يعودون إلى كبارهم وأبناء نوعهم فيقولون أغوينا من كنا نصاحبه، ألهيناه عن الشهادة، سولنا له المضارة في وصيته، وعلى فرض أن يكون ذهابهم بعد ذلك إلى غير ما هو الغالب فليس مما يتعلق بها فائدة ولا يحتاج إلى الدراية به.
نعم ورد ما يدل على أنه يأتي الشيطان الإنسان إلى قبره (١) ويتعرض لفتنته وهذا إن كان من الملازمين (٢) له حال الحياة فهو يدل على أنهم لا يفارقونه عند الموت مفارقة لا يوافقونه بعدها. اللهم إنا نسألك العصمة من هذا العدو المسلط.
стр. 3292
السؤال العاشر قال:
مسألة عصمة أمير المؤمنين أفضِلوا بنقل الأحاديث الدالّة على ذلك وما الحقُّ في المسألة؟ وكذلك الزَّهراء وابْناها تفضّلوا، وإن شقّ عليكم الحالُ فإن السائلَ مستفيدٌ وفي النفس أشياءُ ولكن ستكون شفاءها إن شاه الله أو على حال غير هذا والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته.
أقولُ: عصمةُ علي وحُجَّة قولِه: ذهب إلى القول بهما جماعةٌ من أهل البيت ﵈ وذهبت جماعةٌ منهم وسائرُ المسلمين أجمعين إلى أن المعصوم إنما هو رسول الله ﵌ على الخصوص والحُجّة إنما هي ما جاء عن الله وعنه.
وقد استدل الأولون لذلك بأدلة منها: ما أخرجه الحاكمُ (١) والطبرانيُّ في الأوسط (٢) عن النبي ﵌ أنه قال: "عليَّ مع القرآن والقرآنُ مع عليِّ ولن يفترِقا حتى يرِدا عليَّ الحوضَ (٣) ".
стр. 3293
ومنها ما أخرجه الطبرانيُّ (١) والحاكمُ (٢) وأبو نُعيم (٣) عن زيد بن أرقم من حديث وفيه: فإنه ـ يعني عليًّا ـ لن يُخرجكم من هدى، ولن يُدخلكم في ظلال.
ومنها ما أخرجه أبو نُعيم في الحلية (٤) عن حُذيفة أنه ﵌ قال: إن تُولّوا عليًّا تجدوه هاديًا مهديًا يسلك لكم الطريق المستقيم.
وما أخرجه الدَّيلمي (٥) عن عمار بن ياسر وأبي أيوب بلفظ: "يا عمار إن رأيت عليًّا قد سلك واديًا وسلك الناس واديًا غيرَه فاسلك مع علي". وما أخرجه الحاكم (٦) عن أبي ذرٍ أنه ﵌ قال: من فارق عليًّا [١٧] فارقني، ومن فارقني فقد فارق الله".
стр. 3294
وما أخرجه الدَّيلميُّ (١) عن أبي ذرٍّ قال رسول الله ﵌: "يا عليّ أنت تُبيّن للناس ما اختلفوا فيه من بعدي".
وما أخرجه الطبرانيُّ (٢) عن سلمان من حديث قال فيه ﵌: "هذا فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل" يعني عليًّا.
وأخرج نحوه أيضًا الطبراني (٣) عن أبي ذرّ.
وابن عديّ (٤) والعُقَيليِّ (٥) عن ابن عباس.
وما أخرجه أبو يعلى (٦) وسعيدُ بنُ ......................................
стр. 3295
منصور (١) عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال ﵌: "الحقُّ مع ذا الحقُّ مع ذا" يعني عليًّا.
وما أخرجه الخطيبُ (٢) عن أنس بن مالك قال: قال ﵌ "أنا وهذا حجةٌ على أمتي يوم القيامة" يعني عليًّا.
وأخرج الحاكم في المستدرك (٣) عن عليّ ﵇ أن رسول الله صلى الله عليه وآله
стр. 3296
وسلم قال له: "إن الله سيهدي قلبك ويثبِّت لِسانَك".
وأخرج أبو نُعيم في الحلية (١) عن أبي بَرْدَةَ أن رسول الله ﵌ قال: "إن عليًّا رايةُ الهدى وإمامُ الأولياء" ونحوُ هذه الأحاديث كثيرٌ وقد أجاب الجمهور عنها بأجوبة:
منها: القدحُ في أسانيد بعضِها.
ومنها: المنعُ من دِلالتها على المطلوب.
ومنها: الإلزامُ بأنه لا يختص ذلك بعلي ﵇ بل تثبُت العصمةُ وحُجّيّةُ القول لجماعة من الصحابة ورَدَ فيهم ما يدل على نحو ما دلّتْ عليه هذه الأحاديث كما
стр. 3297
ورد في حق ابن مسعود أن النبيّ ﵌ قال: "رضيتُ لأمتي بما رضي لها ابنُ أمّ عبد" (١).
وما ورد في أبي عُبيدةَ من أنه "أمينُ هذه الأمة" (٢) بعد أن سُئل النبيُّ ﵌ أن يبعثَ مع أهل اليمن رجلاً يعلِّمُهم السّنة.
وما ورد في حق أبي بكرٍ وعمر من حديث حذيفة عند الترمذي (٣) أن النبي ﷺ قال: "اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر وعمر" وما أخرجه الشيخان (٤) والترمذي (٥) من حديث
стр. 3298
ابن عباس أن النبيّ ﵌، قال لابن عباس: "اللهم فَقّهه في الدين" وفي رواية: "اللهم علّمه الكتابَ" وفي أخرى "الحِكمة".
وأخرج الترمذيُّ (١) وأحمد وابن ماجه أن النبي ﵌ قال: "تمسكوا بهدْي عمّار وما حدّثكم ابن مسعود فصدِّقوه" ومن ذلك حديثُ العِرباضِ بن سارية عند أهل السُّنن وفيه وعليكم بسنّتي وسنّة الخُلفاء الراشدين الهادين (٢) "، وحديث "أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتَدَيتُم" (٣) وفي إسناده جعفر بن عبد الواحد الهاشميُّ (٤) قال فيه الدارَقُطْنيُّ: يضع الحديث وتكلم فيه الحفّاظ بكلام طويل.
قال الجمهور: فهذه الأحاديث ونحوها تدل على عصمة كلّ فرد من أفراد الصحابة أو جماعة منهم ولم يقل به أحدٌ، وعلى حُجيّة أقوالِهم كذلك وأنتم لا تقولون به وإنما قال به مالكٌ وأبو علي وأبو هاشمٍ وأبو عبد الله البصريُّ ومحمد بن الحسن والرازيُّ والبرذعيُّ من الحنفية وأحمدُ في رواية عنه ورجّحه الفناريُّ من متأخّري الحنفية وقال إنه الذي اختاره المتأخرون انتهى.
وأما عِصمةُ الحسَنَين والبَتولِ رضْوانُ الله عليهم [١٨] فذهب إلى ذلك طائفةٌ يسيرةٌ من أهل البيتِ وخالفهم جميعُ الأمة من أهل البيت وغيرهم واستدلوا على ذلك بالأدلة القاضية بأنهم من أهل الجنة وهي أحاديث صحيحةٌ لا نزاع فيها ولكنه أجاب عنها الجمهور بأنها لا تدل على المطلوب لأن دخول الجنة يستلزم العِصْمة من وقوع كل ذنب، فإن الذنوب المكفّرة والتي وقعت التوبة عنها لا تمنع من دخول الجنة فلا تلازُمَ بين
стр. 3299
دخول الجنة وعدم التلبس بالذنب والعصمة عنه.
ويجاب أيضًا بعد هذا المنع بأن ذلك يستلزم عصمة جماعة من الصحابة المنصوص على أنهم من أهل الجنة كما في عبد الله بن سلام عند الشيخين (١) من حديث سعد بن أبي وقاص وكما في حديث حارثة بن سراقة عند البخاري (٢) والترمذي (٣) عن أنس وكما في طلحة بن عبيد الله عند الترمذي (٤) بل ورد في العشرة وأهل بدر (٥) وأهل بيعة الرضوان (٦) ما يدل على أنهم جميعا من أهل الجنة فلو كان دخول الجنة مستلزمًا للعصمة لكان أكثر أكابر الصحابة معصومين واللازم باطل فالملزوم مثله.
стр. 3300
واستدل على العصمة أيضًا بآية التطهير (١) وبالأحاديث التي فيها "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا" (٢) والكلام في هذا البحث يتشعب إلى مقاولات ومطاولات تستغرق كراريس كثيرة، والاختصار أولى.
والصواب في هذه المسألة لا يخفى على مثل السائل في علمه وفهمه وإنصافه والله الهادي. فرغ من تحرير هذه الأجوبة حسب نقل المجيب والمؤلف لهذه النسخة القاضي البدر عز الدين والإسلام وعين أعيان العلماء الأعلام محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما وكان الجواب والتحرير في شهر رمضان الكريم سنة ١٢٠٧.
стр. 3301
(١٣١) ٣٤/ ٤
بحث في كون الولد يلحق بأمه
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3302
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "بحث في كون الولد يلحق بأمه".
٢ - موضوع الرسالة: "فقه".
٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ وآله الطاهرين آمين، آمين.
امتع الله العلي بحياة إمامها، وزين بوجوده وجوه أيامها ... "
٤ - آخر الرسالة: "كتبه محمد بن علي الشوكاني غفر الله له والله يغفر لنا وله ويكفينا وإياه مهمات الدارين ويجعل الأعمال خالصة لوجهه الكريم، آمين آمين".
٥ - نوع الخط: خط نسخي ضعيف لكنه مقروء بصعوبة.
٦ - عدد الصفحات: ٥ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ١٨ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٦ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3303
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاةُ والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله الطاهرين آمينَ آمينَ.
أمتع الله العليُّ بحياة إمامِها، وزيَّن بوجوده وجوه أيامها، وأسبغَ عليه نعمَهُ منهمرة.
وسلامُ الله الأسنى، ورحمته وبركاته الواسعة الأفياء، تخص المولى الوالدَ الهُمام البدر شيخ الإسلام.
ما قولكم ـ رضي الله عنكم وأرضاكم ـ في قول الجماهير من العلماء في شأن الولد أنه يتبعُ الأمَّ في الحرِّية والرقية مع تبعه للأب في سائر الأحكام، هل له وجه صحيح أو لم تطمئن النفسُ؛ ولا ثبت بيان الشرع لها.
منها أن الولد كجزء من أبيه، وهذا مما لا خفاء في ضعفه، ثم ادعى الإجماع أيضًا، والإشكال في ثبوته أشدُّ لأن قُصارى ما صار الإجماعُ عندهم عدمُ المخالفِ مع عدم البحث والاستقراء التام. وقد وجدنا كثيرًا ما يدّعون الإجماعوالخلافُ قائمٌ، بل وجدنا دعوى الإجماع على حكم وخالفتهم الشافعية بدعوى الإجماع على القضية فمن الإحسان الإفادةُ ـ أحسن الله جزاءكم، وأحيا بحياتكم منار العلم الشريف، وأعز بكم شامخ المجد المنيف ـ وصلى الله على النبي محمد والآل والأصحاب سرمدَ.
стр. 3304
فأجاب المولى العلامة الأوحد جلالُه، وفخامة شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني ـ أمتع الله بحياته، وبارك في أوقاته ـ بما لفظه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيد المرسلين وآله الأكرمين.
أقول: الذي علَّلوا به في لحوق ابن الأمة بأمه إذا تزوجها حرًّا قد رضي العبودية لأولاده، لأن سيد الأمة لم يزوِّجه بها إلاَّ لانتفاعٍ بما يحصل من فوائدها، وأولادُها من فوائدها، مع أنهم يجعلون لهذا الولد الكائن من هذه الأمة لزوجها الحرّ حكم أبيه في النسب (١)، فيجعلونه عبدًا مملوكًا، ونسبه في الأحرار. بل قالوا: إنه لو تزوَّج القرشي بأمة غيرِه فجاءت ببنت كان لسيِّد هذه الأمة أن يطأ هذه البنت بالمُلك، مع كونها قرشية النَّسب، وهكذا ذكروا مسائل مترتبة على هذا اللحوق يضحكُ السامع منها عند سماعها كما وقع لهم عند الكلام على أنه يعتبر بالأم في الزكاة وبسنِّ الأضحية، وبالأب في النسب.
стр. 3305
والحاصل أنهم لم يُسندوا هذه المقالة إلى شيء من الأدلة قطُّ، ولو كان ما ذكروه من كون اختيار الأب الحرِّ لعبودية أولاده من أمَةِ الغير التي تزوَّجها صالحًا لذلك يلزم مثلُه في أولاده الحادثين بينه وبين الحُرَّة، وهذا لا يقول به عاقل فضلاً عن عالم، والوجه الجامعُ بين هذه الصورة وبين صورة النِّزاع أن سبب الحريَّةِ قد حصل في الجميع، وليس لمزيد وجود سبب الحرية من الجهتين زيادةٌ على وجوده من جهة، وأيضًا كان يلزم أن يكون اختيار السيد لعبودية ولده الحادث من أمَتِه لوطئه لها مؤثِرًا أن مصيره عبدًا لأنه لا سبب للحرية هاهنا إلاَّ من جهة الأب فقط، وهو خلاف الإجماع [١أ] بل خلاف الضرورة الدينية، فكيف لم يكن اختياره في أم نفسه الوالدة على قريبته لوطئِه مؤثرًا في عبودية أولاده، مع كونه مؤثرًا لعبودية أولاِده الحادثينَ من أمة الغير التي تزوَّجها. والعجبُ منهم أنهم حرموا بأن يقضي مسلم بإسلام أحد أبويه، وحرموا بأن الولد الحادث من الأمّ المشتركة، وكان أحدهما حرًا، والآخر عبدًا أنه يلحقُ بالحرِّ دون العبد، ليستفيد من أبيه الحريةَ، ولو كان العبد مسلمًا فإن مزية الحرية مقدَّمةٌ على ذلك كما في قوله في الأزهار (١): فإن اختلفوا فللحرِّ دون العبد ولو مسلمًا، والحال أن هذه أمة مشتركةٌ ليس
стр. 3306
للحرّ الذي يحق به الولد لنا نصيبٌ منها، فكيف كانت مزية الحرية هاهنا مؤثرة، ولم تؤثر مزية الحرية في الحر الذي تزوَّج بأمةِ الغيرِ! فإن كانت هذه المقالةُ راجعة إلى ما تقرر في الشريعة الإسلامية فها هو هذا الذي تقرر فيها، فإني لم أقف في ذلك على دليل ولا شبه دليل وإن كان باعتبار ما كان متقررًا في أعراف الجاهلية، فالأمر عندهم بخلاف ذلك، ولهذا يقول عنترةُ العبسيُّ (١):
إني امرؤٌ من خَير عبسٍ مَنْصِبًا (٢) ... شَطْرِي وأحْمي سائري بالمُنصُلِ (٣)
فإن هذا إنما كانت أُمُّه أَمةً، وكان أبوه سيِّدَ عبْس فأثبت لنفسه الحريةَ لحوقًا بأبيه، وجعل ما يلحقه من القالة لكونه ابن أمةٍ محميًا بالسيف يعني أنه يلحقُ بشجاعته، وفتكِه بأولاد الأحرار والحرائر، وإن كان هذا الذي قالوا لعرف متقرِّر عند أهل الإسلام لم يدلّ عليه شرع، فهذا مدفوع، فإن الخليفة المأمون يقول لما كان يعيّر بكون أُمه أَمةً:
لا تزرينَّ بفتى من أن تكونَ له ... أمٌ من الرُّوم أو سوداءُ دعجاءُ
فإن أمهاتِ الناس أوعيةٌ ... مستودَعاتٌ والماء بناء آباءُ
هذا وإن كان في أولاد الإماء المستولَدَات، لكن مقصودنا دفعُ ما قدمنا من أن مجرد اختيار الأب الحر لعبودية أولاده ليس من أسباب [١ب] العبوديةِ لا شرعًا، ولا عقلاً،
стр. 3307
وإلا لزمَ في أولاد الإماء المستولدات (١) كما تقدم، بل لزم في أولاد الحرائرِ والأحرارِ كما عرفت، لأن وجود ما يستقل بالسببية يوجب المضيَّ عليها، كما يوجب المضيَّ عليها وجودُ سببين، أو أسبابٍ، لأن المراد حصولُ ما يصلح للسببيةِ. وقد وجد هنا غير معارض بما هو مثلُه، أو رجح منه، فقد حصل المقتضى ولم يوجد مانع يمنع من اقتضاء ذلك المقتضى إلاَّ مجرَّد خيالات مختلَّة، وعلل باطلة معتلة.
فإن قلت: قد ذكروا أن المكاتِبَ يردُّه في الرق اختياره حيث لا وفاء عنده لمال الكتابة (٢).
قلت: وأين هذا من ذاك! فإن المكاتب باقٍ في العبودية، وهو عبد ما بقي عليهم درهم (٣)، والعبودية أصله، فمقتضى حريته لم تحصل بل وجد المانع منها، وهو عدمُ قدرته على الوفاء بمال الكتابة (٤)، فهو هنا إخبار ما هو أصله لعجزه، ولو لم يختر لم يصرِحّوا قطُّ إلاَّ بألوف ما كوتب عليه، ولم يبطل عليه إلاَّ ما قد كان ثبت له من بعض الأحكام المشروطة بالوفاء، وأين هذا من رجل حرٍّ خالصِ الحريةِ، معلومِ النسبِ تزوَّج بأمةِ غيرِه لعدم قدرتِه على نكاح الحرَّةِ، عملاً بقوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ... الآية﴾ (٥) فكان هذا الدخول في هذا النكاح الذي أذن الله له به في كتابه العزيز موجبًا لعبودية أولاده شاء أم أبى، لمجرد زعم من زعم أنه لا يتزوَّج بأمة
стр. 3308
الغير (١) إلاَّ وهو راضٍ لعبودية أولاده، حتى كأنَّ هذه المسألةَ في أم الكتاب يعرفُها كل مسلم.
وعلى تقدير أنه قد علم بذلك عند الدخول في النكاح، واختار عبودية أولاده فقد عرفتَ أن هذا الاختيار لا يسترقُّ أولاد الأحرارِ. وبعد هذا كلّه فاعلم أنهم قد اتفقوا على أن الولد يلحقُ بأبيه في النسب، وهذا عند التأمل يوجب بطلانَ (٢) ما قالوه من عبودية أولاد الحرِّ الذي تزوّج [٢أ] بأمةِ غيرِه، وبيان ذلك أنه لا معنى للحوقهِ بأبيه في النسب إلاّ أن يكون نسبه كنسبه، وإذا كان نسبه كنسبه فله ما للأحرار باعتبار الأنساب [ .... ] (٣) ثبوت كونهم أحرارًا فكيف يكون ولد الحرِّ عبدًا، وهو يلحقُ بأبيه في النسب!، وهل هذا إلاَّ مناقضةٌ بينةٌ ظاهرةٌ دامغةٌ! فإنه إذا كان عبدًا فقد مسَّه الرِّقُ، ومن مسه الرقُّ فهو أدنى الناس كفاءة، وأضعفهم نسبًا، وأقلهم حسبًا، فما هو هذا النسب الذي استفاده من أبيه، وهو عبد يباع في الأسواق بالتافهِ النَّذْر من القيمة، ويستخدمه من دبّ وراح، ويملكه البّرُّ والفاجر! وإذا كان أمة وطِئَها بالملك الرفيعُ والوضيعُ والحقيرُ والكبير.
وبالجملة فقد كفونا المؤنَة بقولهم: إنه لم يلحق بأبيه في النسب، وأبطلوا نصهم بنصِّهم، ودفعوا قولهم بقولهم، لأن إثبات نسب أبيه له موجبٌ لعدم عبوديته، أو لا يصح أن يقال: إن الفائدة له من إثبات هذا النسب هو كونه يرثُه، لأن المفروض أنه عبد للغير. والرق من موانع الإرث، ولا يصح أن يقال إنه يصير بهذا النسب الذي استفاده من أبيه كفوًا لأمثال أبيه من الأحرار، لأن المفروض أنه عبد، وأنه أدنى الناس كفاءةً،
стр. 3309
وأنه لا ينكح إلاَّ بإذن سيده، وهو مالك الأمة فهو لا ينتفع بهذا النسب بمنفعة دنيوية قطٌّ لما عرفت، ولا ينتفع به أيضًا بمنفعة دينية، لأن المنافع الدينية إنما تكتسب بالأعمال، وإن كان غاية ما تحصلُ له من المنفعة بإثبات نسبِ أبيه له هو أن يقالَ له هذا ابن فلانٍ، فليس في هذا من النفع شيء، مع أنه هذا يقال له عبدُ فلان، فلا يقوم الرفع بالرق ولا الرفع بالوضع.
فعرفت من مجموع ما ذكرنا التنافض (١) بين قولهم إنه يلحقُ بأمِّه في العبودية، وبأبيه في النسب، وهكذا الأقوال التي لا تنبني على دليل، ولا على رأي مستقيم تكون مضطربةً متناقضةً يدفع بعضُها بعضًا، ويردُّ بعضُها بعضًا.
стр. 3310
فالحاصل من البحث أن ولد الحر المتزوج بأمةِ غيره حرٌّ (١) خالص، سواء رضي لعبودية أولاده أو لم يرضَ [٢ب]، وسواء رضي مالكُ أو لم يرضَ. ولا يلزم هذا الزوج لمالك الأمة شيئًا، وإن شرط عليه ذلك، لأن هذا الشرط قد تضمن تحليل ما حرَّمه الله ـ سبحانه ـ من عبودية الأحرار، فإن الحديث المتضمن لكون المؤمنين عند شروطهم مقيَّد بقوله ﵌: "إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالاً" (٢) وهذا منه. وأيضًا في حديث بريرة: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله! " وفيه الزَّجر البالغ لمن اشترط أن يكون ولاءُ بريرةَ له كما في الصحيحين (٣) وغيرهما (٤). ومعلوم لكل من يفهم أن اشتراط مجرد الوالاء (٥) على من عُتق (٦) بعد أن كان عبدًا متحقق العبوديةِ لغير من له الولاء عليه أخف، وأخف من
стр. 3311
اشتراط عبودية الأحرار الذين ثبتت لهم الحرية لحرية آبائهم، مع أنه ليس في اشتراط ولاء بريرةَ إلاَّ مجرَّد اختلافِ ثبوت الولاء لأحد الجهتين، مع كونه ثابتًا في الجملة على كل حال. فأين هذا من حظر إثبات عبودية الأحرار بالشروط المدفوعةِ بالأدلة!.
وفي هذا المقدار كفاية، والله ولي التوفيق.
انتهى جواب المفيد الشافي من المولى الوالد العلامة البدر محمد بن علي الشوكاني دام سعده، وخلد مجده، ومن خطه نقل وفي آخره:
كتبه محمد بن علي الشوكاني ـ غفر الله له ـ والله يغفر لنا وله. ويكفينا وإياه مهمات الدارين ويجعل الأعمال خالصةً لوجهه الكريم، آمين آمين [٣أ].
стр. 3312
(١٣٢) ٥٢/ ١
سُؤالٌ في الوقفِ على الذُّريَّة
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3313
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: "سؤال في الوقف على الذُّرية".
٢ - موضوع الرسالة: "فقه".
٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم.
سؤال في الوقف على الذرية: قال السائل الذي يعرف من قصد الواقفين هو محبتهم أن يكونوا أولادهم أغنياء لا عالةً ...
٤ - آخر الرسالة: فإن رجح المنقول إليه ساغ البيع وهذا يشمل كل ما يتصوَّره الذهن من صور الصَّلاح.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ٩ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات.
٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3314
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سؤال في الوقف على الذرية:
قال السائل: الذي يعرف من قصد الواقفين هو محبتهم أن يكونوا أولادهم أغنياء لا عالةً يتكففون الناس، وخلاصة السؤال:
هل يجوز البيع عند مسيس الحاجة اللاحقة للموقوف عليه أم لا؟
قال ﵁: ينبغي ههنا تقديمُ مقدمةٍ هي.
مشروعيَّةُ مُطلقِ الوقف.
لا ريب أنَّ النزاع واقعٌ فيها بين السَّلف والخلف، لكنَّ الحقَّ مشروعيَّتُه لما ثبت في المتَّفق عليه (١) من قوله ﷺ لعمر: "حبِّس الأصل، وسبِّل الثمر" وحديث إذْنِهِ ﷺ لأبي طلحة بوقف بيْرَحاء، وهو متّفقٌ عليه (٢)، وحديث: "أما خالد فقد حبس أدرعه وأعْتُدَهُ في سبيل الله" وهو أيضًا متفق عليه (٣). ولصدور الوقوع عن جماعةٍ من أكابر الصحابة كما حكاه البيهقيّ (٤)، منهم أميرُ المؤمنين ﵁ وكان صدور ذلك منهم بعد موته ﷺ ، فتقرر بما ذكرنا ثبوت مشروعية مُطْلق الوقف (٥) أعَمَّ مِنْ أنْ يكون على قرابة كما في وقف أبي طلحة وغيره، أو على المسلمين كما في وقف عمر، أو على الجهاد كما في وقف خالد، أو على قُرَبٍ من القُرب كما في حديث: "خيرُ ما يُخلِّفُ المرءُ بعدَهُ ثلاث منه الصدقة الجارية" أخرجه النسائيُّ (٦)، وابن ..............................
стр. 3315
ماجه (١)، وابنُ حِبَّانَ (٢). وحديث: "إذا مات ابنُ آدمَ انقطعَ عنه عملُه إلاَّ من ثلاث" أخرجهُ مسلمٌ (٣) وحديثُ أنَّ عثمان وقف بئرَ رُومَة على المسلمين عند الترمذي (٤)، والنَّسائيّ (٥)، والبخاريّ تعليقًا (٦).
ولا شكَّ أنّ المشروعيَّة تثبتُ بدون هذا، فلا اعتبارَ بتشكيكِ مَن شكَّكَ في أصل مشروعيّةِ الوقف (٧)، ولا متمسّك له، وما رُويَ عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: لا حبس بعد نزول سورة النساء (٨)، [وليس فيها ما يمنع من هذا] (٩)، وكذلك ما رُوي عن
стр. 3316
شُريح (١) أنه قال: جاء محمدٌ يمنعُ الحَبْسَ؛ فليس مرادهما وقف المسلمين [بل المراد حبس الجاهلية السَّوائب ونحوها، وكيف يقال ذلك في أوقاف المسلمين] (٢) وقد أذِنَ فيها ﷺ ، وماتَ وهي باقيةٌ، وفعلها أكابر الصحابة بعده! على أنّه لو كان مراد ابن عباس وشُريح ذلك ما قام بقولهما حُجَّةً على فرض عدم معارضته لما ثبت عن الشارع، فكيف وهو معارضٌ له! ثم أنّ ابن عباس قد أحال على سورة النساء، وليس فيها ما يمنع [١أ] من هذا.
والحاصل أنّ الوقف قُرْبَةٌ (٣) من القُرُبات، وصدقة من الصدقات. ومشروعية مطلق الصدقة مُجمعٌ عليه، والوقف صدقة لها وجه خصوصية يرفع من شأنها، وهو كونُها جاريةً لورود الترغيب في ذلك، وقد وقع النِّزاع في لزوم استمرار التحبيس، وعدم جواز نقضِهِ. ومن أهل العلم من زعم أنّه تأويل صدقة جارية، وفي تأويل احتبس أدراعَه، وأعتده في سبيل الله، والإنصافُ لزومُ الاستمرار، وأنّه مُستفادٌ من هذه العبارات، وما قيل من أنّ حسّأن باع نصيبَه من بيرَحاء التي وقفها أبو طلحة فيجاب أولاً أنَّه لا حجَّة في
стр. 3317
فعلِه. وثانيًا أنه قد أُنكر عليه ذلك كما ثبت في الصحيحين (١) وغيرهما (٢) أنَّه لمَّا باعَ قيل له: أتبيعُ صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيعُ صاعًا من تمرٍ بصاعٍ من ذهب؟ وما قيلَ من أنَّ الإنكارَ ليس لكونِ البيعِ ممنوعًا بل لكونِ المالِ جيّدًا فتعسُّفٌ؛ فإنه قيل له أتبيعُ صدقة أبي طلحة؟ ولم يقل [له] (٣): أتبيعُ هذا المال الجيِّد. ولكن ينبغي أن يُعلمَ أنَّ هذا في الأوقافِ (٤) التي يَغْلِبُ الظنُّ أنها لم تُفعلْ إلاَّ لقصدِ القُربةِ، متجرِّدةً عن المقاصدِ الفاسدةِ، والأغراضِ الدنيويةِ؛ وذلك كأوقافِ المشهورينَ بالعلم والصّلاح.
فإن قلتَ: لِمَ لا [يُكتفى] (٥) بالحملِ على الظاهر من دون اعتبارِ غلبة الظنّ؟
стр. 3318
قلتُ: إنّ اختلاط المعروف بالمنكر، وتخبطت المقاصِدِ، وعُلم بالاستقراء صدورُ غالِبَ الأوقاف في هذا العَصْر وما قاربه من العصور السَّالفة لأغراض غير مناسبة؛ فإنَّ من الناس من يُشُحُّ بالمال على ورثته بلا سبب من الوارث، فيحاول إخراجَهُ عن ملكه بعده بكل ممكن. ولو علم في حياته لا يحتاج إليه لأخرجه عن ملكه، ولكنَّه انتفع به مدَّةَ حياتِه، فلما لم يبق له مُستمتَعٌ قال: وقفتُ. وكثيرًا منهم مَن يتحدّثُ بهذا في حياتِهِ. وقد سمعْنا ورأينا وأبطللْنا من هذا الجنس في هذه المُدَّة القريبة ما لا يأتي عليه الحصرُ، والذي يفعل هذا بلا سبب مِنْ وارثه هو الأقلُّ، والأكثر يفعلُ ذلك لعداوةٍ تعرض بينه وبين وارثه وكراهيةٍ. وليت أنّ هذه العداوة والكراهة دينيَّةٌ، ومِن الناس مَن يفعل ذلك في حياتِه فرارًا من لوازمَ شرعيَّةٍ أو عُرفيَّةٍ، ومِن النَّاس من يقفُ [١ب] على الذكور من الأولاد دون الإناث، ومنهم من يقفُ على الذكور والإناث ومنهم من يُخرِجُ الزوجات (١)، وهذا وإن كان فيه خلافٌ لكنَّه مُنادٍ بأنَّ فاعلَهُ لم يُرِدْ بهِ وَجْه الله، وما كان كذلك فهو غيرُ الوقف الذي شرعه رسول الله ﷺ بل نهى [عنه] (٢) من حيثيَّة أُخرى.
ومِن الناس مَن يقفُ لمحبّضةِ الشُّهرةِ والذّكْرِ والمنافسة، كمن يقف من المسلمنَ وقفًا. وغيرُ هذه المقاصدِ الفاسدةِ مما يطول الكلام بتعداده. ولمَّا كان هذا هوا لأعمَّ الأغلب كان الأصلُ في كل وقفٍ عدم وجود القُربة، فلا يُحكُمُ الحاكمُ بصحَّته إلاَّ بعد غلبَةِ ظنِّهِ بالقُرْبَةِ مما لا يلتبسُ من القرائن الدالة على الخلوص وأقرب الأوقاف إلى الوقف على المسلمين أو على مصالحهم أو على جميع الورثة أو جميع القرابة؛ فهذه في الغالب لا بدَّ أن تقترن بقرائن الخلوص، فقد يغلبُ الظنُّ بأنَّ صدورَهَا كان لأجْلِ القُربة بسرعة (٣)، وقد تحتاجُ إلى البحث، وذلك يختلفُ باختلاف الواقف والأحوال التي لا تخفى، فما غالبُ
стр. 3319
الظنِّ بصاحبه أنَّه للقُرْبة المتجددة عن القاصد الفاسدة ـ أو حكم به حاكمٌ مُعتبرٌ له مزيدُ إدراك في أمرين:
أحدُهُما: العِلْمُ؛ فإنَّ مَنْ لم يُطَوِّل الباع في فنونه لا يُوثَقُ بحكمه في الصحَّة والبُطْلان، لأَنَّه قد يَخْفَى عليه ما هو عند مَن هو أعْلَى كعبًا منه من موانعِ الصحّةِ (١).
الأمرُ الثاني: جَوْدَةُ التَّفَرُّسِ، وصدقُ الْحَدْسِ، ومعرفةُ المقاصدِ، وممارسةُ الأحوالِ
стр. 3320
المختلفةِ؛ فإنَّ من لم يكن كذلك وإن تبَحَّرَ في المعارف ربَّما انخدع بأدنى تلبيس، ونفق عنده ما يقارِبُهُ من التَّدليس، فإذا كان جامعًا للأمرين، وحكم بصحة الوقف، أو بملزومِ الصحّة، وهو القُربةُ لم يحتج مَن يأتي بعدَه يُشغِلَ نفسَه فيعرّف أحوال ذلك الوقف.
والحاصلُ في كلّ وقفٍ من الأوقاف التي أشرْنا إليها عدمُ القُرْبَة حتى تظهر القربة، [أوما] (١) يَحْكُمُ على الصفة المذكورة، أو يبحث فيما لا حُكمَ فيه، حتَّى يغلبَ مع الظنِّ وجودُ قصدِ القُرْبَةِ، وعند ذلك لم يحلُّ نقضُ التَّحبيس إلاَّ لأسبابٍ قد ذَكَر أهلُ الفروعِ منها أربع، فَلْنَذْكُرْ ههنا ما نُرجّحُهُ، فمِنها أن يبلُغَ الحالُ بالموقوفِ عليه إلى حدِّ لو لم يقع البيعُ [٢أ] ذهب كمَنْ يقفُ على مسجدٍ ثم أشرفَ على الانهدام (٢)، ولم يوجَدْ له ما يقومُ بإصلاحِهِ غيرُ الوقفِ الذي عليهِ؛ فإنَّ ذلك مُسوّغٌ للبيع. والوجْهُ أنَّ الواقف لم يقصد بالوقف عليه إلاَّ استمرار حياته، ودوام عمارته حقيقةً ومجازًا، فإذا تُرِكَ انهدَم، وإذا انهدمَ زال الغَرَضُ المقصودُ من الوقفِ عليه، وهذا معلومٌ من مراد كلِّ واقفٍ، وكذا
стр. 3321
إذا كانَ الموقوفُ عليه آدميًا مُعيَّنًا، أو جماعةً مُعيَّنين لم يذكر الواقف غيرَهُم من أولادهم، وبلغُوا في الفاقة إلى حدِّ خُشِيَ عليه التَّلفُ، فإنَّ البيعَ يَسُوغُ حينئذٍ.
وأمَّا إذا كان الوقف على بطنٍ، ثم كذلك فحصل مع أحد البطون من الفاقة ما يُخشى عليهم فيها الهلاكُ فإنْ كان هلاكُهُم مُستَلْزِمُ بطلان حدوث الذرية منهم مثل أن يكونوا جماعةً مُعيّنينَ لم يكن لهم ذرّية حينئذٍ أو كان معهم ذرّيةٌ يُخْشى هلاكُها بهلاكهم، فلا ريب أنه يجوز إبطال الوقف وإن كان معهم ذرية لا يخشى عليه الهلاك بهلاكهم فربَّما يقالُ أنَّ الواقفَ قصدَ بالوقفِ الصَّدقة الجارية التي ورد الترغيب فيها، فبيعُه لخشية هلاك بعض البطون مفوِّتٌ لِغَرَضِهِ، لأنَّ أولئك إذا هلكُوا خلفَهم بطنٌ آخرُ ينتفعونَ بذلك الوقف، ثُم كذلك وخشية هلاك بعض البطون لا يستلزمُ أنَّ مَن بَعْدَهُم من البطون كذلك، لأنَّ الأزمنة تختلف، فقد يحصل في بعض الأزمنة من غِلاَّتِ الوقف ما يقوم بكفاية الموقوف عليهم، فلا يُخشى عليهم الهلاك، وقد يتحصل لهم الأرزاق من وجهٍ آخر ما يكون بانضمامه إلى الوقف معينًا لهم، فحينئذٍ قد لا يُجوز طيبة نفس الواقف بانقطاع الصدقة الجارية الواصل إليه ثوابها، ما دامت كذلك، بسبب خشية هلاك فرد، أو جماعة مُعيَّنين.
وقد يجوزُ طيبة نفس الواقف بانقطاع الصدقة الجارية لاغنتام هذه الفرصة التي لا يقادَرُ قدَرُها؛ وهي حفظُ حياة نفس أو نفوس، ولا سيّما إذا كان الموقوف عليهم الأولاد، فأولادهم؛ فإنَّ الواقف قد يفتدي نفس الواحد بجميع الدنيا لو كانت في يده، فضلاً عن جُزءٍ يسير وصل إليه منها، ويلحقُ بهذا لو لم تبلغ الفاقة بالموقوف عليهم إلى حدِّ خشية الهلاك، إنما بلَغَ به الحالُ إلى الفَقْرِ المُدْقِعِ [٢ب]، وتكَفُّف الناس، ورِثَّة اللِّباس، وأعوازِ ما لا بدَّ منه من الطعام والشراب في بعض الحالات، والوصول إلى حدٍّ يرقُّ له الشَّامِتُ، ويبكي له الرَّاحمُ. وفي قيمة ذلك الوقف إغناء ومُستمتعٌ؛ فهذا أيضًا وإن كان دونَ الأُول فهو لا يمنع أن يقال: ربَّما كان في سدّ فاقته من الأجر المتتابع ما لو علم به الواقف لآثره على جريان تلك الصدقة، ولا سيَّما إذا كان من الأولاد، وأولاد الأولاد؛ فإنه لو فُرِضَ مشاهدةُ الواقف لهم على تلك الحال
стр. 3322
لباعَ نفائس الأموال كما نُشاهده في كثير من الأحياء من الجدِّ، والاجتهاد، وارتكاب الأخطار، ومتابعة الأسفار، والاغتراب من الوطن، ومفارقة الإلف والمسكن، كلُّ ذلك للقيام بما يسدُّ فاقة قرائبه، ويغنيهم عن تكفّف الناس، وقد يرْتَكبُ الأهوال لتحصِّل الفضلات لهم، التي لا تمسُّ الحاجة إليها كتشييد الدُّور، ورفاهة العيش، ورونق الثياب، وركوب فاره الدَّواب، قاصدًا بذلك أن يتجمَّلوا بما جلبه إليهم، وينبلُوا في الأَعيُن، ويُجلُّوا في الصدرو، ويكفوا مؤونة الاحتقار والاضطهاد.
وربَّما يقتحم لمثل هذه التخيُّلات، بَحُوْرُ الهَلَكات، ونُحُور المعضلات، فيجود بدينه تارةً في جمع الحطام من الحرام، ويُسمِّحُ بنفسه أخرى في معارك الحروب والصَّدام، وكثيرًا ما ترى الأعناق تُضْرَبُ، والأطراف تُقطَعُ، ومارِنُ (١) المروةِ (٢) يُجْدَعُ في محبَّةِ الأولادِ والأحفادِ، وربَّما يقال أنّ الواقف لمّا صار في دار غير هذه الدار، ورحل عن دار الاغترار إلى دار القرار ذهَبتْ عنه هذه التُّرهاتُ، وانْقَشَعَ عنه ظلالُ الغرورِ؛ فلم تبق له رغبةٌ في غير الأجورِ، ولا يخطرُ ببالِهِ ما كان عليه من أحوالِ الدنيا وبتصوُّره يُحسِنُ الآن من عطفيه للأقارب، فهو في موطن يفرُّ المرءُ فيه عن أخيه، وصاحبته وبنيه، وفصيلته التي تُؤويه (٣)؛ فليس له بِدَفْعِ فاقَتِهِم من حاجةٍ، ولا عنده في بُؤسِهِم وفَقْرِهم لحاجة، فهو
стр. 3323
يؤثر أجر استمرار الصدقة [٣أ] الجارية، وثواب الانتفاع بوقفه من البطون التي تأتي بعد هذا البطن الذي أصابته الحاجة، وكيف يسمح بانقطاع الخير الواصل إليه بمجرَّد توفير غرض غيره، وصونه عن ذلك الفقر، واستكانة الحاجة، وضراعة الفاقة، وخضوع القلّة، ولا يقول نفسي نفسي! وقد قال هذه المقالة (١) ذلك الجمع الجم من الأنبياء والمرسلين، وكيف تلتحق هذه الخشية على الموقوف عليه مع وجودا لفرق الذي يتبلَّج وجهُهُ، فإنَّ خشْيَةَ هلاك الموقوف عليه كالمسجد، والمعيَّن من المسلمين، ومصالحهم يستلزم انقطاع ثواب تلك الصدقة الجارية باعتبار الأمر المفعول لأجله، بخلاف ما نحن بصدده فلا خشية هلاك ولا انقطاع.
فإن قلت: هذه مسألة السؤال، وقد سُقْتَ في شأنها هذه الأحوال، فماذا الذي لديكَ؟ فإنَّ هذه ثمرةُ التَّعويلِ عليكَ.
قلتُ: الذي أراده عدم الجَزْمِ بأَمْر مُعيَّن، بل يُفوَّضُ الأمرُ إلى الحاكم المعْتَبَرُ بعد أن تُعْرَض على [عقلِهِ] (٢) هذه الأحوال، [ويحيط بما سُقناه من القال، فإن الأحوال] (٣) تختلف باختلاف الأشخاص، ولكن مع قصر النَّظر على الموزنة بين أجر التعجيل الموفّر لكونه بالرَّقبة مع شدَّة الحاجة وبين أجر الاستمرار مع بقاء الرَّقبة، وإنّما قلنا هذا لأن الحكم على ميِّت قد صار بين أطباق الثَّرى؛ فإنه لا بُدّ يسألُ عن حرمةُ الثَّواب الواصل إليه فيم حرمه؟ ولم قطع الصداقة الواصل ثوابها إليه، ولا ينفع الجواب إلاَّ بما يرْجُحُ في موازين الحساب، لا بما يصفه الأحياء من أنَّ ذلك لو كان حيًّا لفَعل؛ فإنَّه بموطنٍ
стр. 3324
قد طاحتْ عنه مراعاةُ المروءة، وذهبت عنه المحافظات على ما تُوجِبُهُ الحميَّات، وأنا إلى الآن لم أزل مضطربًا بين أطراف هذا الكلام، مُتردِّدًا إن تصوَّرتُ حقيقة بين الإقدام والإحجامم، وقد نقضتُ وأبرمتُ بحسبِما يقتضيه الحال، وراجيًا من الله عدم المؤاخذة لاستفراغ وُسعي في كلا الطرفين.
وقد يعرض بعد التنفيذ ما يوقع في الحيرة والندامة فأداويه بمرهم دلَّ عليه المختار ﷺ ؛ وهو ما صحَّ عنه "أنَّ الحاكم إذا اجتهد فأصاب فلَهُ أجران" (١) وفي رواية: جرَّبْتُهُ في الشِّفاء من التهاب [٣ب] الأسف على ما فرَّط، وهو أنَّ القصد بهذا الاجتهاد هو باعتبار الوقت الذي وقع فيه النَّقض والإبرام، لا باعتبار ما بعدَهُ، ولو كان كذلك لما صحَّ اجتهادُ المجتهد إلاَّ عند آخر جُزْءٍ من حياتِهِ؛ لأنَّ تجويزَ تصيير الرَّاجح مرجوحًا، أو المرجوح راجحًا لا ينقطعُ ما دامت الحياةُ. وهنا يستلزم ألاَّ يُنجز حكمٌ من أحكام الشريعة من حاكمٍ، ولا مُفتٍ، وهو باطلٌ إجماعًا وعقلاً ونقلاً، ولِنُتمَّ الكلام في بقيةِ المقتَضَيَاتِ للنَّقض باعتبار ما لديّ كما ذكرتُه سابقًا، وإن كان ذلك خارجًا عن سؤال السائل، فهو لا يخلُو عن فائدة.
وقد أشار ـ حفظه الله ـ في آخر الأسئلة أنَّ المجيب يتكلَّمُ على ما يقتضيه المقامُ ممَّا له دَخْلٌ، وعلى ما يتفرَّعُ عليه ممَّا لا يقتضيه، فما وقع في بعض هذه الأجوبة من الاستطراد هو من باب الامتثال لِما رسَمه، فَمِن جُمْلَةِ المقتضياتِ للنقض إذا بلغَ الوقفُ نفسه إلى حالٍ إذا لم يُستدرك عندَها بالبيع أو المعارضة بطل الغرض المقصودُ منه كُلاًّ أو بعضًا؛ فإنه يسوغ بيعُ الكُلِّ إذا كان بيع البعض لا يقومُ بالإصلاح (٢)، ويسوغ بيعُ البعضِ إذا
стр. 3325
كان يقومُ بإصلاح البعض. ثُم إذا بيع الكل وجب التعويض لذلك المبيع بمقدار الثَّمن من جنسه، أو من غير جنسه، ممَّا يبقَى وتتأبَّدُ منفعتُهُ.
والوجه في تسويغ البيع أنه يُعْلَمَ أنّ غرض الواقف استمرار الصَّدَقة الجارية، وأنَّ انقطاعها ليس من غرضه، ولا مقصوده، لأنّ المفروض أنَّه من العُقلاء ومِن طلبة الأجْرِ، فوجب حينئذ العمل بما يُعْلَمُ أنَّه من مراده، والمبالغة في نفعه بالثَّواب بكل مُمكن، وليس في الإمكان أبدعُ ممَّا كان. ولا يُعارض هذا تجويز أنَّ بعض ما بطل نفعه قد يرجَى عَوْدُهُ في زَمَنٍ آخرَ، فإنَّ هذا التَّجويزَ ليسَ ممَّا يَعتبرُه العُقلاء في نفع أنفسهم. مثلاً إذا انقطع [الماء] (١) الذي [٤أ] تُسقى به الأرض انقطاعًا يَغْلِبُ على الظنِّ عدمُ عَوْدِهِ، والأرضُ لا تُزْرَعُ إلاَّ بذلكَ، فإنّه يُسَوِّغُ البيعَ إن أمكنَ، أو بيعَ البعض لاستخراج الماء، إذا كان العمل يفيدُ في مثل ذلك. ولا يقال أنّ تجويز عَوْدِ الماءِ في زمانٍ مُسْتَقْبَلٍ يمنعُ البيعَ لما سلفَ.
[ومن جُمْلَةِ المقتَضَياتِ للبيع أن يكون ذلك الوقف في مكان مخافة بعد أن كان في مكان أَمِن بحيثُ يتعذَّرُ الانتفاعُ به؛ فإنَّ هذا لاحقٌ بالأولِ، ومثلُهُ أنْ يكون في أرضٍ فارقها سُكَّانُها] (٢).
ومن جُملةِ المقتضيات للبيع (٣) نَقْلُ مصلحةٍ إلى أصلحَ منْها؛ فإنه إذا كان الوقف في محلٍّ تكثُرُ عليه الغرامات والنَّفقَاتُ، إمَّا لِبعدٍ عن الموقوف عليه، أو لاحتياجه إلى عملٍ كثيرٍ، أو لعروض آفة له في بعض الأوقاف، أو كونه إذا أريد إصلاحه احتاج إلى غرامةٍ لا يقومُ بها الحاصلُ منه، وغيرُهُ بالعكسِ من ذلكَ كالدَّارِ التي تُؤجَّرُ، والأرضُ التي تُزرعُ.
والحاصلُ أنَّ المُعْتَبَرَ أنْ يكونَ الثاني أصلحَ من الأولِ بوجهٍ من الوجوهِ التي لها مدخلٌ
стр. 3326
في نفع الميِّتِ الواقفِ بما يصلُ إليه من الثَّواب، أو باستمراره، أو نحو ذلك. والوجه في تسويغ البيع لهذا أنَّ المفروض أنّ الواقف وقف لقصد وصول ثواب هذه الصَّدقة إليه، فالعلة معقولةٌ، فما كان أدخلَ في هذه الفائدة المقصودة، وأنفعَ لفاعِلِها فَفِعْلُهُ من باب المعاونَةِ على البِرِّ، وإدخالِ الخيرِ على الغير وهو مندوبٌ إليه للعلم بأنه لا مَقْصِدَ للواقف بتحبيس تلك العين بنفسها، وإن كان غيرُها أصلحَ منها. ولو فُرِضَ أنَّ ذلكَ مقصِدُهُ لكانَ من بابِ الشُّحِّ على بقاء المال، والمحبَّة له، وكراهةِ أن يدخل تحت ملك غيره، وهذا خارجٌ عن الغرض الذي نحن بصدَدِه، وهو أنْ لا مَقْصِدَ للواقفِ إلاَّ القُربة، ووصولَ الخير إليه.
فإن قلتَ: يمكنُ أن يكون تعلُّقُ غَرَضِهِ بتحبيسِ هذه العين [٤ب] بخصوصِها، لكونها أنفعَ من وجهٍ من الوجوهِ وأما باعتبار الحال الذي وقعَ فيه، أو باعتبار المآل؟.
فإن اختلفَ وَجْهُ النفعِ أو الصَّلاح، فكان أحدُهُما أصلحَ من الآخرِ من وجهٍ من الوجوهِ، والآخرُ أصلحُ منه من وجهٍ، فلا بُدَّ من الموازنة بين الوجهين، فإن رجَحَ المنقولُ إليه ساغَ البيعُ، وهذا يَشْمَلُ كلَّ ما يتصوَّرَهُ الذّهن من صور الصَّلاح.
انتهى. [٥أ].
стр. 3327
(١٣٣) ٢٥/ ٢
بحث في حديث (فدَين الله أحق أن يقضى)
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3328
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في حديث "فدَين الله أحق أن يقضى".
٢ - موضوع الرسالة: "فقه".
٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله الطاهرين وبعد: فإنه ورد من سيدي العلامة ...
٤ - آخر الرسالة: وليس ذلك من الدعاء كما لا يخفى.
وفي هذا المقدار كفايةٌ لمن له هداية والله ولي التوفيق كتبه المجيب محمد الشوكاني غفر الله له.
٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ - عدد الصفحات: ٧ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة.
٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.
١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
١١ - ملحوظة: فقدت مخطوطة السؤال بعد كتابته.
стр. 3329
[بسم الله الرحمن الرحيم]
[نص السؤال]
الحمدُ لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلَّم. سأل لعهدة المسلمين اللامة الربّاني محمد بن علي بن محمد الشوكاني ـ كثر الله فوائده ـ وأطال مدَّته: هل يُقدَّمُ حقُّ الله تعالى على حق المخلوق، كما يدل عليه "فَدَيْنُ الله أحقُّ أن يُقْضَى" (١) أمِ العكسُ للإجماع على هجر ظاهر الدليل المذكور، فيما لو أن رجلاً مات ومالُه مستغرَقٌ بِدَيْنِهِ، وقد وجب عليه الحجُّ وقال: يُحَجُّ عنِّي، فالإجماع حاصلٌ على تقديم الدِّين المستغرَق على الحجِّ، ثم لفظ: "فدَينُ الله" من حديث الخثعميةِ (٢)، وفيه اضطرابٌ من حيث إنَّ في رواية السائل رجلاً، وفي أخرى امرأة، وفي الصحيحين بغير زيادة: "أرأيت لو كان على أبيك دَيْنٌ ... إلخ" وفي غيرهما بها، وفيه أيضًا مغايرةٌ من الركوبَ على الراحلة، وفي القصة التي فيها الزيادةُ أنه مات. ويعارضُه أيضًا حديثُ المنع عن ابن عمرَ بلفظ: "لا يحجُّ أحدٌ عن أحد" ونحوُه، ثم هو ورد في الحج، وهو من محلّ النزاع، لأنه حقٌّ لله تعالى، فهل يُقَدِّمُ كما هو مدلول أفْعَلَ التفضيل أم لا؟ لكونه إنما ثبت قياسًا للمختلَف فيه على المتَّفق عليه، كما أفاده المسئولُ ـ كثر الله فوائده ـ في شرح المنتقى (٣) له.
وإذا تقرر كونُه أحقَّ، وانتفتِ المعارضةُ، فهل يلحقُ، ومن الولد فقط، كما في حديث الخثعمية أم منه، ومن الأخ، أو القريب، كما في حديث ابن عباس: "حُجَّ عن نفسك عن ...........................
стр. 3330
شِبْرِمَةَ" (١) أم يتعدَّى إلى الغير، فما هو الدليلُ؟ وإذا كان الغيرُ ممنوعًا، فهل لمن أذِنَ له تأخيرُ غيره أم لا؟ فظاهر الأدلة المنع، وهل للوصية فائدةٌ، ويجب امتثالُها؟ فالذي في البحر (٢) عن العترة، وأبي حنيفة (٣) وأصحابه، ومالكٍ (٤) أنه يسقطُ وجوبُ الحجِّ بالموت، وكذلك سائرُ ما ورد في مثل الصلاة، والصوم، ونحوِهما، هل يصحُّ لقول النبيِّ ﵌: "من مات وعليه صومٌ فليصمْ عنه وليُّه" وهو أعمُّ من الولد وغيره، والحديث متَّفقٌ عليه (٥) من حديث عائشةَ، وصححه أحمدُ (٦)، وزاد البزَّار (٧) إن شاء، وضُعِّفَتْ، وله شاهدٌ من حديث بريدةَ عند أحمدَ (٨)، ومسلمٍ (٩) أم لا يصحُّ؟ فظاهرُ قولِ الله تعالى: ...............................