← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

وقد احتجَّت الشافعيةُ على جواز فعلِ ذواتِ الأسباب في أوقات الكراهة بحديث أنه ﵌ صلّى بعد العصر ركعتي الظهر (١)، وهو مع كونه أخصّ من الدعوى لا ينتهض للاحتجاج به على المطلوب، لِما ثبت عند أحمدَ (٢) وغيرِه (٣) أن النبيَّ ﵌ لمّا قالت له أمّ سَلَمَة: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ [٤] قال: لا ففي ذلك إشعارٌ بأن فعلَهما في ذلك الوقتِ مختصٌّ به (٤) ولو سُلِّم عدمُ الاختصاص لَما كان في ذلك إلا جوازُ قضاء سنة الظهر لا جوازُ جميع ذوات الأسباب، فيقتصِرُ على ذلك. فإن قيل: لم لا يُلْحق بقيةُ ذواتِ الأسبابِ بهاتين الركعتين ويُخصَّصُ عمومُ النهي بهذا القياس؟. قلنا: بعد تسليمِ صحّةِ هذا القياس (٥) يصلحُ للتخصيص عند من جوّز التخصيص به، ولكن الشأن فيما قدمنا من الدليل القاضي بالاختصاص به ﵌، وحديثُ أمِّ سَلَمَة، وإن ضعّفه .................................

стр. 3257

البيهقيُّ (١) فهو يؤيده ما أخرجه أبو داودَ (٢) عن عائشةَ أنها قالت: كان يصلّي بعد العصرِ وينهى عنها. نعم يُخَصَّصُ عمومُ النَّهي بحديث يزيدَ بن الأسود عند الخمسة (٣) إلا ابن ماجه، قال: شهِدتُ مع النبيِّ ﵌ حَجَّتَه فصلّيتُ معه صلاةَ الصُّبْحِ في مسجد الخَيْف، فلما قضى صلاتَه انحرف فإذا هو برجلين في أُخرى القوم لم يُصلِّيا فقال: عَليَّ بهما، فجيء بهما ترعُدُ فرائصُهما فقال: ما منعَكُما أن تُصلِّيا، فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلَّينا في رحالنا قال: فلا تفعلا، إذا صلّيتُما في رحالكهما ثم أتيتُما مسجد جماعةٍ فصلِّيا فإنها لكما نافلة". ففي هذا دليل على جواز فعل هذه النافلة المخصوصةِ مع الجماعة بعد صلاة الصبح، ويلحق بهذا الوقت بعد العصر، لأنهما سيان في ذلك. ولا يصحُّ إلحاقُ صلاة من دخل المسجد في ذلك الوقت وقد صلَّى، ولم يكن ثمَّ جماعةٌ بصلاته مع الجماعة، لظهور الفارق المانع مع الإلحاق، وهو أنَّ ترك الدخول مع الجماعة، والقعود عند قيام الصلاة، أمر منكر يتشنعه المطلع عليه، ولهذا قال ﷺ للرجلين: أمسلمان أنتما؟ ". ومن المخصصات لعموم النهي، حديث ابن عباس عند الدارقطني (٤)، ..........................................

стр. 3258

والطبراني (١)، وأبي نعيم في "تاريخ أصبهان" (٢) والخطيب في تلخيصه (٣)، قال: قال النبي ﵌: "يا بني عبد المطلب، أو يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا يطوف بالبيت، ويصلي، فإنه لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، إلاَّ عند هذا البيت، يطوفون ويصلون". وهذا الحديث، وإن كان الحافظ في التلخيص (٤) قال: إنَّه معلول فقد شهد له ما عند أهل السنن (٥) وابن خزيمة (٦) وابن حبان (٧)، والدرقطني (٨)، من حديث جبير بن مطعم، وقد وهم المجد ابن تيمية في المنتقى (٩) فنسبه إلى مسلم، لأنَّه قال: رواه الجماعة كلهم إلاَّ البخاري.

стр. 3259

ويشهد له أيضًا، ما عند الدارقطني (١) من حديث جابر، وما عند ابن عدي (٢) من حديث أبي هريرة. واعلم أن الإشكال الذي ذكرناه سابقًا، لا يخفى بتحية المسجد، بل هو كائنٌ في كل مكان دليلُه أعمُّ من أحاديث النهي من وجهٍ وأخصُّ من وجه كأحدايث [٥] قضاءِ الفوائت (٣) والصلاةِ على الجنائز (٤) ............................

стр. 3260

وصلاةِ الكسوفِ (١) والركعتين عقيب التطهُّر وصلاة الاستخارة. وما ورد هذا المورِدَ فالوقْفُ فيه متعيِّنٌ حتى يقعَ الترْجيحُ بأمرٍ خارجٍ وينبغي بالنسبة إلى مسألة السؤالِ تجنُّبُ دخولِ المساجدِ في أوقات الكراهةِ لأن الأدلةَ الصحيحةَ قد دلَّتْ على وجوب فعل التحية وتحريمِ ترْكِها وقد بسطْنا الكلامَ على ذلك في رسالة مستقلَّة (٢)، وأحاديثُ النهي دلّت على تحريم مطْلق الصلاةِ (٣) في تلك الأوقات فالداخل فيها يقع في أحد المحذورَيْنِ لا مَحالة.

стр. 3261

السؤال الثالث قال: كذلك مسألة بيع الرجاء (١)، قد اختلفت فيها الأنطارُ فمِن قائلٍ بالصِّحَّة، ومِن قائل بِخلافه. وهل المجيزُ والمُصحِّحُ لبيع الشيءِ بأكثرَ من سِعْر يومِه لأجل النَّسا يُصحِّحُه أم لا؟ فإن الإمامَ عزي الدين بنى على بطلانه مطلقًا، وعلَّله بوجْهين. فأوضِحوا ما ينبغي الاعتماد عليه. وهل يُفرَّق بين أن يكون بالقيمة أو بدونها وبين أن يكونَ متوصِّلاً إلى العلة أم لا فإن هذه المسألة قد عمَّتْ بها البلوى فإنه لا يكاد يبيعُ أحدٌ من أرضه إلا بالتزامٍ مطلقٍ أو مؤقّتٍ انتهى. الجواب قال حفظه الله: أقول: بيعُ الرجاءِ (٢) يقع على صُورٍ منها ما يُقْطَع ببُطلانه وهو ما كان المقصودُ منه التوصُّلَ إلى الزيادة على المِقْدار الذي وقع فيه الفرضُ وذلك نحوُ أن يُريدَ الرجلُ أن يستقرِضَ مائة درهم إلى أجل ولك نالمُقْرِض لا يرضى إلا بزيادة فيُريدان الخُلوص من إثم الزيادة في القَرْض، فيبيع منه أرضًا بتلك المائة الدِّرْهم ويجعلُ له الغَلَّة ينتفع بها عِوَضًا عن المائة الت يأقرضها، وليس المرادُ البيعَ والشراءَ الذي أذِنَ اللهُ فيه، بل إنكارُها لأنها أفضَتْ إلى ما لا يحِلّ شرعًا وهو الرِّبْحُ في القرض واستجلابُ النفْعِ به، وقد منع رسولُ الله ﵌ مِن قَبول الهديّة ونحوها من المُستقرِض فكيف بمثل هذا الذي وقع به التواطؤُ من أول وهْلة!

стр. 3262

أخرجه ابن ماجه (١) عن أنسٍ أنه سُئل عن الرجل يُقرض أخاه المالَ فيُهدي إليه فقال: قال رسول الله ﵌: "إذا أقرض أحدكم قرضًا فأَهْدى إليه أو حمَلَه على الدَّابة فلا يركَبها، ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك". وأخرج البخاريُّ في تاريخه (٢) [٦] من حديث أنسٍ أيضًا عن النبي ﵌ قال: "إذا أقْرَض فلا يأخُذ هدية" رواه البخاري في تاريخه. وعن أبي بَرْدَةَ بن أبي موسى قال: قدِمتُ المدينة فلقيتُ عبدَ الله بن سلام فقال لي إنك بأرض فيها الرِّبا فاشٍ فإذا كان لك على رجل حقٌّ فأهدَى إليك حِمْلَ تِبْنٍ أو حِمْلَ شعيرٍ أو حِمْلَ قتٍّ فلا تأخُذْه فإنه ربا. رواه البخاري في صحيحه (٣) ولا يعارِضُ هذا ما ورد في جواز ما وقع من المُسْتقرِض من الزيادة بعد القضاء بطيبةٍ من نفسه بلا مُواطأةٍ ولا يطمع في التنفيس في الأجل أو التالفِ أو نحوِ ذلك كما أخرجه

стр. 3263

الشيخان (١) من حديث أبي هريرة قال: كان لرجل على النبي ﵌ سِنٌّ من الإبل فجاءه يتقاضاه، فقال النبيُّ: "أعطوه" فطلبوا سِنَّه فلم يجدوا إلا سنًّا فوقَها فقال: "أعطوه" فقال: "أوفَيْتَني أوفاك الله فقال النبي ﵌: "إن خيرَكم أحسنُكم قضاءً" وما أخرجه أيضًا الشيخان (٢) من حديث جابر قال: أتيت النبي ﵌ وكان لي عليه دَيْنٌ، فقضاني وزادني. وأما ما أخرجه الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ في مسنده (٣) من حديث عليّ ﵇ قال: نهى رسولُ الله ﵌ عن قَرضٍ جرَّ منفعةً. ففي إسناده سوّارُ بنُ مصعب، وهو متروكٌ (٤) ورواه البيهقيُّ (٥) عن فُضالة بن عبيد موقوفًا بلفظ "كل قرضٍ جرَّمنفعةً فهو وجهٌ من وجوه الربا" ورواه أيضًا في سننه الكبرى (٦) من قول ابن مسعود وأُبيّ بن كعب وعبدِ الله بن سلام بن عباس ولم يصِحَّ في ذلك عن النبي شيء كما قال عمرُ بنُ زيدٍ في المُغني (٧). ووهِم إمامُ الحرمين (٨) فقال إنه صحَّ وتبعَه الغزاليُّ (٩) ولا جَرَمَ فليس لهما بعلم الرواية خبرة، فإذا كان المقصودُ بالبيع هو ما قدّمنا فلا صِحَّة له

стр. 3264

لأنه لم يقع التراضي بين المُتابعَيْن الذي شرطه الله لعدم الانسلاخ، وإنما أراد حيلةَ يُحِلان بها ما حرّم الله فيُضرَب بها في وجوههما ويُحْكم ببُطلان البيعِ، وتُرَدّ الغَلاّتُ المَقْبوضةُ ويُرد الثمن بصفته بلا زيادة ولا نُقصان. ومنا لصور التي يقع عليها بيعُ الرّجا أني بيع الرجلُ من الرجل قاصدًا للبيع منسلخًا عن المبيع غيرَ متحيِّلٍ محرّم إلا أنه جعل لنفسه الخيارَ وإن تمكن من ردّ الثمن إلى وقت كذا فهذا بيعٌ مصحوبٌ بخيار شرطٍ (١) ولا بأس فيه، ولا تحري في هذا ما قال الإمامُ عزُّ الدين أن يَقَع الرجا مؤقّتًا في الحقيقة لأن البائع إذا ردّ مثل الثمنِ استرجعه رضي المشتري أم كرِه، لأنا نقول هذا شأنُ خيار الشرط الذي ينفرد به البائعُ وهذا منه كما صرح بذلك المحققون وهو لا يلتزم بُطلان كلّ بيع شرَطَ فيه الخيارَ البائعُ وقد [٧] دلت الأدلّةُ على صِحّة الذي يتفرّق البائعان وبينهم صفقةُ خِيار. وأما قولُكم: هل المجيزُ لبيع الشيءِ إلخ. فنقول: قد رُوي عن المؤيَّد بالله (٢) القولُ بجواز بيعِ الرَّجا على الصورة المتقدِّمة تخْريجًا له من تجويز بيعِ الشيءِ بأكثر من سعر يومِه لأجل النَّسا هو الجوازُ كما حقَّقْنا ذلك في رسالة مستقلَّة (٣). وأما قولُكم: هل يُفرَّق بين كونِه بالقيمة أو بدونها فنقول: لا فَرْقَ باعتبار الصورة الأولى لأن الكلّ باطلٌ لتلك العِلَّة، وكونُه بالقيمة لا يرفع البُطلان. وأما باعتبار الصورة الثانية ففائدتُه أنها إذا انقضت المُدَّةُ ونَجزَ البيعُ وادّعى البائعُ أنه إنما باع بذلك الثمنِ الدُّونِ لرجاء عَودِ المبيعِ إليه ووجدْنا قيمةَ المبيعِ أزيدَ من الثمن فهل يستحِقُّ التَوْفِيةَ أم لا؟.

стр. 3265

الظاهرُ أنه يستحِقُّها لأن الرضا الذي شَرَطَه الله في حل التبايُع لا يحصل إلا بذلك إن ظهر لنا صدْقُ دَعْواه لأن ذلك يكشف عن عدم الرضا المُعتَبر، وأما مجرَّدُ التعلُّلِ والتَّمحّلِ وإظهار الدعاوي الباطلة تأسُّفًا على مُفارقة المَبيع ونَدمًا على خروجه من المُلْك فلا يُلْتَفتُ إلى شيء من ذلك.

стр. 3266

السؤال الرابع قال: كذلك إذا اشتهر عند النساء أن فلانة رضيعة لفلان ولم يحصل معه الظن الراجح بل حصل التردد فهل يحرم عليه نكاحها ويكون الحكم كما في خبر الأمة السوداء الثابت في الصحيح (١)، إلا أن المرأة قد زعمت أن قد أرضعتهما، وأما هؤلاء النساء فإنما هو رجم بالغيب انتهى. الجواب قال حفظه الله أقول: ينبغي أني ينظر في تلك الشهرة الكائنة عند النساء بالرضاع: إلى أي أمر تستند؟ فإن أمكن الوقوف على مستندها عمل على حبسه، وإن لم يكن الوقوف على مستندها فلا ينبغي الاشتغال بهاولا التعويل عليها فإن كثيرًا من الاشتهارات لا مستند لها إلا مجرد الكذب والتخيلات الفاسدة، لا سيما الناقصات عقلا ودينا (٢)،

стр. 3267

فإنه يَنْفُقُ على عقولهن من الأكاذيب ما لا ينْفقُ على غيرهن. نعم إذا وقع الإخبارُ مِن عدْلة بأ، ها أرضعَتْ فلانًا وفلانةً أو نحوُ ذلك وجب العمل بهذا الخبر لحديث عُقْبَة بن الحارث عند البخاري (١) أنه تزوَّج أمّ يحيى بنت أبي إهاب فجاءت امرأةٌ فقالت: قد أرضعتُكما، فسأل النبي ﵌ فقال: كيف وقد قيل! ففارقَها عُقبةُ ونكحَتْ زوجًا غيرَه وفي هذا خلافٌ (٢) بين الصحابة فمَن بَعدَهم، ولكن الحقَّ أن هذا احلديث الصحيح يخصِّصُ عمومَ الأدلة القاضية باعتبار الشاهِدَين كما خصَّصها عند أكثر المخالفين قَبولُ شهادة المرأة (٣) في عورات النساء. وحملُ هذا الحديث على الاستحباب والتحرُّزِ عن مظانّ الاشتباه يرُدّه ـ مع كونه في بعض الروايات، وهو يُجيبُه فيجميع ذلك بقوله: كيف وقد قيل: وفي بعضها دعْهَا. وفي رواية للدارقطني (٤): لا خيرَ لك فيها ولو كان من باب الاحتياط لأمره بالطلاق. وربما يعتذر من قُصر باعُه عن إدراك الحقائق عن عُهدة هذا الحديث بالقاعدة المعروفة في الفقه وهي عدم قبول الشهادة المقررة لقول الشاهد أو فِعْلِهِ، وهي عند من له إلمامٌ بالبحث والكشفِ مَبْنيةٌ على غير أساس، ترُدُّها أدلةُ هذا الحديث.

стр. 3268

أحدُها: تقييد القَبول لخبر المرأة بإفادته الظنَّ للزوج فيرُدُّه تركُه [٨] ﵌ لاستفصال عقبة بن الحارث في هذه الواقعة فإنه لم يقل له هل أفادك هذا الخبر ظنًّا؟ ولو كان ذلك معتبرًا لبيَّنة له لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز عليه، حتى قيل أنه مُجْمعٌ عليه (١)، على أن حصول الظنّ لازمٌ لإخبار الآحاد (٢)، وانفكاك الملازمة لا يكون إلا لعلة في أصل الخبر أو المُخْبر. وأما اعتذار الجلال في "ضوء النهار" (٣) عن هذا الحديثِ بأنه مخالفٌ للأصول فيجب الجمعُ بينه وبينها بحمله على الندْب. فنقول له: ما تريد بالأصول؟ هل الأدلةُ الدالةُ على اشتراط شاهدَين أو رجلٍ وامرأتين أو رجلٍ ويمينِ المدّعي فلا معارضة بينها وبين هذا الحديث لأنه خاصٌّ وهي عامةٌ. أو تريد بالأصول غيرَ ذلك فما هو؟ وكثيرًا ما يشتهر بين النساء ما لا يُجوِّزه عقْلٌ ولا نقلٌ، ولقد وقع في صنعاء مع

стр. 3269

نسائها في بعض السنين القريبة قضيةٌ غريبةٌ هي أنه شاع عندهُنّ شيوعًا لا يكاد يخفى على أن القيامةَ ستقوم يوم الجُمعة من الأسبوع الفلاني، ثم إنهن ذلك اليومَ بادَرْن بالغداة في أول اليوم ولبس كثيرٌ منهن ثيابَ الزِّينة وانتظرن لقيام القيامة، وشاهدْنا من ذلك ما يُتعجَّب منه، وأخبرنا جماعةٌ من الرجال عن نسائهم بغرائبَ وقعتْ في ذلك اليوم، فكيف يثبُت بالشُّهرة عند طائفةٍ منهن حكمٌ شرعيٌّ ويُفَرَّقُ بين زوجَين وبرفع نكاحٍ صحيحٍ بمجرّد ذلك؟.

стр. 3270

السؤال الخامس كذلك مسألة التعزير (١) بالمال فيمن فعل مَعصيةً لا تُوجب الحدّ هل يُسوَّغ لحاكم الصلاحية أن يُعزِّر به أم لا؟ فإن قلتم لا. فإذا كان يتعذّر الحبسُ ونحوُه أو يكون تغريم المال [٩] أبلغَ في الزجْر فهل يكون له منْدوحةٌ في التعزير به لهذا المرجِّح كالإمام؟ فإن قلتم: نعم، فالمصرِفُ المصلحةُ ولا يمكن إذا سبّ رجلٌ آخر أن تطيبَ نفسُ المسبوب إلا بصرف ذلك المال إليه، وربما يكون غيرَ مصرِفٍ فإذا لم يُصْرَفْ ثارت منه الفتنةُ بيّنوا ذلك بالبراهين الصحيحة وجُزيتم خير الدارين بحق محمدٍ وآله. الجواب قولُه حفظه الله. أقول: ينبغي أولاً أن تُحقّق مسألة جواز التأديب بالمال لتتّضح التفاصيلُ. فاعلم أنه قد اختُلف في جواز التأديب بالمال على الإطلاق، فجوّزه الإمام يحيى والهادوية. قال في الغيث (٢): لا أعلم في جواز ذلك خلافًا بين أهل البيت، وإلى ذلك ذهب الشافعيّ (٣) في القديم من قولَيه ثم رجع عنه وقال إنه منسوخٌ وهكذا قال البيهقيّ (٤) وأكثرُ الشافعية. قال في التلخيص: وتقّبه النوويُّ (٥) فقال: الذي ادّعوه من كون العقوبة كانت

стр. 3271

بالأموال في أول الإسلام ليس بثابت ولا معروف ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ (١)، وقد نقل الطحاوي والغزالي الإجماع على نسخ العقوبة بالمال (٢). وحكى بعضُ المتأخرين عن النووي مثل ذلك، وكلامه الذي ذكرناه سابقًا يدل على خلافه، وزعم الشافعي أن الناسخ حديث ناقة البراء (٣) لأنه ﵌

стр. 3272

حكَم عليه بضمان ما أفسدت. ولم يُنْقَل أنه ﵌ في تلك القضية أضعف الغرامة. ولا يخفى أن تركَه ﵌ للمعاقبة بأخذ المال في هذه القضية لا يستلزم الترك مطلقًا ولا تصلح للنسخ بكل حلا، ومن جملة ما تعلّق به المانعون من العقوبة بالمال قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ (٢)، وكذلك قوله ﵌ في خُطبة الوداع: "فإندماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ كحُرمة يومكن هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلْقَونه". أخرجه البخاريُّ (٣) وأحمد (٤) وغيرُهما (٥)، وكذلك حديثُ "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبعة من نفسه" (٦). واحتج القائلون بجواز العقوبة بالمال بحُجج منها حديثُ بهزِ بن حكيم عن أبيه عن جدِّه عند أحمدَ (٧) والنسائي (٨) وأبي داود (٩) .....................................................

стр. 3273

والحاكم (١) والبيهقيِّ (٢) قال: سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: "في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنةُ لَبون لا يُفَرَّقُ إبلٌ عن حسابها، ومن أعطاها مُؤتجرًا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله". وفي رواية (٣) "وشطْر ماله عزمة من عزمات ربِّنا ﵎ لا يحل لآل محمد منها شيءٌ". قال يحيى بنُ معين: إسنادُه صحيحٌ إذا كان مَن دون [١٠] بهزٍ ثقةً. وأجاب المانعون عن هذا الحديث بأن في إسناده بهز بن حكيم وقد قال أبو حاتم (٤) هو شيخٌ يُكتَب حديثُه ولا يُحتجّ به. وقال الشافعيُّ (٥) ليس حجة. وهذا الحديث لا يُثْبتُه أهلُ العلمِ بالحديث، ولو ثبت لقُلنا به وسُئل (٦) عنه أحمد بن حنبل فقال: ما أدري ما وجهُهُ، فسُئِل عن إسناده فقال صالح الإسناد. وقال ابن حبان (٧) كان بهزٌ يُخْطِئ كثيرًا، ولولا هذا الحديثُ لأدخَلْتُه في الثقات. وقال ابن الطّلاّع (٨) في أوائل الأحكام هو مجهولٌ، وقال ابنُ حزمٍ (٩): غيرُ مشهور العدالة.

стр. 3274

قال الحافظ (١): وهو خطأٌ منهما، وقد وثّقه خلقٌ من الأئمة. ومما أجابوا به عن هذا الحديث ما رُوي عن إبراهيم الحربيِّ (٢) أنه قال في سياق هذا المتْنِ ما لفظُه: وهِمَ فيه الراوي وإنما هو وأنا آخذها من شطر مالِه، أي يُجْعل ماله شطرين ويَتَخَيَّر عليه المُصَدِّقُ ويأخذ الصدقة من خير الشطرين عقوبةً لمنعه الزكاة، فأما ما لا يلزمُه فلا. نقله عن ابن الجوزي في جامع المسانيد، ورُدَّ هذا الجوابُ بأن الأخذَ من خير الشطرين صادقٌ عليه اسمُ العقوبة بالمال لأنه زائدٌ على القدر الواجب، ومما أجابوا به ما قال بعضهم إن لفظهُ: وشُطِرَ ماله بضم الشين المعجمة وكسر الطاء المُهملة، فعلٌ مبنيٌّ للمجهول، ومعناه مثلُ ما قال الحرْبيُّ ويُردّ بما رُدَّ به. ومن الأدلة القاضيةِ بجوار العقوبة بالمال حديثُ أن النبي ﵌ همّ بإحراق بيوت المُتخلِّفين عن الجماعة وهو في الصحيحين (٣) وغيرِهما (٤) وأُجيب عنه بمنع كون هَمِّه ﵌ دليلاً لاتفاق أئمة الأصول وغيرهم أن السُّنة أقوالٌ وأفعالٌ وتقريراتٌ لا سُوى. ويردّ بأنه ﵌ لا يَهُمُّ إلا بالجائز، والجوازُ هو المطلوب. ومن الأدلة أيضًا حديثُ عمرَ عند أبي داود (٥) قال: قال النبي صلى الله عليه وآله

стр. 3275

وسلم إذا وجدتم الرجلَ قد غلَّ فأحرِقوا متاعَه. وأُجيب عنه بأن في إسناده صالح بن محمد بن زائدة المديني. وقد قال البخاريُّ (١) عامةُ أصحابنا يحتجّون به وهو باطلٌ. وقال الدارَقُطْنيُّ (٢): أنكروه على صالح ولا أصل له، والمحفوظ أن سالمًا أمرَ بذلك في رجل غَلّ في غَزاةٍ مع الوليد بن هشام، قال أبو داودَ (٣): هذا أصحّ. ومن الأدلة أيضًا حديثُ ابن عمرِو بن العاص عند أبي داود (٤) والحاكم (٥) والبيهقي (٦) أن النبي ﵌ وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغالّ وضربوه. وأُجيب عنه بأن في إسناده زهير بن محمد. قيل هو الخُراسانيُّ وقيل غيرُه وهو مجهولٌ (٧). ومن الأدلة أيضًا حديثُ سعد بن أبي وقاص عند مسلم (٨)، قال: سمعتُ رسولَ الله ﵌ يقول: "من وجدْتُموه يصيد فيه ـ يعني حرم المدينة ـ فخُذوا سَلَبه" وأجيب أنه من باب الفِدية كما يجب على من تصيَّد [١١] صيدَ مكةَ، وإنما عيَّن ﵌ هنا نوعَ الفدية بأنه سلب القاصد، فيقتصر على السبب لقصور العلة التي هتْكُ الحُرْمة عند التعْدية. ومنها حديثُ ابن عمرَ وأيضًا عند أبي .....................................

стр. 3276

داود (١) وسكت عنه، والمنذريُّ (٢) أن النبي ﵌ سُئِل عن التمر المعلّق فقال: "من أصاب بفيه من ذي حاجة غير مُتّخذ خبنةً فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجَرينُ فبلغ ثمن المِجَنَّ فعليه القطعُ ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبةُ". وأخرج نحو النَّسائي (٣) والحاكم (٤) وصحّحه. ومن ذلك حديثُ تغريم كاتمِ الضالّةِ (٥) إذا كتمها أن يردُّها ومثلَها. ومن ذلك قضيةُ المدَديِّ (٦) الذي أغلظ لأجله عوفُ بنُ مالكٍ على خالدِ بن الوليد لما أخذَ سَلَبَه، فقال النبي ﵌: "لا يرد عليه" أخرجه مسلم (٧). ويُجاب بأنه واردةٌ على سبب خاصٍّ فلا تجاوزَ بها إلى غيرها لأنها وسائر أحاديث الباب مما ورد على خلاف القياسِ لما تقدَّم من أدلة الكتاب والسنة القاضية بتحريم مال الغير على العموم فيكون ما صح من هذه الأدلة الخاصّة المتضمِّنة للعقوبة بالمال مُخصِّصًا لذلك العموم ويقتصر عليها. ولا يُلْحق بها غيرُها لقصور عِلَلِها عن التعدّي إلى الغير، فإن فُرِض صلاحيتُها أو بعضِها للتعدّي أُلحِقَ بها ما صح إلحاقُه على الحد المعتبرِ في الأصول

стр. 3277

من كمال الأركان والشروط والسلامة من النقوض، ويكون من باب التخصيص (١) بالقياس عند مجوِّزيه، لا أنه يُلْحق بها كلُّ فردٍ من أفراد العقوبة بالمال. وقد استدل أيضًا على جواز العقوبة بالمال بآثار (٢) عن الصحابة منها إحراقُ عليِّ ﵇ الطعام المُحتكر ولدور قومٍ يبيعون الخمرَ وهدْمِه لدار جرير بن عبد الله ومشاطَرَةِ عمرَ لسعد بن أبي وقاصٍ في ماله الذي جاء به من العمل الذي بعثه إليه وتحريقه لقصر لما احتجب عن الناس فيه، وتضْمينه لحاطب بن أبي بَلْتَعة مِثْلَي قيمة الناقة التي غصبها عبيدُ وانتحروها وتغليظه هو وابن عباسٍ الدّية على من قتل في الشهر الحرام في البلد الحرام. وأُجيب عن جميع ذلك بعد تسليم صِحَّة أسانيدها إليه بأنها أفعالُ صحابةٍ لا تنتهض لتخصيص أدلةِ الكتابِ والسُّنة، ولا تَصلُح للاحتجاج بها في مقام النِّزاع. إذا تقرر هذا علم السائلُ كثّر الله فوائدَه أن العقوبة بالمال لا يجوز استعمالُها في كل قضية بل في قضايا خاصةٍ كما سلف، ثم في تلك القضايا الخاصة لا وجْهَ لتخصيص ذلك بالإمام لأن الأصْلَ في الأحكام الواردة عنه ﵌ عدمُ اختصاصها بفردْ أو أفرادٍ ولكنه يُعلم بالضرورة اختصاصُها بأهل الولايات، لأن التأديبَ والتعزيزَ إليهم [١٢] ولو أجزْنا ذلك لكل فرد لزم أن يأكل الناس أموال بعضهم بعضًا بالباطل وهو باطلٌ، وحاكمُ الصلاحية إذا كان عالمًا من جُملة أهل الولايات الذين تجب طاعتهم. حتى قال بعض المفسِّرين (٣): إن العلماء هم المُرادون بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٤) فيجوز لهم التأيدبُ بالأموال على ذلك الحدِّ وصرْف المال فيمن يكون الصرفُ إليه مصلحةٌ، ولا شك أن الصرْفَ إلى أحد الخصمين ـ إذا

стр. 3278

كان لا يرضى إلا بصرْف المالِ إليه ويثور عن صَرْفه إلى غيره فتنةٌ، وتنشأ مفسدةٌ ـ مصلحةٌ، لأن المصالح لا تختصّ بنوع من الأنواع فلا أصْلَحَ من الصرْف إليه عند ذلك لأن الأمور التي تندفع بها المفاسدُ مصالحُ إذا لم يتسبَّبْ عنها مفاسدُ مُساويةٌ أو راجحةٌ.

стр. 3279

السؤال السادس: قال: كذلك ما يقول مولانا المجتهدُ بدرُ الإسلامِ أمتع الله به في كيفة ردائه ﵌ وأين كان يضعه؟ هل فوق العِمامة أو على عاتقه الأيمن أو على الأيسر، أو اضطباعٌ (١)؟ أم كيف كان يفعل فإن بعضَ الشافعيةِ من أهل زبيد (٢) قال: لا يصنع الاضْطباعَ في غير الطوافِ إلا الدُّعارُ، وهو شعارهم فأوضِحوا الكيفية جُزيتم الجنَّةَ بحق محمدٍ وآله. الجواب: يقول حفظه الله: أقول: ثبت في صفته لُبْسِه ﵌ لردائه ﵌ كيفياتٌ وكلُّها جائزةٌ، وكان كثيرًا ما يتقنّع. قال الترمذيُّ في الشمائل (٣): بابُ ما جاء في تقنّع رسول الله ﵌ حدّثنا يوسفُ بن عيسى حدثنا وكيع حدّثنا الربيعُ عن صُبح عن يزيدَ بن أبانَ

стр. 3280

عن أنس بن مالك قال: كان رسولُ الله ﵌ يُكثر القِناعَ كأنه ثوبَه ثوبُ زيّات. والقِناعُ والتقنُّع وهو التَغَشّي بالثواب كما في القاموس (١) وغيره (٢) من كتب اللغة. وثبت أنه ﵌ جاء إلى أبي بكر متقنِّعًا بالهاجرة. فإن قلتَ يُشكل على هذا ما قاله ابنُ القيم (٣) من أنه لم يُنقل عنه ﵌ أنه لبس الطَيْلَسان (٤) ولا أحدٌ من أصحابه، بل قد ثبت في صحيح مسلم (٥) من حديث النّواسِ بن سمعانَ (٦) عن النبي ﵌ أنه ذكر الدّجال فقال: يخرج معه سبعون ألفًا من يهود أصفهان عليهم الطيالسة. ورأى أنسٌ جماعةً من الطيالسة فقال: ما أشبَهَهُم بيهود خيبر. قال ابنُ القيِّم (٧): ومن هنا كرِه جماعةٌ [١٣] من السّلف والخلَفِ لُبْسَ الطيلسانِ لما رواه أبو داودَ (٨) الحاكم في المستدرك (٩) عن ابن عمرَ عن النبي ﵌

стр. 3281

أنه قال: "من تشبَّه بقوم فهو منهم" وفي الترمذيّ (١) عنه ﵌: "ليس منّا مَن تشبّه بقوم غيرِنا". قلتُ: هذا إنما يُشكِلُ إذا كان التقنُّعُ هو التَّطيْلُسُ، وليس كذلك بل هو غيرُه، وقد وقع من ظنَّ اتّحادهما في الإشكال، حتى قال ابنُ القيِّم (٢): أنه ﵌ لم يتقنَّع إلا في تلك الساعةِ التي جاء فيها إلى أبي بكر ليختفي بذلك ففعلَه ولم يكن عادته التقنُّع. ثم أجاب عن حديث أنسٍ المذكور بأنه ﵌ كان يتقنّع للحاجة من الحرِّ ثم اعترف بعد ذلك بأن التقنُّع ليس هو التَّطَيْلُسَ فلم يبقَ موجِبٌ لتأويل ما ثبت عنه ﵌ من إكثار التقنُّعِ. وأما الاضطباعُ فلم يفعلْه ﵌ إلا في الحج عند الطواف كما في حديث يعلى بن أُميّة عند ابن ماجه (٣) والترمذيّ (٤) وصحّحه وأبي داودَ (٥) وأحمد (٦) وحديث ابن عباس عند أحمد (٧) وأبي داود (٨) ولكن لا مانِعَ مِن فعلِه، ومَن زعم عدم

стр. 3282

جوازِه فعليه الدليلُ، لأن الأصلَ جوازُ لُبْس الثياب على جميع الهيئات إلا على هيئة منهيّ عنها، كاشتمال (١) الصَّماء (٢)، فإنه قد ثبت النهْيُ عنه من حديث أبي سعيدٍ عند الجماعةِ (٣) كلّهم إلا الترمذيّ، وكالتّطيْلُس للدليل المتقدِّم بعد تسليم انتهاضه للاستدلال به على المطلوب. ويمكن أن يُستَدَلُّ لمن منع من الاضطباع في غير الطواف بما تقدم من قوله ﵌: "من تشبَّه بقوم فهو منهم" (٤). وتمامُ هذا الاستدلالِ يتوقّف على اختصاص الاضطباع بأهل الشّرارة من الدُّعار. والاضطباعُ (٥) جعلُ الأردية تحت الآباط ثم قذْفُها على العاتق الأيسر.

стр. 3283

السؤال السابع: قال: كذلك مسألةٌ حدثتْ في بلادنا وهو أن رجلاً ادّعى على آخرَ نحوَ خمسين قرشًا وأوردَ شاهدًا واحدًا، ثم بعد إيرادِه للشاهد قال للمدّعى عليه: صالحني فهل يكون طلبُه للمصالحة إقرارًا أم لا؟ مع أن الشاهدَ عْدلٌ وإنما طلب المصالحةَ ليستريحَ من الخصام، ثم ترجَّح له من بعدُ أن يُكمل شاهدَه، فهل له ذلك أم لا؟ ولا يخفاكم ما في المقصد الحسنِ. بيِّنوا لنا ذلك جُزيتم خيرًا بحق محمدٍ وآلِه الطاهرين. الجواب: يقول حفظه الله تعالى: أقول: طلبُ المدّعي للمصالحة على فرض عدمِ قيامِ شاهدٍ ولا غيرِه من الأمور التي يثبُت بها الحقُّ على طريق الاستقلال أو مع الانضمام إلى الغير ـ لا يكون إقرارًا ببُطلان دعواه [١٤] ولا إبطالاً لِما يستحقّه زائدًا على ما وقعت به المصالحةُ، لما تقرَّر من أن المصالحات ليست بأحكام يجب على كل واحدٍ من المتصالِحَيْن التزامُها والتوقّفُ على مقتضى ما وقعتْ عليه. بل لكل واحدٍ منهما نقضها متى شاء، وهذا مما لا أعلمُ فيه خلافًا، فقولُ السائلِ كثّر الله فوائدَه: هل يكون طلبُه للمصالحة إقرارًا: إنْ أراد إقرارًا ببُطلان الدعوى فلا مِريَة أن مجرَّد الطلب للصُّلح لا يكون إقرارًا ببطلان الدّعوى. وإن أراد أن يكون إقرارًا بعدم استحقاقِ القدْرِ الزائدِ على ما وقعت به المصالحةُ فكذلك. نعم لو كان الطالبُ للمصالحة هو المدّعى عليه لكان لذلك الطلبِ شائبةُ إقرار بفَرْع الثبوت. والحاصلُ أنه يجوز للمدّعي بعد وقوعِ المصالحة ببعض المقدار الذي ادّعاه أن يُطالِبَ بالزائد عليه فإن كان له بُرهانٌ على ذلك فلا شكَّ في صحة ذلك ولزومِه، وإن لم يكن له برهانٌ فله طلبُ اليمين من المدعى عليه أنه لا يستحقُّ عليه ذلك المقدار، أو لا يستحقُّ عليه شيئًا من الأصل، أو لا يستحق عليه زائدًا على ما وقعتْ به المصالحةُ. ثم هذا الصلحُ مع كونه غيرِ ملازمٍ لما عرفْتَ هو أيضًا صلحٌ على إنكار، وقد جزَم أهلُ .........

стр. 3284

المذهب (١) بأنه غير صحيحٍ وإن كان الحقُّ أن صحيحٌ. أما أولاً: فلعدم المانع والأصل الجواز. وأما ثانيًا: فلأنّ أدلة الكتاب (٢) والسنة (٣) دلّت على مشروعية مُطلق الصُّلح ومن ادعى مشروعية فرد من الأفراد فعليه الدليل. وأما ثالثًا: فلما ثبت في الصحيحين (٤) وغيرهما أنّ النبي ﵌ لمّا سمع من مخاصمة أُبيِّ بن كعب وابن أبي حدْرد في المسجد قال: "يا كعب ضع الشطرَ"

стр. 3285

فقال: رضيتُ يا رسولَ الله، ثم قال لابن أبي حدْرد: "قم فاقْضه" هذا إن كانت المخاصمة الواقعةُ بينهما في المقدار (١)، وإن كانت في التعجيل والتأجيل فليس مما يدل على محل النِّزاع.

стр. 3286

السؤال الثامن: قال: كذلك إذا اشتهر بين الناس أن هذه الأرض لآل فلان وهم كانوا أهل قوةٍ، وصار كلُ أحدٍ من أهل تلك المحلَّة ينسبُها إليهم ثم ادّعاها رجلٌ من أهل تلك المحلّة بعد التنبيه له من بعض المُميِّزين أن هذه الأرض أرضُ أبيك، وإنما بسطها هؤلاء عُدوانًا وأنا أشهدُ لك وستلْقَى غيري من الكبار يشهدُ لك معي، ثم ادّعى ذلك الرجل أنها أرض أبيه فأجاب الباسطون: أنك مَقِرٌّ أنها لنا فكيف تدّعيها؟ فقال: صحيح قلت ما يقولُ الناسُ لبُسوطكم والآن ظهر لي أنها لأبي وشهودي قيامٌ فهل تُقْبل هذه الدعوى والشهادةُ والحالةُ هكذا أم لا؟ أفيدوا في ذلك فإن المسألة (١) راهنةٌ [١٥].

стр. 3287

الجواب: قال حفظه الله: أقول: قد اجتمع لثابت اليد على الأرض أمورٌ: منها الثبوت الذي لا يعادله شيءٌ من القرائن القاضية بثبوت المُلْك ولا يُوازيه. ومنها الاشتهار والاستفاضة اللذان لا يقصران عن إثبات ظاهر لمن كانت الأرض منسوبةً إليه بهما. ومنها الأصل الأصيل الذي يكون عليه مدار التعويل، وهو أن من كان ثابت اليد على شيء فالأصل عدم دخوله إليه بوجه غصْبٍ ونحوِه، وعدم خروجه عنه إلا بما يقتضي التمليك للغير، فمن قام في مقابل هذه الأمور وادّعى ما يخالفها لم يكن لديه من إقامة البُرهان الذي ينقل عن الأصل والظاهر والثبوت، وإذا أقامه قبل. ولا يقال إن موافقته للناس في النِّسبة يكذّب دعواه لأنه قد أبان العُذر بأن ذلك كان لأمر فارتفع، فإذا جاء البرهان الصحيح بذلك علمنا صِدْق دعواه وعدم تقدم ما يُكذِّبُها على التحقيق ولكنه لا بد أن تكون الدعوى والبينة الصادرتان منه متضمّنتين لكون أبيه مات مالِكًا لتلك الأرض ولم يقع للشهود علمٌ بالانقال، فإذا أقام البيّنة على هذه الصفة، فتلك

стр. 3288

الأمور الثلاثة التي ذكرناها سابقًا قد عُورضت بما هو أقوى منها، ولكنها لا تَبظُلُ بالمرّة وإنما يبطل كونُها موجبة لكون القول قول ثابت اليد، ويصير باعتبار المعارض الراجح القول قول من أقام البيّنة، وينعكس الأمر فيقال لثابت اليد: هل لك دليلٌ ينقُل عن الأصل والظاهر اللَّذين صارا بيد الوارث المذكور، فإن جاء بما يدلُّ على الانتقال من مُلك ذلك الميْتِ أو مُورّثه إلى مُلكه إما بيّنه أو حُكمِ حاكم، أو إقرارٍ كان ذلك أرجح من شهادة الوارث التي أقامها لأنها مُبْقيةٌ على الأصل وهي ناقلةٌ. ولأن غاية مستندها هو الاستصحاب وهو لا يُعوَّل عليه إلا عند فقدِ ما يَنْقُلُ عنه.

стр. 3289

السؤال التاسع: قال: كذلك قد ظهر استقرار الملكين بابن آدم بعد موته أنهما يقومان على قبره (١)،

стр. 3290

وإنما الإشكالُ في مادة الشياطين المُسلَّطين أين يذهبون بعد موته، أفيدوا جُزيتُم خيرًا بحق محمدٍ وآله. الجوابُ: قال حفظه الله: أقول: لم أقِفْ إلى الآن على دليل يدُل على خصوص المكان الذي تذهبُ إليه الشياطينُ بعد موت الشخص الذي يلازمونه حال حياته كالقرين ونحوه، وإذا لم يرِدْ هذا عن الشارع فلا مانعَ من أن يقالَ فيه بالرأي نظنُّه أنهم يذهبون [١٦] إلى الأمكنة التي يستقِرُّ فيها إخوانُهم الشياطين لأن الغالبَ على الفرد من النوع أوا لجماعة منه إذا فارقوا أبناءَ نوعِهم في أمر من الأمور أن يعودوا عند فراغِهم من ذلك إليهم. والشياطينُ الملازمون للإنسان كذلك. لاسيما وقد ورد أنهم يعودون إلى كبارهم فيقولون: أغوينا فلانًا (١)، أوقعنا الفتنة بين بني فلان، فعلْنا كذا فعلْنا كذا وهؤلاء لعلهم

стр. 3291

يعودون إلى كبارهم وأبناء نوعهم فيقولون أغوينا من كنا نصاحبه، ألهيناه عن الشهادة، سولنا له المضارة في وصيته، وعلى فرض أن يكون ذهابهم بعد ذلك إلى غير ما هو الغالب فليس مما يتعلق بها فائدة ولا يحتاج إلى الدراية به. نعم ورد ما يدل على أنه يأتي الشيطان الإنسان إلى قبره (١) ويتعرض لفتنته وهذا إن كان من الملازمين (٢) له حال الحياة فهو يدل على أنهم لا يفارقونه عند الموت مفارقة لا يوافقونه بعدها. اللهم إنا نسألك العصمة من هذا العدو المسلط.

стр. 3292

السؤال العاشر قال: مسألة عصمة أمير المؤمنين أفضِلوا بنقل الأحاديث الدالّة على ذلك وما الحقُّ في المسألة؟ وكذلك الزَّهراء وابْناها تفضّلوا، وإن شقّ عليكم الحالُ فإن السائلَ مستفيدٌ وفي النفس أشياءُ ولكن ستكون شفاءها إن شاه الله أو على حال غير هذا والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته. أقولُ: عصمةُ علي وحُجَّة قولِه: ذهب إلى القول بهما جماعةٌ من أهل البيت ﵈ وذهبت جماعةٌ منهم وسائرُ المسلمين أجمعين إلى أن المعصوم إنما هو رسول الله ﵌ على الخصوص والحُجّة إنما هي ما جاء عن الله وعنه. وقد استدل الأولون لذلك بأدلة منها: ما أخرجه الحاكمُ (١) والطبرانيُّ في الأوسط (٢) عن النبي ﵌ أنه قال: "عليَّ مع القرآن والقرآنُ مع عليِّ ولن يفترِقا حتى يرِدا عليَّ الحوضَ (٣) ".

стр. 3293

ومنها ما أخرجه الطبرانيُّ (١) والحاكمُ (٢) وأبو نُعيم (٣) عن زيد بن أرقم من حديث وفيه: فإنه ـ يعني عليًّا ـ لن يُخرجكم من هدى، ولن يُدخلكم في ظلال. ومنها ما أخرجه أبو نُعيم في الحلية (٤) عن حُذيفة أنه ﵌ قال: إن تُولّوا عليًّا تجدوه هاديًا مهديًا يسلك لكم الطريق المستقيم. وما أخرجه الدَّيلمي (٥) عن عمار بن ياسر وأبي أيوب بلفظ: "يا عمار إن رأيت عليًّا قد سلك واديًا وسلك الناس واديًا غيرَه فاسلك مع علي". وما أخرجه الحاكم (٦) عن أبي ذرٍ أنه ﵌ قال: من فارق عليًّا [١٧] فارقني، ومن فارقني فقد فارق الله".

стр. 3294

وما أخرجه الدَّيلميُّ (١) عن أبي ذرٍّ قال رسول الله ﵌: "يا عليّ أنت تُبيّن للناس ما اختلفوا فيه من بعدي". وما أخرجه الطبرانيُّ (٢) عن سلمان من حديث قال فيه ﵌: "هذا فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل" يعني عليًّا. وأخرج نحوه أيضًا الطبراني (٣) عن أبي ذرّ. وابن عديّ (٤) والعُقَيليِّ (٥) عن ابن عباس. وما أخرجه أبو يعلى (٦) وسعيدُ بنُ ......................................

стр. 3295

منصور (١) عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال ﵌: "الحقُّ مع ذا الحقُّ مع ذا" يعني عليًّا. وما أخرجه الخطيبُ (٢) عن أنس بن مالك قال: قال ﵌ "أنا وهذا حجةٌ على أمتي يوم القيامة" يعني عليًّا. وأخرج الحاكم في المستدرك (٣) عن عليّ ﵇ أن رسول الله صلى الله عليه وآله
следующие страницы →