(١٢٣) ٣٥/ ١
رسالة في: حكم المخابرة
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3117
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "رسالة في حكم المخابرة".
٢ - موضوع الرسالة: "فقه".
٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم" الحمد لله الذي ميَّز لنا في المعاملات الحلال من الحرام كما فصَّل لنا في العبادات جميع الشرائع والأحكام ... ".
٤ - آخر الرسالة: " ... والحمد لله أولاً وآخرًا وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. انتهى من تحرير المجيب محمد بن علي الشوكاني حفظه الله ومد لنا في مدته إنَّه جوادٌ كريم، آمين آمين آمين.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ٧ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرًا ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها ١٤ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3118
هذا بحثُ شيخِنا العلَمِ، والجوابُ عليه قد تقدَّم قبلَه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله الذي ميَّز لنا في المعاملات الحلالَ من الحرامِ، كما فصَّل لنا في العباداتِ جميعَ الشرائعِ والأحكامِ، نحمدُه على حُسْنِ معاملتِه، وسوابغ إنعامه، وجزيل امتنانه. والصلاةُ والسلام على مَنْ خاطبَ الله العبادَ على لسانِهِ بـ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) تفخيمًا لشأنه وبعدُ:
فإني تصفَّحْتُ ما حرَّرَهُ الصفيُّ العلامةُ فخرُ الأوانِ، ونبيلُ الأقران محمدُ بنُ عليٍّ الشوكاني ـ لا برح في خلال المحامد ـ، رفيع المباني، مستمدًا من بحر علمه، ومَعينِ تحقيقه القاصي والداني في مسألة المخابرة (٢)، وما سَرَدَهُ من أقوالِ العلماء فيها، وإيرادُ حُجَّةِ كلِّ قائلٍ، وما يَرُدُّ عليها، وما ختَمَ به البحثَ مما تفردَ بالمصير إليهِ، فأجاد كل الإجادة، كثر الله فوائده، وشكر سعيه، وجعلني وإياه ممن آثر كلامَ معلّم الشرائع على مَنْ سواه، ولزم هديَهُ. إلاَّ أنَّه لما خُيِّلَ لفهمي القاصر أنَّ الأظهرَ في المقامِ هو المنعُ من المخابرةِ كما هو رأيُ أهل القولِ الأولِ، بمقتضى الأدلةِ التي ساقَها لهم، بعضُها تصريحُ النهي، وبعضُها بما يلزم منه النهيُ عنها، وبعضُها بالوعيدِ على مَنْ يدعْها.
وكان الذي ظهرَ له لم يخلُصْ إلى المنعِ منها مطلقًا، حتى يرتفعَ الخلافُ من البيِّنِ، ويطمئنُّ الخاطرُ باتحاد القولينِ، وتتحققُ فيما بيني وبينَه في ذلك المخابرةُ، ويستريحُ كلّ منا عن نسبةِ ما قاله الآخَرُ إلى المكابرةِ، أحببتُ مراجعتَه بما سَنح لي في هذا القِرطاسِ، فإن يكنْ صوابًا فهوَ الباعثُ عليه من حيثُ إنّ رسالتَه في ذلكَ هي الأساسُ، وإن يكن خطأً فالمأمونُ من كريمٍ سجاياهُ التنبيهُ على ذلكَ، والإيضاحُ بما يزيلُ الالتباسَ.
стр. 3119
ومع السلوك معهُ تولاَّه الله في مرجوحية ما عدا القولَ الأولَ، وما رجَحَ لهُ في المسألة آخرًا لا حاجةَ بنا إلى الكلامِ على كّ [قولٍ] (١)، من بقية الأقوالِ، وما أورده عليها إذ هو تطويلٌ بما لا طائلةَ تحتَه، ولمَّا كان الأظهرُ في ظنِّي هو القولُ الأولُ لم يكن لي غرضٌ من هذا الرَّقْمِ إلاَّ ذِكرَ ما يؤيدُه، ودفعَ ما يَرُدُّ عليهِ، لكنه استدعى ذلك بيانَ مدلولِ لفظِ المخابرةِ، ليتضحَ ما هو المقصودُ بالنهي من النواهي الصريحةِ المطلقةِ عن التفسير من الراوي، فانحصر مقصودي في بحثينِ:
الأولُ: في بيانِ مدلولِ لفظِ المخابرةِ، وهل هو متَّحدُ المعنى أو متعدِّدُهُ، حقيقةً أو مجازًا.
الثاني: في دفع ما أورد على القولِ الأولِ.
البحثُ الأول: في بيان لفظ المخابرة، أقول: هاهنا أنواعٌ من المعاملةِ أُطْلِقَ لفظُ المخابرةِ، النوع الأول، إكراءُ الأرضِ بنصيبٍ معلومٍ من غِلَّتها كما وقعَ [١٣] في أراضي خيبرَ، فهذا النوعُ هو المسمَّى بالمخابرةِ حقيقةً، سواءٌ أَطْلقَتْ، أو قيِّدت بشرطٍ أيّ شرطٍ؛ إذ استعمالُ العامِ في الخاص من حيث إنه فردٌ من أفراده حقيقة.
الثاني: بيعُ الكُدُسِ؛ وهو بيعُ ما جُمِعَ من الطعامِ بكذا وكذا صاعًا، كما وقع في حديث جابرٍ (٢).
الثالث: إكراءُ الأرضِ بما يكون على السواقي (٣) والماذيانات، وفي معناه إكراءُها على أن يكونَ لربّ الأرض هذه، وللأجير هذه.
الرابع: المحاقلةُ (٤)، وهي إكراءُ الأرض بالحنطة. فهذه أربعة أنواع من المعاملة قد أطلقَ عليه لفظ المخابرة. الأول منها حقيقة، وما سواهُ مجازٌ؛ إذ لا يتبادرُ عند الإطلاقِ
стр. 3120
إلاَّ المعنى الأول، والمتبادَرُ علامةُ الحقيقةِ، قال في القاموس (١): المخابرةُ أن يزرعَ على النصفِ ونحوِه، وفي النهاية (٢): ونَهَى عن المخابرةِ قيل: هي المزارعةُ على نصيب معيَّنٍ كالثُّلثِ، والرُّبُعِ، وغيرِهِما. وقيلَ أصلَ المخابرةِ من خيبرَ، لأن النبيَّ ﵌ أقرَّها في أيدي أهلها على النصف من محصولِها، فقيل خابرَهُم، أي: عاملَهم في خيبرَ انتهى، لا يقالُ يكونُ حقيقةً في الكلّ على جهة الاشتراك، لأنّا نقولُ: القاعدةُ الأصوليةُ (٣) إذا تردَّدَ اللفظُ بين المجازِ والاشتراكِ فحملُه على المجازِ أوْلى لوجوهٍ ليسَ هذا موضعَ ذِكْرِها.
إذا عرفتَ هذا فمتى أطلق لفظُ المخابرةِ، ولم يفسِّرْهُ الراوي كما وقع في أكثر الروايات، فإنما ينْصَرِفُ إلى مسمَّى المخابرةِ حقيقةً، وهو النوع الأول، وإذ الأصلُ الحقيقة.
فإن قلتَ: الجميعُ منهيٌّ عنه فلا ضيرَ في فَهْمِ جميعِ الأنواعِ المذكورةِ من نحوِ نهي عن المخابرة.
قلتُ: ذلك مع كونِه مُسْتَغْنَى عنهُ بقيامِ الأدلةِ المانعةِ من كل منها خلطٌ بين الحقيقةِ والمجازِ، ولا ما يخفى ما فيه النزاع. لا يقالُ النَّهيُ عن المخابرة محمولٌ على الكراهةِ كما ذهبَ إليه أهلُ القولِ السادسِ مطلقًا، وكما ذهب إليه صاحبُ الرسالة (٤) في مثل المخابرةِ الواقعةِ في حينِه، أما على مذهبِ مَنْ يقولُ: النهيُ حقيقةٌ في الكراهةِ فظاهرٌ،
стр. 3121
وأما على القولِ بأنّه حقيقةٌ في التحريم فالمراد عند عدمِ القرينةِ. وهاهنا القرينةُ فعلُه ﵌ في خيبر، لأنّا نقولُ: القولُ بأنَّ النهيَ حقيقةٌ في الكراهة مذهبٌ مرجوحٌ. ولو سُلّمَ فالقائل بذلك إنما يقولُ به في مقام لا قرينة في فيدل على إرادة التحريم. وهنا قد وُجِدَتْ؛ وهي قوله ﵌: "من لم يذَرِ المخابرةَ فليأذن بحرب من الله ورسولِه" (١) فإنه أفاد هذا الوعيد أنّ النّهي في سائر الروايات مرادٌ منه التحريمُ، ودعوى كونِ ذلكَ مبالغةً في شدةِ الكراهةِ خلافُ الظاهرِ، لا يقولُ به منصفٌ.
البحث الثاني: في دفْعِ ما أوردَهُ صاحبُ الرسالة على القولِ [١٤].
قوله: هذا وأنتَ خبيرٌ بأن القولَ الأولَ أعني: اختيارَ المنعِ مطلقًا يدفعُهُ موتُ رسول الله ﵌ وهو معاملٌ لأهلِ خيبرَ.
أقول: هذا الفعلُ الصادرُ منه ﵌ معلومٌ أنه ليس جِبِلِّيًّا، ولا بيانًا، لكنه يقالُ: لِمَ لا يكونُ خاصًّا؟ ودليل الخصوصية صرائحُ النهي لمن سواه، وفعلُ غيرها ليس بحجَّةٍ سلَّمنا أنه خصوصيةٍ فكونُ مطلقِ الفعلِ حجَّةً بحل النزاع. قال العلامة ابنُ الإمام: اختُلِفَ في فعلِ الرسول ﵌ وهو هو دليلٌ شرعيٌّ على ثبوت مثل ذلك الفعل الواقع في خيبرَ، بوجوه من التأويلات [في حقبا] (٢) أم لا انتهى، سلّمنا فإنّما يكون حجّةً إذا لم يكن له مَحْمَلٌ غيرَ التشريعِ، وقد يُؤَوَّلُ ذلك الفعلُ الواقعُ في خيبرَ بوجوهٍ من التأويلاتِ، ودعوى أنها متَعَسَّفَةٌ متناقضةٌ خاليةٌ عن برهانٍ سلّمنا، فالواقعُ منه ﵌ إنما هو مع يهود خيبر في أراضي مُلِكَتْ بنوعٍ من التملُّكاتِ، فيُقْتصَرُ على ما وردَ ويكونُ ذلك الفعل دليلا على جواز مثله في أرض مُلِكت كذلك مع مَنْ هو بتلكَ الصفةِ. سلّمنا فإثباتُ ذلك الحكمِ
стр. 3122
للمسلمينَ فيما بينهم في أرضٍ ملكتْ بأي نوع من التملُّكاتِ إنما يكون بطريقِ الإلحاقِ والقياسِ، وهو ما يسميهِ الأصوليون قياسًا في معنى الأصلِ (١)، وقياسًا بالفارق، فيكونُ قياسًا في مقابلةِ النصِّ (٢). ولا يخفى بطلانُهُ.
فإنْ قلتَ: ليس الحجّةُ في هذا المقامِ فعلُه، بل الحجةُ تقريرُه لما وقع من بعضِ الصحابةِ من مثلِ ذلك الفعلِ.
قلتُ: هذا مع كونه لم يُسْتَنَدْ إليهِ في مقامِ الاستدلالِ لا يَتِمُّ المطلوبُ، لأنه يكونُ ذلكَ التقريرُ على القول بحجيّته تخصيصًا لعمومِ النهي عن المخابرة لأولئك الذين قرَّرَهُم. وأما غيرُهم ففيه أنه قال العلامةُ ابنُ الإمام في بحثِ التخصيص بالتقرير ما صورتُه: فإذا قَدَر واحدٌ من المكلّفينَ على خلافِ مقتضَى العامّ كان مخصِّصًا له عند الأكثرينَ، وإذا ثبتَ الجوازُ في حقّ ذلك الواحد، فإنْ تبيَّنَ معنى هو العلةُ لتقريرِه الحقّ بهِ مشاركةً في ذلك المعنى، إما بالقياس، وإما بنحوٍ حكميٍّ على الواحدِ (٣)، حكميّ على الجماعة إن
стр. 3123
ثبتَ، وقولُه (١) ﵌ في خطبة حَجَّةِ الوداعِ: "هل بلّغتُ؟ " قالوا: نعم، قال: "فَلْيُبَلّغِ الشاهدُ منكمُ الغائب" انتهى، وقد عرفتَ أن القياسَ في مقابلةِ النصِّ مُطَّرَحٌ.
وقوله: حكميٌّ على الواحدِ إلخ، حديثٌ فيهِ مقالٌ مشهورٌ، فكيف يُسْتَنَدُ إليه! وتُهْمَلُ عموماتُ صرائحِ النهي في الأحاديثِ الصحيحةِ، وأما قولُه ﵌: "فَلْيُبَلِّغِ الشاهدُ منكم الغائب"، فالمُراد يبلغُ الشاهدُ ما وقعَ في تلك الخطبةِ، أو ما سمعهُ من الأحكامِ بقرينةِ قولِه في آخرِ الحديثِ: "فرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع" وعلى التقديرينِ لا يفيدُ المطلوبَ.
قوله: ودعوى النسخِ باطلةٌ بموتِهِ ﵌ [١٥]ـ على بُعْدِ هذهِ المعاملةِ.
أقول: لم يسبقْ منه نسبةُ هذه الدعوى لأهلِ القولِ الأولِ في مقامِ الاستدلال لهم، حتى ترتَّبَ إبطالُها عليه هاهنا، وعلى فرض صدورها منهم هي لا تتمُّ كما ذكرهُ لكنْ مع ما ذكرنَاهُ لا حاجَة إليها، إذا عرفتَ هذا علمتَ ما في الاحتجاجِ بالفعلِ الصادرِ منه ﵌ في مثل هذا المقام، وكذلك ما صدر من بعض الصحابة في زمنه، وحينئذٍ يتعيَّنُ المصيرُ إلى القولِ. وبهذا يندفعُ ما أوردَ على القولِ الأولِ.
هذا وأنتَ إذا تحقَّقتَ ما سقته في هذين البحثين خصوصًا التالي عرفت موجوحية ما سوى القول الأول على الإطلاق، وأن قول من وُجِّه إليه هذا الخطاب، والذي ظهر للحقي تحريم كل مخابرةٍ وتفصيله لهذه الكلية بذكر كل نوع بدليله كلامٌ مسلّمٌ مرضيّ، وأن قولَه: ويبقى الإشكالُ في تأجير الأرضِ بشطرٍ معلومٍ من الثمرة من ثُلُثٍ، أو رُبُعٍ، أو نحوِ ذلكَ. وساقَ الكلام حتى حمل النهي النواهي القاضية بالتحريم المدفوع عنها احتمال الكراهة بذلك الوعيد الشديد على خلاف ظاهرها كما هو مذهب الأكثر كلامٌ
стр. 3124
غير مسلم، وتعرف أيضًا أن قوله في غضون ذلك البحث: قد استمرّ على ذلك الفعل الصحابة في حياته، وبعد موته إن أراد جميع الصحابة ناقض ما حكاه عن أهل القول الأول، فقد قال به جماعةٌ من الصحابة كما سبق له، وإن أراد البعض فإنْ كان في حياتِه ﵌ وسلّمنا اطّلاعَه على ذلك كان تقريرًا، وفيه ما سمعتَه، وإن يكن بعد موتِهِ فالحجَّةُ إنما هي قولُه وتقريرُه وفعلُه إنْ لم يعارِضْهُ صريحُ القولِ على أنه قد نقَلَ رجوعَ ابن عمرَ عنها، فلا يَبْعُدُ رجوعُ غيرِهِ. ولم يُنْقَلْ هذا.
واعلم أن تفرَّدَ صاحبِ الرسالةِ بما ذهبَ إليه مبنيٌّ على القولِ بجوازِ إحداث قولٍ في المسألةِ بعد استقرارِ (١) قول المجتهدينَ، وإن كان قول الأكثر بخلافه الأظهر.
والمسألة مبسوطةٌ في أصول الفقهِ معروفةٌ، والله ولي التوفيق، ونسأله الهدايةَ إلى خير طريقٍ، وصلى الله وسلم على محمد الأمينِ، وآله الأكرمينَ آمينَ.
стр. 3125
هذا جوابٌ مني عن بحثِ شيخِنا العلَمِ ﵀ الذي سيأتي، وله في الورقةِ الثالثةِ بعدَ هذهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله والطاهرين، وعلى صحبه الراشدينَ، وبعدُ.
فإنَّها لما وصلتْ هذه الرسالةُ التي سمحَ بها متدَفِّقُ بحر علمِ شيخِنا المحققِ، المدققِ، العلامة المجتهد، إمام المعقول والمنقول، حِبْر الفروع والأصول، علَم الجَهابِذَةِ الأعلام، وحِبر شرائع الإسلام، مَنْ لا أُسميه إجلالا وتَكْرِمَةً؛ إذ قدْرُهُ المتعلي عن ذاكَ يكفينا إلى تلميذه الحقير، أسير التقصير، أذْهَبْت ـ كما علم الله ـ عن ذهنه الجامد ما تعلَّق به من ضدِّ المخابرةِ، وأوجبت لما اشتملت على تحقيق التحقيق سلبُ المناظرةِ والمكابرةِ، ولم أجدْ فيها ما يَحتملُ القيلَ والقالَ، والمراجعةَ والجدالَ.
فأقول: قولُه ـ حفظه الله ـ: لأنا نقولُ: القولُ بأنَّ النَّهيَ حقيقةٌ في الكراهة مذهب مرجوح لا يناسبُهُ (١).
قوله: ولو سُلِّم فهذا الفعلُ المدَّعى كونُه قرينةً، لأنَّ ذلك التسليم في قوة سلَّمنا أنَّ القول أبان حقيقةً في الكراهة راجحٌ، وبعدَ ثبوت ذلكَ لا يُحتاجُ إلى القرينة، لأنَّ القرينة إنما جابَها المدَّعي للصرف (٢) عن التحريمِ إلى الكراهةِ (٣)، فكانَ الأنسبُ أن يقولَ: لأنَّا
стр. 3126
نقولُ أنَّ النهي حقيقةٌ (١) في التحريمِ، ولا نسلِّم ذلكَ الفعلَ المدعى قرينة إلخ.
قوله: لِمَ لا يكون خاصًا به؟ ودليلُ الخصوصيةِ، إلى قولِه: وفعلُ غيرِه ليسَ بحجيَّةٍِ.
أقول: نعمْ لا حُجَّةَ في فعلِ غيره، لكنَّ خفاء الخصوصيةِ على مثلِ أكابرِ الصحابةِ كعليٍّ، وعمرَ، ومعاذٍ، وابن مسعود، وجميع أهلِ المدينة بعيدٌ، لا سيَّما وقدِ استمرَّ على ذلك بعد موته ﵌ كما ثبت في حديث ابن عمر عند الخمسة (٢) أنَّ عمرًا لما وُلِّيَ خيرَ أزواج النبي ﵌ أنْ يقطع لهنَّ الأرض والماء، أو يضمن لحصن الأوساق في كل عام ... الحديث، وكما أخرجه البخاري (٣) أيضًا عن عمر أنه عامل الناس على أنْ جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاؤا [١٧] بالبذرِ فلهم كذا. وكما أجرجه ابن ماجه (٤) أن معاذًا أكْرَى الأرض على عهد رسول الله ﵌ وأبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ ﵃ على الثُّلُث، والرُّبُع.
قوله: فكون مطلق الفعل الخ
стр. 3127
أقول: قولُ الله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١) والمأتيُّ به أعمُّ أن يكون قولاً، وفعلاً، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: [الأحزاب: ٢١]. (٢): أفعال النبي ﷺ تنقسم إلى سبعة أقسام:
١ - ماكان من هواجس النفس وحركات البشرية كتصرُّف الأعضاء وحركات الجسد فهذا القسم لا يتعلق به أمرٌ باتباع ولا نهيٌ عن مخالفته وليس فيه أسوة ولكنه يفيد أن مثل ذلك مباح.
قال : ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣].
٢ - ما لا يتعلق بالعبادات ووضح فيه أمر الجبلة، كالقيام والقعود ونحوهما فليس في تأس ولا به اقتداءٌ ولكنه يدل على الإباحة عند الجمهور.
٣ - ما احتمل أن يخرج عن الجبلة إلى التشريع بمواظبته عليه على وجه معروف وهيئةٍ مخصوصة كالأكل والشرب واللُّبس والنوم فهذا القسم دون ما ظهر فيه أمر القربة وفوق ما ظهر في أمر الجبلة على فرض أنَّه لم يثبت فيه إلا مجرَّد الفعل، وأما إذا وقع منه ﷺ الإرشاد إلى بعض الهيئات كما ورد عنه الإرشاد إلى هيئة من هيئات الأكل والشرب فهذا خارج عن هذا القسم داخل فيما سيأتي.
٤ - ما علم اختصاصه به ﷺ كالوصال والزيادة على أربع فهو خاص لا يشاركه فيه غيره.
٥ - ما أبهمه ﷺ لانتظار الوحي كعدم تعيين نوع الحج مثلاً، فقيل يقتدي به في ذلك وقيل لا.
٦ - ما يفعله مع غيره عقوبة له كالتصرف في أملاك غيره عقوبةً له اختلفوا هل يُقتدى به فيه أم لا فقيل يجوز وقيل لا يجوز وقيل هو بالإجماع موقوف على معرفة السبب، وهذا هو الحقُّ فإن وضح لنا السبب الذي فعله لأجله كان لنا أن نفعل مثل فعله عندوجود مثل ذلك السبب وإن لم يظهر السبب لم يجز، وأمَّا فعله بين شخصين متداعيين فهو جار مجرى القضاء فتعين علينا القضاء بما قضى به.
٧ - الفعل المجرد عما سبق، فإن ورد بيانًا كقوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلي" فلا خلاف أنّه دليلٌ في حقنا وواجبٌ علينا وإن ورد بيانًا لمجمل كان حكمه حكم ذلك المجمع من وجوب وندبٍ كأفعال الحج وأفعال العمرة وصلاة الفرض وصلاة الكسوف.
وإن لم يكن كذلك بل ورد ابتداءً، فإن علمت صفته في حقه من وجوب أو ندب أو إباحة فاختلفوا في ذلك على أقوال:
الأول: أن أمته مثله في ذلك الفعل إلا أن يدلُّ على اختصاصه به وهذا هو الحقُّ.
الثاني: أن أمته مثله في العبادات دون غيرها.
الثالث: الوقف.
الرابع: لا يكون شرعًا لنا إلا بدليل.
وإن لم تعلم صفته في حقه وظهر في قصد القربة فاختلفوا فيه على أقوال.
انظر: "البحر المحيط" (٤/ ١٨٠)، "المحصول" (٣/ ٢٢٩)، "إرشاد الفحول" (ص١٥٧ - ١٦٥) "المعتمد" (١/ ٣٤٨).
стр. 3128
ـ ﵌ دليلٌ شرعيٌّ إن لم يكن (١) جِبِليًّا (٢).
قوله: ودعوى أنها متناقضةٌ متعسَّفةٌ خاليةٌ عن برهان.
أقول: برهان التناقض أنَّ أحد التأويلات أثبت أنهم مملكون (٣) لرسول الله ﵌ والأرض أرضه، والآخر أثبت حريتهم (٤) والأرض لهم، وهذا تناقض ظاهرٌ، وبرهان التعسف أن أخرج الشيخان (٥) لما ظهر رسول اله ﵌ على خيبر سألته اليهود أن يقرهم بها على أن يكفوه عملها، ولهم نصف الثمرة فقال: "نقرِّكم بها على ذلك ما شئنا" وهذا صريحٌ بأنَّ المأخوذَ في مقابلةِ ............
стр. 3129
العمل (١) فالقول بأنَّ المأخوذ جزية (٢) تعسفٌ ظاهرٌ، وكذا القول بأن نفعه مخالف لما وقع في لفظ الحديث من أنه عامل أهل خيبر بشطرِ ما يخرج عند الجماعة كلهم، لأن المعاملة المؤاجرة، وكذا سائر التأويلات.
قوله: فيُقْتَصَرُ على ما ورَدَ.
أقول: هذا جمعٌ حسنٌ، ولكنه مخالفٌ لما ذكره شيخُنا ـ حفظه الله ـ في أولِ الرسالة (٣) من أن الراجحَ عندهُ القولُ الأولُ، لأنَّ القائلَ به لا يجيز ذلكَ.
قوله: فإثباتُ ذلكَ الحكمِ للمسلمينَ إلى قوله: ولا يخفَى بطلانُهُ.
أقول: بل لا بدَّ لشيخِنا ـ حفظه الله ـ في تعميمِ التحريمِ من سلوكِ هذه الطريقةِ إنْ مشى على مذهبِ الأكثرِ أنَّ لفظَ نهى عن المخابرة (٤)، نهى عن بيع الحصاة (٥)، نهى عن الغَرَرِ (٦)(٧) لا يعمُّ كما حكاه المحقق ابن الإمام.
стр. 3130
وأما حديثُ (١) من لم يَذَرِ المخابرةَ، فهو وإن كان عامًا إلا أنه ـ حفظه الله ـ قد خصَّصَهُ فضعفتْ حُجِّيَّتُهُ، ولهذا ذهبَ جماعةٌ من أهلِ الأصولِ (٢) إلى أنَّهُ بعدَ التخصيصِ
стр. 3131
ليسَ بِحُجَّةٍ. وذهب آخرونَ إلى أنه لا يكونُ حجةً إلاَّ في .....................................
стр. 3132
أقلَّ الجمع (١). ومع هذا فتناولُهُ لما بقيَ ليسَ إلا بطريقِ المجازِ على المذاهبِ المختارِ.
قوله: وقد عرفتَ أنَّ القياسَ في ..............................
стр. 3133
في مقابلةِ النصِّ مطرح (١).
أقول: هذا من باب التخصيصِ بالقياسِ، وهو شايعٌ ذائعٌ، وليس من قبيلِ القياسِ في مقابلةِ النصِّ؛ فإنْ كانَ شيخُنا يمنعُ التخصيصَ بالقياسِ فلا بأسَ.
قوله: حديثٌ فيه مقابلةٌ مشهورٌ.
أقول: نعم، ولكن يشهدُ له حديث: "ما قولي لامرأةٍ واحدةٍ إلا كقولي لمائة امرأة" عند النسائيِّ (٢)، وهو عند الترمذيِّ (٣) بلفظ [١٨]: "إنما قولي لمائة امرأةٍ كقولي لامرأةٍ واحدة". وقال حسَنٌ صحيحٌ.
وهو أيضًا في مسندِ (٤) أحمدَ. وعمَلُ الصحابةِ فإنهم حكموا على الكلِّ لما حكَمَ به النبيُّ ﵌ على البعضِ، كضربِهِمُ الجزية على كل مجوسيّ لضربه الجزية على مجوس هَجَرَ، وشاع وذاع فكان إجماعًا. ويشهدُ له ايضًا قولُه ﵌ لأبي بُرْدَةَ ف يالتضحيةِ بالجَذْعَةِ: "تجزيكَ ولا تُجزي عن أحدٍ بعدَك" (٥) فلولا أنَّ لفظَ تجزيكَ قد أفادَ العمومَ لم يكن لذلكَ القولِ فايدةٌ، وكذا تخصيصه خزيمة (٦) بقبول شهادته وحده.
قوله: فالمراد يبلغُ الشاهدُ ما وقعَ في تلكَ الخُطْبَةِ.
أقول: التبليغ يكونُ بالقولِ والفعلِ لا محالة، وقَصْرُهُ على ما وقع في تلك الخطبة أو ما سُمِعَ من الأحكام بقرينة: فرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع غيرُ سديد، لأن صورة الفعل
стр. 3134
تُوعى وحكايتُهُ تُسْمَعُ.
قوله: هذا واعلم أنّ صاحب الرسالة إلخ.
أقولُ: قدِ اتفقَ صاحبُ الرسالة وشيخُهُ ـ متع الله به ـ على التفرد، فإنْ يَعْلَمْ ـ متع الله به ـ خصَّ الجوازَ بمثلِ تلكَ الأرضِ، ولمثل أولئكَ النَّفَرِ من الصحابة وسكتَ على ذلك، وهو خارجٌ عن القول الأول، وعن سائرِ تلكَ الأقوالِ والجميعُ مبنيّ على جوازِ إحداث قولٍ في المسألة بعدَ استقرارِ أقوالِ المجتهدينَ فيها، وهو الراجحُ لا سيَّما مع الأخذِ من كلِّ قولٍِ بطَرَفٍ. والحمد لله أولا وآخرًا، وصلى الله عليه وآله وسلَّم على سيِّدنا محمدٍ وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. انتهى من تحرير المجيبِ محمد بن علي الشوكانيّ ـ حفظه الله ومد لنا في مدته ـ إنه جوادٌ كريمٌ، آمينَ آمينَ آمينَ.
стр. 3135
(١٢٤) ٣٠/ ١
بحث في الماء الكائن في المحلات المملوكة
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3136
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "بحث في الماء الكائن في المحلات المملوكة".
٢ - موضوع الرسالة: "فقه".
٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده. حفظكم الله وأمتع حياتكم وكثر فوائدكم ولا برحتم البحث النفيس ... ".
٤ - آخر الرسالة: "
وأستغفر الله لي وله وللمسلمين آمين تم البحث العظيم والحمد لله رب العالمين".
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ٨ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرًا ما عدا الصفحة الأولى فعدد الأسطر فيها ١٥ سطرًا والصفحة الأخيرة سطر واحد.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3137
هذا الرسالة جواب عن بحث كتبه إليَّ القاضي محمد بن صالح بن أبي الرجال (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ وحدَه. حفظكم الله وأمتع حياتكم وكثَّر فوائدكم ولا برِحْتم، البحث النفيس وصل، وكنت عزمت على إمساك عِنان الأقلام، والكفِّ عن تطويل ذويل الكلام، خشية من أن يُفْضِي البحثُ إلى نوعِ من المراء المنهيِّ عنه المُرْشَدِ إلى خلافه.
يقول ﵌: "مَن ترك المراء ولو مُحِقًّا" (٢) الحديث.
ولكنْ لما كان تأسيس الصواب وتحقيق مناط الحق من أعظم مقاصد الطلاب حدا بي ذلك إلى مراجعتكم لا لقصد الرد لما حرّرتُم بل لقصد التنبيه لكم. وقبل التعرُّض للكلام على ذلك ينبغي أن يُعلَمَ أولاً أن استعمالَ آداب البحث (٣) والمناظرة بين كل متناظرين أمر متحتمٌ، ولهذا ترى المباحثة إذ لم يكن ذلكالعلمُ ملحوظًا منها شبيهة بالعبث، فكثيرًا ما ترى مَن مقامُه المنع قائما في مقام الاستدلال، ومن مقامُه الاستدلالُ قائما في مقام المنع، ومن مقامُه النقض أو المعارضة قائما في مقام التصحيح من حيث لا يشعر، وكلُّ ذلك لإهمال ذلكا لعلم وعدم الالتفات إليه والاعتداد به. وكثيرًا ما يظن مَن لم يُراعِ ذلك حقّ المراعاةِ أنه قد أصاب، وأخطأ خصمُه أو أخطأ وأصاب خصمه، ولو عرف ذلك العلم لزال عنه ذلك الظنّ الفاسد.
стр. 3138
إذا تقرر هذا فاعلم أنه إذا قام خصمك في مقام الاستدلال مثلا بدليل من السنة (١) اتّجه لك أن تقولَ: لا أُسلِّم صحة هذا الدليل أو تقول بعد تسليم الصحة: لا أُسلِّم [١] دلالته على المطلوب، فإن كان المنعُ الأولُ أو الثاني مُجرَّدين عن السند على خلاف في قبول المنع المجرَّد، فإذا قبل المستدِلُّ ذلك المنع المجرَّد وكان يرى قبوله لزمه أن يُبيِّنَ صِحَّة الدليل الممنوع صحتُه أو صحَّةَ دلالتِه على المطلوب الممنوع دلالته عليه، فإن وفى بذلك وإلا كانت الدائرة عليه.
وإن لم يقبل خَصْمُك ذلك المنع المجرّد كان عليك أن تُبيِّن منعَ صحة الدليل الواقعة منك، فتقول مثلاً: لأن رجال إسناده (٢) أو أحدَهم لا تقوم به الحجةُ لكونه كذا وكذا أو لأن متْنه (٣) لا تقوم به الحُجة لكونه كذا وكذا، وتبين منعُ دلالته على المطلوب فتقول
стр. 3139
لأن معناه لغةً كذا وهو غيرُ المُتنازع فيه.
هذا إذا استدل خصمُك مثلا بدليل من السنة. وإن استدل مثلاً بالإجماع (١) فتقول: لا أسلِّم الإجماعَ، وحينئذ يكون عليه بيانُ الإجماع وإلا كانت الدائرة عليه. وإذا أوردتَ أقوال العاملين بخلاف ما ادَّعى الإجماعَ عليه كان ذلك من باب بيان المنع والأخذ في المعارضة، فاعرِفْ أن نقْلَ أقوال القائلين إنما يُورِده المناظِر على من ادعى الإجماع، وأما من اعترف بالخلاف في محل النزاع فلا يليق بعارف أن يورد عليه أقوال الرجال لأنه أورَد عليه ما هو مُعترفٌ به.
نعم يُلحق بدعوى الإجماع دعوى إجماع أهل مذهبٍ من المذاهب أو طائفةٍ من الطوائف فإنه إذا اعترض عليه بنقل أقوال بعض أهل ذلك المذهب أو تلك الطائفة كان مقبولاً، وأما إذا أوردت َ الأقوال على من لم يدَّعِ أحدَ ذيْنَك الأمرَين فلا ريب أن نقلها نوعٌ من اللغو والعَبثِ الذي لا طائل تحته، بل هو مستنكرٌ عند مَن كان من صغار الطلبة ألا تراك لو سمعتَ قائلاً يقول: الإمامُ المهديُّ يقول بوجوب الاعتدال بين السجدتين فعند ذلك سمعت آخر يقول له: أخطأتَ قد يقول بوجوب الاعتدالِ مثلا الناصر ـ أما كنتَ تعُدُّ هذا من النوادر المضْحكة لا من المسائل العلمية! إذا تقرَّر هذا فلا يُنكِر القاضي العزّي عافاه الله أني لم أدَّع الإجماع على ما حرَّرتُه في المسألة حتى يرد عليّ ما أورَده من النقول عن أولئك الأعلام وكيف يدّعي ذلك في مسألة الماء التي هي محلُّ النزاع وهذا الإمام الأكبر المهديُّ لدين الله ﵁ يقول في بحره الزخّار (٢) ما لفظُه:
فصلٌ: ومن احتفر بئرًا أو نهرًا فهو أحقُّ بمائه إجماعًا (٣) فرع (ع ط م قين ك) (٤) فهو حقٌّ لا مُلْكٌ فليس له منعُ فضْلتِه، لقوله ﵌: "الناس شركاء في ثلاثة" (٥) الخبر بعض (ها) (٦) بل ملك لكن عليه بذلُ الفضْلة للماشية. والكلأ لينبت والوضوء والغسل [٢] وإزالة نجاسةِ الثياب وغيرها، لقوله ﵌: "من منع فضْلَ الماء إلخ" (٧) ثم قال في موضع آخرَ (٨): مسألة: والماءُ على أضرب حق إجماعًا كالأنهار غير المستخْرَجة والسيول وملك إجماعًا ماء يحرز في الجرار (٩)، ومُختلفٌ فيه كماء الآبار والعيونِ والقناة المحتفرةِ في الملك (م ع ط قين) (١٠) حق لقوله ﵌: "الناس شركاء في ثلاثة" (١١) ولم يفصّل إلا ما خصه الإجماعُ كماء الجرار فمن أخذ منه شيئًا ملَكه لكن يأثم الداخلُ بغير رضاه إذا العرصة ملكُه (قم ي بعصش) (١٢) بل ملكه لكونه في ملكه كماء الجرة.
قلنا: ماء الجرة نقل وإحراز لا هذا فأشبه السيول انتهى.
ثم قال مسألة: وأما البِرَاكُ التي تُحفَر في المُلْك أو يجر إليها ماء مباح فماؤُها حقٌّ لكن
стр. 3140
لا يدخلُ إلا بإذن إلخ.
وقال في البيان (١): مسألة: والماءُ على ثلاثة أقسام ثم قال: الثالثُ ماءُ العيونِ المسخرجةِ والآبارِ والمناهلِ المملوكة والمسبلةِ والأراضي المملوكةِ ثم ساق الخلافَ بعد ذلك حتى قال (فرْعٌ) فلو نبعَتْ عينٌ في موضع ممْلوكٍ، فالأقربُ إن ما يخرج منها يكون هكذا على الخلاف إلخ.
دعْ عنك ذكْرَ الخلافِ في البحر الذي هو مُدَرِّسُ كبارِ الطلبةِ، والبيانَ الذي هو مدرَّسُ المتوسّطين منهم، هذا شرحُ الأزهارِ (٢) الذي هو مُدَرَّسُ صغارِ الطلبةِ ذكر فيه الثلاثةَ الأقسامَ وقال في ماء الآبار والعيونِ المستخرجةِ أنه حقٌّ عند أبي طالب وأبي العباس للمذهب، وهو قولُ أبي حنيفةَ والمنصورِ بالله وبعض أصحاب الشافعيِّ وآخر قولي المؤيد بالله، وعند بعضِ أصحابِ الشافعيِّ والمؤيَّدِ بالله قديمًا أنه مُلْكٌ، هكذا ساق الخلافَ، وكما أني لم أدَّعِ الإجماعَ مطلقًا لم أدَّعِ أنه إجماعُ العِترةِ الطاهرةِ وأتباعِهم حتى يتوجَّه في المناظرة أن يُقالَ: قال فلانٌ منهم كذا وقال فلانٌ منهم كذا إنما الذي عرَّفْتُ القاضيَ عافاه الله به أنه لا يحلّ تحميلَ أهلِ عافش غرامةَ ما تدّعيه عليهم القضاةُ إلى أبي الرجال وأنه غيرُ مطابقٍ لما تقرَّرَتْ عليه قواعدُ المذهبِ الشريف ولا لما قامت عليه الأدلةُ، ثم خيَّرت القاضيَ أطالا لله بقاءه بين أن يناظِرَ على مُقتضَى المذهبِ أو على مقتضى الدليل فحرَّر كثَّر الله فوائده ما لا يُقابِلُ بمثله إلا من ادّعى خلافَ الإجماعِ، وأين ذلك مما نحن بصدده فإنه لا يصلُح في جواب ما رسَمتُه له إلا أن يقولَ صدَّرتُ إليكم أبحاثًا على مقتضى الدليلِ يخالف ما زعمتم من عدم الجوازِ وعدم لزوم الضمان لمتلف ذلك الماء، أو يقول صدَّرْتُ إليكم أبحاثًا يقتضي أن المذهبَ المقرّرَ المعروفَ المعمولَ به الآن مصرِّحٌ بثبوت الغرامةِ [٣] على مُتلف ذلك الماء، وكلُّ عارفٍ يعلم أنه لا يحسن في جواب ما
стр. 3141
رسمتُه إلا هذا لا مجرَّد القول. وينبغي أن نبيِّن للقاضي عافاه الله ما هو المذهبُ، فإنه ربما وقع الخروجُ عن البحث لأجل عدمِ استحضارِ ذلك فنقول كان المذهبُ الشريفُ في اصطلاح القدماء عبارة عن نصوص الإمام الأكبر الهادي إلى الحق سلام الله عليه ثم في اصطلاح مَن بعدَهم ما اتفق عليه أبو العباس وأبو طالب والقاضي زيدٌ، وعند بعضِهم أن الثالثَ المؤيدُ بالله ثم في اصطلاح مَن بعدَهم ما رجَّحه صاحبُ اللُّمَعِ والتذكرة، وهذا هوا لذي يُشير إليه الإمامُ المهديُّ في مؤلفاته بالمذهب ثم في اصطلاح مَن بعدهم ما نصّ عليه الأزهارُ وقرَّره صاحبُ البيانِ، ثم ومع الإطلاق على ما رجَّحه مهذّبوا المذهبِ كالمُفتي والشامي والسَّحولي والقاضي عامر المُقبلي، وآخر من له تقرير للمذهب وترجيح أحسنُ بن أحمد الشبيبي (١)
والكافةُ من علماء ذمار الآن يجعلون المذهب ما قرَّره، وكذلك غالبُ علماء صنعاءَ وهو شيخُ شيوخي وهو يروي ذلك عن السيد صلاح عن جيشي الكُحلاني عن جيّاش عن إبراهيمَ السَّحولي وهو يرويه حسبما حرَّره في الطراز المعروف فإذا أطلق المذهب في هذه الأعصارِ، وربما وقع خلافٌ في بعض الحالاتِ ما بين تقريرِ مشائخ علماء صنعاء وعلماء ذمار وعلماء صعْدَة وعلماء كُحْلانَ ولكن هي مواضعُ مخصوصةٌ معروفةٌ عند المحقِّقين من الفروعيين ولا أعلم الآن خلافًا بين أهلِ هذه المحلات في أن الماء المُستخرجَ من مُلك كالغيول المملوكة والآبار المملوكة حقٌ من الحقوق التي لا يجوز بيعُها ولا تلزمَ الغرامةُ مَن أتلفها ولو عُرض هذا على جميعَ مَن له معرفةٌ بالمذهب لما وسِعَه إلا الاعترافُ بالاتفاق وعدمُ الاختلاف، ولكن كثيرًا من المشتغلين بالفروع يعرِف من المذهب الاسمَ دون المُسمَّى فينظر القاضي أطالَ الله بقاءه هل يصحُّ شيء منها للمباحثة في الاجتهاد والاستدلال، وهو الحكمُ؟ وغايةُ ما رأيتُه يعوّل عليها عافاه الله هو إدراجُ الماء المتنازعِ فيه في أنه في حكم المنقولِ المحروز.
стр. 3142
وأقول: إنْ كان هذا الإدراجُ على مقتضى المذهبِ فغيرُ صحيحٍ فقد قدمنا من كلام البحرِ (١) والبيان (٢) والأزهارُ (٣) وشرحِه ما يتّضح به تفسيرُ ما في حكم النقل والإحراز، وكيف يصِحّ ذلك وهذا الأزهارُ (٤) يقول [٤] ولو مستخرجًا من مُلك بعد قوله يُملك الماء بالنقل والإحراز وما في حكمها، فهل يصح تفسيرُ المستخرَجِ من المُلك بأنه الذي في حكمها في عبارة الأزهارِ، وهل ذلك يؤدي إلى المناقضة في كلام الأزهارِ إذ لا شك أن الذي في حكم المنقول المُحْرَزِ ملكٌ لا حَقٌّ.
وقولُه: ولو مستخرجًا في سياق الحقِّ لا يُملك.
فإن قلت: فما هو الذي في حكم النقلِ والإحراز.
قلتُ: هو ما وقع التفسيرُ به في كلام أهلِ المذهبِ وذلك كمواجل الحصونِ والبيوتِ ولكن يشرط أن تكونَ ممنوعةً كما وقع التقييدُ بذلك في كلامهم حتى إنه وقع في الحواشي املنقولِ تقريرُها عن شيوخ المذهبِ أن ماءَ البئرِ التي في الدار حقٌّ وقد صرّح به شرح الأزهار بل نقل إبراهيمُ السَّحولي عن والده: أن ماءَ الجرَّةِ الموضوعةِ تحت الميزاب حقٌّ مع أنه قد خالف في مواجل الحصونِ والبيوتِ الممنوعةِ جماعةٌ من مشائخ المذهبِ فهذا تقريرُ المذهبِ إن كانالقاضي حماه الله يريد المناظرةَ على وَفْقه، وإن كان يريد المناظرةَ على وفق الاجتهاد فنقول: حديثُ: "الناسُ شركاءُ في ثلاث" (٥) وأحاديثُ (٦) النهي عن بيع الماء تدل على المنع فإذا المعارضُ لهذه الأحاديث أو الناسخُ لها أو المخصِّصُ لها ولنتبرع بما سيجده القاضي بعد البحثِ تقريبًا له فنقول: لا معارض لذلك إلا محْضُ
стр. 3143
القياسِ على الصيد الواقعِ في الحفيرة أو الشبكةِ ولم يعوّل القائلُ بخلاف المذهب الأعلى ذلك لا غيرُ وليس غير. وهذا القياسُ أولاً يرِد عليه من الاعتراضات التي ترِد على مثله كما تقرر في علم الأُصولِ ما يُبْطِلُه وعلى فرض عدم البُطلانِ فهو مصادم للنص، والأقيسَةُ إذا صادمت النصوص (١) وجب اطّراحُها وعدمُ الاعتداد بها كما تقرر في الأصول (٢)، وعلى فرض جوازِ التخصيص (٣) بالقياس وتسليمِ أن هذا القياسَ صالحٌ للتخصيص فغايةُ ما هناك عدمُ جوازِ الأخذِ، وليس النزاع إلاّ في الضمان، وقد تكلَّم أئمةُ المذهبِ في هذا بما يشفي ويكفي.
قال في المعيار للنَّجري في الاستدلال على أنه يُملك الماءُ بالنقل (٤) والإحرازِ ما لفظُهُ:
стр. 3144
وذلك لأنه قد يعارض في مُلكه العمومُ الذي هو قولُه ﵌: "الناسُ شركاءُ في ثلاثة" (١) والقياسُ على الصيد الواقع في الحفيرة أو الشبكة فقال: جماعةٌ: يُخصَّصُ العمومُ بالقياس (٢) كما تقرر في علم الأصولِ فيكون ذلك الماءُ مملوكًا، وقال الجمهورُ: بل يُرفَض القياسُ لمصادمته النصَّ وليس من تقديمِ العمومِ على القياس. وحقيقةُ أن الشركة في الماء التي قصدها الشارعُ في الحديث إما أن يكونَ قبل وجود سبب مُلكِه وهو لا يصلُحُ مقصودًا لذاته لأن ذلك معلومٌ من [٥] العقل وإنما بعث لتعريف الأحكام الشرعيةِ أو بعد وجود السببِ وتأثيره في الملك، فذلك أيضًا لا يصلُح للإجماع على أنه لا شركَةَ بعد المُلكِ لأنها خلافُ مقتضى المُلك فلم يبقَِ إلا أن يُريدَ بعد وجودِ السببش فيكونُ الشارعُ مُعرِّفًا لنا أن السبب وإن وُجد لا يوجب المُلكَ لكن خرَجَ ما إذا كان بعد النقل والإحرازش بالإجماع فبقيَ حيث كان الإحرازُ فقط إذ لو أخرجناه لبقيَ النصّث غيرَ معمولٍ به أصلاً انتهى كلامُه.
وفيه من القدح على دعوى التخصيصِ بذلك القياسِ ما يكفي وحاصلُهُ أن المخصَّصَ إذا أفضى إلى حد الاستغراق لم يبْقَ من باب التخصيصِ بل من باب النسخِ وهو يجوِّز النسخَ (٣) بالقياس وهذا معلومٌ معروفٌ في الأصول فليُراجِع القاضي حرسَه الله بين الكتب
стр. 3145
الأصولية ليتَّضح له الصواب، أو يباحث عن ذلك مَن لديه علمٌ بها ولْيتخيَّر عافاه الله لذلك من يعرف ما يقول ويُقال له كالرجل الذي باحثَه ونقل جوابَه، فإن ذلك كلامٌ ليس من العِرْفان في شيء، بل مفصول عن الطّلاوة العلمية بالمرة مع غلاظةٍ وخشونةٍ في الألفاظ هي الباعثة لتحرير هذه الأحرف فيالله [أُلُوَّه] (١)! أيقولُ في عنوان جوابه: المسألةُ ظاهرةٌ مشكوفةٌ في كتب الفروع وليست من المسائل الغامضة التي بحث عنها ويراجع فيها العلماء إلخ.
فنقول: كم مدّعٍ للطهور قبل أن يعرِفَ الماهيَّة والكيفية فلله درُّك إلى أي نسبةٍ تنسُب هذه الظهور هل إلى كون المسألة في الفروع فهذا لا يجهَلُه أحد ولم تسأل عنه، أم كونُ فيها خلافٌ فكذلك ليس هو محلُّ النزاعِ أم حيث الدليلُ فلستَ فيما أظن ممن يعرف منه لا حقيرًا ولا قطميرًا. ألا تراك تقول في أثناء الجوابِ إن حديث النهي عن بيع الماء إنْ صحَّ (٢) مهجورُ الظاهرِ فهذه العبارةُ تدل على ..................................
стр. 3146
تردُّدك (١) في صحَّة الحديثِ ولا سيما مع التعبير بلفظ إنْ الموضوعةِ للشك كما تقرر في علم المعاني والبيان.
فيالله العجبُ، هذا الحديثُ قد تكاثرت طرقُه حتى بلغ فيما أظن إلى حد التواترُ المعنويّ وهو مدوَّنٌ في غالب الكتُبِ الحديثية صحاحِها ومسانيدِها ومجاميعها وهو في كتب العِتْرةِ الكرامِ في غير كتابِ، وما أظنّ من له سماعٌ في مختصر من مختصرات الحديثِ يتردَّد في صحة هذا الحديث ويأتي بمثل تلك العبارة المُشعِرة بعدم الاطلاع على ذلك الفنِّ بالمرة ثم أعجبُ من هذا قولُك أنه مهجورُ الظاهرِ (٢)، وهجرُ الظاهرِ باتفاق أهل العلم لا يكون إلا لموجب، فما هو الموجب؟ ثم أعجب من الجميع قولُك بعد ذلك كما لا يخفى مع أنه أخْفى السُّها (٣) بل لا أدري إلى الآن ما موجبُ هجْر هذا الظاهر [٦] على أني
стр. 3147
كما قيل:
وقد درتُ في تلك المعاهد كلها ... وسرَّحتُ طرفي بين تلك المعالم (١)
فإن قلت: ليس الظهور الذي زعمتَه إلا من حيثية المذهبِ كما دل على ذلك قولُك وليس الخوضُ إلا فيما نصّ عليه أئمةُ المذهب الشريفِ.
فأقول: نعم ليس النزاعُ إلا في المذهب، ولكن ماذا أفدتَ أفادا لله بك فإنك لم تأت إلا بما يدُلّ على عدم تعقُّل مَحلَّ النزاعِ أصلاً لأنك قلتَ: إن الماءَ يُملك بالنقل والإحرازِ وهو غيرُ محلّ النزاعِ، ولعل سائلَك لا يخفى عليه هذا فإن النزاعَ بيني وبينه ليس إلا في اندراج ما وقع الخوضُ فيه في حكمِ النقلِ والإحرازِ أو عدمِ اندراجِه، فما لنا وللنقل والإحراز. ثم قلت: وكون الآبارِ وسواقي الأنهارِ شاهدةً لذلك.
فيالله العجب حيث يتصدر للإفتاء من كان بهذه المنزلة وأين هذا مما نحن فيه وما معنى هذه الشهادة فإن الكوزَ والسواقيَ المملوكة لا خلاف بيني وبين سائلك أنها مملوكةٌ ولا نزاع بيننا فيها ولا ملازمة به بين مُلكِها ومُلْكِ الماء الحالِّ فيها والجاري عليها لا عقْلاً ولا شرعًا ولا عادةً بإجماع العُقلاء ثم قال: وعلى ذلك مضت عادةُ المسلمين.
أقول: أيها المجيبُ إلى ماذا أشهدتَ بقولك ذلك؟ هل إلى مُلك الماء بالنقل والإحرازِ فذلك خارجٌ عما سألتَ عنه أم إلى شهادة الكوزِ والسواقي فما معنى هذه الشهادة وما معنى كونها مصبّ العُرف والعادة؟
وقولُك: فهو إجماعُ السلف والخلف في صحة تلك فإلى أين يا أبا ليلى وكم هذه
стр. 3148
الجُرأة على حكاية الإجماع فانظُر رعاك الله في مختصر من مختصرات الفقه لتعرف مقدار ما تحمَّلْت. وهكذا فليكم الكلامُ المفيدُ ثم يُغنيك عن القَعقعة [ببسط] (١) أخصَرُ كتاب، وعن كمال الاطلاعِ الذي جعلْتَه ثلْبًا لخصمك وتبجحًا لعلمك أحقرُ الاطّلاع.
وأعجبُ من هذا كلِّه الاستدلالُ بالتصرف بالماء في أنواع القُرَبِ، فيا أيها المسكين لا ملازَمَة بين الأمرين فإنه يصِحُّ التقرُّبُ بما لا يصِحّ بيعُه ولا تجب غرامته بإجماع المسلمين كالحقوق (٢) والثَّمر قبل نفْعِه ودور مكة (٣) ونحوِ ذلك فما بلنا ولهذا، أو لِنُمْسِكْ
стр. 3149
عنّا القلمَ عن الخوض مع من كان بهذه المنزلة، فإنه لا يستحق أن يُعدّ في المتعلمين فضلاً عن المُعلَّمين ومَن يصلح للمناظرة، وقد جعل اللهُ القاضيَ العزّي عافاه الله في غَناء عن أن يسأل مثل هذا المسكين فإنه ربُّ الذهب والوقّاد والفهْم المُنقاد، وما أفاد ذلك المسكينُ إلا تكديرَ صفْوِ المُذاكرة وتقدير مَورد المناظرة [٧] وأستغفر الله لي وله وللمسلمين آمينَ. تم البحثُ العظيم والحمدُ لله رب العالمين.
стр. 3150
(١٢٥) ٣١/ ٢
القول المقبول في فيضان الغيول والسيول
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3151
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "القول المقبول في فيضان الغيول والسيول"
٢ - موضوع الرسالة: "فقه".
٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين وبعد: فإنّه اتفق حدوث خصامٍ بين جماعة ادّعى أهل الأموال السافلةِ على أهل الأموال العليا ... ".
٤ - آخر الرسالة: " ... وفي هذا المقدار كفايةُ لمن له هداية. حُرِّر في الثلث الأوسط من ليلة الجمعة لعلَّها ليلة تاسعٍ وعشرين شهر ربيع الآخر سنة ١٢١٠ كتبه جامعه الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله له".
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ١٥ صفحة + صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ١٨ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٨ كلمات.
٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
١٠ - الناسخ: المؤلف محمد بن علي الشوكاني.
стр. 3152
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرينَ. وبعدُ:
فإنه اتفق حدوث خصام بين جماعة ادّعى أهل الأموال السافلةِ على أهل الأموال العاليةِ أنَّهم أرسلوا إليهم ماءً غيلٍ حدثَ في شعابٍ وهضابٍ وأضبابِ جبال، وكان حدوثُ هذا الغيلِ المذكورِ في تلك المواضعِ لكثرة الأمطارِ، كما جرت العادة المستمرة أنها تخرجُ غيولٌ من مواضع عقِبَ نزول المطر الواسع لم تبقَّ أيامًا وتزول، فاتفق في عامنا هذا سنةَ ١٢١٠هـ أن الأمطار توافرتْ ودامت أيامًا، فنزل غيلٌ من المواضع المشار إليها وليس ذلك الغيلُ بمملوكٍ ولا وقع فيه سببٌ من أسباب المُلْكِ، فاستغنى أهل الأموال العاليةِ عن السقي به، وخشيوا فساد غِلاَّتِ الأ/والِ إذا دخل أموالَهم، والإضرارَ بالأرضِ، فعمقوا المداخل التي يدخل فيها الماءُ من تلك السائلةِ، وأرسلوه إلى مَنْ تحتَهم حتى انتهى إلى أرضِ قومٍ آخرينَ، وذلك حيثُ تنتهي السائلةُ، ولم يبقَ للماء طريقٌ إلا أصلاب الأموال، وأبدانَ الأطيان [١أ] لعدم وجود مكان هناك متروك من الحرث، حتى يكون مَمَرًّا للماء. فقال أهل الأموال السالفةِ: إنه يجب على أهل الأموال العالية أن يُدْخِلوه أملاكَهم لينصرفَ ضررهُ عن أملاكِهم. فقال أهل الأموال العالية: لا يجبُ علينا ذلك، لأنه يحصلُ الضررُ علينا كما حصل الضررُ عليكم، فلما ترافعوا لديَّ حَكَمْتُ: بأنه لا يجبُ على أهل الأموال العاليةِ أن يصرفوا الضرَّرَر عن أهل الأملاكِ السافلةِ بإدخال الضرر على أنفسهم لوجوه: أودعتُها الحكمَ الذي حررتُه بين المتنازعينَ، راجعةٍ إلى قواعدَ أصوليةٍ، وقوانينَ استدلالية قد اتفق عليها أئمةُ الأصول، ولم يخالِفْ فيها مخالفٌ لا من أئمتنا ﵈ ولا من غيرهم.
منها: أن ذلك الماءَ المنصبَّ من تلك الأمكنةِ لم يكن حدوثُه بفعل أهل الأملاك العالية، ولا وقع منهم سببٌ من الأسباب الموجِبَةِ لحدوثه، أو حدوثِ زيادتِه، بل هو حدثَ بنزول المطرِ الذي هو من فعل الله وفيضِ رحمته [١ب].
стр. 3153
وكان حدوثه في أمكنة هي مشتركةٌ بين عباد الله ـ سبحانه ـ بنصّ (١) رسوله المصطفى ﵌، وذلك الماءُ على أصل الاشتراك أيضًا بنصّ حديث أنّ: "الناس شركاءُ في ثلاثٍ" منها الماء. وقد اتفق المسلمون على أن الإنسان لا يجب عليه دفعُ ما ليس من فِعْلِهِ، ولا تسبَّبَ لإحداثه. وهذا الماءُ الذي هو محلُّ النزاع كذلك كما ذكرناه سابقًا، فهذه الطريقةُ الأولى من طرق الإجماع.
الطريقة الثانية: أنه قد اتفق المسلمون على أنه لا يجب على الإنسان أن يُنزِل بنفسه الضرر الذي نزل بالغير بغير فعلِه ولا سببِه.
الطريقة الثالثة: أنه قد اتفقَ أيضًا المسلمون على أنه لا يجب على الإنسان أن يجلب المصلحة لغيره إذا كان هذا الجلْبُ لا يتمُّ إلا بحصول مفسدةٍ تلحق الجالبَ في نفسه أو مالِه.
الطريقة الرابعة: أنه قد اتفقَ المسلمونَ على أنه لا يجبُ على الإنسان أن يدفعَ المفسدةَ عن الغير إذا كان الدفع [٢أ] لا يتمُّ إلاَّ بإنزال تلك المفسدة بعينها أو بمثلها بذلك الدفع.
الطريقة الخامسة: أنه قد اتفقَ المسلمون على أنه لا يجبُ على الإنسان أن يجلبَ إلى غيره مصلحةً لا يمكن جلبُها إلاَّ بفوات مصلحةٍ مثلها عليه.
الطريقة السادسة: أنه قد اتفقَ المسلمون على أنه لا يجبُ على الإنسان جلبُ المصحلةِ الخالصة إلى الغير ابتداءً، من غير نظر إلى كونها تفوتُ عليه مثلُها، أو تحلُّ به مفسدةٌ. هذا على فرض أنها مقدورةٌ لا إذا لم تكن مقدوةً؛ فالأمر ممتنعٌ من جهتين:
الأولى: عدمُ التكليفِ بذلك من الأصل.
الثاني: كونُه من تكليفِ مالا يُطاقُ.
الطريقة السابعة: أنه اتفق المسلمون على أنه لا يجب على الإنسان أن يدفعَ عن
стр. 3154
غيره مفسدةً خالصةً غيرَ معارضةٍ إلاَّ إذا كانت من آثار فِعله، لا إذا لم يكن من آثار فِعله فلا يجبُ عليه ذلك إلاَّ من باب إنكارِ المنكرِ، على فرضِ أن فاعله مكلَّفٌ مختارٌ حتى يكون منكرًا، لا إذا لم يكن كذلك كما نحن بصدده، فإنه ليس بمنكر، لأ، ه ليس من فعلِ مكلَّفٍ بل من فعل ربّ العزّة ـ سبحانه [٢ب].
الطريقة الثامنة: أنه قد اتفق المسلمون على أنه لا يجبُ على الإنسان أن يدفَع الأمر الغالب الذي لا يدخل تحت مقدوره، وما نحن بصدده من هذا القبيل، وهذا على فرض أنه قد وُجِدَ سببُ الدفع، كأن يكون أجيرًا على الحفظِ أو الدفعِ، فكيف إذا لم يكن كذلكَ! كما نحن بصدده. فهذه ثماني طرق من طرق الإجماع، قد رجعتْ كلُّ واحدة منها إلى قاعدة كليةٍ (١) مدوَّنة في علم الأصول، وعلم مناسباتِ الفروعِ.
стр. 3155
وكلُّ مَنْ له علم بهذين العِلْمين يعلمُ ما ذكرناه وهذه القواعدُ أيضًا مستعملةٌ في كتب الفروع قد عمل بها جميع الطوائف الإسلامية ودوَّنوها في كتبهم، فَمَنْ زعم أن في شيء منها خلافًا لمخالفٍ فليهدِهِ إلينا، وهي أيضًا منطبقة على محل النزاع انطباقًا لا يخفى على عارف.
أما الطريقةُ الأولى: فظاهرةٌ؛ إذ لا نزاعَ في كون ذلك الماءَ ليس من فعل أهل الأموال العالية، ولا تسببوا لإحداثه.
وأما الطريقة [٣أ] الثانية: فواضحةٌ؛ إذ الإيجابُ على أهل الأموال العالية بأن يقبلُوا ذلكَ الماءَ ويُدْخِلُوه أملاكَهم، ليندفع الضررُ عن أهل الأملاك السافلة يستلزمُ أنه يجب عليهم أن يدفعوا الضَّرر عن مُلْكِ غيرهم بجَلْب الضررِ على أملاكِهم.
وأما الطريقة الرابعةُ: فلا ريبَ أن رفع المفسدة عن أهل الأموال السافلة يستلزمُ حصولَ تلك المفسدةِ على الأموال العالية.