خطاب الواحد (١) لا يكون للعموم، ولا يتناول سائر الأمة إلا بدليل.
وقد أخرج مسلم (٢) عن علي بن أبي طالب ﵇ قال: " نهاني رسول الله ﵌ عن القراءة في الركوع والسجود، ولا أقول: نهاكم " ولم يذهب إلى عمومه إلا الحنابلة وجماعة من الناس، والمسألة مشهورة مدونة في كتب الأصول (٣).
قوله - أبقاه الله تعالى -: الوجه السابع: أن الله تعالى قد شرع لنا التحكيم ... إلخ.
نقول: التحكيم باب آخر، ولا يشترط في المحكم الاجتهاد، ولا نزاع في ذلك، بل ولا نزاع في وجوب الإجابة إلى الحاكم الخارج عن البريد مع عدم وجود الحاكم في البلد ومنع الاستدلال بالآيتين لا يلزم منه منع الإجابة مطلقًا، وليس في كلامنا ما يدل على المنع الكلي.
стр. 3537
قوله - عافاه الله -: الوجه الثامن: أنه قد تقرر في الأصول (١) أن النبي ﵌ إذا فعل فعلا، أو شرع الله له شرعًا كان التأسي به في ذلك ... إلخ.
نقول: الذي تقرر في الأصول أن فعله ﵌ إذا لم يكن جبليًا (٢) ولا دل دليل على الخصوصية فيه إما أن يكون معلوم جهته أو لا، فمعلوم الجهة افترقت فيه الأصوليون إلى أربعة مذاهب:
الأول: أن أمته مثله (٣).
الثاني: لا تكون مثله.
الثالث: أنهم مثله في العبادات.
الرابع: أنه يكون كمجهول الجهة، ومجهول الجهة فيه أربعة أقوال أيضًا وهي: الوجوب (٤)، والندب (٥)، والإباحة (٦)، والوقف (٧). هذا في فعله ﵌.
стр. 3538
وأما في قوله ﵌ فإن كان عامًا فلا شك في عمومه، وإن كان لواحد فقد قدمنا الكلام عليه من أنه لا يعم غيره إلا بدليل. وأما خطابات الله تعالى له فإن كانت عامة بنفس اللفظ فلا خلاف فيها، وإن كانت خاصة به فقد قدمنا أنه لا يتناول غيره إلا بدليل، فقول المجيب - كثر الله فوائده -: وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين غير مسلم لما ذكرناه من الخلاف، والمسألة معروفة في الأصول.
قوله: وأما ما ذكرتم من كلام الزمخشري [٣أ] في كشافه (١) - إلى قوله -: وليس فيه أن إجابة الدعوة إلى الشريعة مختصة برسول الله ﵌ ولا تجب إلى غيره ... إلخ.
نقول: ومن أين فهم من كلامنا أن الدعوة إلى الشريعة مختصة برسول الله ﵌؟ فليس في كلامنا ما يدل عليه بشيء من الدلالات، ويأبى الله أن نريد ذلك، أو أن يريده متدين. ولم نذكر كلام الزمخشري للاستدلال على ذلك، وإنما ذكرناه استظهارًا لما قررناه من كون دلالة الآية نفسها على مدعاكم مشكلا وأن الدعاء إلى الله هو الدعاء إلى رسوله، وسياق الآيات واضح في ذلك.
قوله: فإن قلت: ما ذكره الزمخشري ... إلخ.
نقول: تفسير الزمخشري لذلك يجعله من باب أعجبني زيد وكرمه بعد مطابقة المقام لأن المقام للتبكيت على من أعرض عن الدعاء إلى النبي ﵌ فبكت الله تعالى عليهم بما يفيد تلك النكتة البديعة. ولا يخفى أن التفسير بما وافق بلاغة القرآن وإعجازه هو المتعين، ولهذا كان الإمام الزمخشري هو المجمع على تفسيره العظيم عند المؤالف والمخالف.
قوله - كثر الله فوائده -: أقول: إن كانت الإشارة في قوله: ويؤيد هذا إلى أسفله من كون الآية .. إلخ.
стр. 3539
نقول: الإشارة في هذا إلى كلام إمام البيان الزمخشري (١) ﵀ من جعله الدعاء إلى الله تعالى هو الدعاء إلى رسوله ﵌، وأن ذلك من باب أعجبني زيد وكرمه لكونه هو المطابق لمقتضى الحال، ولما كان المراد في هذه الآية من الدعاء إلى الله هو الدعاء إلى رسوله ﵌ أفرد الضمير (٢) أي ليحكم أي: ليحكم رسول الله ﵌ بينهم، وهذا واضح لا يخفى.
قوله - أبقاه الله -: ثم قوله: فلا يثبت هذا الحكم لغير رسول الله ﵌ إلى قوله: يستلزم ما قدمنا ذكره ... إلخ.
نقول: قد أكثر المجيب - غفر الله له - من التهويل بطي بساط الشريعة، والوقوع في مخالفة جميع الأمة، ومخالفة الضرورة الدينية، وغير ذلك، وهو تهويل في غير محله؛ إذ صريح [٣ب] كلامنا إنما هو استشكال للاستدلال بالآيتين على المدعي فقط، وأنشده بالله هل يجزم متدين بأن الحكم بالآيتين ثابت على من دعي إلى التحاكم لدى قاض معين من نفي إيمانه حتى يحكمه فيما شجر بينه وبين غريمه، ثم ينتفي وجدان الحرج في نفسه مما قضى، ثم التسليم لذلك، وأن يقول: سمعنا وأطعنا. وقد قدمنا أن من امتنع عن الإجابة إلى رسول الله ﷺ عنادًا كفر بالإجماع ولا كذلك من امتنع عن الإجابة إلى حاكم.
قوله: وأما قوله: إن الخصوص في آية سورة النساء أوضح ... إلخ.
نقول: وجه الأوضحية واضح بما قدمناه قريبًا، ومن ملاحظة المقام الذي لا يكون الكلام بليغًا إلا بمطابقته على وفق مقتضى الحال.
стр. 3540
قوله - عافاه الله تعالى -: أقول: هذا الكلام إنما يرد على من قال بوجوب الإجابة إلى حاكم يحكم بحكم الله تعالى ... إلخ.
نقول: فما عدي مما بدا فإذا قد اتفقنا نحن وإياكم على تكليف الغريم للرحيل من الظلم مع وجود من يحكم بحكم الله تعالى في جهة الخصمين، فما شأن إلزامكم بعد ذلك لمن في بلاده من كملت فيه شروط الاجتهاد المجمع عليها عند أئمتنا ﵈!؟ وغيرهم من أئمة الأصول!.
وإن قلتم: إن ذلك دعوى فالعمر هو الشاهد. وهذا الفرس وهذا الميدان. وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان، وملاحة الدينار يظهر فضله في حكه لا في ملاحة نقشه. والمناظرة لم تزل دائرة بين العلماء في جميع الأزمان. والله المستعان.
قوله - كثر الله فوائده -: فنقول: قلتم: وحكم الله تعالى في تلك الحادثة مظنون كل مجتهد ... إلخ.
نقول: قولنا: حكم الله مظنون كل مجتهد صادق على القولين، وهما قول من يقول بالإصابة أو بالصواب، أما من يقول بالإصابة فواضح، وأما من يقول بالصواب فحكم الله هو مظنون للمجتهد في المسائل الظنية لا متيقن له، والفرض [٤أ] أن حكم الله واحد والمصيب له غير متعين، فالتعيين له بأنه هذا دون ذاك تحكم ولم نعتبر بهذه العبارة إلا لاحتمالها للقولين. وتقديرنا صحيح عليهما؛ إذ المراد من ذلك أن قول المجتهد لا يلزم التكليف به دون قول المجتهد الآخر بل هما سواء، لأنهما مصيبان إما من الصواب أو الإصابة فجزمكم بأحد الاحتمالين لمدلول عبارتنا فيه ما فيه، وهذه المسألة كما ذكرتم طويلة الذيول، وهي معروفة في جميع كتب الأصول، إلا أنه ليس للخلاف (١) فيها ثمرة،
стр. 3541
لأن القائل بتخطئة البعض قائل بأنه يثاب المخطئ، ولا مخالف في عدم ثوابه إلا الأصم، وابن علية، والمريسي (١). وقد ذكر العلماء أنهم خالفوا العقل والنقل، ولا أرى إلا أن المخطية يعينون الشيطان في تفريق المذاهب، ونشر العداوة، وجعل الدين عضين، وكل حزب بما لديهم فرحون، لأنهم يقولون الحق مع واحد، ويسكتون عن كون المخطئ مأجورًا. وينبغي التنبه لفائدة ذكرها شيخ الإسلام الوجيه عبد القادر بن أحمد ﵁ وهي: أن الأحاديث (٢) الواردة في أجر المصيب والمخطئ هي في الحاكم المجتهد، لا في مطلق المجتهد؛ فالحاكم إذا اجتهد وعمل بشهادة عادلة، وقطع بها الحق فقد أصاب حكم الله تعالى، فإن كانت الشهادة زورًا إما لوهم الشهود، أو لنحو ذلك فقد أخطأ الواقع مع إصابته لحكم الله، فإنه تعالى أمره بالعمل بالشهادة بدليل قطعي لا تجوز مخالفته، ولا إثم على من عمل بحكم الله تعالى وأخطأ الواقع، ولذا قال ﵌: " فإنما أقطع له قطعة من نار " (٣) فجعل أحاديث الحاكم وتخطئته في
стр. 3542
الواقع لا في الحكم دليلا على تخطئة المجتهد، وأنه ليس بمصيب من الإصابة من نصب الدليل على خلاف محل النزاع.
وإذا تقرر أن الخلاف في هذه المسألة لا ثمرة له فلا تشنيع على من ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب من الإصابة، ولا يليق الإنكار عليه [٤ب]، ولا يقال في حقه: إنه متقول على الله وعلى رسوله، وإنه جاء برأي فاسد، ومذهب باطل خصوصًا مثل الإمام المهدي أحمد بن يحيى (١) ﵇ فالناس في القطر اليمني عالة عليه، وإن ادعوا خلاف ذلك.
قوله - أبقاه الله -: وقلتم: والاجتهاد - إلى قوله - وأقول: هذه الكلية ممنوعة ... إلى آخر الكلام، وهو قريب من نصف كراسة اشتملت على بيان تفاوت العلماء في الاستنباط، وعلى تقسيم المجتهد لنفسه، ومجتهد يحكم أو يفتي، أو يؤلف، وأنه يشترط في الثاني ما لا يشترط في الأول.
نقول: أما تفاوت العلماء (٢) فلا شك في ذلك، وقل أن يترشح أحد من أبناء الزمان
стр. 3543
للنظر في الأدلة إلا وهو متوسع في العلوم النافعة، ويعتقد أنه بلغ إلى رتبة لم يبلغها غيره مع إقامته الدليل على ما ادعاه من تأليفه لمسائل، وتقريره لمباحث، وتحريره لأنظار ونحو ذلك مما يدل البعض فيه على الكل، ولا يشترط في إقامة الدليل على دعواه أن يكون بتصنيف الكتب الكبار، أو بتأليف الرسائل المتعددة، وربما كان ميل بعضهم إلى الخمول، أو عدم الرغوب إلى التأليف فلا يشتهر كاشتهار غيره. وفضل الله تعالى ليس مختصًا بواحد بعينه حتى لا يتجاوزه إلى غيره، ولا يشار بالبيان إلا إليه، ولا تؤخذ أحكام الله إلا منه.
وأما تقسيم المجتهد إلى ما ذكره المجيب - كثر الله فوائده - فهو غريب، وقد أكثر العلامة الجلال في مؤلفاته من تقرير أن العامل بنصوص الأدلة ليس بمقلد ولا مجتهد، قال: وهو الذي كان عليه عامة الصحابة والصدر الأول. وهذا الكلام موافق لما ذهبتم إليه من حيث المعنى، ولكن الجلال لم يجعل العامل كذلك مجتهدًا ولا سيما العمل بالنصوص اجتهادًا، وذلك لأن الاجتهاد هو استفراغ الوسع في تحصيل ظن بحكم شرعي، فالعامل بالنصوص ليس بمستفرغ [٥أ] للوسع في ذلك، وكذلك العمل بالأدلة القطعية ليس باجتهاد، بل الاجتهاد أمر خاص فيما تعارضت فيه الأدلة، أو لم يوجد دليل على المطلوب بخصوصه أو نحو ذلك. ثم غير خاف عليكم أن النبي ﵌ قد نصب قضاة، وكان في الصحابة من هو أعلم منهم، وقد حكم ﵌ بأن أمير المؤمنين عليًا ﵁ (أقضى الصحابة) وقد قامت الأدلة أنه أعلم الناس بعد رسول الله ﵌. ومع هذا فلم تكن أحكام القضاة الآخرين مع وجوده غير صحيحة ولا متوقفة على اجتهاده، بل مع وجود النبي ﵌ الذي هو أعلم الناس أجمعين، ولولا أن ذلك ظاهر للعالم بالأخبار لوسعنا البحث فيه، وأطلنا ذيوله، ولكن الإشارة كافية في ذلك، وبذلك يندفع ما قرره المجيب - عافاه الله - في آخر البحث.
فقال - أبقاه الله -: إنه لا يحل لأحد أن يقوم في مقام الإرشاد للعباد مع وجود من
стр. 3544
هو أعلم منه بالشريعة في عصره وقطره، لأنه يظن في كل من هو أعلم منه أنه يعلم بدليل لا يعلمه ويقدر على استنباط لا يقدر عليه، وهذا يجده كل رجل من نفسه. انتهى كلامه.
وبهذه الطريقة سد المتأخرون من مقلدي الفقهاء أبواب الاجتهاد بعد أئمتهم، لأن الشافعية مثلا لما أحسنوا الظن بالإمام الشافعي قالوا: إنه يعلم بدليل لا نعلمه، ويقدر على استنباط لا نقدر عليه، فما بقي إلا التقليد له، وإذا وجدوا حديثًا صحيحًا يخالف مذهب الشافعي قالوا: من البعيد أن لا يطلع عليه الشافعي، بل قد اطلع عليه ولم يعمل به، إما لعدم صحته عنده، أو لكونه منسوخًا لديه، أو لوجوده لدليل أصح منه وأقوى لم نعلمه نحن ولا اطلعنا عليه، ونحو ذلك من التعصبات والتمذهبات التي يلزم منها طي بساط الشريعة، ومخالفة الأدلة ورد الشريعة المطهرة، وكذا وكذا من ذلكم التهويل [٥ب] الذي كررتموا ذكره.
قوله - كثر الله فوائده -: ولكنا نقول يجب عليكم تفويض ما عرض من الشجار ... إلى آخر ما ذكره.
نقول: هذا هو صنيعنا وديدننا، فإنا نجمع الحكام لدينا للنظر في الخصومات، ثم نعرض ما صح على من لدينا من العلماء، فإن وقع خلاف وقفنا الشجار حتى يحصل الاتفاق، ثم نجزم بما حصل الاتفاق عليه بعد التثبت والبحث، هذا إذا كان في حكم، وأما إذا كان على جهة الصلح فالعمدة رضى الغريمين على أي جهة كانت. وأما تكليفنا للغريمين بالوصول إليكم مع وجود المجتهدين لدينا فشيء لم يقم عليه أثارة من علم، ولم يكلف معاذ أهل اليمن الوصول إلى النبي ﵌ وهو سيد ولد آدم، وكذلك غيره من قضاته ﵌ بل اكتفى بهم النبي ﵌ وأقرهم على أن يحكموا بين الناس، ولم يقل لهم: لماذا تحكمون ولا ترفعون إلينا، لأن عندنا من العلم ما لم يكن عندكم، ونحن نعلم بدليل لا تعلموه، ونقدر على استنباط لا تقدرون عليه، هذا وقد أعطاه الله علم
стр. 3545
الأولين والآخرين، وسلك الخلفاء الراشدون بعده هذا المسلك، وكل ذلك تسهيل للأمة من التعسير الذي نهى عنه ﵌؛ فإنه لم يبعث إلا بالشريعة السمحة السهلة، وبعد ذلك تعرفون أن قولكم: إن ذلك من كمال العدل، وتمام البر ليس على ما ينبغي، بل تكليف الغريم بما لم يجب عليه من كمال الجور، وتمام العقوق. على أنا - والله - لو نعلم بأن تظلم الغريم من حكامنا لأمر ديني لبادرنا إلى إلزام الغريم بإجابته إلى الخارج عن البريد، ولو نحتمل غرامة مؤنته من بيت المال، إنما نحن نعلم يقينًا أن هرب الغريم من الحكام، ونفوره إلى غيرهم لشهوة نفسانية، ومنافسة دنيوية، وتشوش شيطاني لدواع تظهر لمن يعرف الحقائق، ويميز بين الخطأ والصواب، ويمارس أحوال الناس، ويجرب حوادث الأيام. والله المستعان. [٦أ]
قوله: فلا يثبت حكم الحاكم على الخصمين إلا إذا كان مجمعًا على أهليته ... إلخ.
نقول: إن أردتم بالإجماع عليه في مذهب المتشاجرين فقد عرفتم أن المتشاجرين في هذا القطر أكثرهم زيدية، والحاكم المجمع عليه عندهم على المذهب أعز من بيض الأنوق (١). وإن أردتم بالإجماع عليه بين العلماء جميعهم فلا يخفاكم ما على الإجماع من الإشكالات في الأصول. وإن أردتم علماء مدينته أو غالب أهل قطره فلا يفيد.
قوله - كثر الله فوائده -: والذي عندي أن حكام الشريعة - إلى قوله -: فإذا حكم الحاكم بمحض الرأي ظنًا منه أن دليل ذلك الحكم لا يوجد في الكتاب ولا في السنة، ثم وجد غيره النص الدال على ذلك الحكم ... إلخ.
نقول: وهذا الذي عنده - كثر الله فوائده - هو الذي عند بعض العلماء.
стр. 3546
قال أي الإمام في الغاية (١): مسألة: اختلف في نقض الحكم إن لم يخالف قاطعًا فقيل بالمنع لفوات مصلحة نصب الحكام، وقيل بالجواز إن خالف نصًا أو حديثًَا، وهو على التخطئة ظاهرًا، انتهى. وإنما لم يذهب الإمام المهدي إلى هذا لأن مذهبه أن كل مجتهد مصيب من الإصابة، ولهذا قال: ولا ينقض حكم حاكم إلا بدليل علمي (٢).
قوله - عافاه الله -: لأنا نقول إنه لو كان ذلك كذلك فهما إنما ترافعا إليه ليحكم بينهما بالشريعة المطهرة لا بمحض رأيه ... إلخ.
نقول: قد قدمنا أن غالب المتشاجرين بل جميعهم زيدية المذهب، وهم إنما يترافعون إلى الحاكم ليحكم بينهم بمذهب من قلدوه، ولم يحكموه إلا لظنهم الحكم بذلك، ولو أنه يقال لهم: إن الحاكم الفلاني سيحكم بينكم في هذه الحادثة باجتهاده، وبما أداه إليه نظره، أو يحكم بما يخالف مذهبكم، أو بما يذهب من قلدتموه إلى خلافه لم يرضوا بذلك، ولنفر الغريم وغريمه من ذلك الحاكم، وهذا شيء قد سمعناه عنهم، وشاهدناه منهم، ولا يوقف الغرماء من النفور إذا علموا بذلك إلا الخوف من الحبس والتنكيل ونحو ذلك لأجل ذلك، مع ملاحظة عدم التنفير وجمع القلوب التي أرشد إليها الشارع.
كان بعض أكابر العلماء المحققين وهو من مشائخنا ومشائخكم إذا أداه نظره إلى [٦ب] الحكم بما يخالف المذهب نظر إلى من يقول بذلك الذي ذهب إليه من أهل البيت ﵈ ثم يصدره فيما يحرره من الأحكام، لئلا يظن به المتشاجرون مخالفة أهل البيت ﵈ في حكمه، وهم لا يريدون منه إلا الحكم بمذهب أهل البيت، مع كون ذلك موافقًا لاجتهاده، وكان بعض شيوخ هذا العلامة إذا ورد إليه سؤال أجاب فيه بأنه إذا كان السؤال عن المذهب الشريف فالأمر على كيت وكيت، وإن كان السؤال عما يترجح لدي فكيت وكيت، فسأله تلميذه عن سبب صنيعه هذا فقال: إن هؤلاء يسألون هذه السؤالات ليس قصدهم بها إلا أن يجاب عنها بالمذهب.
стр. 3547
قوله: مثلا لو قال لهم القائل أنه قد وقع الإجماع على عدم جواز تقليد الأموات كما نقل ذلك العلامة محمد بن إبراهيم الوزير في القواعد (١) ... إلخ.
نقول: الذي في الذهن أن السيد محمد بن إبراهيم إنما نقل عن الإمام الهادي ﵇ عدم جواز تقليد الأموات (٢)، ثم بكت على من يقلد الهادي بعد موته بأنه مقلد لمن لا يجوز تقليده. وأما نقل الإجماع فلم يكن في الذهن أنه نقله، ولا يظن به ذلك؛ إذ هو بمحل من التثبت في النقل، كيف وقد قال الإمام المهدي في الأزهار (٣): والحي أولى من الميت، وهو أجل من أن ينقل ما أجمعت الأمة أو أهل البيت على خلافه.
قوله: لمثل هذا المنصب الذي هو أساس الدين.
نقول: أساس الدين هو اتباع القدم المحمدي في جميع ما جاء به، ونشر العلم، والعكوف على العبادة والجهاد في سبيل الله الذي هو سنام الدين، والنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف، وإقامة حدود الله على الوجه المشروع، فمجموع هذا هو أساس
стр. 3548
الدين، وليس أساس الدين مجرد وصول قبيلي يدعي في شفعة أو نحوها ليحكم الحاكم له أو عليه. نعم هذا من الدين لا أنه أساس الدين.
قوله: وأما إذا كان ذلك المتأهل الذي قضى بالرأي ... إلخ.
نقول: العمل بالرأي المحض غير صحيح، وحديث معاذ (١) مع ضعفه ظني لا ينهض في محل النزاع، والمسألة أصولية لا يثبت بالظنيات كما علم، فالحاكم الذي لم يجد إلا الرأي لم يكلفه الله بالتشريع لعباده، ولا أذن له في ذلك، ولا أوجب عليه الحكم في كل جزئي من جزئيات المتشاجرين، فإذا وقع مثل ذلك فلا وصمة عليه أن يقول: لا علم لي [٧أ] بذلك، اذهبوا إلى غيري، بل هو من كمال العلم، ومزيد الورع، وشدة التقوى، وتمام البر. وقد قال بعض السلف: من ترك لا أعلم أصيبت مقاتله. وما أحسن ما قيل:
قد كان لا أدري (٢) لهم في دينهم ... تلبية بل كانت عمود نصابه
وقد كانت الفتوى تدور في أيام الصحابة حتى ترجع إلى الأول.
قوله: وأما الاستناد في الأحكام الشرعية إلى الأعراف المألوفة ... إلخ.
نقول: مرادنا بالأعراف المألوفة الإشارة إلى أحد القواعد الكلية التي يذكرونها أئمة الأشباه والنظائر في قواعد الفقه، وهي أن العادة محكمة، وفرعوا عليها مسائل كثيرة. وقد بسط الكلام عليها الحافظ السيوطي (٣)، وصدر الدين ابن الوكيل (٤) في كتابيهما:
стр. 3549
الأشباه والنظائر. ومن الأعراف المألوفة لحكام زماننا ما صاروا يعتمدون عليه في مثل مسألة بيت العاضي، وهي شركة الأولاد في الكسائب مع أبيهم من جعلهم ذلك نصفًا على النفقة، ونصفًا على التركة، وهذا هو الذي ذكرنا في الجواب عليكم أن دلالة الآيتين لو تمت فإنما تدل على وجوب الإجابة إلى الحاكم بحكم الله في تلك الحادثة، وشجار بيت العاضي لم يكن الحكم فيه إلا بما عرفتم، ولم يستند الحكم إلى دليل يخصه من كتاب أو سنة. وقد ورد " أنت ومالك لأبيك " (١) فكان الأولى العمل به، ولا يعدل إلى الرأي إلا بعد فقدان النص كما قررتم سابقًا.
منحوه بالجزع السلام وأعرضوا ... بالغور عنه فما عدى مما بدا
قوله: وأما ما ذكره الحاكم في المجتهد الذي لا يتولى النظر بنفسه ... إلخ فينبغي أن يفصل في ذلك فيقال ... إلخ.
نقول: هذا كلام حسن، ولكن الواجب أن المأمون ينفذ إلى محل الشجار ينظره ويصف لكم كيفية تحضره الغرماء جميعهم ليصدقوه أو يكذبوه، ثم ترجحون ما أدى إليه نظركم. وأما أنه ينفذ إلى محل الشجار، ثم يرقم ما يريده ولا يجيء إليكم إلا بورقة محررة، وغاية ما تصنعونه أن تعلموا على تلك الورقة من دون استفصال لشيء، أو تستفصلون من المأمون من دون حضور الغرماء، أو في حضورهم. ولا يلتفتون إلى كلامهم، فلا ينبغي الركون على المأمون، فكم أمين رأينا غير مأمون فيأكل أموال الناس وأنتم لا تشعرون، وحاشاكم أن ترضوا [٧ب] بذلك، وأن تعلموا به وتغضوا عنه، فإنا نعلم قطعًا أنه لم يأت حاكم في الدولة القاسمية مثلكم، ولا جمع حاكم ما جمعتموه من الفضائل، ولله الحمد.
قوله: أقول: قد ذكرت في هذه الأبحاث غير مرة إلى آخر كلامه.
نقول: لفظ كلامنا الذي أجبنا به عليكم هو قولنا: ولو صح لمجتهد في وجوب الإجابة
стр. 3550
إلى غير الجهة ... إلخ، فمرادنا بذلك أن المجتهد لا يلزم الغير اجتهاده، وهذا مجمع عليه عند الكل.
وأما الحاكم فلا يلزم اجتهاده غيره إلا بعد حصول شرائط التداعي بين الخصمين، فالمراد من ذلك أنه إذا كان اجتهادكم وجوب إجابة المدعي إلى الحاكم الخارج عن البريد مع وجود حاكم معتبر في البلد، فإن هذا الاجتهاد لا يلزم غيركم، سواء كان الغير مجتهدًا أو مقلدًا.
أما إذا كان مجتهدًا فهو لا يجوز له العمل باجتهاد غيره، وأما إذا كان مقلدًا فهو إنما قلد إمامه ولا إنكار على من فعل ما يجوزه إمامه.
قوله: الحكام المتصفون بهذه الصفة ... إلخ.
نقول: نعم. إذا كان الأمر على ما وصفتم فقد أحسنتم، ولكنه لم يبلغنا إلا أن كل من نصب في صنعاء وغيرها يحكم فيما يريد، ولا يتوقف على أمر دون آخر بل قد يصل المتظلم شاكيًا إليكم من الحاكم الذي ظلمه فتجيبون عليه أنه قد تقلد بكم حاكم خصوصًا إذا كان من كبارهم، ولا ينقضون حكمًا من حاكم خالف اجتهادكم مع كونه مقصرًا مقلدًا. هذا الذي تواتر عنكم ولم ينقم عليكم إلا هذا، وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه.
قوله - كثر الله فوائده -: وأما ما لمحتم إليه ... إلخ.
نقول: قد عرفتم أن الأحاديث كلها مقيدة لوجوب الطاعة بما لم يكن إثمًا، وأي إثم أعظم من أكل أموال الناس بالباطل! الذي أطبقت الشرائع كلها على حرمته!؟.
وعلى الجملة إن تحسين الألفاظ، وحسن المسلك في الاستدلال مع المعرفة للحقيقة لا ينفع بين يدي الله تعالى، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
حرر صبح الأحد ١٣ شهر شعبان الكريم سنة ١٢١٨. [٨ب]
стр. 3551
الذريعة إلى دفع الأجوبة المنيعة على الأبحاث البديعة
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3552
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " الذريعة إلى دفع الأجوبة المنيعة على الأبحاث البديعة ".
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أرشد إلى الهداية، وأوضح طرائق الحق بما علم من علم الرواية والدراية ... "
٤ - آخر الرسالة: " وأنه قد يتمكن من وجود الدليل في المواطن التي لم تكن بيد غيره فيها إلا محض الرأي.
وفي هذا المقدار كفاية إن شاء الله ".
٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ - عدد الصفحات: ١٥ صفحة ما عدا صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة ٢٧ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3553
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أرشد إلى الهداية، وأوضح طرائق الحق بما علم من علم الرواية (١) والدراية (٢)، وجعل الإنصاف في مواضع الخلاف والاعتراف بالحق، لا الاعتساف من سيما المتقين، وشمائل المتورعين، والصلاة والسلام على من قال: " أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس " كما أخرجه الحاكم في مستدركه، وصححه، وعلى آله الذين دانوا بقبول الحق، وتنكبوا مزالق الجدل، ووقفوا عند الشبه، وبعد، فإنها وصلت الجوابات (٣) المنيعة المكتوبة على جوابي الذي سميته بالأبحاث البديعة (٤) في وجوب الإجابة إلى حكام الشريعة، ورأيتها مع رصانة أبحاثها، ومتانة معانيها، وقوة مبانيها محتاجة إلى إيضاح بعض ما تضمنته معاونة على البر والتقوى فأقول:
قوله - كثر الله فوائده -: فهي لم تفد في حل ما أشكل من الأبحاث المسددة ... إلخ.
أقول: ينبغي هاهنا أن يحرر حاصل سؤال السائل، ثم جوابي الأول عليه، ثم جواب
стр. 3554
السائل على جوابي على السؤال.
أما تحرير سؤال السائل فحاصله أنه سأل هل يكلف الغرماء بالإجابة إلى حاكم خارج عن الجهة التي هم فيها مع وجود الحكام فيها؟ ثم قال - أطال الله بقاءه - بعد هذا السؤال ما لفظه: فإذا لديكم وجه شرعي مسوغ للإجبار على ذلك، وتكليف الغرماء للحضور إلى خارج البريد أجبتم بالإفادة به، وسنقلدكم في ذلك، ويجعل عذرًا لنا عند الله لما أنتم عليه من الاجتهاد والتضلع من العلوم، ولا يركن على غيركم من الحكام أصلا، انتهى. فهذا حاصل السؤال.
وأما حاصل جوابي على هذا السؤال فهو: أن الجهة التي فيها [١أ] الغريمان إن كان فيها حاكم يحكم بما أنزل الله في كتابه، وعلى لسان رسوله، ويعلم من علم الشريعة ما يبلغ به إلى رتبة الاجتهاد فلا تجب الإجابة إلى غيره، وإن لم يكن فيها من هو كذلك وجبت الإجابة إلى حاكم يتصف بتلك الصفة.
وأما حاصل ما أجاب به على الجواب فهو المناقشة في بعض ما أوردته من الأدلة في جواب السؤال، ثم الرجوع إلى الكلام على أن في جهة السائل - كثر الله فوائده - حكامًا مجتهدين، وأن الإجابة إلى غيرهم من الحكام الذين هم خارجون على الجهة لا يجب، ثم ذكر مباحث آخرة خارجة عن ذلك، فكان الجواب مني على ذلك الجواب الذي هو جواب عن جواب السؤال بدفع ما أورده من المناقشة على ما أوردته من الأدلة ثم بالتصريح مرة بعد مرة بأن الإجابة مع وجود الحاكم المجتهد في الجهة التي لا تجب، وكررت هذا في ذلك الجواب الذي سميته " الأبحاث البديعة في وجوب الإجابة إلى حكام الشريعة " (١) تكريرًا كثيرًا، وأوضحت أن جوابي الأول لم يكن فيه ما يدل على وجوب الإجابة مع وجود حاكم مجتهد في الجهة لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، بل فيه التصريح بعدم الوجوب، وأن القول بالإجابة - والحال كذلك - مخالف للشريعة. وأحلت
стр. 3555
السائل - عافاه الله - على جوابي الأول ليعلم أن ما أورده في جواب الجواب لم يصدر عن تدبر.
وإذا تقرر هذا فكيف يقول هاهنا أن الجواب لم يفد في حل ما أشكل، وهو قد أفاده مرة بعد مرة، فعليه - أدام الله فوائده - أن يتدبر سؤاله، ثم جوابي الأول عليه، ثم ما حرره وحررناه بعد ذلك، هذا إذا كان مراده بالأبحاث المسددة مضمون السؤال وما يتعلق به، وإن كان مراده بها ما أورده على جوابي من عدم انطباق دلالة الدليل على المدلول فقد أوضحته إيضاحًا يفهمه كل فاهم، ويعرفه كل عارف.
فإن قال: هذا [١ب] الذي تزعمه واضحًا لم يتضح لي، فنقول: كان ينبغي أن يطلب - عافاه الله - زيادة الإيضاح، ويدع ما جزم به من عدم الإفادة بادي بدء، اللهم إلا أن يريد أن نفي الإفادة لم يكن باعتبار الواقع، ولا باعتبار أصل الكلام، ولا بالنسبة إلى كل المستفيدين، بل بالنظر إلى من يحتاج إلى زيادة الإيضاح، وتكرير التصوير، وتكميل التمثيل، فسيأتي في ذلك ما يفيد السائل - كثر الله فوائده - بهذا الاعتبار، ومن هذه الحيثية.
قوله - كثر الله فوائده -: ولا يخفى المجيب أن ملخص الجواب الذي أجبنا به عليه ... إلخ.
أقول: الجواب الذي وصل إلينا مشتمل على أطراف ثلاثة:
الطرف الأول: قال السائل فيه ما لفظه: فلا يثبت هذا الحكم لغير رسول الله ﵌ إلا بالقياس، وللمانع إبداء الفارق، انتهى.
وهذا الكلام مصرح باختصاص ذلك برسول الله ﵌ وعدم إلحاق غيره به في ذلك، إلا بمجرد القياس الممنوع بإبداء الفارق الموجب له طلاق الإلحاق فكانت المؤاخذة منا على هذه العبارة التي يفهم مضمونها كل ناظر فيها مع أنا لا نظن به أن يكون قائلا بذلك، بل هو بمكان مكين من العدل والدين. وقد أشرنا إلى هذا في " الأبحاث البديعة " ولكنا أوردنا على الكلام ما يحتمله كما جرت بذلك قاعدة المتناظرين
стр. 3556
في العلم، ولم يكن إيراد ما أوردناه على من قال بأنها لا تجب الإجابة إلى حاكم خارج عن الجهة مع وجود حاكم مجتهد فيها، وكيف يورد ذلك على شيء قد جزمنا به غير مرة، وارتضينا، فما معنى قوله - كثر الله فوائده -: بل كتب أئمتنا وغيرهم مصرحة بعدم وجوب الخروج (١) إن أراد بهذا المغالطة فهو أجل من ذلك، وإن أراد التهويل على المجيب فهو لا يهاب إلا الدليل، لا القال والقيل.
قوله - عافاه الله -: لأنه لم يتعرض لذكر مصب الغرض ... إلخ.
أقول: سبحان الله وبحمده، تعرضنا له في الجواب الأول الذي بخطي لديكم، وتعرضنا له في الأبحاث البديعة مرة بعد مرة، فما هذا الإنكار؟ وأين الإنصاف؟.
قوله - عافاه الله -: هذا الترديد ليس واردًا من أصله ... إلخ.
أقول [٢أ]: لم أسمع إلى الآن في علم المناظرة بأنه يجاب عن سؤال الاستفسار بمثل هذا الجواب؛ لأنه في حكم سؤال مستقل، فكيف يقال لا يرد، فإنه لو جاز دفع الأسئلة بمثل هذا لاستراح كل مسئول، ثم لو فرضنا أن هذا السؤال لم يحرر هذا التحرير بل حرر تحرير النقص الإجمالي أو التفصيلي، أو المعارضة فهو ناشئ عن منشأ صحيح مقبول؛ لأنكم قلتم: إن الآيتين مختصتان برسول الله ﵌ فلو فرضنا أنه لم يكن في كلامكم إلا هذا فقط لصح أن يقال: هل لغيره بعد موته حكمه في هذا الأمر أم لا؟ فهل يقال هذا الترديد غير وارد على مثل هذا الكلام على فرض أنه لم يكن في الكلام سواه، فكيف وقد صرحتم بأن ذلك مختص برسول الله، ولا يلحق به
стр. 3557
غيره إلا بقياس قد اعترفتم ببطلانه.
قوله: فاللام فيها حرف تعريف اتفاقًا ... إلخ.
أقول: المطلوب بيان هذا الاتفاق بنقل صحيح صريح، فإن ما كان مشتقًا إذا لم يقصد به الحدوث جاز اعتبار أصله، وهو الصفة، وجاز اعتبار ما هو عليه عند عدم القصد، ولا أظن أحدًا من علماء هذا الشأن ينكر هذا، بل قد صرحوا بجواز اعتبار المعنى الوصفي في الصفات التي قد صارت أعلامًا، فكيف بالصفات التي لم تصر أعلامًا بل استعملت استعمال غير المشتقات. قال المحقق الرضي في شرح الكافية (١) ما لفظه: والدليل على إمكان لمح الوصفية مع العلمية قولهم: " إنما سميت هانئًا لتهنأ " (٢) وقول حسان (٣):
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد (٤)
ثم تكلم بكلام (٥) طويل قبل هذا أو بعده فليراجع، بل قد أجاز جماعة من النحاة أن يكون الاسم الجامد المعرف باللام موصولا، قال الرضي في شرح الكافية (٦) أيضًا ما لفظه: وقد ذهب أهل الكوفة إلى أنه يجوز أن يكون الاسم الجامد المعرف باللام موصولا
стр. 3558
قالوا في قوله:
لعمري [لنعم] (١) لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل
إن التقدير: لأنت الذي أكرم أهله. وعند البصريين أن اللام [٢ب] غير مقصود قصده، والمضارع صفة له كما في قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني (٢) انتهى.
فإذا جاز اعتبار الوصفية في الأعلام المنقولة من الصفات، فكيف لا يجوز اعتبارها في الصفات الباقية على ما هي عليه من دون نقل! وكيف لا يجوز أن يقال الرجل الكافر، أو الرجل المؤمن، أو الكافر بالله، أو المؤمن بالله، فإنه لا شك أن الكافر والمؤمن إذا وقعا صفات لموصوف، أو تعلق بهما ظرف من الظروف الحقيقية أو المجازية كان ذلك رجوعًا إلى معنى الحدوث والاشتقاق، فكيف يقال: لا يكون التعريف الذي فيهما موصولا! وقد جاز أن يكون التعريف في الجامد البحث موصولا عند طائفة من النحاة! وكيف يدعى الاتفاق في مثل هذا! وقد أشار السائل - كثر الله فوائده - إلى أن السعد بسط ذلك في حاشية الكشاف، فإن كان ذلك البسط إنما هو باعتبار جواز كون التعريف فيهما غير موصول في حال عدم ملاحظة الوصفية فهذا قد ذكره الجمع الجم من أهل الفن، وإن كان السعد قد ادعى الاتفاق كما ادعاه السائل فهذه الدعوى باطلة مردودة على ناقلها كائنًا من كان.
قوله - كثر الله فوائده - وأما تقرير العموم بانهدام الجمعية، ومصير الصيغة شاملة محيطة فلا حاجة إليه ... إلخ.
стр. 3559
أقول: ليس ذلك تقريرًا لمجرد العموم، بل هو تقرير للشمول التام والإحاطة، وقد صرحت بهذا في الأبحاث البديعة، بل صرح به السائل - عافاه الله - في كلامه هذا الذي نقلناه عنه، ولعله لم يخطر ببال السائل - عافاه الله - عند تحرير هذا الكلام ما في التلخيص حيث قال: واستغراق المفرد أشمل بدليل صحة: لا رجال في الدار، إذا كان فيها رجل أو رجلان دون لا رجل، انتهى. وقد شرحه السعد في المطول بشرح طويل.
فالمراد بقولنا: وانهدام الجمعية ومصير الصيغة جنسية (١) شاملة محيطة الإشارة إلى هذا المعنى، فإن الجمع لو لم ينهدم لم يكن محيطًا بل يكون عمومه متناولا للجموع لا لكل فرد فرد. وقد أحلت السائل في الجواب الأول على علم المعاني، ولكنه لم يتدبر الكلام كما ينبغي، وبادر بالاعتراض [٣أ] قبل التأمل فإنه لو فهم مدلول قولي: شاملة محيطة لم تحتج إلى تحرير هذا الاعتراض. وقد ذكر أهل العلم أن المعترض غير معذور إذا كان للكلام المعترض عليه وجه صحة، فكيف يعذر إذا كان الكلام مشتملا على ما يدفع الاعتراض اشتمالا في غاية الوضوح والجلاء!.
قوله - كثر الله فوائده -: قال الله تعالى بعد تلك الآيات في آخر السورة: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ (٢) ... إلخ.
أقول: محل النزاع هو الدعاء الكائن من بعض الأمة لبعض إلى الرسول ليحكم بينهم بالشريعة، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وإذا دعوا إلى الله﴾ وقوله: ﴿حتى يحكموك﴾. وأما دعاء الرسول فهو شيء آخر سواء كان ذلك من باب إضافة المصدر إلى الفاعل أو إلى المفعول.
قوله - عافاه الله - ومن امتنع عن الإجابة إلى حاكم كامل الشروط بالإجماع لم يكفر
стр. 3560
بالاتفاق.
أقول: المطلوب صحة النقل، فإن دعوى الاتفاق هنا فائدة إن صحت؛ لأن رد القطعي فضلا عن الضروري الديني له حكم معروف. وإذا نقلتم البحث إلى هذا بعد تصحيح تلك الدعوى تكلمنا فيه.
قوله - كثر الله فوائده -: إن أراد ما ذكره دليل على صحة الاستدلال بالآيتين ... إلخ.
أقول: لا وجه لترديد ما أردناه بعد أن أوضحنا ما هو مرادنا قبل هذا الكلام وبعده، وصرحنا بأن تخصيصه في الآيتين الكريمتين ليس إلا لكونه صاحب الشرع، فهو كسائر الخطابات العربية التي يخص بها كبير قوم في شيء يعمهم، وهذا معلوم في لغة العرب.
قوله - عافاه الله -: ولم يؤثر عن أحد من قضاته ﵌ أنه كان يوجب على المتشاجرين الوصول إليه ... إلخ.
أقول: هذا هو الذي نريده؛ لأن كلامنا في إيجابه ﵌ للإجابة إلى قضاته في الأقطار كالإجابة إليه، ولو لم يكن حكمهم حكمه في ذلك (١) لما بعثهم، ولا أوجب الإجابة إليهم. وقد أوضحنا ذلك في تلك الأبحاث فهذا القلب لا يقبله القلب.
قوله - كثر الله فوائده - قد تقرر في الأصول عند الجماهير من أئمتنا وغيرهم أن الخطاب الخاص بالرسول ﵌ لا يتناول الأمة ... إلخ (٢).
أقول: الانتقال إلى مسألة الخطاب خروج عن البحث، أو مغالطة، ومقصودنا أن أمته ﵌ أسوته في وجوب الإجابة [٣ب] إلى القائمين بالهداية والبيان للناس كما كانت إليه ﵌، وهذا هو مذهب أئمتنا والجمهور، ولم يذهب إلى الاختصاص إلا ................................................................
стр. 3561
الكرخي (١) ومن بايعه، فقالوا: يختص بالرسول حتى يقوم دليل الشركة. وأما ما ذكرتم من أن تلك الآيات التي ذكرناها قد قامت الأدلة الخارجية على عمومها فأوضحوا لنا هذه الأدلة الخارجية حتى نبين لكم صدق ما قلناه من أن كل دليل يفرض في تلك الآيات فمحل النزاع مثله.
قوله: الذي تقرر في الأصول عند أئمتنا وغيرهم من جماهير العلماء أن خطاب الواحد لا يكون للعموم ... إلخ (٢).
أقول: إن أردتم أنه لا يعم باعتبار الصيغة فلا نخالفكم في هذا، وإن أردتم أنه لا يعم لا من حيث الصيغة، ولا من حيث الأدلة الدالة على العموم كقوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة، وكقوله ﵌: " ما قولي لامرأة واحدة إلا قولي لمائة امرأة " (٣) فباطل، بل خلاف الإجماع، وهذا الوجه الآخر هو الذي
стр. 3562
أردناه في تلك الأبحاث، فإنما قلنا إن الخطابات لواحد تعم، ولم نقل أن ذلك العموم مستفاد من الصيغة حتى يرد ما اعترضتم به، فكان عليكم أن تقولوا إن أراد المجيب كذا فمسلم، وإن أراد كذا فممنوع، كيف وقد أوضحت هذا المراد بقولي بعد ذلك: ولا يقدح في ذلك تخصيصه ﵌ بالخطاب! فإني لو أردت العموم من حيث الصيغة لكان هذا التخصيص قادحًا وأي قادح!.
قوله: قال: نهاني رسول الله ﵌ عن القرآن في الركوع والسجود.
أقول: هذا عليكم لا لكم، فإنه لو كان الخطاب للواحد خاصًا على كل تقدير لم يحتج - كرم الله وجهه - إلى أن يقول هذا، بل كان فهم العرب على مقتضى لغتهم يغني عن هذا البيان، فلم يقل هذه المقالة إلا دفعًا لما يفهمه السامعون من كون غيره له حكمه في ذلك، وهذا واضح لا سترة به.
قوله: التحكيم باب آخر ... إلخ.
أقول: لعله - كثر الله فوائده - لم يتدبر ما ذكرناه في هذا الوجه، فإنا قلنا في آخره ما لفظه: فإذا كانت الإجابة لدعوة من دعى إلى التحكيم واجبة فكيف لا تجب إجابة من دعى إلى حاكم من حكام الشريعة، انتهى!. فهذا الكلام هو في قوة القياس بفحوى الخطاب، فكيف غاب عنه - عافاه الله -!.
قوله - كثر الله فوائده -: فقول المجيب: لا خلاف فيه بين المسلمين غير مسلم ... إلخ.
أقول: ما كان من أفعاله جبليًا (١) يعلم كل من لديه علم أنه غير مراد، ولا يحتاج [٤أ] إلى إخراجه إلا إذا كان الكلام مع من لم يعرف كلام أهل الأصول، وأما الخاص فقد أخرجناه في تلك الأبحاث.
стр. 3563
وأما ما ذكرناه من الإجماع فقد صرح به أهل الأصول عند تحرير الأدلة في هذه المسألة فقالوا: إن السلف كانوا يرجعون إلى فعله من دون تخصيص، ولم ينكر عليهم أحد فكان إجماعًا. وهذا موجود منصوص عليه في كتب الأصول (١) فليراجعها السائل - عافاه الله - حتى يعلم أنا لم نتكلم في ذلك إلا بما تكلم به غيرنا.
قوله: لأن المقام للتبكيت ... إلخ.
أقول: التبكيت لهم قد حصل بجعل الدعوة إلى رسول الله ﵌ مقترنة بالدعوة إلى الله، ولا يختص حصول هذا المعنى بما قاله الزمخشري (٢) من جعل الكلام من باب أعجبني زيد وكرمه، بل قد حصل النعي عليهم، والتبكيت لهم بأن هذا الرسول الذي لا يجيبونه الدعوة إليه كالدعوة إلى الله تعالى للعطف المؤذن بذلك إيذانًا يفهمه من يفهم أسرار كلام العرب كما يقول القائل: من كان صادق الطاعة لهذا الملك فليلب دعوته عبده، فإن في هذا الاقتران من رفع شأن العبد، والتبكيت على من لم يجب دعوته ما لا يقادر قدره، ولا يتوقف حصول ذلك على كون تلك الدعوة إلى الملك هي الدعوة إلى العبد، بل قد يفوت هذا المعنى السري بذلك، لأنه لم يكن على هذا التقدير اقتران بين الدعوتين وإن وقع بين المدعوين صورة، فإذا انضم إلى هذا فائدة التأسيس مع سلوك أقرب المجازين كان ذلك أدخل في بلاغة الكلام، وأتم وأبهج لا جرم الزمخشري كما ذكرتم هو المجمع على تفسيره، ولا سيما وقد تقدم عصره قبل هذا العصر بنحو سبعمائة سنة.
قوله - كثر الله فوائده -: الإشارة في هذا إلى كلام إمام البيان الزمخشري ... إلخ.
أقول: يأبى هذا الحاكم بالكتاب على تقدير أنه المراد بالدعوة إلى الله هو رسول الله ﵌ والترافع هو إليه، فإفراد الضمير هو كائن على كلا
стр. 3564
التقديرين فلا يكون الإفراد مؤيدًا لكون ذلك من باب أعجبني زيد وكرمه، ويأبى ذلك أيضًا قول السائل - كثر الله فوائده -: عقب ذلك: فلا يثبت هذا الحكم لغير رسول الله ﵌ إلا بالقياس ... إلخ؛ فإن هذا هو كالنتيجة لذلك التأييد، ومعناه أنه لا يثبت لغيره ﵌ من الناس ما ثبت له، ولو كان ذلك تأييدًا لما قاله الزمخشري لكان المناسب أن يقول فلا يثبت ذلك لله - سبحانه -، ويأبى ذلك أيضًا قول السائل - عافاه الله - عقب ذلك، وهكذا يقال في آية سورة النساء، فإنه لا يصح [٤ب] أن يقال في هذه الإشارة كما قيل في الإشارة الأولى، لأن ما في سورة النساء ليس فيه ذكر الدعوة إلى الله، ولا التحكيم له، وإن كان يريد أن الإشارة إلى ما قاله من الاختصاص به ﵌ دون غيره من الناس كان الكلام غير متناسب الأطراف، ولا متلائم الضمائر والإشارات، والأمر في مثل هذا سهل، ولكن لما قال - عافاه الله - إن ذلك واضح لا يخفى أردنا أن نبين له ما فيه من الخفاء وعدم الوضوح.
قوله: وأنشده بالله هل يجزم متدين ... إلخ.
أقول: إن كان هذا التشديد والتهديد الكائن في الآيتين الكريمتين هو لرفع منار الشرع الذي شرعه الله في محكم كتابه، وعلى لسان رسوله، فهو باق بين أيدينا، والتعبد به مستمر، وليس تعبد السلف به يخالف تعبد الخلف فالسمع والطاعة، وكذلك عدم الحرج والتسليم ليست للقاضي بل للشريعة التي هي كتاب الله وسنة رسوله، وليس هذا التشديد تعظيمًا بالنسبة إلى عظم الشريعة المطهرة التي هي سبب الفوز بالجنة، والنجاة من النار، فكيف لا يجزم المتدين على من حكم عليه بما شرعه الله أنه لا يكون مؤمنًا حتى يسمع ويطيع ويسلم لحكم الله غير متحرج ولا متأسف، وإن كان ما في هاتين الآيتين ليس المقصود به إلا تعظيم رسول الله ﵌ وتعريف الأمة بما يجب له من الحق، فقد عرفوا من حقه ما هو أدخل من ذلك في التعظيم، فإن الله - سبحانه - قد أخبرهم أنه أولى بهم من أنفسهم، ولم نقل ولا قال
стр. 3565
أحد من الناس أن ما في هاتين الآيتين تعظيم للقاضي، وتشييد لأمره، فإنه لو حكم بغير الشرع لم يستحق أن يقال له: سمعنا وأطعنا، بل يستحق أن يقال له: لا نسمع ولا نطيع، وحكمك رد عليك، ومضروب به في وجهك؛ فالسائل - عافاه الله - إنما استبعد هذا الاستبعاد حتى ناشد المسئول هذه المناشدة، لأنه ظن أن القاضي المسكين لا يستحق أن يكون من خاصم إليه غير مؤمن حتى يحكمه ويسلم لحكمه، ويسمع ويطيع غير متحرج.
وهكذا نقول: ومن هو القاضي حتى يكون له هذا الشأن؟ وإنما قلنا: إن السمع والطاعة والتسليم وعدم الحرج للشريعة المطهرة لا القاضي.
قوله - كثر الله فوائده [٥أ]-: فما شأن إلزامكم بعد ذلك لمن في بلاده من كملت فيه شروط الاجتهاد ... إلخ؟.
أقول: ومتى ألزمت مع وجود من هو كذلك، فبالله عليكم! أخبروني أين أوجبت ذلك ومتى قلته؟ فإن جوابي الأول لديكم، وكذلك الرسالة (١) المسماة بالأبحاث البديعة، وقد ذكرت فيها قبل نقل كلامكم ما لفظه: فاعلم أن خلاصة ما أجبت به في الجواب المشار إليه سابقًا عن السؤال المتقدم ذكره هو أن المحل الذي سكنه الخصمان إن كان فيه من يتمكن من الحكم بينهما بالشريعة المطهرة على الوجه الذي لخصناه هاهنا فلا يجوز لأحدهما أن يطالب الآخر بالخروج إلى قاض آخر في مكان غير المكان الذي يسكنانه، لأن ذلك مجرد إتعاب، ومحض مشقة.
انتهى بلفظه وحروفه. فهل وجدتم هذا في النسخة التي أرسلتها إليكم أم لا؟ ثم هل كررت هذا المعنى بعد ذلك بقليل في سؤال الاستفسار، ثم ذكرت عند الكلام على الوجه الثاني من كلامكم ما لفظه: هذا الكلام إنما يرد على من قال بوجوب الإجابة إلى حاكم يحكم بحكم الله - سبحانه - في غير جهة الخصمين، مع وجود من يحكم بحكم الله في جهة الخصمين، مع كون كل واحد من الحاكمين عالمًا بكتاب الله وبسنة رسوله .....
стр. 3566
إلى أن قلت: ولم يتقدم مني ما يدل على هذا لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام. بل حاصل ما أجبت به إلى آخر ما سردته في تلك الأبحاث. فأخبروني هل هذا مكتوب لديكم في تلك النسخة المرسلة أم لا؟ وهل بعد هذا التصريح والتنصل وتقرير محل النزاع، وجوابه مرة بعد مرة! فإن كنتم قرأتم هذا وفهمتوه فما بالكم توردون علي ما لم أقل به وتحملون كلامي ما لا يحتمله! فإن هذه المباحثة الجارية بيني وبينكم في هذه المادة مركبة على غير قياس، ومبنية على غير أساس، وبيان ذلك أني أجبت في جوابي الأول بالفرق بين وجود الحاكم المجتهد في المحل وعدمه، فجاء عنكم ما يفيد أنكم قد نسيتم هذا أو تناسيتموه، فأجبت عليكم بالرسالة وكررت هذا، وتنصلت من ذلك الوهم الذي وهمتوه [٥ب] في مواضع من تلك الرسالة، فظننت أن ذلك من الإطناب والتكرير الذي تمجه الأسماع، فلما وصلت منكم هذه المباحثة الآخرة ازداد تعجبي، وترددت هل أحملكم على عدم الاطلاع على جميع ما قد كتبته إليكم، أو على عدم الإنصاف إن حملتكم على عدم الاطلاع فكيف تعترضون على ما لم تطلعوا عليه! وإن حملتكم على عدم الإنصاف فما هو الظن بكم؟ فأنتم أهله ومحله.
قوله - كثر الله فوائدكم -: وإن قلتم: إن ذلك دعوى، والعمل هو الشاهد وهذا الفرس والميدان ... إلخ.
أقول: وهذا أيضًا هو من جنس ما فرغنا منه، فإني قلت في تلك الأبحاث عند أن ذكرتم أن لديكم من هو متأهل للنظر، وجامع للشروط ما لفظه: أقول: هذا مسلم فإن في أهل ذلك البيت الشريف، والمحتد العالي المنيف من هو كذلك وفوق ذلك، بل وفي الواردين إليه المستقرين فيه، ولسنا ممن ينكر وجود المجتهدين في ذلك المحل الذي هو محط رجال العلوم والآداب، انتهى بلفظه وحروفه. فهل وجدتم هذا مزبورًا في تلك الأبحاث المسماة " بالأبحاث البديعة "؟. إن قلتم: نعم ففيم طلب المبارزة لمن قد سلف منه هذا الاعتراف. وإن قلتم: لم نقفوا عليه هنالك فأعيدوا نظرًا، فإنه مزبور هنالك بيقين، ووجوده يكفينا عن المخاطرة بالمناظرة، وتغنينا عن أن يقال لنا: ما قاله الشاعر:
стр. 3567
يا سالكًا بين الأسنة والقنا ... إني أشم عليك رائحة الدم
قوله: ولم يعبر بهذه العبارة إلا لاحتمالها للقولين ... إلخ.
أقول: حكم الله مبتدأ، ومظنون كل مجتهد خبره، وهذا التركيب يفيد الحكم على حكم الله بأنه مظنون كل مجتهد، هذا من غير نظر، إلى ما يقتضيه اسم الجنس (١) المضاف من العموم، وإيضاح مثل هذا لمثلكم عبث، فإنكم تفهمون ما هو في الدقة تابع إلى غايتها، فكيف بهذا الواضح! والله يحب الإنصاف.
قوله - كثر الله فوائده -: فالحاكم إذا اجتهد وعمل بشهادة عادلة ... إلخ.
أقول: وهكذا المجتهد إذا عمل بدليل ظني صحيح في ظاهر الأمر، ثم انكشف أنه موضوع، فلا فرق بينه وبين الحاكم إذا حكم [٦أ] بشهادة عادلة في الظاهر، وانكشف زورًا، لأن المجتهد مأمور بالعمل بأخبار الآحاد بدليل كالدليل المتضمن للأمر للحاكم بالعمل بالشهادة، فما الفرق؟ فإن جميع مدارك الحكم من الشهادة واليمين والإقرار لا يحصل بكل واحد منها من الظن إلا دون ما يحصل للمجتهد بأخبار الآحاد الخارجة مخرج الصحيح، بل لا يبعد أن يقال إن خطأ الحاكم في دماء المسلمين وأموالهم فيه من الخطر العظيم بالجناية على مال الغير أو على دمه ما ليس في خطأ المجتهد من الخطر إذا عمل باجتهاده في مسألة الطهارة، أو الصلاة، أو نحو ذلك، فإذا كان الخطأ مغفورًا بل مأجورًا عليه في الجناية على مال الغير ودمه فكيف لا يكون مغفورا بل مأجورا عليه في عمل المجتهد لنفسه في غير جناية على نفس الغير، ولا على ماله؟.
стр. 3568
قوله: وإذا تقرر أن الخلاف في هذه المسألة لا ثمرة له ... إلخ.
أقول: كيف يقال هذا وأحد القولين (١) جازم بأن حكم الله في الحادثة التي اختلفت فيها الأقوال هو واحد فقط، والقول الآخر جازم بأن حكم الله في تلك الحادثة التي اختلفت فيها الأقوال هو واحد فقط، والقول الآخر جازم بأن حكم الله في تلك الحادثة متعدد بحسب تعدد أقوال المجتهدين، فإذا لم يكن لهذا الخلاف ثمرة فلا ثمرة لكل خلاف.
قوله - كثر الله فوائده -: وإن ادعوا خلاف ذلك.
أقول: هذا يعود على ما قد تم من قولكم، وهذا الفرس والميدان بالنقض، فإن من كان عالة على عالم من علماء الإسلام فهو ليس من الاجتهاد في قبيل ولا دبير، ولا من أهلية النظر في ورد ولا صدر.
قوله: ويعتقد أنه بلغ إلى رتبة لم يبلغها غيره .. إلخ.
أقول: أما هذا الاعتقاد فقد صان الله عنه علماء الاجتهاد، فإنهم وإن بلغوا إلى المراتب العلية يزدادون اعترافًا بأنهم مقصرون لاطلاعهم على مؤلفات الأئمة الأكابر في كل فن، وتراجم المحققين الذين لا يلحق بهم غيرهم خصوصًا الذين قطعوا غالب العمر في فن فإنهم يبلغون في تحقيقه ما لا يتهيأ لمن اشتغل بفنون أن يلحق بهم في ذلك الفن، فكل مجتهد يعترف بقصوره عن رتبة سيبويه وأمثاله في النحو، والرازي وطبقته في الأصول، والسكاكي وأشباهه في علم البلاغة، وأحمد بن حنبل وأنظاره [٦ب] في الحديث، والشافعي ونحوه في الفقه، والزمخشري ومن يلتحق به في التفسير. وهكذا غير هذه الفنون لها رءوس يعترف كل عارف بقصوره عن اللحوق بهم.
قوله - كثر الله فوائده -: حاكيًا لكلامي في الأبحاث البديعة أنه لا يحل لأحد أن يقوم مقام الإرشاد وللعباد مع وجود من هو أعلم بالشريعة ... إلخ.
أقول: قد أسقط - عافاه الله - من كلامي قيدًا هو مذكور في النسخة التي لديه
стр. 3569
صححته بخطي لما أهمله الناسخ. ولفظ كلامي هكذا: ولا يحل له أن يقوم مقام الإرشاد والمعياد في شيء لم يبلغ إليه دليله مع وجود من هو أعلم منه بالشريعة في عصره وقطره ... إلى آخر ما ذكرته. وهذا صواب، فإن من لم يكن عنده إلا محض الرأي لا يحل له أن يدبر الأمة به، مع وجود من يقوم بتدبيرهم بالدليل في عصره وقطره، فلا يلزم من هذا الكلام ما ألزم به - أبقاه الله -.
قوله - عافاه الله -: وهم إنما يترافعون إلى الحاكم ليحكم بينهم بمذهب من قلدوه ... إلخ.
أقول: نصب الحكام لم يشرعه الشارع لقطع الخصومات بما يوافق إعراض أهلها، بل ليحكم بينهم بالشريعة المطهرة الواردة عن الله وعن رسوله، ويقطع خصوماتهم بحكم الله سبحانه، ويدبرهم بما دبرهم الله به. ولو كانت مطابقة مقاصد المتحاكمين، وموافقة أغراضهم ومراداتهم من عمل القضاة لكان الحق الذي يريده الله من العباد دائرًا مع مذاهب الخصوم، فالخصمان إذا كانا من الخوارج، أو الروافض، أو سائر أهل البدع لا يريدان إلا الحكم بمذهبهما، وما لهذا شرع الله نصب حكام الشريعة، ولا بهذا أمرهم، وأن هذا هو الجمود البحت، والتقليد المحض، وعنه تلزم اللوازم التي قدمها السائل - عافاه الله - قبل هذا الكلام من سد باب الاجتهاد ونحو ذلك، فإن كان يريد بهذا الكلام أمرًا خاصًا وهو مطابقة أغراض مقلدة هذه الديار دون غيرهم فمع كون ذلك تخصيصًا بغير مخصص، وتقييدًا لكلامه بما لا يصلح لتقييده فليعلم - أبقاه الله - أن من مذهبهم الذي يعرفونه ويجدونه في المختصرات كالأزهار (١) ونحوه أن القاضي لا يكون إلا مجتهدًا، ومعلوم قطعًا أن صاحب الأزهار وغيره لا مقصد لهم بكون القاضي مجتهدًا إلا أن تكون أحكامه صادرة عن اجتهاده لا أن يكون واقفًا مع المقلدين، بل مع العامة من المتشاجرين، ولو كان هذا مرادًا لكان ذلك الاشتراط ضائعًا، لأن المقلد يقوم
стр. 3570
بالحكم [٧أ] بما هو المعتقد لأهل بلده أتم قيام، فليت شعري كيف جرى قلمه - عافاه الله - بمثل هذا! وكيف نفق على ذهنه السليم، وفكره القويم! فإن هذا كلام لا تقبله أذهان أهل الجمود من المقلدين، لأن كل واحد منهم يعلم أن القاضي المستجمع للشروط المذكورة في الأزهار (١) هو القاضي على الحقيقة، وأن بلوغه إلى درجة الاجتهاد يمنعه من التقليد، بل قد عرفوا هذا وهم في المكتب، فإن أول ما يفتق أذهانهم بعد كتاب الله أن التقليد جائز لغير المجتهد، لا له. ولو وقف على نص أعلم منه.
وقد نقل أئمة الأصول الإجماع على أن المجتهد بعد اجتهاده ممنوع من التقليد، لا جرم: " بدأ الدين غريبًا، وسيعود إلى غربته " (٢) وجرى أقلام أهل العلم بمثل هذا الكلام من الغربة ومن علامات القيامة، ومن مصير المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا.
ومن هاهنا تتفرق السبل، وتتفاوت الأقدام، وتتباين المراتب، وتتخالف القرائح. فدع عنك نهبًا صيح في حجراته.
قوله - كثر الله فوائده -: وأما نقل الإجماع فلم يكن في الذهن ... إلخ.
أقول: قد ذكرت لكم أنه في كتابه الذي سماه بالقواعد فطالعوه حتى يرتسم ذلك في الذهن، وكيف يستبعدون ذلك - وقد روى هذا الإجماع جماعة من الأئمة المشهورين -! كما نقلنا ذلك عنهم في " القول المفيد في حكم التقليد " (٣).
قوله: وهو أجل من أن ينقل ما أجمعت الأمة، أو أهل البيت على خلافه.
أقول: عليه - أبقاه الله - أن يبحث ولا يرد الكلام بمجرد الاستبعاد، فإن حكايته هاهنا لإجماع الأمة أو إجماع أهل البيت من الغرائب، ولو نظر في مختصر من مختصرات
стр. 3571
الأصول كالغاية وشرحها لوجد المنع من تقليد الأموات من الأكثرين، ونصوص أئمة المذاهب الأربعة في المنع مطلقًا موجودة لدينا، معزوة إلى كتبهم المعروفة إذا أراد - أبقاه الله - الوقوف عليها أوقفناه. ولقد رسخ في قلبه من محبة التقليد ما رسخ حتى قال فيما سبق: إن الناس عيال على عالم من العلماء، ثم جاوز ذلك حتى قال في البحث الذي قبل هذا ما قال من أن الحاكم المجتهد يحكم بما يعتقده الخصوم، ثم جاوز ذلك حتى حكى هنا الإجماع على تقليد الأموات (١)، فلا أدري ما أقول!
وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد [٧ب] (٢)
قوله - عافاه الله -: وليس أساس الدين مجرد وصول قبيلي يدعي في شفعة ... إلخ.
أقول: الدين هو هذه الشريعة المطهرة التي جاءنا بها محمد بن عبد الله ﵌ والعلماء والقضاة هم المترجمون لها، الذين أخذ الله عليهم بيانها للناس، وأمرهم أن يقضوا بينهم فيما اختلفوا فيه بما شرعه لهم، وهم ورثة الأنبياء، وأمناء الله على دينه، والمبلغون له إلى عباده، فإذا لم يكن هذا المنصب حقيقًا بالتعظيم والتبجيل فليت شعري ما هو المستحق لذلك! ويا لله العجب من استصغار منصب العلم وتحقيره، والإزراء عليه وعلى أهله بإيراد مثل هذه العبارة البالغة في الشناعة إلى حد يقصر عنه الوصف.
ألم يكن من عمل أهل هذا المنصب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم معالم الدين، وإرشاد المسترشدين، وبأقلامهم تضرب الأعناق، وتقام الحدود، وتتعارك الجيوش. وبهم يصير الإمام إمامًا، والسلطان سلطانًا، وعليهم تدور رحى مسائل
стр. 3572
العبادات والمعاملات، وجميع الشرعيات، وهم من لا تستغني عنه المخدرات من النساء في أمور دينهن ودنياهن، فكيف بغيرهن من الرجال على اختلاف طبقاتهم؛ فتلك شكاة ظاهر عنك عارها.
قوله - كثر الله فوائده -: العمل بالرأي المحض غير صحيح ... إلخ.
أقول: هذا صواب، وهكذا السلف الصالح، لكن هذا غير مناسب لما أسلفه من أنه لا اجتهاد في النصوص، وأنه كما قال أهل الأصول استفراغ الفقيه الوسع إلى آخره. فإن هذا يصدق على الرأي مطلقًا، ثم لا يناسب أيضًا ما قدمه من تسويغ التقليد، بل دعوى الإجماع عليه؛ فإن التقليد هو قبول رأي الغير دون روايته، ثم لا يناسب ما ذكره من الحكم بين المتشاجرين بما يطابق ما يعتقدونه، فإن الذي لزمهم هو قبول رأي الغير دون روايته، ثم لا يناسب ما قدمه أن الناس في هذا القطر اليمني عيال على فرد من أفراد العلماء؛ فإنهم لا يكونون عيالا عليه إلا وهم مقلدون له في رأيه دون روايته.
سقوني وقالوا لا تغني ولو سقوا ... جبال جنين ما سقيت لغنت
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
قوله - كثر الله فوائده -: ولم يستند الحكم إلى دليل يخصه ... إلخ.
أقول: إن كنتم تنكرون ثبوت الشركة وتفاصيلها، وتقولون إنها لم تكن من مسائل الشريعة، ولا دل عليها دليل نقلنا البحث معكم إلى هنا، وإن كنتم تعترفون بذلك وتخصون الإنكار بتلك المسألة فقط أوضحنا لكم برهانها بما تعلمون به صحة ما كررناه، من أن تفويض أحكام الله لا تكون إلا لكامل الأهلية، وأنه قد يتمكن من وجود الدليل في المواطن التي لم تكن بيد غيره فيها إلا محض الرأي.
وفي هذا المقدار كفاية - إن شاء الله -.
стр. 3573
منحة المنان في أجرة القاضي والسجان والأعوان
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3574
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " منحة المنان في أجرة القاضي والسجان والأعوان ".
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وبعد حمد ذي الجلال، والصلاة والسلام على الرسول والآل، فإنه ورد السؤال من بعض أرباب الكمال ... "
٤ - آخر الرسالة: " فيجعل الخصومة بينه وبين نفسه والحاكم، كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، وحسبي الله ونعم الوكيل.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - عدد الصفحات: ١٥ صفحة ما عدا صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٨ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٩ كلمات.
٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3575
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبعد حمد ذي الجلال، والصلاة والسلام على الرسول والآل، فإنه ورد السؤال من بعض أرباب الكمال، وهو سيدي العلامة الحسن بن زبارة (١) - كثر الله فوائده - وهذا نصه: أشكل علي ما يفعله الحكام والعمال في هذا الأوان في شأن أجرة الأعوان والسجان على الخصوم، وإلزام من عليه الحق في غالب الحالات بالتسليم للأجرة، لكون الحق عنده، ونص أهل الفروع كما عرفتم أن أجرتهم من ذي الحق هذا وما أدري ما هو المستند معهم، وكذلك أجر الحكام أنفسهم، فإني لم أجد لهم مسوغًا في قبض الأجرة من الخصمين، بل ومن بيت المال إلا ما روي أن عائشة ﵂ قالت: " لما استخلف أبو بكر الصديق ﵁ قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت أمر المسلمين، وسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وأحترف للمسلمين فيه ". أخرجه البخاري (٢).
وما رواه في الأحكام (٣) والشفاء (٤): " أن عليًا ﵁ كان يرزق شريحًا القاضي من بيت المال خمسمائة درهم "، وغير ذلك من الآثار غايته أنها أفعال الصحابة وقد عرفتم ما فيها، هذا وأما قبض الأجرة من الخصمين فلم أعثر على دليل فيه. وقد قال في الغيث (٥) أنه لم يكن في عهد رسول الله ﵌ ولا في عهد أحد من الصحابة؛ وروي المنع عن ابن عمر. وفي روضة النووي (٦) ما لفظه: فرع: