← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "القول المقبول في فيضان الغيول والسيول" ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين وبعد: فإنّه اتفق حدوث خصامٍ بين جماعة ادّعى أهل الأموال السافلةِ على أهل الأموال العليا ... ". ٤ - آخر الرسالة: " ... وفي هذا المقدار كفايةُ لمن له هداية. حُرِّر في الثلث الأوسط من ليلة الجمعة لعلَّها ليلة تاسعٍ وعشرين شهر ربيع الآخر سنة ١٢١٠ كتبه جامعه الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله له". ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١٥ صفحة + صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ١٨ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ٨ كلمات. ٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني. ١٠ - الناسخ: المؤلف محمد بن علي الشوكاني.

стр. 3152

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرينَ. وبعدُ: فإنه اتفق حدوث خصام بين جماعة ادّعى أهل الأموال السافلةِ على أهل الأموال العاليةِ أنَّهم أرسلوا إليهم ماءً غيلٍ حدثَ في شعابٍ وهضابٍ وأضبابِ جبال، وكان حدوثُ هذا الغيلِ المذكورِ في تلك المواضعِ لكثرة الأمطارِ، كما جرت العادة المستمرة أنها تخرجُ غيولٌ من مواضع عقِبَ نزول المطر الواسع لم تبقَّ أيامًا وتزول، فاتفق في عامنا هذا سنةَ ١٢١٠هـ أن الأمطار توافرتْ ودامت أيامًا، فنزل غيلٌ من المواضع المشار إليها وليس ذلك الغيلُ بمملوكٍ ولا وقع فيه سببٌ من أسباب المُلْكِ، فاستغنى أهل الأموال العاليةِ عن السقي به، وخشيوا فساد غِلاَّتِ الأ/والِ إذا دخل أموالَهم، والإضرارَ بالأرضِ، فعمقوا المداخل التي يدخل فيها الماءُ من تلك السائلةِ، وأرسلوه إلى مَنْ تحتَهم حتى انتهى إلى أرضِ قومٍ آخرينَ، وذلك حيثُ تنتهي السائلةُ، ولم يبقَ للماء طريقٌ إلا أصلاب الأموال، وأبدانَ الأطيان [١أ] لعدم وجود مكان هناك متروك من الحرث، حتى يكون مَمَرًّا للماء. فقال أهل الأموال السالفةِ: إنه يجب على أهل الأموال العالية أن يُدْخِلوه أملاكَهم لينصرفَ ضررهُ عن أملاكِهم. فقال أهل الأموال العالية: لا يجبُ علينا ذلك، لأنه يحصلُ الضررُ علينا كما حصل الضررُ عليكم، فلما ترافعوا لديَّ حَكَمْتُ: بأنه لا يجبُ على أهل الأموال العاليةِ أن يصرفوا الضرَّرَر عن أهل الأملاكِ السافلةِ بإدخال الضرر على أنفسهم لوجوه: أودعتُها الحكمَ الذي حررتُه بين المتنازعينَ، راجعةٍ إلى قواعدَ أصوليةٍ، وقوانينَ استدلالية قد اتفق عليها أئمةُ الأصول، ولم يخالِفْ فيها مخالفٌ لا من أئمتنا ﵈ ولا من غيرهم. منها: أن ذلك الماءَ المنصبَّ من تلك الأمكنةِ لم يكن حدوثُه بفعل أهل الأملاك العالية، ولا وقع منهم سببٌ من الأسباب الموجِبَةِ لحدوثه، أو حدوثِ زيادتِه، بل هو حدثَ بنزول المطرِ الذي هو من فعل الله وفيضِ رحمته [١ب].

стр. 3153

وكان حدوثه في أمكنة هي مشتركةٌ بين عباد الله ـ سبحانه ـ بنصّ (١) رسوله المصطفى ﵌، وذلك الماءُ على أصل الاشتراك أيضًا بنصّ حديث أنّ: "الناس شركاءُ في ثلاثٍ" منها الماء. وقد اتفق المسلمون على أن الإنسان لا يجب عليه دفعُ ما ليس من فِعْلِهِ، ولا تسبَّبَ لإحداثه. وهذا الماءُ الذي هو محلُّ النزاع كذلك كما ذكرناه سابقًا، فهذه الطريقةُ الأولى من طرق الإجماع. الطريقة الثانية: أنه قد اتفق المسلمون على أنه لا يجب على الإنسان أن يُنزِل بنفسه الضرر الذي نزل بالغير بغير فعلِه ولا سببِه. الطريقة الثالثة: أنه قد اتفقَ أيضًا المسلمون على أنه لا يجب على الإنسان أن يجلب المصلحة لغيره إذا كان هذا الجلْبُ لا يتمُّ إلا بحصول مفسدةٍ تلحق الجالبَ في نفسه أو مالِه. الطريقة الرابعة: أنه قد اتفقَ المسلمونَ على أنه لا يجبُ على الإنسان أن يدفعَ المفسدةَ عن الغير إذا كان الدفع [٢أ] لا يتمُّ إلاَّ بإنزال تلك المفسدة بعينها أو بمثلها بذلك الدفع. الطريقة الخامسة: أنه قد اتفقَ المسلمون على أنه لا يجبُ على الإنسان أن يجلبَ إلى غيره مصلحةً لا يمكن جلبُها إلاَّ بفوات مصلحةٍ مثلها عليه. الطريقة السادسة: أنه قد اتفقَ المسلمون على أنه لا يجبُ على الإنسان جلبُ المصحلةِ الخالصة إلى الغير ابتداءً، من غير نظر إلى كونها تفوتُ عليه مثلُها، أو تحلُّ به مفسدةٌ. هذا على فرض أنها مقدورةٌ لا إذا لم تكن مقدوةً؛ فالأمر ممتنعٌ من جهتين: الأولى: عدمُ التكليفِ بذلك من الأصل. الثاني: كونُه من تكليفِ مالا يُطاقُ. الطريقة السابعة: أنه اتفق المسلمون على أنه لا يجب على الإنسان أن يدفعَ عن

стр. 3154

غيره مفسدةً خالصةً غيرَ معارضةٍ إلاَّ إذا كانت من آثار فِعله، لا إذا لم يكن من آثار فِعله فلا يجبُ عليه ذلك إلاَّ من باب إنكارِ المنكرِ، على فرضِ أن فاعله مكلَّفٌ مختارٌ حتى يكون منكرًا، لا إذا لم يكن كذلك كما نحن بصدده، فإنه ليس بمنكر، لأ، ه ليس من فعلِ مكلَّفٍ بل من فعل ربّ العزّة ـ سبحانه [٢ب]. الطريقة الثامنة: أنه قد اتفق المسلمون على أنه لا يجبُ على الإنسان أن يدفَع الأمر الغالب الذي لا يدخل تحت مقدوره، وما نحن بصدده من هذا القبيل، وهذا على فرض أنه قد وُجِدَ سببُ الدفع، كأن يكون أجيرًا على الحفظِ أو الدفعِ، فكيف إذا لم يكن كذلكَ! كما نحن بصدده. فهذه ثماني طرق من طرق الإجماع، قد رجعتْ كلُّ واحدة منها إلى قاعدة كليةٍ (١) مدوَّنة في علم الأصول، وعلم مناسباتِ الفروعِ.

стр. 3155

وكلُّ مَنْ له علم بهذين العِلْمين يعلمُ ما ذكرناه وهذه القواعدُ أيضًا مستعملةٌ في كتب الفروع قد عمل بها جميع الطوائف الإسلامية ودوَّنوها في كتبهم، فَمَنْ زعم أن في شيء منها خلافًا لمخالفٍ فليهدِهِ إلينا، وهي أيضًا منطبقة على محل النزاع انطباقًا لا يخفى على عارف. أما الطريقةُ الأولى: فظاهرةٌ؛ إذ لا نزاعَ في كون ذلك الماءَ ليس من فعل أهل الأموال العالية، ولا تسببوا لإحداثه. وأما الطريقة [٣أ] الثانية: فواضحةٌ؛ إذ الإيجابُ على أهل الأموال العالية بأن يقبلُوا ذلكَ الماءَ ويُدْخِلُوه أملاكَهم، ليندفع الضررُ عن أهل الأملاك السافلة يستلزمُ أنه يجب عليهم أن يدفعوا الضَّرر عن مُلْكِ غيرهم بجَلْب الضررِ على أملاكِهم. وأما الطريقة الرابعةُ: فلا ريبَ أن رفع المفسدة عن أهل الأموال السافلة يستلزمُ حصولَ تلك المفسدةِ على الأموال العالية.

стр. 3156

وأما الطريقةُ الخامسة: فلا مِرْيَةَ أن جَلْبَ مصلحةِ الأموال السافلة لا يتمُّ إلاَّ بتفويتِ ماكان من المصلحة لأهل الأموال العاليةِ الحاصلةِ بعدم دخولِ الماء. وأما الطريقةُ السادسة: فلا نشكُّ أن تكليفَ أهل الأموالِ العالية برفعِ الماء عن أهل الأموال السافلةِ من باب تحصيل مصلحةٍ خالصةٍ، وذلك لا يجبُ على فرض عدم حصول مفسدة، ولا فوات مصلحةٍ، لأنَّ تحصيلَ المصحلة للغير لا يجبُ ابتداءً، ولا سيما [٣ب] إذا كان فواتها ليس بفعل أحدٍ من المكلَّفين بل من فعل الله ـ سبحانه ـ. وأما الطريقةُ السابعة: فلا شكَّ أن رفعَ الماء عن الأموال السافلة دفعُ مفسدة عن أهلها، وذلك لا يجبُ على فرض عدم المعارضة بحصول مفسدةٍ أخرى، ولا فواتِ مصلحة لا يقالُ: يجبُ من باب إنكار المنكر، لأنا نقولُ: ليس انصبابُ هذا الماء إلى تلك الأموالِ منكرًا، إذ ليس من فعل المكلَّفين، بل من فعل الله ـ سبحانه ـ. وأما الطريقةُ الثامنةُ: فلا ريبَ أن انصباب هذا الماء الذي ضاقتْ عنه الأرضُ، وضاق به ذَرْعُ أهلِها هو من الأمور الغالبة، على أنَّا لو فرضنا أن أهل الأملاكِ العالية يفتحون مداخل الماء إلى أملاكهم لما انقطعَ عن عن أهل الأملاك السافلة، إلاَّ ريثَما تضيقُ به الأملاكُ العالية، وتعجزُ عن قَبُولهِ، ثم ينزلُ إلى أهل الأملاك السافلة، فحينئذ لا يفيدُ فتحُ مداخل الأملاك العالية إلاَّ مجرَّد فسادها مع فساد الأملاك السافلة [٤أ]، فكان في إيجاب ذلك على أهل الأموال العالية ضمُّ مفسدة إلى مفسدة، وتشفيعُ ضررٍ بضرر، وجَلْبُ مصيبة إلى مصيبة، وهذا ما لا يفعله عاقلٌ فضلاً عن عالِمٍ؛ إذ هو منافٍ للعقل والنقلِ، وهو أيضًا من تكليف ما لا يُطاقُ. وقد اتفقَ أهلُ الحق على أن الله لم يكلِّف به أحدًا، وهو نصُّ القرآن (١). وما روي من .........................

стр. 3157

الخلاف (١) فيه لأبي الحسن الأشعري، وثلةٍ معه فلم يقل أحدٌ منه بأن التكليف به واقعٌ، بل قالوا: يجوز ولا يقعُ، وحينئذٍ فالتكليفُ بما لا يُطاقُ لا يقعُ اتفاقًا، ومسألة النزاع من هذا القبيل، لأن المفروضَِ أن فَتْحَ المداخل إلى الأملاك العالية لا يصرفُه عن الأملاك السافلة إلاَّ وقتًا يسيرًا ثم يعود منصبًّا إلى الأملا السافلة، وهذه الطرقة التي ذكرناها وهي كونه من تكليفِ ما لا يطاق طريقةٌ منضمة إلى تلك الطرق [٤ب] الثماني، فتكون الطرقُ تسعًا. فيا لله ذرُّ حكمٍ وقع الإجماع عليه من جميع طوائف المسلمين من طرق تسعٍ، وهي التي أمكن خطورها بالبال حالَ تحرير هذه الأحرف، فكيف لو حصل التتبعُ الكامل، والاستقراءُ التام! ويا للعجب كيفَ يقال يسوغُ الحكمُ على أهل الأملاك العالية بصرف الماء عن أهل الأملاك السافلة! مع كونه الأمر كما ذكرناه سابقًا، وهل هذا إلاَّ مخالفةٌ لقواعدَ شرعيةٍ قطعيةٍ أصوليةٍ إجماعيةٍ! وكيف يسعُ المسلمُ أن يقتحمَ مخالفةَ إجماع المسلمين المنقولِ من طريقة واحدة فضلاً عن المنقول من طرق عدَّة! وهل يوقعُ نفسَه في ذلك مَنْ يعلمُ بما في مخالفة الإجماع من الخطر، وأنه من أسباب ردِّ الحكم وبطلانه، وأن المخالفةَ للقواعد القطعيةِ فيها من الخطر ما هو معروفٌ! فما حال من جَمَعَ بين مخالفة الإجماعاتِ والقطعياتِ والقواعدِ [٥أ] اليقينياتِ! فإن هذا لا ريبَ أنه ممن جمع بين فُقْدانِ العقل والعلم؛ إذ لو كان معه أحدُهما لاهتدى بنوره لما تقدم من أن تلك القواعدَ التي عددناها معلومةٌ عقلاً وشرعًا. نعم. ذكر بعضُ أهل العلم والصلاح أن بعضَ العلماء المتأخرينَ قد صرح بما يفيدُ أنه يجب في مثلِ المسألةِ التي ذكرناها على أهل الأملاكِ العاليةِ أن يصرِفوا الماءَ المذكور عن

стр. 3158

الأملاك السافلة، وقال ـ عافاه الله ـ: إنه صرَّح بذلك ابنُ حابس في كتابه المعروف "بالمقصد الحسنِ" أنْ سمعتُ منه هذه الرواية وهو ثقةٌ كدت أقطعُ بأنه وقع الاشتباهُ عليه، لأنَّ ابن حابس من المحققينَ الذين لا يخفى عليهم المداركُ الاجتهاديةُ. ومثل ما ذكرناه ما أظنُّه يخفى على المجتهد. ثم راجعت الكتابَ المذكورَ فوجدتُه قد ذكر في موضعينِ منه كلامًا ربما كان أحدُهما أو كلاهما هو المراد للناقل ـ عافاه الله ـ[٥ب] وإن كان بينهما وبينَ ما نحن بصدده مفاوزُ لا يُدْرَكُ مقدارُها، وها نحن نذكرهما رفعًا للإشكال، ودفعًا للوهْمِ. فنقولُ: الموضع الأول: قال في الكتاب المذكور ما لفظه: مسألةٌ: إذا أخربَ السيلُ أموالاً على ظهرِ وادٍ، وتحوَّلَ فجرى ماءُ ذلك الوادي إلى تلك الأموال، وادَّعى من له مالٌ تحتَ تلك الأموالِ إصلاحَ ذلك المال الخرابِ حتى يمنعَ الماءَ من الجَرْي في الأموال السفلى إما بالكليةِ، وذلك حيث لا يستحقُّ عليه في الأصل الإشاحةُ، أو ما زاد على ما يُعْتَادُ من الإشاحة حيث يستحقُّها من الأصل، فإنه يجب على صاحب المال الخرابِ أن يُصْلِحَ مالَهُ بما يُعْتَادُ في الجهة كما ذكروا في الجدار المائلِ إلى طريق أو حقّ عامّ أنه يجبُ عليه إصلاحُهُ مع الإمكان والعلم بالخلل، وإلاَّ ضمنَ ما أفنت وقد ورد في سؤالاتٍ [٦أ] فأجيب بما ذكر ـ والله أعلم ـ انتهى. نقل الموضعَ الأولَ من الكتاب المذكور. الموضع الثاني: قال ما لفظه: مسألةٌ: إذا دخل الماءُ المملوكُ إلى أرض الغير بغير اختيارِ مالكه وجبَ إزالتُه على مالكه، لكن إذا كان يضرُّ الأرضَ إزالتُه وبقاؤُه ماذا يكون الاهرُ ـ والله أعلم ـ أنه لا يجبُ على المالك أرشُ ما نقصَ من الأرض؛ إذا لم يرضَ مالكُ الأرضِ ببقائه، وإن رضي ببقائه لم يكن لصاحبِ الماء رفعُه ولا أجرةَ عليه للأرض، ولا يضْمَنُ مالِكُها الماءَ لمالكهِ، هكذا اقتضاه النظرُ ـ والله أعلم ـ. انتهى نقل الموضعَ الثاني من الكتاب المذكورِ وليس فيه ما يُظَنُّ أنه يشتبهُ على الناظرِ لمسألةِ السؤالِ مع عدم إمعان النظر سوى هذين الموضعينِ. ولا يخفى على عارفٍ أن بين هذين

стр. 3159

البحثينِ المنقولين من الكتاب المذكور، وبين المسألة التي نحن بصددها ما بين السماء والأرض، فإن كنت ممن يستغني بفهمه لم تحتجْ إلى إيضاح التفاوتِ، وإن كنت محتاجًا إلى الإيضاح [٦ب]. فاعلم ـ أرشدني الله وإياك ـ أن المسألةَ الأ, لى المنقولَة من الكتاب المذكور قد صرَّح فيها أن سببَ انصبابِ الماء إلى الأملاك السافلةِ هو خرابُ الأرض العالية كما تراه صريحًا في كلامه، ولا شك أنه يجبُ عليه إصلاحُ أرضِه إذا كان خرابها سببًا لعدم انتفاعِ مَنْ تحتَه، وقد ذكروا لذلك نظائِرَ: منها: المسألة التي أشار إليها ﵀ وهي مسألة الجدارِ المائلِ. ومنها: قولُهم: أنه يجبُ على صاحب السُّفلِ من الأبنيةِ أن يُصْلِحَ مُلْكَهُ لينتفعَ ربُّ العُلُوِّ، وغيرُ ذلك. وهذا شيءٌ آخر غيرُ ما نحن بصدده؛ إذ المفروضُ فيما نحن بصدده أنه لم يكن لصاحب الأموالِ العاليةِ سببٌ يوجبُ انصبابَ الماء إلى ملك أهل الأموال السافلة، بل دَفَعَ عن نفسه الضَّرَر فسدَّ المداخلَ، لئلا يدخلَ من الماء ما يفسدُ أرضَه بخلاف هذه المسألةِ التي ذكرها صاحب المقصد، فغنه كان السببُ للإضرارِ بأهل الأموال السافلةِ خرابَ الأموالِ العاليةِ، وذلك سببٌ ظاهرٌ [٧أ]، وإصلاحُهُ يعود على صاحبه بفائدة، وهي مصير أرضه صالحةً سالمةً من الخراب، بخلاف المسألةِ التي نحن بصددها، فإنه لا سببَ منه كما تقدَّم، وفَتْحُ المداخل للماء إلى أرضه يوجب فساد أرضه لإصلاحها، فكم الفرق بين من يقول لصاحب الأملاك العالية يُصْلِحُ أرضَه بالعمارة، ليندفعَ الضررُ الذي كان بسببه، وبين من يقول لصاحب الأرض العاليةِ يفسدُ أرضَه بإدخال ما لا يحتاجُ إليه من الماء، ليندفعَ الضَّررُ عن أهل السافلة الذي لم يكن له فيه سببٌ. والحاصلُ أن المسألة التي نحن بصددها لا سببٌ ولا إصلاحٌ بل إفسادٌ. والمسألة التي ذكرها ابنُ حابس وُجِدَ الإصلاحُ وفُقِدَ. فانظرْ كم بين المسألتين من التفاوت، بل التقابل، فإن أحدَهما فيها الأمرُ بالغصلاح لدفع الإفسادِ، الذي وُجِدَ

стр. 3160

فيه السببُ والآخَرَيْنِ فيها الأمرُ بالإفسادِ لدفع الإفسادِ مع عدم وجود السببِ، ومن لم يظهرْ له الفرقُ بين الطرفين فلا يُتْعِبْ نفسَه [٧ب] بالنظر في المسائل العلميةِ، فإنه محجوبٌ. وأما الاختلافُ ما بين المسألةِ الثانيةِ التي نقلناها من المقصدِ، وبين المسألةِ التي نحن بصددها فهو أوضحُ من أن يلتبسَ، فإن صاحبَ المقصد قال في صدر المسألة: إذا دخل الماءُ المملوكُ، وليس كلامُنا في الماء المملوكِ الذي قد وقع عليه النقلُ والإحراز حتى صار مملوكًا، بل في ماءٍ حدثَ بسببِ كثرة الأمطارِ، وتَنَزَّلَ من شواهقِ الجبال، وبطونِ الأوديةِ، فأين هذا من ذاك! فعرفت بهذا أن كلام ابن حابس في شيء آخر غير ما نحن بصدده، وكيف يُظَنُّ بمثلهِ أنْ يَحْكُمَ تلك الإجماعات، وينافي تلك المسائلَ القطعياتِ والقواعدَ المقرَّراتِ! هذا مالا يُظَنُّ بعالمٍ، على أنه لو قال عالمٌ بمثل ذلك لكان كلامُهُ مُطَّرَحًا لمخالفتهِ لما لا يجوزُ مخالفتُه، والحقُّ مقدّضمٌ على كل أحدٍ، وإقدامُ أئمة الاجتهاد تتفاوتُ، فقد يدركُ بعضُهم من المداركِ ما لا يدركُ الآخر بعضَه. نسأل الله إصلاحَ الأقوالِ والأفعالِ. وفي هذا المقدرا كفاية لمن له هداية. حرر في الثلث الأوسط من ليلة الجمعة لعلها ليلة تاسع وعشرين شهر ربيع الآخر سنة ١٢١٠ كتبه جامعه الحقير محمد الشوكاني ـ غفر الله له ـ. [٨أ]

стр. 3161

(١٢٦) ٣٦/ ٢ رفع منار حق الجار بالإجبار على البيع مع الضرار تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3162

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "رفع منار حق الجار بالإجبار على البيع مع الضرار". ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده الأمين وعلى آله الغُرِّ المكرمين، وصحبه أجمعين. وبعد: فيقول الفقير إلى الله ... ". ٤ - آخر الرسالة: " ... وقد وقع في مؤلفات جماعة، من الأئمة من أهل البيت، وغيرهم ما يغني عن التطويل. وفي هذا المقدار كفاية إن شاء الله. حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١٤ صفحة. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٣ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١١ - ١٢ كلمة. ٩ - الناسخ: المؤلف محمد بن علي الشوكاني. ١٠ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3163

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعدَه الأمين، وعلى آله الغُرِّ المُكرمينَ، وصحبِة أجمعين. وبعدُ: فيقولُ الفقيرُ إلى الله ـ سبحانه ـ يحيى بنُ مطهر بن إسماعيل: هذا سؤال لشيخنا العلامةِ بهجت المحافل، والبحر الذي لا ينتهي، ولكل لجٍّ ساحل، البدرِ الأوحد محمد بن علي بن محمد ـ كثر الله تعالى فوائده ـ وأتحفه سلامًا يلتحفُ البدرُ سناهُ، ويختم السعدِ في ساحاته وفَنَاه، عن حديث سَمُرَةَ بنِ جندبٍ عند أبي داودَ (١) أنه كانت له عَضُدٌ (٢) من نخلٍ في حائط رجلٍ من الأنصار، قال: ومع الرجل أهلُهُ، قال: وكان سمرةُ يدخلُ إلى محلِّه فيتأذَّى به الرجلُ، ويشقُّ عليه، فطلبَ إليه أن يناقِلَه فأبى فأتى النبيَّ ﵌ فذكر ذلك له، فطلب إليه النبيُّ ﵌ أن يبيعَه فأبى، فطلب إليه أن يناقلَه فأبى، فقال: "فهبْه لي ولك كذا وكذا" أمرًا رغَّبَهُ فيه فأبى، فقال: "أنت مُضَارٌّ" فقال رسول الله ﵌ للأنصاري: "اذهب فاقلعْ نَخْلَهُ".

стр. 3164

هل يصحُّ الاستدلالُ به على دفعِ الضرار في الأملاك؟ إن قلتُم: لا، فظاهر الحديث يدلُّ عليه، وإن قلتُم: نعم، ففيه إشكالٌ، لأنه من رواية الباقرِ عن سمرة، وقد ذكرتُم في شرح المنتقى (١) ما لفظُه: وفي سماع الباقرِ من سمرةَ نظرٌ، فقد نُقِلَ بينَ مولدهِ ووفات سمرة ما يتعذَّر معه سماعه انتهى. فلم يبقَ حجةً. وثانيًا: أن سياقَ القصةِ من حيثُ قولُه: في حائط رجلٍ من الأنصار، يحتملُ أن سمرةَ لم يكن مالكًا في الأصل، وإنما لعله شَرَى الأشجارَ فقط، أو غارسَهُ الأنصاريُّ بعضَ حائطهِ، فجعل ذلك ذريعةً إلى مُضَارَرَةِ مالك الأصل ففاوضَه النبي ﵌، ولما لم يمتثلْ قضى له بما يستحقُّه، وكافأه النقصَ عقوبةً له بما وقع منه من المخالفة، وعدم الامتثال. وثالثًا: أنها واقعةُ عينٍ لا عمومَ لها، فَتُوقَفُ في محلِّها، ثم إنه دعوى الضرارِ في الأملاك بعد القسمةِ التي شُرِعَتْ لدفع ذلك، ولم يُرَخَّصْ فيها بحال، بل وجبت ولو بالمهاباةِ، يعود على الفرضِ من شرعيَّتها [١أ] بالبطلان. والملكُ في الجملة متحقّقٌ قبل القسمة وبعدَها مُلِكَتِ الأنصباءُ ملكًا لا خروجَ له إلاَّ فطنته نفسٌ محقِّقةٍ. ولا يصحُّ القياس على حديث سَمُرةَ على فرض صلاحيتِه للاحتجاج، وإن كانت العلَّةُ منصوصةً وهي الضِّرار لوجوده في كل من الشريكين. أما غير الساكن فلأنه لفقرِه وحاجته الماسَّةِ إلى ثمن نصيبه محتاجٌ، ولم يجدْ من يشتري نصيبَه بسبب الشركةِ، ولا حاجةَ له إلى سكونه وتعليقه، أو سكونِ الأمر يؤدي إلى الإهمال المقتضي للأعمال، فيلزمُهُ قصدُهُ من إغرام الجصِّ، والقصَّاصِ، والتطيينِ، ونحوِ ذلك. وأما الساكنُ فمن حيثُ كونُ خروجِه من ملكه يضرُّ به، أما لو [ ... ] (٢) ولكن ثمن

стр. 3165

نفسهُ لا يحصل له ما يقومُ به هو وعيالُه، ولأنه لا يجب عليه دفع ضرر غيره بضرر نفسه مع بذلِه لنصيبِه، وطلبِ الآخر للثمن طلب من ليس له طلبُه، فَلِمَ اعتبرَ الضررَ الحاصلَ على أحدهما دون الآخر؟ ولا يقال ترجَّح الأكْثرُ ضررًا لأن النبي ﵌ يوقل: "لا ضرر ولا ضرار" (١). وقد اتفقت كلمةُ العلماءِ على أنه لا يجوز الضرار، وإنما اختلفوا في جزئيات، فمنهم مَنْ نفى الضِّرار فيها، ومنهم من أثبتَه ورجَّح دفعَ مفسدة الضرارِ لمصلحة هي أعظمُ منه، وممن أثبَته بعضُ أئمتنا حيث قال: إن للمالك في ملكه (٢) ما يشاء، وإن ضرَّ الجارَ مستدلاً بأن موجبَ الملك الانتفاعُ كيف شاء المالكُ، وهو مقيَّدٌ بأدلة الوصية بالجار (٣)، وتحذير الجار من البوائق، وحديث: "لا ضررَ ولا ضرارَ" (٤) وما في معناه، وإن كانت عامَّةً فالعمل بالعامِّ (٥) مما اتفقَ عليه أهلُ العلم، وإنما النزاعُ هل ذلك قبل البحثُ عن المخصِّص أو بعده؟ وهذا جارٍ في كل دليل، وكونُ دلالتِه ظنيةً لا يمنعُ من العمل؛ فأكثرُ الأحكام كذلك، ويعود النزاعُ إلى جواز العملِ بالظن، وهي مسألة أخرى على أنَّ الشارع قد جعل مناطَ دفعِ الضِّرار هو القسمةَ أو الإجبارَ في قضية مخصوصةٍ على أسلوب خاصٍّ إن صح ذلك، ثم إن الواقعَ من النبي ﵌[١ب] في هذه القصة ليس في ما يقتضي توقُّفَ الأمر

стр. 3166

على اعتبار الرضى المقتضى للإجبار والتغريم في الغالب، بل أَمَرَ بقلعِ النخلِ. فسبيلُ من أراد العملَ بهذا الدليل الأمرُ بالهدمِ، أو البَيْعِ. وأما الإجبارُ على البيع فغيرُ ظاهرٍ، ولا مجدٍ للقطع بأنه لا يكفرُ (١) من قال كلمةَ الكفر وهو مطمئنٌ بالإيمان، والله تعالى يقول: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٢) وعن حنيفةَ الرَّقاشي عن النبيِّ ﵌ أنه قال: لا يحلُّ مالُ امرئ مسلمٍ إلاَّ بطيبةِ نفسٍ منه" رواه أبو داودَ (٣)، وعلى تسليم أن سمرةَ كان مالكًا في الأصل، فهل مجرَّدُ أمرِ النبيِّ ﵌ بقلع النخلِ أبطلَ الملكَ، أم وقع الشراء، أم أُهْدِر أم ماذا وقع؟ وهذه المسألةُ ذكرها المؤيدُ بالله في شرح البحر (٤)، ولفظه: مسألة: قال: فلو أن رجلاً كان له نصيبٌ في جُرْبَةٍ، أو عبدٍ، واضْطُرَّ إلى بيعه، وكان لا يُشْتَرَى نصيبُه منفردًا حُكِمَ على شركائه بابتياع نصيبه منهم، أو بيعِ حِصَصِهم معه. هذا قولُ يحيى، وغن كان له وجهٌ في النظر فإني لا أقولُ به، لأني لا أعرفُه لأحدٍ قبلَه، ولا آمنُ أن يكون خارجًا عن الإجماع، فإن كان له قائلٌ ولم يكن خارجًا عن الإجماع فوجهُهُ من النظر أن يقالَ إنه إجبارٌ لبعض الشركاء على المعاوضة على ما يملكونَ على سبيل الشركةِ توخِّيًا للصلاح من حيثُ لا ضررَ فيه، فأشبه القسمةَ، فوجبَ أن يلزمَ الحكمُ به كما يلزمُ الحكمُ بالقسمة. ألا ترى أن إزالة الشركة لا ضررَ فيها دليلُه الشُّفعةُ (٥)؛ فإنها موضوعةٌ لدفع ضررِ المشاركةِ والمجاورة انتهى. فالمطلوبُ الكلامُ على هذه المسألةِ، وما يُشْكِلُ في المقام، وما يدفعُ ما يردُّ على الحديث ـ كثر الله فوائدكم ـ آمينَ.

стр. 3167

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إيك نعبدُ، وإيَّاك نستعينُ، وصلى الله على الرسول الأمينِ، وآله الطاهرينَ. أقولُ: الجوابُ عن سؤال السائل العلامةِ ـ اعلا الله مقامه، ورفع في ميادين العلوم أعلامه ـ ينحصرُ في بحثينِ: البحثُ الأولُ: تقرير دلالة الأدلةِ الصحيحةِ على أنه يسوغُ للحاكم دفعُ الضررِ بين الشُّركاءِ بالإجبار على البيعِ نحوِه. فمنها حديثُ "لا ضرر ولا ضرار" أخرجه أحمد (١) من حديث ابن عباس، وقد

стр. 3168

وردَ في منع الضرارِ أحاديثُ: منها ما أخرجه داودَ (١)، والنسائي (٢)، والترمذي (٣) وحسَّنه من حدي ثأبي صِرمةَ ـ بكسر الصاد المهملة، واسمه مالكُ بنُ قيس، ويقال: ابن أبي أنيس [٢أ]، ويقال: قيسُ بنُ مالك، ويقال: مالك بن أسعد، وقيل: لبابةُ بنُ قيس، وهو أنصاري نجَّاري، شهد بدْرًا. قال ابن عبد البَرِّ (٤): لم يختلفوا في شهوده بدرًا وما بعدها، وكان شاعرًا محسنًا ـ قال: قال رسول الله ﵌: "من ضارّ أضرَّ الله به، ومن شاقّ شاقّ الله عليه"، وإسنادُ هذا الحديثِ أئمةٌ ثقاتٌ من رجال الحديث إلاَّ لؤلؤةَ (٥)

стр. 3169

مولاةَ الأنصارِ الراويةَ له عن أبي صِرْمةَ؛ فإنها من رجالِ الحسن، قد حسَّن الترمذيُّ (١) حديثَها، وأخرجَ لها أهل السنن، وقال في التقريب (٢): مقبولةٌ من الرابعة؛ فهذانِ الحديثانِ، وما ورد في معناهما قاضيان بمنع الضرار على العموم من غير فرق بين الجار وغيره. وقد صرح النبيُّ ﵌ في الحديث الأول بنفي الضرار بين الأُمَّةِ، وهذا النفي يدلُّ على أن الضَّرَر والضِّرار ليسا من شأن هذه الأمةِ، ولا هما مما شرعهُ الله لهم، فكان علينا دفعُه وإبطالُه، ومحوُ أثرِه، والضربُ به فيه وجه فاعله بأي وجهٍ كان، وعلى أي صفةٍ وقع، فإذا وجدنا أحدَ الرجلين المتجاورينِ، أو غيرَ المتجاورينِ قد ضارَّ الآخَرَ بوجه من وجوه المضارَّةِ أمرْنا برفع ما أحدثَهُ قائلينَ له: هذا ليس من أمرِ رسول الله ﵌، ولا من شرعهِ، وكل أمرٍ ليس من أمره، ولا من شَرْعِهِ ردٌّ على فاعله. فهذا ردٌ عليكَ لأنه ضرارٌ، ولا ضرار في الإسلام. وقد ثبت في الصحيح ثبوتًا لا يختلفُ المسلمونَ فيه عن رسول الله ﵌ أنه قال: "كل أمرٍ ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ" (٣). فإذاكان الضرار حادثًا بين الشركاء بنفس الاشتراك نحو: أن يموتَ رجلٌ فيتركَ دارًا بين ورثتِه فيقتسمونَها، ويكونُ نصيبُ كلِّ واحد منهم يسيرًا على وجه يحصلُ بينَه وبين الشركاءِ الضرارُ، إما بالاطلاع على عورات بعضِهم بعضًا، أو بحدوث عداوةٍ بينهم لا يمكنُ دفعُها ما بقوا في تلك الدارِ أو بالتزاحُمِ في المشاعاتِ التي لا يستغني عنها كلّث واحد منهم، كالمُسْتَرَاحِ، والمطبخِ، والطريق. فاعلم أن هذا مع كونه ضِرارًا ممنوعًا بما تقدَّم هو أيضًا ضرارٌ بين الجيرانِ؛ فإن الجوارَ

стр. 3170

إذا كان ثابتًا في الدور المتلاصقةِ، بل والمتباعدةِ، فكيف لا يكون ثابتًا بين الساكنينَ في دار واحدة، أو المالكين لحديقة واحدة! فحقٌ على الحاكم أن يرفعَ الضِّرار الحادث بينَهم فإن أمكن بغير إجبارٍ على البيعِ ونحوِه فعلَه، وغن لم يمكن إلاَّ به أرشدَ كلَّ واحد منهما إلى أن يبيعَ من صاحبِه، أو يناقله [٢ب]، أو يهبَ له، أو يبيعانِ من آخر، فإنْ أجابا إلى ذلك فذاك، وإن لم تقع الإجابةُ أخبرَهما على أمر يرتفع به بينهما الضرار من بيع أو غيره، وعليه أن يمعن النظر في الدفع بوجهٍ أيسر مُؤنة، وأخف مشقة حسبما يقتضيه الحالُ باديًا بالأخفِّ، وإذا كان الضرارُ ناشئًا من أحدهما كان الخطابُ معه والإيجابُ عليه، والحاكم بعد الترافُعِ إليه، والخصومةُ عنده قد لزمه رفعُ الضرارِ الذي نفاه رسول الله ﵌ عن المسلمين وردَّه على صاحبه فلو لم يرد من الأدلة إلاَ ما أسلفنا ذِكْرَهُ لكان مسوِّغً للحاكم أن يرفَعه بالبيع ونحوه، بل موجبًا لذلك عليه، فكيف وقد ورد ما هو أخصُّ من ذلك في أحاديثِ الجوازِ، كحديث: "والذي نفسي بيده لا يؤمنُ أحدكم حتى يأمنَ جارُهُ بوائِقَهُ"، وهو في الصحيح (١)، وكذلك حديثُ: "من كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر فلا يؤذِ جارَهُ"، وهو أيضًا في الصحيح (٢)، وكذلك حديثُ: "ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتى قلت: إنه سيورِّثُه" (٣) أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنه، وفي الباب أحاديثُ (٤) كثيرةٌ أقلُّ

стр. 3171

أحوالها أن يكون رفعُ الضِّرارِ بين المتجاورينَ آكدَ من رفعِه بين غيرِهم، وأحقَّ، وأوْلى، وألزمَ، فكيف وقد وقعَ ذلك من رسول الله ﵌ بعينه! فيما أخرجه أبو داود (١) من حديث سمرة بن جندب أنه كان له عضدٌ من نخل في حائطِ رجل من الأنصار، قال: ومع الرجل أهلِه، قال: وكان سمرة يدخل إلى نخلِه فيتأذى به، ويشق عليه، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فأتى النبيَّ ﵌ فذكر ذلك له، فطلبَ النبيُّ ﵌ أن يبيعه فأبى، فطلبَ إليه أن يناقلَه فأبى، قال: "فهبْه لي، ولك كذا وكذا" أمرٌ رغَّبه فيه فأبى، فقال: أنتَ مُضَارٌّ" فقال رسول الله ﵌ للأنصاري: اذهبْ فاقطعْ نخلَه" ورجالُ هذا الحديثِ كلُّهم ثقاتٌ، فإنَّ أبا داود (٢) قال: حدثنا سليمان بن داود العتكيُّ، وهو من رجال الصحيحِ، قال: حدثنا حماد بن زيد، وهو أيضًا كذلك، قال: حدثنا واصلٌ العابدُ مولى أبي عيينةَ، وهو أيضًأ كذلك، قال سمعتُ أبا جعفر محمدَ بن علي الباقر، وهو أيضًا كذلك يحدِّثُ عن سمرةَ، فذكره. قال المنذريُّ في مختصر السنن (٣): في سماع الباقر من سمرةَ بنِ جندب نظرٌ؛ فقد نقل عن مولدِه (٤)، ووفاةِ سمرةَ ما يتعذَّر معه سماعُهُ وقلّ فيه ما يمكنُ السماعُ منه انتهى. قلتُ: قد ثبتَ أن موتَ سمرةَ بن جندب ثمانٍ، أو تسعٍ وخمسينَ، وموتَ الباقر سنةَ أربعَ عَشْرَةَ ومائةٍ.

стр. 3172

وقد نقلَ بعضُ أهل العلمِ أنه مات عن ثلاثٍ (١) وسبعينَ سنةً، فيكون ملوده على هذا سنةَ تسعٍ وثلاثينَ، فهو عند موتِ سمرةَ [٣أ] في عشرينَ سنةً، وهذا سِنُّ الطلبِ، ووقتُ التحصيلِ، بل لو كان عند موتِ سمرةَ في سبعٍ أو ثمان سنينَ لم يتعذّر معه السماع. وقد سمع (٢) من جماعة من الصحابة، كجابرٍ، وابن عمرَ، وأبي سعيد. فذهب إعلال الحديثِ بتلكَ العلَّةِ وكان صحيحًا. هذا إذا صح ما نقله ذلكا لبعض أن عُمْرَهُ ثلاثٌ وسبعونَ، فإن لم يصحَّ وكان عمرهُ دون ذلك، فقد أخرج المحبُّ الطبريُّ في أحاديث الأحكام عن واسعِ بن حِبَّانَ قال: كان لأبي لُبابَةَ عِذْقٌ في حائط رجلٍ، فكلَّمه فقال: إنك تطأُ حائطي إلى عِذْقِكَ، فإما أن أعطيك مثلَه في حائطكَ، وأخرِجْهُ عني، فأبي فكلَّم النبيَّ ﵌ فقال ﵌: "يا أبا لبابةَ خذْ مثلَ عِذْقِكَ فَحُزْها إلى مالكَ، وكُفَّ عن صاحبِك بما يكره" فقال: ما أنا بفاعلٍ قال: "فاذهبْ فأخرجْ له مثلَ عِذْقِهِ إلى حائطِه، ثم اضرب فوق ذلك بجدارٍ، فإنه لا ضرر في الإسلام ولا ضرار" هكذا ساقه المحبُّ، وعزاه إلى أبي داودَ، فيُنْظَرُ، فإن لم أجدْه. وهذا الحديثُ يعضِّدُ الحديثَ الأولَ ويقوِّيه، ويتبينُ به أنَّ هذه الحكومةَ منه ﵌ ليست بخاصَّةٍ لرجل دون رجل، أو في قصةٍ دون قصةٍ، بل لو لم يردْ إلاَّ حديثُ سمرةَ لم يكن خاصًّا، لأن العلَّة التي ربطها به لا تختصُّ بفردٍ دون فرد من الأمة، وهي قوله: "أنت مُضارّ"، على أنه لو لم يرد حديثُ سمرةَ، ولا حديثُ واسعِ بن حبّان لكان فيما ذكرنا من منع الضرار ما يغني عن ذلك، فانظر معاوضةٌ لا نقصَ فيها ولا غبنَ، فلما أبى أخبرَهُ بأنه مُضارّ، وعاقبه بإتلاف مالِه، وسوَّغ لخصمه قطع نخله. ومن اقتدى برسول الله ﵌ في مثل هذه الحكومة فقد

стр. 3173

جاء بالشرع، واتبع الهدي المصطفويّ، وحكمَ بسُنَّةِ رسول الله ﵌، وأخذ الحقَّ مع معدنِه، واغترفَ الصوابَ من منبعِه؛ فالشريكان في الأرض أو الدار إذا كان يحصل باجتماعِهما ضرارٌ عليهما، أو على أحدهما، ولا محالة بوجهٍ من الوجوه المتقدِّمة كان على القاضي أن يعرض على كل منهما ما عرضَه رسول الله ﵌ على مسرةَ وأبي لبابةَ، فإنْ قَبِلَهُ فذاكَ، وإن أبى عاقبه بمثل العقوبة التي فعلها رسول الله ﵌ إذا كان الاشتراك في الحوائط ونحوها، أو بما يماثلُها إن كان الاشتراك في الدور ونحوِها، فإن مجرَّد الامتناع عن القبول يصيره به الممتنع مُضارًا كما قال رسول الله ﵌. وأقلُّ أحوال العقوبةِ إجبارُهُ على البيع أو المناقلةِ؛ فإن ذلك معاوضةً ليس على فاعلها [٣ب] ظلامةٌ ولا غرامةٌ، فإنه يأخذُ مثلَ ما يملِكُه أو قيمتَه. وإذا أمكنَ القاضي العارفُ بالمسالك الشرعية أن يدفع ما بين الشريكين من الضرارِ بنوعٍ من أنواع السياسةِ الشرعيةِ فعلَ ذلك، فقد فعلَه رسول الله ﵌ كما أخرجه أبو داودَ (١) من حديث أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﵌ يشكو جارَه فقال: "اذهب فاصبر" فأتاه مرتين أو ثلاثًا فقال: "اذهب فاطْرَحْ متاعَك في الطريق" فطرحَ متاعَه في الطريق، فجعل الناس سيألونَه فيخبرُهم خبَرهُ، فجعل الناس يلعنونَه: فعلَ الله به وفعلَ، فجاء إليه جارُه فقال: ارجعْ لا ترى منِّي شيئًا تكرهُهُ. هذا إذا كان الضرار موجودًا بنفسِ الاشتراكِ كالدارِ الضيقةِ، والأرض التي لا يمكن

стр. 3174

انتفاعُ أحد الشريكين بنصيبه إلاَّ بالإضرار بالآخر، كاستطراق أرضه أو الاطلاع على عورات أهلِه، كما يرشدُ إليه حديث سمرة حيث قال فيه: ومع الرجل أهلُه مما لو كانت الدار واسعةً بحيثُ ينتفعُ كلُّ واحد من الشريكين بملكه من دون تزاحم في المشاعات المتقدِّمِ ذكرُها؛ بل يمكن كلَّ واحد منهما أن يجعل لنفسه طريقًا مستقلةً، ومطبخًا منفرِدًا ومُسْتراحًا مستقلاً، ونحو ذلك، ولا شركة بينَهما في نفس النازل المعدَّةِ للسكون ونحوه فلا ضرار حينئذ، ولا وجه للإجبار على البيع ونحوه إلا إذا كانت الدار مثلاً لا تنفقُ إلا إذا بيعت جميعُها، ولا ينفُق نصيبُ الشريك منفردًا، وكان محتاجًا إلى بيع نصيبه على وجهٍ لا يندفعُ عنه تلك الحاجةُ إلاَّ بالبيع، فهاهنا قد حصل الضرارُ على الشريكِ المحتاجِ إلى البيع، فيعرضُ القاضي على شريكه أن يشتري نصب ذلك المحتاج إن كان متمكنًا، فإن كان غير متكن فإجباره على بيع نصيبه مع نصيب شريكه لا ندفع الضِّرارُ عن ذلك الشريك المحتاج إلاَّ به، وليس على هذا المأمور بالبيع ظلمٌ ولا تغريمٌ، لأنه يبيعُ نصيبَه بقيمتِه، ويربحُ الاستراحة من معرَّةِ الاشتراك والانفراد بنفسه، ويخلُص عن الوقوعِ في ضرار جاره، وليس هذا من باب دفع الضرارِ عن الغير بإنزال الضرار بالنفس، بل من باب دفع الضرار الذي نفاه الشارعُ عن الإسلام وأهلِه. وقد أخرج البخاريُّ (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣) [٤أ]، والترمذيُّ (٤)، والنَّسائيُّ (٥)، وابن ماجه (٦) من حديث أبي هريرةَ قال: قال رسول الله ﵌:

стр. 3175

"لا يمنعنَّ جارٌ جارَهُ أن يغْرِزَ خشبةً في جدارِه" فهذا نهيٌ منه ﵌ يدلُّ على تحريم المنعِ للجارِ أن يغرزَ الخشبَ في جدارِ جارِه، مع أن تضرُّرَ الجار الذي يريد أن يغْرِزَ الخشبَ بمنعه من ذلك غيرُ معلومٍ، فإنه يمكنُه أن يجعل لنفسه جدارًا مستقلاً يغرزُ فيه خشبة. فهاهنا قد أرشد الشارعُ إلى رعاية جَلْبِ المصالح إلى الجار، ولم يلتفت إلى مظنَّة ما يحصل من صاحب الجدار من التضرُّر بغَرْزِ الخشبِ في جدارِه، وهاهنا طاحتِ المقاييسسُ، وذهبتِ العِللُ، وارتفعت مسالك الرأي، ومباحثُ الموازنةِ، فمن لم يقبل عقلُه هذا فليتَّهم نفسَه، ويحمل الغلط على عقله وفهمه، ويدع كيف وفيم، وعلام ولِم، ويذعِن لأحكام الشرع، ويعلم أنّ صلاحَ الدين والدنيا مربوطٌ بها، منوطٌ بما فيها. دعوا كلَّ قولٍ عند قولِ محمدٍ ... فما آمنٌ في دينِه كمخاطرِ وقد وقع لكثير من أهل العلم في ..........................................

стр. 3176

تأويل (١) مثل حديث أبي هريرةَ هذا، وحديث سمرة، وواسع بن حبّان المتقدّمين من التعسُّفات والتكلُّفات ما يتبرى الإنصافُ منه، ويمجُّه طبع كل متشرعٍ مُؤْثِرٍ لما جاء به الشرع على ما جاء به أهلُ الرأي من الآراء المخالفةِ له (٢) ومَن صاحبُ الرأي حتى يردّ كلام الشارع إلى كلامه! وتُطلْلَبُ له التأويلاتُ لأجلِه، ويُذادُ عن معارضتِه! وهل هو إلاَّ في عداد المتعبدين بالشرع، المأخوذين بأحكامه، المطلوبين بما فيه، لا فرق بينه وبين سلائر الأمة من هذه الحيثية، فرأيه المخالِفُ لما جاء عن الشارع ردٌّ عليه، مضروب به في وجهه، مرميّ به وراء الحائط. البحث الثاني: في الكلام على سؤال السائل ـ كثر الله فوائده ـ وقد عرف من البحث الأول إجمالاً، فلنعرفْ من هذا تفصيلاً فنقول: أما قوله: وقد ذكرتم في شرح المنتقى (٣) ما لفظه: وفي سماعِ الباقرِ من سمرةَ نظرٌ ... إلخ. فجوابه ما قدمنا من النقل [٤ب]، على أنا قد قدمنا أنه قد وردَ مثلُه من طريق أخرى ومن ذلك فلو فرضنا عدَم ورود حديث سمرةَ، والحديث الذي عضَّده وشهد له لكان في الأحاديث الواردة بنفي الضِّرار، وما في معناها ما يسوغُ ما ذكرناه من بيع المشتركِ مع وجود الضِّرار. وأما ما ذكره من أن في القصة ما يفيد أنَّ الحائط لم يكن مُلكُ سمرةَ. فليسَ فيه ما يفيدُ ذلك بمطابقة، ولا تضمُّنٍ، ولا التزامٍ؛ فقد أثبتَ في لفظ الحديث ملكَه لعضد النخلِ في حائط الأنصاري، ومجرَّدُ نسبتِه إلى الأنصاري لا تنفي أن يكون بعضُه لغيرِه، فإن الأشياء تُنْسبُ باعتبار الغالبِ والأكثر فيقال: حائط فلانٍ لمن يملكُ

стр. 3177

أكثرُه، وهذا شائعٌ في اللغة، معلومٌ عند أهلها لا ينكرونه. وأما قوله: إنها وقعة عينٍ لا عمومَ لها. فقد عرفتَ ما تقرَّر في الأصول (١) أن ما شرعه الشارعُ لفردٍ من أفرادِ أمّته أو لبعضِ الأفراد يكون شرعًا لسائر الأمّة، ولم يقعِ الخلافُ بين أهل الأصولِ إلاَّ في نفس الصيغةِ كما هو محرَّرٌ في مواضعهِ حتى قيلَ إنه مجمعٌ على أن الحكمَ على الواحدِ حكمُ (٢) الجماعة ما لم يتبيَّن الشارعُ الاختصاص بذلك الواحد كقوله: يجزيك ولا يجزئ أحدًا بعدك (٣)، ونحو ذلك. مع هذا فقد قدمنا أنَّ الحديثَ مربوطٌ بعلَّةٍ لا تخصُّ فردًا من الأمة دونَ فرد، وهي قوله: "أنت مضارٌّ" (٤) هذا على فَرضِ أنه لم يدلّ على ما ذكرناه دليل إلا هذه الواقعة فكيف وقد وقعَ منه ﵌ الحكمُ في وقاعة أخرى بمثل ذلك! كما في حديث واسعِ بن حبان المذكور، على أنا لو فرضنا عدم وقوع هاتين الوقعتين من النبي ﵌ لكان الدليلُ موجودًا مغنيًا عن غيره كما أسلفنا. وأما ما ذكره ـ كثر الله فوائده ـ من أن دعوى الضرار بعد القسمة التي شُرِعَتْ لدفع الضرار يعودُ على الغرض المقصود منها بالنقص. فنقول: نعم، القسمةُ شرعتْ لدفع الضرارِ (٥)، فإذا لم يندفع الضرارُ بها فليست [٥أ] بقسمة شرعيةٍ، والمفروضُ في مسألة السؤال أن الضرار موجودٌ بوجه من الوجوه المتقدمة، وليس النزاعُ في شيء لم يبق بعد قسمته ضرارٌ، فالحاصلُ أن هذه القسمة التي وُجِدَ الضرارُ بعدها ليست بقسمةٍ شرعيةٍ، لأنه لم يحصل الغرضُ الذي شرعت لأجله

стр. 3178

وهو دفعُ الضِّرار. فنقول: في القسمة الصحيحة هذه قسمةٌ، وكل قسمةٍ مشروعةٍ لدفع الضرار فهذه مشروعةٌ لدفع الضرار، وكل مشروع لدفع الضرار ثابتٌ في الشريعة فهذه ثابتة في الشريعة، وكل ثابت في الشريعة صحيح فهذه صحيحة. ونقولُ في القسمة التي لم يندفع بها الضرار: هذه قسمة لم يندفع بها الضرار، وكل قسمةٍ لم يندفع بها الضرار غير شرعية، فهذه قسمة غيرُ شرعية، وكل قسمة غير شرعية باطلةٌ فهذه قسمةٌ باطلةٌ. وأدلة هذه المقدمات مسلمة عند المتشرع، فإذا لم يندفع الضرارُ بقسمة الشيء المشترك على المواريث فقد تعذّرت فيه القسمةُ الشرعية على الوجه الذي يريدُه كل واحد من الشركاء، وهو أن يتعين له ينصيبه في المشترك، وإذا تعذّرت القسمةُ على هذا الوجه وجب المصير إلى وجهٍ آخر يندفعُ به الضِّرار، وهو أن يبيعَ بعض الشركاء من بعض، أو يهب له، أو يناقِلَه، ولا مانع من أن يسمَّى ذلك قسمةً شرعيةً، لأنه قد انتفع كلُّ شريك بنصيبه، واندفع عنهم الضرارُ، بل لو قال قائلٌ أن لا قسمةَ [٥ب] شرعيةً في ذلك المشتركِ الذي يستلزمُ تقسيطَه بين جميعِ الشركاء وجودُ الضرارِ إلاَّ هذه القسمة التي لا يندفعُ الضرار إلا بها لم يكن ذلك بعيدًا من الصواب، ولا يقدح في هذا ما يقال من أنه يمكنُ دفعُ الضرار بالمهاياة، والمهاياةُ قسمةٌ شرعية كما صرح به القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١) لأنا نقول: المفروضُ أنه لم يحصل التراضي على قسمة المهاياة، أو كان الضرارُ موجودًا معَها، وذلك إذا كان بعضُ الشركاء لا يجدُ مثلاً مسكَنًا يسكُنه في نوبةِ شريكِه، أو كان محتاجًا إلى بيعِ نصيبِه للانتفاع به في سد جوْعَتِه، أو سَتْرِ عورتِه، أو نحو ذلك. وأما قوله ـ كثر الله فوائده ـ: وأما الساكنُ فمن حيث كونُ خروجِه من ملكِه يضرُّ

стр. 3179

به ... إلخ. فنقول: لا ضرار على من باع نصيبَه بقيمته، ولو كان ذلك ضرارًا لكان كل بيع ونحوُه ضرارًا، وإنما الضرارُ على من يريدُ أن ينتفعَ بنصيبه في حاجةٍ من حوائجه الماسة فقيل له: لا سبيل لك إلى ذلك، ولا تجدُ منه فرجًا ولا مخرجًا، بل اتركُهُ مَحْبسًا، واسكُنُه شئتَ أم أبيت، واصبر على الضَّرر رضيتَ أم كرهتَ. وأما ما أورده ـ كثر الله فوائده ـ من أدلة اعتبار التراضي وطيبة النفس. فنقول: ذلك مُسَلَّمٌ، ولكن المفروضَ هنا أنه قد حدثَ بين الشريكين ما يقتضي الضرارَ، وقد قدمنا تحريرَ الأدلة وتقريرَ وجه الدلالة على أن ذلك مسوغٌ للإجبار على البيع، أو المناقلة، أو نحوهما؛ فهذه الأدلةُ مقيِّدةٌ لأدلةِ التراضي [٦أ]، وطيبةُ النفس إن كانت مطلقةً أو مخصِّصَةً لها إن كانت عامَّةً كما أن الأدلة الواردة في بيع (١) مال المديون، وفي بيوت الشفعةِ (٢) والقِسامةِ (٣)، ونحوِ ذلك مقيدةٌ أو مخصصةٌ لأدلة التراضي، وطيبةِ النفسِ بلا خلافٍ بين أهل العلم. وأما ما ذكره ـ كثر الله فوائده ـ: من استشكال أمره ﵌ بقطع النخل، وهل هو من باب إبطال الملكِ والإهدار له؟ أم ماذا وقع؟. فنقول: بل أتلفَ نخلَهُ بالقطعِ عقوبةً له، وأبطل ملكَه، وهذا حكمٌ ثبتَ لنا عن الذي جاءنا بالصلاة، والزكاة، والحجّ، والصيام، وسائر الفرائض الشرعية، وكان علينا قبولُه، والإذعانُ له، والسكوتُ عنده، وما أحقَّ من سعى في ضرار جاره، وضمَّ الغليظة! وليس مثلُ هذا ببدعٍ في الشريعة الغرَّاء، ولا هو بمستنكرٍ، فقد شُرِعَ لنا أخذُ

стр. 3180

شطر مال مانع الزكاة (١) عزمة من عزمات ربنا كما ورد الحكم بذلك عن رسول الله ﵌، وورد القرآن الكريم (٢) بتسويغ رأس مال المربي إذا لم يتب، وورد الحكم النبوي (٣) بتضعيف الغرم على من أتلف الضالة، وكذلك ورد تحريق مال (٤) المحتكر. وقد ثبت في الصحيحين (٥) وغيرهما (٦) في شأن المتخلفين عن صلاة الجماعة أن النبي ﵌ قال: "ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال إلى قوم [٦ب] لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". وفيه أعظم دلالة على جواز عقوبة العاصي بتحريق بيته. وقد ثبت هذا الحديث في دواوين الإسلام وغيرها من طريق جماعة من الصحابة كأسامة بن زيد عند ابن ماجه (٧)، وابن أم مكتوم عند أحمد (٨) بسند صحيح، وأنس

стр. 3181

عند الطبراني في الأوسط (١)، وابن مسعودٍ عند الحاكم في المستدرك (٢)، وأخرج ابنُ مردويهِ في تفسيره عن ابن عباس أن النبي ﵌ أمرَ أصحابه فحرقوا مسجد الضرار، وهدموه، وخرج أهلُه فتفرَّقوا عنه (٣). وأخرج نحوَه ابن إسحاقَ من حديث أبي رَهْمٍ، وأخرج نحوَه ابنُ جرير عن جماعة. وأخرج أبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والحاكم (٦) وصحَّحه من حديث عمرَ عن النبي ﵌: "إذا وجدتم الرجلَ قد غلَّ فأحرقوا متاعَهُ واضْربُوه". وأخرج مسلمٌ (٧) والنسائيُّ (٨) من حديث عبد الله بن عمْرو قال: رأي النبيُّ ﵌ عليَّ ثوبين مُعَصْفَريْنِ فقال: "أمُّك أمرتك بهذا" قلت: اغسلْهُما قال: "بل أحرقُهما" قال النوويُّ (٩): الأمرُ بإحراقهما عقوبةٌ وهتكٌ لزجرِه وزجرِ غيرِه عن مثل هذا الفعلِ. وقد أخرج الحديثَ الحاكمُ (١٠) بسياق أطولَ من هذا. وأخرج ابن سعد في الطبقات (١١) أن عمرَ بن الخطاب ﵁ أحرقَ بيتَ رويشدٍ

стр. 3182

الثقفيِّ، وكان حانوتًا للشرابِ. وأخرج نحوَه عبد الرزاق في المصنّفِ (١) وابن أبي شيبة (٢) وأخرج ابن سعد في الطبقات (٣) أن عمر أحرقَ بابًا لسعد بن أبي وقاص. وأخرج ابن عبد الحكم في فتوحِ مصرَ أن عمرَ هدم غرفةً لخارجةَ بنِ حذافةَ، وقال: "لقد أراد خارجةُ أن يطلع على عورات جيرانِه" (٤). وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٥) أن عبد الرحمن بنَ عوف دخلَ ومعه ابنٌ له وعليه قميصٌ من حرير على عمرَ فشقَّ القميصَ. وأخرج البخاريُّ في الأدب المفرد (٦) أن عثمانَ بن عفانَ ﵁ قال في النرد: "لقد هممتُ أن آمر بحزم من حطبٍ، ثم أرسلُ إلى بيوتِ الذينَ [٧أ] هم في بيوتِه فأحرِّقها". وأخرج نحوَه البيهقيُّ في شعبِ الإيمان (٧) عنه. وأخرج سعيد بن منصور (٨)، والبيهقيُّ (٩) أن عثمانَ كان يأمرُ بذبحِ الحمامِ التي يُلْعَبُ بها. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود ﵁ أنه أتاه ابنٌ له قد ألبستْهُ أمُّه قميصًا من حرير فشقَّه. وأخرج نحوَه ابنُ أبي شيبة (١٠) عنه.

стр. 3183

وأخرج ابنُ أبي الدنيا (١)، والبيهقيُّ (٢) عن ابن الزبير أنه خطبَ بمكةَ فقال: بلغني عن رجال يلعبونَ بلعبةٍ يقال لها النردشيرُ، وإني أحلق بالله لا أوتي بأحدٍ يلعبها إلاَّ عاقبته في شعره وبَشَرِهِ، وأعطيتُ سَلَبَهُ من أتاني به. وأخرج ابن أبي الدنيا (٣)، والبيهقي (٤) عن ابن عمرَ أنه مرًّ بقوم يلعبونَ بالشاهِ فأحرقها بالنارِ. ويعني بالشاهِ الشطرنجَ، وأخرجَ البيهقيُّ (٥) عن ابن عباس أنه أحرق آلةَ شطرنجٍ وجدَها في مال يتيمٍ. فهذه أحاديثُ عن رسول الله ﵌ وآثارٌ عن جماعةٍ في أصحابه ﵃ فيها العقوبةُ لأهل المعاصي بالهدْمِ والإحراقِ والتمزيقِ، ولا فرقَ بينها وبين قطع نخلِ المُضارّ الذي استشكلَه السائلُ ـ ـ كثر الله فوائده ـ وأما نصوصُ أهلِ العلم من أئمةِ المذاهبِ وغيرهم في العقوبة للعصاة بإتلافِ أموالِهم بالهدمِ والإحراقِ والكسرِ والتمزيقِ، وأخْذِ أموالِهم وَوَضْعِها في مصارِفها فهي كثيرةٌ (٦) جدًا، لا يتّسع لها

стр. 3184

هذا المجموعُ. وقد وقع في مؤلفاتِ جماعةٍ من الأئمةِ من أهلِ البيتِ وغيرِهم ما يغني عن التطويل. وفي هذا المقدار كفايةٌ إن شاء الله. حرره المجيبُ محمد بن علي الشوكاني ـ غفر الله لهما ـ.

стр. 3185

(١٢٧) ٢٠/ ٢ الأبحاث الحسان المتعلقة بالعارية والتأجير والشركة في الرهان تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3186

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة: "الأبحاث الحسان المتعلقة بالعارية والتأجير والشركة في الرهان". ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، وبه نستعين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين. وبعد: فإنّه وصل السؤال من سيدي العلامة المفضال صفيِّ الكمال أحمد بن يوسف زبارة ... ". ٤ - آخر الرسالة: " ... ويتمكن صاحب العين من استخلاصها بتسليم الدين. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والله ولي التوفيق. بقلم: المجيب محمد الشوكاني غفر الله له. ٥ - نوع الخط: خط نسخي عادي. ٦ - عدد الصفحات: ٧ صفحات + صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٣ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١١ كلمة. ٩ - الناسخ: المؤلف محمد بن علي الشوكاني. ١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3187

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله ربّ العالمين، وبه نستعين، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين. وبعدُ: فإنه وصلَ السؤالُ من سيدي العلامة المفضال، صفيّ الكمال أحمد بن يوسف زيارة (١) ـ كثر الله فوائده ـ ولفظُهُ: صدر هذا السؤالُ عن شأن ما يقعُ من الرِّهان الذي يحصلُ من رجل مشتركٍ هو وجماعةٌ، وظاهرٌ أنَّ التقديمَ والتأخيرَ بيده، فيرهنُ مثلاً مالاً له ولشركائه، ولا يعلم المرتهِنُ بحصولِ الإذن منهم ولا عدمِهِ إلاَّ مجرَّدَ ظهور تقديمِهِ وتأخيرِه وإنفاقِه، فهل يكون القولُ للراهنِ، لأنّ الأصلَ عدمُ الإذنِ أو للمرتهِنِ، لأنَّ الظاهر صارفٌ عن الأصل المذكور؟ الثاني: مَنِ استأجر الشيءَ يرهنُه فهل يصحُّ؟ أو استعارَهُ أيضًا لرهنِهِ؟ ومع فرضِ الصحةِ فلا شكَّ في ضمان المرتهن لذلك، لكنْ بقي الكلامُ لو أفلسَ الراهن عن قضاء الدَّين، فهل للمؤجِّر والمعير أن يقضيا الدَّيْنَ ويفكَّاهُ، ويرجعانِ على الراهن الثاني لو أعْسَرَ المعيرُ والراهنُ جميعًا، ولم يبقَ سوى العينِ المعارة، هل يجوزُ للحاكم أن يبيعَها لقضاء دين المرتهنِ، لا سيَّما والمعيرُ لا يعرف بالإعسارِ من الراهنِ، ولا يعرف أن العاريةَ قد تؤدي إلى خروج العينِ عن ملكِه؟ انتهى.

стр. 3188

وأقول ـ مستعينًا بالله ـ: قد اشتملَ هذا السؤالُ على أبحاث: الأول: قوله: عن شأن ما يقعُ من الرِّهان (١) ـ إلى قوله ـ: لأن الظاهر صارفٌ عن

стр. 3189

الأصل المذكور. أقول: إنْ كان هذا الرجلُ الذي صار التقديمُ والتأخيرُ بيده مفوَّضًا من شركائه، وكانوا مكلَّفين، والمرادُ بالتفويض هنا أن يظهرَ منهم ما يدلُّ على أنهم قد ألقَوْا مقاليدَ أمرِهم، ووجوهَ تصرفاتِهم مدخولاً ومخروجًا إليه من قولٍ أو فعلٍ، وارتَضَوْهُ لتدبير دنياهم، ولم يعارضوه في شيء من ذلك كما يقعُ كثيرًا من أهل بيت [١أ] لمن هو الأرشدُ منهم، ولم يكن ذلك الرضى والتفويضُ لرهْبةٍ، ولا لشيء من الأمور التي تخالفُ الرضى المحققَ، والتفويضَ الخالصَ فلا شكَّ ولا ريبَ أنَّ من كان بهذه المثابةِ يكون تصرُّفُهُ بما تصرَّفَ به من أموال شركائهِ المكلّفين صحيحًا ناجزًا بموجب التفويض الذي هو مناطٌ شرعيٌّ لإشعاره بالرِّضى، بما وقع منه من التصرفات، وهذا الرضى هو المناطُ المعتبرُ في الكتاب والسنة في تحليل بعض أموال العبادِ لبعض، وإذا كان مجرّدُ الوكالةِ للأجنبيِّ مناطًا شرعيًا في نفوذ تصرُّفاته فبالأولى أن يكون التفويضُ للقريب المشارك مناطًا شرعًا، فإذا وقع من هذا الشريكِ المفوِّضِ رهنُ شيء مما هو مشتركٌ بينَه وبين شركائِهِ المكلّفين فقد صح ونَفَذَ وثبتتْ له أحكامُ الرَّهن، وليس لواحد منهم أن يقولَ بعد ذلك ما أذنتُ، أو ما رضيتُ، أو نحوَ ذلك. وأما إذا لم يكنْ ذلك المتصرِّفُ بهذه المثابةِ، بل كان كلُّ واحدة من شركائه مستقِلاًّ بالتصرُّفِ بماله، أو كان المتصرِّف واحدًا منهم، ولكن لا على طريق التفويضِ، بل لا يتصرفُ في شيء إلاَّ بإذنهم ورضائِهم، ولا يستبدُّ بأمر دونَهم، فإذا كان هذا هو المعروفَ من حالهم، ووقع منه التصرفُ ببعض الأعيان المشتركة برهنٍ أو غيرِه،

стр. 3190

وخاصمَهُ الشركاءُ، وطلبوا ملكَهم فالقولُ قولُهم، ويكون لهم استخلاصُ ملكِهم من يدِّ مَنْ قد صار إليه ببيعٍ أو رهن أو غير ذلك، لأن الأصلَ والظاهرَ قد تطابقا هاهنا، وبيانُه أنه لا ريبَ أن الأصلَ بقاءُ الشء على ملك مالكِه، وقد عضَّدَ هذا الأصلَ الظاهرُ لأن عدمَ التفويض والاستبداد من ذلك المتصرِّف بالتصرُّفِ في غير هذا الشيء الذي وقع النزاعُ فيه، يستفادُ منه بطريق الظهورِ عدمُ وجود المناط الشرعي، وهو الرِّضى من الشركاء المذكورينَ [١ب]، وهكذا يتعاضَدُ الأصلُ والظاهرُ إذا كان شركاءُ ذلك المتصرِّفِ من النساء اللاتي يباشِرْنَ التصرفاتِ، ويمارِسْنَ ما يمارسهُ الرجالُ من الأمور المتعلِّقة بالأموالِ، أو كان الشركاءُ قاصرينَ، فإنه كما يكون الأصل عدَم الرضى من النساء يكونُ الأصلُ أيضًا عدمَ المصلحةِ للقاصرينَ، وكما يكون الظاهرُ من أحوالِ النساءِ عدمَ الرضى للعلَّةِ التي ذكرناها يكون الظاهرُ عدمَ المصلحة للقاصرينَ، لا سيما في التصرفات التي لا أعواضَ لها هي أصلحُ وأريحُ للقاصرينَ من العينِ أو الأعيانِ التي تصرَّفَِ فيها ذلك المتصرِّفُ بالبيع ونحوِه، فتقرَّر بما ذكرناه أنه قد يعاضِدُ الأصلَ والظاهِرَ في هذه الصورة، والتي قبلَها على عدمِ لزوم تصرُّفِ ذلك المتصرِّف ببيعٍ أو رهنٍ لشركائه. وأما الصورةُ الأولى، وهي صورة التفويضِ فقد تعارِضُ الأصلَ والظاهرَ، فالأصلُ يقتضي بقاءَ الملكِ لمالِكه، والظاهرُ قد دلَّ على نفوذ تصرُّفِ لمكان التفويض الذي هو مناطٌ شرعيٌّ، فلو فرضنا التباسَ الأمرِ، وعدمِ الوقوف على الحقيقة من تفويض أو عدمِه مع كون الشركاء مكلَّفينَ عارفينَ بما فيه مصلحةٌ، وما لا مصلحة فيه من التصرُّفات، فالواجب الرجوعُ إلى الأصل، وهو بقاءُ الملك، وعدمُ حصولِ الرضى المستفادِ من التفويضِ، ولم يوجدْ هاهنا ما يستفادُ منه ما يخالفُ الأصلَ من ظاهرٍ أو غيره فكان الأصلُ خالصًا عن المعارض، فوجبَ البقاءُ عليه والعملُ به، ويكون للشركاء استخلاصُ ملكهم من يد مَنْ هو في يده، ببيعٍ أو رهنٍ، وكذلك إذا كان الشركاء نساءًا أو قاصرينَ. فإن قلتَ: هذا التعويلُ على مجرَّد الأصلِ، والظاهرُ وإن كان قاعدةً كليةً من القواعد الأصوليةِ والفروعية، لكنَّ مثلَ السائلِ ـ كثر الله فوائده ـ لا يقنعهُ إلاَّ الدليلُ [٢أ] لا مجرَّدُ القالِ والقيلِ. قلتُ: ليس التعويلُ منا هاهنا إلاَّ على ما صرَّح به الكتاب العزيز، والسنَّة المطهَّرة من اعتبار الرِّضى، وطيبة النفس في تحليل أملاك العباد لبعض، وأنَّها لا تؤكلُ بالباطل فإن دلَّتِ القرائنُ المعمولُ بها شرعًا على حصول الرضى، وطيبة النفس فقد حصل المناط الشرعيُّ، فلم يُرَدْ بالظاهر الذي ذكرناه إلاَّ دلالةُ تلك القرائنِ المقبولة على وجود المناطِ الذي اعتبرهُ الكتاب (١) والسنة (٢)، ولم نُرِدْ بالأصل إلاَّ عدمَ وجود تلك القرائنِ الدالةِ على وجود المناطِ، فكان الدليلُ على نفوذ التصرُّفِ في صورة التفويض هو الكتابُ والسنةُ، وعلى عدم نفوذِ التصرُّف في غير تلك الصورةِ هو عدمُ وجودِ الدليل الدالّ على انتقال الملكِ عن مالكِه، أو استحقاق حَبْسِهِ عنه. البحثُ الثاني: سؤالُ السائلِ ـ كثر الله فوائده ـ عن إفلاس الراهنِ عن قضاء الدَّين (٣) إذا كان موجودًا، فهل للمؤجِّر للرهن والمعيرِ أن يقضيا الدَّين ويفكَّاه، ويرجعا على الرَّاهن؟. أقول: جوابُ هذا البحث يتوقف على تحرير أمرين: الأول: أن المؤجِّر والمعير إنما حصل منهما الرِّضى بحبس تلك العين المرهونة حتى يقيضيَ الراهنُ ما عليه من الدَّين، ولم يحصل منهما الرضى بإخراج العينِ عن ملكِهما كما هو مقتضى .... .... .... .... .... .... .... .... .....
следующие страницы →