← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

الفوائد [٨ب]، فإن كان ما أضافه إلى نفسه زائدًا على نصيبه من مجموع ما هو بينهم كان عليه تسليم ما يقابل نصيب غيره من ذلك الزائد ثمنًا لا عينا. وإذا خسر أحدهم، أو جنى، أو ظلم لغير وجه، فإن كان ذلك بسبب يختص به وجده لا يرجع إلى الجميع بوجه فهو محسوب عليه وحده من نصيبه، وإن كان لسبب يرجع إلى الجميع بوجه يقتضيه الشرع فهو على الجميع. فهذا جواب ما سأل عنه السائل ـ كثر الله فوائده ـ على طريقة الإجمال، وبه تحصل الفائدة في كل وجه من تلك الوجوه التي سأل عنها، ولا بأس بذكر كل وجه منها، وجوابه وإن حصل بذلك التكرير ففيه زيادة إيضاح، وتمام فائدة. أما الوجه الأول: أعني قوله: ما حكم الاشتراك بين جماعة اشتركوا في أعمال من دون عقد ... إلخ؟ فأقول: جوابه على التفصيل السابق فإن كانوا قد تراضوا على صفة من الصفات، وهيئة من الهيئات كان ما حصل لهم من النماء على ما تراضوا عليه، ولا فرق بين الفاضل كسبه وسعيه والمفضول، وإن لم يكن ثم تراض، ولا ما يقوم مقامه كان لكل واحد منهم بقدر سعيه وكسبه على الوجه الذي قدمناه. وأما الوجه الثاني: أعني قوله: من كان لهم مال مشترك، وأنصباؤهم متفاوتة، وسعيهم مختلف إلخ. فالجواب أنه يكون الحاصل من النماء بينهم على قدر الأموال والسعي؛ فيكون للفاضل مالا أو سعيا بقدر ماله وسعيه، وللمفضول بقدر ماله وسعيه ما لم يتراضو على صفة من الصفات لزمهم الوقوف عليها. وأما الوجه الثالث: أعني قوله: ما حكم من تساووا مالا وكسبا ولكن كان أحدهم صاحب عائلة ... إلخ؟ أقول: إذا لم يحصل التراضي كان ما استغرقه صاحب العائلة لنفسه ولعائلته محسوبًا

стр. 3222

من نصيبه كما قدمنا. وأما الوجه الرابع: أعني قوله: من كان له دخل خاص ... إلخ. فالجواب: أنه إذا قد رضي بشيء لزمه ما رضي به وإن لم يرض كان له بمقدار ما دخل له مما يخصه إما عينًا، أو مثلا، أو قيمة، أو يقدره مما قد كسبوه. وأما الوجه الخامس: أعني قوله: لو اكتسب من نمى المشترك، وأضاف لنفسه ... إلخ. فجوابه: ما قدمنا من الفرق بين تقدم التراضي بينهم وعدمه فمع تقدم التراضي لا حكم للإضافة، بل يشتركون في عين ما أضافه، ومع عدمها يكون له محسوبًا عليه من نصيبه، فإن زاد على نصيبه حاسب بالزائد قيمة لا عينا [٩أ]. وأما الوجه السادس: أعني قوله: لو كان ثم صبي ... إلخ. أقول: ليس على ولي الصبي إلا إمعان النظر في مصلحته بحسب ما يظهر له، فإن كانت المصلحة فيما يظهر له في ترك الصبي في الشركة العرفية تركه، وذلك بأن يكون أهلها من أهل الأمانة أو لهم أموال وسعي يكون بسبب ذلك انتفاع الصبي بما يفضل من غلات ماله انتفاعه زائدًا على ما يحصل له من النفع مع الانفراد، وأما إذا كانوا على غير هذه الصفات على وجه يحصل الظن بأنه لا نفع للصبي في البقاء معهم، أو أن نفعه أقل من نفعه مع الانفراد فإخراجه من تلك الشركة متحتم على وليه، وإذا حصل التقصير من ولي الصبي في طلب المصلحة له لم يلزمه ما وقع التراضي عليه بين المشتركين من المكلفين بل يحسب عليه ما يقوم بنفقته وكسوته ومؤن أمواله، ويرجع بالباقي على المشتركين. وأما ما ذكره في الوجه السابع: أعني قوله: لو اختلف المجتمعون ... إلخ. فأقول: إن كان الظاهر يشهد لما قاله أحد المختلفين كان القول قوله، والبينة على من يخالفه، وإن لم يكن ثم ظاهر بالبينة على مدعي أن له كسبا، وعلى مدعي أنه متفق من ماله فلا يثبت كسب مدعي الكسب إلا بالبرهان، ولا يثبت إنفاق مدعي الإنفاق إلا

стр. 3223

بالبرهان، فإذا برهن كل واحد منهم على دعواه كان لصاحب الكسب قَدْرُ كسبه على ما يقوله العُدولُ المختبرون، وعليه قدرُ ما استنفقَه على ما تقتضيه العادةُ، فإن أقام مدعي الإنفاق البرهان على أنه رضي ذلك الكاسبُ بأن يكون ما استنفقَه أُجْرَةً له كان الرضى معمولاً عليه، ولا يستحق غيرَ ما رضي به، فالرِّضى مناطٌ كما عرفناك سابقًا، ودعْ عنك النَّظر إلى غيرِ هذا مما يُقَالُ إنه يقتضي فسادَ الإجارةِ أو صِحَّتَها فليس بعد الرِّضى من المكلَّف شيءٌ. وأما الوجه الثامنُ: أعني قولَه: إذا مات أحدُ المتسبينَ والمشتركيَ، أو تزوجَ، أو غابَ، وثَمَّ مالٌ، والتبس ما كُسِبَ بعدَه ... إلخ. فالجوابُ: أن القولَ قولُ المباشرينَ للاكتساب المحصِّلينَ لتلك الفوائدِ الثابتينَ عليها، فمنِ ادَّعى من ورثة مَنْ مات أو خرجَ من شَرِكَتِهم أنَّ له حقًّا فيها مع كونها حاصلةً بعد موتِه أو خروجِه فهو يدَّعي خلاف الظاهر فعليه البيِّنة، والقول قول المشتركين. هذا على فَرَضِ أنه [٩ب] لم يكن ثَمَّ ظاهرٌ يخالفُ ذلك، فإن كان موجودًا فالقولُ قولُ من هو مستمسك بالظاهر، والبينة على مَنْ يخالِفُه هذا إذا كان للمتسبينَ سعيٌ تتحصل به فوائده من غير الأموال المشتركة بين ورثة مَنْ ماتَ أو خرجَ عن الشركة، وبينَهم كأهلِ التجاراتِ ونحوِها. أما إذا كان لا مدخَل للمشتركين إلاَّ من غِلاَّتِ الأموال التي نصيبُ مَنْ مات أو خرجَ عن الشركةِ فيها، فلا قبولَ لدعوى من يدَّعي الاختصاصَ، بل الظاهرُ قولُ من قال: أن له نصيبًا من الكسائب بقدر مالِ موروثه، أو بقدر ماله المتروك في أيديهم بعد خروجه من الشركة، فَيُقْسَمُ ما هو راجعٌ إلى المال على قدرِ الأموالِ. وما هو راجعٌ إلى العمل فيها على قدر العمل بين العاملين. وأما الوجه التاسعُ: أعني قولَه: لو تزوج أو جنى ... إلخ. فالجواب: أنَّ الشرعَ يفضي بلزوم ما صدرَ عن أحدِهم لمن صدر عنه، ولا يلزم غَيْرَهُ

стр. 3224

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) كما نطق به الكتاب العزيز: وقال ﵌: "لا يجن جان إلا على نفسه" (٢)، وقال لرجل مع ولده: "لا جيني عليك، ولا تجني عليه" (٣) كما في دواوين الإسلام، فمن جنى من الشركاء حتى لزمه الأرش، أو فعل ما يوجب عليه غرامة في المال فذلك عله، إلا أن يتقدم التراضي بين أهل الشركة على أنهم يغرمون مع من لزمه مغرم من أرش جناية أو غيرها كان ذلك عليهم على حسب التراضي فهو محكم معمول به، وهكذا إذا لزم أحدهم مغرم بسبب يرجع إلى الجميع، أما باعتبار الأشخاص أو المال فهو على الجميع وبالجملة فلا يختص أحدهم بالمغرم الراجع إلى ما تجمعهم كما لا يختص بالمغنم. وأما الوجه العاشر: أعني قوله: لو وقع شرط بين المتشاركين أن لفلان نصف ... إلخ. فجوابه: أنه إذا حصل التراضي [١٠أ] على ذلك صح ولزم كما قدمنا تحريره وتقريره، وإن لم يحصل التراضي عليه فلا حكم له ولا اعتبار به. وإلى هنا انتهى الجواب على سؤال السائل ـ كثر الله فوائده ـ وكان الفراغ من تحريره نهار الأحد سلخ شهر محرم سنة ١٢٢١. [١٠ب]

стр. 3225

(١٢٩) ٢١، ٢٢، ٢٣/ ٢ أسئلة (١) من العلامة الحسين بن عبد الله الكبسي من كوكبان وتشمل على: ١ - بحث في بيع المشاع من غير تعيين. ٢ - بحث فيمن وقف على أولاده دون زوجته. ٣ - بحث في إنشاءات النساء. تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديث محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3226

وصف المخطوط (أ): ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "أسئلة من العلامة الحسين بن عبد الله الكبسي من كوكبان .... .... ". ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، وآله وصحبه، وبعد: وصلت إلى أسئلة من محروس كوكبان ... ". ٤ - آخر الرسالة: " وهجر الكثير الغالب خروج عن قوانين الاستدلال هذا ما يظهر لي، والله أعلم. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٧ صفحات. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ٢٦ سطرا ما عدا الصفحة الأولى فعدد الأسطر فيها ٧ أسطر والصفحة الأخيرة عدد أسطرها ١٢ سطرًا. ٩ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3227

وصف المخطوط (ب): ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "أسئلة من محروس كوكبان .... .. ". ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، وآله وصحبه، وبعد: فإنها وصلت إليَّ أسئلة من محروس كوكبان .... ". ٤ - آخر الرسالة: " وهجر الكثير الغالب خروجٌ عن قواني الاستدلال هذا ما يظهر لي، والله أعلم ..... ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٨ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ - ١٥ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3228

[بسم الله الرحمن الرحيم] (١) الحمدُ لله. [وحده، وصلى الله على من لا نبيَّ بعدَه، وآله وصحبه، وبعد:] (٢) وصلتْ إليّ أسئلةٌ من محروس كوكبان، وقعتْ فيها مراجعةٌ بين سيدي العلامةِ شرف الإسلام الحسين بن عبد الله الكبسي (٣)، وبين حُكَّامِ كوكبان. [بحثٌ في بيعِ المَشَاعِ من غيرِ تعيينٍ] السؤالُ الأولُ: فيمن باع خمسَ لَبنٍ مشاعًا، ولم يعيِّن مكانًا مخصوصًا من الأرض، هل يصحُّ ذلك أم لا؟ فأجاب حاكمان من حُكَّامِ كوكبان أن التقييدَ بلفظ المشاع يوجبُ صِحَّةَ البيع. وردَّ عليهما السيدّ المذكورُ ردًا حسنًا، وأجبت بما لفظُهُ: الحمدُ لله وحدَه، وبعدُ: فإني وقفت [١/ب] على هذا البحثِ النفيسِ، وقد استوفى محرِّرُهُ، بارك الله في علومه ـ أطرافَهُ، ولا أعرف قائلاً يقول بأنَّ مجرَّد التقييدِ بلفظِ المشاعِ مطلقًا يوجبُ صحةَ بيع ما كان لولا ذلك التقييدُ غيرُ صحيح، ولا من علماء الزيدية، ولا من غيرهم، اللهم إلاَّ أن يكون ذلك المشاعُ مرادًا للمتابعين، مقصودًا لكل واحد منهما؛ فإن البعضَ (٤) قد جعل ذلك مصحَّحًا إذا وقع التصادقُ عليه، لأنه بذلك القصدِ، وتلك الإرادة يَؤولُ إلى بيع جزءٍ معلومٍ باعتبار الانتساب إلى الكلِّ، وهذا مما لا نزاعَ فيه، وله نظائرُ كبيع مجهولِ العينِ مع الخيارِ (٥)، وبيعِ ميراثٍ عُلِمَ جنسًا ونصيبًا، وأما مطلقُ التقييدِ بالمشاع من غير انضمامِ قصدٍ إليه، فمع كونِه لم يقلْ به أحدٌ كما عرفتَ هو أيضًا مخالفٌ

стр. 3229

لنصوص المذهبِ في مواطنَ منها: اشتراطُهم في بيع بعض الصُّبرة مشاعًا (١) في المزروع المختلِفِ (٢) أن تكون جهتُه معيّنةً، ولا شك أنَّ ذلك أمرٌ زائد على مجرد الشياعِ، مع أن ظاهر ما علَّلوا به قولَهم باشتراط التعيين في المختلف من تأديته إلى الشِّجار أنّه لا فرق بين السمتوي والمختلِف، لأنّ عدم التعيين قد يفضي في المستوي إلى الشجار كما يفضي إليه في المختلِف، وأكثريةُ الإفضاء في المختلف لا يستلزمُ الاختصاص به، كما ذلك معلومٌ لكل عارفٍ، والدليلُ على أن المستوي كالمختلِف في الإفضاء إلى الشجار ما عُلِمَ من اختلاف الأعراض بحسب اختلاف الحالات، مثلاً الموضعُ المستوي إذا كان له جارانِ فاشتري كلُّ واحد منهما خَمْسَ لِبَنٍ منه، فلا شك أن كلَّ واحد منهم يتعلَّق غَرضُه بأن يكون نصيبُه متَّصلاً بِمُلْكِهِ القديم،

стр. 3230

فيقع النزاعُ بينَهما وبينَ البائع، وما يشاكلُ ذلكَ من الأغراض. وأما قولُ الحاكِمَيْنِ أنّه لا فرق بين قولِنا ربعٌ، أو نصفٌ، أو ثلثٌ، أو خُمْسُ لِبَنٍ مشاعًا ... إلخ فليسَ كما ينبغي؛ فإنّ الفرقَ [بين المقيَّد بالمشاع (١) مطلقًا، وبينَ المقيَّد بخصوصِ الجُزْءِ المعلومِ من ثلثٍ، أو رُبُعٍ كالفرق] (٢) بين العامِّ والخاصِّ، لصدق اسم المشاع على ما كان مُنتَسِبًا إلى الأصل بجزءٍ معلوم، وعلى غيرِه. وعلى الجملةِ فالأصلُ الأصيلُ أن يكون المبيعُ معلومَ القَدْرِ، مُعَيَّنَ الجهةِ، لأنّ ما لم يكن كذلك في عِداد بيع الغَرَر (٣) الذي نهى عنه الشارعُ، وأيضًا الرِّضا (٤) الذي هو المناطُ للبيع المأذونِ فيه إنما يُتَصَوَّرُ على وجه الصِّحَّةِ فيما كان كذلك، فإذا وقع العقدُ على شيء غيرِ المقدارِ، أو الجهةِ فالرضا [١ب] المعتَبَرُ منتفٍ، وما يُظَنُّ من أنَّه قد يمكن الرِّضا مع عدم الأمرينِ

стр. 3231

أو أحدِهما فوهْمٌ ناشئ عن التباس الرضى المقيَّد المعتَبَرِ بما يصدُقُ عليه مطلقُ الرضا، وحينئذٍ لا يجوزُ بيعُ ما كان فيه نوعٌ من أنواع الغَرَرِ، كبيع المجهول قَدْرًا أو جِهَةً (١)، فإنه إن لم يكن مظنةً للغَرَر كان مظنَّةً، ولا بيعَ ماله يحصل فيه الرِّضا المعتَبَرُ شرعًا إلاَّ بدليل يدلُّ على ذلك بخصوصه، فإن لم يوجد الدليل فالواجب البقاءُ على المنع. وقد ورد ما يدلُّ على جواز بيع ما فيه بعضُ جَهَالةٍ، كحديث جابر عند مسلم (٢)، والنسائي (٣) قال: "نهى رسولُ اللهِ ﵌ عن بيع الصُّبْرَةِ من التمر، لا يُعْلَمُ كيلُها بالكيل المسَّى من التمر"، فإنه يدلُّ بمفهومِه على أنه لو باعها بخنسٍ غير التمرِ لجاز، فمن أجاز العمل بمثل هذا المفهوم أجاز التخصيصَ به، ومن لم يُجِزْ لم يُجِزْ. والحاصلُ أن لا يجوزُ بيعُ شيء مما يتعلَّق به نوعٌ من أنواع الجَهَالةِ وإن قلَّ إلاَّ بدليل يخصُّه من عموم النَّهي عن بيع الغَرَر، ومن مُطْلَقِ الرِّضى المعتبرِ. وبيعُ المشاعِ (٤) على الصورة التي وقعَ فيها النزاعُ من القبيل الممنوعِ لتناول العمومِ له. والله أعلمُ.

стр. 3232

[بحث فيمن وقف على أولاده دون زوجته] السؤال الثاني: فيمن وقف (١) على أولاده دونَ زوجتِه، هل يصحُّ أم لا؟ فأجاب بعضُ أهلِ كوكبانَ بأنَّ إخراج الزوجة منافٍ للقُرْبَة. وأجاب السيدُ المذكور بأن ذلك غيرُ منافٍ، وأطال الكلامَ في ذلك. وأجبتُ بما لفظُهُ: الحمد لله وحده، وبعد: فإني وقفت على هذا البحث الشريف، وقد صار مستغنيًا عن التكميل والوقفُ على بعض الورثة (٢) دونَ بعض الخلافُ فيه معروفٌ مشهورٌ، والذي يظهر لي أنَّ الوقفَ على

стр. 3233

هذه الصِّفة لا تكون بمجرَّده باطلاً، بل لا بد من انضمام مانع من الصحةِ إليه، وهو ما لا يمكن قصدُ القُرْبَة معه قصدًا معتَبَرًا، وذلك كإرادة تخصيص بعض الورثة بذلك دون بعض بدونِ مخصِّص، بل لمجرَّد محضِ الهوى، وميل النفس إلى تأثير مَنْ تميل إليه، وإحرامِ من ينفُرُ عنه، فلا ريب أن هذه الإرادةَ لا يمكن وجودُ القُربة معها، وهكذا كلُّ صوره تصلُح لنسبة المانعيةِ إليها ويقدحُ في المقتَضَى الذي لا بد منه، فما كان من الأوقاف كذلك فالقضاءُ ببطلانِهِ متعيِّنٌ، لأنَّه قد عدم فيه المقتضي، وهو قَصْدُ القُرْبَةِ، وَوُجِدَ المانعُ، وهو الأمرُ المنافي لقصدها، وهذا إذا تبيَّن وجودَ المانع بقرينة حالٍ أو مقالٍ، فإن لم يتبيَّنْ فالأصلُ عدمُهُ، ويُنْظَرُ عند ذلك إلى المقتضى، فإن كان موجودًا فالقضاء بِصِحَّة الوقفِ متوجِّهٌ، لأنَّ كلَّ أمرٍ وُجِدَ فيه المقتضي وانتفى عنه المانعُ فهو صحيحٌ معتبرٌ شرعًا. والحاصل أنه إما أن يُعْلَمَ أو يُظَنَّ وجودُ المقتضي أو عدمُهُ. وعلى الثاني لا شك في عدم صِحَّةِ الوقف سواءٌ وُجِدَ المانعُ أو لم يوجد، وعلى الأول [٢أ] إما أن يُعْلَمَ أو يُظَنَّ وجودُ المانعِ أو عدمَهُ أولا يعلمُ أصلاً، فإن كان الأول وفرضْنا إمكانَ اجتماعِ المانعِ والمقتضي في مسألة السؤالِ فالمقتضي من باب جلْبِ المصالحِ، وهو مما يجب إلغاؤهُ عند وجود مَفْسَدَةٍ راجحةٍ، أو مساويةٍ بلا نزاعٍ، وعند وجودِ مفسدةٍ

стр. 3234

مرجوحة أيضًا على نزاع فيه: ولا شكّ أنّ وجود المانع مستلزمٌ لوجود المفسدة مطلقًا، وإلا لما كان مانعًا. وإن كان الثاني فالمتوجَّهُ القضاء بالصحةِ لما سلف. لا يقالُ تخصيصُ بعضِ الورثةِ إن لم يكن مانعًا مستقلاً فلا أقلَّ من أن يكون مظنَّةً لوجودِ المانعِ، ومظنَّةُ الشيءِ منزَّلةٌ منزلتَه غالبًا، فكيف صحَّ الجزمُ بعدم المانع في مثل مسألة السؤال، لأنَّا نقول لا نسلِّمُ أنّ ذلك التخصيص كذلك، فإنك لا تشكُّ أنّ من كان له ورثةٌ أغنياء، وورثة فقراء، فخصَّصَ الفقراء بالوقْفِ عليه (١)، وكذلك مَنْ كان له ورثةٌ قادرين على التكسُّب، وغيرُ قادرينَ فخصَّصَ غيرَ القادرينَ بذلك، وكذلك مَنْ كان له ورثةٌ أصِحَّاءُ ومَرْضَى فخصَّصَ المرضَى بذلك، فإنه لا يكون التخصيصُ المذكورُ مُنَافِيًا للقُرْبَة أصلاً، بل ربما كان من أقوى الأدلة الدالةِ عليها، فكيف يكون مانعًا أو مظنةً للمانع، وإن كان الثالثُ فالواجبُ القضاءُ بالصحة لأنّه قد وُجِدَ المقتضي، ولا يصح معارضَتُهُ بالشكِّ في وجود

стр. 3235

المانع على فَرَض أنه يترجَّح جانبُ عدمِه على جانب وجودِه، فكيف إذا كان عدمُهُ راجحًا كما نحن فيه! فإنّه لا شك أن الأصل عدمُ المانعِ، لأنّ الظاهر أنّ الرجل المعلوم إسلامُهُ ولا سيَّما إذا كان من أهل التمييز والتقوى لا يتقرَّبُ بأمرٍ في الظاهر، وثمَّ مانعٌ يبطلُ عنه ذلك التقرُّبَ، ويبقى الكلامُ هاهنا في صورة، وهي حيثُ لم تكنِ المقتضى معلومًا وجودُهُ ولا عدمُهُ. ولا شكَّ أن المانع إذا كان معلومًا أو مظنونًا مقدَّمٌ عليه، وإنما الإشكالُ فيما إذا كان المانعُ غَيْرَ معلوم وجودُهُ ولا عدَمُهُ، فهل يُجْعَلُ الأصلُ وجودَ المقتضي فيجبُ القضاءُ بالصحةِ، أو الأصلُ عدَمُهُ فيجبُ القضاءُ بعدمِها، أو يكون ذلك محلَّ تردُّدٍ؟ ويمكنُ أنْ يُقَالَ: الأصلُ العدمُ، لأنَّه السابقُ على الوجود، فإذا لم يَقُمْ دليلٌ يدلُّ على أن المقتضي موجودٌ فالواجبُ استصحابُ ذلك المتيقَّنِ، ولا يُتَنَقَّلُ عنه إلاَّ بناقلٍ، ولكن هاهنا أمرٌ آخَرُ يوجبُ المصيرَ إلى أنَّ المقتضي في تلك الحالِ موجودٌ، وهو الظاهر المرجَّحُ على الأصل عند التعارضُ، فإنه لا ريبَ أنَّ المسلمَ إذا فعلَ فِعْلاً من أفعال العباداتِ والقُرَبِ كان الظاهرُ أنَّه لم يفعل ذلك عَبَثًا بل فعلَه لمقتضٍ هو إرادةُ التقرُّب إلى الله تعالى، لأن الإسلام بمجرَّده باعثٌ على ذلك فضلاً عن الإيمانِ والعِرفَانِ، ولا ينبغي أن يُظَنَّ بمسلم من المسلمينَ أنَّه يُلْبَسُ ببعض القُرَبِ المقربة إلى الله تعالى غَيْرَ مستحضرٍ في تلك الحالِ لماهية ما تقرَّبَ به. فإن قلتَ: قد قامتِ الأدلةُ الصحيحةُ الصريحةُ القاضيةُ [٢ب] بمشروعيته وقد ذكر السيدُ العلامةُ في جوابه على هذا السؤالِ شطرًا منها، وهو مذهب الجماهير من أهل العلم، حتى قال الترمذي (١): لا يَعْلَمُ بينَ الصحابةِ والمتقدَّمينَ من أهل العلم خلافًا في جواز وقفِ الأرضينَ، وجاء عن شُرَيْحٍ (٢) أنه أنكر الوقفَ، وقد تأوَّل ذلك جماعةٌ من

стр. 3236

أهل العلم، وأما أبو حنيفةَ (١) فلم يقل بعدم مشروعيته بل قال بعدم لزومه، وخالفَه في ذلك جميع أصحابه إلاَّ زفرَ بنَ الهذيلِ. وحكى الطحاويُّ (٢) عن عيسى بن أبان قال: كان أبو يوسُفَ يجيزُ بيع الوقف، فبلغهُ حديث عمر يعني الذي في أنَّ النبيَّ ﵌ قال له: "حبِّس الأصل، وسبِّلِ الثمرة" فقال: مَنْ سمعَ هذا من ابن عون؟ فحدثه به ابن عليَّةَ فقال: هذا لا يسعُ أحدًا خلافُهُ، ولو بلغ أبو حنيفة لقال به، فرجعَ عن بيع الوقف حتى صار كأنه لا خلافَ فيه بين أحد. وأما ما روى الطحاويُّ (٣)، وابن عبد البَرِّ (٤) من طريق مالكٍ عن ابن شهاب قال: قال عمرُ لولا أني ذكرت صدَقَتي لرسول الله ﵌ لردَدْتُها. فلا يدلُّ على جواز الرجوعِ في الوقف، وعدمِ لزومِه، لأنَّ قول عمرَ ليس بحُجَّةٍ، ولا سيَّما إذا عارض المرفوعَ. وقد ثبتَ من قوله ﵌ الأمرُ بالتحبيس. ومفهومُ التحبيس لغةً مانعٌ من النقضِ، وأيضًا هو منقطعٌ، فإنَّ ابنَ شهاب لم يدركْ عمرَ. وأما ما روي عن الطحاويّ (٥) أيضًا من أنَّ قوله ﵌ لعمرَ:

стр. 3237

"حبِّس الأصلَ وسبِّلِ الثمرةَ" لا يستلزم التأييدَ، بل يحتملُ أن يكون أراد مدة اختيارِه لذلك، ففي غاية الضعف، فإنه لا يُفْهَمُ لغةً وعرفًا التحبيس إلاَّ التأبيدُ (١). ويدلُّ على ذلك ما ثبت عند الدارقطني (٢) من طريق عبيد الله بن عمرَ العمريّ، عن نافع مرفوعًا بلفظ: "حبّس ما دامتِ السمواتُ والأرضُ". وأما ما رواه البيهقيُّ (٣) من حديث ابن عباس أن النبيّ ﵌ قال: "لا حَبْسَ بعدَ سورةِ النساءِ" ففي إسناده ابنُ لهيعةُ. وعلى فَرَض صلاحيتهِ للاحتجاج فقد فسَّره أئمةُ اللغة بأنَّ المراد به أنَّها لا تُحْبَسُ فريضةٌ عن الذي فرضَها الله له. وعلى فَرَض أن الحَبْسَ المذكورَ في الحديث يشملُ حَبْسَ الوقفِ لأ، ه نكرةٌ في سياق النفي فَنَعَم، ولا يُقْصَرُ على السبب، فعمومُهُ مخصوصٌ بما ورد في مشروعية الوقف من الأحاديث الصحيحةِ، لأنّ الوقفَ حَبْسٌ خاصٌّ. وبهذا القَدْرِ يتبينُ لك أنه لا متمسَّكَ بيد مَنْ قال بعدم مشروعيتِ الوقفِ مطلقًا، أو بعدم لزومِه بعد إيقاعه. قال القرطبيُّ (٤): ردُّ الوقف مخالفٌ للإجماع فلا يُلْتَفَتُ إليه (٥)، وأحسنُ ما يُعْتَذَرُ به عمن ردّه ما قال أبو يوسُفَ (٦) من أنه لم يبلغِ الدليلُ أبا حنيفة، وهو أعلم بأبي حنيفةَ من

стр. 3238

غيره. وإذا تقررتْ مشروعيةُ الوقف، وأنه من القُرَب (١) فلا يتفاوتُ بتفاوت المصرِفِ، سواء كان مسجدًا أو فقيرًا أو غيرَهما، وسواءٌ كان الفقيرُ قريبًا، أو أجنبيًّا. ولنقتصر على هذا المقدارِ ففيه كفايةٌ. وأما لفظ الذرية فالظاهر [٣أ] أنّ الرجلَ إذا قال: وقفتُ هذا على ذريتي كان لمن يصدقُ عليه اسمُ الذريةِ لغةً، أو شرعًا، أو عرفًا. ولا فرقَ (٢) بين الذَّكَرِ والأنثى، والعالي والسافل، لأنّ الصيغةَ عامَّةٌ (٣)، فإن وُجِدَ أمرٌ يفضي بتخصيصِ هذا العمومِ من قرينةحالٍ أو مقالٍ فذاك، وإلاَّ فالعملُ بما يدلُّ عليه ذلك اللفظُ وهو المتعيَّنُ. والله أعلم.

стр. 3239

[بحثٌ في إنشاءات النساء] السؤالُ الثالثُ: فيما يفعلُه النساءُ من الإنشاءات، هل يصحُّ رجوعُهُنَّ إذا رجعْنَ عنها؟، فأجاب بعضُ حكّامِ كوكبانَ بأ، ه يصحُّ رجوعُهُنَّ في جميع ما فعلْنَهُ، وإن تماليكَهُنَّ ونحوَها لا تنفذُ إلاَّ بالموت، وأجاب السيدُ المذكور بأن حكمهنَّ حكمُ الرجالِ، إلاَّ أن يتبينَ وقوعُ التغريرِ والتلبيسِ عليهنَّ، ونحوُ ذلك. وأجبتُ بما لفظُهُ: الحمدُ لله. لا مزيدَ على ما حرَّرَهُ السيدُ العلامةُ في هذا البحث النفيسِ، ولا شك أنّ للنساء حُكْمَ سائرِ المكلَّفينَ من الذكور، لشمول الأحكامِ الشرعيةِ لهنَّ في الجملة، وخروجهن عن البعض خروجًا بمخصص، ولكنَّ الغالبَ في هذه الأزمان أن الواحدةَ منهنَّ لا تسمحُ بشطرٍ من مالها لقريبٍ أو غيره إلاَّ لحيلة منصوبةٍ من ذلك المسموح له، يتسببُ بها إلى اقتناص مالِ تلك المسكينةِ لما جُبِلَتْ عليه من الخَوَرِ، وضَعْفِ العقلِ، وسوءِ التصرُّفِ، وهذا مشاهدٌ معروفٌ لا يمتري فيه من له أدنى ممارسةٍ لأحوال الناسِ، فكثيرًا ما نشاهدُ النساءَ يَخْرُجْن من أملاكهنَّ بأدنى ترغيب أوترهيب، حتى صار هذا الأمرُ هو الأعمَّ الأغلبَ عليهنَّ، وإن وقع من واحدة منهنَّ ما تخالفُ ذلك فعلى سبيل الندورِ الذي لا ينبغي التعويلُ عليه. وما أ، فعَ ما رواهُ لنا بعضُ الأعلامِ من شيوخنا عن بعض الأعلام من شيوخِه أنها جاءتْ إليها امرأةٌ تقرُّ لديه أنها قد ملّكَتْ بعضَ قرابتها جميع ما تملكُ، فاستفصلَها عن ذلك ففصلتْ وأقرَّتْ مرَّاتٍ أنها قد ملَّكَتْ ذلك القريبَ كلَّ ما تملِكُهُ من الأموال والدُّورِ والمنقولاتِ، فقال لها ـ وقد رأى في يدها خاتمًا ـ: وهذا الخاتَمُ من جملة ذلكَ؟ فقالت: لا أما هذا فهو حقِّي. فانظر هذه المسكينةَ كيف جعلتْ كلَّ ما غاب عن عينها من أملاكِها في حكمِ الخارجِ عن مُلْكِها. والحاصلُ أنه لا ينبغي لمن يُصَدَّرُ لإيرادِ الأحكامِ وإصدارِها، أو دارت عليه رحَى

стр. 3240

الفتاوى أن يجرِّدَ نظرَهُ إلى أن الأصلَ أنَّ حُكْمِ الرجال في نفاذ التصرُّفِ، وعدمِ صحةِ الرجوعِ، بل ينبغي إمعانُ النظرِ وإعمالُ الفكرِ، وإكمالُ البحثِ عن صفة ذلك التصرُّفِ، والتفتيشُ عن الأمر [٣ب] الحاملِ عليه، وملاحظةُ تلك المرأةِ التي وقع منها التمليكُ في حسن عقلها، وجَوْدَةِ اختيارِها، ومعرفتِها بمداركِ التصرفاتِ، فإنْ وجدَها لا تعرفُ لوازمَ التمليكِ بأي نوع من الأنواع، ولا تدري أن ذلك من موجباتِ انتقال المال عن ملكها بعد ذلك اللفظِ، رضيتْ أم كرهتْ، كما هو شأنُ أكثرِ النساءِ الساكناتِ في البوادي، بل وكثيرٌ من نساء الأمصارِ، فالواجب عليه القضاءُ ببطلانِ ذلك التصرُّف، وإرجاعِ المُلْكِ إلى مالكهِ، لأنَّ الله ـ سبحانه ـ قد أخبرنا بأنَّ الرِّضى معتبرٌ، وأخبرنا رسولُهُ ﵌ بأنه "لا يحلُّ مالُ امرئ مسلم إلاَّ بطيبةٍ من نفسه" (١). وهذه المسكينةُ لا تعرفُ ما يلزمُها بلفظ التمليكِ الذي أوقعتْه، فضلاً عن أن تكون راضيةً به، طيبةً به نفسُها، فلا شكَّ ولا ريبَ أن القضاءَ بنفوذِ التصرف الخالي عن العِوَضِ على مَنْ كانت بهذه الصفةِ استنادًا إلى ما هو الأصلُ من أنَّ حكمَ المرأة حكمُ الرجلِ من الظلمِ البيِّن الذي لا يمتري فيه ممترٍ. وهكذا إذا كانت المرأة المذكورةُ عارفةً بلازم ما أوقعتْه من لفظ الهبة والنذرِ ونحوِهما، ولكنها إنما جعلتْ ذلك لحيلة ناشئةٍ عن ترغيب أو ترهيب، فإن ذلك من البطلان بمكانٍ لا ينبغي لأحد أن يشكَّ فيه، لما تقرَّر شرعًا من بطلان الحيلِ (٢)، ومضادَّتِها للشريعة

стр. 3241

المطهرة إلاَّ ما خصَّ، والنساءُ أسرعُ الناس انخداعًا، وأقلُّهم نظرًا في العواقب، وأوّلُهم إجابة إلى ما لا يجيبُ إليه العقلاءُ، ولا يُنْفَقُ على مَنْ له أدنى تمييز من الرجال، وهكذا إذا كانت المرأةُ المذكورةُ عارفةً بمدلول ما وقعَ منها من التصرفات، فاهمةً لما يلزم عن ذلك، ولكنها أرادت بذلك استجلاب عِشْرَةِ العشير أو غيرَهُ من القرائنِ، أو إزالةَ ما تجدُهُ من وحشة أخلاقهِ، فإن هذا ارتضاءٌ من النوع الذي ينبغي القضاءُ ببطلانهِ، لأن الرضى المعتبرَ شرعًا، وطيبةَ النَّفسِ مفقودانِ، وللنساء من هذه الأمور عجائبُ وغرائبُ تمنعُ المتديِّنَ أن يجزِمَ عليهنَّ بأمرٍ بمجرَّد أصالةِ صِحَّةِ التصرفِ، وكثيرًا ما ترى المرأة إذا كلَّمها القريبُ بكلمة حسنةٍ، وأظْهَرَ لها أدنى محبةٍ كانت في تلك الحالة طيبةَ النفسِ بأن تصيرَ إليه جميعُ ما تملكُه وإن كان بآلاف مؤلفةٍ، وإذا أظهر لها أدنى خشونةٍ، وأبدى لها بعضَ الميلِ عنها كانت أشدَّ الناسِ عداوةً له وبغضًا، وربما تمنَّتْ حالَ فورةِ غضبها نزولَ العظائم به التي لو نزلَ عليه بعضُها في تلك الحالِ وهي ثائرةَ الغضب [٤أ] لعادتْ باكيةً عليه. وقد أرشدَ الصادقُ المصدوقُ ﵌ إلى هذا الأمرِ من خُلُقِ النساء، فأخبرنا أنَّ الواحدَ منَّا لو أحسن إلى إحداهنَّ الأيامَ المتطاولةَ، ثم لم يحسنْ إليها

стр. 3242

في وقت من الأوقات لقالتْ: ما رأيتُ منك خيرًا قط، كما ثبت في الحديث الصحيحِ (١): ما ذاك إلاَّ أنَّ النساء يَعْتَبِرْنَ الوقت الذي هنَّ فيه، ولا يفكِّرْنَ في العواقب، ولا يحفظن العهود السالفةَ. وقليلاً ما تجدُ المرأةَ تعملُ على خلاف ذلك، فإذا كان الأعمُّ الأغلبُ من حالِ النساء هو ما أسلفنا، ووقوعُ خلافِه منهنَّ في حيِّز النُّدْرةِ، فينبغي عند التردُّدِ الرجوعُ إلى ما هو الأعمُّ الأغلبُ، ولا يتحوَّلُ عنه إلاَّ بدليل، لأنَّ المصير إلى النادر، وهَجْرُ الكثيرِ الغالبِ خروجٌ عن قوانين الاستدلالِ. هذا ما يظهر لي، والله أعلمُ. (٢). حرره المجيبُ محمدَ بن علي الشوكاني في شهر جُمَادى الأُولى سنةَ ١٢٠٨ [٤ب].

стр. 3243

(١٣٠) ١٦/ ١ عقود الزبرجد في جِيْد مَسَائِل عَلامةِ ضَمَدْ تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقته وعلَّقت عليه وخرَّجت أحاديثه محفوظة بنت علي شرف الدين أم الحسن

стр. 3244

١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "عقود الزبرجد في جيد مسائل علامة ضَمَد". ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وبعد: فإنّها وصلت إلينا سؤالات من الأخ العلامة المحقق أحمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن أحمد الضّمدي ... ". ٤ - آخر الرسالة: "فرغ من تحرير هذه الأجوبة حسب نقل المجيب والمؤلف القاضي البدر عز الدين والإسلام وعين أعيان العلماء الأعلام محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما وكان الجواب والتحرير في شهر رمضان الكريم سنة ١٢٠٧. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١٨ صفحة. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرًا ما عدا الصفحة الأولى فعدد أسطرها ٨ أسطر. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3245

عقودُ الزَّبَرْجَد في جيد مسائلِ علاّمة ضَمَد (١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله وحدهُ وصلاتُه وسلامُه على سيدنا محمدٍ وآله وبعد: فإنها وصلت إلينا سؤالاتٌ من الأخ العلاّمة المحقق أحمد بن عبدا لله بن عبد العزيز بن أحمد الضَّمدي (٢)، وسنذكرُ ههنا كلَّ سؤالٍ ونذكرُ جوابَه بعده. قال حفظه الله ما لفظه: بسم الله الرحمن الرحيم الحمدُ لله ربّ العالمين والصلاةُ والسلامُ على النبي الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وبعد:

стр. 3246

فهذه أسئلةٌ موجَّهة إلى مولانا وأخينا القاضي العلامة النِّحْرير الفهّامة بدر الإسلام، والقائد من كل فنٍّ بزمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني حفظه الله وأمته بحياته المسلمين آمين [١]: ماذا يقول سيِّدي ... زينةُ أهل اليمنِ في فِعْلِ أصحابٍ لنا ... يَرْوُون بعضَ السُّننِ وعند ذكر المصطفى ... المُجتبى المؤتَمن صلّى عليه ربُّنا ... والآلِ كلَّ الزمنِ لا يُكْمِلون حقَّه ... في الخطِّ يا ذا الفِطَنِ من بعد تحْريرٍ له ... فالرَّمزُ شأنُ المغتبنِ هل قد روى هذا لنا ... أيُّ إمامٍ بَيِّنِ غير الذي تعليله ... نقص البياض البيّن فبيِّنوا الإذْنَ لنا ... في رمزه بالسُّنن وتركُ رمزنا له ... مع لفظه بالألسُن قد قاله ابنُ حنبلٍ ... حافظُ قولِ المَدَني (١) انتهى السؤال. وبهذا الجواب بلفظه حفظه الله وكَلأَه بعين عنايتِه أجاب المجيب: أقولُ: بعَد حَمْدِ مَن ... طوَّقَنا بالمِنَنِ مُصَلِّيًا مسلّمًا ... على النبيِّ المَدَني وآلِه وصحبِه ... حلاّلِ عُقْدِ المِحَنِ لم يأتِ في الرَّمْز لنا ... على مرور الزمنِ كيفيّةٌ نسلُكُها ... في واضحات السُّننِ لأنه تواضُعٌ ... ما بين أهلِ الفِطَنِ

стр. 3247

ما فيه تكليفٌ لنا ... ولا لزومُ سَننٍ فأيُّ نقْشٍ ناقشٍ ... يعرِفُه مَن يعتني يقومُ بالمقصود مِن ... بيانِ ما لمْ يَبِنِ فذلك الرسمُ الذي ... عليه ذا الأمرُ بُني (١) وكتب آخِرَ هذا الجواب اعتذارًا لما كان تحريرُه في شهر رمضانَ لفظُه: مباحثُ من يحرِّرُها نهارًا ... بشهر الصومِ طائشةُ السّهام فهذا يا ابنَ عبدِ الله حينٌ ... تَضِيقُ لديه دائرةُ الكلام فَمُدّ على المعايب منك سِتْرا ... فسَتْرُ العَيبِ أخلاقُ الكِرام (٢) قد وقع من جماعة من المتأخرين الكلامُ على جواز اختصارِ الصلاةِ (٣) على النبي صلى

стр. 3248

الله عليه وآله وسلم في نقش الكتابةِ إلى صورة لو وقع التلفُّظُ بحروفها المَزْبورةِ لم تكن صلاةً مُنتظِمَةً فمنهم من جوَّز ذلك ومنهم من مَنَعَه، ولم يذكُرْ أحدٌ لقوله مُستَنَدًا فلا نشتغِلُ بنقل كلامِهم فإنه مما لا ينتفِعُ به طالب الحقِّ. ولنتكلّم هاهنا على ذلك بما يلوحُ. فنقول: أجمع المسلمون أن الصلاةَ على رسول الله التي تعبَّدَنا اللهُ بها في كتابه (١) وعلى لسان رسولِه هي اللفظَّيةُ، ومِن جُملة أفرادِها الصلاةُ عليه عند ذكْرِه يحتاج إلى دليل لأن التكاليفَ الشرعيةَ لا تثبتُ إلا بدليل، سواءٌ كانت واجبةً أو مندوبةً، والبراءةُ الأصليةُ مُستصحِبَةٌ في انتفاء كلِّ فرْدٍ من أفراد الأحكامِ التكلْيفية والوضْعية فلا يُنْتَقَلُ عنها إلا بعد انتهاضِ الناقِلِ بحيث يكون معلومًا أو مظنونًا لا بمجرد الشكِّ والتخْمين وسلوكِ طريقِ التحرِّي والأولوية [٢]، وليس في كتاب الله ﷻ ما يدل على التكليف بذلك ولا في سنة رسول الله ﵌ قولاً ولا فِعْلاً ولا تقريرًا (٢). أما عدمُ القولِ فلِعَدم وُجْدانِه بعد البحْثِ (٣)، وأما عدمُ الفعلِ فظاهرٌ لأنه صلى الله

стр. 3249

عليه وآله وسلم كان أميًّا (١) لا يكتب (٢)، وإن اتفق منه ذلك نادرًا فهو من باب إظهارِ المُعجزةِ كما ثبت في صحيح البخاريِّ (٣) أن عليًّا لما امتنع من مَحْو اسمِه ﵌ أخَذَه ومَحاه، وكتب اسمَه ولم يُنْقَل أنه كتب الصلاةَ عليه بعد كَتْبِ اسمِه، فربما كان في هذا الفعلِ مُتَمسَّكٌ لعدم التعبُّدِ بالكَتْبِ المذكورِ، وغن كان لا يصفو عن شُرْب كَدَر النِّزاعِ لأنه يمكن أن يقال: إن ذلك موطنٌ وقع فيه المنْعُ من كتب صورة لفظِ رسول فكيف يمحى، ويثبت ما هو أشدُّ على قلوب الكفار وهو الصلاةُ من الله، فيمكن أن يكون الحاملُ على ترك كتْب الصلاةِ هو هذا، أو غاية هذا إنْ سُلِّم عدمُ انتهاضِ

стр. 3250

ترْكِه على الترْك لا الاحتجاجُ بفعله على المطلوب. وأما تقريرُه ﵌ فلم يُنْقل إلينا أن أحدًا من الصحابة كتب الصلاة عليه عند ذكْرِه واطلع على ذلك وقرَّره بل ربما كان الأمرُ بالعكس فإن اسمَه ﵌ كان يُكْتَب في المكاتبات والمهادَنات والإقطاعات ولم يُنقل أن أحدًا من الكُتَّاب كتب فيها بعد اسمِه الصلاةَ عليه وقد اطّلع ﵌ على ذلك الترْكِ وقرَّره ولم يُنْكِرْه فكان دليلاً على عدم التعبُّد بذلك، وهذا الاستدلالُ وإن كان غيرَ مُحتاجٍ إليه من جهة القائلِ بالعدم لأنه في مقام المنْعِ والاستدلالُ وظيفةُ المُدّعي للمشروعية لأنه أثبَتَ ما الأصل (١) والظاهرُ عدمُه، لكنه لا يخلو عن فائدة. إذا تقرر هذا تبيّن للسائل كثّر الله فوائدَه عدمُ التعبُّدِ بكَتْب الصلاةِ عليه (٢) صلى الله

стр. 3251

عليه وآله وسلم عند ذكْرِه لا وجوبًا ولا ندْبًا لأنه حكمٌ شرعيٌّ لا يثبتُ إلا بدليل، ولا دليل. ولو سُلّم أن الكَتْبَ أولى لأنه يكون من الإيقاظ للقارئ عند الغفْلةِ عن التلفظ بهذه السُّنةِ التي لا يَدَعُها إلا بخيل. كما أخرجه التِّرْمذِيُّ (١)، من حديث عليّ ﵇ عن النبي ﷺ وقال: حسنٌ صحيحٌ بلفظ: "البخيلُ من ذُكِرْتُ عنده فلم يُصلِّ عليّ ولا يَرْغَب عنها إلاَّ شقي" كما أخرجه الطبرانيُّ (٢) من حديث جابر عنه ﵌ بلفظ: "شقيَ مَنْ ذُكِرتُ عنده فلم يُصَلِّ عليّ ولا يُحْرَمُ فضلَها إلا مُبعدٌ". كما أخرجه الطبرانيُّ (٣) عن كعب بنِ عُجْرةَ مرفوعًا بإسناد رجالُه ثقاتٌ كما قال العراقيُّ بلفظ: "إن جبريلَ قال: بَعُدَ من ذُكِرْتَ عنده فلم يُصَلّ عليك". وأما ما أخرجه البزَّار (٤) من حديث جابر. وفيه "رَغِمَ أنفُ من ذُكِرْتُ عنده فلم يصلّ عليّ"، ففي إسناده إسماعيلُ بنُ أبانَ ..................

стр. 3252

العنَويُّ (١) كذَّبه يحيى بنُ مَعين وغيرُه. فعلى هذا التسليم الوفي بذلك يحصُل برسم النقْشِ الكتابيِّ الذي له إشعارٌ بالصلاة على أي صِفَةٍ كان لأن النقوشَ [٣] الكتابيّةَ بأسرها أمورٌ اصطلاحيةٌ فأيُّ صورةٍ منها جرَى عليها الاصطلاحُ وحصَل بها التفهيمُ جاز (٢) الاكتفاءُ بها إذا كانت تلك الصورُ متساويةَ الأقدامِ في حصول الفهمِ عند وقوعِ نظرِ الناظرِ عليها، وإن كان في بعضها مَظِنَّةُ لَبْسٍ على بعض الناظرين وبعضُها لا يَلْتبس على أحد كان تأثيرُها لا لَبْسَ فيه أولى.

стр. 3253

السؤال الثاني قال السائل كثّر الله فوائده: كذلك في ركعتي التحيّة في الأوقات التي تُكْره النوافلُ فيها، هل الأَولى فعلُها أو ترْكُها؟ قال ابنُ دقيقِ العيد: لم يَجْزِم في شرح العُمدةِ (١) بما هو الحقُّ في المسألة وإنما ذكَر المعارضَةَ بين الأدلة. فلكم الفضلُ بإيضاح الحقِّ في المشروع، فإن النفسَ لم تزَل تتردَّدُ في الفعل والترْك. الجواب أقول: هذه المسألةُ م المضائق التي يتحيَّرُ عندها الفُحولُ من علماء الأصول، ولا يسَعُ المُنْصِفَ عند إمعان النظر فيها غيرُ التوقُّفِ. وبيانُ ذلك أن أحاديث الأمر بفعل التحية (٢) تعُمُّ جميعَ الأزمانِ التي من جُملتها الأوقاتُ المكروهة، وأحاديثُ النّهي (٣) عن

стр. 3254

الصلاة في أوقات مخصوصةٍ تعُمّ جميعَ الصلواتِ التي من جملتها صلاةُ التحية، فبين هذه الأحاديث عمومٌ وخصوصٌ من وجه يجتمع في مادة ويختص كلُّ واحدٍ منهما بمادة. فالمادةُ التي تختصّ بها أحاديثُ التحيةِ هي الأوقاتُ التي لا كراهة فيها، والمادةُ التي تختص بها أحاديثُ النهي عن الصلاة هي الصلواتُ التي ليست بتحية ولا تعارُضَ في هاتين المادتين، إنما التعارضُ في مادة الاجتماعِ وهي فعلُ التحيةِ في الأوقات المنصوص على النهي عن الصلوات فيها، فأحاديثُ التحيةِ تدل على أنه يُشرَعُ فِعلُها فيها، وأحاديث النهي تدل على أنه لا يُشْرَع فعلُها فيها، وليس تخصيصُ أحدِ العمومين بالآخر أولى من تخيص الآخرِ به، فلم يبقَ إلا سُلوكُ طريقِ الترجيح (١) ولا سيبلَ إليه، لأن كلَّ

стр. 3255

واحدٍ من العمومين في الصحيحين وبطرق متعدّدةٍ، وكلُّ واحدٍ منهما مشتملٌ على النهي أو النفي الذي في معناه فانتفى من هذه الحيثية الترجيحُ بصحّة المتْنِ والسندِ وتعدُّدِ الطرقِ والاشتمالِ على دليل الحصر. فإن أمكن الترجيحُ بغير ذلك فذاك. وقد ذهب إلى التمسك بعموم أحاديثِ التحية الشافعيةُ (١)، وإلى التمسك بعموم أحاديثِ النهي الحنفيةُ (٢) والليثُ والأوزاعيُّ، وكلا المذْهبين مشتمِلٌ على محض التحكُّمِ لِما عرفت.

стр. 3256

وقد احتجَّت الشافعيةُ على جواز فعلِ ذواتِ الأسباب في أوقات الكراهة بحديث أنه ﵌ صلّى بعد العصر ركعتي الظهر (١)، وهو مع كونه أخصّ من الدعوى لا ينتهض للاحتجاج به على المطلوب، لِما ثبت عند أحمدَ (٢) وغيرِه (٣) أن النبيَّ ﵌ لمّا قالت له أمّ سَلَمَة: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ [٤] قال: لا ففي ذلك إشعارٌ بأن فعلَهما في ذلك الوقتِ مختصٌّ به (٤) ولو سُلِّم عدمُ الاختصاص لَما كان في ذلك إلا جوازُ قضاء سنة الظهر لا جوازُ جميع ذوات الأسباب، فيقتصِرُ على ذلك. فإن قيل: لم لا يُلْحق بقيةُ ذواتِ الأسبابِ بهاتين الركعتين ويُخصَّصُ عمومُ النهي بهذا القياس؟. قلنا: بعد تسليمِ صحّةِ هذا القياس (٥) يصلحُ للتخصيص عند من جوّز التخصيص به، ولكن الشأن فيما قدمنا من الدليل القاضي بالاختصاص به ﵌، وحديثُ أمِّ سَلَمَة، وإن ضعّفه .................................

стр. 3257

البيهقيُّ (١) فهو يؤيده ما أخرجه أبو داودَ (٢) عن عائشةَ أنها قالت: كان يصلّي بعد العصرِ وينهى عنها. نعم يُخَصَّصُ عمومُ النَّهي بحديث يزيدَ بن الأسود عند الخمسة (٣) إلا ابن ماجه، قال: شهِدتُ مع النبيِّ ﵌ حَجَّتَه فصلّيتُ معه صلاةَ الصُّبْحِ في مسجد الخَيْف، فلما قضى صلاتَه انحرف فإذا هو برجلين في أُخرى القوم لم يُصلِّيا فقال: عَليَّ بهما، فجيء بهما ترعُدُ فرائصُهما فقال: ما منعَكُما أن تُصلِّيا، فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلَّينا في رحالنا قال: فلا تفعلا، إذا صلّيتُما في رحالكهما ثم أتيتُما مسجد جماعةٍ فصلِّيا فإنها لكما نافلة". ففي هذا دليل على جواز فعل هذه النافلة المخصوصةِ مع الجماعة بعد صلاة الصبح، ويلحق بهذا الوقت بعد العصر، لأنهما سيان في ذلك. ولا يصحُّ إلحاقُ صلاة من دخل المسجد في ذلك الوقت وقد صلَّى، ولم يكن ثمَّ جماعةٌ بصلاته مع الجماعة، لظهور الفارق المانع مع الإلحاق، وهو أنَّ ترك الدخول مع الجماعة، والقعود عند قيام الصلاة، أمر منكر يتشنعه المطلع عليه، ولهذا قال ﷺ للرجلين: أمسلمان أنتما؟ ". ومن المخصصات لعموم النهي، حديث ابن عباس عند الدارقطني (٤)، ..........................................

стр. 3258

والطبراني (١)، وأبي نعيم في "تاريخ أصبهان" (٢) والخطيب في تلخيصه (٣)، قال: قال النبي ﵌: "يا بني عبد المطلب، أو يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا يطوف بالبيت، ويصلي، فإنه لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، إلاَّ عند هذا البيت، يطوفون ويصلون". وهذا الحديث، وإن كان الحافظ في التلخيص (٤) قال: إنَّه معلول فقد شهد له ما عند أهل السنن (٥) وابن خزيمة (٦) وابن حبان (٧)، والدرقطني (٨)، من حديث جبير بن مطعم، وقد وهم المجد ابن تيمية في المنتقى (٩) فنسبه إلى مسلم، لأنَّه قال: رواه الجماعة كلهم إلاَّ البخاري.

стр. 3259

ويشهد له أيضًا، ما عند الدارقطني (١) من حديث جابر، وما عند ابن عدي (٢) من حديث أبي هريرة. واعلم أن الإشكال الذي ذكرناه سابقًا، لا يخفى بتحية المسجد، بل هو كائنٌ في كل مكان دليلُه أعمُّ من أحاديث النهي من وجهٍ وأخصُّ من وجه كأحدايث [٥] قضاءِ الفوائت (٣) والصلاةِ على الجنائز (٤) ............................

стр. 3260

وصلاةِ الكسوفِ (١) والركعتين عقيب التطهُّر وصلاة الاستخارة. وما ورد هذا المورِدَ فالوقْفُ فيه متعيِّنٌ حتى يقعَ الترْجيحُ بأمرٍ خارجٍ وينبغي بالنسبة إلى مسألة السؤالِ تجنُّبُ دخولِ المساجدِ في أوقات الكراهةِ لأن الأدلةَ الصحيحةَ قد دلَّتْ على وجوب فعل التحية وتحريمِ ترْكِها وقد بسطْنا الكلامَ على ذلك في رسالة مستقلَّة (٢)، وأحاديثُ النهي دلّت على تحريم مطْلق الصلاةِ (٣) في تلك الأوقات فالداخل فيها يقع في أحد المحذورَيْنِ لا مَحالة.
следующие страницы →