← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة: "الأبحاث الحسان المتعلقة بالعارية والتأجير والشركة في الرهان". ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، وبه نستعين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين. وبعد: فإنّه وصل السؤال من سيدي العلامة المفضال صفيِّ الكمال أحمد بن يوسف زبارة ... ". ٤ - آخر الرسالة: " ... ويتمكن صاحب العين من استخلاصها بتسليم الدين. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والله ولي التوفيق. بقلم: المجيب محمد الشوكاني غفر الله له. ٥ - نوع الخط: خط نسخي عادي. ٦ - عدد الصفحات: ٧ صفحات + صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٣ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١١ كلمة. ٩ - الناسخ: المؤلف محمد بن علي الشوكاني. ١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3187

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله ربّ العالمين، وبه نستعين، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين. وبعدُ: فإنه وصلَ السؤالُ من سيدي العلامة المفضال، صفيّ الكمال أحمد بن يوسف زيارة (١) ـ كثر الله فوائده ـ ولفظُهُ: صدر هذا السؤالُ عن شأن ما يقعُ من الرِّهان الذي يحصلُ من رجل مشتركٍ هو وجماعةٌ، وظاهرٌ أنَّ التقديمَ والتأخيرَ بيده، فيرهنُ مثلاً مالاً له ولشركائه، ولا يعلم المرتهِنُ بحصولِ الإذن منهم ولا عدمِهِ إلاَّ مجرَّدَ ظهور تقديمِهِ وتأخيرِه وإنفاقِه، فهل يكون القولُ للراهنِ، لأنّ الأصلَ عدمُ الإذنِ أو للمرتهِنِ، لأنَّ الظاهر صارفٌ عن الأصل المذكور؟ الثاني: مَنِ استأجر الشيءَ يرهنُه فهل يصحُّ؟ أو استعارَهُ أيضًا لرهنِهِ؟ ومع فرضِ الصحةِ فلا شكَّ في ضمان المرتهن لذلك، لكنْ بقي الكلامُ لو أفلسَ الراهن عن قضاء الدَّين، فهل للمؤجِّر والمعير أن يقضيا الدَّيْنَ ويفكَّاهُ، ويرجعانِ على الراهن الثاني لو أعْسَرَ المعيرُ والراهنُ جميعًا، ولم يبقَ سوى العينِ المعارة، هل يجوزُ للحاكم أن يبيعَها لقضاء دين المرتهنِ، لا سيَّما والمعيرُ لا يعرف بالإعسارِ من الراهنِ، ولا يعرف أن العاريةَ قد تؤدي إلى خروج العينِ عن ملكِه؟ انتهى.

стр. 3188

وأقول ـ مستعينًا بالله ـ: قد اشتملَ هذا السؤالُ على أبحاث: الأول: قوله: عن شأن ما يقعُ من الرِّهان (١) ـ إلى قوله ـ: لأن الظاهر صارفٌ عن

стр. 3189

الأصل المذكور. أقول: إنْ كان هذا الرجلُ الذي صار التقديمُ والتأخيرُ بيده مفوَّضًا من شركائه، وكانوا مكلَّفين، والمرادُ بالتفويض هنا أن يظهرَ منهم ما يدلُّ على أنهم قد ألقَوْا مقاليدَ أمرِهم، ووجوهَ تصرفاتِهم مدخولاً ومخروجًا إليه من قولٍ أو فعلٍ، وارتَضَوْهُ لتدبير دنياهم، ولم يعارضوه في شيء من ذلك كما يقعُ كثيرًا من أهل بيت [١أ] لمن هو الأرشدُ منهم، ولم يكن ذلك الرضى والتفويضُ لرهْبةٍ، ولا لشيء من الأمور التي تخالفُ الرضى المحققَ، والتفويضَ الخالصَ فلا شكَّ ولا ريبَ أنَّ من كان بهذه المثابةِ يكون تصرُّفُهُ بما تصرَّفَ به من أموال شركائهِ المكلّفين صحيحًا ناجزًا بموجب التفويض الذي هو مناطٌ شرعيٌّ لإشعاره بالرِّضى، بما وقع منه من التصرفات، وهذا الرضى هو المناطُ المعتبرُ في الكتاب والسنة في تحليل بعض أموال العبادِ لبعض، وإذا كان مجرّدُ الوكالةِ للأجنبيِّ مناطًا شرعيًا في نفوذ تصرُّفاته فبالأولى أن يكون التفويضُ للقريب المشارك مناطًا شرعًا، فإذا وقع من هذا الشريكِ المفوِّضِ رهنُ شيء مما هو مشتركٌ بينَه وبين شركائِهِ المكلّفين فقد صح ونَفَذَ وثبتتْ له أحكامُ الرَّهن، وليس لواحد منهم أن يقولَ بعد ذلك ما أذنتُ، أو ما رضيتُ، أو نحوَ ذلك. وأما إذا لم يكنْ ذلك المتصرِّفُ بهذه المثابةِ، بل كان كلُّ واحدة من شركائه مستقِلاًّ بالتصرُّفِ بماله، أو كان المتصرِّف واحدًا منهم، ولكن لا على طريق التفويضِ، بل لا يتصرفُ في شيء إلاَّ بإذنهم ورضائِهم، ولا يستبدُّ بأمر دونَهم، فإذا كان هذا هو المعروفَ من حالهم، ووقع منه التصرفُ ببعض الأعيان المشتركة برهنٍ أو غيرِه،

стр. 3190

وخاصمَهُ الشركاءُ، وطلبوا ملكَهم فالقولُ قولُهم، ويكون لهم استخلاصُ ملكِهم من يدِّ مَنْ قد صار إليه ببيعٍ أو رهن أو غير ذلك، لأن الأصلَ والظاهرَ قد تطابقا هاهنا، وبيانُه أنه لا ريبَ أن الأصلَ بقاءُ الشء على ملك مالكِه، وقد عضَّدَ هذا الأصلَ الظاهرُ لأن عدمَ التفويض والاستبداد من ذلك المتصرِّف بالتصرُّفِ في غير هذا الشيء الذي وقع النزاعُ فيه، يستفادُ منه بطريق الظهورِ عدمُ وجود المناط الشرعي، وهو الرِّضى من الشركاء المذكورينَ [١ب]، وهكذا يتعاضَدُ الأصلُ والظاهرُ إذا كان شركاءُ ذلك المتصرِّفِ من النساء اللاتي يباشِرْنَ التصرفاتِ، ويمارِسْنَ ما يمارسهُ الرجالُ من الأمور المتعلِّقة بالأموالِ، أو كان الشركاءُ قاصرينَ، فإنه كما يكون الأصل عدَم الرضى من النساء يكونُ الأصلُ أيضًا عدمَ المصلحةِ للقاصرينَ، وكما يكون الظاهرُ من أحوالِ النساءِ عدمَ الرضى للعلَّةِ التي ذكرناها يكون الظاهرُ عدمَ المصلحة للقاصرينَ، لا سيما في التصرفات التي لا أعواضَ لها هي أصلحُ وأريحُ للقاصرينَ من العينِ أو الأعيانِ التي تصرَّفَِ فيها ذلك المتصرِّفُ بالبيع ونحوِه، فتقرَّر بما ذكرناه أنه قد يعاضِدُ الأصلَ والظاهِرَ في هذه الصورة، والتي قبلَها على عدمِ لزوم تصرُّفِ ذلك المتصرِّف ببيعٍ أو رهنٍ لشركائه. وأما الصورةُ الأولى، وهي صورة التفويضِ فقد تعارِضُ الأصلَ والظاهرَ، فالأصلُ يقتضي بقاءَ الملكِ لمالِكه، والظاهرُ قد دلَّ على نفوذ تصرُّفِ لمكان التفويض الذي هو مناطٌ شرعيٌّ، فلو فرضنا التباسَ الأمرِ، وعدمِ الوقوف على الحقيقة من تفويض أو عدمِه مع كون الشركاء مكلَّفينَ عارفينَ بما فيه مصلحةٌ، وما لا مصلحة فيه من التصرُّفات، فالواجب الرجوعُ إلى الأصل، وهو بقاءُ الملك، وعدمُ حصولِ الرضى المستفادِ من التفويضِ، ولم يوجدْ هاهنا ما يستفادُ منه ما يخالفُ الأصلَ من ظاهرٍ أو غيره فكان الأصلُ خالصًا عن المعارض، فوجبَ البقاءُ عليه والعملُ به، ويكون للشركاء استخلاصُ ملكهم من يد مَنْ هو في يده، ببيعٍ أو رهنٍ، وكذلك إذا كان الشركاء نساءًا أو قاصرينَ. فإن قلتَ: هذا التعويلُ على مجرَّد الأصلِ، والظاهرُ وإن كان قاعدةً كليةً من القواعد الأصوليةِ والفروعية، لكنَّ مثلَ السائلِ ـ كثر الله فوائده ـ لا يقنعهُ إلاَّ الدليلُ [٢أ] لا مجرَّدُ القالِ والقيلِ. قلتُ: ليس التعويلُ منا هاهنا إلاَّ على ما صرَّح به الكتاب العزيز، والسنَّة المطهَّرة من اعتبار الرِّضى، وطيبة النفس في تحليل أملاك العباد لبعض، وأنَّها لا تؤكلُ بالباطل فإن دلَّتِ القرائنُ المعمولُ بها شرعًا على حصول الرضى، وطيبة النفس فقد حصل المناط الشرعيُّ، فلم يُرَدْ بالظاهر الذي ذكرناه إلاَّ دلالةُ تلك القرائنِ المقبولة على وجود المناطِ الذي اعتبرهُ الكتاب (١) والسنة (٢)، ولم نُرِدْ بالأصل إلاَّ عدمَ وجود تلك القرائنِ الدالةِ على وجود المناطِ، فكان الدليلُ على نفوذ التصرُّفِ في صورة التفويض هو الكتابُ والسنةُ، وعلى عدم نفوذِ التصرُّف في غير تلك الصورةِ هو عدمُ وجودِ الدليل الدالّ على انتقال الملكِ عن مالكِه، أو استحقاق حَبْسِهِ عنه. البحثُ الثاني: سؤالُ السائلِ ـ كثر الله فوائده ـ عن إفلاس الراهنِ عن قضاء الدَّين (٣) إذا كان موجودًا، فهل للمؤجِّر للرهن والمعيرِ أن يقضيا الدَّين ويفكَّاه، ويرجعا على الرَّاهن؟. أقول: جوابُ هذا البحث يتوقف على تحرير أمرين: الأول: أن المؤجِّر والمعير إنما حصل منهما الرِّضى بحبس تلك العين المرهونة حتى يقيضيَ الراهنُ ما عليه من الدَّين، ولم يحصل منهما الرضى بإخراج العينِ عن ملكِهما كما هو مقتضى .... .... .... .... .... .... .... .... .....

стр. 3191

الإجارةِ (١) والعارية (٢)، وهذا معلومٌ لا لَبْسَ فيه. الأمر الثاني: أنَّ المرتهِنَ لا ملك له في العين المرهونة، سواءٌ كانت ملكًا للراهن، أو

стр. 3192

مستأجَرَةً، أو مستعارةً للهرن، وليس له إلاَّ مجرَّدُ حَبْسِها حتى يقبضَ دَيْنهُ، لا أنه يستحقُّ زيادةً على ذلك (١). وإذا تقرَّر هذا فالمؤجِّرُ للعين، والمعيرُ لها للرَّهن [٢ب] قد رضيا بحبْسِها حبسًا مقيَّدًا بغاية هي قضاءُ الدَّين، فإذا وقع منها التسليمُ لذلك الدّين التي حُبِسَت العينُ به فليس للمرتهِن أن يمتنعَ من تسليمِ العين، لأنَّه قد حصل له مطلوبُهُ من الرِّهان، ولم يبقَ على المؤجِّر والمعيرِ ما يوجبُ بقاءَ العينِ، لأنَّ الغايةَ التي رضيا بحبس العين إلى حصولها قد حصلتْ، وهي تسليمُ الدَّيْنِ، وقد سلَّماه راضيين مختارينِ، وأما رجوعُهُما على الراهين الذين هو المستأجرُ والمستعيرُ للعين ليرهنَها، فإن كان تسليمُ الدّين منهما بأمرِه، أو بحكمِ حاكمٍ فلهما الرجوعُ عليه، إما كونُ ذلك بأمره فظاهرٌ، لأنَّ التسليمَ منهما يكون بسبب الأمر منه عنه قضاءًا لدينه، وإما كونُ التسليم بحكمِ حاكمٍ فلأنَّ ذلكَ الحكمَ قد تضمَّن الأمرَ لهما بقضاء دين المديونِ، وللحاكم أن يقضيَ ديونَ المديون إذا كان له مالٌ كما وقع في قصةِ معاذ بن جبل (٢) وجابر (٣) بنِ عبد الله، وهما مشهورتان، معروفتانِ، ثابتتان في دواوين الإسلام. وهذا المديونُ وغن لم يكن له مالٌ لكنه لما حبسَ ملكَ غيره بيد مَنْ له الدينُ عليه كان

стр. 3193

ذلك وجهًا لوقوع الحكم من الحاكم بالرجوع عليهِ، ولكنه لما كان فقيرًا كان معذورًا من القضاء إلى ميسرة، كما شرعه الله لعباده في محكم كتابه، وأما إذا كان تسليمُ الدين من المؤجِّر والمعيرِ لا بإذن من الراهن، ولا بحكمٍ من الحاكم، فلا مناطَ شرعيٌّ يوجب الرجوعَ على الراهن، بل قد وقع منهما الاستخلاص لملكهما بتسليم الدَّين، والراهنُ معذورٌ بالفقر، والدَّيْنُ باقٍ في ذمَّته، فمتى أيْسَرَ كان للمؤجر والمعير [٣أ] أن يلزما المرتهِنَ بالمطالبة للراهن بدينه، فإذا قبضه منه كان لهما أن يرجعَا على المرتهنِ بما دفعاه إليه استخلاصًا لتلك العينِ، لأنه قد قبض دينَه ممن عليه الدينُ، وهو الموجِبُ لحبس العين، فيجبُ عليه ردُّ ما قبضَهُ منهما، لأنه لم يقبضْ ذلك إلاَّ في مقابلة فكِّ الرّضهن لصاحبه، لا أنه دينُه الذي يستحقُّه على مَنْ هو عليه. فإن قلتَ: إذا كان الراهنُ شريكًا للمؤجِّر والمعير، وأعسرَ قبل قضاء الدين فماذا يكون؟. قلتُ: إذا كانت قسمةُ العين ممكنةً قسَمَها الحاكم (١)، وسلَّم للمؤجِّر أو المعير نصيبَهما حيث قد سلَّما ما يقابلُ ذلك من الدَّين، وبقي نصيبُ الراهنِ رهنًا حتى يتمكَّنَ من قضاء الدين، أو يحكمَ الحاكم عليه بقضاء الدين من نصيبه من تلك العينِ المرهونةِ. وحكم المؤجِّر أو المعيرِ فيما سلَّماه لاستخلاص تلك العينِ يكونُ على التفصيل السابق. وأما إذا كانت العين مما لا يمكن قِسْمَتُه فليس للمؤجِّر أوا لمعير أن يطالِبَا باستخلاص نصيبهما، إلاَّ إذا بذلا جميعَ الدين المتعلِّق بالعين، لأ، هما قد رضيا بِحَبْسِ العينِ إلى غايةٍ هي قضاءُ جميع الدَّين، أو قضاءُ ما يقابل نصيبَهما من العين، لكن بشرط عدم دخول النقص على المرتهنِ، ولا يتمُّ ذلك إلاَّ في مث لالصورة الأولى، لا في مثل هذه الصورة، لعدم إمكان القسمةِ. البحث الثالثُ: سؤالُ السائلِ ـ كثر الله فوائده ـ عن إعسار المؤجِّرِ للعين، أو المعيرِ

стр. 3194

لها للرهنِ مع إعسارِ الراهنِ، ولم يبقَ سوى تلك العين هل يجوزُ للحاكم أن يبيعَها لقضاء دين المرتهن؟ ... إلخ. أقول: ليس له ذلك لأمرين: الأول: أنه لا يحلُّ مالكُ المؤجِّرِ أو المعيرِ إلاَّ بطيبةٍ من نفسه وبرضائه، كما صرح بذلك الكتابُ العزيزُ، والسنةُ المطهرة، وهما لم تطب أنفسُهُما بذلك، ولا رَضِيَا به [٣ب]. والثاني: أنهما إنما رضيا بِحَبْس العين فقط، ولم يحصلْ منهما الرِّضى بزيادةٍ على ذلك فضلاً عن إخراجها عن ملكهما إلاَّ في مثل صورة الاشتراك والتفويض الذي قدمنا ذِكْرَهَا وهي مسألةٌ أخرى غيرُ مسألةِ العينِ المؤجرة أو المُعارة للرَّهن. ومع هذا فقد ثبتَ في الصحيح عنه ﵌ من حديث (١) أبي هريرةَ أنه قال: "لا يغلقُ الرهنُ بما فيه" قال في النهاية (٢): يقال: غلقَ الرهنُ غلوقًا إذا قي في يد المرتهن لا

стр. 3195

صاحبُه على تخليصه، والمعنى أنه لا يستحُّه المرتهن إذا لم يستفِكُّهُ صاحبُه، وكان هذا من فعل الجاهليةِ أن الراهنَ إذا لم يؤدِّ ما عليه في الوقت المعيَّنِ ملكَ المرتهنُ الرَّهنَ، فأبطله الإسلامُ. انتهى. فإذا كان هذا حُكمُ الرهنِ الذي يرهنُه مالكُه في دين عليه، فكيفَ إذا لم يكنِ الرهنُ ملكًا للراهِن! بل كان مستأجرًا له، أو مستعيرًا! فإنه لا وجْهَ يقتضي غلاقَهُ، ويسوغُ إخراجَهُ عن ملك مالكهِ (١). فإن قلت: قد ذكرتَ سابقًا أنَّه ثبت شرعًا ما يدلُّ على أن الحاكمَ يقضي دينَ المديون من ملكهِ الذي هو باقٍ تحتَ يده لم يخرجْ عنه إلى يد مَنْ له الدَّيْنُ كما وقع منه ﵌ في قصَّة معاذ بن جبل، فكيف لا يجوزُ للحاكم أني قضيَ دينَ المديون من عينٍ قد سُلِّطَ صاحبُ الدين عليها بالرهن، وجعلها محبوسة في يده!. قلت: هذا يتمُّ في الرهن المملوكِ للراهن الذي عليه الدينُ، ويكون ذلك مخصِّصًا لحديث: لا يغلقُ الرهنُ، لأنَّه عامٌّ؛ إذِ الفعلُ يتضمَّنُ النكرةَ، فهو في قوة الإغلاقِ للرهن، والنكرةُ في سياق النفي من صيغ العمومِ (٢)، فيكون بيعُ الرهن للقضاء مخصَّصًا بهذا العموم، وصورة التخصيصِ. أما الإعسارُ من الراهن، أو مطالبةُ الغرماءِ تضييقُهم كما وقع في قصة معاذٍ (٣)، وأما إذا كان الرهن غيرَ مملوكٍ، بل مُسْتَأْجَرٌ، أو مستعارٌ، فلا وجْهَ لإخراجه عن ملك مالكه بحال من الأحوال، بل غايةُ ما هناك أنه يبقَى محبوسًا حتى يتمكَّن الراهنُ من القضاء، أو يتمكنَ صاحبُ العين من استخلاصِها بتسليم الدَّيْنِ. وفي هذا المقدار كفايةٌ لمن له هدايةٌ. والله ولي التوفيق. بقلم المجيب محمدٍ الشوكاني ـ غفر الله له ـ.

стр. 3196

(١٢٨) ٢٧/ ٢ المباحث الوفيّة في الشركة العرفية تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرّج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3197

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "المباحث الوفيّة في الشركة العرفية". ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله والطاهرين ورضي الله عن أصحابه الراشدين. فإنه سأل سيدي العلامة ... ". ٤ - آخر الرسالة: " ... وإن لم يحصل التراضي عليه فلا حكم له ولا اعتبار به. وإلى هنا انتهى الجواب على سؤال السائل ـ كثر الله فوائده ـ وكان الفراغ من تحريره نهار الأحد سلخ شهر محرَّم سنة ١٢٢١هـ. ٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول. ٦ - عدد الصفحات: ١٠ صفحات + صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٥ سطرًا ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها ٤ أسطر. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ - ١١ كلمات. ٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3198

على صورة الغلاف ما نصُّهُ: الحمدُ لله: لما اطلعتُ على هذا الجوابِ الشافي، وتأمَّلْتُهُ قلتُ مرتجِلاً: إليَّ أبحاثٌ أتتْ وفيَّة ... مفيدةٌ في الشركةِ العُرفيةِ كأنها الرياضُ في الذاتية ... أو الفصوصُ في السَّنا الياقوتيةِ أو حُسْنُ هيفا واصلتْ عشيةً ... فاقت بِدّلِّها على البريّةِ فصَّلها بالفصلِ والجنسيةِ ... العالم الفردُ بأحوذيةِ محمدٌ مخلصُ حسن النيةِ ... الشمسُ في علومنا الدينيةِ والبدرُ في الإغلاسِ وفي العشيةِ ... جوزي بها الأياديَ السنيَّةِ في داره الأولى والأُخرويةِ

стр. 3199

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ وآله الطاهرينَ، ورضي الله عن أصحابه الراشدين. وبعدُ: فإنه سأل سيدي العلامةُ المفضالُ، صفيُّ الكمالِ أحمدُ بن يوسفَ زباره (١) ـ لا برح في حماية ذي الجلال ـ فقال ـ كثر الله فوائده ـ في جميع الأحوال ـ: المطلوبُ أيضاحُ ما أشكلَ في شأن الشركة العرفية، وما وقع به التعاملُ من المشتركات في المكتَسَبات، والتأجيرات ونحوِها مما تشملُه التسميةُ. أولاً: ما حكمُ الاشتراك بين جماعة اشتركوا في أعمالٍ من دون عقدٍ، بل مثلاً اجتمعُوا في مكانٍ، ثم مازالوا يكتسبونَ بتأجيرٍ أو سؤالٍ حتى نَمَى له مالٌ، فهل هذا يسوغُ الذي هو مجرَّدُ الاجتماعِ أن يُقَالَ له: اشتراكٌ أم لا؟ وهل يسوغُ مثلاً أن يستأثِرَ أحدُهم بزائدِ المكْتسبِ أو من لم يكن له بسعي ولا طلب؟ أم ماذا يكون الحكمُ؟ الثاني: مثلاً من كان لهم مالٌ مشتركٌ وأنصباؤهم متفاوتةٌ، وسعيهم مختلِفٌ بالقوة والضعفِ، هل يعتبرُ مثلاً المساواةُ فيما نَمَى من الكسْبِ، أو يعتبرُ تفصيلُ مَنْ مالُهُ أكْثَرُ، أو مَنْ سعيه أكْثَرُ أم ماذا يكون الحكمُ؟ الثالث: ما حكم من تساوَوْا مالاً وكَسْبًا، ولكن كان أحدُهم صاحبَ عائلة وتكليفٍ، والبعض عازبٌ لا تكليفَ له؟ الرابع: مَنْ كان له دخلٌ خاصٌّ من غير ما حصلَ التكافي عليهِ، بل له جرايةٌ، أو نذورٌ، أو هِباتٌ، ماذا يكون حكمُ الخاصِّ؟ الخامس: لو اكْتُسِبَتْ من نماء المشترك، وأضاف لنفسه ماذا يكون حكم الإضافة؟

стр. 3200

السادسُ: لو كان ثمَّ صبيٌّ قاصرٌ هل يسوغُ مثلاً للوصيِّ أن يبقيَهُ على الشركةِ بين المكلَّفين، أو يقسمَه على الورثةِ، أو يتعيَّن عليه نظرُ الأصلحِ، وإذا التبسَ عليه ماذا يكونُ الحكم؟ السابعُ: لو اختلفَ المجتمعونَ فقال البعضُ: متكافئونَ، وقال البعض: لا يكافئ، بل أنتَ لا كَسْبَ لك، بل ينفقُ من مالي، وما فعلتَ فهو إلى مقابل الإنفاق؟ الثامن: إذا ماتَ أحدٌ المكتسبينَ المشتركينَ، أو تزوَّجَ، أو غابَ وَمَّ مالٌ والتبسَ بعدَه هل من غِلاَّتِ المالِ، أو من كَسِْبِ الباقين، هل يشركُ ورثَته أي الغائبَ في النامي، أو نقول: الظاهرُ مع الباقينَ ثابتي اليدِ في النماءِ الحادث؟ التاسعُ: لو تزوَّج، أو جنى، أو تأدب بأدب عليه خاصٍّ، هل يحسبُ عليه خاصٌّ، أو نقولُ يتسامحُ بذلك فيحسبُ على الجميع؟. العاشرُ: لو وقع شرطٌ بين المتشاركينَ أنَّ مثلاً لفلان نصفَ الكسبِ، ولفلان ثُلُثٌ، ولفلانٍ عُشْرٌ هل يصحُّ هذا الشرطُ أم لا؟ وكذلكَ لو فُضِّلَ غيرُ العامِل. فافضلوا بإيضاحِ الأطرافِ، فليس السؤالُ على جهة الامتحانِ، بل هذه أطرافٌ حادثةٌ في هذا الزمن وقبلَه، أحسن الله جزاءكم وتولاكم. انتهى بلفظه. [١أ] أقول ـ وبالله التوفيق، وعليه التوكُّل ـ: اعلم أنَّ ما سأل عنه السائلُ ـ كثر الله فوائده ـ من الأحكامِ المتعلِّقة بالشركةِ العُرفية فإيضاحُ الكلامِ فيها متوقِّفٌ على إيضاحِه في بيان ماهيَّة الشركة العُرفية. ولنقدِّم نقل ما ذكره أهلُ العلم في شأن الشركة، ثم نُتْبِعُهُ بما عندي فيها، ثم بالكلام على كلِّ بحثٍ من أبحاث السؤال فنقولُ: اعلم أنه لم يتكلَّمِ المتقدمونَ من أهل العلم على هذه الشركة، ولا دوّنوها في مصنَّفاتهم، ولكنه تكلَّم عليها بعضُ المتأخِّرينَ من العلماء الموجودين بعد الألفِ من الهجرة وقبلَه بقليلٍ، ألْجَأهم إلى ذلك وقوعُ الخصام فيها بين من يرثونَ رجلاً، ويتركون القسمة حتى يحصل لهم مكتسباتٌ من أموالٍ أو غيرها من غِلاَّت تلك الأموال المتروكة

стр. 3201

لهم ميراثًا من مورِّثهم، وهم الحارثونَ لها، العاملون فيها جميعًا، أو كانوا يعملون أعمالاً مع غيرهم، فيجتمعُ لهم مالٌ يكتسبون به مكتسباتٍ، ويتنازعونَ فيها بعد ذلك. فيقولُ بعضُهم: إنه يريدُ أن يكون قسمةُ المكتسباتِ على قَدْرِ أنصباءِ الميراثِ إن كانت من غلّة الأموال الموروثة، أو على قَدْرِ السعي والعملِ إن كانت حاصلةً بالسعي والعمل، فيقولُ الآخرُ: يُقْسَمُ على السويَّةِ بلا تفضيلٍ للبعض على البعض، فهذا معنى الشركة العُرفية. وموجبُ كلام المتأخرين من أهل العلم على أبحاثها، وليست في أحد الشرك المدوّنة في كتب الفقه حتى يرد ما ورد من الخصومات المتعلقة بها إليها. قال شارح المسائل المرتضاة ناقلاً عن القاضي العلامة عبد الله بن يحيى الناظري (١)، ولفظُهُ: إذا كان جماعةٌ إخوةٌ أو غَيْرُهم مشتركينَ في الأعمالِ فكان بعضُهم يعمل المالُ، وبعضهم يخدمُ البقرَ، ويعلِفُهنَّ، وبعضهم لحوائج البيت وإصلاحه، وبعضُهم للبيع والشراء في الأسواق، فكلُّ واحد منهم لم ينتظم الحالُ في عمله إلاَّ بكافيه الآخرِ له في العلمِ، فإذا كان كذلك فهذه شركةُ أبدان، فكلُّ ما حصلَ من الصالح مع كلِّ واحد مشتركٌ بينَهم الجميعُ لا فضلَ لأحدٍ منهم [١ب] على أحدٍ، لأن ذلك حكمُ شركةِ الأبدان انتهى. أقولُ: قوله أولاً: فهذه شركةُ أبدانٍ (٢)، ثم قولُه ثانيًا: إن ذلكَ حكمُ شركة الأبدانِ

стр. 3202

ليسَ على ما ينبغي؛ فإن الأول يفيد أن هذه الشركة شركةُ أبدان، والثاني يفيد أنها غيرها، ولكنها مُلْحَقَةٌ بها قياسًا، والكلُّ ممنوعٌ، أما كونها عينَ شركة الأبدان فلا شك في بطلانه، فإن هذا المتكلم إنما تكلم على مقتضى ما ذكره أصحابنا في الفروع، وهم مصرِّحون بأن شركة الأبدان ماهيتُها: وقوعُ التوكيل من كلِّ من الصانعين للآخر أن يتقبَّل ويعمل عنه في قدر معلومٍ مما استُؤجِر عليه مع تعيين الصنعةِ، وصرَّحوا بأن هذه الشركة هي من باب الوكالةِ (١). فتقرر بهذا أنَّ الشركة العرفية ليست عين شركة الأبدان، بل لا يصح قياسُها، لوجود الفارق، فضلا عن أن يكون عينَها، ثم ما حَكَمَ به آخرًا من أنَّ لكلِّ واحدٍ من المصالِح مثلُ الآخرِ لا يفضلُ أحدٌ على أحد، وتصريحُهُ بأن ذلك حكمُ شركةِ الأبدانِ مخالفٌ لما قرروهُ في شركة الأبدان كما عرفتَ؛ فإن الرِّبْحَ فيها على قَدَرِ الثقيل كما هو مصرَّحٌ به، ومع هذا فقد قرَّرَ المتأخرونَ كلام الناظري هذا، وعملوا عليه، فإنه قال شيخ مشايخنا العلامةُ الحسنُ بن أحمد الشبيبي ﵀: أنَّ المختارَ كلامُ العرف، وهو الذي جرت له فتاوى مولانا المتوكِّل على الله، وبه عملَ المتأخرون، فما كسبه أحدُ الشركاء فهو للجميعِ وعلى الجميعِ، ولو أضافه إلى نفسه. هكذا قال: وهو الذي يختاره شيوخُ المذهبِ الموجودونَ في عصرِنا الآنَ، فانظر كيف وقعَ العملُ على كلام الناظري، وأطبقَ عليه المتأخرونَ مع أنَّه لم يقلْ ذلك اجتهادًا، بل قاله زاعمًا أنَّ الشركة العرفية هي شركةُ أبدان، أو كشركة الأبدان. وقد تقرَّر أنها ليست بشركة أبدان، لا في الماهية، ولا في اللوازم. ثم لو فُرِضَ أنها شركة أبدان لم يكن للجزم بالاستواء وَجْهٌ، فإنَّ شركة الأبدان كما عرَّفناك الرِّبْحُ (٢) فيها

стр. 3203

تابعٌ للتقبُّلِ. وعلى فَرَضِ أن العمل قائمٌ مقامَ التقبُّل فالربح فيها يتبع العمل، وأيضا قد صرَّحوا بأن القولَ لكلٍّ فيما هو في يدِه في هذه الشركةِ، بل وفي غيرها، فكيف يكونُ ما ذكره صحيحًا! وقد حمل العلامةُ أحمدُ بن علي الشامي صاحبُ الحواشي في شرح الأزهارِ [٢أ] والبيانِ كلامَ الناظري هذا علىأ، ه لم يعتبر الإضافة من أحد المشتركين إلى نفسه، واعترضه شيخُ مشايخنا المذكور سابقًا بما تقدم من العرف، وفتاوى المتأخرين. وبالجملة فليس المرادُ هاهنا إلاَّ بيان بطلان ما زعمه الناظريُّ من أن ذلك شركة أبدانٍ، أو كشركة الأبدانِ. وإذا تبيَّن ذلك علمت أن ما أفتى به ليس هو منقولاً عن كتب أهل المذهب، ولا عن غيرهم من أهل المذاهب، وإنما هو كلام جرى منه على طريق الفتوى التي يفعلها أمثاله، ولم يصح ما زعمه من أنها شركة أبدان، أو كشركة الأبدان. وستعرف ـ إن شاء الله ـ ما هو الحقُّ الذي ينبغي اعتمادُه، والعملُ عليه بعد الفراغ من نقل ما قاله المتأخرونَ في هذه الشركة العُرْفيَّة. ومن جملة ذلك ما حكاه أيضًا شارحُ المسائل المرتقاة عن فتاوى الإمام شرف الدين فإنه قال ـ بعد نقله لكلام الناظري (١) السابق ـ ما لفظُهُ: ومثل هذا نُقِلَ عن فتاوى الإمام شرف الدين (٢) في قصة تَقْرُب من هذا. قال: وسواء كانتِ الشركة صحيحة أو فاسدة، أما مع الصحة فظاهرٌ، وأما مع الفساد فالواجبُ أُجرةُ المِثْل، وهي هنا حِصَّتُهُ مما يخرجُ إذا قُسِّمَ على الرؤوس، ولو كان عملُ بعضهم أكثرَ من بعض (٣)، لأن من عمل أكْثَر فقد

стр. 3204

رضي بمشاركة ذي العمل الأقل، والعرف جار بالاستواء في ذلك. قال انتهى بلفظه. أقولُ: قوله سواء كانت الشركةُ صحيحةً أو فاسدةً إنما يتمُّ بعد معرفة ماهيَّة الشركة العرفية الصحيحة والفاسدة، ولم يقع التدوين لشء مما يتعلق بها من الشروط والأركان، حتى يُقال: هذه صحيحةٌ، وهذه فاسدةٌ. فإن كان جازمًا بأنها راجعةٌ إلى أحدِ الشِّرَكِ المدونة في كتب الفقهِ فما هي؟ وإن كان بناءً على كلام الناظري من أنها شركة أبدان، أو كشركة الأبدان فقد تقدم بيانُ بطلان ذلك. وأما قوله: لأن من عمل أكْثر فقد رضي بمشاركة ذي العمل بالأقلّ. فأقولُ: إن كان هذا الرِّضى معلومًا عند التنازع فهو المناطُ في تحليل ذلك، وإن يكن معلومصا فلا وجْهَ للتسوية على فرض الاختلاف في العمل أو المال. وبالجملة فكلامُ الإمام شرف الدين هذا رجوعٌ إلى الرضى، وهو باب آخرُ غيرُ باب الشركة كما سيأتي بيانُه إن شاء الله. وأما قولُه: والعرف جارٍ كالاستواء فلعلَّه يجعل ذلك دليلا على حصول التراضي، ولا شك أنه يُسْتَفَادُ منه كون الظاهر الرِّضى إذا كان معلوما لكل واحدٍ منهم، والإطباقُ عليه كائنٌ بين الناس، أما إذا لم يكن معلومًا [٢ب] للمشتركينَ، أو كان العرفُ مختلفًا كما نشاهدُه الآن فلا يتمُّ ما ذكره من الاستدلال بالعرف، وأيضًا هو ليس بمناط شرعيٍّ، بل هو قرينةٌ على وجود المناط الشرعيِّ أعني: التراضيَ، هذا على فَرَضِ الإطباقِ، وعدم الاختلاف فيه، فكيف إذاكان مختلفًا غاية الاختلاف كما نشاهده فيما يردُ من الخصومات والسؤالات! فإن المعلوم من أحوال الناس في هذه الأزمنة أنه لو علم الأكثرُ نصيبًا في المال، أو الأكثرُ عملاً في مداخل الرزق وأسبابه أنّ من كان أقلّ منه

стр. 3205

نصيبًا أو دونَه سعيًا في المكتسبات لم يرض بالاشتراك لحظةً من اللحظات، فضلاً عن أزمنة متطاولةٍ. دع عنك لو عَلِمَ أن الإناثَ يشاركنه ويَفُزْنَ بمثل نصيبه، فإن كان هذا العرفُ المدَّعى عرفًا لأهل عصرِ الإمام شرف الدين فهو لا يجوزُ الحكمُ به على أهل هذه الأزمنة للعلم بأنه غير موجود لديهم، ولا شائعٌ بينهم، ولا يحلُّ الحكمُ على قوم بأعراف قومٍ آخرين بلا خلافٍ بين المسوِّغينَ للعمل بالعرف والعادة. ومن جملة كلام أهل العلم في الشركة العرفية ما نقله شارح المسائل المرتضاة عن العلامة الحسن بن يحيى حابس (١) ولفظه: اعلم أن تصرف عنه وعن غيره له ثلاثة أحوال: الأول: أن يكون التصرف من جماعة متصادقين على الشركة في متصرفاتهم، فهذا لا إشكال فيه. الثاني: أن يكون جماعة يتصرفون بحكم الظاهر، كل واحد عنه وعن الجميع، حتى علم ذلك من ظاهر الحال، فالواجب في مثل هذا أن يحكم بالشركة للجميع في جميع ما جرى به التصرف، ولا سبيل إلى نقض شيء منه لما تقدم، وليس لأحدهم أن يستند بشيء من شركائه، فلو وجد شيء مما اكتسبه منسوبًا غليه في الصكوك ولا .... ..... (٢) لشركائه فيه حكم به للجميع، ولا يجعل لنسبته إليه حكم. الثالث: أن يعلم أن يصرف كل واحد عن نفسه (٣)، ويصرفه عن شركائه إنما كان بأمر خاص، وهذا لا إشكال فيه، وأنه يحتاج إلى تثبيت الوكالة في كل فرد فرد انتهى. وأقول: أما الطرف الأول وهو التصادق على الشركة في التصرفات، فإن أراد أن التصادق بينهم كائن على أن ما حصل لهم من الربح كان مقسومًا بينهم على كذا، وما

стр. 3206

حصل من الخُسْرِ كان عليهم على كذا فلا شكَّ أن هذا لا إشكالَ فيه، أولا خصومة [٣أ] بين المتصاقينَ بهذه المصادقة، وإن أراد التصادُقَ الكائنَ منهم هو مجردُ التصادق على الاجتماع في الحاصل والمستفاد فهذا تصادقٌ لا يقطعُ خصومةً، ولا يقال إنه لا إشكال فيه، لأنه لا تلازُمَ بين هذا التصادق وبين كيفية قسمة الربحِ والخسرِ بين المشتركين، لا شرعًا، ولا عُرْفًا، ولا عقلاً. وأما ما ذكره من الوجه الثاني من أنه يُحْكَمُ بالشركة للجميع في جميع ما جرى به التصرفُ، فيقال له: هلِ المرادُ مجردُ الاشتراك أعمُّ من أن يكونَ على الاستواء أو على الاختلافِ فلا جدوى في هذا الكلام، وإن كان المراد خصوصَ الاشتراكِ وهو الكائنُ على طريق التساوي بين الأقلّ مالاً، أو سعيًا، والأكثرِ مالاً أو سعيًا، فما هو المسوِّغُ الشرعي لمثل هذا؟ مع فرض اختلافِ قَدْرِ المال، وتبايُنِ صفةِ الأعمالِ؟ إن قال: إنْ ذلك لدليلٌ فأينَ هو؟ وإن قال: هذا هو راجعٌ إلى نوع من أنواع الشركة فما هو؟ وإن كان ذلك مجرد اجتهاد مجتهدٍ، أو تقليد مقلِّدٍ فلا تقومُ به الحجةُ، ولا يلزمُ قبولُه من حاكمٍ، ولا مخاصِمٍ، فكلُّ ما لم يُرْبَطْ بدليل تنتهضُ به الحجةُ لا تقومُ به الحجةُ. ومع هذا فلا نشكُّ أن هذا القائلَ ﵀ لم يتكلَّمْ هاهنا على ما يقتضيه الاجتهادُ، بل على مقتضى ما قرره أصحابُنا، وقد عرفتَ أنهم صرَّحوا بأن الربحَ (١) والخسرَ في شركة الأبدان على قدرِ التقبُّل، وصرَّحوا بأن القولَ في تلك الأنواعِ المحرَّرةِ في كتبهم في شركة المكاسبِ لكلٍّ من الشريكين فيما هو في ديه فكلامُهم هذا الذي تكلَّم ابن حابس على مقتضاهُ يخالفُ فتواهُ، ويباينُ ما أبداه. وأما ما ذكره من الطرف الثالث فواضحٌ، وذلك وكالةٌ لا شركةٌ، وهو خارجٌ عن محلِّ النِّزاع، وهو مستفادٌ من كلام الإمام المتوكِّل على الله في المسائل المرتضاة حيث قال: إن الحاكمَ إذا عَلِمَ من حال الشركاء والأخوةِ التصرفَ عن الجميع فلا ينقضُ ما فعلَه

стр. 3207

أحدُهم، والظاهرُ أنه وكيلٌ مفوَّضٌ. انتهى. وهذا كلامٌ صحيحٌ، لأن غايةَ ما فيه إن عَلِمَ الحاكمُ بأن ذلك التصرفَ الكائنَ على تلك الصفةِ يستفاد منه وقوعُ التوكيلِ والتفويضِ، وليس فيه ما يدلُّ على أن ذلك الذي وقع التصرفُ فيه [٣ب] يكون للجميعِ، إما على الاستواء، أو على الاختلاف، بل هو أو قيمتُه لصاحبه، ولا يخرجُها عن ملكهِ ما وقع منه من قوائنِ التوكيلِ والتفويضِ، بل ذلك يوجبُ صِحَّةَ التصرُّف فقط، فإذا كان في الشراء كان ذلك الشيءُ المشترى لمن دفعَ الثمنَ، وإذا كان في البيع كانت قيمةُ ذلك المبيعِ لمالكه، لا لمن تصرَّف فيه بالوكالة المدلولِ عليها بالقرائن التي أفادت الحاكمَ العِلْمَ. ومن جملة كلامِ المتأخرينَ من أهل العلم في الشركة العُرفيةِ ما قاله شارحُ المسائلِ المرتضاة ولفظهُ: قلتُ: وما أحقَّ الحكامَ بين الناس بمعرفةِ هذه المسألةِ لكثرة حصورِ هذا الاشتراكِ على هذه الصفةِ، لا سيما بين الإخوة والقراباتِ، ويشارِكهُم في ذلك النساءُ، كالأخواتِ، والبناتِ، والزوجات بقيامهنَّ بعمل البيوتِ، وعمل الطعام، بطحنه وصَنعته، وتحصيل مَؤُنَةٍ من ماء، وحطبٍ، وغير ذلك مما لا تقومُ به الرجالُ، ولا ينتظم لهم مالُ الاكتسابِ والأعمال من حرثٍ وغيره، إلاَّ بقيام النساء بذلك. وقد يكون معهم أو مع أحدهم أولاد، ويقومُ كلُّ واحد منهم بعملٍ، ثم قد يحصل بعد ذلك تشاجُرٌ وترافعٌ إلى الحكام عند القِسْمَةِ، وترك الاشتراك، وانفراد كلٍّ منهم بعمله، وخاصَّةِ نفسه، ويريدُ بعضُهم الاختصاص بشيء من المكتسبات، أو أن يجعلَ أكثَرَ من أنصباءِ شركائِه، ويدلي بكثرة العمل من قبله، أو يكون عملُه أنفعَ، أو أجْلَبَ للمصالح التي يرتزقُ منها كالبيع والشراء، وقد يريد الجميع أو البعضُ حِرْمان النساء، ويعتقدون أنه لا حَظَّ لهنَّ في الاشتراك مع قيامهنَّ بما ذكر من أمر البيوتُ الذي لا عمل أنفعُ، ولا أجلبُ للاكتساب منه، وكلُّ ذلك لاي قتضي شيئًا من الاختصاص ولا التفصيل، وإنما يُقْسَمُ الكلُّ على لؤوس المشتركين المجتمعين على التعاون في الأعمال، وقيام كلٍّ منهم بعملٍ من الرجال والنساء، وإن حصلَ في الأعمال تفاوتٌ بجهةِ كثرةِ عملِ أحدهم، أو

стр. 3208

زيادة نفعه فلا تأثيرَ له، لما ذكره الإمامُ شرفُ الدين ﵇ من وقوع التراضي بمشاركة ذي الأقل في العمل، وجرى العرفُ بالاستواء، ويمكن أن يُحتَجَّ لذلك بما روى عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ﵇ أن رجلين كانا شريكين على عهد رسول الله ﵌ فكان أحدُهما مواظبًا على السوق والتجارة، والآخر مواظبًا على المسجد والصلاة، فلما كان وقتُ [٤أ] قسمةِ الربح قال صاحب السوق: فضِّلْني في الربح؛ فإني كنت مواظبًا على التجارة، فقال النبي ﵌: "إنما كنت ترزقُ بمواظبة صاحبك على المسجد" رواه في الشفاء (١)، ونحوه في أصول الأحكام والمجموع الذي في الجامع عن أنس قال: كان أخوانِ على عهد رسول الله ﵌ فكان أحدهما يحترفُ، وكان الآخر يلزمُ رسولَ الله ﵌ ويتعلَّمُ منه، فشكى المتحرفُ أخاه إلى رسول الله ﵌ فقال: "لعلك به ترزقُ" رواه الترمذيُّ (٢)، وينبغي للشركاء تخصيصُ ذي الأكثر عملاً بشيء، أو تفضيلُه مكافأةً له وتطييبًا لنفسه، لأنه محسنٌ، وما جزاءُ الإحسانِ إلاَّ الإحسانُ، والله أعلم. انتهى. أقول: محصّضلُ كلامشه هذا أنه يُقْسَمُ الحاصلُ على الرؤوس، من غير فرقٍ بين الكبير والصغير، والذكر والأنثى، وصاحب المال ومن لا مال له، وصاحبِ العمل الكثير ومن لا عمل له، وغيرُ خافٍ عليك أن الأصلَ في أموال المسلمين العصمةُ، وأنها لا تحلُّ إلا بطيبة نفس، ولا تؤكل بالباطل كما صرَّح به الكتابُ العزيز والسُّنَّةُ المطهرة "إنما أموالكم ودماءكم عليكم حرامٌ" (٣) كما صحَّ ذلك عن رسول الله ﵌، فكيف يَحِلُّ لمن لا مالَ له مثلاً أنْ يشارك صاحب المال في المكتسبات من

стр. 3209

ذلك المالِ، أو يحلُّ لمن لا سعيَ له أن يشاركَ من له سعيٌ في عملٍ بتحصيلٍ منه مكتسباتٍ لا عمل لغيره فيها! وتكون تلك المشاركةُ بمجرد أ، هم يجتمعونَ في تحصيل الطعام والشرابِ، ويقومُ كلٌّ منهم بشيء منه، ويجتمعون على أكله، أوا شتركوا في غيره اشتراكًا لا يوجبُ التسويةَ، كأن يكون لأحدهم من المستغلات ما يتحصلُّ ألفَ درهم، وللآخَرِ ما يتحصلُ منه درهمٌ، أو يسعى أحدُهم سعيًا يكون الحاصلُ منه مثلُ عُشْرِ معشارِ الحاصلِ من سعي الآخرِ! فهل يوجبُ العدلُ الذي قامت به السمواتُ والأرضُ أن يُقْسَمَ الحاصلُ بينهما على السوية؟ وما الوجه في الحكمِ بهذا؟ إن كان لدليل من كتاب أو سنة يقتضي ذلكفما هو؟ وإن كان لحصول المناط الشرعي، وهو الرضى وطيبةُ النفس، فالمفروض أنَّهم في الخصومة، وكلُّ واحد منهم يطلبُ ما يوجبهُ الشرع، وينكرُ الرضى بغيره، وإن كان ذلك تقليدًا للإمام شرف الدين من وقوع التراضي بمشاركة الأقلِّ في العمل، وجرى العرفُ [٤ب] بالاستواء، فقد عرَّفْنَاكَ فيما سلف على كلام الإمام شرف الدين بما يغني عن الإعادة، ويستقلُّ بالإفادة؛ إذ المفروضُ في هذه الشركة العرفية الواقعة في هذه الأزمنة أنه لا تراضي، وأن العُرْفَ المدعَى غيرُ كائنٍ، ولو سلَّمَ وجودُهُ في تلك الأزمنةِ فوجُودُهُ في هذه الأزمنة غيرُ مسلَّمٍ كما قدمنا تقريرَهُ. ولا يخفى على مَنْ له ممارسةٌ لأحوال الناس، وخبرةٌ بما يجري بينهم أنه لو عَلِمَ صاحبُ المال والسعي الكثيرِ أن من لا مالَ له، أو له سعيٌ حقيرٌ سيشارِكُه في المكتسباتِ الحاصلةِ من غِلاَّتِ أمواله، أو من سعيه، ويأخذُ مثلَ نصيبهِ بمجرَّدِ المشاركةِ له في أيسرِ عمل، وأحقرِ سعي لم يرضَ بالشركةِ قطُّ، بل المعلومُ أنه كان سيفرُّ منها فِرارًا شديدًا، ويأباها إباءً عظيمًا، وكيف يحسنُ بالعالمِ بل العاقلِ أن يحكمَ جزمًا، ويقطعَ بتًّا بأن من كان له مثلاً من المستغلاتِ أو الأعمالِ ما يحصلُ منه في العام ألوفٌ مؤلَّفَةٌ من الدنانير يرضى بمشاركة من لا يحصلُ له درهم ولا دينارٌ! وليس له إلاَّ مجردُ سعيٍ خفيفٍ، ومعاونةٍ في أمر حقير! فهل يقولُ بهذا قائلٌ، أو يسوِّغه عقلُ عاقلٍ! حتى يجزمَ بأنه

стр. 3210

الظاهرُ ويرتبُ عليه قسمةُ المالِ على السويةِ! فإن العاقلَ إذا رجع في مثل هذا إلى عقلِه علمَ الأمرَ بالعكس، وأن الأصل والظاهرَ يشهدانِ بخلاف ذلك، والمتشرعُ، إذا رجع إلى الشرعِ علمَ أن الشرعَ قاضٍ بعصمة الأموالِ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١)، "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ" (٢)، "لا يحلُّ مالُ امرئ مسلم إلاّض بطيبة من نفسه" (٣). فأقلُّ الأحوال أن يكون القولُ قولَ صاحبِ المال الكثيرِ، أو السعي الواسعِ بأنه لم يرضَ بمصير شيءٍ منه إلى غيره حتى يقومَ البرهانُ على وقوع الرضى منه، وحصولِ طيبةِ النفسِ به، مع أن عدمَ الوقوعِ يُسْتَفادُ من العقل، وهو كون الأصل عدمَ وقوع الرضى، لاتفاقِ العقلاءِ على أن المَلَكاتِ مسبوقةٌ بالعدمِ، وأن الأصلَ في كل شيء له وجودٌ خارجيٌّ أو ذِهنيٌّ إذا حصل النزاعُ في وجوده أنه غيرُ موجودٍ، حتى يقومَ الدليلُ على وجوده قيامًا يقبله الخصمُ، والإمامُ شرفُ الدين ﵀ إن كان كلامُهُ في الخصومات التي قد تقرر حصولُ الرضى من أهل الشركةِ العُرفية فيها بالاستواء في جميع المكتسبات كما يدلُّ عليه ظاهر كلامِه السابِق الذي نقلناه عنه فهذا مسلَّمٌ لا ينبغي النزاع فيه، ولا المخالفةُ له. وإن كان في كل شركةٍ عُرفيةٍ سواءٌ حصلَ الرضى [٥أ] أو لم يحصلْ استدلالاً بما ذكره من جَرْي العُرْفِ بالاستواء فقد عرفناك أن جريَ مثلِ هذا العرفِ في زمنه لا يستلزمُ جَرْيَهُ في غيره من الأزمنة، لا سيَّما الأزمنةُ التي قد عُلِمَ من أحوال أهلها ما يخالفُ ذلكَ، وعرفناك أن الإجماعَ كائنٌ على أنه لا يُحٍْكَمُ بعرفٍ جرى بين قومٍ على قوم آخرينَ لم يجرِ بينهم ذلك العرفُ، فإنه لو جرى العرفُ بين طائفةٍ من الناس في قطر من الأقطار أن الإدامَ تختصُّ عند الإطلاقِ بالسمنِ، وعند آخرينَ في قطر آخرَ أن الإدامَ إذا أُطْلِقَ اختصَّ بالزيت لم يقل قائلٌ من أهل العلم أن من حلفَ: لا آكلُ

стр. 3211

طعامًا مأدومًا من إحدى الطائفتين يحنثُ بما يُسَمَّى إدامًا عند الطائفة الأخرى، وهذا أمرٌ يستغني عن الإيضاح، ولا يحتاجُ إلى البيان. ولكنا أردنا بمثل هذه التكريرات والترديدات اشتراكَ المقصِّرِ والكاملِ في الانتفاع بمثل هذ البحث، لكثرة ورود هذه الشركة العرفية في هذه الأزمنة، فالإمام شرفُ الدين أجلُّ قدرًا، وأعلى محلاً أن يقولَ بأصله الرضى في مثل ذلك، أو يحكمَ بِعُرف يخالفه، فليس لأحد أني قول في قضيةٍ اختصمَ فيها جماعةٌ بينهم شركةٌ عرفيةٌ لم يثبتْ بينهم فيها تراضٍ، ولا جرت فيها أعرافٌ أنه قال الإمامُ شرف الدين كذا، ومن قال ذلك فهو لا يفهم كيفيةَ التقليد، فضلاً عن أن يكون مفتيًا أو قاضيًا، بل لا يفهم كلامَ أهلَ العلم. فإن قلتَ: قدر أشار صاحبُ الكلام السابقِ بأنه يمكن أن يحتجَّ لما ذكره من التسويةِ بين المشركين شركةً عرفيةً بقصةِ الرجلينِ المشركينِ على عهد رسول الله ﵌ فكان أحدهما مواظبًا على السوق والتجارة، والآخرُ مواظبًا على المسجد في الصلاة، فلما كان وقتُ قسمةِ الربح قال صاحب السوق: فضِّلْني في الربح، فإني كنت مواظبًا على التجارة فقال النبي ﵌: "إنما كنتَ تُرْزَقُ بمواظبة صاحبك على المسجد" (١). فيقال للمستدلّ بهذا الحديثِ: أخبرنا ما هذه الشركةُ التي دخلَ فيها هذان الرجلان؟. إن قلت: هي الشركةُ العرفيةُ التي كلامنا الآن فيها طالبناك بالدليل على ذلك، فإن هذه الشركةَ العرفيةَ لم يسمعْ بها الموجودونَ قبل القرن العاشرِ، فضلاً عن أن يسمعَ بها [٥ب] أهلُ عصرِ النبوَّة. وإن قلتَ: إنها شركة من شرك المكاسبِ المعروفةِ، وليست بالشركة العرفية فهذا لا

стр. 3212

ينفعُكَ ولا يضرُّنا؛ فإن شركَة المفاوضةِ (١) قد حصلَ فيه التراضي المسوِّغُ للاشتراك في

стр. 3213

الربح على السوية، ثم العقد بالرضى أتم إشعار، وشركة العنان (١) قد حصل فيها أيضًا من هو من أعظم أدلة الرضى، وهو العقد والخلط، مع أن الربح والخسر فيها يتبعان المال، فيكون لكل واحد بقدر ماله من غير نظر إلى العمل، وشركة الوجوه (٢) قد حصل

стр. 3214

التراضي فيها على أن يكونَ أحدُهما وكيلاً للآخرِ يجعلُ له فيما اشترى أو استدانَ حرًا معلومًا، ويتَّجر فيه، والربحُ والخسر فيها يكونان على قدر ما أضيفَ إلى كل واحد منهما من ذلك المال المشترى أو نحوه، وشكرةُ الأبدان قد حصل التراضي أيضًا بين أهلِها. وقد تقدم بيانُ ماهيَّتِها فعرفتَ أن هذه الشِرَكَ الأربعَ الرضى فيها موجودٌ، والمفروض في الشركة العرُرفية عدم وجوده، بل وجود الخصومة فيه. فإن قلتَ: ما الذي ينبغي أن يُحْمَلَ عليه الحديثُ من هذه الشركة؟ قلت: ينبغي أن يُحْمَلَ على الشركة التي كان الناسُ يتعاملونَ بها في زمن النبوة، وهي شركة العنانِ، بل وقعت من روس الله ﵌ كما أخرجه أهل السننِ (١) إلاَّ الترمذيَّ أن السائبَ بنَ أبي السائب كان شريكَ النبيَّ ﵌ في أول الإسلام في التجارةِ، فلما كان يومُ الفتح قال: "مرحبًا بأخي وشريكي، ولا يداري ولا يماري". وأخرجه أيضًا أبو نعيم في المعرفة (٢)، والطبرانيُّ في الكبير (٣)، والحاكم (٤)، وصحَّحَهُ؛ فإن هذه الشركة وسائر الشرك التي كان يفعلُها الصحابة، بل وأهل الجاهلية قبلهم هي أن يجمع الشريكان ما معهما من النقد، ويجعلاهُ ثمنًا لشيء من أنواع التجارة، على أن يكون الربح بينهما على قَدْرِ المالِ، وقد يقع نادرًا بين الصحابةِ شركةُ الوجوهِ كما

стр. 3215

أخرجه البخاريُّ (١) من حديث زهرةَ بن معبدٍ عن جدِّه عبدِ الله بن هشام، وكان قد أدرك رسول الله ﵌ فدعا له بالبركة أنَّ ابنَ عمرَ، وابنَ الزبير كانا يليقيانِه في السوقِ فيقولان له: أشرِكْنا فيما شريتَ؛ فإنَّ النبيَّ ﵌ قد دعا لك بالبركة، فيشرِكُهُما، فربما أصاب الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل. فإذا عرفت أن الشركة [٦أ] المذكورة في الحديث هي الشركة المعروفة بالعنان في لسان أهل الفقه، لأنها هي الأعمُّ الأغلبُ في شركة العرب لم يكن في ذلك دليلٌ على ما نحن فيه من الشركة العرفية، لأن شركة العنان الربح والخسر فيها على قدر المال، والمستدلُّ بالحديث يقول في الشركة العرفية أنَّ الربح يُقْسَمُ على التسوية من غير تفضيل، وإن كان المال متفاضلاً، بل وإن كان أحدُ الشركاء لا مالَ له إذا قام بعملٍ من الأعمال وإن قلّ، ومما يفيد أن الشركة المذكورة في الحديث هي شركةُ العنان قولُه فيه: فلما كان وقتُ قسمة الربحِ؛ فإنَّه يشعِرُ بأن لقسمة الربح وقتًا معلومًا عندهما، وهذا لا يكون في الشركةِ العرفية إنما يكونُ غالبًا في شركة العنان، ووجهٌ آخرُ أيضا، وهو أن وجود الربح مشعرٌ بوجود رأس مال ينشأ عنه الربح. فإن قلتَ: إذا كان الأمرُ على ما تقولُه فالربحُ والخسرُ يتبعان المالَ، فما وجه طلب من كان مقيمًا في السوق أن يفضِّلَهُ النبيُّ ﵌ على صاحبه؟ قلتُ: وجههُ أنه لما كان هو العاملُ وحدَه في تحصيل سببِ الربحِ له ولشريكه اعتقدَ أنه يستحقُّ زيادةً بسبب انفراده بالسعي، على أن هاهنا مانعًا من استدلال مَنِ استدلَّ بالحديث المذكور على ما يزعمُهُ من الاستواء في الشركة العرفية، وهو أنّ الحديث قد دلّ على ثبوت الشركة العرفية على فرض صحة حمله عليها، وإن لم يكن لأحدِ الشركاء عملاً أصلاً كما كان الذي هو ملازمٌ للمسجد، وهم يجعلون ماهيَّتها التكافؤ في

стр. 3216

الأعمال. فإن قلتَ: إذاكان معنى الحديثِ باللفظ المذكور هو ما ذكرتَِ، فهل يكون محمولاً باعتبار لفظه الآخر الذي ساقَه المستدلُّ به حاكيًا له عنا لترمذي من حديث أنس قال: كان أخوان على عهد رسول الله ﵌ فكان أ؛ دُهما يحترفُ وكان الآخر يلزمُ رسول الله ﵌ ويتعلَّم منه، فشكى المحترفُ أخاُ إلى رسول الله ﵌ فقال: "لعلكَ به تُرْزَقُ" على ما حُمِلَ الحديثُ الأولُ؟. قلتُ: لا؛ فإن الروايةَ ليس فيها ما يدلُّ على اشتراكٍ أصلاً، ولا ما يشعر بربح، ولا مُكْتَسَبٍ، بل غاية ما فيها أن أحدَ الأخوين كان يعاني المعاشَ، ويلازمُ الاكتساب فيما يسدُّ فاقَتَهُ هو وأخوه [٦أ]، ويقومُ بما يحتاجان إليه مع من يَعُولانِ، فشكى القائم بالحرفة المشتغل بالمعاش إلى رسول الله ﵌ طالبًا منه أن يُلْزِمَ أخاه يعاونَه في تحصيل ما يحتاجان إليه، ويجعلَ لنصيبه من الدنيا وحصّتِه من أسبابا الرزق نصيبًا من أوقاته، فرغَّبه رسول الله ﵌ ترغيبًا لا حَتْمَ فيه، ولا إلزامَ بأن يدع أخاه يلزمُ رسول الله ﵌ ويُفَرِّغَ نفسه للآخرة، معللاً ذلك بأنه قد يكون مجلبةً للرزق، قائلاً ذلك على طريق الترجي، قائمًا مقامَ الترغيب، فليس فيهذا من الدلالة على نوع من أنواع الشِّرَك شيءٌ، لا شِرَكُ المكاسب، ولا الشركةُ العرفية كما لا يخفى علىمن له فهمٌ لفقد ماهية كلّش واحدة منها، أما ماهية شِرَكِ المكاسب الأربع فظاهرٌ، وأما ماهيةُ الشركةِ العرفية ولا وجودَ للمكافأة في الأعمال، بل غايةُ ما فيه الترغيبُ للقادرِ على الكسبِ المتصدِّي له أن يدعَ مَنْ كان مشنْ قرابته مشتغلاً بالطاعةِ، ويقومَ بما يحتاجُ إليه من النفقة، وما يتبعُها؛ فإن ذلك باب الصِّلَةِ لِرَحِمِهِ، والإعناة لطالب الخير على مطلبه. فإن قلتَ: قد تعقَّبْتَه بما تكلَّم به المتأخرونَ على الشركة العرفية بهذه التعقبات، وأوضحت عدم انطباق بعض منه على محلِّ النزاع، وخروج البعض الآخر عن دائرة

стр. 3217

الإنصاف، وعدم صلاحية ما جعلوه دليلاً على ما قالوه للاستدلال، فما الذي ينبغي اعتمادُه على ما تقتضيه الأدلةُ الشرعيةُ، وتوجبه الملَّةُ الإسلامية، وتوافقه المسالكُ الاجتهادية؟ قلتُ: قد تقرَّر بالأدلة الشرعية، والضرورة الدينية أن أموالَ العباد معصومةً، لا يحلُّ منها شيءٌ إلاّ بالمناط الشرعيّ، أما كونُها معصومةً لقوله تعال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١)، ولما ورد من الأدلة كتابًا وسنةً في لزوم العدل، وتقبيح الظلم، والنهي عنه، ووصف الآكلين لأموال اليتامى بأنهم ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (٢)، وما صحّ عنه ﵌ في خُطْبَة الوداع قائلاً: "إنما دماءكم وأموالكم عليكم حرامُ" (٣)، وقوله: "لا يحلّث مالُ امرئ مسلم إلاّض بطيبةٍ من نفسه" (٤). وأما المناط الشرعيّ الذي تحلّ به هذه العصمةُ فما ذكره الله من التراضي في قوله: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾، وما ذكره النبيُّ ﵌ في هذا الحديث من طيبةِ [٧أ] النفسِ، وهذا ليس فيه خلافٌ بين المسلمين أجمعينَ، بل هو إجماعٌ معلومٌ لكلِّ مشتغل بالعلم. ولا ينافي ذلك اشتراط من اشترطَ في بعض التصرفات ألفاظًا مخصوصة، أو صفاتٍ معينةً. وإذا تقرر هذا علمتَ أن مجرد اجتماع جماعةٍ في بيت يتكافؤن في تحصيل أسباب المعاش، وهذا الاجتماعُ المذكور هو المعروفُ بالشركةِ العرفيةِ لا يوجب خروجَ ما هو في ملك أحدِهم من الغلاَّت الحاصلةِ له من أموالِه، أو ما حصلَ من المكاسبِ بسعيهِ

стр. 3218

المختصّ به إلاّ بحصول المناط الشرعيّ، وهو الرضى، وطيبة النفس، فإن كان هذا المناط حاصلا إما بوقوع المصادقة من أهل الشركة العرفية على أنّهم تراضَوْا على الاشتراك في جمع ما يحصُلُ من سعيهم، وغِلاَّتِ أموالهم بأن يكونَ بينَهم على السويةِ، أو يكونَ بينهم على صفةٍ من صفات القِسمة يتضمَّنُ تفضيلَ البعض على البعض، أو يكون هذا المناطُ حاصلاً بقيام مُستَنَدًا للأحكام الشرعية فلا شكَّ ولا شبهةَ أن ما حصل لهم بعد التراضي يكونُ مشتركًا بينَهم على حسب ما تراضوا عليه، ولا يزال كذلك حتى يرجعوا أو بعضُهم عن ذلك التراضي، فإذا وقع الرجوعُ ارتفعَ المناط، وعادت أموالُهم أو أموالُ مَنْ رجع إلى تلك العصمة، فيكون له منوقت الرجوع ما حصل من غِلاَّتِ أمواله، وما استفاد من سعيه، وهذا أعني: كون التراضي مناطًا محلّلاً لما حصل لهم مشروطًا بأن لا يكونَ فيه حيلةٌ على صبيٍّ، أو امرأةٍ، أو مَنْ لا درايةَ له من الرجالِ. أما إذا كان كذلك بطلَ منه ما تضمنتْه الحيلةُ، وصح ما عداه، وفي حكم هذه المصادقةِ على التراضي أن يكونَ بين أهل ذلك المحلِّ عُرْفٌ يعلمُهُ كلُّ واحد من أولئك المشتركين على وجهٍ لا يخفى ولا يلتبسُ بأن من اجمتعوا هذا الاجتماع، واشتركوا هذه الشركة كان ما حصل من أموالهم، أو كَسْبِهم مقسومًا بينهم على السوية، أو على حسبِ الأموال والسعي، فإذا كانا لعرفُ كائنًا على الصفة المذكورة كان دخولُهم في الشركة المذكوة بمنزلة التراضي بما يقتضيه العرفُ، ويكونُ هذا بمنزلةِ الألفاظ المشعِرَةِ بالتراضي في دلالتها [٧ب] على ما في النفس، لأن الرضيى هو أمرٌ قلبيٌّ، وليستِ الألفاظُ المشعِرَةُ به إلاَّ دوالاًّ عليه، ولا تختصُّ الدلالةُ على هذا الأمرِ القلبيّ بالأمور اللفظية، بل كل مالَه دلالةٌ على ذلك الأمر القلبيِّ فله حكمُ اللفظ، كالإشارة المفهِمة، وما يقوم مقامَها، فهكذا الأعرافُ الجاريةُ المعلومةُ التي لا تختلف، ويشترك في العلم بها كلّ فردٍ من أفراد المشتركين، فإنها لا تُفَسَّرُ في كونها دالةً على الأمر القلبيِّ عن الألفاظ والإشاراتِ والكتاباتِ، أما إذا لم يكن ثَمَّ تراضٍ ولا عُرْفٌ، أو وُجِدَتْ أعرافٌ

стр. 3219

مختلفةٌ غيرُ مؤتلفةٍ فاجتماعُ جماعةٍ على الشركة العرفية لا يخرجُ ما حصلَ لكل واحد منهم عن العصمة، بل الواجب عند الخصومة إرجاعُ ما هو من غلات كلّ واحد منهم إليه بعينه إن كان باقيًا، أو مثلُه إن كان مثلَها، أو قيمتُه إن كان قيِّمًا، وهكذا يجب إرجاعُ ما حصَّلَه كلُّ واحد منهم من كسبِه بعد أن يُحْسَب عليه منه ما قدِ استهلكَهُ لنفسه ولمن يجبُ عليه إنفاقُه. فإن قتلتَ: إذا كانوا قدِ استمرُّوا على الشركةِ أزمنةً متطاولةً، وخلطوا ما حصلَ لكلِّ واحد منهم من الجهتين، واستنفقوا منه ما استنفقوا، وبقيت منه بقايا بأعيانها، أو كانوا قد اكتسبوا بما يفضُلُ عن كفايتهم مكتسباتس من منقولٍ أو غير منقول؟. قلتُ: يُقْسَمُ ذلك بينهم على قَدَرِ ما يحصلُ لكل واحد منهم من أملاكه وسعيه، فيكون لصاحبه النصيب الفاضل بقدر نصيبه، ولصاحب النصيب المفضول بقدر نصيبه، هذا إذا كان الدخول من مجموع غِلاَّت الأملاك والسعي، وإن كان من أحدهما فقط فبحسبه، وكثيرًا ما تعرضُ الخصومةُ بين جماعة مشتركينَ شركةً عرفيةً قد كسبوا بما فضُلَ عن نفقتِهم أموالاً، ولا سعي يختصُّ به أحدُهم، بل جميعُ سعينهم فيما يتعلَّق بحرث تلك الأملاك وإصلاحها، وحفظ غِلاَّتها عن الضياع، كما فعلُه الزُّراعُ، ومثل هذا ينبغي أن يَنْظُرَ الحاكمُ ما يقابل عمل العاملين، فيعطي كلَّ واحد منهم من تلك المكتسبات فاضُل الغلات بقدر عمله، ثم ينظرُ بعد أخراج أُجْرَةِ العاملينَ إلى ما بقي فيقسِمُهُ لأهل الأملاكِ التي حصلتْ منها الغلّةُ لكل واحد منهم بقدرِ مالِه، ويجهدُ نفسَه في الاستقصاء والتقريب والتحرِّي، فهذا هو العدلُ الذي يقتضيه الشرعُ، ولا عدلَ غيرُه، ولا شرعَ سواه [٨أ]، لأنه إذا تعذّر إعطاءُ كلِّ ذي حقٍّ حقّه عَيْنًا أو مِثْلاً أو قيمَةً وجبَ الرجوعُ مع الاختلاطِ إلى القسمةِ التي شرعَها الله بعد إسقاط ما استغرَقهُ كلُّ واحد منهم لنفقةٍ أو كسوةٍ أو غرامةٍ في نكاحٍ أو غيرِه من نصيبِه، وكذلك ما استغرقه مَنْ يجب عليه نفقتُه كما قدمنا. فإن قلت: قد يصعُبُ إعطاءُ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه بالقسمة على فرض اختلاف

стр. 3220

المتغَلاَّتِ، واختلاف صفة السَّعي في المكاسب، فربَّما كان بعضُهم عاملاً في إصلاح المستغَلاَّتِ وتثميرِها، وبعضُهم كاسبًا بالتجارةِ، وبعضهم بأعمال يعملُها مع الملوك وأعوانِهم، ويكون لكلِ واحد من الدخولات ما يصعبُ ضبطهُ، ومن المستغرقات ما يبعدُ الوقوفُ عليه. قلتُ: ليس على من يتولَّى خصومتَهم، ويتصدَّرُ لِقِسْمَتِهم إلاَّ إبلاغُ الجهدِ، وإمعانُ النظرِ على وجهٍ لا يكون غيرُه أقرب منه، وليس عليه غيرُ ذلك، ولا يُكلَّفُ بما يخرجُ عن طاقتِهِ، فينظرُ غالبَ ما يحصِّلُه كلُّ واحد منهم من كسبه، وغالبَ ما يستغرقُهُ من الأرباح، ويعمل على ذلك. ومن ادَّعى زيادةً على ما هو الغالب، أو نقصًا كان عليه البيِّنةُ. وإذا أضافَ بعضُ المشتركينَ شيئًا من المكتسبات إلى نفسه فهذا على وجهين: أحدُهما: أن يكون قد سبقَ التراضي بينَهم على أن يكون ما كسبُوه بينهم على الاستواء، أو أن يكونَ لكل واحد منهم نصيبٌ معلومٌ. الثاني: أن لا يكون قد سبق بينهم تراض، ولا وُجِدَ عُرْفٌ مُتَّفقٌ عليه، معمولٌ به. فالوجه الأول: يكون العمل فيه على التراضي، ولا حُكْمَ لما وقع من الإضافات المخالفةِ له، بل هي لاغيةٌ باطلةٌ، لأنَّ المضيفَ قد سبق منه ما هو مناطٌ شرعيٌّ مخالفٌ لما خصَّ به نفسَه من الحِيَل الباطلة، والاستبدادِ المردود. ومَنْ جَعَلَ لتلكَ الإضافة المخالفةِ للتراضي حكمًا فهو لا يعقلُ ما توجِبُهُ المناطاتُ الشرعيةُ من بطلان ما يردُّ عليها مما يخالفُها، فيشتركُ المجتمعون في الأعيان المكسوبةِ على قدرِ ما تراضَوْا عليه، ولا اعتبارَ بالتخصيص. وأما الوجهُ الثاني: وهو عدمُ وجودِ التراضي بينَهم على صفة معلومةٍ في قسمة ما حصلَ لهم، فمن أضاف إلى نفسه شيئًا صار ملكًا له، لأن تلك الإضافة مناطٌ شرعيٌّ غيرُ مسبوقٍ بمناطٍ يخالفُه، فيختصُّ المضيفُ بما أضافه إلى نفسه كائنًا ما كان، ويحسب عند قسمة ما استفادُوهُ معهم من نصيب المضيف الحاصلِ له من مجموع ما حصلَ لهم من

стр. 3221

الفوائد [٨ب]، فإن كان ما أضافه إلى نفسه زائدًا على نصيبه من مجموع ما هو بينهم كان عليه تسليم ما يقابل نصيب غيره من ذلك الزائد ثمنًا لا عينا. وإذا خسر أحدهم، أو جنى، أو ظلم لغير وجه، فإن كان ذلك بسبب يختص به وجده لا يرجع إلى الجميع بوجه فهو محسوب عليه وحده من نصيبه، وإن كان لسبب يرجع إلى الجميع بوجه يقتضيه الشرع فهو على الجميع. فهذا جواب ما سأل عنه السائل ـ كثر الله فوائده ـ على طريقة الإجمال، وبه تحصل الفائدة في كل وجه من تلك الوجوه التي سأل عنها، ولا بأس بذكر كل وجه منها، وجوابه وإن حصل بذلك التكرير ففيه زيادة إيضاح، وتمام فائدة. أما الوجه الأول: أعني قوله: ما حكم الاشتراك بين جماعة اشتركوا في أعمال من دون عقد ... إلخ؟ فأقول: جوابه على التفصيل السابق فإن كانوا قد تراضوا على صفة من الصفات، وهيئة من الهيئات كان ما حصل لهم من النماء على ما تراضوا عليه، ولا فرق بين الفاضل كسبه وسعيه والمفضول، وإن لم يكن ثم تراض، ولا ما يقوم مقامه كان لكل واحد منهم بقدر سعيه وكسبه على الوجه الذي قدمناه. وأما الوجه الثاني: أعني قوله: من كان لهم مال مشترك، وأنصباؤهم متفاوتة، وسعيهم مختلف إلخ. فالجواب أنه يكون الحاصل من النماء بينهم على قدر الأموال والسعي؛ فيكون للفاضل مالا أو سعيا بقدر ماله وسعيه، وللمفضول بقدر ماله وسعيه ما لم يتراضو على صفة من الصفات لزمهم الوقوف عليها. وأما الوجه الثالث: أعني قوله: ما حكم من تساووا مالا وكسبا ولكن كان أحدهم صاحب عائلة ... إلخ؟ أقول: إذا لم يحصل التراضي كان ما استغرقه صاحب العائلة لنفسه ولعائلته محسوبًا

стр. 3222

من نصيبه كما قدمنا. وأما الوجه الرابع: أعني قوله: من كان له دخل خاص ... إلخ. فالجواب: أنه إذا قد رضي بشيء لزمه ما رضي به وإن لم يرض كان له بمقدار ما دخل له مما يخصه إما عينًا، أو مثلا، أو قيمة، أو يقدره مما قد كسبوه. وأما الوجه الخامس: أعني قوله: لو اكتسب من نمى المشترك، وأضاف لنفسه ... إلخ. فجوابه: ما قدمنا من الفرق بين تقدم التراضي بينهم وعدمه فمع تقدم التراضي لا حكم للإضافة، بل يشتركون في عين ما أضافه، ومع عدمها يكون له محسوبًا عليه من نصيبه، فإن زاد على نصيبه حاسب بالزائد قيمة لا عينا [٩أ]. وأما الوجه السادس: أعني قوله: لو كان ثم صبي ... إلخ. أقول: ليس على ولي الصبي إلا إمعان النظر في مصلحته بحسب ما يظهر له، فإن كانت المصلحة فيما يظهر له في ترك الصبي في الشركة العرفية تركه، وذلك بأن يكون أهلها من أهل الأمانة أو لهم أموال وسعي يكون بسبب ذلك انتفاع الصبي بما يفضل من غلات ماله انتفاعه زائدًا على ما يحصل له من النفع مع الانفراد، وأما إذا كانوا على غير هذه الصفات على وجه يحصل الظن بأنه لا نفع للصبي في البقاء معهم، أو أن نفعه أقل من نفعه مع الانفراد فإخراجه من تلك الشركة متحتم على وليه، وإذا حصل التقصير من ولي الصبي في طلب المصلحة له لم يلزمه ما وقع التراضي عليه بين المشتركين من المكلفين بل يحسب عليه ما يقوم بنفقته وكسوته ومؤن أمواله، ويرجع بالباقي على المشتركين. وأما ما ذكره في الوجه السابع: أعني قوله: لو اختلف المجتمعون ... إلخ. فأقول: إن كان الظاهر يشهد لما قاله أحد المختلفين كان القول قوله، والبينة على من يخالفه، وإن لم يكن ثم ظاهر بالبينة على مدعي أن له كسبا، وعلى مدعي أنه متفق من ماله فلا يثبت كسب مدعي الكسب إلا بالبرهان، ولا يثبت إنفاق مدعي الإنفاق إلا

стр. 3223

بالبرهان، فإذا برهن كل واحد منهم على دعواه كان لصاحب الكسب قَدْرُ كسبه على ما يقوله العُدولُ المختبرون، وعليه قدرُ ما استنفقَه على ما تقتضيه العادةُ، فإن أقام مدعي الإنفاق البرهان على أنه رضي ذلك الكاسبُ بأن يكون ما استنفقَه أُجْرَةً له كان الرضى معمولاً عليه، ولا يستحق غيرَ ما رضي به، فالرِّضى مناطٌ كما عرفناك سابقًا، ودعْ عنك النَّظر إلى غيرِ هذا مما يُقَالُ إنه يقتضي فسادَ الإجارةِ أو صِحَّتَها فليس بعد الرِّضى من المكلَّف شيءٌ. وأما الوجه الثامنُ: أعني قولَه: إذا مات أحدُ المتسبينَ والمشتركيَ، أو تزوجَ، أو غابَ، وثَمَّ مالٌ، والتبس ما كُسِبَ بعدَه ... إلخ. فالجوابُ: أن القولَ قولُ المباشرينَ للاكتساب المحصِّلينَ لتلك الفوائدِ الثابتينَ عليها، فمنِ ادَّعى من ورثة مَنْ مات أو خرجَ من شَرِكَتِهم أنَّ له حقًّا فيها مع كونها حاصلةً بعد موتِه أو خروجِه فهو يدَّعي خلاف الظاهر فعليه البيِّنة، والقول قول المشتركين. هذا على فَرَضِ أنه [٩ب] لم يكن ثَمَّ ظاهرٌ يخالفُ ذلك، فإن كان موجودًا فالقولُ قولُ من هو مستمسك بالظاهر، والبينة على مَنْ يخالِفُه هذا إذا كان للمتسبينَ سعيٌ تتحصل به فوائده من غير الأموال المشتركة بين ورثة مَنْ ماتَ أو خرجَ عن الشركة، وبينَهم كأهلِ التجاراتِ ونحوِها. أما إذا كان لا مدخَل للمشتركين إلاَّ من غِلاَّتِ الأموال التي نصيبُ مَنْ مات أو خرجَ عن الشركةِ فيها، فلا قبولَ لدعوى من يدَّعي الاختصاصَ، بل الظاهرُ قولُ من قال: أن له نصيبًا من الكسائب بقدر مالِ موروثه، أو بقدر ماله المتروك في أيديهم بعد خروجه من الشركة، فَيُقْسَمُ ما هو راجعٌ إلى المال على قدرِ الأموالِ. وما هو راجعٌ إلى العمل فيها على قدر العمل بين العاملين. وأما الوجه التاسعُ: أعني قولَه: لو تزوج أو جنى ... إلخ. فالجواب: أنَّ الشرعَ يفضي بلزوم ما صدرَ عن أحدِهم لمن صدر عنه، ولا يلزم غَيْرَهُ

стр. 3224

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) كما نطق به الكتاب العزيز: وقال ﵌: "لا يجن جان إلا على نفسه" (٢)، وقال لرجل مع ولده: "لا جيني عليك، ولا تجني عليه" (٣) كما في دواوين الإسلام، فمن جنى من الشركاء حتى لزمه الأرش، أو فعل ما يوجب عليه غرامة في المال فذلك عله، إلا أن يتقدم التراضي بين أهل الشركة على أنهم يغرمون مع من لزمه مغرم من أرش جناية أو غيرها كان ذلك عليهم على حسب التراضي فهو محكم معمول به، وهكذا إذا لزم أحدهم مغرم بسبب يرجع إلى الجميع، أما باعتبار الأشخاص أو المال فهو على الجميع وبالجملة فلا يختص أحدهم بالمغرم الراجع إلى ما تجمعهم كما لا يختص بالمغنم. وأما الوجه العاشر: أعني قوله: لو وقع شرط بين المتشاركين أن لفلان نصف ... إلخ. فجوابه: أنه إذا حصل التراضي [١٠أ] على ذلك صح ولزم كما قدمنا تحريره وتقريره، وإن لم يحصل التراضي عليه فلا حكم له ولا اعتبار به. وإلى هنا انتهى الجواب على سؤال السائل ـ كثر الله فوائده ـ وكان الفراغ من تحريره نهار الأحد سلخ شهر محرم سنة ١٢٢١. [١٠ب]

стр. 3225

(١٢٩) ٢١، ٢٢، ٢٣/ ٢ أسئلة (١) من العلامة الحسين بن عبد الله الكبسي من كوكبان وتشمل على: ١ - بحث في بيع المشاع من غير تعيين. ٢ - بحث فيمن وقف على أولاده دون زوجته. ٣ - بحث في إنشاءات النساء. تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديث محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب
следующие страницы →