← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

وإن لم يكن في بلد المتخاصمين من هو كذلك وجبت إجابة الداعي إلى حاكم متصف بتلك الصفة، ولا اعتبار بمن في البلد من القضاة الذين لا يتمكنون من الحكم بما أمر الله بالحكم به، ومن كان هذا جوابه لم يرد عليه شيء مما أوردتم، فراجعوا ما أجبت به عليكم، فهو لديكم حتى تعلموا أن ما أوردتم هاهنا غير وارد عليَّ، ولا لازم لي، فهذا دفع إجمالي، ونقض لما أوردتم في هذا الكلام، فلنعد الآن إلى الكلام [١٢أ] على تفاصيل هذا الكلام. فنقول: قلتم: وحكم الله في تلك الحادثة مظنون كل مجتهد، والتعيين تحكم، وأقول: هو ممنوع؛ فإن حكم الله في تلك الحادثة وفي غيرها من الحوادث ليس إلا واحدًا يصيبه من أصابه من أهل الاجتهاد، ويخطئه من أخطأه. ولو كان حكم الله هو مظنون كل مجتهد لكان تابعًا لاجتهادات المجتهدين، ومرادات المريدين، وهو يستلزم أنه لا حكم لله في تلك الحادثة أصلا، بل حكمه فيها متجدد بوجود كل مجتهد على حسب ما يقتضيه اجتهاده، وهذا باطل وإن قال به بعض متأخري المعتزلة (١)، وقلده من قلده ممن جاء بعده، فمن جاء بالقول الفاسد فهو رد عليه

стр. 3502

كائنًا من كان، وما استلزم الباطل باطل، وأيضًا ذلك يستلزم باطلا آخر هو أن يكون حكم الله في الحادثة متناقضًا؛ فإنه إذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن عينًا من الأعيان الموجودة في الخارج حلال، وذهب آخر إلى أنها حرام كان حكم الله في تلك العين بأنها حلال، وبأنها حرام وهذا باطل، وما استلزم الباطل باطل. مثلا قد قال بعض أهل العلم بأن الخيل والضبع (١) يحل أكلهما، وقال آخر، إنه يحرم، فيكون حكم الله في الخيل أنها حلال حرام، وحكم الله في الضبع أنها حلال حرام، وهذا بمكان من الفساد لا يخفى على عارف، ولو لم يثبت في دفعه إلا الحديث الصحيح الوارد من طرق كما بيناه سالفًا: " إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن اجتهد فأصاب فله أجران " (٢) أو " عشرة أجور " (٣)؛ فهذا رسول الله ﵌ يصف المجتهد بأنه يكون تارة مخطئًا، وتارة مصيبًا، فكيف يتقول على الله وعلى رسوله متقول فيقول: إنه مصيب دائمًا، وأن حكم الله تابع لاجتهاده! مع أن القائلين بتصويب المجتهدين لم يقولوا: إنه مصيب من الإصابة المنافية للخطأ، بل قالوا: إنه مصيب من الصواب الذي لا ينافي الخطأ، وإنما كان صوابًا لكونه يؤجر عليه، وإن كان خطأ كما في الحديث المذكور، ولهذا قال [١٢ب] بعض المتكلمين على هذه المسألة: إن القائل بأنه مصيب من الإصابة قد تشبه في مقالته هذه بالفرقة الموسومة بالعندية (٤)، فإنهم يعتبرون ما عند كل واحد منهم بمجرد الدعوى مثلا إذا قال الرجل لواحد منهم: أنت موجود قال: لست بموجود، فإذا قال: فما هذا الشبح الذي أراه شاغلا للحيز، وأجده عند اللمس، وأسمع حسه؟ قال له: أنا موجود عندك غير موجود عندي، فلا يلزمني ما عندك كما لا يلزمك ما عندي، فهذه أحد الفرق الثلاث المشهورة

стр. 3503

بالمشاغبة، والدعاوي الباطلة، الخارجة عن الضرورة، المخالفة للعقل والحس، وما أشبه الفرقة القائلة بأن المجتهد مصيب من الإصابة بها، والفرقة الثانية: العنادية (١)، والفرقة الثالثة: الأدرية (٢)، ومقالات هذه الطوائف الثلاث مبنية في كتب الفن الموضوع لبيان هذا، وما يشابهه. وقد قال كثير من الأئمة أن هؤلاء لا يجاوبون إلا بالضرب، فإنه أقرب إلى اعترافهم بفساد ما هم عليه. والحاصل أن الكلام على هذه المسألة طويل الذيول، وليس المراد هاهنا إلا الإشارة إلى فساد ما ذكره السائل - عافاه الله - من أن حكم الله هو مظنون كل مجتهد. وقد زعم صاحب ضوء النهار (٣) أن الحق في هذه المسألة التفصيل، وهو أن ما فوض إلى العدلين كجزاء الصيد، والتفريق بين الزوجين، أو الجمع، وتقدير النفقات، وتقويم المتلفات. ولا نزاع في أن كل اجتهاد فيه صواب، وإصابة. وأما غير ذلك من ما فيه على خصوص الحكم دليل ظني. فإن أريد أن كل مجتهد فيه مصيب من الصواب فلا نزاع فيه، وإن أريد أنه مصيب من الإصابة وأن خصمه مصيب من الإصابة فسرف في الغفلة، هكذا قال. وغير خاف عليك أن كلام الأزهار (٤) المشروح بهذا الكلام لا يشمل ما ذكره في القسم الأول، بل هو خاص بالمجتهد في الدليل الظني وهكذا كلام سائر القائلين بأن كل مجتهد مصيب، ومن قال بخلاف قولهم. وأما تقدير النفقات وتقويم المتلفات ونحوهما فليس هو من الاجتهاد الذي هو المراد هنا في شيء، ولم يشترط اجتهاد من يتولى ذلك أحد من أهل العلم، بل يصح أن يكون متوليه مقلدًا بلا خلاف، فخلط البحث بغيره، وإدخال ما هو أجنبي عنه فيه سرف في الغفلة أيضًا. وقلتم: والاجتهاد في استنباط حكم الله تعالى [١٣أ] ليس مما يختص به بعض العلماء

стр. 3504

دون بعض ... إلخ. وأقول: هذه الكلية ممنوعة الصحة، فإن لمريد التوسع في المعارف الزائدة على العلوم المعتبرة في الاجتهاد مدخلا في ذلك، فقد يختص من هو أكثر علمًا باستنباط ما لا يقتدر على استنباطه والوصول إليه من هو دونه في ذلك، وهذا معلوم لكل عارف، فإن من كان مثلا أرسخ في علم البلاغة يمكنه أن يستخرج بفاضل عرفانه من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة ما لا يمكن من هو دونه، وهكذا من كان متبحرًا في أصول الفقه، مطلعًا على دقيقها وجليلها، متدربًا في مباحثها، فإنه يمكنه أن يسلك في مسالك الجمع والترجيح والاستنباط ما لا يسلكه الذي هو دونه في ذلك، مع كونه قد حصل القدر المعتبر في الاجتهاد عنده، وهكذا من توسع في علم السنة، ولم يقف على كتاب، ولا على كتب معينة، بل طول باعه في ذلك تطويلا لم يصل إليه غيره من المجتهدين المعاصرين له، أو بعضهم، فإنه قد يقف على دليل الحكم من مخرج صحيح أو حسن من هو دونه في ذلك لا يدري بأن الدليل موجود فضلا عن أن يستدل به، ومع ذلك فالقرائح مختلفة والأفهام متفاوتة، والإدراكات متباينة، فقد يكون بعض المجتهدين المستويين في المقروءات والمحفوظات أقدر على الاستنباط من الآخر بفاضل ذهنه، وصافي قريحته، وصحيح إدراكه، فكيف يقال: إن الاستنباط لا يختص به بعض العلماء دون بعض، فإن كل عالم قد شاهد الاختلاف في أهل عصره، وطالع مؤلفات المجتهدين فوجدها متفاوتة تفاوتًا يزيد على التفاوت الكائن بين السماء والأرض، والمشرق والمغرب، ومن أنكر هذا فهو مكابر بلا شك ولا شبهة. وقلتم: وشروطه (١) هينة على من استعد للتحصيل ... إلخ.

стр. 3505

وأقول: هذا صحيح، فإن كامل الاستعداد يظفر من علوم الاجتهاد في المدة اليسيرة بما لا يظفر به من لم يكمل استعداده في المدة الطويلة، وذلك موجود بالمشاهدة لكل ممارس لأهل العلم [١٣ب]، أو تصدر للقضاء بين المسلمين بما شرعه الله، أو للفتيا بما أنزل الله في كتابه، وعلى لسان رسوله، فهؤلاء لا يتم اجتهادهم إلا بالتبحر في كل علم من تلك العلوم مع إشرافه على ما يرجع إليها ويقويها من سائر العلوم على وجه يحصل له الظن بأنه لم يقصر في واحد منها تقصيرًا يكون بسببه حمل الناس على العمل بخلاف ما شرعه الله لعباده، فإنا قد قدمنا أن استنباط المسائل يتفاوت بتفاوت المجتهدين في العلوم الشرعية، وأنه قد يقف الواحد منهم على الدليل من كتاب الله، أو مما صح عن رسول الله، مع عدم وقوف الآخر عليه، وقد يستخرج المتبحر في العلوم الاجتهادية ما لا يقتدر

стр. 3506

من دونه على استخراجه، وأحق هذه العلوم بالتوسع، وأولاها بالتبحر علم السنة (١)، وإمعان النظر فيما لا يتمهر فيها إلا به من الاطلاع على أحوال رواتها، ومعرفة أسباب الجرح والتعديل، وعدم القنوع بالجرح المجمل، حتى يقف على السبب والترجيح عند تعارض التعديل والتجريح، ومعرفة رجال إسناد كل حديث ذاتًا وصفةً، والتدرب في علوم اصطلاح المحدثين، فلهم اصطلاحات موضوعة بينهم لا يمكن تخريجها على المدلول اللغوي، والبحث عن المؤلفات في متون الأحاديث وأسانيدها على ما تبلغ إليه القدرة، ويقبله الفهم، ويحصل عنده الظن بأنه لم يكن في المسألة غير ما قد علمه وحصل له من حفظه وبحثه، ثم أحق العلوم بعد علم السنة بالاستكثار منه، والتوسع فيه علم الأصول، فإنه العلم الذي تدور عليه دوائر الاجتهاد، ويترتب على تحقيقه الإصدار والإيراد، ثم علم البلاغة، ثم سائر العلوم المتعلقة باللغة؛ فإن التوسع فيها يوجب لصاحبها ملكةً في الاستدلال لا توجد عند من هو دونه، فإنه يصير بذلك مفسرًا لكتاب الله من دون مراجعة كتب التفسير، وشارحًا لسنة رسول الله من غير مراجعة للشروح، ثم على هذا المجتهد الذي يتصدر لإرشاد هذه الأمة أن يمعن النظر في أقوال [١٤أ] المجتهدين، ويحفظ مذاهبهم، أو يراجع المؤلفات الموضوعة لذلك عند الحاجة، فإنه إذا عرف ذلك وجد له في كل مسألة سلفًا، فيقوى جنابه، وينثلج قلبه، ويطمئن خاطره، ويديم النظر في كتب التفسير وشروح الحديث، وإن كان له من الملكة ما يقتدر به على ما يحتاج إليه من ذلك لكنه يجد ثمرات اجتهادات المجتهدين، وأبكار أفكار المحققين محررة هنالك، فيستفيد منها ما لا تفيده ملكته خصوصًا تأليفات الأئمة الكبار، ومجاميع العلماء المشهورين بقوة الأنظار. ومن أنفع ما يستفيد به من أراد نشر العلم أن يكرر النظر في المؤلفات الموضوعة لتحقيق الحق في مسائل الفقه، فإنه يجد فيها ما يستعين به على مطلوبه، ولا يبادر

стр. 3507

بتحرير مسألة يبرزها للناس في تأليف، أو حكم، أو فتيا حتى يروض فكره في الأدلة القرآنية، ويبحث في مجاميع السنة، فينظر مثلا في جامع الأصول، فإن لم يجد فيه مطلوبه فليبحث الجامع الكبير للسيوطي، أو كنز العمال؛ فإن هذين الكتابين لا يشذ عنهما شيء من السنة إلا النادر الذي لا يقدح تجويز وجوده في الظن الحاصل للمجتهد، فهذه هي علوم الاجتهاد للمجتهد الناصب نفسه للإرشاد، فإن قصر في شيء منها وهو يظن وجوده عند غيره من المجتهدين الموجودين في عصره وقطره فهو لا يحصل له ذلك الظن الذي هو المعيار للاجتهاد إن كان ممن يتقي الله، ويخشى عقابه. وأما إذا لم يوجد إلا من هو مثله أو دونه في عصره وقطره فعليه أن يبلغ غاية ما يقدر عليه، ويتعلم ما يجده من هذه العلوم على من يجده من أهلها ويبحث كلية البحث، ولا يضره بعد ذلك أن يكون في المجتهدين الأموات من هو أعلم منه، ولا في من سيحدث بعده من أهل الاجتهاد من هو أرسخ منه، ولا يقدح في ظنه الإصابة تجويز أن في أقطار الدنيا البعيدة عنه من هو أعلم منه، لأن الله لم يكلف أهل كل عصر بعلم الأموات، ولا بعلم من سيوجد، ولا بعلم من لا يعرف من الأحياء، بل أقام الله الحجة [١٤ب] على أهل كل عصر بمن يوجد لهم من الراسخين في العلم، وأخذ على العلماء البيان. فإن قلت: الأحكام الشرعية متساوية الأقدام بالانتساب إلى الشرع، ومتساوية الأقدام من حيث التعلق بالمتشرعين عند وجود المقتضي، وفقد المانع، فكيف جعلت علوم الاجتهاد المعتبرة في عمل الرجل لنفسه دون العلوم المعتبرة في اجتهاد الرجل لإرشاد غيره!؟. قلت: لأن الله - سبحانه - لم يتعبد عباده بالبيان للناس، إلا إذا كانوا أهلا للبيان والإرشاد، والمتأهلون لذلك هم الذين يثقون من أنفسهم بأنهم إنما أرشدوا العباد إلى ما هو حق، ولا تحصل هذه الثقة الحاصلة عن ظن الإصابة إلا لمن كان له من العلوم ما ذكرناه، بخلاف عمل الرجل لنفسه في أمر دينه الذي كلفه الله به، فإنه لا يجب عليه أن يقلد من هو أعلم منه، بل عليه أن يأتي بما أوجب الله عليه على الوجه الذي يطيقه ويقدر

стр. 3508

عليه، فإن كان عاطلا عن المعارف العلمية وسعه ما وسع المقصرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم من سؤال أهل العلم عن الحكم في الحادثة التي هي من مسائل العبادة، أو المعاملة على وجه استروى النص لا على وجه التقليد، وإن كان قادرًا على الاطلاع على النص، محصلا لما يفهمه به، وهو من جمع تلك العلوم فليس عليه إلا ما تبلغ إليه قدرته، وإذا عجز في بعض الحوادث سأل عنها سؤال من يطلب الرواية لا من يطلب الرأي، ونظر في ذلك المروي بما لديه من تلك العلوم، وهذا اجتهاد لا تقليد. ولا يحل له أن يقوم في مقام الإرشاد للعباد في شيء لم يبلغ إليه دليله مع وجود من هو أعلم منه بالشريعة في عصره وقطره، لأنه يظن في كل من هو أعلم منه أنه يعلم بدليل لا يعلمه، ويقدر على استنباط لا يقدر عليه، وهذا يجده كل رجل من نفسه [١٥أ]. وقلتم: ولدينا من هو متأهل للنظر ... إلخ. أقول: هذا مسلم فإن في أهل ذلك البيت الشريف، والمحتد العالي المنيف من هو كذلك وفوق ذلك، بل وفي الواردين إليه المستقرين فيه، ولسنا ممن ينكر وجود المجتهدين في ذلك المحل الذي هو محط رجال العلوم والآداب، ولكنا نقول: يجب عليكم تفويض ما عرض من الشجار بين أهل المحل، وما يرجع إليه إلى من تعرفون أهليته للحكم بما أنزل الله في محكم كتابه، وعلى لسان رسوله، مع الثقة بدينه وأمانته وورعه، وإذا أشكل الأمر، أو تعارضت الأنظار فرفع ما أشكل، ودفع ما تعارض ممكن، ولا تفوضون في القضايا التي لا يرفع الخصام فيها إلا الحكم الشرعي من ليس له أهلية، وملكة يقتدر بها على الحكم بما شرعه الله لعباده، ثم يجب عليكم إذا كان المتخاصمان في مكان بين جهتكم وجهة أخرى، وطلب أحدهما الآخر إلى حاكم جامع للأمور المعتبرة أن تأمروا الآخر بالإجابة له؛ فإن الطالب هو الداعي إلى شرع الله، ولا حجر عليه أن يدعو خصمه إلى حاكم ليس في الجهة التي فيها المتولي عليهما، أو على أحدهما، أو ليس في الجهة التي يسوق أحدهما أو كلاهما زكاته إليها، لأن المفروض أن الخصمين في مكان بين الجهتين وصاحب الدعوة إلى الشريعة مخير في الدعاء إلى قضاة الشرع، ولا أتعاب هنا،

стр. 3509

ولا بعد مسافة. وقد وجبت إجابة الداعي إلى الشريعة بمجرد كونه الطالب لها، الداعي إليها. ووجب على المسلمين خصوصًا، وعلى أولي الأمر عمومًا أن يأمروا المدعو بالإجابة إلى الشريعة المطهرة إذا كان الأمر على الصفة التي ذكرناها، ثم إذا تظلم متظلم، وصرخ صارخ بأنه قد وقع الحكم بخلاف الشريعة المطهرة، إما من حاكم متأهل غلطًا، أو جرأة، أو من مقصر خبطًا وجزافًا، وطلب منكم أن ينظر في قضيته [١٥ب] حاكم آخر ممن تثقون بعلمه ودينه فإجابته واجبة، لأن الحكم المذكور إن كان صوابًا فالحق لا يرد ولا يدفع، وإن كان غلطًا أو جزافًا كما زعمه المتظلم فإنصافه بإيصاله إلى الحق واجب، وليس في ذلك ما يخدش في العزيمة، ولا ما يفت في عضد الرياسة، بل هو من كمال العدل، وتمام البر، لأن نصر الشريعة، وإيصال طالبها إليها، وافتقاد تظلم المتظلم لا يزيد أهل الرياسة إلا فخامة، ولا يكسب أرباب الحل والعقد إلا ضخامة، بهذا جرت عادة الله في المتحملين للأعباء، المتقلدين للأمر والنهي، فأنفدهم أمرًا وأقواهم إيرادًا وإصدارًا، وأشدهم عضدًا، وأكثرهم مددًا، أنصرهم لهذه الشريعة، وأعظمهم اهتمامًا بشأنها، وأكثرهم إشادة لأركانها، ومن كان مطلعًا على أحوال الدول في قديم الزمان وحديثه لم ينكر هذا. وقلتم: والمراد وجود ما لا بد منه من الشروط ... إلخ. وأقول: هذا الذي لا بد منه هو الذي وقع فيه الاضطراب والاختلاف؛ فقد تفاوتت مذاهب أهل العلم في بيان ذلك القدر الذي لا بد منه (١)، فقد يكون القاضي مجتهدًا عند بعض أهل العلم غير مجتهد عند البعض الآخر، فالوقوف على مقدار معين لا سبيل إلى التقليد فيه، وأهل الاجتهاد يختلفون في ذلك لاختلاف قرائحهم وفهومهم وعلومهم، فحينئذٍ المقدار الذي لا بد منه لم يقع على تعيينه إجماع حتى يقال هو كذا، ولا هو أمر

стр. 3510

مبرهن عليه حتى يكون تقديره مستندًا إلى ذلك البرهان، بل كل عالم يقدره بحسب استعداده، وقابليته، ونفوذ ذهنه، وثقوب فهمه كما نجده في كتب المجتهدين، ويستفيده [١٦أ] من أنظار الناظرين. وعلى هذا فلا تثبت حجية حكم الحاكم على الخصمين إلا إذا كان مجمعًا على أهليته؛ إذ المختلف في أهليته ليس بمجمع على حجية قوله، وهذا بحث نفيس ينبغي إمعان النظر في تدبره وعدم المسارعة إلى رده بمجرد الاستبعاد له. وقلتم: ولكن المفضول في الاجتهاد حكمه صحيح كالفاضل فيه. وأقول: التسوية بين أحكام الحكام، ولزومها للمحكوم عليه على أي صفة كانت إذا كان الحاكم جامعًا للشروط المعتبرة إنما هو باعتبار ما قد رسخ في الأذهان من القواعد المقررة، كقول أهل الفقه: إنه لا ينقض (١) حكم حاكم إلا بدليل علمي ونحو ذلك.

стр. 3511

والذي عندي أن حكام الشريعة إنما هم مترجمون لها، مبينون لما فيها، فمن أصاب الحق فقد أصاب، ومن أخطأه فقد أخطأ، وكون المخطي مأجورًا لا يستلزم لزوم حكمه، وقيام الحجة به. فإذا حكم حاكم بمحض الرأي، ظنًا منه أن دليل ذلك الحكم لا يوجد في الكتاب، ولا في السنة، ثم وجد غيره النص الدال على ذلك الحكم على وجه لا يتطرق إليه الرد، ولا يتعاوره النقض كان حكم الحاكم الأول منقوضًا باطلا، وإن كان له في ذلك الرأي الذي حكم به سلف من أهل العلم قد قالوا بقوله، وإن لم يكن ذلك الدليل الذي وجده غيره قطعيًا. ويقال لذلك الحاكم الذي لم يجد النص: قد اجتهدت فأخطأت، فلك أجر، وأما أن حكمك لازم لغيرك فلا، ولا كرامة بل هو رد عليك، ولم تكن شارعًا للعباد شريعة من عندك حتى تلزمهم ما جئت به من الرأي الذي قد وجد النص من الشارع بخلافه، بل أنت وسائر عباد الله متعبدون بهذه الشريعة التي بين أظهرنا، ليس لكم أن تزيغوا عنها، أو تخالفوها، أو تعارضوها بمحض الرأي، وجهل من جهل النص رد عليه، لأنه أمر مخالف لما كان عليه أمر رسول الله ﵌، وكل أمر مخالف لما كان عليه أمر رسول الله رد، فهذا رد، أما الصغرى فلأنه قد وجد النص من الشارع، ونصه هو الذي كان عليه أمره بلا شك ولا شبهة، وأما الكبرى فللحديث الصحيح المتلقى بالقبول عند جميع الطوائف الإسلامية، وهو كل ما لم يكن عليه أمرنا فهو رد. لا يقال: إن ترافع الغريمين إلى الحاكم بمنزلة تحكيمهما له في تلك القضية التي اختصما فيها، لأنا نقول: إنه لو كان ذلك كذلك فهما إنما ترافعا إليه ليحكم بينهما بالشريعة المطهرة، لا بمحض رأيه، فإنهما لم يقصداه لذاك، ولا نصبه في منصب القضاء من نصبه إلا ليريح الخصوم بالشريعة المطهرة، ولا يعدل عنها إلى الرأي

стр. 3512

إلا عند عدمها. والمفروض أنها هنا موجودة لم تعدم. وجهل من جهل الشريعة [١٦ب] لم يتعبد الله به أحدًا من عباده، ولا أمر فردًا من أفرادهم باتباعه. أما إذا لم يكن في المسألة نص، أو ظاهر، أو قياس صحيح، ولم يكن بيد ذلك الحاكم، ولا بيد غيره إلا مجرد الرأي فليس لغيره أن يخالف حكمه بمحض الرأي، فليس رأي أحد الحاكمين بأرجح من رأي الآخر، وهكذا إذا كان كل واحد منهما قد تمسك بنص، أو ظاهر، ولم يترجح أحدهما على الآخر بحجة ظاهرة قاهرة، فليس لأحدهما المخالفة للآخر، ولا نقض حكمه لعدم المرجح، ولأنه لو ساغ النقض والأمر كذلك لم يستقر حكم من أحكام المسلمين. وقلتم: والأحكام التي يحررها حكامنا لا تمنع المراجعة فيها لمن اطلع على خلل ... إلخ. وأقول: هذا دأب المنصفين، ومسلك المتورعين، ولكنه ربما قال الحاكم الذي لم يكن متأهلا للحكم: إن حكمه بعد تمسك الغرماء به لا ينقض إلا بدليل علمي باعتبار ما قد عرفه من الأزهار (١)، ذاهلا عن كون الاجتهاد شرطًا من شروط الحاكم في نص الأزهار (٢) كما نجده عند كثير من الحكام الذين لم تكن لهم أهلية، وحينئذٍ يطول النزاع، ويكثر الخصام، وربما يقول: إنه حكم بقول عالم من العلماء الذين تضيق أذهان العوام عن تصورهم لما هم عليه من جلالة القدر، ونبالة الذكر، وسعة العلم، فيظنون هم ومن يلتحق بهم أن الحاكم المجتهد إذا نقض حكم ذلك المقلد الذي حكم بقول ذلك العالم قد جاء بإحدى الكبر، وتلبس بأعظم الفواقر، ولا يتعلقون بأن الحاكم الذي حكم بذلك المقول غير متأهل للحكم، وأن نقض حكمه ليس إلا لعدم أهليته، لا لكونه حكم بقول

стр. 3513

فلان. وإذا لم يتعلقوا لهذا مع كونه مصرحًا باشتراط اجتهاد الحاكم في المختصرات الفقهية، فكيف يتعقلون ما هو أدق من ذلك! مثلا لو قال لهم القائل: إنه قد وقع الإجماع على عدم جواز تقليد الأموات كما نقل ذلك العلامة محمد بن إبراهيم الوزير في القواعد (١)، وتابعه على تقرير ذلك من جاء بعده من العلماء المنصفين، أو قال لهم القائل مثلا: إن هذا الإمام الذي حكم الحاكم القاصر بقوله قد صح عنه أنه لا يجوز التقليد للأموات أو مطلقًا؛ فإنهم لا يتعقلون هذا، ولا ما يماثله من الحجج، بل ربما يعدونه هم والحاكم الذي لم يكن متأهلا من مسائل أهل النصب [١٧أ]، ومن أكاذيب المبتدعة ومن دسائس المنحرفين عن المذهب الشريف. وهذه اللطائف قد تلقنها غالب المقصرين، وجعلوها منفقة لما يأتون به من الجهالات، وتستروا بها عن كشف عوارهم وبوارهم، وفضائح جهلهم، فكانت لهم مجنًا يدفعون به ما يرد عليهم من العلماء المتأهلين، وحصنًا حصينًا يمنعهم عن انتقاد المنتقدين المبرزين، وذلك لأنهم عرفوا من أنفسهم العجز عن ربط ما يأتون به بدليله، والقصور عن دفع ما يرد عليه، لكونهم لا يعرفون الحجج الشرعية، بل لا يعقلونها، فعدلوا إلى هذه اللطيفة، ونفقها لهم من هو مثلهم، فكانت من أعظم الوسائل الشيطانية، والذرائع الطاغوتية، وداراهم من داراهم من المتأهلين، إما لمحبة السلامة والعافية، أو لفتوره عن البيان الذي أمر الله به، أو لمخافة فوات غرض من أغراض الدنيا، أو لحفظ قلوب السواد الأعظم عن النفور عنه، ورغوب النفس إلى عدم ذهاب الجاه الذي يعيش في ظله، ويشرب من وبله وطله، فطم الأمر، وعم، ووجد الشيطان اللعين السبيل إلى طمس معالم الشريعة، وإطفاء نورها، واهتظام حملتها القائمين ببيانها للناس، والله المستعان. قال - كثر الله فوائده -: وغير خاف عليكم أن اختيار من هو متأهل للحكم بأحوال

стр. 3514

الغرماء والشهود مرجح له على غيره، لكثرة ملابسته لهم، ومعرفة مبطلهم من محقهم، ومعرفة المواضع المتشاجر فيها، إلى غير ذلك من تسهيل الأمر عليهم، وعدم تكليفهم للغرامات التي تشق عليهم، وتضييعهم لمن يعولون. أقول: هذا المرجح لا شك فيه باعتبار إذا كان الشهود في محل الخصمين، أو كان الشجار في شيء من الدور أو العقار يحتاج إلى المشاهدة، وكذلك للاختبار بحال الخصمين مزيد خصوصية في ظهور المحق من المبطل، وفي تخفيف الأمر عليهما. ولهذا ذكرنا في الجواب السابق أن طلب أحد الخصمين لخصمه الذي في جهته الخروج إلى حاكم في غير تلك الجهة ليس فيه إلا مجرد إتعاب ومشقة إذا كان الحاكم في الجهة من المتأهلين للحكم بما أنزل الله في كتابه، وعلى لسان رسوله، ولكن هذا المرجح إنما هو باعتبار الأمور التي ذكرها - كثر الله فوائده - وذكرنا. وأما باعتبار [١٧ب] حكم الله في تلك الحادثة فالمرجح هو التوسع في علم الشريعة. وإنا قد قدمنا أن من كان أكثر علمًا كان أبصر بالحق، وأقمنا على ذلك البراهين التي مرجعها إلى الوجدان والتجريب والاستقراء. ومن المرجحات أيضًا كثرة الورع، والتعفف عن الحطام، وتأثير الحق حيث كان، وتقديم الأدلة الشرعية على اجتهادات المجتهدين، وعدم التعصب لمذهب من المذاهب، أو عالم من العلماء، فهذه هي المرجحات بالنسبة إلى حكم الله تعالى في تلك الحادثة. وإذا عارضتها تلك المرجحات التي هي بالنسبة إلى حال الخصمين والشهود فهذه أرجح منها، لأن الحاكم ليس عليه إلا النظر في الدليل الشرعي، والموازنة بين المتعارضات من النصوص والظواهر وترجيح الراجح منها عند تعذر الجمع، وهو لا يجد عن هذه المرجحات بالنسبة إلى حكم الله بدلا ولا عوضًا، بخلاف المرجحات بالنسبة إلى حال الخصمين والشهود والمكان المتنازع فيه، فإنه يتمكن من معرفة ذلك بسؤال العارفين بأحوال الخصمين، وبطلب المعدل والخارج بالنسبة إلى الشهود، ويبعث العدول بالنسبة إلى المكان المتنازع فيه. وأما ما يلزم الغرماء من الغرامات فإن كان منها شيء للقاضي فليس هو القاضي الذي نحن بصدد الموازنة بينه

стр. 3515

وبين غيره من القضاة، بل هو من جملة أهل المكس، وأرباب الظلم. وإن كانت الغرامة للغريمين أنفسهما ولشهودهما ومن ينفعهما بوجه من وجوه النفع، فليس على القاضي من ذلك شيء، بل عليه إمعان النظر في القضية، وعدم التراخي عن فصلها بحسب الإمكان، فإن كان فصلها محتاجًا إلى تكثير الخصام، وتطويل البقاء فذلك من أوجب الواجبات على القاضي، وأهم المهمات، فإنه إذا لم يثبت ويستوفي [١٨أ] المدارك الشرعية كان حكمه قبل أن يعلم بأنه الحق، فيكون من قضاة النار، ولا سيما مع ما قد صار في طبائع الخصوم من التباعد عن الحق والغمط لوجه الصواب، وإظهار التعمية والتلبيس والتمسك بالشبه، وتكثير الجدل والمغالطة؛ فإن الحاكم محتاج أتم حاجة إلى الاستقصاء، حتى يستوعب جميع ما يبطنه الغريمان ويكتمانه، وهما إذا طالت مدة خصومتهما، وتكاثرت غرامتهما فبجنايتهما على أنفسهما؛ فإنهما لو قعدا بين يدي الحاكم، وتكلما بنفس ما فيه الخصام، وكشفا وجه القضية على ما هو عليه، وأبانا محل اختلافهما لم يحتاجا إلى تطويل خصومة، ولا إلى تكثير غرامة، بل قد لا يقعدان بين يدي الحاكم غير ذلك المقعد الذي وصلا إليه فيه، فما على الحاكم إذًا ممن جنى على نفسه بنفسه، واختار المشقة على ما هو أخف عليه. قال - كثر الله فوائده -: وهذا الوجه الثاني إنما هو فيمن دعا إلى حاكم بحكم الله في تلك الحادثة، وأما في من دعا إلى من يفصل بينهما بالرأي والاستحسان (١) والأعراف المألوفة، أو بوجه الإصلاح كما هو الواقع كثيرًا، أو إلى حاكم مجتهد، لكنه لا يتولى النظر بنفسه في شجار الغرماء، بل يصرفهم إلى منصوبين مقلدين، أو إلى أحد من أعوانه، أو نحو ذلك ففي تكليف الغريم بوجوب الإجابة إلى غير جهته أعظم الإشكال.

стр. 3516

أقول: هذا الحاكم الذي يحكم بالرأي والاستحسان، إن كان عالمًا متأهلا متمكنًا من الحكم بما أنزل الله في كتابه، وعلى لسان رسوله، فالحادثة التي حكم فيها بالرأي والاستحسان لا تخلو إما أن يكون دليلها موجودًا في كتاب الله، أو في سنة رسوله، أو في قياس صحيح، أو إجماع معلوم، فعدول الحاكم عن ذلك إلى الرأي والاستحسان يخرجه عن مسمى القاضي إلى مسمى الخائن لله وللمسلمين وللشريعة، بل يلحقه ويلحق حكمه بالطاغوت وأهله، لأنه عدل عن حكم الله إلى حكم نفسه، وقدم رأيه على رأي الشارع، وآثر هذيانه [١٨ب] على ما رضيه الله لعباده، ودبر الأمة بغير التدبير الذي دبرها الله به، فهو عن الحاكم الذي يحكم بالشريعة المطهرة بمعزل، ولا تلزمه الإجابة إليه، ولا امتثال حكمه، بل يجب على كل مسلم عزله، والحيلولة بينه وبين المسلمين، فإنه مع كونه ظالمًا للعباد بالحكم عليهم بغير الشرع هو أيضًا ظالم للشريعة، معاند لله ورسوله وشريعته؛ فهو أشر من الظلمة الذين يظلمون الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، لأنه شاركهم في ظلم الناس، وزاد عليهم بكذبه على الله، وعلى رسوله، وعلى الشريعة، وحكم بين العباد بالطاغوت بصورة الشرع، لكونه منتصبًا في منصب المترجمين عن الشرع، هذا على فرض أنه متأهل لا يخفى عليه ما شرعه الله في تلك الحادثة، وأما على فرض أنه جاهل لا يعقل الحجة بل يقر على نفسه بذلك، ويظهره للناس كما هو شأن غير المتأهلين، فهذا وإن كان من قضاة النار، ومن أشر الأشرار لكنه ليس كمن ذهب يكذب على الله وعلى شريعته، عالمًا بأنه كذلك، متعمدًا للعدول عما يعلمه من الشرع إلى رأيه الفاسد، لأن غير المتأهل هو لا يعلم الشرع حتى يقال عدل عنه إلى رأيه، أو رأي غيره، بل ذلك عنده هو الشرع بعينه. ومن هذه الحيثية كررت في هذه الورقات، وفيما قبلها من التأليفات التحذير والإنذار عن تولية غير المتأهلين لمثل هذا المذهب الذي هو أساس الدين، وأما إذا كان ذلك المتأهل الذي قضى بالرأي والاستحسان إنما قضى به بعد أن لم يجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله، ولا في القياس الصحيح، مستندًا لتلك الحادثة فهذا لا إنكار عليه؛ فقد عمل

стр. 3517

بحديث معاذ (١) الذي تقدم ذكره، وهو رخصة له تمنع من الإنكار عليه إلا لمن وجد النص كما تقدم تحريره وتقديره. ثم الجزم على حاكم من حكام الشريعة بأنه يعدل إلى الرأي مع وجود النص لا ينبغي أن يقوله إلا من كان يعلم بالشريعة، علمًا يفرق به بين ما هو منها وما هو من غيرها، فإن الحاكم الذي قد رسخ قدمه في الشريعة ربما يترك الاستدلال [١٩أ] على حكمه بأدلة الكتاب والسنة مع كونه متمكنًا من ذلك، قادرًا عليه لقصد الاختصار، أو لقصور كثير من الأذهان عن تعقل الحجة، أو لكونه مبتلى بقوم يعادون ما وجدوه مربوطًا بالأدلة لاعتقادهم أن الصواب ما أدركوا عليه الحكام المقصرين العاجزين عن إيراد الحجج من القضاء بمحض الآراء، وتغليق باب الاجتهاد مع ما قدمنا الإشارة إليه من إيهامهم العامة بأن ذلك الذي يقضون به هو الموافق لقول العالم الفلاني الذي إليه الاعتزاء، ونحو ذلك من الدسائس، فإذا وجد كثير من العامة حكمًا مربوطًا بالأدلة، مشحونًا بالكتاب والسنة اعتقدوا .... أنه مخالف لما يألفونه، فيكون ذلك سببًا لفتحهم باب الاستفتاء لمن يشاركهم في الغالب في مسمى العامية، وإن ظن وظنوا أنه متميز عنهم فهو ظن فاسد؛ فإن الارتفاع عن هذه الطبقة إنما تكون بالعلوم الاجتهادية، أو بالمدارك العقلية، لا بما عداهما. ولقد تعاظمت المحنة على الإسلام وأهله بقوم نفروا عن الأحكام والفتاوى المستندة إلى نصوص الكتاب والسنة، ويأنسون بالأحكام والفتاوى المنسوبة إلى بعض أفراد الأمة الذين هم مكلفون بالشريعة كغيرهم، ومتعبدون بأحكامها كسائر الناس، وليسوا بشارعين بل متشرعين، ولا متبوعين بل تابعين، وناهيك خسارًا وبوارًا وجهلا بمن يؤثر كلام من هو من جملة المتعبدين بالشرع على كلام من جاء بالشرع فضلا عن أن يسوي بينهما، فضلا عن أن يقدم ما يجب تقديمه. وقد رأينا من هذا وسمعنا ما يحجم القلم عن سرده حياءً من الله - سبحانه -؛ فإنه من أعظم التجري عليه، والتنقص له، تعالى عن كل ذلك. ولا يستبعد هذا من لم

стр. 3518

يشاهده، بل عليه أن يحمد الله على السلامة والعافية. وأما الاستناد في الأحكام الشرعية إلى الأعراف (١) [١٩ب] المألوفة فلا ينبغي أن ينسب ذلك إلى الشرع إلا في مثل حمل إقرار المقر، وحلف الحالف، ونحو ذلك من المحاولات على عرف بلده وتشابهه، فإن هذا له مدخل فيما يتعلق بالقضاء من هذه الحيثية، لا من حيث جعله دليلا للحكم؛ فإن ما وقع في كتب الأصول والفروع من الكلام على الأعراف (٢) لا يراد به إلا هذا، إلا في مثل تقديمهم مثلا لعرف الشرع على

стр. 3519

اللغة، ونحو ذلك من المباحث، فإنه يراد به عرف الشارع، وأهل الشرع، لا ما اصطلحه قوم بينهم، وجعلوه عرفًا لهم؛ فإن ذلك لا مدخل له في الشرع إلا من تلك الحيثية، وأما ما في الكتاب العزيز (١) من الإرشاد إلى العمل بالعرف والمعروف، وكذلك

стр. 3520

في السنة المطهرة من الأحاديث المصرحة بالأمر بالمعروف (١) فهو المقابل للمنكر، والمراد المعروف في الشرائع، وعند أهلها، والمنكر في الشرائع وعند أهلها، وكذلك ما يلائم عقول المتشرعين من تحسين العدل، وسائر الملكات النفسانية المستحسنة؛ فإنه من المعروف، وما كان منافرًا لها من الظلم وما يشابهه فهو من المنكر. وبالجملة فتحقيق هذا المبحث يحتاج إلى تطويل يشتمل على بيان ما في كل آية من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية من المعاني الخاصة ببعض المعاني تارة، والعامة

стр. 3521

لجميعها أخرى. وأما ما ينسبه أهل الأصول (١) إلى بعض الطرائق الإسلامية من العمل بالأعراف والعادات فينبغي حمله على ما ذكرناه، لأنه يبعد كل البعد أن يقول عالم من علماء الإسلام أن ما اصطلح عليه قوم فيما بينهم بعد عصر النبوة بعصور يكون شرعًا لهم. وأما الاصطلاح الذي أشار إليه - كثر الله فوائده - فهو مما أرشد إليه القرآن الكريم، والسنة المطهرة، ومما يستحسن تقديمه قبل الحكم في كل خصومة، فذلك من الشرع إذا كان على وجه التراضي، وإلا فليس هو هذا الصلح المشروع، بل هو حكم، فإن خرج مخرج الحكم الشرعي فذاك، وإلا كان مما قدمنا [٢٠أ] الإشارة إليه.

стр. 3522

وأما ذكره الحاكم المجتهد الذي لا يتولى النظر بنفسه ... إلخ. فينبغي أن يفصل في ذلك فيقال: إن كان ما وقع من الحاكم المجتهد من الأمر لأعوانه أو بغيرهم من الحكام المقصرين (١) بالنظر فيه هو نفس الحكم، أو ما يترتب عليه الحكم ترتبًا قريبًا فالآمر والمأمور شريكان في المظلمة وفي المخالفة للشريعة، وإن كان الذي أمر بالنظر فيه هو غير ذلك، كتحرير ما يأمره الحاكم بتحريره إجمالا، أو النظر لمكان وقع عليه الخصام ليحكي له الصورة التي يشاهدها كما يقع في الشفعة ونحوها، أو يأمره بأن يقسم ميراثًا بين أهله بعد أن عرفه كيف يكون التقسيم، أو يرقم ما يدعيه أحد الخصمين وما يجيب عليه به الخصم الآخر، ويعرض ذلك عليه بمحضر الغرماء فهذا ونحوه لا بأس بتفويضه إلى من تعرف عدالته وأمانته، وإن لم يكن من أهل العلم في ورد ولا صدر. وهؤلاء هم الذين كان يلقبهم السلف العدول، ويلقبهم أهل عصرنا في هذه الديار الأمناء، وما بمثل هذا بأس؛ فإن قبول أخبار العدول ليس من التقليد في شيء، وتوليهم لما يتولونه ليس من الحكم الذي هو من عمل القضاة، ولو كلف القاضي بأن يقسم التركات، وينظر مكان الخصومات، ويحرر السجلات لكان قد كلف بما لا يطيقه، ولا يدخل تحت قدرته، وأضر ذلك بأهل الخصومات، لا سيما عند أن يشد الرحل، ويتزود للسفر إلى مكان بعيد ينظر أسباب الشفعة بين البدوي الفلاني وغريمه، أو يقسم تركتهما المفرقة في جوانب الأرض؛ فإن هذا يعود على الغرض المقصود من نصيبه للأحكام

стр. 3523

الشرعية بالنقض. ومن قال: إن هذا من عمل القاضي فهو لا يدري ما هو القضاء، بل الذي يجب على القاضي [٢٠ب] أن يقول للورثة المتخاصمين إليه بكيفية القسمة على الفرائض الشرعية، ويقول للمتخاصمين في الشفعة بعد أن يحكي له العدل صورة الأسباب: إن المستحق للشفعة صاحب هذا السبب دون هذا، ونحو ذلك، وينبغي له أن يقول للخصوم قبل بعث العدل أو العدول: عرفاني بصفة الأسباب التي تتنازعان فيها، فإن اتفقا على أمر كان ذلك مغنيًا له عن بعث غيرهم، وإن لم يتفقا أخذ على العدل أو العدول تصوير صورة ذلك على وجه التمام، فربما تقصر عبارة بعض الناس عن حكاية ما قد شاهده على التمام. وهكذا في سائر الأمور المشابهة لهذا. وأما إذا كان من يأمره القاضي بالنظر في القضية من المتأهلين للحكم فيها بالشريعة المطهرة، فلا حرج على القاضي في ذلك، وسواء كان المأمور قاضيًا أو غير قاض؛ فإن تفويضه من القاضي يجعله بمنزلة القاضي، وله أن يفوض الحكم إليه، لأنه يثق منه بأنه لا يزيغ عن الحق لورعه وأمانته، ولا يحكم خبطًا وجزافًا لعلمه بالشريعة المطهرة، وتأهله للحكم بها، ولكنه لما كان مأمورًا بأمره مباشرًا بتفويضه كان عليه أن ينظر في حكمه، ومستنده أخذًا بالجزم، وعملا بالعزيمة؛ فإن المتأهل غير معصوم من الخطأ، وقد يخفى عليه مع علمه بالشريعة بعض دقائقها، فإذا اعتضد نظره بنظره، واجتمع علمه مع علمه كان ذلك غاية ما يجب، ونهاية ما يلزم. قال - كثر الله فوائده -: ولو صح لمجتهد وجوب الإجابة إلى غير الجهة مع وجود حاكم معتبر في البريد (١) لما لزم الغير اجتهاده، ولا وجب على الراعي إلزام رعيته بذلك، سواء كان مجتهدًا أو مقلدًا. ولا يخفاكم أن الحاكم لا يلزم غيره اجتهاده إلا بعد حصول شرائط التداعي بين الخصمين، هذا إذا كان المقصود هو السلوك في المنهج الشرعي [٢١أ]، وإبلاء العذر بين يدي الله تعالى، وإن كان القصد غير ذلك من نفوذ الكلمة

стр. 3524

- وحاشاكم عن ذلك - فالجواب عنه لا يخفى. أقول: قد ذكرت في هذه الأبحاث غير مرة أن الذي أجبت به في الجواب السابق هو أن الإجابة ليست إلا مجرد إتعاب ومشقة مع وجود حاكم في الجهة يتمكن من الحكم بما أنزل الله في كتابه، وعلى لسان رسوله. والجواب لدى السائل - عافاه الله - فليراجعه حتى يعلم ذلك ويتيقنه. وأما ما ذكره من أن الحاكم لا يلزم غيره اجتهاده إلى آخر الكلام. فليعلم - أدام الله بقاءه - أن هذه الكلمة وإن كانت دائرة على الألسن، محررة في الدفاتر ففيها من الإشكال ما لا يحيط به المقال، وبيانه أن كلامنا وكلامه في حاكم يحكم بما أنزل الله، وما جاءت به السنة المطهرة، والأحكام العامة للأمة في الكتاب والسنة التعبد بها قدر مشترك بين العباد في قديم الدهر وحديثه، لا يختص بالتكليف بها هذا دون هذا، هذا معلوم لكل متشرع، فالحاكم المذكور هو لم يأت بشيء من تلقاء نفسه، ولا بشيء جاء به غير الشارع، ولا بحكم يلزم البعض دون البعض، بل بشريعة عامة، وحكم شامل قد تعبد الله به عباده. وإذا كان هذا هو المراد من الحاكم، فما معنى قولكم: إنه لا يلزم غيره اجتهاده؟ إن كان المراد بهذا الاجتهاد جميع ما يحكم به من الأحكام الواردة على منهج الشريعة الموافقة لها فإن هذا الذي جاء به هو ما جاء به القرآن، أو ما نطقت به السنة. وقد وقع الإلزام به للأمة من عند البعثة المحمدية، فهذا القاضي إنما بين للناس ما شرع لهم، وحكم عليهم بما حكم الله به عليهم، فكيف لا يكون لازمًا لهم! وبهذا يتقرر أن المسألة على شهرتها [٢١ب] وتنزيلها عند المتمسكين بها منزلة القواطع مبنية على شفا جرف هار. وإن كنتم تريدون باجتهاد القاضي الذي لا يلزم غيره هو محض رأيه الذي لا مستند له من كتاب ولا سنة فنحن معكم على هذا، فإن رأي هذا العالم لا يلزم هذا العالم، وكذلك رأي هذا الحاكم لا يلزم هذا الحاكم. أما إذا كان في المسألة دليل يخالف ذلك الرأي فلا يلزم الخصمين ولا غيرهما، وأما إذا

стр. 3525

لم يكن فيها دليل بل ليس إلا مجرد الرأي فليس رأي هذا بأولى من رأي هذا، ولا ينقض رأي برأي. فإن كنتم تريدون هذا فهو صحيح مسلم، ولكن لا يستقيم لكم إيراد هذه المسألة على إرادة هذا المراد في هذا الموضع؛ فإنكم أوردتم هذا الكلام في مساق الاحتجاج على عدم لزوم الإجابة إلى قاض خارج عن الجهة، مع وجود قاض فيها، وإنما يتم لكم الاحتجاج بهذه القاعدة إذا أردتم المعنى الأول من اجتهاد القاضي كما أراده المدونون لها، وقد أبطلناه. أما إذا أردتم المعنى الثاني المستقيم فنقول لكم: من أين علمتم أن القاضي الذي وقع الطلب إليه سيحكم بالرأي في تلك الحادثة التي ستحدث حتى يقولوا: لا يلزم اجتهاده غيره! وقد علمتم أن محل النزاع بيننا هو القاضي الذي يحكم بالشريعة المطهرة بعد تأهله للقضاء بها. قال - كثر الله فوائده -: الوجه الثالث: ما ذكرتموه في شأن القضاة المقلدين (١)، وكلامكم هو الحق الذي لا ريب فيه، ولكنه أشكل علينا أنكم خليتم بينهم وبين المتشاجرين، ولم تنكروا عليهم ذلك مع إمكانه عليكم بالفعل، بل تصرفون إليهم الغرماء، وتأمرونهم بالحكم بينهم، وفصل شجارهم، وتلزمون الغرماء بمقتضى ما رقموه في المراسيم، وتنفذون لهم جميع ما رأوه ورجحوه، ولا يصح الاعتذار بأنهم يعرضون عليكم المراسيم، وأنكم لا تنفذون وتلزمون إلا بعد النظر فيها، والتقرير [٢٢أ] لما ترجحونه أنتم، لأنا نقول: إنهم لا يعرضون عليكم الأشياء مفصولا قد رقمن في

стр. 3526

مراسيمهم، ولم يعرضوا عليكم الدعوى والإجابة حتى تنظروا صحة ذلك من فساده، ولا عرضوا عليكم البينات، ولا جميع ما يحصل من أسباب الحكم وشرائطه، وكل ذلك لا يصح النظر فيه إلا لمجتهد، وإلا فلا وجه لترجيح الإنكار على هذا دون هذا. أقول: الحكام المتصفون بهذه الصفة لا يخلى بينهم وبين الغرماء إلا في مثل هذه الأمور التي قدمنا ذكرها في بحث الاستعانة بالأمناء والقضاة المقصرين على التحقيق الذي سبق، وإنما يفوض الحكم إلى من كان منهم متأهلا كما تقدم تقريره، ولدينا من القضاة من هو مجتهد متبحر في كل علم، ولدينا منهم من هو في الورع والتأني والتثبت راسخ القدم، مع تحليه من المعارف العلمية بما يوجب له الأهلية، فإن كنتم تريدون أنا نصرف الغرماء إلى هؤلاء، ونركن عليهم فمسلم، مع أنا لا نترك الأشراف على ما يحكمون به تحريًا وتحوطًا لكون السرف إليهم له مدخلية في مشاركتهم في الصواب والخطأ، وإلا فهم ممن تبرأ الذمة بالتفويض إليه. وإن كنتم تريدون من صرحتم بقصورهم فلا نسلم أنا نخلي بينهم وبين الغرماء في الأحكام الشرعية. وغاية ما يفعلونه هو ما يفعله الأمناء والعدول على حسب التفصيل السابق. وأما أنهم يستقلون بحكم شرعي يفتقر إلى النظر والاجتهاد فلا؛ فإنه إذا نابهم شيء من ذلك أحالوه على من هو من أهله، ولا يستبدون به، ولو فرضنا استبداد واحد منهم من ذات نفسه لم يقبل الحكم منه الخصم المحكوم عليه، بل يأتي ويتظلم ويصول ويجول، فيكون فعله هذا سببًا لكشف القضية والبحث عن أولها وآخرها ومستندها وإعادتها جذعة، وإنما يستبد هؤلاء بتحرير ورق المصادقة، وتقدير النفقات، وقيم المتلفات والنكاحات، والطلاقات، وضروب المعاملات الجارية بين الغرماء على حساب تراضيهم، ولهم من العدالة ما يعتبر في العدول على وجه لا يفترون كذبًا، ولا يكتبون باطلا.

стр. 3527

وقد قال تعالى: ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ (١) وقال: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ (٢)، وهذا ليس من الحكم في شيء، ولا هو مما يقوم به الحكام وحدهم. وهكذا قد يتولون قسمة التركات، والنظر في المحلات المتنازع فيها، ونحو ذلك. وقد قدمنا أن هذا يصح من العدول الذين لا تعلق لهم بالعلم، لأنهم إنما يقسمون كما يؤمرون، أو يحكمون الصورة التي يشاهدونها، فإن كنتم تريدون أنا خلينا بينهم وبين المشتجرين، وصرفنا إليهم في مثل هذه الأمور فمسلم، ولا يضرنا ذلك، وإن كنتم تريدون تفويض الأحكام الشرعية في الأمور التي تحتاج إلى الحكم بالشريعة فممنوع. وحاصله أن هؤلاء ليسوا بقضاة على التحقيق بل هم النواب عن القضاة. وقد كان السلف يصنعون ذلك، فإن الذي كان يفعله حكام العصور السالفة في جميع أقطار الأرض هو أن ينصب (٣) الخليفة أو السلطان قاضيًا، ويقتصر عليه في مملكته جميعًا وإن كانت متسعة الأطراف، ولا ينصبون قاضيًا غيره، بل يأذنون له بالاستنابة فيستنيب في كل بقعة من بقاع الأرض نائبًا، وقد يستنيب في المكان [٢٢ب] الواحد جماعة إذا كان واسعًا كالمدائن الكبار، وكانوا لا يعرضون عليه إلا ما يحتاج إلى النظر والبحث من المسائل بعد أن يلخصوا له أطراف المسألة الحادثة تلخيصًا لا يحتاج الحاكم معه إلا بيان وجه الحكم، وكشف ما عرض فيه الإشكال. وأما ما ذكرتم من عدم الإنكار عليهم فالذنب في هذا الاعتقاد محمول على من نقله إليكم؛ فإنه محض الزور. فقد علم الناس أنا لا نسمع متظلمًا في أمر يتعلق بالشريعة المطهرة إلا وكشفنا ظلامته، وفحصنا عن أمره، ولا نرى رقمًا يخالف المنهج الشرعي إلا وأبطلناه، وإن كان راقمه من المتأهلين فضلا من غير المتأهلين. ولا يختص بهذه

стр. 3528

الخصوصية بعض البقاع دون بعض، بل لا ندع شيئًا باطلا نقف عليه، وإن كان القاضي الذي حرره في أطراف القطر اليمني، وليس علينا إلا إنكار ما بلغنا، وإبطال ما علمنا بطلانه، ولم يكلفنا الله في علم ما لم نعلمه، ولا إنكار ما لم يبلغ إلينا، وهذا غاية ما يجب علينا. ومع هذا فإني لا أدعي لنفسي ما لا تستحقه، فإني لست بمعصوم عن الخطأ، بل أطلب من غيري إذا وجد كلامًا لي في حكم أو فتيا مخالفًا للشريعة المطهرة أن يصلحه، أو يرشدني إلى إصلاحه، ويفعل معي ما أفعله مع غيري. وأما ما أشرتم إليه من أنه لا يصح النظر في أسباب الحكم وشرائطه إلا لمجتهد (١)، فهذه الكلية ممنوعة، فإن الذي يحتاج إلى المجتهد إنما هو نفس الحكم وما يترتب عليه ترتبًا قريبًا كما قدمنا تقريره، وأما مثل تحرير ما يتحاور به الخصمان، ومثل رقم ما يقربه كل واحد منهما على نفسه، ومثل النظر لمحل الشجار، ومثل تقويم التالف، وتقدير الباقي، ونحو ذلك من الأمور، فهذا يقوم به العدول الذين يوثق بدينهم وأمانتهم، وإن لم يكونوا من أهل العلم فضلا عن أهل العلم. وقد كررنا هذا في هذه الورقات لتكريره في هذه الأبحاث التي تكلمنا عليها. وفيما سبق ما يغني عن تكريره. وأما ما لمحتم إليه من أجرة الرسول، وكيفية [كان] (٢) تقسيطها، وما المستند في ذلك؟ فهذا البحث إذا بسطنا القول فيه، ونقلنا كلامكم عليه خرجنا إلا ما لا حاجة بنا وبكم إليه لاستلزامه للكلام على مباحث وجوب الطاعة، ومن تجب له. وقد كفانا وكفاكم عن هذا نصوص القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة المتواترة، وهي موجودة في الصحيحين، بالغة فيهما إلى حد التواتر المعتبر، فراجعوا ذلك ففيه ما يغني. والحمد لله أولا وآخرًا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله، ورضي الله عن الصحابة الأخيار [٢٣أ].

стр. 3529

الجوابات المنيعة على الأبحاث البديعة تأليف شرف الدين بن أحمد أمير كوكبان حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3530

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " الجوابات المنيعة على الأبحاث البديعة ". ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين الطاهرين. وبعد: فإنها وصلت إلينا الرسالة التي اشتملت على أبحاث تشد إليها الرحال ويعجز عن مثلها العلماء الأمثال .... " ٤ - آخر الرسالة: " وهو يهدي السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. حرر صبح الأحد ١٣ شهر شعبان الكريم سنة ١٢١٨هـ ". ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١٧ صفحة ما عدا صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة ٢٤سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3531

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الطاهرين. وبعد: فإنها وصلت إلينا الرسالة (١) التي اشتملت على أبحاث تشد إليها الرحال، ويعجز عن مثلها العلماء الأمثال، إلا أنها وإن تضمنت أنواعًا من الفوائد المتعددة، وعقودًا من الفرائد المتبددة، فهي لم تفد في حل ما أشكل من الأبحاث المسددة، بل سلك المجيب - كثر الله فوائده - في غالبها واديًا لم نرده فيما أوردناه، ولا ورد عين ما أوردناه، واستدل في بعضها بما لا ينهض في حل ما استشكلناه، فهو في بابه من بدائع الفوائد، يجب أن يعتمده كل من جعل في عنقه من أمور المسلمين القلائد، فلا تناط أحكام الله تعالى إلا بمن يعرف صحة ما يحكم بدليله الوارد عن الله ورسوله. ولا يخفى المجيب - كثر الله فوائده - أن ملخص الجواب الذي أجبنا به عليه هو أن الاستدلال بالآيتين الكريمتين على وجوب الإجابة إلى الحاكم مشكل، وأن دلالتهما لو تمت على وجوب الإجابة إلى الحاكم لما دلت على محل النزاع، وهو وجوب إجابة الغرماء إلى الخارج عن البريد (٢)، مع وجود حاكم معتبر في البلد، وأن في بلدنا من كملت فيه الشروط المعتبرة في صحة الحكم، ولا يلزم من القول بعدم دلالة الآيتين على هذا المعنى طي بساط الشريعة، ولا أن يكون القائل بذلك مخالفًا للإجماع القطعي، وللشريعة المطهرة، ورافعًا للتعبد بها، ولا يفضي به ذلك إلى كفر وفسق، بل كتب أئمتنا ﵈ وغيرهم مصرحة بعدم وجوب الخروج مع وجود حاكم معتبر في البلد، ولم يلزمهم بذلك طي بساط الشريعة، ومخالفة القطعي الموجب لما يخفاكم،

стр. 3532

فالتهويل منكم في غير محله. نعم. هو مفيد فيمن نفى وجوب الإجابة إلى الحكام رأسًا، ولم يقل به أصلا، كيف ولفظ كلامنا في الجواب هو ما صورته، وأشكلت علينا فيما ذكرتموه مسألتان: المسألة الأولى: إلزامكم لأولاد القاضي تسليم نصف الأجرة. المسألة [١أ] الثانية: في الاستدلال على تكليف الغرماء للرحيل من جهة إلى جهة بالآيتين الكريمتين ... إلى آخر كلامنا. وبهذا التقرير يندفع جميع ما أوردتم علينا من التهويل بلزوم طي بساط الشريعة، وبمخالفة الإجماع القطعي، والنصوص القرآنية، والأحاديث المتواترة، ونحو ذلك من التطويل بالتبكيت العريض الطويل. قوله - كثر الله فوائده -: فإنه وصل إلى آخر كلامه - عافاه الله تعالى -. نقول: الذي استشكلناه هو إيجاب الرحيل على الغريم إلى خارج البريد لإجابة الحاكم، مع وجود حاكم معتبر في البلد، وأن الإيجاب لذلك لا يذهب إليه أحد من أهل البيت، ولا من أئمة المذاهب، ولم يستشكل ما ذكره - عافاه الله - لأنه لم يتعرض لذكر ما هو مصب الغرض من الاستشكال الأصلي، وهو قولنا: مع وجود حاكم معتبر في البلد. قوله - أبقاه الله تعالى -: أقول: نورد عليه قبل الكلام على كلامه هذا سؤال الاستفسار (١) فنقول: هل إجابة ... إلخ. نقول: هذا الترديد ليس واردًا من أصله، لأنه في وجوب الإجابة إلى الحاكم الخارج عن البريد، مع عدم وجود مثله في البلد، وكلامنا في حكم الإجابة إلى الحاكم الخارج عن البريد مع وجود مثله في البلدة، فاندفع الترديد وما ترتب عليه. قوله - عافاه الله -: فلنتكلم الآن على ألفاظ المناقشة - إلى قوله -: فهذا على

стр. 3533

تقدير تسليمه لا يضر ... إلخ. نقول: السياق في الآيات قاض بأنها نزلت (١) فيمن يظهر الإيمان، ويعرض عن الإجابة إلى النبي ﵌ ليحكم بينه وبين غريمه، فبكت الله عليهم ذلك، وأخبر بأن المؤمن لا يكون قوله إذا دعي إلى رسول الله ليحكم بينه وبين غريمه إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا، وهذا التقرير لا يدافع بأنه لو كان المراد ذلك لقال: إنما كان قول المنافق أو اليهودي كما لا يخفى. قوله - أبقاه الله -: كما يفيد ذلك الألف واللام التعريفية أو الموصولية على اختلاف الرأيين ... إلخ [١ب]. نقول: ليس اللام في مثل المؤمن والكافر ونحوهما اسمًا موصولا، وإن كان صفة، إنما ذلك في الصفات التي يقصد بها الحدوث فتعمل، لا في الصفات التي صارت بمنزلة الصفة المشبهة كالمؤمن ونحوه، فاللام فيها حرف تعريف اتفاقًا. وقد بسط الكلام على ذلك السعد في حاشية الكشاف، وأما تقرير العموم بانهدام الجمعية، ومصير الصيغة جنسية شاملة محيطة فلا حاجة إليه، لأن الجمع (٢) المعرف باللام المشار بها إلى الجنس نفسه من حيث الوجود على الإطلاق من صيغ العموم عند الجمهور من الأصوليين بدون ذلك التقدير. قوله: فهذا مسلم لكن بالنسبة إلى الحاكم لا بالنسبة إلى المحكوم به ... إلخ. نقول: قال الله تعالى - بعد تلك الآيات في آخر سورة النور -: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ (٣) وهو اسم جنس مضاف من صيغ العموم وإن كان سببه خاصًا، والمراد العموم في الدعاء إلى تعليم الشرائع أو فصل الخصومات،

стр. 3534

أو غير ذلك، وسر ذلك أن من دعي إلى رسول الله ﵌ فأبى عن الإجابة عليه عنادًا كفر باتفاق الأمة، ومن امتنع عن الإجابة إلى حاكم كامل الشروط بالإجماع لم يكفر بالاتفاق. غاية الأمر أنه يكون عاصيًا وهذا هو الذي أردناه بالخصوص في قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (١) من القسم العظيم على نفي الإيمان عنهم حتى يحكموه فيما شجر بينهم، ثم نفي الحرج فيما قضى، والتسليم المؤكد لذلك. وأما ما ذكره المجيب - كثر الله فوائده - من الكلام على حديث معاذ (٢)، وما يتعلق به فكلام نفيس جدًا، ونحن قائلون به، ولكنه لا يفيد في إبطال ما قلناه. قوله - أبقاه الله -: الثاني ما قدمنا من الإجماع القطعي على وجوب الإجابة للداعي إلى الشريعة ... إلخ. نقول: إن أراد ما ذكره دليل على صحة الاستدلال بالآيتين على وجوب الإجابة إلى الحاكم فهو لا يفيد [٢أ] ذلك، وإن أراد أن ذلك دليل على وجوب الإجابة إلى الحاكم في البلد من غير نظر إلى كونه مدلول الآيتين فمسلم ولا ننكر ذلك أصلا، ولم يكن في كلامنا ما يدل على الإنكار بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، إنما استشكلنا الاستدلال بالآيتين فقط، وهكذا نقول في الوجه الثالث. قوله: الوجه الرابع: أن رسول الله ﵌ قد نصب الحكام ... إلخ. نقول: نعم نصب الحكام (٣)، وبعث بالولاة، وأمر الأمراء، وهو دليل لنا ليستكفي

стр. 3535

أهل كل قطر بما لديهم من الحكام، وغيرهم مع وجوده ﵌ وهو إمام الكل، ولم يوجب على الغريمين الوصول إليه، بل نصب لهم الحكام تسهيلا للأمر الذي بعث به من الشريعة السمحة السهلة، ولم يؤثر عن أحد من قضاته ﵌ أنه كان يوجب على المتشاجرين الوصول إليه من الأقطار البعيدة، مع وجود حاكم عندهم، وعلى مدعي ذلك بيانه. نعم. لو لم يكن في اليمن إلا قاض واحد لوجب الوصول إليه، فليس كلامنا إلا في وجوب الخروج عن البريد مع وجود الحاكم المعتبر في البلد. قوله - كثر الله فوائده -: الوجه الخامس: أن إفراده ﵌ في الآيتين بنسبة التحكيم إليه والحكم منه هو كإفراده في قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (١) ... إلى آخر ما ذكره - عافاه الله - بما محصله أن خطاب الله لرسوله يفيد التعميم لكل الأمة. نقول: قد تقرر في الأصول (٢) عند الجماهير من أئمتنا وغيرهم أن الخطاب الخاص بالرسول ﵌ لا يتناول الأمة إلا بدليل خارجي كما هو معروف، وهذه الآيات التي ساقها قد قامت الأدلة الخارجية على عمومها، ولم يذهب إلى أن الخطاب الخاص بالرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عام بنفس اللفظ إلا أبو حنيفة وأحمد (٣). قوله - كثر الله فوائده -: إنه تقرر في الأصول أن خطابات الله ورسوله لواحد من الأمة يعم إذا لم يوجد ما يفيد اختصاص ذلك الواحد ... إلخ. نقول: الذي تقرر في الأصول [٢ب] عند أئمتنا وغيرهم من جماهير العلماء أن

стр. 3536

خطاب الواحد (١) لا يكون للعموم، ولا يتناول سائر الأمة إلا بدليل. وقد أخرج مسلم (٢) عن علي بن أبي طالب ﵇ قال: " نهاني رسول الله ﵌ عن القراءة في الركوع والسجود، ولا أقول: نهاكم " ولم يذهب إلى عمومه إلا الحنابلة وجماعة من الناس، والمسألة مشهورة مدونة في كتب الأصول (٣). قوله - أبقاه الله تعالى -: الوجه السابع: أن الله تعالى قد شرع لنا التحكيم ... إلخ. نقول: التحكيم باب آخر، ولا يشترط في المحكم الاجتهاد، ولا نزاع في ذلك، بل ولا نزاع في وجوب الإجابة إلى الحاكم الخارج عن البريد مع عدم وجود الحاكم في البلد ومنع الاستدلال بالآيتين لا يلزم منه منع الإجابة مطلقًا، وليس في كلامنا ما يدل على المنع الكلي.

стр. 3537

قوله - عافاه الله -: الوجه الثامن: أنه قد تقرر في الأصول (١) أن النبي ﵌ إذا فعل فعلا، أو شرع الله له شرعًا كان التأسي به في ذلك ... إلخ. نقول: الذي تقرر في الأصول أن فعله ﵌ إذا لم يكن جبليًا (٢) ولا دل دليل على الخصوصية فيه إما أن يكون معلوم جهته أو لا، فمعلوم الجهة افترقت فيه الأصوليون إلى أربعة مذاهب: الأول: أن أمته مثله (٣). الثاني: لا تكون مثله. الثالث: أنهم مثله في العبادات. الرابع: أنه يكون كمجهول الجهة، ومجهول الجهة فيه أربعة أقوال أيضًا وهي: الوجوب (٤)، والندب (٥)، والإباحة (٦)، والوقف (٧). هذا في فعله ﵌.

стр. 3538

وأما في قوله ﵌ فإن كان عامًا فلا شك في عمومه، وإن كان لواحد فقد قدمنا الكلام عليه من أنه لا يعم غيره إلا بدليل. وأما خطابات الله تعالى له فإن كانت عامة بنفس اللفظ فلا خلاف فيها، وإن كانت خاصة به فقد قدمنا أنه لا يتناول غيره إلا بدليل، فقول المجيب - كثر الله فوائده -: وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين غير مسلم لما ذكرناه من الخلاف، والمسألة معروفة في الأصول. قوله: وأما ما ذكرتم من كلام الزمخشري [٣أ] في كشافه (١) - إلى قوله -: وليس فيه أن إجابة الدعوة إلى الشريعة مختصة برسول الله ﵌ ولا تجب إلى غيره ... إلخ. نقول: ومن أين فهم من كلامنا أن الدعوة إلى الشريعة مختصة برسول الله ﵌؟ فليس في كلامنا ما يدل عليه بشيء من الدلالات، ويأبى الله أن نريد ذلك، أو أن يريده متدين. ولم نذكر كلام الزمخشري للاستدلال على ذلك، وإنما ذكرناه استظهارًا لما قررناه من كون دلالة الآية نفسها على مدعاكم مشكلا وأن الدعاء إلى الله هو الدعاء إلى رسوله، وسياق الآيات واضح في ذلك. قوله: فإن قلت: ما ذكره الزمخشري ... إلخ. نقول: تفسير الزمخشري لذلك يجعله من باب أعجبني زيد وكرمه بعد مطابقة المقام لأن المقام للتبكيت على من أعرض عن الدعاء إلى النبي ﵌ فبكت الله تعالى عليهم بما يفيد تلك النكتة البديعة. ولا يخفى أن التفسير بما وافق بلاغة القرآن وإعجازه هو المتعين، ولهذا كان الإمام الزمخشري هو المجمع على تفسيره العظيم عند المؤالف والمخالف. قوله - كثر الله فوائده -: أقول: إن كانت الإشارة في قوله: ويؤيد هذا إلى أسفله من كون الآية .. إلخ.

стр. 3539

نقول: الإشارة في هذا إلى كلام إمام البيان الزمخشري (١) ﵀ من جعله الدعاء إلى الله تعالى هو الدعاء إلى رسوله ﵌، وأن ذلك من باب أعجبني زيد وكرمه لكونه هو المطابق لمقتضى الحال، ولما كان المراد في هذه الآية من الدعاء إلى الله هو الدعاء إلى رسوله ﵌ أفرد الضمير (٢) أي ليحكم أي: ليحكم رسول الله ﵌ بينهم، وهذا واضح لا يخفى. قوله - أبقاه الله -: ثم قوله: فلا يثبت هذا الحكم لغير رسول الله ﵌ إلى قوله: يستلزم ما قدمنا ذكره ... إلخ. نقول: قد أكثر المجيب - غفر الله له - من التهويل بطي بساط الشريعة، والوقوع في مخالفة جميع الأمة، ومخالفة الضرورة الدينية، وغير ذلك، وهو تهويل في غير محله؛ إذ صريح [٣ب] كلامنا إنما هو استشكال للاستدلال بالآيتين على المدعي فقط، وأنشده بالله هل يجزم متدين بأن الحكم بالآيتين ثابت على من دعي إلى التحاكم لدى قاض معين من نفي إيمانه حتى يحكمه فيما شجر بينه وبين غريمه، ثم ينتفي وجدان الحرج في نفسه مما قضى، ثم التسليم لذلك، وأن يقول: سمعنا وأطعنا. وقد قدمنا أن من امتنع عن الإجابة إلى رسول الله ﷺ عنادًا كفر بالإجماع ولا كذلك من امتنع عن الإجابة إلى حاكم. قوله: وأما قوله: إن الخصوص في آية سورة النساء أوضح ... إلخ. نقول: وجه الأوضحية واضح بما قدمناه قريبًا، ومن ملاحظة المقام الذي لا يكون الكلام بليغًا إلا بمطابقته على وفق مقتضى الحال.

стр. 3540

قوله - عافاه الله تعالى -: أقول: هذا الكلام إنما يرد على من قال بوجوب الإجابة إلى حاكم يحكم بحكم الله تعالى ... إلخ. نقول: فما عدي مما بدا فإذا قد اتفقنا نحن وإياكم على تكليف الغريم للرحيل من الظلم مع وجود من يحكم بحكم الله تعالى في جهة الخصمين، فما شأن إلزامكم بعد ذلك لمن في بلاده من كملت فيه شروط الاجتهاد المجمع عليها عند أئمتنا ﵈!؟ وغيرهم من أئمة الأصول!. وإن قلتم: إن ذلك دعوى فالعمر هو الشاهد. وهذا الفرس وهذا الميدان. وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان، وملاحة الدينار يظهر فضله في حكه لا في ملاحة نقشه. والمناظرة لم تزل دائرة بين العلماء في جميع الأزمان. والله المستعان. قوله - كثر الله فوائده -: فنقول: قلتم: وحكم الله تعالى في تلك الحادثة مظنون كل مجتهد ... إلخ. نقول: قولنا: حكم الله مظنون كل مجتهد صادق على القولين، وهما قول من يقول بالإصابة أو بالصواب، أما من يقول بالإصابة فواضح، وأما من يقول بالصواب فحكم الله هو مظنون للمجتهد في المسائل الظنية لا متيقن له، والفرض [٤أ] أن حكم الله واحد والمصيب له غير متعين، فالتعيين له بأنه هذا دون ذاك تحكم ولم نعتبر بهذه العبارة إلا لاحتمالها للقولين. وتقديرنا صحيح عليهما؛ إذ المراد من ذلك أن قول المجتهد لا يلزم التكليف به دون قول المجتهد الآخر بل هما سواء، لأنهما مصيبان إما من الصواب أو الإصابة فجزمكم بأحد الاحتمالين لمدلول عبارتنا فيه ما فيه، وهذه المسألة كما ذكرتم طويلة الذيول، وهي معروفة في جميع كتب الأصول، إلا أنه ليس للخلاف (١) فيها ثمرة،
следующие страницы →