← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

إن ذلك معلوم والصباغ بالصفرة خارج عما نحن بصدده، وهذا الجمع الذي رجحناه وهو المروي عن أهل الحديث كما تقدم عن الترمذي (١) في أول البحث، وفي لبس الأحمر خلاف منتشر، ومذاهب متعددة بلغت إلى سبعة كما في فتح الباري (٢). قال النووي في شرح مسلم: واختلف العلماء في المعصفرة هل هي المصبوغة بعصفر؟ فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك، لكنه قال: غيرها أفضل منها، وفي رواية أنه أجاز لباسها في البيوت وأفنية الدور. وكرهه في المحافل والأسواق ونحوها. وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهي على هذا؛ لأنه ثبت " أن النبي ﵌ لبس حلة حمراء " (٣). وفي الصحيحين (٤) عن ابن عمر قال: " رأيت النبي ﵌ يصبغ بالصفرة ". وقال الخطابي (٥): النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج، فأما ما صبغ غزله ثم نسج، فليس بداخل في النهي، وحمل بعض العلماء النهي هنا على المحرم بالحج أو العمرة؛ ليكون موافقًا لحديث (٦) ابن عمر: " نهى المحرم أن يلبس ثوبًا مسه ورس أو زعفران " انتهى.

стр. 3467

قال البيهقي (١) في السنن: نهى الشافعي ﵀ الرجل عن المزعفر، وأباح له المعصفر، قال الشافعي: إنما رخصت في المعصفر؛ لأني لم أجد أحدًا يحكي عن النبي ﵌ النهي عنه إلا ما قال علي ﵁: " نهاني ولا أقول نهاكم " قال البيهقي (٢) وقد جاءت أحاديث تدل على النهي على العموم، ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو المتقدم وأحاديث أخرى ثم قال: لو بلغت هذه الأحاديث الشافعي ﵀ لقال بها، ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعي ﵀ أنه قال: إذا صح حديث النبي ﵌ خلاف قولي فاعملوا بالحديث ودعوا قولي. وفي رواية (٣): فهو مذهبي. قال البيهقي (٤): وقد كره المعصفر بعض السلف، وبه قال أبو عبد الله الحليمي، ورخص فيه جماعة. والسنة أولى بالاتباع. انتهى. وحكى الإمام المهدي ﵀ في البحر (٥) عن العترة وأبي حنيفة أنه يكره للرجل لبس المشبع صفرة وحمرة في غير الحرب، واستدل بحديث عليٍّ ﵇ المتقدم، وظاهر تلك الحكاية عمن ذكر عدم الفرق بين الأحمر بالعصفر أو بغيره. وحكى أيضًا عن مالك والشافعي عدم الكراهة. وحكى أيضًا عن الإمام يحيى ﵀ أنه لا يكره المصبوغ بالفوه والبقم، وقد [١١] اقتصر الإمام المهدي على حكاية الكراهة فقط لمذهب العترة كما في البحر (٦) في كتاب اللباس وكتاب الصلاة، والمعروف من مذهب الزيدية التحريم. وقد صرح في الغيث (٧) أنهم صححوا التحريم؛ ولهذا جعل لبس المشبع صفرة وحمرة

стр. 3468

في الأزهار (١) في باب اللباس من جملة المحرمات، والراجح ما أسلفناه، ويؤيده ما تقدم عن ابن عمر أنه كان يصبغ ثيابه بالزعفران (٢). ويحكى عن النبي ﵌: " أنه كان يصبغ ثيابه به " (٣). وأخرج الترمذي (٤) من حديث قيلة بنت مخرمة: " أنها رأت النبي ﵌ وعليه مليتان كانتا بزعفران وقد نفضتا ومعه عسيب نخلة ". وأخرج أيضًا (٥) من حديث سمرة مثله، فهذه ثلاثة أحاديث عن ثلاثة من الصحابة مصرحة بأن النبي ﵌ كان يصبغ ثيابه بالزعفران وهو يصبغ أحمر كما لا يخفى. وفي ذلك إرشاد إلى ما ألمحنا إليه من أن المحرم نوع مخصوص من الأحمر وهو المعصفر. وذكر الجلال في ضوء النهار (٦): أنه يجمع بين الأحاديث بحمل النهي على الكراهة، ويبعد ذلك ما تقدم من أمره ﵌ لمن لبس بأن يحرقه، ولا يعاقب على ارتكاب المكروه بمثل هذا، يؤيده بعدًا قوله ﵌: " إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها " (٧) فإن المجيء بالنهي بعد بيان أنها مختصة بالكفار يفيد أنه للتحريم؛ لما تقرر من أن التشبه بالكفار حرام، وجعل النهي عن المعصفر مقترنًا بالنهي عن الحرير وخاتم الذهب كما تقدم في حديث عليٍّ ﵇ مما يؤيد التحريم. قال المقبلي في المنار (٨): والظاهر أن ما ساوى المعصفر في نصوع الحمرة فهو مثله،

стр. 3469

كالأصباغ التي تكون في شيء من الجوخ هي أقنى وأزين من المعصفر إن لم تزد عليه لم تنقص. والشافعية اقتصروا عليه ولا وجه لذلك؛ لأنه لا خصوصية للمعصفر، فيتعدى الحكم بالقياس بعدم الفرق. وأحاديث كراهة الحمرة كقوله ﵌: " ألا إن هذه الحمرة قد علتكم " (١) تقوي التعميم، غايته أن المحقق المشبع كما ذكره المصنف، وقد مر في الصلاة ما هو أبسط من هذا. انتهى كلامه (٢). وأقول هذا مبني على ما ذكره ابن القيم (٣) من التأويل في الحلة الحمراء التي لبسها النبي ﵌ كما تقدم، وقد عرفت عدم صحته، والمقبلي ﵀ قد قلده في ذلك، ونقل كلامه في كتاب الصلاة من حاشية المنار (٤)، فاستراح بذلك من الأحاديث الواردة في الصحيح وغيره أنه ﵌ لبس الحلة الحمراء والثوب الأحمر كما سلف؛ ولهذا رجح العمل بالقياس لما فيه من حمرة من الثياب مطلقًا على ما كان منها مصبوغًا بالعصفر، ولا يتم ذلك على ما قررنا من أن المعنى الحقيقي لما وصفه [١٢] الصحابي بالحمرة هو أن جميعه أحمر لا بعضه. وأيضًا ما كان البعض منه أحمر منهيًا عنه كما اعترف به ابن القيم (٥). ولا يخفى أن إلحاق كل ما كان أحمر بما كان معصفرًا استلزم على ذلك التقرير إهدار الأحاديث الواردة بلبسه ﵌ للأحمر أو التكليف لدعوى الاختصاص به، وكل ذلك غير مناسب، أما الأول فلا شك أن اطراح دليل صحيح بدليل آخر دونه في الصحة أو مثله بلا مرجح مما لا يقع فيه منصف، وعلى تسليم وجود المرجح كأن

стр. 3470

يقال فيما نحن بصدده مثلاً، الأحاديث القاضية بتحريم الأحمر أقوال وهي أرجح من الأفعال، فلا يتم ذلك أيضًا؛ لأنه مصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع وهو غير جائز إجماعًا. وأما الثاني فقد تقرر بنص الكتاب والسنة. أن التأسي بأفعاله ﵌ ثابت على الأمة كالتأسي بأقواله، فالقول بالاختصاص في غير ما تبين وجهه خلاف الظاهر بالإجماع فلا يصار إليه إلا لموجب. إذا تقرر هذا عرفت أن ما ذكرناه من الجمع بتحريم المعصفر وحده متعين، لا يتم العمل بجميع الأدلة المختلفة على وجه حسن، وعدم الترك لبعضها أو التعسف في تأويل ما لا ملجئ إلى تأويله إلا به. وهذا على فرض عدم العلم بالتاريخ، فكيف وقد علم أن النبي ﵌ لبس الأحمر بعد حجة الوداع (١)، ولم يلبث ﵌ بعدها إلا نحو ثلاثة أشهر!. وقد تقرر في الأصول (٢) أن المتأخر ناسخ للمتقدم مع عدم إمكان الجمع، سواء كان المتأخر قولا أو فعلا مصحوبًا بدليل التأسي الخاص والعام على خلاف في ذلك، مرجعه إلى شمول القول له ﵌ بطريق التنصيص أو الظهور، أو اختصاصه بسائر الأمة دونه. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق، حرر الجواب في سلخ شهر ربيع الآخر سنة ١٢٠٩ [١٣].

стр. 3471

الأبحاث البديعة في وجوب الإجابة إلى حكام الشريعة تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3472

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " الأبحاث البديعة في وجوب الإجابة إلى حكام الشريعة ". ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، إياك نعبد، وإياك نستعين، أحمدك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآل رسولك. . . . ٤ - آخر الرسالة: وهي موجودة في الصحيحين بالغة فيهما إلى حد التواتر المعتبر، فراجعوا ذلك ففيه ما يغني. والحمد لله أولاً وآخرًا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله، ورضي الله عن الصحابة الأخيار. ٥ - نوع الخط: خط نسخي عادي. ٦ - عدد الصفحات: ٤٥ صفحة ما عدا صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٧ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١١ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3473

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إياك نعبد، وإياك نستعين، أحمدك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآل رسولك. وبعد: فإنه وصل إلى الفقير محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما - سؤال من سيدي السيد العلامة الرئيس الفهامة شرف الدين بن أحمد بن محمد بن الحسين (١) - كثر الله فوائده - حاصله: هل ثم دليل يدل على وجوب إجابة أحد الخصمين إلى حاكم خارج عن المحل الذي يسكنه الخصم الآخر المطلوب؟ فأجبت بجواب لم يكن أصله محفوظًا لدي، وحاصله أن الإجابة إلى الشريعة المطهرة واجبة على كل مسلم، فمن دعا خصمه إلى قاض من القضاة الذين يعرفون حكم الله في تلك الخصومة، ويتمكنون من الحكم بما أمر الله بالحكم به في محكم كتابه، فإنه أمر رسله وسائر عباده بالحكم بما أنزل، وبالعدل وبالقسط، وبما أراهم الله، وجب عليه إجابته. ومعلوم أنه لا يعرف ذلك إلا من يعرف ما أنزل الله في كتابه وعلى لسان رسوله؛ فإن ذلك هو الشريعة المحمدية، وجميع ما يحصل من المسائل الشرعية بالمقايسة الصحيحة هو من جملة ما تناوله الكتاب أو السنة بتلك الواسطة، وكذلك ما كان من المسائل بدليل فحوى الخطاب (٢) أو لحنه (٣)،

стр. 3474

ثم ذكرت ذلك في الجواب دليلين من كتاب الله تعالى على وجوب الإجابة إلى الشريعة المطهرة، وهما قول الله : ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾ (١) [١أ] وقول الله - سبحانه -: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (٢). وأوضحت ما في هاتين الآيتين الشريفتين من الأسرار الربانية التي يمكن الاطلاع على بعضها للبشر بممارسة العلوم الموضوعة لبيان دقائق العربية وأسرارها، جازمًا بأن الدعاء إلى الله وإلى رسوله هو الدعاء إلى ما شرعه الله ورسوله، مبرهنًا على ذلك بإجماع المتشرعين عليه، وبيانه أنه لا يعرف خلاف لفرد من أفراد المسلمين سابقهم ولاحقهم في وجوب إجابة من دعا خصمه إلى التحاكم إلى الشريعة المطهرة، فمن ادعى أن ذلك لا يجب إلا في زمن النبوة إلى رسول

стр. 3475

الله وحده فقد طوى بساط الشريعة بعد عصر الرسالة، وخالف جميع أهل الملة الإسلامية من لدن الصحابة إلى الآن، فإنهم متفقون على وجوب الإجابة إلى الشريعة، متقيدون بأحكامها قولاً وفعلاً واعتقادًا، فإن قال من قصر وجوب الإجابة على أيام النبوة إلى رسول الله وحده إنه قائم مقام المنع وطالب للدليل، فهذا الإجماع الذي نقلناه يكفي في الجواب عليه، على أن في الكتاب العزيز، وفي السنة المطهرة من الأدلة المصرحة بوجوب الإجابة لما شرعه الله في محكم كتابه وعلى لسان رسوله ما لا يأتي عليه الحصر. ولا فائدة في إيراد شيء من ذلك؛ لأن هذا الأمر هو المقصد الأهم، والغرض الأقدم من الدعوة المحمدية، بل من دعوة جميع الرسل، ولا يظن بمسلم أن يخالف في ذلك، ولو فرضنا وجوده فرضًا اختراعيًا لكان هو المطالب بالدليل؛ لأنه يزعم أن بساط الشريعة قد طوي بعد أيام النبوة [١ب]، وارتفع تعبد الأمة بها. فيقال له: ما الدليل على ذلك مع كونه [. . . . .] (١) الضرورة الدينية؟ فإن خص ذلك بمسائل الخصومة دون غيرها وقال: لا تجب إجابة دعوة الخصم لخصمه إلى الشريعة بعد عصر النبوة مع تسليمه أن الأمة متعبدة بهذه الشريعة المطهرة قبل مضي عصر النبوة، فيقال له: ما الفرق بين مسائل الصلاة والصيام مثلاً، وبين مسائل البيع والهبة والنذر حتى بقي التعبد بالمسائل الأولى دون المسائل الثانية؟ فإن قال: لا فرق كما هو الظن بكل مسلم، فيقال له: إذا اختلف المسلمان في شيء من المعاملات الشرعية، فقال أحدهما: الحق بيده، وقابله الآخر بمثل دعواه، فما الحيلة في رفع ما بينهما من الاختلاف؟ هذا على فرض عدم الدعوة من أحدهما لخصمه إلى الشريعة المطهرة، فكيف إذا دعاه إليها، وهذا التقدير إنما هو مقدمة لما يأتي في غضون هذه الأبحاث؛ إذ النزاع لم يتعلق به في الظاهر، وإن استلزمه كلام المعترض - عافاه الله - كما سيأتي بيانه. وإذا تقرر وجوب إجابة الطالب لخصمه إلى الشريعة المطهرة بالضرورة الدينية. فلا

стр. 3476

بد أن يكون القاضي المدعو إليه على الصفة التي [٢أ] قدمنا من العلم بالشريعة التي هي الكتاب والسنة وما يلتحق بهما، وهو لا يعلم بكتاب الله حتى يعرف محكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وعامه وخاصه، ومجمله ومبينه، ومطلقه ومقيده، وتنزيله وتأويله (١)، ولا يعرف ذلك إلا نحارير العلماء، على أن فهم مدلول تركيباته المشتملة على المسائل الشرعية لا يتم إلا بعد معرفة لغة العرب على الصفة التي كانت عليها، وذلك يتوقف على معرفة علم اللغة، والنحو والصرف، والمعاني والبيان، كما أن بعض الأوصاف السابقة لا يعرف إلا بمعرفة علم الأصول، ومعرفة ما قاله علماء الصحابة فمن بعدهم في تفسير آيات الكتاب العزيز، وبيان أسباب النزول، وتاريخ الوقائع، وهكذا معرفة السنة المطهرة تتوقف على ما يتوقف عليه معرفة الكتاب العزيز من العلوم، مع زيادة البحث عن أحوال الرواة، ومعرفة من يجوز العمل على روايته ومن لا يجوز، وما يكون به الحديث صحيحًا، أو حسنًا، أو ضعيفًا، أو موضوعًا. ولا يعرف ذلك إلا من يعرف علوم الحديث معرفةً يفهم بها هذا الشأن، وهذا عندي هو العقبة الكؤود، فإن أقدام العلماء فيه متفاوتة غاية التفاوت، فمنهم من لا يفهمه ولا يهتدي إليه، ومنهم من يأخذ منه بقدر فهمه. وأما بلوغ [٢ب] درجة التحقيق فيه والإتقان له فقليل جدًا، خصوصًا في ديارنا هذه، فإن وجود من يعرف الأمهات الست فضلاً عن غيرها قليل جدًا، مع أن التوسع في معرفة السنة المطهرة لا بد منه لمن يدعي أنه يقتدر على الحكم بين المتخاصمين بما في الكتاب والسنة؛ لأن دليل المسألة قد يوجد في كتاب ولا يوجد في كتاب آخر، فإن كثيرًا من المسائل التي تقع فيها الخصومة لا يوجد دليلها في الأمهات الست، وهو موجود في غيرها من المسانيد والمستدركات والمستخرجات ونحوها. هذا يعلمه كل باحث عن الأدلة، وناظر في مواطنها، فإذا اختصم الرجلان إلى قاض يعلم بما في الأمهات الست،

стр. 3477

ولا يعلم بما في غيرها، وكان دليل ما اختصما فيه غير موجود فيها، وهو موجود في غيرها، وقد علمه قاض آخر، فمعلوم أن القاضي الآخر هو الذي يعلم بالحكم الشرعي في تلك المسألة، وهكذا إذا كان أحد القاضيين أوسع رواية ودراية من الآخر، فإن كل خصومة تعرض للقاضي المفضول ولا يجد دليلها لا بد أن يختلج في خاطره، بل وفي خاطر الخصمين إن كان لهما بعض تمييز، بل وفي خاطر غيرهما من الناس أن القاضي الفاضل قد يجد دليل تلك المسألة، وهذا إنما ذكرته ليعلم الواقف عليه أن من كان أكثر علمًا كان أعلم بحكم الله في المسألة، ولا أقول: إنه يجب أن يكون التخاصم إلى الأفضل غير مقيد بقيد القرب الذي لا يكون فيه كثير مشقة على المتخاصمين؛ لأن كل عالم يوجد لا بد أن يجوز العقل أن غيره أعلم منه، بل أقول: إن التخاصم إلى من هو أعلم بالمسائل الشرعية المأخوذة عن الأدلة متعين إذا كان في مكان معلوم لا يحصل به الإتعاب للخصمين، الخارج عن مسلك الشريعة السمحة السهلة، وهذا على تقدير أن يكون في المكان الذي يسكنه الخصمان قاض مفضول، لكنه عالم بالكتاب والسنة ومقدماتها علمًا دون علم الفاضل. أما إذا لم يكن في ذلك [٣أ] قاض كذلك، بل كان من فيه من القضاة ممن له بعض فهم، ولكن لا يتمكن من استخراج الحجة الشرعية؛ لعدم اشتغاله بذلك، أو كان قاصر الفهم على وجه لا يتعقل الحجة الشرعية إذا جاءته، فهذا وجوده كعدمه، وترافعُ الخصمين إليه ليحكم بينهما بالشريعة المطهرة جهل على جهل؛ فإنهما جهلا كونه لا يعلم بالشريعة فترافعا إليه، وهو أيضًا جهل أنه غير عالم بها فقبلهما، وصدر نفسه للحكم بينهما. ولو كشف للخصمين أن القاضي لا يعلم بالشريعة لم يتخاصما إليه؛ لأنهما إنما طلبا الحكم الشرعي؛ فلهذا سلما وقنعا وأذعنا لما حكم به، ولو علم المحكوم عليه منهما أن الحكم عليه في تلك الحادثة مخالف للشريعة المطهرة لم يقنع إلا إذا أكره إكراهًا لا يتمكن معه من طلب حكم الله، وهكذا لو علم القاضي الجاهل بأنه غير عالم بالشريعة المطهرة لم يصدر نفسه للحكم إذا كان فيه أدنى نصيب من الدين وأحقر حصة

стр. 3478

من التقوى. ولكنه شبه عليه الأمر، فظن لجهله أن الشريعة المطهرة هي ما يحفظه بعض الممارسين للخصومات من تلك القوانين التي قد وقع الاصطلاح عليها، قأقدم على الحكم إقدام من جهل الحكم الشرعي وجهل أنه جاهل به، وهذا القاضي لا فرق بينه وبين من يتكسب بالوكالة للخصوم في ديارنا هذه، فإن من كان من المتخاصمين غير قادر على الخصومة يقصد رجلاً من الممارسين للخصومة فيجعله وكيلاً له، ويسلم له أجرًا؛ لأنه ظن أن ذلك الوكيل يعرف الشريعة، وأنه سيكفيه مؤونة الخصام؛ فلهذا بذل له ماله وألقى إليه مقاليد أمره، وذلك الوكيل قد ظن أن الشريعة هي تلك المسالك الاصطلاحية التي قد مارسها وتمرن فيها، فصدر نفسه للوكالة، وتكلم في مواقف الخصام بملء فيه، كما ظن ذلك القاضي الجاهل بأنه قد علم بالشريعة المطهرة بمجرد حضوره في مواقف الخصام قبل أن يصير قاضيًا، أو بمجرد اطلاعه على مختصر من المختصرات المدونة في هذا الشأن، ولو رجع إلى عقله واستعان بفهمه، لعَلِمَ [٣ب] أن الشريعة المطهرة هي ما شرعه الله في محكم كتابه وعلى لسان رسوله، وأنه لا يعرف ذلك، فإنه لو قال له قائل: هل قرأت العلوم التي يتوقف معرفة كلام الله وكلام رسوله على معرفتها؟ لقال: لا، ولو قال له قائل: هل تروي سنة رسول الله ﵌ عن شيوخها العارفين بها، وهل قعدت بين أيديهم، وسمعت منهم متونها وأسانيدها، واستوضحت معانيها؟ لقال: لا، ولو قال له قائل: هل أخذت علم تفسير كتاب الله عن شيوخه العارفين به؟ لقال: لا، فلم يبق حينئذ إلا أن يقول: حضرت مواقف الخصومة لدى القاضي الفلاني، فرأيته يصنع كذا، وسمعته يقول كذا، أو حضرت في قراءة المختصر الفلاني ففهمت منه كذا، وعرفت منه كذا. فإذا قيل له: هل تعلم أن هذا الذي كان يفعله القاضي الفلاني أو رأيته في المختصر الفلاني هو حكم الله الذي شرعه لعباده، وعلى لسان رسوله فلا بد أن يقول: لا أدري؛ لأن المفروض أنه جاهل به، بل لو كان من المقلدين الممارسين لكتب التقليد ممارسة طويلة لم يقدم على هذه المقالة؛ لأن المفروض أنه مقلد، والمقلد هو من يقبل قول

стр. 3479

الغير من دون أن يطالبه بحجة. ولهذا قال أهل الأصول (١) في حد التقليد أنه قبول قول الغير دون حجته، فكل مقلد يعترف على نفسه بأنه لا يطالب بالحجة ولا يتعقلها، فضلاً عن أن يعلم بحكم الله سبحانه. إذا تقرر هذا، فاعلم أن خلاصة ما أجبت به في الجواب المشار إليه سابقًا عن السؤال المتقدم ذكره هو: أن المحل الذي يسكنه الخصمان إن كان فيه من يتمكن من الحكم بينهما بالشريعة المطهرة على الوجه الذي لخصناه هاهنا، فلا يجوز لأحدهما أن يطالب الآخر بالخروج إلى قاض آخر في مكان غير المكان الذي يسكنانه؛ لأن ذلك مجرد إتعاب، ومحض مشقة، وإن لم يكن فيه من هو كذلك بل لم يوجد فيه قاض، أو وجد فيه، وهو غير عالم بحكم الله - سبحانه - على الوجه المتقدم ذكره، فالواجب [٤أ] الترافع إلى قاض يعرف ما شرعه الله لعباده، وإن بعد مكانه؛ لأن الترافع إلى من لا يعرف الشريعة ليس بترافع إلى الشريعة، ومجرد وجود اسم القاضي لا يستلزم أن يوجد في ضمنه المسمى بلا خلاف. وسنورد الآن لفظ الاعتراض الواقع من السائل - كثر الله فوائده - على جوابي الذي هذا خلاصته، وأتعقب كل بحث منه بما يرد عليه، سالكًا في جميع ذلك مسلك الإنصاف، واقفًا على ما ينبغي الوقوف عنده من القواعد العلمية، ماشيًا على قواعد علم المناظرة (٢)، غير خارج عن قوانينها المدونة، فأقول: قال - كثر الله فوائده -: وأشكلت علينا فيما ذكرتموه مسألتان، أحببنا عرضها عليكم. المسألة الأولى: إلزامكم لأولاد القاضي تسليم نصف الأجرة. المسألة الثانية: في الاستدلال على تكليف الغرماء للرحيل من جهة إلى جهة بالآيتين الكريمتين، فأما المسألة الثانية فالإشكال فيها من وجوه:

стр. 3480

الأول: أن آية النور وما قبلها من قوله تعالى: ﴿إذا دعوا إلى الله ورسوله﴾ (١) الآيات نزلت في المنافق واليهودي حين اختصما إلى رسول الله ﵌، وليس الدعاء إلى غير رسول الله للحكم كالدعاء إليه؛ للفرق الذي لا يخفى على أحد، ولا يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٢)؛ لأنه يقال: عموم اللفظ مسلم في المؤمنين الذين دعوا إلى رسول الله ﵌ ليحكم بينهم، فيكون العموم من نفس اللفظ في من دعى إلى رسول الله ﵌ ولا يختص بمن كان سببًا في نزول الآية. وأما العموم في الحاكم المدعو إليه فمشكل؛ لعدم شمول لفظ الرسول لغيره من الأمة. وقد قال الزمخشري في كشافه (٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿إذا دعوا إلى الله ورسوله﴾ ما لفظه: معنى: إلى الله وإلى رسوله: إلى رسول الله، كقولك: أعجبني زيد وكرمه، تريد كرم زيد. . . إلخ. أقول: نورد عليه - كثر الله فوائده - قبل الكلام على كلامه هذا سؤال الاستفسار. فنقول: هل إجابة من دعا إلى حاكم من حكام الشريعة المطهرة بعد عصر النبوة ليحكم بينهم بما أنزل الله، وهو في بلد المتخاصمين أو خارج عنها، ولا حاكم فيها (٤)

стр. 3481

يحكم بما أنزله الله واجبة لديكم أم لا؟ إن قلتم: واجبة، وليست المناقشة [٤ب] منكم إلا في مجرد دلالة الآيتين المذكورتين على ذلك فالخطب يسير، والوفاق كائن، وأنتم تقولون بما أقوله، وتوجبون ما أوجبه، إما بعين دليلي، أو بدليل آخر، وحينئذ لا يضرني تسليم ما أوردتم، ولا ينفعكم؛ لأن تقرير المسألة بدليلها في الجملة اتفقنا عليه، ولم يبق الكلام إلا في مجرد تطبيق دليلي على ذلك المدلول المتفق على صحته، وأمره سهل؛ لأن المطلوب قد حصل بالموافقة، وليس من شرط حصول المطلوب أن يكون بدليل خاص، بل المعتبر وجود دليله في الجملة، وهو لازم للوجود المتفق عليه. وإن قلتم: إن الإجابة إلى حاكم يحكم بما أنزل الله بعد عصر النبوة غير واجبة، لزمكم طي بساط الشريعة، وارتفاع التعبد بها، وعدم لزوم حكمها لجميع الأمة بعد موته ﵌. واللازم باطل بالإجماع؛ فالملزوم مثله. أما الملازمة فبيانها أنه إذا لم يجب على المطلوب من الخصمين الإجابة لطالبه إلى حاكم من حكام الشريعة، عند أن يطلب ذلك منه، وهو ظالم له في شيء من الحقوق المالية أو البدنية، ولا يمكن رفع الظلامة وكشفها إلا بالتخاصم إلى الحاكم المذكور، فقد وقعت التخلية بين الظالم والمظلوم، وعدم الإنكار عليه، والأخذ على يده، وهو في نفسه استمر على مخالفة قطعي من قطعيات الشريعة، وتمرد على الله وعلى شريعته، وعلى الحاملين للحجة الشرعية والمبينين لها، الذين أخذ الله عليهم الميثاق في البيان في محكم كتابه، وأما بطلان اللازم فبإجماع المسلمين، وبالضرورة الدينية إما بيان كون ذلك إجماع المسلمين، فغير خافٍ على من له أدنى انتماء إلى الشريعة؛ لأن الصحابة ﵃ بعد موته ﵌ قاتلوا الممتنعين من تسليم الزكاة، وأقاموا الحدود، وجاهدوا الكفار، وألزموا الناس القيام بجميع الواجبات الشرعية، وحالوا بينهم وبين المحرمات الدينية، وأنصفوا المظلوم من الظالم، ونصبوا الحكام، وأوجبوا على الناس الإجابة إليهم، وامتثال أحكامهم، والوقوف على الحدود التي يرسمونها من الشريعة لهم. ثم فعل ذلك التابعون وتابعوهم، ومن بعدهم إلى هذه الغاية، ولو قال قائل في أي عصر

стр. 3482

من العصور [٥أ] الإسلامية: إن التعبد بهذه الشريعة المحمدية قد ارتفع بموته ﵌، وأنه لم يبق على هذه الأمة شيء من أحكامها - لما جاوبه المسلمون عن هذه المقالة إلا بالسيف، كائنًا من كان، وفي أي عصر كان، فضلاً عن أن يسمعوه الحجج الشرعية ويناظروه في ذلك مناظرة من خالف في مسألة من مسائل الدين، وإنما قلنا: إنه يلزم من ذلك طي بساط الشريعة؛ لأنا قد قدمنا أنه لا فرق بين مسائل العبادات وبين مسائل المعاملات، وأن من قال: لا تجب الإجابة إلى حكام الشريعة في مسائل المعاملات، فقد لزمه رفع التعبد بها من بعد عصر النبوة. ولا وجه لتخصيص عدم التعبد للأمة بمسائل المعاملات دون مسائل العبادات؛ لأن الكل شريعة شرعها الله لعباده في محكم كتابه، وعلى لسان رسوله، فنسبة الكل إلى مطلق الشريعة نسبة واحدة، وليس البعض بالانتساب إلى الشريعة المطهرة أولى من بعض بإجماع المسلمين. وإما كون ذلك معلومًا بالضرورة الدينية فيما يجده كل متشرع من نفسه، سواء كان مقصرًا في معرفة الشريعة، أو كاملاً من العلم الضروري الحاصل عنده في جميع الأوقات أنه وسائر المسلمين متعبدون بهذه الشريعة الموجودة بين ظهراني المسلمين. وإذا قد فرغنا من سؤال الاستفسار بعد تقريره على هذا الوجه الموجب للاتفاق على أحد شقيه، وهو وجوب إجابة الدعوة إلى الشريعة المطهرة بعد عصر النبوة، فلنتكلم الآن على ألفاظ المناقشة التي أوردها المناقش - كثر الله فوائده -. فنقول: أما ما ذكره فيما كتبناه سابقًا من كلامه أن الآية التي وقع الاستدلال بها - أعني قوله تعالى -: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾ (١) نزلت في المنافق واليهودي، فهذا على تقدير تسليمه لا

стр. 3483

يضرنا؛ فإن الله قال في هذه الآية الكريمة: ﴿إنما كان قول المؤمنين﴾ ولم يقل: إنما كان قول اليهودي، ولا قال: إنما كان قول المنافق، وهذا القول منسوب إلى جميع المؤمنين كما يفيد ذلك الألف واللام التعريفية، أو الموصولية على اختلاف [٥ب] الرأيين كما تقرر ذلك في علم النحو وعلم المعاني، وانهدام الجمعية، ومصير الصيغة جنسية شاملة محيطة كما هو معروف في علم المعاني أيضًا (١)، فيكون ذلك في قوة إنما كان قول كل مؤمن إذا دعي إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقول: سمعنا وأطعنا. وأما دعوى أن الدعاء إلى غير رسول الله ﵌ ليس كالدعاء إليه، فهذا مسلم، لكن بالنسبة إلى الحاكم لا بالنسبة إلى المحكوم به، فإنا نعلم أن رسول الله ﵌ لو وزن بجميع أمته لوزنها ورجح عليها، ونعلم أن الحكم المذكور في الآية الكريمة ليس هو مطلق الحكم على أي وجه كان وبأي صفة وقع، بل المراد الحكم بالشريعة المطهرة. وقد بلَّغه رسول الله ﵌ إلينا كما أمره ربه ولم يكتم علينا شيئًا مما أوحى إليه، بل قال الله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (٢). وقال رسول الله ﵌ فيما صح عنه: " تركتكم على

стр. 3484

الواضحة، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا جاحد " (١). وقال سلمان الفارسي ﵁: " لقد علمنا رسول الله ﵌ كل شيء حتى الخراءة " (٢) فتقرر بهذا أن الشريعة التي أوجب الله على عباده الإجابة إليها في حياة رسول الله ﵌ هي هذه الشريعة التي تركها بين أظهرنا المزبورة بين دفتي المصحف، والمنقولة في دواوين الإسلام، وما يلتحق بها. ولم يكن إيجاب الإجابة إلى رسول الله ﵌ لكونه رسول الله، ولا لكونه مختصًا بما لم يكن لأمته من الفضائل والفواضل التي لا يحاط بها، بل لكونه حاكمًا بين الداعي والمدعو بهذه الشريعة الموجودة. فإن قلت: العصمة الثابتة له ﵌ دون غيره من أمته فارقة بينه وبينهم. قلت: محل النزاع أن الدعوة بعد موته ﵌ إلى حاكم يحكم بتلك الشريعة التي جاء بها المعصوم، لا إلى حاكم يحكم بمجرد الرأي الذي يكون تارة صوابًا وتارة خطأ، على أن الحكم بالرأي عند عدم وجود الدليل في الكتاب والسنة إن صح دليله فهو من شريعته التي أرشد إليها أمته، فإنه قد أخرج أبو داود من حديث معاذ أن رسول الله ﵌ لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: " كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله، قال [٦أ]:

стр. 3485

" فإن لم تجد؟ " قال: فبسنة رسول الله، قال: " فإن لم تجد في سنة رسول الله، ولا في كتاب الله؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله ﵌ صدره وقال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله " قال المنذري (١): وأخرجه الترمذي (٢) وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل. انتهى. وقد أخرجه أيضًا أحمد (٣)، والطبراني (٤)، والبيهقي (٥)، وابن عدي (٦)، وهو من طريق الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن إياس من أهل حمص من أصحاب معاذ، عن النبي ﵌ أنه بعث معاذًا. وفي رواية لأبي داود عن معاذ عن النبي ﵌ قال البخاري (٧): الحارث بن عمرو روى عنه أبو عون، ولا يعرف إلا بهذا المرسل. قلت: قد جمع الحافظ ابن كثير في طرقه وشواهده جزءًا وقال: هو حديث حسن مشهور اعتمد عليه أئمة الإسلام في إثبات أصل القياس، وقواه أيضًا أبو بكر بن العربي المالكي شارح الترمذي. وقد ذكر الدارمي في مسنده (٨) بعضًا من طرقه وشواهده. وقال الدارقطني في العلل (٩): رواه شعبة عن أبي عون هكذا، وأرسله ابن مهدي

стр. 3486

وجماعات، والمرسل أصح. وقال ابن حزم (١): لا يصح؛ لأن الحارث مجهول، وشيوخه لا يعرفون. قال: وادعى بعضهم فيه التواتر، وهذا كذب، بل هو ضد التواتر؛ لأنه ما رواه أحد غير أبي عون عن الحارث، فكيف يكون متواترًا! وقال عبد الحق (٢): لا يسند ولا يوجد من وجه صحيح. وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (٣): لا يصح، وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه ويعتمدون عليه، وإن كان معناه صحيحًا. وقال ابن طاهر في تصنيف له مفرد في الكلام على هذا الحديث: اعلم أني فحصت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار، وسألت عنه من لقيته من أهل العلم، فلم أجد له غير طريقين: إحداهما عن شعبة، والأخرى عن محمد بن جابر، عن أشعث بن أبي الشعثاء عن رجل من ثقيف، عن معاذ وكلاهما لا يصح. قال: وأقبح ما رأيت قول إمام الحرمين في كتاب أصول الفقه أن العمدة في هذا الباب على حديث معاذ. قال: وهذه زلة منه، ولو كان عالمًا لما ارتكب هذه الجهالة. قال الحافظ ابن حجر (٤): أساء الأدب على إمام الحرمين، وكان يمكنه أن يعبر بألين من هذه العبارة [٦ب]، مع أن كلام إمام الحرمين أشد مما نقله عنه، فإنه قال: والحديث مدون في الصحاح، متفق على صحته، لا يتطرق إليه التأويل. قال: وقد أخرجه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه (٥) من رواية عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، فلو كان الإسناد إلى عبد الرحمن ثابتًا لكان كافيًا في صحة الحديث. وقد استند أبو عباس القاضي في صحته إلى تلقي أئمة الاجتهاد والفقه له بالقبول. قال: وهذا القدر مغن عن مجرد الرواية، وهو نظير أخذهم بحديث: " لا وصية لوارث " مع كون رواية

стр. 3487

إسماعيل بن عياش. وقد اعترض صاحب البدر المنير (١) على ابن كثير في تحسينه للحديث في كلامه السابق بأنه لم يصب في ذلك، وأنه جنوح منه إلى قول الجويني. قال: والحديث ضعيف بالإجماع. وقال ابن دحية: هذا الحديث لا أصل له، ورجاله مجهولون، وهو حديث مشهور عند ضعفاء أهل الفقه. وقد استند الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير (٢) ﵀ في تقوية هذا الحديث إلى ما قاله ابن كثير. وقد عرفت ما تعقب به، وما قاله من هو أعلم منه بهذا الشأن من الأئمة. وبالجملة فالاستدلال بهذا الحديث الذي لم يرتق إلى درجة الحسن لغيره، فضلاً عن الحسن لذاته، فضلاً عن الصحيح مشكل غاية الإشكال، لا سيما على مثل هذا الأصل العظيم المقتضي لثبوت ما لا يحصى من المسائل، وعلى كل حال فالحديث إنما يستدل به

стр. 3488

على رأي من يعرف الكتاب والسنة حتى يصح قوله: إنه لم يجد ذلك الحكم في كتاب الله، ولا في سنة رسوله، فأما رأي من لم يجهد نفسه بالبحث عن الدليل في الكتاب والسنة على فرض أنه يقدر على ذلك فهو باطل لا يلزم المتخاصمين قبوله، ولا يحل لأحد من قضاة المسلمين تقريره، وأما رأي القاصر الذي لا يعرف كتابًا ولا سنة فليس هو الرأي المذكور في الحديث، بل هو طاغوت بحت وجاهلية خالصة. وهذا القاضي هو أحد القاضيين اللذين هما في النار بنص (١) رسول الله ﵌ لأنه لا يدعي أن ما حكم به هو ما شرعه الله لعباده في محكم كتابه وعلى لسان رسوله؛ إذ هو مقر بأنه لا يعرف إلا مجرد ما قاله فلان دون دليله، ولا يدعي أيضًا أن ذلك الرأي الذي حكم به هو في قضية لم توجد في الكتاب ولا في السنة؛ لأنه لا يصح الحكم منه بالعدم إلا بعد علمه بما حكم بالعدم عليه، وأنه [٧أ] لا يعلمه؛ لأن الإعدام إنما تعرف بالملكات، ومن يقر على نفسه بأنه لا يدري بكتاب ولا سنة، كيف يدعي أن ما حكم به غير موجود فيهما!. فالحاصل أنه إن كان ما حكم به حقًا مطابقًا للشريعة فهو قد حكم بالحق، وهو لا

стр. 3489

يعلم بأنه الحق، وهو أحد قاضيي النار، وإن حكم بغير الحق عالمًا بأنه غير الحق، أو جاهلاً أنه غير الحق، فهو أيضًا القاضي الآخر من قضاة النار، فهو لا يخرج عن كونه في النار على كل تقدير، فانظر في هذا بعين الاعتبار؛ لتعلم ما في قضاء المقصرين من الخطر العظيم، فإن القضاة المقصرين إن كانوا يعلمون بالحديث المصرح بأن القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فقد تهافتوا في النار تهافت فراش عمدًا، وإن كانوا يجهلونه فذلك غير نافع لهم، فإنه يجب عليهم أن يتعلموا العلم، خصوصًا مثل هذا الحديث الذي يخصهم، أعني القضاة، فتفريطهم في العلم به مع توثبهم على التسمي بالقضاة ومباشرة ما يباشره القضاة لا يكون عذرًا لهم، وهذا الحديث قد اتفق على إخراجه أهل السنن (١)، والحاكم (٢)، والبيهقي (٣) من حديث بريدة، وله طرق غير هذه، جمعها الحافظ ابن حجر في جزء مفرد كما قال في التلخيص (٤): فهؤلاء القضاة المقصرون ليسوا بأهل للحكم بنص الكتاب والسنة؛ لأنهم لا يتعقلون الحجج الشرعية، فكيف يكونون أهلاً للحكم بمحض الرأي الذي لا مستند له من كتاب ولا سنة! فإنه لا رأي لهم، ولا رواية، ولا فهم، ولا دراية، بل هم على عاميتهم التي نشؤوا عليها، وإن ظنوا أنهم قد خرجوا عنها بالاطلاع على بعض أقوال أهل العلم، أو على قول عالم واحد، فإن العلم وراء ذلك كله وظنونهم فاسدة، فإنه إنما يعرف العلم أهله. ومعرفة أسماء العلوم لا تستلزم معرفة المسمى، ومن أنكر هذا فليسأل واحدًا منهم عن حد علم من علوم الاجتهاد، أو فائدته، أو موضوعه، أو غايته، أو مسألة من مسائله، وينظر ما يجد عنده من ذاك. وأما القاضي العالم بالشريعة المطهرة على الوجه الذي قدمنا تحقيقه فهو وإن كان على خطر في مباشرته [٧ب] باعتبار الأحاديث الواردة في الترهيب عن

стр. 3490

الأمارة على العموم، وعن القضاء على الخصوص، لكن له مروحات ومسليات، وهي الأحاديث الواردة في الترغيب في ذلك. وقد أوردت الجميع في شرحي للمنتقى (١)، ولو لم يكن من الترغيبات في ذلك إلا حديث عمرو (٢) وأبي هريرة (٣) المتفق عليهما بلفظ: " إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران "، ورواه الحاكم (٤) والدارقطني (٥) من حديث عقبة بن عامر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر بلفظ: " إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله عشرة أجور " ورواه أحمد (٦) أيضًا من حديث عمرو، وطرقه يشهد بعضها لبعض، فيكون ثبوت العشرة الأجور بدليل هو حسن لغيره، وثبوت الأجرين بدليل صحيح، والزيادة مقبولة إذا كانت غير منافية للأصل، كما في هذا. فالحاكم المجتهد هو في كل ما يأتي من الأحكام فائز مع الإصابة بعشرة أجور، ومع الخطأ بأجر، وهذا مرغب عظيم، ومحسن جليل، فإن الخطأ بالنسبة إلى غير القاضي غاية أمره أن لا يكون فيه عقوبة أخروية مع ثبوت غالب اللوازم الدنيوية كالدية في قتل الخطأ والكفارة ونحو ذلك، فلله در قوم يؤجرون على الخطأ! ويا ويح قوم يعذبون على الإصابة وهم القضاة الذين يحكمون بالحق، ولا يعلمون بأنه الحق، فانظر كم هذا

стр. 3491

التفاوت، فإنه من أعظم الثمرات التي يستفيدها أهل العلم من علمهم. ومن أعظم البليات التي يبتلى بها أهل الجهل بجهلهم. وقد استوفيت الكلام على هذا، وأوضحت ما على المقصرين المتوثبين على هذا المنصب من الوزر والمحن الأخروية والدنيوية في الكتاب الذي سميته: " القول المفيد في حكم التقليد " وهو مختصر جمعته في العام الماضي جوابًا عن سؤال من سأل عن حكم التقليد (١). إذا تقرر هذا فاعلم أن المناقش - كثر الله فوائده - يجل عن أن يلتزم ما قدمنا من

стр. 3492

اللوازم اللازمة لمن لم يوجب الإجابة إلى الشريعة بعد موته ﵌ لأن التزام ذلك طي لبساط الشريعة المطهرة كما قدمنا، وهو مع كونه خلاف الإجماع القطعي هو أيضًا خلاف [٨أ] الضرورة الدينية كما سبق تقريره، ولم يبق النزاع إلا في كون الحكم المذكور في الآيتين منسوبًا إلى رسول الله ﵌ والجواب عن ذلك من وجوه: الأول: ما قدمنا من أن الدعاء إليه ﵌ هو للحكم منه بالشريعة المطهرة لا لأمر يخصه. الثاني: ما قدمنا من الإجماع القطعي على وجوب إجابة الداعي إلى الشريعة بعد موته ﵌. ومن زعم أنه قد خالف في ذلك مخالف فليأتنا به، فإنا قد صححنا إجماع المسلمين في كل قطر وعصر على أن التعبد بالشريعة باق بعد عصر النبوة كما كان قبلها، وهذا الفرد المتنازع فيه الذي هو الإجابة إلى الشريعة داخل في ذلك، ومن زعم أنه خارج فعليه البيان، لا سيما وهو يفضي إلى بطلان التعبد بغيره من مسائل الشريعة؛ لعدم الفرق، ففرديته إنما هي باعتبار كونه قد تعلق به النزاع، لا من حيث ذاته، فإنه إن لم يصح وصف كل حكم من الأحكام الشرعية به، فلا شك أنه يصح وصف أكثرها به. وبيانه أن الاختلاف في مسائل العبادات قد يتسبب عنه وقوع الدعوة من أحد المختلفين للآخر إلى عالم من علماء الإسلام؛ ليبين لهما الحق مما اختلفا فيه، كما يدعو أحد الخصمين الآخر في مسألة من مسائل المعاملات إلى حاكم يحكم بينهما في ما اختصما فيه، فتندرج مسائل العبادات على اختلاف أنواعها من هذه الحيثية تحت قوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين. . .﴾ (١) الآية. وتحت قوله تعالى: ﴿فلا وربك. . .﴾ (٢).

стр. 3493

الوجه الثالث: الضرورة الدينية الحاصلة لكل فرد من أفراد المسلمين أن التعبد بهذه الشريعة ثابت بعد عصر النبوة كما كان قبلها؛ فهذه الوجوه الثلاثة يستفاد منها أن تخصيصه في الآيتين الكريمتين بالدعوة إليه، والتحكيم له، ونسبة الحكم إليه إنما كان لكونه صاحب الشرع، وإلا فالدعوة إلى غيره ليحكم بشريعته حكمها حكم الدعوة إليه، وإذا لم يصلح الإجماع القطعي، والضرورة الدينية للتسوية بينه وبين غيره، فما ذاك الذي يصلح [٨ب] بعدهما ويسد مسدهما؟! الوجه الرابع: أن رسول الله ﵌ قد نصب القضاة في حياته (١)، وبعث الولاة، وأمَّر الأمراء، وأوجب على الناس طاعتهم وامتثال أمرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فلو كانت إجابة الدعوة والتحكيم مختصين برسول الله ﵌ لم يثبت ذلك للحكام المبعوثين من جهته، وهو خلاف المعلوم؛ فإنه بعثهم إلى جهات بعيدة كاليمن، ومكة، ونحوهما. ولو كانت الإجابة إليهم غير واجبة لكان بعثهم عبثًا لا فائدة فيه للباعث ولا للمبعوث، ولا للمبعوث إليه، واللازم باطل بالملزوم مثله. الوجه الخامس: أن إفراده ﵌ في الآيتين بنسبة التحكم إليه والحكم منه هو كإفراده في قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (٢)، ﴿جاهد الكفار﴾ (٣)، ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ (٤)، ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ (٥)، ﴿ادفع بالتي هي

стр. 3494

أحسن﴾ (١)، ونحو ذلك من الآيات القرآنية التي يكثر تعدادها، ويطول إيرادها. ومنه الآيات التي فيها (قل)، والآيات التي فيها الخطابات للرسول والنبي، فإن قلتم باختصاصه ﵌ بجميع ذلك خالفتم الإجماع والضرورة الدينية. وإن قلتم بعدم الاختصاص فما وجه التعميم في هذه الأمور دون المتنازع فيه؟ وإن قلتم: الدليل يدل على التعميم فهكذا محل النزاع، فإن كل دليل يفرض في هذه الأمور سواء كان من الكتاب أو السنة أو الإجماع فهو كذلك في وجوب الإجابة، فإن الأدلة الدالة على وجوب الإجابة إلى الحكم بالشريعة المطهرة موجودة كثيرة. الوجه السادس: أنه قد تقرر في الأصول (٢) أن خطابات الله ورسوله لواحد من الأمة تعم إذا لم يوجد ما يفيد اختصاص ذلك الواحد بذلك الحكم، ووجوب الإجابة [٩أ] لمن دعا إلى الشريعة كذلك، ولا يقدح في ذلك تخصيصه ﵌ بالخطاب بقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك﴾ (٣) ولا إفراده بالحكم في قوله تعالى: ﴿ليحكم بينهم﴾. الوجه السابع: أن الله - سبحانه - قد شرع لنا التحكيم في أمر الزوجين (٤)، وفي صيد الحرم (٥)، وأوجب علينا الامتثال لما يحكمان به، بل وقع منه ﵌ التحكيم في الحديبية (٦) ما بين طائفة المسلمين والكافرين لسهيل بن ...................

стр. 3495

عمرو (١): وهو إذ ذاك كافر، ووقع ذلك من أمته بعده، فتارة يدعو إلى كتاب الله من كان محقًا كما وقع في صفين (٢)، ولم يقل أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - يوم صفين إنها لا تجب إجابة الداعين إلى كتاب الله، بل قال: إنهم فعلوا ذلك خدعًا ومكرًا، وأنهم لو كانوا صادقين في الدعوة إلى كتاب الله لكان أولى لذلك منهم، وأحق به، فلم ينكر أصل الدعوة، ووجوب الإجابة إليها، بل أبان أن الداعي لم يرد الدعوة الحقة، بل أراد المكر والخدع، وأنه لو أراد الدعوة الحقة لكان المدعو أحق منه بها، ولو كانت الإجابة للدعوة الحقة عند أمير المؤمنين غير واجبة لم يدع إلى كتاب الله يوم الجمل (٣)، ولا يوم النهروان (٤)، وكيف ينسب ذلك إليه وهو كاتب كتاب المقاضاة في يوم الحديبية (٥)! فإذا كانت الإجابة لدعوة من دعا إلى التحكيم واجبة فكيف لا تجب إجابة من دعا إلى حاكم من حكام الشريعة ليحكم بحكم الله! وكيف يقال: إن الإجابة في الآيتين المذكورتين مختصة برسول الله ﵌!. الوجه الثامن: أنه قد تقرر في الأصول (٦) أن النبي ﵌ إذا فعل فعلا أو شرع الله له شرعًا كان التأسي به في ذلك ثابتًا على جميع أمته إلا أن يقوم دليل يدل على اختصاصه به [٩ب]، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين، وقد دل عليه كتاب الله - سبحانه - قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٨)،

стр. 3496

وقال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١). والآيات والأحاديث الدالة على التأسي به ﵌ كثيرة جدًا، وهي مفيدة أن أمته أسوته في كل حكم لم يقم دليل يدل على اختصاصه به، فسيكون الدعاء إلى غيره من الأئمة والحكام والعلماء للحكم بما أنزل الله كالدعاء إليه ﵌ لعدم وجدان دليل يدل على اختصاصه بهذا الحكم، فلو فرضنا أنه لا دليل يدل على أن الدعوة إلى غيره من المتأهلين للحكم من أمته لها حكم الدعوة إليه لكان دليل التأسي به المجمع عليه كافيًا في ذلك، ولو قال قائل: إن خطابات الله لرسوله بالأحكام الشرعية خاصة به لأن غيره مفضول، وهو فاضل لوقع في مضايق في كثير من الأحكام الشرعية، وخالف ما أجمع عليه المسلمون، وسلك في مسالك قد أراح الله الأمة من سلوكها، وولج في مهاوٍ ولم يلجها غيره، ولا أذن الله له بولوجها وهو - لا محالة - راجع إلى الطريق الواضح، وسالك في المسالك التي يسلكها سلف الأمة وخلفها. ولنقتصر على هذا المقدار؛ ففيه كفاية يندفع بها بل بالبعض منها ما أوردتم على الاستدلال بالآيتين الكريمتين. وأما ما ذكرتم من قول الزمخشري في كشافه (٢) فهو تأويل الدعوة إلى الله، فجعل الدعوة إلى الله تعالى هي الدعوة إلى رسوله كقول العرب: أعجبني زيد وكرمه أي أعجبني كرم زيد، وليس فيه إن إجابة الدعوة إلى الشريعة مختصة برسول الله ﵌ ولا تجب إلى غيره، فإن ذلك لا يخفى عليه، ومن رام أن يعرف ما يقول به في مثل هذه الآية فلينظر إلى تفسيره لغيرها من الآيات التي فيها الخطاب [١٠أ] لرسول الله ﵌، وذلك كثير في القرآن؛ ففي كل سورة من

стр. 3497

سور القرآن خطابات كثيرة لا تخلو عن ذلك إلا النادر كبعض قصار المفصل، على أن ذلك موجود في غالبها. انظر إلى قوله: ﴿قل أعوذ برب الناس﴾، ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾، ﴿قل هو الله أحد﴾، ﴿فصل لربك وانحر﴾، ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾، ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ فإن المأمور بهذه الأوامر كلها هو رسول الله ﵌. فإن قلت: ما ذكره الزمخشري (١) هاهنا أن الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى رسوله، هل هو متعين أم لا؟ بل يمكن التأويل بما هو مساوٍ له أو راجح عليه. قلت: ليس بمتعين بل هاهنا تأويل آخر هو أرجح منه، وهو أن تفسر الدعوة إلى الله بالدعوة إلى كتابه الذي أنزله، وهو وإن كان مجازًا لكنه أقرب المجازين فإن ملابسة الكلام للمتكلم أتم من الملابسة الكائنة بين الرسول والمرسل، هذا باعتبار ما نجده في الشاهد، لا باعتبار الجناب الإلهي، فإنه يتنزه ويتعالى ويتقدس عن نسبة الملابسة إليه، ولكنا نسلك في مثل هذه المجازات المسالك التي نجدها في الشاهد كما يفعله أهل العلم في مثل ذلك، وأيضًا في تفسير الدعوة إلى الله - سبحانه - بالدعوة إلى كتابه تأسيس، وهو أولى من التأكيد الذي يستفاد من تفسير الدعوة إلى الله بالدعوة إلى رسول الله، وإني أظن أن هذا الذي قلته قد قال به غيري من أهل التفسير، ولكني لم أنظر عند تحرير هذا في شيء من التفاسير، لا في الكشاف ولا في غيره. قال - كثر الله فوائده -: ويؤيد هذا إفراد ضمير الفاعل في ﴿لتحكم﴾ الراجع إلى ما قبله فلا يثبت هذا الحكم لغير رسول الله ﵌ إلا بالقياس، وللمانع أبدًا الفارق، وهكذا يقال في آية سورة النساء وهي قوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك﴾ (٢) الآية. والخصوص فيها أوضح.

стр. 3498

أقول: إن كانت الإشارة في قوله: ويؤيد هذا [١٠ب] إلى ما أسلفه من كون الآية واردة في سبب خاص، وهو اختصام المنافق واليهودي فلا تأييد في ذلك أصلا، لأن ذلك السبب هو باعتبار المحكوم عليه وإفراد الضمير في ﴿لتحكم﴾ هو باعتبار الحاكم، فقد اختلف المؤيد اسم مفعول، والمؤيد اسم فاعل على أنه - عافاه الله - قد بادر في كلامه السابق إلى تسليم كون الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقال: ولا يختص بمن كان سببًا فتأييد ما قد سلمه وجزمه بخلافه لا وجه له، بل هو شبه تناقض. وقد قدمنا أن الله - سبحانه - يقول: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا﴾ ولم يقل: إنما كان قول المنافق، ولا قول اليهودي، وإن كان التأييد لما قرره سابقًا من أنه لا عموم في الحاكم لعدم شمول لفظ الرسول ... إلى آخر كلامه فلا يصح لتأييد إفراد الضمير في قوله ﴿ليحكم﴾ (١) لأن مرجع الضمير هو الرسول، فهو تأييد لنفس الدعوى بنفس الدعوى، ولمحل النزاع بمحل النزاع، وهو يندرج تحت المصادرة باعتبار المآل. وقد صرح أهل علم آداب المناظرة (٢) بمنعه ثم قوله: فلا يثبت هذا الحكم لغير رسول الله إلا بالقياس، وللمانع أبدًا الفارق يستلزم ما قدمنا ذكره من طي بساط الشريعة بعد عصر النبوة، والوقوع في مخالفة جميع الأمة، ومخالفة الضرورة الدينية، واللازم باطل فالملزوم مثله. وقد قدمنا بيان الملازمة وبيان بطلان اللازم، وهو - حفظه الله - أجل قدرًا من أن يقع في مثل هذا فإن حكم المخالف لقطعي من قطعيات الشريعة معروف، فكيف بالمخالف لضروري من ضرورياتها! بل كيف بالمخالف لها بأسرها، والجازم بارتفاع حكمها وانقراض التعبد بها! ومعلوم أنه لم يتصور عند تحرير كلامه هذا لزوم ما يستلزمه، بل جرد النظر إلى مناقشة دلالة الدليل على المدلول غير ملتفت إلى ما يستفاد من كلامه، ولو تأمله أدنى تأمل لم يكتبه ولا أورده، ولا اعترض به، فإنه قد صرح بأن

стр. 3499

إجابة دعوة الداعي إلى الشريعة لا تجب على المدعو إلا إذا كان المدعو إليه هو رسول الله ﵌ وأن إلحاق غيره بالقياس عليه ممنوع بإبداء الفارق، فكان حاصل هذا أن من دعا غيره إلى الشريعة المطهرة بعد عصر النبوة غير مجاب الدعوة. وقد قدمنا أن الدعوة كما تكون في المعاملات تكون في العبادات [١١أ]، وأنه إذا ارتفع التعبد بهذا الأصل العظيم ارتفع بغيره بفحوى الخطاب. أقل حال أن يكون ارتفاعه بلحن الخطاب لتساوي أقدام جزئيات الشريعة في الانتساب إليها. وأما قوله: إن الخصوص في آية سورة النساء أوضح، فإن كان ذلك لقوله تعالى: ﴿حتى يحكموك﴾ فمعلوم أن إيقاع التحكيم من الأمة على رسول الله ﵌ ليس بأوضح من إسناد الحكم إليه من قوله في سورة النور: ﴿ليحكم﴾ بل لو قال قائل: إن الأمر بالعكس لم يبعد عن الصواب لما لا يخفى على من يعرف علم النحو وعلم المعاني، وإن كانت الأوضحية لكون ما في سورة النساء خطابًا له ﵌ وما في سورة النور ليس بخطاب له، بل إثبات حكم يتعلق به. فغير خاف على ذي فهم أن إثبات الشيء لمن كان غائبًا غير مخاطب يتضمن التسجيل والجزم تضمنًا لا يفيده إثبات ذلك في الخطاب باعتبار ما يستفاد من دقائق العربية وأسرارها بالنسبة إلى المحاورات البشرية، فإن تفويض فرد من أفراد النوع الإنساني لآخر في أمر وهو غير حاضر أقوى من تفويضه وهو حاضر مخاطب لما نجده في الطباع البشرية من أن للحضور مدخلية في التحاشي، وهذا إنما هو باعتبار المحاورات البشرية كما قدمنا، والخالق يتنزه عنه ولكنه لا يتم البيان في مثل هذا المقام إلا بالتمثيل بما يقع بين أهل اللغة حتى يتضح للسائل - حفظه الله - أن ما ادعاه من الأوضحية غير واضح وإن كان المستند لما ادعاه من الأوضحية هو غير ما ذكرناه فهو لا يصلح لذلك كالقسم وتكرير الضمير، فإن ذلك لا مدخل له فيما يتعلق بالدعوى كما لا يخفى. قال - كثر الله فوائده -: الوجه الثاني: أن هاتين الآيتين لو دلتا على وجوب

стр. 3500

الإجابة إلى غير رسول الله ﵌ فالدلالة إذًا إنما يكون على وجوب الإجابة إلى الحاكم بحكم الله تعالى في تلك الحادثة التي تشاجر فيها الغرماء، وحكم الله تعالى في تلك الحادثة مظنون كل مجتهد والتعيين بحكم، والاجتهاد في استنباط حكم الله تعالى في تلك الحادثة ليس مما يختص به بعض العلماء دون بعض [١١ب]؛ إذ العمدة في ذلك على حصول شروط الاجتهاد في المتأهل لذلك وشروطه هينة على من استعد للتحصيل، ووفقه الله لسلوك ذلك السبيل، وفضل الله غير مقصور ولا محجوز. ولدينا من هو متأهل للنظر، وجامع لكل شرط معتبر. والمراد وجود ما لا بد منه الشروط. وأما زيادة التفنن والتضلع من العلوم العقلية والنقلية، وبلوغ غايات الكمال في تحقيق المعارف الأصلية والفرعية فنحن لا ننكر أن لكم فيها النصيب الأعلى والقدح المعلا، ولكن المفضول في الاجتهاد حكمه صحيح كالفاضل فيه، إذ المراد استفراغ الوسع لطلب ظن بالحكم. وأما اليقين فهو عند الله تعالى، والأحكام التي يجوزها حكامنا لا نمنع من المراجعة فيها لمن اطلع على خلل، وتنبيه الحاكم على ما وهم فيه فذلك أمر مطلوب من كل متأهل للنظر، وإنما نمنع تكليف الغرماء للرحيل من جهة إلى جهة أخرى مع وجود الحكام بتلك الجهة، والمتصدين لإقامة الشرع الشريف، وإنصاف المظلوم من الظالم. أقول: هذا الكلام إنما يرد على من قال بوجوب الإجابة إلى حاكم يحكم بحكم الله - سبحانه - في غير جهة الخصمين، مع وجود من يحكم بحكم الله في جهة الخصمين، مع كون كل واحد من الحاكمين عالمًا بكتاب الله وبسنة رسوله، وبما يتوصل به إلى معرفتهما، قادرًا على استخراج الحكم منهما عند حدوث الحادثة، متمكنًا من الجمع بين المتعارضات عند الإمكان، والترجيح عند عدمه. ولم يتقدم مني ما يدل على هذا لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، بل حاصل ما أجبت به عن سؤالكم - دامت إفادتكم - أن الواجب الإجابة إلى حاكم يحكم بحكم الله من الحكام المجتهدين، فإن كان في جهة المتخاصمين من هو كذلك فلا يجاب الداعي إلى غيره، لأن ذلك مجرد إتعاب،

стр. 3501

وإن لم يكن في بلد المتخاصمين من هو كذلك وجبت إجابة الداعي إلى حاكم متصف بتلك الصفة، ولا اعتبار بمن في البلد من القضاة الذين لا يتمكنون من الحكم بما أمر الله بالحكم به، ومن كان هذا جوابه لم يرد عليه شيء مما أوردتم، فراجعوا ما أجبت به عليكم، فهو لديكم حتى تعلموا أن ما أوردتم هاهنا غير وارد عليَّ، ولا لازم لي، فهذا دفع إجمالي، ونقض لما أوردتم في هذا الكلام، فلنعد الآن إلى الكلام [١٢أ] على تفاصيل هذا الكلام. فنقول: قلتم: وحكم الله في تلك الحادثة مظنون كل مجتهد، والتعيين تحكم، وأقول: هو ممنوع؛ فإن حكم الله في تلك الحادثة وفي غيرها من الحوادث ليس إلا واحدًا يصيبه من أصابه من أهل الاجتهاد، ويخطئه من أخطأه. ولو كان حكم الله هو مظنون كل مجتهد لكان تابعًا لاجتهادات المجتهدين، ومرادات المريدين، وهو يستلزم أنه لا حكم لله في تلك الحادثة أصلا، بل حكمه فيها متجدد بوجود كل مجتهد على حسب ما يقتضيه اجتهاده، وهذا باطل وإن قال به بعض متأخري المعتزلة (١)، وقلده من قلده ممن جاء بعده، فمن جاء بالقول الفاسد فهو رد عليه

стр. 3502

كائنًا من كان، وما استلزم الباطل باطل، وأيضًا ذلك يستلزم باطلا آخر هو أن يكون حكم الله في الحادثة متناقضًا؛ فإنه إذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن عينًا من الأعيان الموجودة في الخارج حلال، وذهب آخر إلى أنها حرام كان حكم الله في تلك العين بأنها حلال، وبأنها حرام وهذا باطل، وما استلزم الباطل باطل. مثلا قد قال بعض أهل العلم بأن الخيل والضبع (١) يحل أكلهما، وقال آخر، إنه يحرم، فيكون حكم الله في الخيل أنها حلال حرام، وحكم الله في الضبع أنها حلال حرام، وهذا بمكان من الفساد لا يخفى على عارف، ولو لم يثبت في دفعه إلا الحديث الصحيح الوارد من طرق كما بيناه سالفًا: " إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن اجتهد فأصاب فله أجران " (٢) أو " عشرة أجور " (٣)؛ فهذا رسول الله ﵌ يصف المجتهد بأنه يكون تارة مخطئًا، وتارة مصيبًا، فكيف يتقول على الله وعلى رسوله متقول فيقول: إنه مصيب دائمًا، وأن حكم الله تابع لاجتهاده! مع أن القائلين بتصويب المجتهدين لم يقولوا: إنه مصيب من الإصابة المنافية للخطأ، بل قالوا: إنه مصيب من الصواب الذي لا ينافي الخطأ، وإنما كان صوابًا لكونه يؤجر عليه، وإن كان خطأ كما في الحديث المذكور، ولهذا قال [١٢ب] بعض المتكلمين على هذه المسألة: إن القائل بأنه مصيب من الإصابة قد تشبه في مقالته هذه بالفرقة الموسومة بالعندية (٤)، فإنهم يعتبرون ما عند كل واحد منهم بمجرد الدعوى مثلا إذا قال الرجل لواحد منهم: أنت موجود قال: لست بموجود، فإذا قال: فما هذا الشبح الذي أراه شاغلا للحيز، وأجده عند اللمس، وأسمع حسه؟ قال له: أنا موجود عندك غير موجود عندي، فلا يلزمني ما عندك كما لا يلزمك ما عندي، فهذه أحد الفرق الثلاث المشهورة

стр. 3503

بالمشاغبة، والدعاوي الباطلة، الخارجة عن الضرورة، المخالفة للعقل والحس، وما أشبه الفرقة القائلة بأن المجتهد مصيب من الإصابة بها، والفرقة الثانية: العنادية (١)، والفرقة الثالثة: الأدرية (٢)، ومقالات هذه الطوائف الثلاث مبنية في كتب الفن الموضوع لبيان هذا، وما يشابهه. وقد قال كثير من الأئمة أن هؤلاء لا يجاوبون إلا بالضرب، فإنه أقرب إلى اعترافهم بفساد ما هم عليه. والحاصل أن الكلام على هذه المسألة طويل الذيول، وليس المراد هاهنا إلا الإشارة إلى فساد ما ذكره السائل - عافاه الله - من أن حكم الله هو مظنون كل مجتهد. وقد زعم صاحب ضوء النهار (٣) أن الحق في هذه المسألة التفصيل، وهو أن ما فوض إلى العدلين كجزاء الصيد، والتفريق بين الزوجين، أو الجمع، وتقدير النفقات، وتقويم المتلفات. ولا نزاع في أن كل اجتهاد فيه صواب، وإصابة. وأما غير ذلك من ما فيه على خصوص الحكم دليل ظني. فإن أريد أن كل مجتهد فيه مصيب من الصواب فلا نزاع فيه، وإن أريد أنه مصيب من الإصابة وأن خصمه مصيب من الإصابة فسرف في الغفلة، هكذا قال. وغير خاف عليك أن كلام الأزهار (٤) المشروح بهذا الكلام لا يشمل ما ذكره في القسم الأول، بل هو خاص بالمجتهد في الدليل الظني وهكذا كلام سائر القائلين بأن كل مجتهد مصيب، ومن قال بخلاف قولهم. وأما تقدير النفقات وتقويم المتلفات ونحوهما فليس هو من الاجتهاد الذي هو المراد هنا في شيء، ولم يشترط اجتهاد من يتولى ذلك أحد من أهل العلم، بل يصح أن يكون متوليه مقلدًا بلا خلاف، فخلط البحث بغيره، وإدخال ما هو أجنبي عنه فيه سرف في الغفلة أيضًا. وقلتم: والاجتهاد في استنباط حكم الله تعالى [١٣أ] ليس مما يختص به بعض العلماء

стр. 3504

دون بعض ... إلخ. وأقول: هذه الكلية ممنوعة الصحة، فإن لمريد التوسع في المعارف الزائدة على العلوم المعتبرة في الاجتهاد مدخلا في ذلك، فقد يختص من هو أكثر علمًا باستنباط ما لا يقتدر على استنباطه والوصول إليه من هو دونه في ذلك، وهذا معلوم لكل عارف، فإن من كان مثلا أرسخ في علم البلاغة يمكنه أن يستخرج بفاضل عرفانه من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة ما لا يمكن من هو دونه، وهكذا من كان متبحرًا في أصول الفقه، مطلعًا على دقيقها وجليلها، متدربًا في مباحثها، فإنه يمكنه أن يسلك في مسالك الجمع والترجيح والاستنباط ما لا يسلكه الذي هو دونه في ذلك، مع كونه قد حصل القدر المعتبر في الاجتهاد عنده، وهكذا من توسع في علم السنة، ولم يقف على كتاب، ولا على كتب معينة، بل طول باعه في ذلك تطويلا لم يصل إليه غيره من المجتهدين المعاصرين له، أو بعضهم، فإنه قد يقف على دليل الحكم من مخرج صحيح أو حسن من هو دونه في ذلك لا يدري بأن الدليل موجود فضلا عن أن يستدل به، ومع ذلك فالقرائح مختلفة والأفهام متفاوتة، والإدراكات متباينة، فقد يكون بعض المجتهدين المستويين في المقروءات والمحفوظات أقدر على الاستنباط من الآخر بفاضل ذهنه، وصافي قريحته، وصحيح إدراكه، فكيف يقال: إن الاستنباط لا يختص به بعض العلماء دون بعض، فإن كل عالم قد شاهد الاختلاف في أهل عصره، وطالع مؤلفات المجتهدين فوجدها متفاوتة تفاوتًا يزيد على التفاوت الكائن بين السماء والأرض، والمشرق والمغرب، ومن أنكر هذا فهو مكابر بلا شك ولا شبهة. وقلتم: وشروطه (١) هينة على من استعد للتحصيل ... إلخ.

стр. 3505

وأقول: هذا صحيح، فإن كامل الاستعداد يظفر من علوم الاجتهاد في المدة اليسيرة بما لا يظفر به من لم يكمل استعداده في المدة الطويلة، وذلك موجود بالمشاهدة لكل ممارس لأهل العلم [١٣ب]، أو تصدر للقضاء بين المسلمين بما شرعه الله، أو للفتيا بما أنزل الله في كتابه، وعلى لسان رسوله، فهؤلاء لا يتم اجتهادهم إلا بالتبحر في كل علم من تلك العلوم مع إشرافه على ما يرجع إليها ويقويها من سائر العلوم على وجه يحصل له الظن بأنه لم يقصر في واحد منها تقصيرًا يكون بسببه حمل الناس على العمل بخلاف ما شرعه الله لعباده، فإنا قد قدمنا أن استنباط المسائل يتفاوت بتفاوت المجتهدين في العلوم الشرعية، وأنه قد يقف الواحد منهم على الدليل من كتاب الله، أو مما صح عن رسول الله، مع عدم وقوف الآخر عليه، وقد يستخرج المتبحر في العلوم الاجتهادية ما لا يقتدر
следующие страницы →