أنا أمنعُ تخصيصَ العموم، وأمنع عدمَ بقاء العموم على عمومِهِ، وعلى مدَّعي التخصيص، أو ذهابِ العمومِ

стр. 3085

الاستدلالُ كما تقرَّر في علم الجدل (١) الذي قال له علم المناظرة، وآدابُ البحث. قوله: ولكنَّ دلالةَ العامِّ عند أهل الأصول ظنيَّةٌ (٢). أقول: هذا الاستدراكُ واقعٌ في غير موقِعِه، لأنه قد قرَّرَ سابقًا عدمَ بقاء العمومِ بعد وجودِ المخصِّصِ، وكان القياسُ على مقتضى السياقِ أن يقول: هذه العمومات مخصصَّة، ويوضِّح المخصَّص، ولا حاجة إلى المنع الذي ليس هو وظيفة المستدِل، ولا حاجة أيضًا إلى ذكر ظنيَّة العموم؛ فإن هذا [٤ب] إنما يناظِرُ به من كان مدعيًا لقطعيةِ دلالةِ العموم، ولم ندَّع ذلك في الرسالة، ولا حِمْنَا حوله؛ إذ الكلامُ عليه قد تقرَّر في الأصول ببراهينه. قولُه: ولهذا خصِّص تخصيصًا ظاهرًا بقوله ﵌: "لا حمى إلاَّ لله" (٣). أقولُ: إن كان الشرفيُّ بصدد الكلام على تسويغ منع الكلأ بالحدود فالحِمَى أمرٌ آخر كما بيَّناه في أول الكلام، وإن كان بصدد التخصيص لأدلة منع الحِمَى فهو أمرٌ غيرُ ما نحن بصدده، ولا نخالِفُ في أن قولَهُ ﵌: "لا حمى" مُخَصَّصٌ بالمخصِّص المتصل (٤)، وهو الاستثناء بقوله: "إلاَّ لله ولرسوله" ولكنَّ هذا لا ينفع الشرفيّ ولا يضرُّنا، وإن كان بصدد الاستدلالِ على ظنيِّة العموم من غير تعرُّضٍ للبحث الذي نحن بصدده فالمسألةُ أجنبيةٌ، ولها في الأصول براهينُ صحيحةٌ. قولُه: فالذي فهمنا من نصِّه أنه لدفعِ الضررِ الحاصل بالمنع، فإذا زالتِ العلة جاز

стр. 3086

التحجُّرُ بالمنعُ. أقولُ: صرَّح بقلمه ـ كثر الله فوائده ـ في هامش النسخة التي بخطِّه أن كلامَه هذا فيه إشارةٌ إلى تنبيه النصِّ، ولا أدري كيف جرى قلمُه ـ عافاه الله ـ بهذا واين مسلكُ تنبيه النصِّ من هذا؟ ومن أين فهم تنبيهَ النصِّ؟ وكان الأَوْلَى له التعويلَ على تخريج المناط (١) أو تنقيحَ المناط (٢)؛ فهو أقربُ إلى ما نحن بصدده من تنبيه النصِّ وإن كان الكلُّ غيرَ صحيحٍ. وهَبْ أنَّ العلَّة هي التضرُّر إما بتخريج المناط، أو تنقيح المناط، فمن أين للشرفي أن التضرُّر بالتحجُّر قد زال بعد انقراض ألف سنةٍ من الهجرة؟ وما الذي دلَّه هذا؟ فإن التضرُّر الكائن في أيام النبوة وما بعدَها كائنٌ في الأزمنة المتأخرة [٥أ]، اللهم إلاَّ أنْ يبرزَ برهانًا نقليًا أو عقليًا أن ضرر التحجُّر قد ارتفعَ في هذه الأزمنة، ولا سبيل إلى ذلك فإن الأرض في هذه الأزمنة هي على ما كانت عليه في الأزمنة الأولية لم تتسعْ، ولا زاد نباتُها، ولا تدفَّقت أنهارُها، بل النقصُ حاصلٌ في آخر الزمان كما دلّت على ذلك الأدلةُ وشهد به التجريبُ، فما بال أقلّ الأزمنةِ خِصْبًا، وأكثرها جَدْبًا! وهو آخر الزمان ارتفعَ فيه تضر الناس بالتحجُّر بعد أن كان موجِبًا للضَّرر. قولُه: وقد فهم عمرُ بن الخطاب ... إلخ. أقولُ: فَهْمُ عمرَ إن خالف النصوصَ ليس بحجةٍ (٣) على أحد من الناس كما هو المذهب الحق، واجتهادُه لا يلزمُ غَيْرَهُ على أنه يمكن أن يكون مستندُهُ هو ما قدمنا من فعله ﵌، ثم هَبْ أن عمرَ حَمى ذلك لما فهمه من النصوص

стр. 3087

كما ذكرتَ، فهذا غيرُ ما نحن بصدده، فإن عمر حَمَى ذلك لخيل الجهادِ، ومصلحةِ المسلمينَ، ولم يُنْقَلْ عنه أنْ ضربَ حدودًا بين قريتين، ومنع كلَّ جهة من مجاوزة ما ضربه بينهم، وليس كلامُنا إلاَّ في هذا، ولهذا سمَّينا الرسالة "عِقْدُ الجمانِ في شأنِ حدودِ البلدانِ" (١) والاسم يدلُّ على المسمَّى أقلَّ الأحوال. وقد أوضحنا الفرقَ فيما تقدم بين الحِمى وبين الحدود، فلْيتأمَّلِ الشرفيُّ ـ أطال الله بقاءه ـ. وأما ما ذكره ـ كثر الله فؤائده ـ من الكلام في المرسل وأقسامِهِ فليرجِعْ إلى كتب الأصول، وهي موجودة لديه، وينظرْ ما ذكره الأئمةُ في تفسير كلِّ واحد منها؛ فإنه إن أمعنَ النظرَ في ذلك كما ينبغي [٥ب] عرفَ أن حدودَ البلدانِ ليست من قسم المناسبِ الملائِم، ولا المؤثِّرِ، ولا المرسلِ، ولا الغريب، بل من قسم المناسب الملغي. وقد أورد الأئمة لكل قسم منها أمثلةً متعددة، ولا سيما في الكتب المطوَّلة (٢) فلنكتف بمجرد الإحالة عليها، وفي إنصافه ـ دمت فوائده ـ ما تغنينا عن إيراد الأمثلة. وأما ما أورده من أفعال عمرَ فيكفينا في جوابه أن نقولَ: ليس اجتهادُه حجةً، ولا يجب الإنكارُ في الاجتهاد حتى يقال: لم يُنْكِرْ عليه الصحابةُ، ولو كان مجرَّدُ ما يؤدي إليه الاجتهادُ مما يجبُ فيه الإنكارُ لأنكر الناسُ على كلِّ مجتهدٍ اجتهادُه، ووجبَ عليهم ذلك، ولا قائلَ به، فمن سكت عن مجتهد في اجتهاده لا يُسْتَدَلُّ بسكوته على أن ذلك الاجتهادَ حقٌّ، وما فعله عمرُ في الحِمى هو من مطارح الاجتهادِ، وليس من المواضع التي بمسرحٍ للاجتهاد حتى يكون لما قاله او فعلَه حُكْمُ الرفعِ، وبعد هذا كلِّه فليس كلامُنا في الحمى، إنما كلامنا في الحدودِ، وبينَهما فرق قد تقدم تحريرُهُ. قوله: وحصولُ المفسدة بالتحجُّر أهونُ منها مع عدم التحجُّر.

стр. 3088

أقولُ: رجع ـ عافاه الله ـ إلى الموازنة بين المفاسِد وهو غيرُ ما قد حرَّره سابقًا، وهذا أحسنُ ما ينبغي التعويلُ عليه في المسألة، لكنه لا يتمُّ إلاَّ بعد تسليم ما زعمه من أن مفسدةَ التحجُّر دون مفسدة عدم التحجر، ونحن نمنع ذلك، بل نقول: إنه لا مفسدة في ترك التحجُّر أصلاً شرعًا وتجربيًا، أما شرعًا فَلِما ذكرنا في الرسالة (١) من إرشاد الشارع إلى الاشتراك في الثلاث، ونهيه عن الاختصاص بها [٦أ]، وأما تجريبًا فَلِما قدَّمنا ذِكْرَهُ غَيْرَ مرَّة أن منشأ الفتن، وسفكَ الدماء إنما كان بسبب ضَرْبِ الحدود، ومَنْعِ الناس عن حكم الشرعِ، ومخالفةِ ما جاء به رسول الله ﵌ وكيف يكون ما شرعه لأُمَّتِهِ، ودل عليه، وأرشد إليه مفسدةً! يا لله العجبُ، بل كيف يكون ما شرعَهُ، وهدَى إليه مشتملاً على مفسدةٍ أعظمَ من المفسدة الحاصلة بما نهى عنه وأرشد إلى مخالفته! وهل هذا إلاَّ من التقصير بجانب الشريعة المطهرة! وترجيحَ ما يخالفها! ومولانا الشرفيُّ وإن جرى قلمُه بهذا، واستلزمه كلامُهُ فهو ـ عافاه الله ـ لو كُوشِفَ، وحُوْقِقَ لم يرضَ أن يحكم على ما شرعه لنا رسول الله، ودرج عليه خيرُ القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم إلى انقراضِ ألفِ سنةٍ من الهجرة بأنه مفسدةٌ خالصةٌ زائدةٌ على ما في خلافِه مما سنَّه الشكايذي، ومَنِ الشكايذي بل من العالَمُ بأسرِهِ بجنب المصطفى ﵌؟! فما لنا وللمعادلة بين الشريعة المطهرة، وبين البدعة المحضة، ومجاوزة ذلك إلى أن الشريعة المطهرةِ قد اشتملتْ على مفسدةٍ، وغيرُها من البدعةِ مشتملةٌ على مصلحةٍ! سبحانك الله وبحمدك، اللَّهم غُفْرًا. دعُوا كلَّ قولٍ عند قولِ محمد ... فما آمِنٌ في دينِه كمخاطِرِ قوله: لكن زَمَانَنَا قد فسدَ أكثرُ الناس فيه. أقولُ: الفساد إنما وصل إلينا من تركِ الشريعةِ المطهرة، وظنِّهم أن غيرها أصلحُ منها ولو دبَّرهم الولاةُ بها لكانوا كالصحيح المقوَّم [٦ب].

стр. 3089

وقد جربنا من أحوال العامة والخاصّة ما لا يأتي عليه الحصْر فوجدنا مصلحتهم وصلاحَ دينهم ودنياهم في الشريعة المطهرة، وما يُظَنُّ مِنْ أنَّ سِواها يُصلِحُهم فهو باطلٌ عاطلٌ لا يَغْتَرُّ به إلاَّ من لم يمارِس الحقائقَ. ولقد اتفقَ شِجارٌ في الديوان الإمامي بين طائفة من اليهود ـ أقماهم الله (١) ـ وبين جماعة من المسلمين ـ أعزهم الله ـ في المدر، وتمسكوا بأحكام جاريةٍ على قانون المناسب الملغي قد قررها الأوَّلون، فلما أبرزوها في الديوان أجريتُهم عليها، فعادوا عن قريب، ثم أجريتُهم على نوع آخر من أنواع المناسب فعادوا عن قريب، ثم كذلك، وما زلت أتطلَّبُ ما يصلِحُهم مرةً بعد مرةٍ فأعياني أمْرُهُم، وداويتُهم بالشريعة السمحةِ السهلةِ، ومزَّقتُ ما بأيديهم من الأحكام السابقة واللاحقة، وقلتُ: بيعوا كيفَ شِئتُم ولا حرجَ، فكان في ذلك الشفاءُ، ولم يَجْرِ بينَهم بعد شجارٌ، وصلُحوا أكملَ صلاح، وقد كانوا شارفوا الهلاك، وهكذا اتفق شجارٌ في الديوان، وخصوماتٌ متعددةٌ في شأن الحدود، وكلَّما أردتُ إصلاحهم بشيء مما يقوِّي ما هم عليه من المناسب الملغي فسدُوا حتى اتفقَ في بعض الخصوماتِ بينَ أهل قريتين أني أمرت خمسةً من حكَّام الديوان المعتبرين يعزمون إلى محل الشجار، وينظرون ما تتحسَّمُ به المادةُ، فما زال [٧أ] الشرُّ يتزايد، والفتنة تثورُ، فداويتهم آخِرَ الأمر بمراهم الشريعة؟ وقلت: اعْزِمُوا على بركة اللهِ وارْعَوا كي شئتم بلا حرجٍ، وأنتم مشتركون في جميع المواطن المتصلة بكم، فذهبوا وعاشوا بأرغدِ عيشٍ، لم يَثُرْ بينَهم شيء من الفتن، ولا نابَتْهم نائبةٌ قطُّ (٢)، وكم أعد ذلك من مثل هذا، فكن على يقين أن الصلاحَ كلَّ الصلاحِ لأمور الدنيا والآخرة هو في الشريعة المطهرة الذي يقول صاحبها ـ صلى الله عليه وآله

стр. 3090

وسلم ـ: "تركتُكُم عل الواضحةِ، ليلُها كَنضهارِها، لا يزيغُ عنها إلاَّ جاحدٌ" (١). قولُه: وشاهدُ الحال متفقةٌ في بلاد عَنْسٍ ... إلخ. أقولُ: صدقتَ يا مولانا وأنصفتَ، فهذه المفسدةُ التي ذكرتَ أنها وقعت بسبب الحدود هي شاهدةٌ لما ذكرنا من أن هذه الحدودَ ضاربٌ سببًا لِثَوَرانِ الفتنِ، اعتبرْ بذلك ولا تغترَّ بقولك آخِرًا، فهذا وقع وقد قُسِّمَتِ الحدودُ، فكيف مع الشياع! فإنهذا مجردُ ظنٍّ وتخمينٍ، وتخيُّل مختلٍّ، بل هؤلاء المذكورونَ لو لم يقع بينَهم القسمةُ لم يقع بينهم شيءٌ من تلك الفتنةِ، لأنَّ كلَّ طائفة تَعْلَمُ أن ما في جانب الطائفةِ الأخرى هو مشتركٌ بينَهم، فتطيبُ النفوسُ، وتطمئنُّ الخواطر، وينقطعُ الشرُّ؛ إذ بسبب ثورانِ الفتنةِ ما أوجبتْه من اختصاص كلّ طائفة بما في جوانبها. قوله: وقد قرر ما وقع من عليه الاعتماد ... إلخ. أقولُ: ينبغي للشرفي ـ عافاه الله ـ حيث قد عاد إلى الاحتجاجِ بالرجال أن يوازِنَ بين مَنْ ذكرهم، وبين رسول الله ﵌ [٧ب]ـ والصحابةِ، وأكابرِ أهلِ البيتِ المطهرينَ كأمير المؤمنين وأولاده من الأئمة المطهرين إلى بعد انقضاء دولة الإمام الأعظم القاسم بن محمد ﵇ ويرجِّح من وقع عليه اختياره. وأما ما ذكره من أن المفتي والشامي والقاضي عام لو شاهدوا الفساد في هذا الزمن ... إلخ. فهو مخالفٌ لقوله: إنه حكَمَ بذلك في الدولة القاسمية، والمؤيدية، والمتوكلية، فإن القاضي عامرًا هو قاضي الدولة القاسمية، والمؤيدية، والمفتي هو مدرّس الدولة المؤيدية والمتوكلية، والشاميُّ هو عالم الدولة المتوكلية، وما بعدَها؛ فإنكار هؤلاء الصدورِ لما وقع من الحدود الشكايذية مشعرٌ بأن هؤلاء الأئمةَ مثلُهم. قوله: انظر كيف حرَّم الشارع الربا (٢)، ورخص رخصةَ ...........................

стр. 3091

العرايا (١) ... إلخ. أقول: ليس النزاعُ فيما صدر عن الشارع، فكلُّه حِكْمةٌ، وصوابٌ، ومصلحةٌ خالصةٌ، إنما النزاعُ فيما وقع مخالفًا للشريعة الغراء. قوله: ثم صرح بقلمه بما يقطع مادةَ اعتراضِه ... إلخ. أقول: أين هذا من ذاك؟ فالذي معناه هو ضربُ الحدود على طائفة من الأرض، وجعلُها مختصةً بقوم على مرور الأعصار، ومنعُ غيرِهم عنها وإن احتاجوا إلى ما فيها من الكلأ، فهذا هو منع الكلأ الذي نهى عنه الشارعُ، وإن لم يكن هو بعينه فَلْيُصوِّرْ لنا الشرفيُّ صورةً يصدُقُ فيه منعُ الكلأ المنهيِّ عنه، وأما ما ذكرناه من الإحياء، والتحجُّر، والقطع، فالأول يثبت به الملكُ لبقعةٍ فيصيرُ من جملة أملاكِه، وأما الثاني وهو التحجُّر (٢) فأحكامه معروفة في الأدلة والكتب الفقهية، وأما الثالثُ وهو القطعُ (٣) فقد صار القاطعُ مستوليًا على ما قطعه، مالكًا له [٨أ]، فكيف يكون تصريحُنا بهذه الأمور مستلزمًا لتسليم جواز الحدود التي يقال فيها مثلاص للقرية الفلانية كذا وكذا من الأميال، أو الفراسخ، وللقرية الفلانيةِ مثلُ ذلك! ولا إحياءَ ولا تحجُّرَ ولا قطعَ بل مجردُ المجازفةِ ومخالفةُ الشريعةِ ويوضَعُ ذلك في مراقيمَ، فهل مجردُ هذا إحياءٌ أو تحجُّرٌ، أو قطعٌ للكلأ حاشا وكلا. قوله ـ عافاه الله ـ: قلتُ: وقوله: إنَّ جميع الأدلةش مخالفةٌ لما شرعه الله ... إلخ. أقول: لم أقلْ هكذا، فإنَّ هذا تناقضٌ ظاهرٌ، بل قلتُ في الرسالة (٤) ما لفظه: هذا جملةُ ما خطر بالبال عند تحرير هذه الكلماتِ من الأدلةِ الدالةِ على مخالفة هذه الحدودِ لما شرعه رسول الله ﵌ إلخ وهذا كلامٌ متَّضحُ المعنى.

стр. 3092

قولُه: بل موافقةٌ لأنه ﵌ قد اعتبر المصلحةَ. أقولُ: قد قدمنا الجوابَ عن هذا، وأما ما ذكرهُ ـ عافاه الله ـ من الإقطاع فبابٌ آخَرُ خارج عن البحث، لأن الإقطاعَ تمليكٌ (١) لما لم تثبتْ عليه يدٌ، وهذا لا يخفى على مثلِهِ ـ دامت إفادته ـ. قوله: لأنَّ كلَّ واحد قد رضي بما يليه. أقولُ: فإذا طلبَ هذا رضيَ الرجوعَ إلى حكم الله، أو طلبَهُ من بعده ممن لم يكن موجودًا حالَ الرِّضى، هل يُجابُ إلى حكم الله أم يقال له: لا سبيل لك إلى ذلك لأنَّ فلانًا الذي هو أبوك أو جدُّك أو أعلا من ذلك قد رضي؟ فإن قلتم: يُجابُ فهو مطلوبُنَا، وإن قلتم: لا يُجابُ فما الدليلُ؟ هذا على تسليم أنَّ للرضى تأثيرًا في الجواز، وهو ممنوع، فإن الذي رضي لم يرضَ بشيء بملكه ولا يستحقُّه، بل رضي في شيء هو مشتركٌ بين المسلمين أجمعينَ بحكم رسول الله ﵌، فلا تأثيرَ لرضائه، وهذا لا يخفى على الشرفي ـ عافاه الله [٨ب]. قوله: فالذي فهمنا من تنبيه النصِّ ... إلخ. أقول: قد قدمنا الجواب عن هذا فلا نعيده. قوله: ولهذا جرت عادةُ الناس بمنع الدخول إلى آبارهم وبساتينهم. أقولُ: إن كان الاستدلالُ بمجرد جَرْيِ عادة الناس فليس العادةُ بشريعة تُتَّبَعُ، وما هذه بأولِ مسألةٍ خولفت فيها الشريعةُ كما قال العلامة جار الله في الكشاف، وكم باب من أبواب الشريعة قد صار لترك العملِ به كالمنسوخ، هذا على فرض شمول الشركة المنصوص عليها لما ذكر، وعدمِ وُجْدَانِ ما يفيدُ جوازَ المنع، لأن البساتينَ مملوكةٌ، وللمالك منعُ غيرِه عن استعمال مُلْكِهِ، وكذلك البئر مملوكةٌ، والشركةُ إنما هي في مجرّدِ الماء، ولهذا وقع في كتب المذهب الشريف أنه يمنعُ الداخل إلاَّ بإذن، والآخذُ على وجه يضرُّ، فتلك العادةُ الجاريةُ بالمنع هي لأجل الملك، لا لأجل الشيء المشترك كالماء، فأين غرب هذا عن مولانا الشرفي ـ عافاه الله ـ؟. قولُه: فما أدري من أين التخصيصُ القاضي ـ عافاه الله ـ. أقولُ: لم أخصِّصْ، بل أحكمُ بالشركةِ في الثلاثة الأشياء التي حكَمَ بالشركة فيها رسول الله ﵌، وإنما اقتصرتُ على الكلام في الكلأ لأنَّ السؤال ورد فيه، فَمِنْ أين للشرفيِّ أني خصَّصْتُ؟ وما ذاك في كلامي يدلُّ على ما ادَّعاه. قولُه: وأنا أضربُ له مثالاً، لو كان عشبٌ بين رجلينِ إلى آخر كلامه. أقولُ: إذا حُكِّمْتُ في مثل ما ضربَهُ من المثلِ قلتُ: للجميع ارْعوا جميعًا، ومن سبقت غنمُهُ إلى موضعٍ لم يحلّ للآخر أن يطرُدها عنه، وأعرّفُهم بأن هذا الحكم هو الذي جاءت به الشريعة المطهرة، وحينئذ لا يثور من الشر شيء، ولا يجري بينَهم فتنةٌ [٩أ] قطُّ، فإن جرت من بعض شياطينهم أملينا عليهم قول الله : ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٢) فما في هذا المثال الذي ضربَهُ الشرفين إشكالٌ، ولا يَعْيي عن الحكم فيه عالمٌ بالمسالك الشرعيةِ، ولكني أضرب للشرفين مثالاً مقابلاً لمثاله فأقول: لو قالتْ إحدى الطائفتين في مِثْلِ الصورةِ التي ذكرها نحن المختصونَ بهذا الوادي، ولا حق لغيرنا فيه: فقال الواردُ عليهم بسائمتِه: يا قومِ، هذه سائمتي قد أعوزَها أمرُ الكلأ، ولم أجدْ في غير هذا الوادي ما يسدُّ جَوْعَتَها فاتركوني أرعى معكم، فالوادي واسعٌ، والخير عن غير شاسعٌ، فهذه سائمتي قد شارفتِ الهلاكَ جوعًا، وهو يكفيكم جانبًا من جوانبه، وهذه سائمَتُكُم في جزء من أجزائه، فقالوا: لا سبيلَ لك إلى ذلك، وإن ماتت سائمُتك، لأن هذا حدُّنا قدمنا فيه رَقْمَ حاكم يشتملُ على ما يخالِفُ حُكم أحكم الحاكمين، فما ذاك الشرفيُّ في مثل هذا،

стр. 3093

هل يُطْرَدُ الوافدُ بماشيته ويدعها تموت دون المرعى؟ أم كيف يصنع؟ ثم إنّ الشرّ ـ لا محالة ـ يهيجُ بسبب المنع لا سيّما عند الحاجة على الصفة المذكورة، فمَنِ الباغي ومن المبْغِيُّ عليه؟ ومَنِ المحقُّ ومن المبطلِ؟ قولُه: فما أرى هذه الحدود إلا من جنس إقطاع ما لم يسبق إليه مسلم. أقولُ: هذا فاسدٌ، فإن الإقطاعَ هو التمليكُ لجزء من الأرض من رسول الله، أو من الخلفاء الراشدين، وهذا ليس بتمليك، بل ليس بتحجّر يوجدُ مجرد ثبوت الحق كما قدمنا [٩ب]، فَلْيُعِدِ الشرفيُّ ـ عافاه الله ـ النظرَ، فمثل هذا لا يخفى على ذهنه السليم. قوله: هذا فرضُ ما لم يقعْ ولا سمعَ به. أقول: بل قد وقع التصريحُ بذلك، والاستدلالُ به من بعض متأخري العلماء، وذكره السائل ـ عافاه الله ـ في سؤاله الذي أجبنا عليه بالرسالة. قوله: فقد أخذ العلماءُ منه أحكامًا ـ إلى قوله ـ وأخذوا من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (١) أنه ينبغي تعظيم العلماء ... إلخ. أقولُ: هذا الأخذُ لا تدعو إليه حاجةٌ، لأن السجودَ الذي هو معنى الآية قد دل الدليلُ القاطعُ على عدم جوازِهِ، ومجردُ التعظيم للعلماء قد أفادتْه آياتٌ قرآنيةٌ (٢)، وأحاديثُ نبويةٌ (٣). هذا على فرض أن مثلَ هذه الآيةِ من جنس ما ذكرناه وليس الأمرُ

стр. 3094

كذلك؛ فإن الذي ذكرناه هو المنعُ من الاستدلال بأفعال الله في عباده، من سلب النفوسِ وأخْذِ الأموال، وإنزالِ الجوائحِ، فلا يقول قائل من البشر أنه يجوز له سفك الدماء، لأن الله ـ سبحانه ـ يميتُ العبادَ، ولا يقول: إنه يجوزُ له أخْذُ الأموال، لأنه الله تعالى يسلُبهم أموالَهم، والآية المذكورةُ هي خطابٌ من الله لطائفةٍ من عباده المقربينَ، وليس كلامُنا في أقواله سبحانه، فهي نفسُ الشرعِ، إنما كلامُنا في أفعاله فَوِزَانُ الآية التي ذكرها الشرفيُّ وزانُ قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١) ففي هذه الآية أمر البشرَ باتباع نبيِّهِ، وفي تلك الآية أمر الملائكة بالسجود لنبيهِ، فما بال الشرفي يسلك في فجاجِ لم أسلكْها، ويمشي في أودية لم أمشِ فيها، ويجعل ذلك اعتراضًا على ما ليس بينَه وبين الاعتراض جامعٌ! فليعدِ النظر ـ عافاه الله ـ فشرطُ التعقُّبِ للمباحث [١٠أ] إمعانُ النظر في الكلام المتعقبِ وتفهُّم معانيهِ، وتدبُّرِ مبانيه. ثم إيرادُ ما يمكن أن يكونَ مستندًا له والقدحُ فيه بقادحٍ معتبرٍ، وأما المبادرةُ بالاعتراض قبل الإحاطة بمعاني المعترضِ عليه فليست مما يسوّغُهُ أهل النظرِ، ولهذا عدُّوا السقطة من المعترض غير مُغْتَفَرةٍ، واغتفروها من غير المعترض، لأن القدح في الكلام والإيراد عليه محتاجٌ إلى إثبات قدَمٍ، ومراجعةِ فكرٍ. ومثل الآية التي ذكرها ـ عافاه الله ـ

стр. 3095

الآيةُ الأخرى، وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ (١) فإن ذلك غيرُ ما نحن بصدده وكذلك قولُه: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ (٢). وبالجملة، فجميعُ ما ذكره في وادٍ غيرِ الوادي الذي نحن بصدده، فليعِدِ النظر ـ عافاه الله ـ في رسالتنا إن كانت لديه، وإلاَّ بعثنا بها؛ فهو أجلُّ من أن يتكلَّم بما لا نسبةَ بينَه وبين ما فيه النزاعُ. قوله: وكما تعرَّضَتِ الملائكةُ بقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (٣). أقولُ: الذي نحن بصدد بيانه هو منعُ الاقتداء بأفعال الله، فيقول في مثل هذه الآيةِ: يجوزُ للرجلِ أن يجعلَ له أعوانًا يفسدونَ في الأرض، ويسفكون الدماء تمسُّكًا بهذه الآية، ولسنا بصدد الكلام على غيرِ ذلك. وسؤالُ الملائكةِ لم يقعْ على وجه مطابقٍ، بل تعرَّضوا لما لا يعينهم، لأنه تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ (٤) ولهذا أجاب عليهم بما يشعرُ بنسبتِهم إلى الجهلِ في الأمر الذي سألوا عنه، وما ذكره عقبَ ذلك من أدلةِ ما أرشدْنا إليه [١٠ب]. قولُه: والتفسيرُ الذي ذكره أنَّها محمولةٌ على تركِ الأسبابِ لم أجده، إلاَّ أن الذي في الكشاف (٥) أنَّ المراد إقرارُ [المنكر] (٦) هو مندرجٌ تحت ما ذكرناه، لأن إقرارَ المنكر هو من الأسباب الموجبةِ للفتنِ، فتركُ الإقرارِ لهم بطردهم فيه تركُ سببِ الفتنةِ،

стр. 3096

ومثل ذلك افتراقُ الكلمةِ. وهذه الآيةُ الشريفةُ قد كتبنا على كلام صاحب الكشافِ في تفسيرها رسالةً سميناها "فتحُ القديرِ في الفرق بين المعذرةِ والتعزيرِ" (١) جوابًا عن سؤال بعض أعلام العصرِ. قولُه: فإن استحسنَ ذو الولاية ... إلخ. أقول: هذا الكلامُ ينبغي لمولانا الشرفيّ ـ عافاه الله ـ الضربُ عليه، ومَحْوُهُ عن وجه القرطاس، وإعدامُهُ من حيِّز الوجود، وكيف يقول: إنه لا حرجَ عليه في ذلك! وأيُّ حَرَجٍ أعظم من أحذ مال امرئ مسلم بلا قرآن ولا برهان: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢)، "لا يحلُّ مالُ امرئ مسلمٍ إلاَّ بطيبةٍ من نفسه" (٣). وأما الاحتجاج على هذا الأصل العظيم بما ذكره من استحسان عمر فما لنا ولعمر، ومن عمر ﵀ حتى تعارض باستحساناته نصوص القرآن والسنة! وأما عدم الإنكار عليه فالمجال مجال اجتهاد، وليس من مواطن الاعتراض، ولو فرض غير ذلك فعمر ﵁ هو الذي يقول فيه ابن عباس (٤): كان رجلاً مهيبًا فهبته. وقد تقرر في الأصول أن الإجماع السكوتي (٥) مشروط بشروط: أحدها اطلاع الكل من أهل [١١أ] الحل والعقد على مقالة القائل، ومنها عدم المانع من المخالفة، ومنها كون

стр. 3097

المسألةِ ليست مما يسعُ السكوتُ فيها كمواطن الاجتهادِ، والبحثُ محرِّرٌ في الأصول. وقد أطلتُ البحثَ في مسألة الإجماع السكوتي، ووسَّعتُ أطرافه في حاشيتي على شفاء الأمير الحسينِ المسماة: "وبل الغمام على شفاء الأوام" (١). وقد أفاد مولانا الشرفي ـ جزاه الله خيرًا ـ فوائد، وأسس قواعدَ، وقيَّد شواردَ، ولكن الحقيرَ راقمَ الأحرف أحبَّ التنبيهَ له على ما حاك في الخاطر، ويطلبُ منه أن يفعل كما فعلتَ، فكلُّ أحدٍ يُؤْخَذُ من قوله ويتركُ إلاَّ المعصومَ، ونحن أعوانٌ على استخراج الحقِّ، إخوانٌ في طلبه، وليس بين أحد وبين الحق عداوةٌ. ونسأل الله أن يجعلَ الأقوالَ والأفعالَ خالصةً لوجهه الكريم، مقرِّبةً إلى رضاه وفَضْلهِ العميمِ. كان تحريرُ هذه الأحرفِ في النصف الأول من ليلة الاثنينِ إحدى ليالي شهر جُمادى الآخرةِ سنة ١٢١٤. بقلم مؤلفه محمد بن علي الشوكاني ـ غفر الله لهما، وتجاوز عنهما ـ، وعن جميع المسلمين آمين.

стр. 3098

(١٢٢) ٣٥/ ٢ بحث في المخابرة تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديث محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3099

وصف المخطوط: ١ - عنوان المخطوط: "بحث في المخابرة". ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "الحمد لله وحده. حين وقفت على هذا التحقيق من وجه إليه، قال محرضًا على التعويل عليه ... ". ٤ - آخر الرسالة: "حُرِّر بقلم جامعه الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في عشية الثلاثاء من شهر جمادى الأولى سنة ١٢٠٢". ٥ - نوع الخط: خط نسخي عادي. ٦ - عدد الصفحات: ٩ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصحفة: ٢٩ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ٩ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني. ١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3100

الحمدُ لله وحدَه. حين وقفَ على هذا التحقيقِ من وجِّهَ إليه، قال محرِّضًا على التعويل عليه، سائلاً من الله التوفيقَ إلى أوضح طريقٍ: علومٌ قولُ أحمد (١) لو رآها ... أراها معجزاتٍ من محمدْ فعُضَّ بناجِذيك على هُداها ... فإنك باتِّباع الحقِّ تُحْمَدْ كنا نرجو أن يوضح عند المناظرة الراجحَ من التحريم والجوازِ في المخابرة، فأبدى لنا أضعافَ ما رجوناه في عضون رياضٍ ناظرةٍ ـ ضاعف الله له خيرات الدنيا والآخرة ـ. إنا بعثناك نبغي القولَ عن كَثب ... فجئت بالنجم مصفو ذات الأفق بقيتَ ما سار نجمٌ أو رسا علَمٌ ... وما تفاوحَ نشرُ النَّوْرِ في الورقِ كتبه عبد القادر بنُ أحمدَ ـ عفا الله عنهما ـ.

стр. 3101

الحمد لله. لما وقعتِ المذاكرةُ في هذه المسألةِ التي هي جوازُ المخابرةِ، وكانت مفرَّقةَ الأقوال، مشاغلةً لكلِّ قالٍ، وطال الكلام ولم يتَّضحِ الإشكالُ إلاَّ بالفهم مِنْ تقدُّم المنسوخِ (١) وتأخُّرِ الناسخ أبرزَها العلامةُ محمد بن علي ـ أعلى الله شأنه ـ بفصيح كلامه، ووجيزِ خطابه، فجمع الأقوالَ، وأوضح الاستدلالَ، وذكَرَ مذهبَ الآل. لا جرمَ أنَّها حقيقةٌ بهذا البيانِ؛ فجزاه خيرًا. ذلك فضلُ يؤتيه مَنْ يشاءُ. وصلَّى الله على سيدنا محمدٍ وآله وسلَّم. بقلمِ الفقيرِ إلى الله .................................

стр. 3102

الباعثُ على جمع هذه الرسالة أنها وقعت بيني وبين شيخي العلامة الإمام عبد القادر بن أحمد (١) ـ متَّع الله به ـ مراجعةٌ في مسألة المخابرة حال القراءة في جامع الأصول، بحضرة جماعة من أعيان العلماء، فلما وصلت هذه الرسالة إليه ارتضاها وكتب على ظهرها ما ترى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه وسلَّم. الله المسئول أن يوفِّر لكم الأجورَ، ويديم عليكم النِّعم والسرورَ، ويكشف بأشعة أنوا علومِكم ظلماتِ الجهلِ، بحلوه وطَوْلِهِ، غَيْرُ خفيٍّ على نظركم الثاقبِ، فهمكُمُ الصائب أن الإذعان ممَّن حاول النظر لمجرَّد ما لاح في بادي الرأي، وخطر مما لا تقبله سليماتُ الفطر. وإنَّ البحث لما انتهى إلى مسألة المخابرةِ، ووقعت فيها تلك المراجعةُ والمذاكرةُ في موقفكم الأنيس صبيحةَ يوم الخميسِ، لاح للنظرِ القاصرِ، والفهمِ الفاترِ ما لاح، فلما

стр. 3103

كان يومُ الجمعة ذكرتُم ـ متع الله بكم ـ أنَّ أحاديثَ النَّهي مرجوحةٌ، فأوجب ذلك البحث عن المسألة، فإذا هي أطول المسائل ذيلاً، وأوسعِها اختلافًا وتهويلاً، قدِ اضْطَربتْ فيها أقوالُ السلفِ والخلَفِ اضطرابًا شديدًا، ومع هذا فلم تحصلِ الأُنسةُ بواحدة من تلك الأقوالِ، بل أوجب المشيُ مع الأدلة الاغترابَ والاعتزالَ، لا إلى حد يكون المصيرُ إليه في صورة الخروج عن الإجماع، واطَّراح الحِشْمَةِ عن سنة الاقتداء والاتباعِ. وقد سردتُ في هذا القرطاسِ جميعَ ما أمكنَ حَصْرُه من الأقوال، وتعقَّبتهُ بما خطر بالبال من قيلٍ وقالٍ، ثم انثنيتُ أحرَّر ما ظننتُه راجحًا، وخِلْتُهُ صحيحًا واضحًا، والقصدُ كلَّ القصدِ عَرْضُ الجميع على نظركم، والاتباع لما صحَّ، فأفضلوا بإمعان النظرِ ـ جعلكما لله ملاذًا لكل ملتاذ ـ آمين. وجملةُ ما عثرتُ عليه من الأقوال في هذه المسألةِ سبعةٌ: الأول: المنعُ من المخابرة مطلقًا، والذاهبُ إلى هذا القول جماعة من الصحابة، والتابعينَ، وأهلِ البيت، والفقهاء، وتمسكوا بحديث: "أنَّ النبي ﵌ نهى عن المخابرة" رواه البخاريُّ (١)، ومسلمٌ (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذيُّ (٤)، والنسائيُّ (٥). وبحديث جابرٍ قال: كان لرجالٍ منَّ فضولُ أرضينَ، فقالوا: نؤاجرُها بالثلثِ أو الرُّبعِ أو النِّصفِ، فقال رسول الله ﵌: "من كانت له أرضٌ فليزرعُها أو ليمنحْها أخاه، ولا يؤاجرِْها إياه، ولا يُكْرِهَا" قال في التيسير: أخرجه ............................

стр. 3104

الشيخان (١)، والنسائيُّ (٢)، وهو في المنتقى (٣) بلفظ: قال جابر: كنا نخابِرُ على عهد رسول الله ﵌ فنصب من القُصْرَى ومن كذا، فقال النبيُّ ﵌: "من كان له أرضٌ لفْيزرعْها، أو لِيُحْرِثها أخاه، وإلا فليدعْها". قال: رواه مسلمٌ (٤) وأحمدُ (٥)، وقال: القصريّ (٦): القصارةُ. وبحديث سعد بن أبي وقاص قال: إن أصحاب المزارع في زمن النبي ﵌ كانوا يُكْرُوْنَ مزارعَهم بما يكون على السواقي، وما سَعِدَ بالماء مما حول النَّبْتِ، فجاء رسول الله ﵌ فاختصموا في بعض ذلك، فنهاهُم أن يُكْرُوْا بذلكَ، وقال: "اكْروا بالذهبِ والفضةِ [١أ] " رواه أحمد (٧)، وأبو داود (٨)، والنسائي (٩). وبحديث زيد بن ثابتٍ قال: "نهى رسول الله ﵌ عن

стр. 3105

المخابرة". قال: والمخابرةُ أن يأخذَ الأرضَ بنصفٍ، أو ثلثٍ، أو ربعٍ، أخرجه أبو داود (١). وبحديث جابرٍ قال: قال رسول الله ﵌: "من لم يذرِ المخابرةَ فليأذنْ بحرب من الله ورسوله" أخرجه أو داود (٢). وبما ذكره الحازميُّ في "الاعتبار" (٣) عن رافع بن خُديجٍ أنَّ رجلاً كان له أرضٌ فعجزَ عنها أن يزرعها، فجاء رجلٌ فقال: هل لك أن أزرع أرضَك، فما خرجَ منها من شيء كان بيني وبينَك؟ فقال: نعم حتى أستأذن رسولَ الله ﵌ قال: فأتى رسولَ اللهِ ﵌ فسأله، فلم يرجعْ إليه شيئًا، قال: فأتيتُ أبا بكر وعمر، فقلتُ لهما: فقالا: ارجع إليه، فرجعت إليه الثانيةَ فسألتُه فلم يردَّ شيئًا، فرجعت إليهما فقالا: انطلق فازرعْها، فإنه لو كان حرامًا نهاكَ عنه، قال: فزرعَها الرجلُ حتى انفترَ زرعُها، واخضرَّ، وكانت الأرض على طريقٍ لرسول الله ﵌ فمرَّ بها يومًا، فأبصرَ الزرعَ فقال: "لمن هذه الأرض" فقالوا: لفلان زارعَ بها فلانًا، فقال: "ادعُوهما إليَّ جميعًا" قال: فأتيناه فقال لصاحب الأرض: "ما أنفق هذا في أرضك فردَّه عليه، ولك ما أخرجتْ أرضُك". وهذا الحديثُ قد اعتمده الحازميُّ، وختم به البحثَ. القول الثاني: الجوازُ مطلقًا بلا كراهةٍ، وإليه أيضًا ذهب جماعةٌ من الصحابة، والتابعين، وأهل البيت، والفقهاء، واستدلوا" بأنه ﵌ عامَلَ أهلَ خيبرَ بشطرِ ما يخرجُ من تمر أو زرع". رواه أحمد (٤)، والبخاريُّ (٥)، ومسلم (٦)،

стр. 3106

والترمذي (١)، والنسائي (٢)، وأبو داود (٣)، وابن ماجه (٤)، وفي أخرى للشيخين (٥) لما ظهر ﵌ على خبرَ سألتْه اليهودُ أن يُقِرَّهُم بها على أن يُكْفُوه عملَها ولهم نصفُ الثمر، فقال: "نُقِرُّكم بها على ذلك ما شِئْنَا". وبما رواه ابن عمرَ قال: كانت المزارعُ تُكْرَى على عهد رسول الله ﵌ أنَّ لِرَبِّ الأرض ما على ربيع الساقي (٦) من الزرع، وطائفةً من اثنين لا أدري كم هو، أخرجه النسائي. (٧). وبما في صحيح البخاري (٨) عن قيس بن مسلم، عن أبي جعفر قال: ما بالمدينة أهلُ بيت إلاَّ يزرعون على الثُّلث، والرُّبع، وزارعَ عليٌّ، وسعدُ بنُ مالك، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، وآلُ أبي بكر، وآلُ عمرَ، وآلُ علي، هكذا في صحيح البخاري. وفيه (٩) أيضًا، عامَلَ عمرُ الناسَ على أن جاء بالبَذْرِ من عنده فله الشطرُ وإن جاؤا بالبذر فلهم كذا. وأخرج ابن ماجه (١٠) عن طاووسٍ أن معاذًا بن جبل أكْرى الأرضَ على عهد رسول

стр. 3107

الله ﵌ وأبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ على الثلث، والربع؛ فهو يُعْمَلُ به إلى يومِك هذا. وبحديث ابن عباس أنَّ النبيَّ ﵌ لم يَنْهَ عن المخابرة ولكن قال: "إن يمنحْ أحدُكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذَ عليه خراجًا معلومًا". أخرجه البخاريُّ (١)، وأحمد (٢)، وابن ماجه (٣)، وأبو داود (٤). وبما روى عنه أيضًا أنَّ النبي ﵌ لم يحرِّم المزراعة، ولكن أمر أن يَرْفُقَ بعضُهم ببعض. رواه الترمذي (٥) وصححه. القولُ الثالثُ [١ب]: المنعُ، إذا شرَطَ صاحبُ الأرض شرطًا يستلزمُ الغررَ والجهالةَ والجَواز فيما عدا ذلك. وغليه ذهب جماعةٌ من العلماء. وتمسَّكوا بحديث رافع بن خُديج قال: كنَّا أكثر الأنصار حقْلاًً، وكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربَّما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهانا رسول الله ﵌ عن ذلك. فأما الورِقُ فلم يَنْهَنَا، أخرجه الستةُ، وفي لفظ قال: إنما كان الناسُ يؤاجِرون على عهد رسول الله ﵌ بما على الماذياناتِ، وأقبالِ الجداولِ، وأشياءَ من الزرع، فيهلكُ هذا، ويَسْلَمُ هذا، ولم يكن للناس كراءٌ إلاَّ هكذا، فلذلك زجَرَ عنه، وأما شيءٌ معلوم فلا بأس به، أخرجه مسلمٌ (٦)، وأبو داود (٧) والنسائي (٨).

стр. 3108

المذاينات: جمع ماذيان وهو النهر الكبير، وهذه اللفظة ليست عربية، وإنما هي من لغة أهل السواد، والجداول: الأنهار الصغار. وأقبالها: أوائلها. وفي بعض روايات رافع: كان تكرى الأرض رسول الله ﷺ ، بما ينبت على الأربعاء (١) بشيء يستثنيه صاحب الأرض، قال: فنهى النبي ﷺ عن ذلك. رواه أحمد (٢) والبخاري (٣) والنسائي (٤). القول الرابع: المنعُ إنْ كاتبَ المعاملَة بنصيب مجهول، والجوازُ إن كان النصيبُ معلومًا، وهو أخصُّ من القول الثالث، وتمسُّكهم ببعض ما سبق من حديث رافعٍ. القول الخامس: المنعُ إن فسِّرتْ ببيع الكدسِ بكذا وكذا كما وقع في بعض الروايات عن جابر، لكونه نوعًا من الربا، والجوازُ فيما عدا ذلك مطلقًا، وممن ذهب إلى هذا العلامةُ الجلالُ (٥)، وابنُ حزم (٦). ولا متمسَّكَ لهم إلاَّ ذلك التفسيرُ. القولُ السادس: الكراهةُ مطلقًا. وممن ذهب إلى هذا القول العلامةُ المُقبليُّ. وتمسّكوا بما سبق من قول ابن عباس أن النبيَّ ﵌ لم ينهَ عنها، ولكن قال: "إن يمنحْ أحدُكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذَ عليه خراجًا" (٧) عند البخاري، وأحمدَ، وأبي داودَ، وابن ماجه. وبما روي عنه أيضًا أن النبيَّ ﵌ لم ينْهَ عن المزارعة، ولكن أمر أن يرفُقَ الناس بعضُهم ببعض. رواه الترمذي (٨) صححه. القول السابع: الجوازُ إذا كان البذرُ من ربِّ الأرض، والمنعُ إن لم يكن منه.

стр. 3109

وتمسَّكوا بما وقع في بعض الروايات عن ابن عمرَ. وممن ذهب هذا القول أحمدُ بن حنبل (١). هذا وأنت خبيرٌ بأن القولَ الأول أعني: اختيارَ المنع مطلقًا يدفعُهُ موتُ رسول الله ﵌ وهو معاملٌ لأهل خيبرَ، وكذلك الصحابةُ والتابعون كما سبق، وتأويلاتُهم [٢أ] تلك المعاملَة بأن الأرض مملوكةٌ لرسول الله ﵌ وأهلُها عبيدُه (٢)، والذي أخذوه طُعْمَةً لا أجرةً، أو بأن الأرض مملوكةٌ لهم، والذي أخذه رسول الله ﵌ جزيةٌ (٣) لا أجرةٌ، أو بأن المعاملة كانت مساقاةً على النخيل والبياضِ المتحلِّلِ بين الأرض كان يسيرًا فتقع المزارعة تِبْعًا.

стр. 3110

للمساقاة، كلُّها مُتَعَسَّفَةٌ متناقضةٌ، ودعوى النسخ باطلةٌ (١) لموته ﵌ على تلك المعاملة ودعوى الاختصاص برسول الله ﷺ تكَلُّفٌ يدفعُه عملُ الصحابة والتابعينَ بذلك في عصره ﵌، وبعد موته، وهم أجلُّ من أن يَخْفَى عليهم مثلُ ذلك. وبحديث معاذٍ (٢) السابق وغيره. وأما القول: أعني الجوازَ مطلقًا فغيرُ مرضيٍّ، لأنَّ من جملة وقع إطلاق لفظ المخابرة عليه بيعُ الكدسِ بكذا وكذا، كما وقع في تفسير جابر في بعض الروايات، واشتراط ما يخرج من بعض الأرض كما وقع في حديث رافع (٣)، وبما على السواقي وما يصيبُه الماء كما وقع في حديث سعد بن أبي وقاص (٤)، وبما على الماذيانات وأَقْبالِ الجداولِ كما وقع في حديث رافع أيضًا، بالنصف والثلثِ والرُّبُعِ كما وقع في حديث جابر. وفعله ﵌ في أراضي عُمدة أهل هذا القول في الجواز لا يدلُّ إلاَّ على جواز التأجير بالشطر ونحوه كما وقع روايات الجماعة كلهم، ولم ينقل أنَّه عاملهم بشيء مما وقع في تلك الأحاديث التي صرَّحت بالمنع، حتى تثبت المعارضة، والترجيح فهو من باب الاستدال بالأخصِّ على جميع أفراد الأعمِّ، وهو باطلٌ. وأما القولُ الثالثُ: أعني المنع إذا شرط صاحب (٥) الأرض شرطًا يستلزمُ الغررَ والجهالةَ، والجوازُ فيما عدا ذلك ففيه أنه لا يتمُّ إلاَّ إذا لم يردِ النَّهيُ عن المعلوم، وهو غير مسلَّم لما في حديث رافع في بعض رواياته قال: قال رسول الله ﵌: "من كانت له أرضٌ فليزرعْها، أو ليُزْرِعْها أخاه، ولا يُكْرِهَا بالثلثِ، ولا

стр. 3111

بالربعِ، ولا بطعام مسمَّى" رواه الحازميُّ في "الاعتبار" (١)، ولما في حديث جابرٍ السابق قال: كان لرجالٍِ منَّا فضولُ أرضينَ فقالوا: نؤاجِرُها بالثلثِ أو الربعِ أو النصفِ؟ فقال رسول الله ﵌: "من كانت له أرضٌ فليزرعها، أو لِيَمْنَحْهَا أخاه، ولا يُؤاجِرْها إياه ولا يُكْرِها" أخرجه الشيخان (٢) والنَّسائي (٣). وفيه أيضًا أنه يلزمُهم صِحَّةُ المزارعةِ على ما خرج من مكان من الأرض معلومٍ غيرِ مجهولٍ لعدم حصولِ الغررِ والجهالةِ. وأما القول الرابعُ: أعني المنعَ إن كانت المعاملة بنصيب مجهولٍ، والجواز إن كانت بمعلوم فَيُدْفَعُ بما دُفِعَ بهِ [٢ب] القولُ الثالثُ. وأما القول الخامسُ: أعني المنعَ من المخابرة إن فُسِّرتْ ببعِ الكدسِ بكذا وكذا استدلالاً بما وقع في بعض الروايات عن جابر كما سبق تحكُّمٌ لا يرضاه منصفٌ. والعجبُ من ميل الجلالِ (٤) إلى هذا القولِ، وهذا جابرُ بنُ عبد الله نفسُه قد فسَّرها بالثلثِ والربعِ، كما أخرجه الجماعةُ (٥) عنه، وفسَّرها بالأرض البيضاء يدفعها الرجلُ إلى الرجل فينفقُ فيها ثم يأخذُ من الثمرة كما أخرجه عنه الشيخان (٦)، فإن رجعَ إلى الترجيح في تفاسير جابرٍ على انفرادِها فما أخرجه الجماعةُ أولى مما أخرجه واحدٌ منهم، كيف والأحاديثُ طافحةٌ بتحريم أنحاء مختلفةٍ من المزارعة كما سبق سَرْدُ بعضٍ منها، ولم يعارِضْها معارضٌ.

стр. 3112

وأما القولُ السادس: أعني القولَ بكراهتِها على أيّ صفة كانت تمسُّكًا بما سبق عن ابن عباس فهو لا يتمُّ إلاَّ بعد تسليم أنَّه لم يُرْوَ عن النبيِّ ﵌ ما يعارض ذلك، وقد ثبت من حديث ابن عباس نفسه عن الشيخين والنَّسائي بزيادةِ: "ولا يُكْرِها"، ومن حديث جابر عند مسلم بزيادة: "فإن أبى فَلْيُمْسِكْها" (١) وسائرُ ما سبق في أحاديث النَّهي. وأما القول السابعُ: أعني الجواز إذا كان البذرُ (٢) من ربِّ الأرض، والمنع إذا لم تكن منه فيدفعُه إطلاقاتُ تلك الأحاديثِ السابقةِ في الجوازِ والمنعِ. أما في الجوازِ فحديثُ معاملتِه ﵌ أهلَ خيبرَ، وظاهره أن البَذْرَ منهم كما قال صاحب المنتقى (٣). وأما في المنع فحيدث النَّهي عن المخابرة المفسَّرة بالثلث والربع، وظاهرهُ الإطلاق، ولم يردْ من الأدلة ما يقضي بالتقييد، ويدفعه أيضًا حديث عمر السابق عند البخاري أنه عاملَ الناسَ على إن جاء بالبذرِ مِنْ عنده فلهُ الشطرُ وإن جاؤا به من عندِهم فلهم كذا. والذي ظهر للحقير، أسير التقصير تحريمُ كلِّ مخابرةٍ لم تقع على تلك الصفة التي فعلها رسول الله ﵌ في خيبرَ، لأنها قد وردت في كل نوع منها أدلةٌ قاضيةٌ بالمنع، ولم يعارِضْها معارِضٌ؛ فتحرُمُ المخابرةُ المفسَّرةُ ببيع الكدسِ بكذا وكذا للنَّهي الواقع عنها، ولأنها أيضًا نوعٌ من الربا، ولم يقمْ دليلٌ يقضي بجوازها. وتحرمُ أيضًا المخابرةُ التي اشترطَ فيها المالكُ أن يكون له هذه، وللعاملِ هذه لما في حديث رافع ولا يعارضُهُ ما وقع منه ﵌ في خيبرَ، لأنه وقع لى نحوٍ مخالفٍ له. وتحرمُ أيضًا [٣أ] المخابرةُ بما يكون على السواقي والماذياناتِ وأقبالِ الجداول ونحوِها

стр. 3113

لما وقع في حديث سعدٍ (١) ورافعٍ. وتحرُم أيضًا المخابرةُ بالثلث والربعِ إذا انضمَّ إليها ثلاث جداولَ، وما يسقي الربيعُ لما في حديث رافع أيضًا. ولا عارضه ما وقع منه ﵌ في أراضي خيبرَ لِخُلُوِّهِ عن الاشتراط. وجميعُ هذه الأنواع خارجةٌ عن تلك المعاملة والواقعة منه ﵌، ولم يقم دليل على جوازها. ويبقى الإشكالُ في تأجير الأرضِ بشطر معلومٍ من الثمرة من ثلثٍ، أو ربعٍ، أو نحوه؛ فالأحاديثُ الواردةُ في النَّهي المفسَّرةِ بالثلثِ والربعِ يقضي بالمنع منها، وفعلُه ﵌ في خيبرَ يقضي بجوازها، والقولُ بأنَّ الجوازَ منسوخٌ يأباه موتُه ﵌ على تلك المعاملةِ، واستمرارُ جماعة من الصحابة عليها، وكذلك القولُ بأنَّ النَّهي عنها منسوخٌ يأباه صدورُ ذلك النهي منه ﵌ في أثناء تلك المعاملةِ، ورجوعُ جماعة من الصحابة إلى رواية من روى النَّهيَ بعد موته ﵌، والمصيرُ إلى التعارضُ والترجيحُ أيضًا ممتنعٌ لإمكان الجمعِ بحملِ النَّهي على الكراهةِ لذلك الصارف، وهذا هو الحقُّ الذي كون به صونُ السُّنَّةِ المطهَّرة عن الاطِّراحِ، فتكون المخابرةُ بالنِّصف والثلثِ من غير زيادة شرط مكروهةً فقط، وفي تلك الأنواع السابقةِ محرَّمةً، ولا يقالُ أنَّ النبيَّ ﵌ إذا نهاها عن فعلِ وفعلَهُ كان ذلك مختصًّا به، لأنا نقول: قد استمرَّ على ذلك الفعلِ الصحابةُ في حياته، وبعد موته، وهم أجلُّ من أن يَخْفَى عليهم ذلكَ الاختصاصُ كما سبق تحقيقُ ذلك. فإن قلتَ: يقدحُ في مناقشتك تلكَ الأقوالَ السابقةَ ما جزمتَ به بعدُ من تحريم تلك الصور. قلت: إنما وقعتْ تلك المناقشاتُ باعتبار اقتصار كلِّ قائل على تحريمِ صورةٍ معينة من

стр. 3114

تلك الصور، وعدمِ الالتفاتِ إلى تحريم ما عداها، أو باعتبار تحريم جميع الصور كما في القول الأول، أوت حليل جميعها كما في الثاني، وقد عرفتَ باقي ذلك فلا نعيدُه. ومما يلتحق بتلك الأ، واع المحرمة من المخابرة المحاقلة (١) المفسرة بكرآء الأرض بالحنطة، أو بيعِ الحقل بكَيْلٍ من الطعام معلومٍ، أو بيعِ الطعام في سُنْبُلِهِ (٢) بالبُرِّ؛ لورود النَّهي عنها كما في حديث أبي سعيد عند البخاري (٣)، ومسلم (٤)، والموطأ (٥)، والنَّسائي (٦)، وأبي هريرة عند مسلم (٧)، والترمذيُّ (٨)، والنَّسائيّ (٩)، وابن عباس عند الترمذيّ (١٠)، وجابرٍ عند البخاري (١١)، ومسلم (١٢)، والترمذيّ (١٣)، وأبي داود (١٤)، والنسائي (١٥)، وأنس عند البخاري (١٦)، ورافعِ بن خُدَيْج عند النَّسائي (١٧)، وابن المسيّب عند مسلم (١٨)،

стр. 3115

والنَّسائي (١)، فهي محرَّمةٌ بهذه الأدلة، ولم يقم دليلٌ على جوازها. ويجوز التأجيرُ بالذَّهب والفضة لما وقع في حديث سعد بن أبي وقاص السابق مرفوعًا بلفظ: "فنهاهم أن يُكْرُوها بذلك، وقال: اكْرُوهَا بالذهب والفضة" عند أحمد (٢)، وأبي داود (٣)، والنسائي (٤). ولما وقع أيضًا في حديث (٥) رافعٍ السابق غير مرفوع. وإنما استطردتُ ذكرَ المحاقلة لأنَّها قد فسِّرت في بعض الروايات بالمخابرة وفي بعضها بالمزارعة، فهي داخلةٌ في البحث بهذا الاعتبار. وإنما استطردتُ أيضًا ذِكْرَ تأجير الأرض بالذهب والفضة، لأنَّ الفاكِهاني حكى عن الحسِ وطاوسٍ المنعَ من كِراء الأرض بكل حال، سواءٌ أكْرَاها بطعام، أو ذهب، أو وَرِق، لإطلاق أحاديث النَّهي، وعدم لزوم الحجة بقول الراوي، وهو غفلةٌ عن حديث سعد، فإنه مرفوعٌ، ولا شك في صلاحيته للتخصيص. والحمدُ لله، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلَّم. حُرِّرَ بقلم جامعِهِ الحقير محمد بن علي الشوكاني ـ غفر الله لهما ـ في عشية الثلاثاء من شهر جمادى الأولى سنة ١٢٠٢.

стр. 3116

(١٢٣) ٣٥/ ١ رسالة في: حكم المخابرة تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3117

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "رسالة في حكم المخابرة". ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم" الحمد لله الذي ميَّز لنا في المعاملات الحلال من الحرام كما فصَّل لنا في العبادات جميع الشرائع والأحكام ... ". ٤ - آخر الرسالة: " ... والحمد لله أولاً وآخرًا وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. انتهى من تحرير المجيب محمد بن علي الشوكاني حفظه الله ومد لنا في مدته إنَّه جوادٌ كريم، آمين آمين آمين. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٧ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرًا ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها ١٤ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3118

هذا بحثُ شيخِنا العلَمِ، والجوابُ عليه قد تقدَّم قبلَه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله الذي ميَّز لنا في المعاملات الحلالَ من الحرامِ، كما فصَّل لنا في العباداتِ جميعَ الشرائعِ والأحكامِ، نحمدُه على حُسْنِ معاملتِه، وسوابغ إنعامه، وجزيل امتنانه. والصلاةُ والسلام على مَنْ خاطبَ الله العبادَ على لسانِهِ بـ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) تفخيمًا لشأنه وبعدُ: فإني تصفَّحْتُ ما حرَّرَهُ الصفيُّ العلامةُ فخرُ الأوانِ، ونبيلُ الأقران محمدُ بنُ عليٍّ الشوكاني ـ لا برح في خلال المحامد ـ، رفيع المباني، مستمدًا من بحر علمه، ومَعينِ تحقيقه القاصي والداني في مسألة المخابرة (٢)، وما سَرَدَهُ من أقوالِ العلماء فيها، وإيرادُ حُجَّةِ كلِّ قائلٍ، وما يَرُدُّ عليها، وما ختَمَ به البحثَ مما تفردَ بالمصير إليهِ، فأجاد كل الإجادة، كثر الله فوائده، وشكر سعيه، وجعلني وإياه ممن آثر كلامَ معلّم الشرائع على مَنْ سواه، ولزم هديَهُ. إلاَّ أنَّه لما خُيِّلَ لفهمي القاصر أنَّ الأظهرَ في المقامِ هو المنعُ من المخابرةِ كما هو رأيُ أهل القولِ الأولِ، بمقتضى الأدلةِ التي ساقَها لهم، بعضُها تصريحُ النهي، وبعضُها بما يلزم منه النهيُ عنها، وبعضُها بالوعيدِ على مَنْ يدعْها. وكان الذي ظهرَ له لم يخلُصْ إلى المنعِ منها مطلقًا، حتى يرتفعَ الخلافُ من البيِّنِ، ويطمئنُّ الخاطرُ باتحاد القولينِ، وتتحققُ فيما بيني وبينَه في ذلك المخابرةُ، ويستريحُ كلّ منا عن نسبةِ ما قاله الآخَرُ إلى المكابرةِ، أحببتُ مراجعتَه بما سَنح لي في هذا القِرطاسِ، فإن يكنْ صوابًا فهوَ الباعثُ عليه من حيثُ إنّ رسالتَه في ذلكَ هي الأساسُ، وإن يكن خطأً فالمأمونُ من كريمٍ سجاياهُ التنبيهُ على ذلكَ، والإيضاحُ بما يزيلُ الالتباسَ.

стр. 3119

ومع السلوك معهُ تولاَّه الله في مرجوحية ما عدا القولَ الأولَ، وما رجَحَ لهُ في المسألة آخرًا لا حاجةَ بنا إلى الكلامِ على كّ [قولٍ] (١)، من بقية الأقوالِ، وما أورده عليها إذ هو تطويلٌ بما لا طائلةَ تحتَه، ولمَّا كان الأظهرُ في ظنِّي هو القولُ الأولُ لم يكن لي غرضٌ من هذا الرَّقْمِ إلاَّ ذِكرَ ما يؤيدُه، ودفعَ ما يَرُدُّ عليهِ، لكنه استدعى ذلك بيانَ مدلولِ لفظِ المخابرةِ، ليتضحَ ما هو المقصودُ بالنهي من النواهي الصريحةِ المطلقةِ عن التفسير من الراوي، فانحصر مقصودي في بحثينِ: الأولُ: في بيانِ مدلولِ لفظِ المخابرةِ، وهل هو متَّحدُ المعنى أو متعدِّدُهُ، حقيقةً أو مجازًا. الثاني: في دفع ما أورد على القولِ الأولِ. البحثُ الأول: في بيان لفظ المخابرة، أقول: هاهنا أنواعٌ من المعاملةِ أُطْلِقَ لفظُ المخابرةِ، النوع الأول، إكراءُ الأرضِ بنصيبٍ معلومٍ من غِلَّتها كما وقعَ [١٣] في أراضي خيبرَ، فهذا النوعُ هو المسمَّى بالمخابرةِ حقيقةً، سواءٌ أَطْلقَتْ، أو قيِّدت بشرطٍ أيّ شرطٍ؛ إذ استعمالُ العامِ في الخاص من حيث إنه فردٌ من أفراده حقيقة. الثاني: بيعُ الكُدُسِ؛ وهو بيعُ ما جُمِعَ من الطعامِ بكذا وكذا صاعًا، كما وقع في حديث جابرٍ (٢). الثالث: إكراءُ الأرضِ بما يكون على السواقي (٣) والماذيانات، وفي معناه إكراءُها على أن يكونَ لربّ الأرض هذه، وللأجير هذه. الرابع: المحاقلةُ (٤)، وهي إكراءُ الأرض بالحنطة. فهذه أربعة أنواع من المعاملة قد أطلقَ عليه لفظ المخابرة. الأول منها حقيقة، وما سواهُ مجازٌ؛ إذ لا يتبادرُ عند الإطلاقِ

стр. 3120

إلاَّ المعنى الأول، والمتبادَرُ علامةُ الحقيقةِ، قال في القاموس (١): المخابرةُ أن يزرعَ على النصفِ ونحوِه، وفي النهاية (٢): ونَهَى عن المخابرةِ قيل: هي المزارعةُ على نصيب معيَّنٍ كالثُّلثِ، والرُّبُعِ، وغيرِهِما. وقيلَ أصلَ المخابرةِ من خيبرَ، لأن النبيَّ ﵌ أقرَّها في أيدي أهلها على النصف من محصولِها، فقيل خابرَهُم، أي: عاملَهم في خيبرَ انتهى، لا يقالُ يكونُ حقيقةً في الكلّ على جهة الاشتراك، لأنّا نقولُ: القاعدةُ الأصوليةُ (٣) إذا تردَّدَ اللفظُ بين المجازِ والاشتراكِ فحملُه على المجازِ أوْلى لوجوهٍ ليسَ هذا موضعَ ذِكْرِها. إذا عرفتَ هذا فمتى أطلق لفظُ المخابرةِ، ولم يفسِّرْهُ الراوي كما وقع في أكثر الروايات، فإنما ينْصَرِفُ إلى مسمَّى المخابرةِ حقيقةً، وهو النوع الأول، وإذ الأصلُ الحقيقة. فإن قلتَ: الجميعُ منهيٌّ عنه فلا ضيرَ في فَهْمِ جميعِ الأنواعِ المذكورةِ من نحوِ نهي عن المخابرة. قلتُ: ذلك مع كونِه مُسْتَغْنَى عنهُ بقيامِ الأدلةِ المانعةِ من كل منها خلطٌ بين الحقيقةِ والمجازِ، ولا ما يخفى ما فيه النزاع. لا يقالُ النَّهيُ عن المخابرة محمولٌ على الكراهةِ كما ذهبَ إليه أهلُ القولِ السادسِ مطلقًا، وكما ذهب إليه صاحبُ الرسالة (٤) في مثل المخابرةِ الواقعةِ في حينِه، أما على مذهبِ مَنْ يقولُ: النهيُ حقيقةٌ في الكراهةِ فظاهرٌ،
следующие страницы →