عمرو بالكتابة. ومن ذلك عمله ﵌- بما جاء من كتب عماله كما رواه البيهقي (١) من حديث البراء بن عازب. ومن ذلك إجماع الصحابة على العمل بالخط، رواه أبو الحسين البصري في المعتمد (٢)، والرازي (٣)، ويعقوب بن سفيان الحافظ، وإسماعيل بن كثير الحافظ، والإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة. ومن الحاكين لإجماع الصحابة على العمل بالخط الرازي في المحصول (٤). وأما من بعد الصحابة فيدل عليه إجماعهم الفعلي على الاحتجاج لذلك، والعمل به في معاملاتهم، وفي المصنفات في الفنون العلمية على اختلاف أنواعها، ومنها عملهم بالوجادة (٥) التي صرح العلماء (٦) بقبولها.
стр. 3747
إذا عرفت هذا فاعلم [٢ب] أن هذه الكتابة التي وردت في الكتاب والسنة، وأجمع عليها المسلمون هي الكتابة الصحيحة التي لا يدخلها احتمال بتغيير، ولا تبديل، ولا زيادة، ولا نقصان، كما هو معلوم أن ما كان عرضة لذلك لا ينتفع به ولا يرتفع عند النزاع، ولا ينقطع به الخلاف.
وقد أجمع العلماء أجمع على أن ما احتمل ذلك لا يحتج به على خصم، ولا يستند إليه حكم، ولو كان من كتب الله المنزلة على أنبيائه إذا احتمل التغيير، أو التبديل، أو الزيادة، أو النقص لم يجر العمل به. وإذا دخل الاحتمال في النقض لم يجر العمل بالباقي، لأن التجويز كائن وقد كان رسول الله ﵌- يكتب كتبه، ويختمها بخاتمه مع رسوله المعروف، فيعلم ذلك القريب والبعيد، ولا يشكون فيه، وكانوا عربًا لم يكن عندهم هذه المراوغات الحادثة بعد اختلاط طوائف العالم، والتحيلات بكل ممكن، والحرص على تنفيق ما يوافق الغرض وإن كان باطلاً، ثم كذلك ما كان يجري في أيام الصحابة من الكتابات هو على وجه لا يتطرق إليه احتمال، ولا تغيير، ولا تبديل، بل ما اشتملت عليه الكتابة هو معروف بينهم لا ينكرونه، وهكذا الكتب العلمية التي يأخذها الناس بالوجادة، فإنه لا بد أن يكون كاتبها ومن قرئت عليه، ومن قرأها معروفين لا يتطرق إلى خطوطهم ظن التزوير والتغيير.
ثم هكذا ما أجمع عليه الصحابة ومن بعدهم، فإنه الخط الصحيح المعروف الذي لا يحتمل تبديلاً ولا تغييرًا. وأما ما كان كذلك، فلو قيل بقبوله لأكل الناس أموال بعضهم البعض بهذه الوسيلة المكذوبة، والذريعة الباطلة. ومن القسم المعمول به خطوط العلماء المعروفين، والحكام المشهورين إذا كانت تلك الخطوط معروفة، ولا شك ولا ريب أن خطوط أكابر العلماء والحكام يعرفها من جاء بعدهم، ولو بعد مئين من السنين، فما كان سبيله هذا السبيل فهو من المعمول به لقيامه مقام الرواية، والمراد أنه يسوغ للمطلع عليه أن يقول هذا خط فلان.
ويلزم بما يشتمل عليه من حكاية المعاملات والمداينات، إلا أن يعارضه ما هو أقوى
стр. 3748
منه، وذلك لا يخالف كونه خط فلان، بل يخالف استصحاب [٣ا] كونه باقيًا على ثبوت ما فيه، وذلك مثل أن تجد بخط حاكم معروف أن فلانًا أقر بأن عنده لفلان ألف دينار، ثم تجد بخط من بعده من الحكام المعروفين أن فلانًا الذي عليه الألف دينار قد قضاها وبرئت ذمته منها فلا شك أن العمل على الخط المتأخر، ولا يكون ذلك قادحًا في كون الخط الأول خط فلان، بل هو خطه، لكنه وجد الناقل عنه والرافع لما فيه، وهكذا إذا تطاول الزمن، وكان أحد الخصمين ثابت اليد على ما يحكى في رقم من الحكام المعروفة خطوطهم أنه لفلان، وكانت الأرض يد الشريعة فيها قاهرة، فإن استصحاب كونها لثابت اليد أقوى من استصحاب كونها لصاحب الرقم بطول المدة، لا سيما مع انقراض المكتوب له، والمكتوب عليه، والكاتب.
وليس هذا من ترك العمل بالخط، بل من العمل بما هو أرجح منه، مع تسليم كونه خط فلان. وقد تقع المعارضة بين خطين معروفين لمرجح آخر وهو أن يكون الكاتب أحدهما متثبتًا متحريًا متحفظًا من قبول التغرير والتدليس، والآخر ليس بهذه الصفة أو بعضها، فإنه هاهنا كان العمل بالترجيح القوي المعلوم عقلاً ونقلاً وعادة.
وعلى المتعاملين أن يمتثلوا ما أمر الله به من أن يكتب بينهم كاتب بالعدل، وبالإشهاد على التبايع، فإنه إذا وقع العمل على ما شرعه الله - سبحانه - لعباده ارتفعت أسباب الخصومات، وانقطعت دوافع التغريرات.
وأما ما يجري به العرف في خص الأمكنة فإن خط صاحب المال من التجارة وغيرها مقبول على من يقابله، فإن هذا بالجهل أشبه منه بالعلم؛ لأنه قبول لدعوى مجردة إلا إذا كان من عليه الحق يوافق من له الحق بأنه لا يكتب إلا حقًا كان المستند لثبوت ذلك هو هذا الإقرار، لا مجرد الكتابة.
وينبغي أن يتنبه هاهنا لدقيقة قد تخفى على كثير من الناس، وهي أن فرقًا ظاهرًا أو واضحًا بين ما يرقمه الحكام المعرفون بخطوطهم المعروفة على طريقة الحكم وعلى طريقة الإقرار، فإن ما كان على طريقة الحكم جزمًا كان قبوله متحتمًا، لأنه لا يجزم بذلك مع كونه موثوقًا بدينه وعلمه إلا بمستند ظاهر [٣ب]
стр. 3749
واضح، وأما ما يرقمونه على طريقة حكاية الإقرار، أو للفظ شهادة شهدوا لديه أو نحو ذلك من دون جزم منه بذلك فإن هذا ليس من باب الحكم، بل من باب الرواية، فهو قد روى مثلاً صدور الإقرار لديه، أو قيام البينة عنده؛ لكون خطه معروفًا لا يشك فيه، ولكن إذا تبين خلل ذلك الإقرار بوجه من الوجوه المعتبرة فيه، أو خلل الشهادة بأمر يوجب القدح فيها كان العمل بذلك واجبًا.
وحاصل الأمر أنه لا شك أن العمل بالخط على الوجه المعتبر شريعة قائمة (١)، وسنة
стр. 3750
متبعة، وإجماع صحيح. ولكن هذا الخط هو الخط الذي تقوم به الحجة عند الترافع والتخاصم، أو عند الاختلاف في الرواية، ولا تقوم الحجة بالإجماع إلا بخط معروف من ثقة معروف لا يتطرق إليه وهم، ولا يعتريه احتمال زيادة، أو نقصان، أو تحريف، أو تغيير، أو تبديل.
أما إذا كان هكذا، فلا تقوم به حجة قط. ولا يقول قائل بأنه يتوجه العمل به، فإن الإقرار الذي هو أقوى الحجج الشرعية إذا تطرق إليه احتمال كذب المقر يعرض له، أو لإكراه واقع عليه، أو لتغرير وتلبيس وقع فيه فليس بحجة بالإجماع، ولا يثبت له حق.
وهكذا الشهادة التي هي حجة بعد حجية الإقرار إذا ظهر فيها وجه قادح بوجه من الوجوه المعتبرة لم يكن، فمن عمل بمثل هذا الإقرار أو البينة فهو عمل بباطل من القول، وزور من الكلام. ومثله مثل من يعامل الوصية المخالفة للشريعة، أو النذر المشتمل على
стр. 3751
ما لا يأذن به الله معاملة الوصية الشرعية، والنذر الحقيقي، وهو في معاملته هذا شبيه بمن يسمي الخمر ماء يشربه، أو يسمي الحرام حلالاً ثم يأكله، والكلام في هذا يطول.
وأما ما سأل عنه - كثر الله فوائده - من الصور التي يرقمونها على أصل، ويجعلونه في الاحتجاج به بمثابة الأصل فلا شك ولا ريب أنه إذا كان بخط ثقة معروف الحال، مثبتًا فيما يكتبه، متحريًا فيما ينقله، فهو مقبول. لكن إذا تطرق الاحتمال بوجه [٤أ] من الوجوه ثم يحل العمل به على ما قدمناه في الحجج القوية إذا تطرق إليها الاحتمال، وقد وقفنا من هذا على عجائب وغرائب يقع في الأصل زيادات دقيقة معماة بوجه من وجوه التعمية تتفق على كثير فيمن لم يكن متثبتًا، وقد يكون الكاتب رقيق الدين فيواطئه من أراد نقل تلك الصورة على جعل فيكتب ويتعامى عن التغيير والزيادة والنقصان، ويكتب أن ذلك الفرع كالأصل بلا زيادة ولا نقصان، ثم يذهب إلى الثقة من القضاة والعلماء فيجعلون على ذلك خطوطهم، ويحتج على خصمه بهم، وهم لم يطلعوا على الأصل، بل قد لا يمرون نظرهم على الصورة، فمن هذه الحيثية لم أقتنع عند التخاصم بمجرد الصورة، بل أطلب الأصل الذي تغلب عليه تلك الصورة، فإن امتنع إحضار الأصل، فذلك لعلة تنكشف بإحضار الأصل، وكذلك إذا ادعى أن الأصل قد ضاع عليه فهو لعله هذا في الغالب، ولا شك عندي أن فعل المثبت الثقة ظاهره الصحة، ولكن مع الاحتمال لا يحل أن يجعل الصورة مستندًا حتى يظهر أصلها، أو يرجع الحاكم إلى القرائن التي يستفاد منها الصحة، أو ما يقاربها؛ ليكون الحاكم على بصيرة يبرئ بها ذمته، ويسلم من الخطاب. ولا شك أن التثبت مع الاحتمال واجب على الحاكم.
أما ما يطلب الأصل أو بالنظر إلى ما يدل على مستند الحكم وإلا كان جازمًا في محل الاحتمال، وذلك خطأ بين بالاتفاق بين أهل العلم في كل ما يتطرق إليه الاحتمال، وهذه قضية مقررة محررة متفق عليها في جميع العلوم الشرعية عند جميع أهلها. قال في الأصل: كتبه: محمد الشوكاني - غفر الله له - انتهى [٤ب].
стр. 3752
(١٥٠) ٥/ ٥
رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين
تأليف محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب
стр. 3753
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين.
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله الطاهرين وصحبه الأكرمين. أعلم أن كثيرًا من القاصرين.
٤ - آخر الرسالة: فلما سمع ذلك الملك خلى سبيله، ولم يكن له عليه سبيل، وفي هذا المقدار كفاية.
والحمد لله أولاً وآخرًا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ١٧ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٩ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3754
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله الطاهرين، وصحبه الأكرمين.
[السعي في طلب الرزق]
أعلم أن كثيرًا من القاصرين يعتقد أن من طلب ما يقوم بما يغنيه ومن يعول، ودخل في الأسباب التي يتحصل منها ذلك، خارج عن طريقة الصالحين مخالف لهدي المرسلين، مباين لمسلم الزاهدين، وهذا وهم عظيم، وجهل كبير، فإنه قد طلب ذلك سيد الأنبياء- ﵌، وسأل ربه الغنى كما في الصحيحين (١) وغيرهما (٢) أنه كان يقول: " اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف والغنى ".
والأحاديث في هذا كثيرة جدًا. وامتن الله سبحانه عليه بالغنى فقال: ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ (٣).
стр. 3755
وثبت في الصحيحين (١) وغيرهما (٢) أنه دعا لخادمه أنس بالغنى، وثبت في الصحيحين (٣) أنه قال: " اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع ". وقال: " حبب إلي الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة " وهو حديث صحيح (٤).
وثبت في الصحيح (٥) أنه ﵌ -قال لعمر ﵁: " ما جاءك من هذا المال وأنت غير مسرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك ". وثبت في أحاديث صحيحة النهي عن المسألة (٦) إلا للسلطان، ومن ذلك ما حكاه الله سبحانه عن
стр. 3756
موسى ﵇ أنه قال: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ (١)، وما حكاه الله سبحانه أن يوسف ﵇ قال لعزيز مصر: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ (٢)، وقال أيوب ﵇ لما رأى جرادًا من ذهب تسقط عنده، فجعل يلتقطها، فقال الله له: " ألم أغنك عن هذا؟ فقال: بلى، ولكن لا غنى لي عن بركتك " كما في الحديث الثابت في الصحيح (٣)، وقال عيسى ﵇ فيما حكاه الله عنه: ﴿وارزقنا وأنت خير .......................................
стр. 3757
الرازقين﴾ (١)
ومن ذلك سؤال حسنة الدنيا، كما في قوله : ﴿ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب﴾ (٢)، وقوله : ﴿وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب﴾ (٣)، وقوله: ﴿وارزقنا وأنت خير الرازقين﴾ (٤).
والحاصل أن طلب الرزق كان من غالب العباد والأنبياء والعلماء والزاهدين، بل لو قال قائل: إنهم كلهم طالبون رزق الله ، لم يكن بعيدًا، فإنهم سائلون من الله نزول الأمطار، وصلاح الثمار، والبركة في الأرزاق، وهذا هو من طلب الرزق، وهو كائن من جميع بني آدم، والمتورع منهم يقيد سؤاله بأن يكون ذلك من وجه حلال [١ب].
والدعاء هو من جملة السعي في تحصيل الرزق، وكذلك جميع الأسباب المحصلة له، على اختلاف أنواعها، وتباين طرقها، ومن أنكر هذا فقد أنكر ما هو معلوم لكل فرد من أفراد بني آدم. انظر ما كان عليه الصحابة ﵃، في أيام النبوة، فإن لكل واحد منهم متعلق بسبب من أسباب الرزق، كائنًا من كان، ومن عجز عن ذلك قبل ما يصل إليه كأهل الصفة (٥)، فإن وقوفهم فيها من طلب الرزق. وهكذا، بعد أيام النبوة،
стр. 3758
فإن الخلفاء الراشدين يجعلون لأنفسهم نصيبًا من بيت المال (١) يقوم بما يحتاجون إليه لأنفسهم، ولمن يعولون، على وجه العدل، وعلى طريقة الزهد، وهم أزهد العباد في الدنيا وفي الاشتغال بها. كذلك من كان منهم بعد انقضاء خلافة النبوة، التي يقول فيها الصادق المصدوق: " الخلافة بعدي ثلاثون عامًا، ثم تكون ملكًا عضوضًا " (٢)، فإن هذه المدة انقضت بخلافة الحسن السبط ﵁، ثم كانت من بعده ملكًا عضوضًا، وفيها، أعني المدة التي بعد انقضاء مدة الخلافة القيام بحفظ بيضة الإسلام، وجهاد الكفار، وفتح ما لم يكن قد فتح من الأقطار، وكان الصحابة ﵃، يقصدون من بيده أمر المسلمين، ويطلبون منه ما لهم فيه حق من بيوت الأموال التي بيده، وذلك هو من طلب الرزق، ويقبلون منه ما يعطيهم، من غير كشف عن حقيقة الحال، وهكذا من بعدهم من التابعين، وكان هذا حال خير القرون، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة (٣).
[الحاكم له أعوان]
وكان من أهل هذين القرنين من يلي للقائمين بالأمر الأعمال من قضاء وإمارة على بعض البلاد، وإمارة على جيش، ولا ينكر هذا منكر، ولا يخالف فيه، وهذا هو نوع من أنواع طلب الرزق. وإن كان العمل قربة كالقاضي، وأمير جيش الجهاد، فإنه لا
стр. 3759
ينافي ما هو فيه من القربة، أخذ ما يحتاج إليه من بيت مال المسلمين، وما زال عمل المسلمين على هذا منذ قامت الملة الإسلامية إلى الآن، مع كل ملك من الملوك، فجماعة يلون لهم القضاء، وجماعة يلون لهم الإفتاء، وجماعة يلون لهم على البلاد التي إليهم، وجماعة يلون لهم إمارة الجيش، وجماعة يدرسون في المدارس [٢أ] الموضوعة لذلك، وغالب جراياتهم من بيت المال (١).
فإن قلت: قد يكون من الملوك من هو ظالم جائر، قلت نعم، ولكن هذا المتصل بهم لم يتصل بهم ليعينهم على ظلمهم وجورهم، بل ليقضي بين الناس بحكم الله، أو يفتي بحكم الله، أو يقبض من الدعاوي ما أوجبه الله، أو يجاهد من يحق جهاده، ويعادي من تحق عداوته، فإن كان الأمر هكذا، فلو كان الملك قد بلغ من الظلم إلى أعلى درجاته، لم يكن على هؤلاء من ظلمه شيء، بل إذا كان لأحدهم مدخل في تخفيف الظلم، ولو أقل قليل، أو أحقر حقير، كان مع ما هو فيه من المنصب مأجورًا أبلغ أجر؛ لأنه قد صار - مع منصبه - في حكم من يطلب الحق، ويكره الباطل، ويسعى بما تبلغ إليه طاقته في دفعه، ولم يعنه على ظلمه، ولا سعى في تقرير ما هو عليه، أو تحسينه، أو إيراد الشبه في تجويزه، فإن أدخل نفسه في شيء من هذه الأمور، فهو في عداد الظلمة، وفريق الجورة، ومن جملة الخونة.
وليس كلامنا فيمن كان هكذا، إنما كلامنا فيمن قام بما وكل إليه من الأمر الديني، غير مشتغل بما هم فيه، إلا ما كان من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو تخفيف ظلم أو تخويف من عاقبته أو وعظ فاعله بما يندفع فيه بعض شره، وكيف يظن بحامل علم، أو بذي دين، أن يداخل الظلمة فيما هو ظلم، وقد تبرأ الله سبحانه إلى عباده من الظلم، فقال: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ (٢)، وقال: ﴿وما ربك
стр. 3760
بظلام للعبيد﴾ (١)، وقال: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ (٢)، وقال: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ (٣)، وقال: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ (٤)، وقال: ﴿وما الله يريد ظلما للعباد﴾ (٥)، وقال: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾ (٦)، وغير ذلك من الآيات القرآنية، وقال في الحديث القدسي: " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا " (٧).
стр. 3761
وقال رسول الله- ﵌، كما في الصحيحين (١)، وغيرهما (٢)، من حديث أبي موسى، قال: قال رسول الله- ﵌: " إن الله يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته "، ثم قرأ: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ (٣).
وفي الصحيحين (٤) وغيرهما (٥)، من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله- ﵌: " الظلم ظلمات يوم القيامة "، وأخرج نحوه مسلم (٦) وغيره من حديث جابر، وفي الصحيح (٧) من حديث أبي هريرة: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه [٢ب] ولا يسلمه "، وفي لفظ (٨) " ولا يخذله ".
والأحاديث الواردة في تحريم الظلم، وذم فاعله، وما يستحقه من العقوبة، كثيرة جدًا، وقد أجمع المسلمون على تحريمه، ولم يخالف في ذلك مخالف. وأجمع العقلاء على أنه من أعظم ما تستقبحه العقول، ثم قد بين رسول الله- ﵌ -لنا في مداخلة الظلمة، ما هو القول الفصل، والحكم العدل، فقال في حديث صحيح أخرجه الترمذي في موضعين من سننه (٩)، وأوضح ذلك أتم إيضاح، وبينه أكمل بيان: " غشي
стр. 3762
إيوانهم فصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولا أنا منه، ولا هو وارد علي الحوض يوم القيامة، ومن غشيها أو لم يغشها فلم يصدقهم في كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني، وأنا منه، وهو وارد علي الحوض يوم القيامة ".
وقد ثبت في الصحيح (١) في ذكر أئمة الجور، ومداخلتهم، فقال- ﵌: " ولكن من رضي وتابع ". فتقرر لك بهذا أن المداخل لهم إذا لم يصدقهم في كذبهم، ولا أعانهم على ظلمهم، ولا رضي، ولا تابع فهو من رسول الله- ﵌، ورسول الله منه، فكانت هذه مرتبة عالية، وفضيلة جليلة، فكيف إذا جمع بين عدم وقوع ذلك منه، والسعي في التخفيف، أو في الموعظة الحسنة.
ولا يخفى على ذي عقل، أنه لو امتنع أهل العلم والفضل والدين عن مداخلة
стр. 3763
الملوك، لتعطلت الشريعة المطهرة، لعدم وجود من يقوم بها، وتبدلت تلك المملكة الإسلامية بالمملكة الجاهلية في الأحكام الشرعية من ديانة ومعاملة، وعم الجهل وطم، وخولفت أحكام الكتاب والسنة جهارًا لا سيما من الملك وخاصته وأتباعه، وحصل لهم الغرض الموافق لهم، وخبطوا في دين الإسلام كيف شاءوا، وخالفوه مخالفة ظاهرة، واستبيحت الأموال واستحلت الفروج، وعطلت المساجد والمدارس، وانتهكت الحرم، وذهبت شعائر الإسلام، ولا سيما الملوك الذين لا يفعلون ذلك إلا مخافة على ملكهم أن يسلب، وعلى دولتهم أن تذهب، وعلى أموالهم أن تنهب، وعلى حرمتهم أن تنتهك [٣أ]، وعلى عزهم أن يذل، ووجدوا أعظم السبل إلى التخلص عن أكثر أحكام الإسلام قائلين: جهلنا، لم نجد من يعلمنا، لم نلق من يبصرنا، فر عنا العارفون بالدين، وهرب منا العلماء العاملون، وفي الحقيقة أنهم يعدون ذلك فرصة انتهزوها، وشدة أطلقت عن أعناقهم، وعزيمة إسلامية ذهبت عنهم، ومع هذا فلم يختصوا بهذه الوسيلة التي فرحوا بها، والذريعة التي انقطعت عنهم، بل الشيطان الرجيم أشد فرحًا بذلك، وأعظم سرورًا منهم، فإنه قد خلى بينه وبين السواد الأعظم، يتلاعب بهم كيف شاء، ويستعبدهم كيف أراد. وهذه فرصة ما ظفر من أهل الإسلام بمثلها، ولا كان في حسابه أن يسعفه دهره بأقل منها.
وسبب هذا البلاء العظيم، والخطب الوخيم، والوزر للإسلام وأهله - الذي لا يقادر قدره، ولا يتهيأ به الدهر مثله - صنفان من الناس:
الصنف الأول: جماعة زهدوا بغير علم، وعبدوا بغير فهم، وتورعوا بغير إدارك للمصالح الشرعية والشعائر الدينية، وما يفضي إلى تعطل الأحكام، وذهاب غالب دين الإسلام، فتصدوا للمواعظ والإرشاد للعباد، وبالغوا في ذلك ومقصدهم حسن، وصورة فعلهم جميلة، ولكنهم لم يكن لهم من العلم ما يوردون به الأشياء مواردها، ويصدرونها مصادرها، جعلوا - لقصورهم - أهل المناصب الدينية - التي لا يتم أمرها، ولا ينفذ حكمها إلا سلطان الأرض وملك البلاد - من جملة أنواع الظلم، وجعلوا
стр. 3764
صاحبها من جملة أعوان الظلمة، وسمع ذلك منهم عامة رعاع يغشون مجالس مثلهم من القصاص، مع خلو هؤلاء السامعين عن الورع، وتعطلهم عن علم الشرع، فأخذوا تلك المواعظ على ظاهرها، وقبلوها حق قبولها، لخلو أذهانهم عن وازع الشرع والعقل والورع، فصار بين هذين النوعين من الجهل ما يملأ الخافقين.
ولأمر ما كان كثير من السلف يمنعون الذين يقصون على الناس، ويتصدرون لوعظهم، وتذكرهم بما هم عليه من جهل بالشريعة، وبما يرتكبونه من إيراد الأحاديث المكذوبة، والقصص الباطلة، وإن عليهم أن يقصروا عن ذلك، ويكلوا ذلك إلى علماء الكتاب والسنة، الذين يدعون الناس إلى حق هو معلوم لديهم، وشرع هو صحيح عندهم.
والصنف الثاني: جماعة لهم شغلة بالعلم، وأهلية له [٣ب]، وأرادوا أن يكون لهم من المناصب الدينية، التي قد صارت بيد غيرهم ما ينتفعون به في دنياهم، فأعوزهم ذلك، وعجزوا عنه، فأظهروا الرغبة عنه، وأنهم تركوه اختيارًا ورغبة، وتنزهًا عنه، وضربت ألسنهم بسبب أهل المناصب الدينية، وثلب أعراضهم، والتنقص بهم، وأظهروا أنهم إنما تركوا ذلك لأن فيه مداخلة للملوك، وأخذ بعض من بيوت الأموال، وأن أهل المناصب قد صاروا أعوانًا للظلمة، ومن الآكلين للسحت ولا حامل لهم على ذلك إلا مجرد الحسد والبغي، والتحسر على أن يكونوا مثلهم، فوضعوا أنفسهم موضع أهل التعفف عن ذلك، والتورع عنه بنيات فاسدة، ومقاصد كاسدة، مع ما في ذلك من الدخول في خصلة من خصال النفاق، والوقوع في معرة بلية الرياء، والولع بالغيبة المحرمة، بغير سبب وبغير حق، وأدخلوا أنفسهم في هذه المصائب والمثالب والمعاصي والمخازي والجرائم والمآثم على علم منهم بتحريمها، وكما قال القائل:
يدعو وكل دعائه ... ما للفريسة لا تقع
عجل بها يا ذا العلا ... إن الفؤاد قد انصدع
وقد عرفنا من هذا الجنس جماعات، وانتهت أحوالهم إلى بليات، وعرفنا منهم من
стр. 3765
ظفر بعد استكثاره من هذه البليات، بمنصب من المناصب، فكان أشر أهل ذلك المنصب، وبلغ في التكالب على الحطام، والتهافت على الجرائم، إلى أبلغ غاية.
ومنهم من جالس - بعد مزيد من التعفف، وكثرة التقاعس - ملكًا، أو قريب ملك أو صاحب ملك، فصار يطربهم بما لا يستحل بعضه فضلاً عن كله - من له أدنى وازع من دين، بلا أدنى زاجر من عقل، بل عرفنا منهم من صار نمامًا، وضعه من يتصل به لنقل أخبار الناس إليه ففعل، ولكن لم يقتصر على نقل ما سمع، بل جاوز ذلك إلى التزيد عليه بالزور والبهت، حتى يجعل ذلك الذي وضعه للنقل عدوًا عظيمًا لمن لا ذنب له، ولا قال بعض ما كذب عليه، فضلاً عن كله.
وبالجملة، ما جربنا واحدًا من هذا الصنف، إلا وكشفت الأيام عن باطن مخالف ما كان يظهره، وقول وفعل ينافي مما كان يشتغل به أيام تعطله [٤أ]، فليأخذ المتحري لدينه حذره منهم، ولا يركن عليهم في شيء من الأعمال الدينية، كائنًا ما كان.
فإن قلت: إذا أظهر ظهورًا بينًا، أن بعض المداخلين يعينه على ظلمه بيده أو لسانه، أو يسوغ له ذلك، أو يظهر من الثناء عليه ما لا يجوز إطلاقه على مثله.
قلت: من كان هكذا، فهو من جنس الظلمة، وليس من الجنس الذي قدمنا ذكره من المداخلين لهم. والظلم، كما يكون باليد، يكون باللسان وبالقلم، وقد يكون ذلك أشد. وكلامنا فيمن يتصل بهم، غير معين لهم ما لا يحل، ولا مشارك لهم بيد ولا لسان بل يكون رجلاً مقصده بالاتصال بهم.
[مقاصد الاتصال بالسلاطين]
الاستعانة بقوتهم على إنفاذ حكم الله .
وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بحسب الحال، وبما تبلغ إليه الطاقة.
مثلاً إذا كان العالم ينكر ما يراه من المنكرات على الرعايا، ولا يقدر على ذلك، إلا إذا كان له يد من السلطان، يستعين بها على ذلك، فهذا خير كبير، وأجر عظيم.
стр. 3766
وكذلك إذا كان لا يقدر على فصل الخصومات، وإرشاد الناس إلى الطاعات، إلا باليد من السلطان فذلك مسوغ صحيح أيضًا.
وهكذا، إذا كان لا يقدر على تخفيف بعض ما يفعله وزراء السلطان وأمراؤه وأهل خاصته من الظلم، إلا باتصاله بالسلطان، فهو أيضًا مسوغ صحيح.
وهكذا إذا كان السلطان يصغي إلى الموعظة منهم، في بعض الأحوال، ويخرج عن فعل المنكر، أو يخفف ذلك شيئًا ما، فهو مسوغ صحيح.
واعلم أن أحوال السلاطين، كما قال بعض السلف، لهم طاعات كبيرة، ومعاص كبيرة، وصدق هذا القائل فإن من طاعاتهم [من واجبات الحاكم] (١)
- تأمين السبل.
- تأمين الضعفاء من الأقوياء والحيلولة بينهم، وبين ما يريدونه من ظلمهم.
- جهاد أهل الكفر والبغي، والمتجارين على نهب الضعفاء، وهتك حرمهم، وتخويفهم ومغالبتهم على ما تحت أيديهم من أملاكهم.
- إقامة الحدود الشرعية، والقصاص.
- إقامة شعائر الإسلام، والقيام من رعاياهم بواجباته.
- نصب القضاة لفصل الخصومات بالطرق الشرعية، وأهل الحسبة بالقيام بوظيفة الحسبة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- جمع الجيوش وتأمير الأمراء، لقهر أعداء الدين، والقيام بما يحتاجون من بيوت الأموال.
стр. 3767
- إحياء مدارس العلم، بنصب المدرسين والمفتين.
- إمساك أهل الجسارة عما يريدونه من الفساد في الأرض، بهيبة السلطان ومخافة الإيقاع بهم، فإن كثيرًا بل الأكثر لولا مخافة السلطان لكان له من الأفاعيل ما لم يكن في حساب، ولهذا ترى من لا سلطان عليه، في جميع البلاد، يفعل ما ترتجف منه القلوب، وتذرى منه الدموع، ورحم الله الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز فإنه قال: " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " (١).
وصدق فما قاله هو الحق، الذي يعلمه كل عاقل، فإن غالب الناس، لولا مخافة عقوبة السلطان له لترك الواجبات، إلا النادر، وفعل من المنكرات ما لا يأتي عليها الحصر.
وأما أهل المخافة من الله ، الذين يفعلون الواجب؛ لكونه أوجبه الله عليهم، ويتركون المنكرات؛ لكون الله نهاهم عنها، فهم أقل قليل. ومن أنكر شيئًا من هذا، فليبحث عن حقائق الأمور، وينظر في مصادرها ومواردها، وأحوال الفاعلين لها، حتى يتضح له أن الأمر كما قاله عمر بن عبد العزيز ﵀.
وأما كون للسلاطين معاص كبيرة، فإنه قد تأخذه الغضبية فيسفك الدماء ويستحل الأموال المحرمة، وقد يهلك أهل القرية بسبب شذوذ فرد منهم عن طاعته، وقد تشده نفسه إلى ما في يد الرعايا فيأخذ منها لإعلاء قانون الشريعة المطهرة، وينصب لذلك شباك الحيل، وذرائع الظلم. وقد يطاوع نفسه الشهوانية، فيفعل ما تشتهيه، ويرتكب في محرمات الله ، ويفعل ما يريده، لعدم نفوذ قول قائل عليه، إذ لا سلطان عليه، إلا من عصم الله وقليل ما هم.
حكي عن بعض سلاطين الإسلام، أنه كان يجتمع مع من يجالسه على كثير من اللهو والفسوق، وكان في المدينة، التي هو فيها، رجل صالح ينكر ما يبلغه من المنكرات، وإذا رأى إناء فيه خمر كسره، فمر يومًا من تحت دار السلطان، فقال السلطان لبعض
стр. 3768
جلسائه: هذا فلان إذا رأى إناء من الخمر، بيد أحد من الناس كسره، وإذا رأى منكرًا غيره، فأمر من يدخله إلى مجلسه، ثم قال له: أنت تنكر على الضعفاء من الناس ما تراه من المنكرات، وتكسر ما تجده عندهم من أواني الخمر، وهذه عندنا من الأواني ما تراه، فهل تستطيع أن تغير ذلك علينا؟ فقال له: أنا ضعيف أنكر على مثلي من الضعفاء لقدرتي على ذلك، وأما أنت يا سلطان فكما قال الله : ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾ (١) فبكى السلطان [٥أ] وقال: وأنا أيضًا، فأنكر علي، وقم وارم بهذه الأواني من هذه الطاقات. فقام، ورمى بها، وتاب السلطان، فلم يعد إلى شيء مما كان عليه.
فإذا عرفت أن للسلاطين تلك المحاسن، وتلك المساوئ، ونظرت إلى ذلك بعين الصواب، علمت أن فيه من خصال الخير ما نفعه لك ولغيرك، أكثر من الضر، وقد عرفت ما يقوله أهل الفقه وغيرهم أن محبته لخصال خير فيه مما لا بأس به، فإذا كانت هذه المحبة جائزة، فكيف لا يجوز ما هو دونها من الاتصال بها لأحد الأسباب المتقدم ذكرها؟ مع كون المتصل به على الرجاء بأن يقبل منه موعظة، أو يترك بعض ما يفارقه حياء منه، فإن منزلة العلم والفضل لها من المهابة في صدر كل أحد، والتعظيم لها، والحشمة منها ما لا يخفى إلا على بهيمي الطبع، ولا ينكر ذلك إلا مسلوب الفهم.
وعلى كل حال فمواصلته لتلك الأسباب لا يتردد أحد في جوازها، بل قد تكون في بعضها حسنًا، بل قد تكون واجبًا إذا لم يتم الواجب إلا به، أو لم يندفع المحرم إلا به، وهذا لا يخفى على أدنى الناس علمًا وفهمًا. والممنوع هو مواصلته لا لمصلحة دينية تعود على فرد من أفراد المسلمين، أو أفراد، إذا ترتب على ذلك مفسدة، فكيف وقد ثبت في الكتاب العزيز الأمر بطاعة أولي الأمر، وجعل الله أولي الأمر وطاعتهم بعد طاعة الله
стр. 3769
سبحانه، وطاعة رسوله- ﵌ (١). وتواتر في السنة المطهرة في الأمهات وغيرها، أنها تجب الطاعة لهم (٢)، والصبر على جورهم.
وفي بعض الأحاديث الصحيحة المشتملة على الأمر بالطاعة لهم أنه قال- ﵌: " وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك " (٣).
وصح عنه- ﵌ -أنه قال: " أعطوهم الذي لهم، واسألوا الله الذي لكم " (٤)، وصح في السنة المطهرة أنها: " تجب الطاعة لهم ما أقاموا الصلاة " (٥).
стр. 3770
وفي بعضها: " ما لم يظهر منهم الكفر البواح " (١) فإذا أمروا أحدًا من الناس أن يتصل بهم لم يجل له أن يمتنع، على فرض أنه لم يكن في اتصاله شيء من تلك الأسباب المتقدمة، وعليه أن لا يدع ما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الممكن من ذلك، وإلا فهو معذور ولا إثم عليه، إلا إذا حصل منه الرضاء والمتابعة، كما تقدم في الحديث (٢) الصحيح.
وأخرج ابن ماجه (٣) والحاكم (٤) وصححه، والبزار (٥) واللفظ له من حديث ابن عمر عن النبي- ﵌ -قال: " السلطان ظل الله في الأرض، يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإن عدل كان له الأجر [٥ب] وعلى الرعية الشكر وإن جار أو حاف أو ظلم كان عليه الوزر، وعلى الرعية الصبر ".
وصح عن رسول الله حديث: " الدين النصيحة "، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم " (٦).
فإن قلت: ما حكم ما بأيديهم في بيوت الأموال، مع وقوع ما فيه ظلم على الرعية،
стр. 3771
ولو في بعض الأحوال، هل يجوز قبول ما يجعلونه منه لأهل المناصب؟.
قلت: نعم، للحديث السابق أنه- ﵌ -قال لعمر: " ما أتاك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك " (١). وثبت أنه- ﵌ -فرض الجزية على أهل الكاتب، وكانت من أطيب المال داخله، مع أن في أموالهم ما هو أثمان من الخمر والخنزير، ومن الربا فإنهم يتعاملون به، وصح عنه- ﵌ -أنه استقرض من يهودي طعامًا، ورهن درعه. فيأخذ من له جراية من بيت مال المسلمين ما يصل إليه منه من غير كشف عن حقيقته، إلا أن يعلم أن ذلك هو الحرام بعينه، على أن هذا الحرام الذي أخذه السلطان من الرعية على غير وجهه، قد صار إرجاعه إلى مالكه مأيوسًا، وصرفه في أهل العلم والفضل واقع في موقعه، ومطابق لمحلة، لأنهم مصرف للمظالم، بل أحسن مصارفها.
ثم هذا المزري على من يتصل بسلاطين الإسلام، من أهل العلم والفضل، قد لزمه لزومًا بينًا، أن يتناول هذا الطعن كل من اتصل بسلاطين الإسلام، منذ انقراض خلافة النبوة إلى الآن، فإنه لا بد في كل زمان من طعن طاعن، ولا بد أيضًا من صدور ما ينكر من أهل الولايات، وإن كثر منهم ما يعرف، ولهذا يقول الصادق المصدوق: " الخلافة بعدي ثلاثون عامًا ثم تكون ملكا عضوضًا " (٢) كما تقدم. ولا بد للملك العضوض من أن يصدر عنه ما ينكر، ولو نادرًا، ولهذا لم تتفق الكلمة من جميع الناس، على براءة ملك من ملوك الأرض، من تلبسه بنوع من أنواع الجور، واتصافه بالعدل المطلق، الذي لم تشبه شائبة، ولا قدحت فيه قادحة: إلا عمر بن عبد العزيز ﵀.
стр. 3772
ولا يمكن حصر عدد من يتصل - من أهل العلم والفضل -، بسلاطين قرن من القرون، بل بسلاطين بعض القرن في جميع الأرض، ونحن نعلم علمًا يقينًا، أنه لا بد لكل ملك وإن كانت ولايته خاصة بمدينة من مدائن الإسلام، فضلاً عن قطر من الأقطار فضلاً عن كثير من الأقطار، أن يكون معه جماعة ممن يلي المناصب الدينية، وإلا لم يستقم له أمر، ولا تمت له ولاية، ولا حصلت له طاعة، ولا انعقدت له بيعة يعلم هذا كل عاقل من المسلمين [٦أ] فضلاً عن أهل العلم منهم.
وإذا كان الأمر هكذا، فكم لهذا الطاعن المشئوم من خصوم، قد لا يعد لأحقرهم قدرًا، وأقلهم علمًا وفضلاً وهو لا يخرج عن قسمين:
إما أن يكون من قسم المغتابين، أو قسم الباهتين، ولهذا يقول الصادق المصدوق- ﵌: " إن كان فيه ما تقوله فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقوله فقد بهته " (١)، فهو واقع في المأثم العظيم، والذنب الوخيم، على كل تقدير وفي كل حالة.
ثم هذا المزري على من يتصل بسلاطين الإسلام، من أهل العلم والفضل القائمين بالمناصب الدينية، قد وقع في إساءة الظن بجميع من اتصل بهم على الصفة التي بيناها، من دخول جميع هذا الجنس تحت سوء ظنه، وباطل اعتقاده، وزائف خواطره، وفاسد تخيلاته، وكاسد تصوراته، وفي هذا ما لا يخفى من مخالفة هذه الشريعة المحمدية، والطريقة الإيمانية. ومع هذا فالمتصل بهم من أهل المناصب الدينية، قد يغضي في بعض الأحوال عن شيء من المنكرات، لا لرضًا به، بل لكونه قد اندفع بسعيه ما هو أعظم
стр. 3773
منه، ولا يتم له ذلك إلا بعدم التشدد فيما هو دونه، وهو يعلم أنه لو تشدد في ذلك الدون، لوقع هو وذلك الذي هو أشد منه وأشنع وأفظع، كما يحكى عن بعض أهل المناصب الدينية أن سلطان وقته أراد ضرب عنق رجل لم يكن قد استحق ذلك شرعًا، فما زال ذلك العالم يدافعه ويصاوله ويحاوره، حتى كان آخر الأمر الذي انعقد بينهما، على أن ذلك الرجل يضرب بالعصا على شريطة اشترطها السلطان، وهو أن يكون الذي يضربه ذلك العالم، فأخرج الرجل إلى مجمع الناس الذين يحضرون في مثل ذلك للفرجة، فضربه ضربات فتفرق ذلك الجمع، وهم يشتمون أقبح شتم، وهم غير ملومين؛ لأن هذا في الظاهر منكر، فكيف يتولاه من هو المرجو لإنكار مثل ذلك؟ ولو انكشفت لهم الحقيقة، واطلعوا على أنه بذلك أنقذه من القتل، وتفاداه بضرب العصا، عن ضرب السيف، لرفعوا أيديهم بالدعاء له، والترضي عنه.
ويظن الجهول قد فسد الأمر ... وذاك الفساد عين الصلاح
ومن هذا القبيل، ما حكاه صاحب الشقائق أن سلطان الروم أمر بقتل جماعة كثيرة من أهل الأسواق؛ لكونهم لم يمتثلوا ما أمر به [٦ب] من تسعير بعض البضائع، فخرج السلطان، وقد صفوا للقتل، فقام بعض العلماء، وقرب من السلطان وهو راكب، فقال: هؤلاء لا يسوغ قتلهم في الشريعة، فذكر له السلطان أنهم خالفوا أمره، وأنه لا عذر من قتلهم، فقال العالم: هم يذكرون أنه لم يبلغهم ما عزم عليه السلطان، فوقف السلطان مركوبه، وقد ظهر عليه من الغضب، ما ظهر أثره ظهورًا بينًا، وقال: ليس هذا من عهدتك، فقال: لا: هو من عهدتي، لأن فيه حفظ دينك، وهو من عهدتي، فأطلقهم السلطان وسلموا.
فانظر؛ هذا العالم وبصره في إنكار المنكر، فإنه لو قال له ابتداء، إن مخالفة أمرك لا توجب عليهم القتل، لكان ذلك القول مما يوبقهم، لا مما يطلقهم، ولو سكت عند قول السلطان ليس هذا من عهدتك، لقتلوا، لكنه جاء بوسيلة مقبولة، تؤثر في النفس أعظم تأثير.
стр. 3774
ولا شك أن مساعدته في مخالفة أمر السلطان، وعدوله إلى أنه لم يبلغهم الأمر، إذا سمعها من لا يعرف الحقائق، أنكر عليه وقال وكيف يكون أمر السلطان في تسعير بضاعة أو نحو ذلك موجبًا لقتل من لم يمتثل، وعد ذلك من المداهنة، وعدم التصميم على الحق، ولو عقل ما عقله ذلك العالم الصالح، لعلم أنه قد جارى السلطان مجاراة كانت سببًا لسلامة جماعة كثيرة من المسلمين، ولو لم يفعل ذلك لقتلوا جميعًا.
إذا عرفت هذا، وتبين لك أن الأفعال المخالفة للشريعة، في بعض الحالات، وكذلك الأحوال التي تكون ظاهرة المخالفة قد تكون على خلاف ما يقتضيه الظاهر، ومتبين أنها من أعظم الطاعات، وأحسن الحسنات، فكيف ما كان منها محتملاً؟ هل ينبغي لمسلم أن يسارع بالإنكار، ويقتحم عقبة المحرم من الغيبة أو البهت وهو على غير ثقة من كون ما أنكره منكرًا، وكون ما أمر به معروفًا؟ وهل هذا إلا الجهل الصراح، أو التجاهل البواح؟.
دع هذا، وانتقل عنه إلى شيء لا يحمل عليه الجهل، بل مجرد الحسد أو المنافسة، كما هو الغالب، على ما تقدم بيانه، فإن أهل المناصب الدينية من القضاة ونحوه، إذا اشتغل صاحبه بما وكل إليه، وتجنب ما فيه عمل الملوك وأعوانهم، من تدبير المملكة، وما يصلحها وما تحتاج إليه، ويقوم بجندها، وأهل الأعمال فيها، إلا إذا اقتضى [٧أ] الحال الكلام معهم فيما يوجبه الشرع، من أمر بمعروف أو نهي عن منكر، والقيام في ذلك بما تبلغ إليه الطاقة، ويقتضيه طبع الوقت، فهل مثل هذا حقيق من عباد الله الصالحين، بالدعوات المتكررة بالتثبيت والتسديد، واستمداد الإعانة من رب العالمين، أم هو حقيق بالثلب والاغتياب، خبطًا وجزافًا وحسدًا ومنافسة، وهل هذا شأن الصالحين من المؤمنين أم شأن إخوان الشياطين؟ كما قال الشاعر:
إن سمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا أفكوا
وكما قال:
إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحًا ... عني وما سمعوا من صالح دفنوا
стр. 3775
فكيف إذا كانوا لا يسمعون إلا خيرًا، ولا يعدد المعددون إلا مناقبًا، فما أحق من كان ذا عقل ودين، أن لا يرفع إلى مخرقتهم رأسًا، ولا يفتح لخزعبلاتهم أذنًا، كما قلت من أبيات (١)
[فما] (٢)
الشم الشوامخ عند ريح ... تمر على جوانبها تمود
ولا البحر الخضم يعاب يومًا ... إذا بالت بجانبه القرود
اجتمعت، في أيام الطلب، بجماعة من أهل العلم، فسمعت من بعض أهل العلم الحاضرين، ثلبًا شديدًا لوزير من الوزراء، فقلت للمتكلم: أنشدك الله يا فلان، أن تجيبني عما أسألك عنه وتصدقني، قال: نعم، قلت له: هذا الثلب الذي جرى منك، هل هو لوازع ديني تجده من نفسك، لكون هذا الذي تثلبته ارتكب منكرًا، أو اجترى على مظلمة أو مظالم؟ أم لكونه في دنيا حسنة وعيشة رافهة؟ ففكر قليلاً، ثم قال: ليس ذلك إلا لكون الفاعل ابن الفاعل، يلبس الناعم من الثياب، ويركب الفاره من الدواب ثم عدد من ذلك أشياء، فضحك الحاضرون، وقلت له: أنت إذن ظالم له، تخاطب بهذه المظلمة بين يدي الله، وتحشر مع الظلمة في الأعراض، وذلك أشد من الظلم في الأموال، عند كل ذي نفس حرة ومريرة مرة، وبهذا يقول قائلهم:
يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول [٧ب]
وبالجملة، فإني أظن أن الظلمة في الأعراض، أجرأ من الظلمة في الأموال، لأن ظالم المال قد صار له وازع على الظلم، وهو المال، الذي به قيام المعاش، وبقاء الحياة، ثم قد حصل له من مظلمته ما ينتفع به في دنياه، وإن كان سحتًا يحتاجه حرامًا. وظالم الأعراض لم يقف إلا على الخيبة والخسران، مع كونه فعل جهدًا من لا جهد له، وذلك مما تنفر عنه النفوس الشريفة، وتستصغر فاعله الطبائع العلية، والقوى الرفيعة.
стр. 3776
فائدة:
اعلم أن الأمر بالمعروف (١)، والنهي عن المنكر، هما أعظم أساطين الدين، وحكم قناطر الإسلام، وأهم أحكام الشريعة المطهرة، بل هما إذا كانا قائمين كان الدين على أتم قيام، وأكمل نظام، وإن لم يكونا قائمين في العباد، ولم يوجد في البلاد من يقوم بهما: تخولفت الشرائع الإسلامية، وتعطلت الشعائر الإيمانية، وقال من شاء من أهل الجسارة ما شاء، وفعل من لم يكن زاجر ديني ما أراد، لعدم وجود من يأخذ على أيديهم من القائمين بحجة الله في عباده. ولهذا وردت الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة في الحث على ذلك، والمدح العظيم لفاعلهما، والزجر الوخيم لتاركهما، فمن قدر على ذلك، فقد حمل العبء الكبير، وقام بالأمر الجليل الخطير، ولا يزال يزداد قوة وتمكنًا وثباتًا، حتى يتم له ما لم يكن له في حساب، ولا خطر له على بال، ولا مر له على خيال، وصار رأسًا للفرقة التي قال فيها الصادق المصدوق: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين " (٢)، وكان من القائمين بحجة الله في بلاده، على عباده، وفاز بالأجر العظيم الذي وعد الله سبحانه به عباده الصالحين، القائمين بما قام به، وإن أدرك من النفس الأمارة بعض جبن في بعض الأحوال، وأنس من طبيعته خورًا وضعفًا في بعض المقامات، فليعلم أن ذلك من وسوسة الشيطان الرجيم، لأنه أشد
стр. 3777
عليه من القائمين في مقامات العبادة، والقاعدين في مقاعد الزهد والورع، والمستكثرين من طاعة الله ، والعازفين نفوسهم عن معاصيه، وذلك أن كل واحد من هؤلاء صار يجاهد الشيطان عن نفسه ويدفعهم عن حوضه، ويفارقه عن عشه وبيضه، ويذوده عن أن يتعرض لشيء من طاعاته بالتشكيك عليه، أو الوسوسة له، وهذه مصلحة خاصة بنفس هذا الرجل الصالح المشتغل بمراضي الله ، المجتنب لمغاضبه.
وأما القائم بما أمره الله به من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهو قائم لإصلاح عباد الله، بعد إصلاحه نفسه، فلا يزال زاجرًا لهم عن المنكرات، مرغبًا لهم في أنواع الطاعات، ومحذرًا لهم من مكر الشيطان الرجيم، مبينًا لهم ما ينصبه من حبائل الخذلان لعباد الله، وما يزينه لمن لم يرسخ قدمه في الإيمان، ومن هذه الحيثية كان مقامه عام النفع [٨أ] ومصلحته شاملة للجمع الجم، فهو في حكم المصاول للشيطان عن عباد الله سبحانه، المحاول له عند أن يريد الإغواء بالأهواء، والاستدراج بشهوات الأنفس، من التنعم باللذات، والتمتع بالمحرمات، والتلذذ بالموبقات، فهو العدو الأكبر لفريق الشياطين أجمعين، والقائم في كل مواطنه بالمحاربة لهم، عن أن يتم كيدهم على أحد من عباد الله الصالحين، والمصاولة لهم عن أن يتسلطوا على أحد من المؤمنين أجمعين (١).
стр. 3778
وبهذا تعلم أنه قد أسفر الصبح لذي عينين، بأن بين المقامين مسافات تتقطع فيها أعناق الإبل، ومفاوز تبيت دونها سوابق المطي، بل بين المقامين ما بين الأرض والسماء، ولا بد أن ينتهي أمر هذا القائم بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى التمام على ما يطابق المرام ويوافق رضاء الملك العلام، لأنه قام هذا المقام؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وذو الحق غلاب بنصوص السنة والكتاب. وقد صح عنه- ﵌ -أنه " سئل عن الرجل يقاتل حمية وشجاعة، ويرى موضعه، أيهم في سبيل الله فقال: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " (١).
فهذا القائم بحجة الله هو في أعظم الجهاد وهو في سبيل الله ، لأنه لم يفعل ذلك لغير هذا القصد، فإن لم ينجز عمله، ويحصل أمله بسرعة حصل ولو بعد حين، كما وعد الله سبحانه عباده.
ويتصور عند قيامه في هذا المقام تصفية النية من كدورات الرياء، والمقاصد التي ليست
стр. 3779
من الدين، وبتصور ما أمر الله به، من الإخلاص، وحث عباده عليه، ويستحضر قول الصادق المصدوق- ﵌: " إنما الأعمال بالنيات " (١) فإنها قضية كلية جامعة مانعة نافعة، لا سيما بعد ضم ما ضمه رسول الله- ﵌ -إلى هذه الجملة من قوله: " وإنما لكل امرئ ما نوى "، ثم تصوير ذلك وتمثيله منه ﵌ -بقوله: " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، كانت هجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها كانت هجرته إلى ما هاجر إليه ".
فإن فارق الإخلاص، ولو بمسافة يسيرة، فقد لا يتم له ما يريد بهذا السبب لا بسبب خلل في المقام الذي قامه، فإنه مقام المرسلين، والعلماء العاملين، وعباد الله الصالحين.
ورويت في كتب التاريخ [٨ب] قصة، لبعض القائمين في هذا المقام، وهو أنه وقف على آنية من الخمر، قد حمل من بعض المواضع التي يستجاد خمرها لبعض الملوك، ورأى الحاملين له قد أخرجوها من المركب إلى خارج البحر ليحملوها على الدواب بعد أن حملوها على السفن في البحر فأخذ عودًا ثم ما زال يكسرها، حتى بقيت واحدة منها، فوقف عندها قليلاً، ثم تركها ورمى بالعصى، فأخذه الواصلون بها، وقد اجتمع عليه جمع، وما شكوا أن الملك يقتله، فلما وصل إلى الملك، وقد اشتد غضبه، فقال: ما حملك على ما صنعت من الاستخفاف بنا، والإقدام على متاعنا، فقال: لم أستخف بك، بل فعلت ما أمرني الله به، وأخذه علي من النهي عن المنكر، فقال له: فما سبب تركك لواحد منها، قال: أدركت نزغة من نزغات العجب، قد أوقعها الشيطان في قلبي، فتركت كسر ذلك الواجب منها، كي لا أكسره على غير نية صحيحة مخلصة لله . فلما سمع ذلك الملك خلى سبيله، ولم يكن له عليه سبيل. وفي هذا المقدار كفاية. والحمد لله أولاً وآخرًا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
стр. 3780
(١٥١) ٤٩/ ٢
بحث في حديث العين المسروقة إذا وجدها المالك
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب
стр. 3781
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في حديث العين المسروقة إذا وجدها المالك.
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة الراشدين وبعد فإنه ورد هذا السؤال. .. .
٤ - آخر الرسالة: وتخصيص المتواتر بالآحاد هو المذهب الراجح والقول الصحيح.
وإلى هنا انتهى الجواب عن السؤال بمعونة ذي الجلال والإفضال بقلم المجيب الحقير محمد بن الشوكاني غفر الله لهما.
٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ - عدد الصفحات: ٨ صفحات ما عدا صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٢ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٨ كلمة.
٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.
١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3782
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة الراشدين.
وبعد:
فإنه ورد هذا السؤال من بعض الأعلام المبرزين - كثر الله فوائدهم - في علوم الدين، ولفظه:
[السؤال]
من حسناتكم - كثر الله فوائدكم - الكلام على هذه الأحاديث مستوفى بما يزيل شبهة التعارض. أخرج النسائي (١) من حديث أسيد بن حضير أن رسول الله ﵌- قضى أنه إذا وجدها يعني السرقة في يد رجل غير المتهم، فإن شاء أخذها بما اشتراها، وإن شاء اتبع سارقه، وقد قضى بذلك أبو بكر وعمر. وقد أخرجه أبو داود في المراسيل (٢).
وأخرج النسائي (٣) شاهدًا له من حديث أسيد بن ظهير (٤).
وأخرج أبو داود (٥)، ..............................................
стр. 3783
وأحمد (١)، والنسائي (٢)، عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﵌: " من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه "، وفي لفظ: " إذا سرق من الرجل متاع أو ضاع منه، فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن " رواه أحمد (٣)، وابن ماجه (٤). انتهى السؤال.
стр. 3784
[الجواب]
وأقول: مستعينًا بالله، ومتوكلاً عليه أن الجواب على الوجه الذي طلبه السائل - كثر الله فوائده - ينحصر في وجوه أربعة:
الأول: الكلام على إسناد حديث أسيد بن حضير فأقول: قال النسائي [١أ] (١) أخبرني هارون بن عبد الله، حدثنا حماد بن مسعدة عن ابن جريج، عن عكرمة بن خالد قال: حدثني أسيد بن حضير ... فذكره. وكل هؤلاء ثقات أثبات من رجال الصحيح، أما هارون بن عبد الله (٢) فهو البغدادي الحمال بالمهملة، البزاز، وثقه الحفاظ (٣)، وحديثه في صحيح مسلم وغيره، وأما حماد بن مسعدة (٤) فهو التميمي أبو سعيد البصري. وقد أخرج حديثه الجماعة كلهم ووثقه الأئمة، وأما ابن جريج (٥) فهو الإمام الحجة المشهور، وحديثه في الصحيحين وغيرهما. وأما عكرمة بن خالد (٦) فهو المخزومي ثقة مشهور، حديثه في الصحيح وغيره؛ فهؤلاء كلهم ثقات أثبات، حديثهم ثابت في الصحيح، والاحتجاج بهم متفق عليه، وكل واحد منهم أدرك شيخه، وسمع منه.
стр. 3785
والأصل عدم وجود العلة القادحة، لا سيما في أحاديث مثل هؤلاء الثقات؛ فالحديث صحيح لصحة إسناده.
الوجه الثاني: في الكلام على إسناد الشاهد الذي أشار إليه السائل - كثر الله فوائده -.
فأقول: سياق إسناده ومتنه هكذا: قال النسائي (١) أخبرنا عمرو بن منصور، حدثنا سعيد بن ذؤيب، حدثنا عبد الرازق عن ابن جريج، أخبرني عكرمة بن خالد أن أسيد بن ظهير الأنصاري، ثم أحد بني حارثة أخبره أنه كان عاملاً على اليمامة، وأن مروان كتب أن معاوية كتب إليه أن أيما رجل سرق منه سرقة فهو أحق بها حيث ما وجدها، ثم كتب بذلك مروان إلي، فكتبت إلى مروان أن النبي ﵌: " قضى بأنها إذا كان الذي ابتاعها من الذي سرقها غير متهم يخير سيدها [١ب] فإن شاء أخذ الذي سرق منه بثمنها، وإن شاء اتبع سارقه " ثم قضى بذلك أبو بكر، وعمر، وعثمان، فبعث مروان بكتاب إلى معاوية، فكتب معاوية إلى مروان: إنك لست أنت ولا أسيد تقضيان علي، ولكن أقضي فيما وليت عليكما، فأنفذ لما أمرتك به فبعث مروان بكتاب معاوية فقلت: لا أقضي بما وليت بما قال معاوية وهذا الإسناد رجاله ثقات.
أما عمرو بن منصور (٢) فهو النسائي أبو سعيد، أخرج حديثه النسائي وقال: إنه ثقة، مأمون، ثبت (٣)، وأما سعيد بن ذؤيب (٤) فهو المروزي، أخرج له النسائي، ووثقه، وذكره ابن حبان في الثقات (٥)، وأما عبد الرازق فهو الإمام الكبير الحجة، وأما ابن