وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في حديث العين المسروقة إذا وجدها المالك.
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة الراشدين وبعد فإنه ورد هذا السؤال. .. .
٤ - آخر الرسالة: وتخصيص المتواتر بالآحاد هو المذهب الراجح والقول الصحيح.
وإلى هنا انتهى الجواب عن السؤال بمعونة ذي الجلال والإفضال بقلم المجيب الحقير محمد بن الشوكاني غفر الله لهما.
٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ - عدد الصفحات: ٨ صفحات ما عدا صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٢ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٨ كلمة.
٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.
١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3782
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة الراشدين.
وبعد:
فإنه ورد هذا السؤال من بعض الأعلام المبرزين - كثر الله فوائدهم - في علوم الدين، ولفظه:
[السؤال]
من حسناتكم - كثر الله فوائدكم - الكلام على هذه الأحاديث مستوفى بما يزيل شبهة التعارض. أخرج النسائي (١) من حديث أسيد بن حضير أن رسول الله ﵌- قضى أنه إذا وجدها يعني السرقة في يد رجل غير المتهم، فإن شاء أخذها بما اشتراها، وإن شاء اتبع سارقه، وقد قضى بذلك أبو بكر وعمر. وقد أخرجه أبو داود في المراسيل (٢).
وأخرج النسائي (٣) شاهدًا له من حديث أسيد بن ظهير (٤).
وأخرج أبو داود (٥)، ..............................................
стр. 3783
وأحمد (١)، والنسائي (٢)، عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﵌: " من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه "، وفي لفظ: " إذا سرق من الرجل متاع أو ضاع منه، فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن " رواه أحمد (٣)، وابن ماجه (٤). انتهى السؤال.
стр. 3784
[الجواب]
وأقول: مستعينًا بالله، ومتوكلاً عليه أن الجواب على الوجه الذي طلبه السائل - كثر الله فوائده - ينحصر في وجوه أربعة:
الأول: الكلام على إسناد حديث أسيد بن حضير فأقول: قال النسائي [١أ] (١) أخبرني هارون بن عبد الله، حدثنا حماد بن مسعدة عن ابن جريج، عن عكرمة بن خالد قال: حدثني أسيد بن حضير ... فذكره. وكل هؤلاء ثقات أثبات من رجال الصحيح، أما هارون بن عبد الله (٢) فهو البغدادي الحمال بالمهملة، البزاز، وثقه الحفاظ (٣)، وحديثه في صحيح مسلم وغيره، وأما حماد بن مسعدة (٤) فهو التميمي أبو سعيد البصري. وقد أخرج حديثه الجماعة كلهم ووثقه الأئمة، وأما ابن جريج (٥) فهو الإمام الحجة المشهور، وحديثه في الصحيحين وغيرهما. وأما عكرمة بن خالد (٦) فهو المخزومي ثقة مشهور، حديثه في الصحيح وغيره؛ فهؤلاء كلهم ثقات أثبات، حديثهم ثابت في الصحيح، والاحتجاج بهم متفق عليه، وكل واحد منهم أدرك شيخه، وسمع منه.
стр. 3785
والأصل عدم وجود العلة القادحة، لا سيما في أحاديث مثل هؤلاء الثقات؛ فالحديث صحيح لصحة إسناده.
الوجه الثاني: في الكلام على إسناد الشاهد الذي أشار إليه السائل - كثر الله فوائده -.
فأقول: سياق إسناده ومتنه هكذا: قال النسائي (١) أخبرنا عمرو بن منصور، حدثنا سعيد بن ذؤيب، حدثنا عبد الرازق عن ابن جريج، أخبرني عكرمة بن خالد أن أسيد بن ظهير الأنصاري، ثم أحد بني حارثة أخبره أنه كان عاملاً على اليمامة، وأن مروان كتب أن معاوية كتب إليه أن أيما رجل سرق منه سرقة فهو أحق بها حيث ما وجدها، ثم كتب بذلك مروان إلي، فكتبت إلى مروان أن النبي ﵌: " قضى بأنها إذا كان الذي ابتاعها من الذي سرقها غير متهم يخير سيدها [١ب] فإن شاء أخذ الذي سرق منه بثمنها، وإن شاء اتبع سارقه " ثم قضى بذلك أبو بكر، وعمر، وعثمان، فبعث مروان بكتاب إلى معاوية، فكتب معاوية إلى مروان: إنك لست أنت ولا أسيد تقضيان علي، ولكن أقضي فيما وليت عليكما، فأنفذ لما أمرتك به فبعث مروان بكتاب معاوية فقلت: لا أقضي بما وليت بما قال معاوية وهذا الإسناد رجاله ثقات.
أما عمرو بن منصور (٢) فهو النسائي أبو سعيد، أخرج حديثه النسائي وقال: إنه ثقة، مأمون، ثبت (٣)، وأما سعيد بن ذؤيب (٤) فهو المروزي، أخرج له النسائي، ووثقه، وذكره ابن حبان في الثقات (٥)، وأما عبد الرازق فهو الإمام الكبير الحجة، وأما ابن
стр. 3786
جريج (١)، وعكرمة بن خالد (٢) فقد تقدم أنهما من رجال الصحيح، وأما أسيد بن ظهير (٣) فهو صحابي أوسي، شهد الخندق، وله حديثان، هذا أحدهما (٤)، ومات (٥) في أيام مروان بن الحكم؛ فرجال الإسناد ثقات. وقد وقع في بعض النسخ مكان أسيد بن ظهير أسيد بن حضير، وهو وهم منشؤه من كون معنى الحديثين واحدًا، وكون الراوي عن كل واحد منهما عكرمة بن خالد، والراوي عنه ابن جريج. ولكن لا يصح ذلك، لأن أسيد بن حضير (٦) مات سنة عشرين من الهجرة، وذلك في خلافة عمر، والقصة المذكورة واقعة في أيام معاوية، وإمارة مروان.
وأسيد بن ظهير من جهته، وذلك إنما كان من سنة بعد أربعين من الهجرة، فكيف يدرك ذلك أسيد بن حضير! إنما أدركه أسيد بن ظهير؛ فإنه تأخر موته إلى أيام مروان [٢أ] بن الحكم كما هو معروف (٧).
الوجه الثالث: في الكلام على إسناد حديث سمرة:
فأقول: أخرجه أبو داود (٨) عن عمرو بن عون، عن هشيم، عن موسى بن السائب عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وأخرجه النسائي (٩) فقال: حدثنا محمد بن داود، قال: حدثنا عمرو بن عون، حدثنا هشيم عن موسى بن السائب، عن قتادة، عن
стр. 3787
الحسن، عن سمرة؛ فرجال إسناديهما متحدون، إلا أن النسائي لم يرو عن عمرو بن عون إلا بواسطة، ولم يرو عنه كما روى عنه أبو داود، ومحمد بن داود (١) الذي روى النسائي عنه هو المصيصي. أخرج له أبو داود غير هذا الحديث كما أخرج له النسائي، وقال لا بأس به (٢)، وقال أبو داود: ما رأيت أعقل منه، وقال في التقريب (٣) إنه ثقة فاضل، وأما بقية رجال السند فعمرو بن عون هو السلمي الواسطي، وهو ثقة حجة. أخرج له الجماعة كلهم (٤)، وأما هشيم (٥) فهو الإمام المشهور، وكذلك قتادة والحسن، وأما موسى بن السائب (٦) فقد وثقه أحمد بن حنبل، وليس العلة هاهنا إلا ما قيل من أن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة (٧). وقيل لم يسمع منه شيئًا. فالحديث لهذه العلة ضعيف، إلا ما قيل من تدليس بعض رجال الإسناد؛ فإن رجال الحديث المعتبرين لم
стр. 3788
يقبلوا من الحفاظ المتقنين الذين يقع منهم التدليس نادرًا إلا ما لم يدلسوا فيه وإن كان معنعنًا. وللبحث عن هذا موضع آخر ليس هذا موضعه [٢ب].
الوجه الرابع: في بيان معاني متون هذه الأحاديث:
أما حديث أسيد بن حضير ففيه الفرق بين وجود العين المسروقة في يد المتهم بسرقتها وبين وجودها في يد غير المتهم. وفيه بيان أحد الطرفين، وهو إذا وجدها في يد غير المتهم بأنه إن شاء أخذها بما اشتراها به، وإن شاء تبع السارق.
وأما الطرف الآخر وهو وجودها في يد المتهم لسرقتها مسكوت عنه، وقد يكون حكمه مستفادًا من حكم المقابلة باعتبار مفهوم الشرط، فإن قوله: قضى أنه إذا وجدها في يد الرجل غير المتهم بكذا يدل على أن الحكم إذا وجدها في يد المتهم هو غير الحكم الثابت عند وجودها في يد غيره، فلا تعارض الرواية المذكورة في حديث سمرة بلفظ: " إذا سرق الرجل متاع، أو ضاع منه، فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن ". ووجه عدم المعارضة أن لفظ رجل هاهنا مطلق، والرواية الأولى تقيده لأن فيها التفصيل بين المتهم وغيره، وذكر حكم الموجود من السرقة في يد أحدهما منطوقًا (١)، وحكم الموجود في يد الآخر مفهومًا (٢)، فيحمل هذا المطلق على ذلك المقيد، ويكون هذا الرجل هو المتهم، فاندفع التعارض بينهما من هذه الحيثية، وكذلك لا تعارض بين حديث أسيد [٣أ] بن حضير، وبين الرواية الأولى من حديث سمرة بلفظ: من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه، وبيان عدم التعارض أن عين ماله اسم جنس مضاف (٣)، وهو من صيغ العموم، فهو يشمل العين
стр. 3789
المسروقة وغيرها، فيكون حديث أسيد بن حضير المصرح بحكم العين المسروقة مخصصًا له، لا سيما بعد تقييد العين المسروقة بأن يوجد في يد غير المتهم، فعلى هذا قد أمكن الجمع بين الحديثين، وهو مقدم على الترجيح فلا يصار إليه.
وأما حديث أسيد بن ظهير الذي يشهد لحديث أسيد بن حضير، فهو وإن خالف حديث أسيد بن حضير في بعض ألفاظه، فهو موافق لمعناه، فيكون الجمع بينه وبين حديث سمرة كالجمع بين حديث أسيد بن حضير، وبين حديث سمرة.
فإن قلت: حديث الحسن عن سمرة من قسم الضعيف لعدم سماعه منه، فلم يثبت حكم العام بدليل صحيح أو حسن.
قلت: الحكم المستفاد من حديث سمرة هو معلوم من كليات الشريعة المطهرة وجزئياتها، أما كلياتها فكل دليل يدل على أن المالك لا يزول ملكه عنه إلا باختياره، ورضائه، وطيبة نفسه، فهو يدل على ما دل عليه حديث سمرة؛ لأن غاية ما في حديث سمرة أن الرجل وجد ماله الباقي في ملكه الذي [٣ب] لم يخرج عن يده برضائه كما قال الله تعالى: ﴿تجارة عن تراض﴾ (١) ولا بطيبة نفسه كما قال رسول الله ﵌: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " (٢)، وما خرج بغير ذلك فهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (٣)، وتحت قول رسول الله ﵌: " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام " (٤) ونحو ذلك من الأدلة المتبالغة في الكثرة.
وأما كون هذا الحكم معلومًا من جزئيات الشريعة فهي كثيرة جدًا، ومن أقربها إلى
стр. 3790
معنى حديث سمرة، وألصقها به ما أخرجه الجماعة (١) كلهم من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: " من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس فهو أحق به من غيره "، وفي لفظ (٢) قال: " في الرجل الذي يعدم إذا وجد عنده المتاع، ولم يفرقه إنه لصاحبه الذي باعه " أخرجه مسلم (٣)، والنسائي (٤)، وفي لفظ: " أيما رجل أفلس، فوجد رجل عنده ماله ولم يكن اقتضى من ماله شيئًا فهو له " رواه أحمد (٥).
وأخرج أحمد (٦) من حديث سمرة أن النبي ﵌ قال: " من وجد متاعه عند مسلم مفلس بعينه فهو أحق به ".
وأخرج مالك في الموطأ (٧)، وأبو داود (٨) في المراسيل (٩) من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن النبي ﵌ قال: " أيما رجل ابتاع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقتض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه
стр. 3791
فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة [٤أ] الغرماء ".
وقد أسنده أبو داود (١) من وجه آخر، فإذا كان هذا الحكم ثابتًا في السلعة التي في يد المفلس وقد صارت إليه برضى مالكها وطيبة نفسه من دون غصب، ولا سرق، فكيف بالعين التي خرجت لا برضائه، ولا بطيبة نفسه!.
فإن قلت: إذا كان ما في حديث سمرة معلومًا من كليات الشريعة وجزئياتها، فكيف ساغ العمل بما في حديث أسيد بن حضير، وأسيد بن ظهير!.
قلت: قد ثبتا عن الشارع، وهو الذي جاءنا بتلك الكليات والجزئيات، وأعلمنا بأن المالك أولى بملكه، وأحق به، فالكل شريعة ولا معارضة حتى يرجح القطعي على الظني، والمعلوم على مظنون، بل قد أمكن الجمع ببناء العام على الخاص، وتخصيص المتواتر بالآحاد هو المذهب الراجح (٢)، والقول الصحيح.
وإلى هنا انتهى الجواب عن السؤال بمعونة ذي الجلال والإفضال بقلم المجيب الحقير محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما [٤ب]-.
стр. 3792
(١٥٢) ٤٩/ ٢
مناقشة من القاضي العلامة محمد بن أحمد مشحم ﵀ للبحث السابق (العين المسروقة) وهو السائل
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3793
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: مناقشة من القاضي العلامة محمد بن أحمد مشحم ﵀ للبحث السابق (العين المسروقة) وهو السائل.
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: الحمد لله تعالى وصلى وسلم على سيدنا محمد وعلى آله. أشكل على الفقير أسير التقصير من هذا الجواب
٤ - آخر الرسالة: وقضت به العقول أولى بالترجيح، وأحق بالقبول لدى النظر الصحيح والله تعالى أعلم.
٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ - عدد الصفحات: ٣ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٣ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١١ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3794
الحمد لله تعالى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله.
أشكل على الفقير أسير التقصير من هذا الجواب المفيد حمل الحديثين على الإطلاق والتقييد، فرأيت أن أكتب ما على البال مذيلا به السؤال معروضًا على المجيب - نفع الله بعلومه المسلمين - وليس القصد به إلا استفادة الحق منه، لا تصوير الباطل بصورة اليقين.
فأقول فيه أبحاث:
الأول: حمل المطلق على المقيد لا يتم إلا فيما اتحد حكمهما (١)، نحو إن ظاهرت
стр. 3795
فأعتق رقبة، إن ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة، فإن رقبة في الأولى مطلقة، وقد قيدت في الثاني بمؤمنة، فيحمل الإطلاق على التقييد، ويكون الواجب حينئذ رقبة مؤمنة، ومن ثمة اختلفوا فيما إذا تأخر المقيد، هل هو ناسخ للمطلق، أو بيان له؟ وذلك لا يكون إلا مع اتحاد الحكمين. وأما إذا اختلف (١) حكمهما فإنه لا يحمل المطلق على المقيد ضرورة تحالف الحكمين.
فإذا قيل: إذا وجدت عالمًا فاكسه، وقيل: إذا وجدت عالمًا تميميًّا فأعطه دينارًا، فإنه وإن كان العالم مطلقًا في التركيب الأول، ومقيدًا في التركيب الثاني لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأن الحكم في المطلق الأمر بالكسوة، وفي المقيد الأمر بإعطاء دينار، فيجري كل واحد منهما على حكمه، فيكسى العالم ولا يعطى دينارًا إلا بقيد كونه تميميًّا (٢).
وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن الحكم في قوله ﵌: " إذا سرق له متاع، أو ضاع فوجده بعينه عند رجل، فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه، أو يرجع المشتري على البائع بالثمن " (٣) يخالف الحكم في قوله ﵌: " إذا وجد السرقة بعينها في يد الرجل غير المتهم، فإن شاء أخذها بما اشتراها، وإن شاء اتبع سارقه " (٤) فلا يحمل المطلق على المقيد لتخالف حكمهما.
نعم. قد يحمل المطلق على المقيد مع اختلاف حكمهما إذا كان المطلق مترتبًا على المقيد، نحو: إن ظاهرت فأعتق رقبة، ولا تملك إلا رقبة مؤمنة؛ فإن حكم المطلق غير حكم المقيد لكنه لترتب حكم المطلق، وهو العتق على حكم المقيد وهو الملك يحمل
стр. 3796
المطلق على المقيد [١أ]، فلا يعتق إذًا إلا رقبة مؤمنة.
الثاني: إن حمل المطلق على المقيد فيه جمع بين الدليلين، بمعنى أنهما يصيران كالدليل الواحد، ولهذا قالوا إن من عمل بالمقيد فقد عمل بالمطلق، لكونه في ضمنه، وخرج عن العهدة، بخلاف من عمل بالمطلق، فإنه قد أهدر القيد.
وهذا الذي قرره المجيب -دامت إفادته - ليس فيه إلا أن المقيد بقي على حالته، والمطلق حمل على ضد المقيد، وذلك أنه قال - دامت إفادته -: ووجه عدم المعارضة أن لفظ رجل هاهنا مطلق، يعني في رواية سمرة، والرواية الأولى تقيده؛ لأن فيها التفصيل بين المتهم وغيره، وذكر حكم الوجود من السرقة في يد أحدهما وحكم الموجود في يد الآخر مفهومًا، فيحمل هذا المطلق على ذلك المقيد، ويكون هذا الرجل هو المتهم، فاندفع التعارض بينهما من هذه الحيثية.
انتهى ما قاله - دامت إفادته - فأنت ترى كيف حمل المطلق على ضد المقيد، فإن المقيد هو الرجل غير المتهم لا المتهم، وهذا شيء غير حمل المطلق على المقيد.
وخلاصته أن حديث أسيد المقيد بكون الرجل غير متهم قد قيد إطلاق رجل الذي في حديث سمرة الصالح للمتهم وغير المتهم، فيعمل بحديث أسيد في غير المتهم، وبحديث سمرة فيما بقي، وهذا أشبه شيء بتخصيص العام. (١)
الثالث: أن قوله ﵌- في حديث سمرة: " إذا سرق من الرجل متاع، أو ضاع منه، فوجده بيد رجل فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن " (٢). وهكذا الرواية الأولى لا يستقيم إلا في الرجل غير المتهم، لأن من كان هو المتهم بالسرقة لا يقال فيه: إنه يرجع المشتري بالثمن، وهذا يفيد أنه وإن كان رجل في حديث سمرة مطلقًا، أي غير موصوف لفظًا، فإنه مقيد معنى، فإن حكم النبي
стр. 3797
- ﵌ برجوعه بالثمن يفيد أنه غير المتهم [١ب]، لأنه لو كان هو المتهم؛ لكان الحكم المناسب إنما هو المنازعة بينه وبين مالك العين.
ولا مانع من أن يكون التقييد بما يدل عليه الكلام، فإنه إذا جاز التخصيص والتقييد بمنفصل (١) من جملة من أخرى لا تعلق لها بالجملة الأولى فبالأولى ما كان من أصل الكلام. وقد مشى على هذا الظاهر، أعني أن الرجل في حديث سمرة مشتر. أخرجه ابن ماجه في سننه (٢) فقال: " باب من سرق له شيء فوجده في يد رجل اشتراه ".
ثنا علي بن محمد، ثنا أبو معاوية، ثنا حجاج عن سعيد بن عبيد بن زيد بن عقبة، عن أبيه عن سمرة، قال: قال رسول الله ﵌: " إذا ضاع للرجل متاع، أو سرق له متاع، فوجده بيد رجل يبيعه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن ".
وفي هذا السياق فائدة، وهو أن حديث سمرة قد روي من غير طريق الحسن، وليس في الحديث إلا ما يخشى من تدليس الحجاج (٣)، فإنه أرطأة. وأما علي بن محمد شيخ ابن ماجه فقال ابن أبي حاتم (٤) محله الصدق، وأما سعيد بن عبيد بن زيد بن عقبة فلم أجده في الخلاصة، والموجود فيها سعيد بن زيد بن عقبة (٥) له فرد حديث عند ابن
стр. 3798
ماجه، وثقه أبو حاتم (١).
فإذا سلم أن الظاهر أن حديث سمرة إنما هو في غير المتهم بالسرقة، وحديث أسيد ابن حضير في غير المتهم بها أيضًا نفي التعارض بحاله، فيعدل إلى الترجيح (٢) ولا شك أن ما كثرت طرقه، وعاضدته كليات الشريعة وجزئياتها وقضت به العقول أولى بالترجيح، وأحق بالقبول لدى النظر الصحيح والله تعالى أعلم [٢أ].
стр. 3799
(١٥٣) ٤٩/ ٢
جواب المناقشة السابقة
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحايثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3800
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: جواب المناقشة السابقة.
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله. كثر الله فوائدكم, وقد أحسنتم وأفدتم بما حررتم آخرًا كما أفدتم.
٤ - آخر الرسالة: ومدّ على الطلاب موائده. وإلى هنا انتهى الكلام على ما أفاد به من المناقشة دامت إفادته حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما.
٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ - عدد الصفحات: ١٢ صفحة.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢١ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٨ كلمات.
٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.
١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3801
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله.
كثر الله فوائدكم، قد أحسنتم وأوفدتم بما حررتم آخرًا كما أفدتم وأجدتم بما حررتم أولاً، واستحسنت الإقدام على الجواب المتضمن للمناقشة، كما استحسنت سابقا الإقدام على جواب أصل السؤال، فأقول: كان عليكم أن تقدموا مقدمة قبل المناقشة قائلة أن المذاهب في الإطلاق والتقييد ثلاثة (١) إطلاقان وتفصيل.
فالإطلاق الأول: البناء مطلقًا من غير نظر إلى من نظر إليه أهل التفصيل.
المذهب الثاني: عدم البناء مطلقًا بل ترك المطلق على إطلاقه وإعمال المقيد فيما قيد به.
المذهب الثالث: التفصيل الناظر إلى اتحاد السبب (٢) وعدمه على ما في ذلك التفصيل
стр. 3802
من الخلاف والمذاهب، وبعد أن تذكروا هذا يقولون: إن كان المجيب يقول بالأول فيرد عليه كذا، أو بالثاني فكذا، أو بالثالث فكذا.
فإن قلتم: إن مصير المجيب إلى مذهب التفصيل حتم عليه، وأنه مذهبه شاء أم أبى، فهو مع هذا الحتم والإلزام يجد في مذهب التفصيل ما يدفع ما أوردتم عليه، وبيانه أن الحديثين المسئول عنهما قد اتحدا سببًا وحكمًا. أما السبب فظاهر؛ لأن المورد هو العين المسروقة، وأما [١ب] الحكم، فالرواية المطلقة التي في حديث سمرة الحكم فيها هو الرد وهو لا يخالف ما في حديث أسيد، والكلام إذا أردت إيضاحه، معناه هكذا: العين المسروقة يأخذها مالكها إذا وجدها في يد رجل، والعين المسروقة يأخذها مالكها إذا
стр. 3803
وجدها في يد رجل متهم بسرقتها، فإن كان ما في الحديثين يؤدي هذا المعنى ويفيده فأي خلل في هذا الإطلاق والتقييد، وأي مناقشة ترد على الحمل.
إن قال المجيب - كثر الله فوائده -: إن مثل هذا التركيب الذي جعلناه مثالاً لا يستفاد من الحديثين، وأنه يمنع ذلك حتى نقرره بوجه يوجب التسليم.
فنقول: أما الرواية (١) التي في حديث سمرة فهي في السؤال الذي كتبه السائل - كثر الله فوائده - هكذا. وفي لفظ: " إذا سرق من الرجل متاع، أو ضاع منه فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به ". ولا شك ولا ريب أن هذا اللفظ يتضمن المثال الذي ذكرناه سابقًا، وهو قولنا: العين المسروقة يأخذها مالكها إذا وجدها في يد رجل، ويتضمن ما يؤدي هذا المعنى من أمثلة يكثر تعدادها.
وأما حديث أسيد فقد صرحت في الجواب تصريحًا لا يبقى بعده ارتياب بأنه قد اشتمل على طرفين.
أحدهما: التصريح بحكم غير المتهم.
الثاني: السكوت عن حكم المتهم مع استفادته من المقابلة (٢)، ومن مفهوم [٢أ] ....
стр. 3804
الشرط (١)، وجعلت الرواية من حديث سمرة مطلقة مقيدة بما في حديث أسيد في المتهم، ولا ريب أن ما تضمنه (٢) ما في حديث أسيد في المتهم يتضمن ما ذكرته، وهو العين المسروقة يأخذها مالكها إذا وجدها في يد رجل متهم بسرقتها، بل هذا هو معناه ومفاده الذي سيق له. وقيل فيه: لأن معناه الذي وقع التصريح بحكمه قد أفاد أن مقابله وهو
стр. 3805
المتهم له حكم يقابله، فإذا كان الحكم مع غير المتهم هو الأخذ بالقيمة كان الحكم مع المتهم هو الأخذ بغير قيمة، والذي جعلناه مقيدًا لإطلاق الرواية التي في حديث سمرة هو مفهوم حديث أسيد لا منطوقه. وقد صرحت بهذا تصريحًا في غاية الوضوح في الجواب فقلت ما لفظه: ووجه عدم المعارضة أن لفظ رجل هاهنا مطلق، والرواية الأولى تقيده، لأن فيها التفصيل بين المبهم وغيره، وذكر حكم الموجود من السرقة في يد أحدهما منطوقًا، وحكم الموجود في يد الآخر مفهومًا، فيحمل هذا المطلق على المقيد، ويكون هذا الرجل هو المتهم انتهى.
فلو فرضنا التردد في الإشارة في قولي: فيحمل هذا المطلق على ذلك المقيد، هل يعود إلى المنطوق أو المفهوم؟ لكان قولي بعد ذلك: ويكون هذا الرجل هو المتهم رافعًا لذلك التردد رفعًا لا يبقى عنده شك ولا ريب [٢ب]. هذا مع أن أهل الأصول قد صرحوا بأنه كما يكون التقييد بما يتضمنه المقيد من الحكم يكون أيضًا بنقيض ذلك الحكم كما قالوا في مثل: اعتق عني رقبة مع لا تملكني رقبة كافرة، قالوا: فإنه يجب تقييد المطلق حينئذ بضد قيد المقيد، وهو الإيمان.
فلو أردنا أن المقيد هو الحكم المذكور في حديث أسيد منطوقًا لكان المعلوم أن التقييد المراد منه هو تقييد حديث سمرة باعتبار تلك الرواية المصرحة بالسرقة بضد الحكم المذكور فيه، وهو لا يخالف الرواية التي في حديث سمرة فلم يختلف الحكم. هذا على التسليم والتنزيل، وإلا فقد صرحنا بالمقيد تصريحًا لا يشك فيه.
وأما إذا كان ما في الحديثين يؤدي معنى ما ذكرنا من المثال ويتضمنه فالمناقشات التي أوردها - كثر الله فوائده - مندفعة، وبيانه أن قوله في صدر البحث ما نصه: الأول: حمل المطلق على المقيد لا يتم إلا فيما اتحد حكمهما (١) ... إلخ.
يجاب عنه بالقول بموجبه، فإن كان هذا الكلام مناقشة لما أجبت به في تقرير
стр. 3806
الإطلاق والتقييد فهو لا يرد، لن الحكم في ذلك التقرير متحد لا مختلف، وإن كان مناقشة لغيره فما هو حتى ننظر فيه؟.
قوله - كثر الله فوائده -: ومن ثم اختلفوا ... إلخ.
أقول: هذا جعله تأييدًا، فإنه من الوضوح بمكان لا يخفى، فتقرير الاعتراض وتقريبه بمثل مثال الرقبة، ومثل هذا إنما [٣أ] يحسن في خطاب من هو خالي الذهن عن ذلك.
قال (١) - كثر الله فوائده -: وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن الحكم في قوله ﵌ ... إلخ.
أقول: لم يرد هذا الذي سبق إليه فهم السائل - عافاه الله - بل أردنا ما سبق تقريره على أنا لو أردنا هذا لما كان في ذلك من ضير؛ لأنه سيكون التقييد بحكم الضد، وهو سائغ شائع فكان على السائل - عافاه الله - أن يقول عند تحرير هذا: إن المجيب إن أراد التقييد بنفس الحكم فهو مخالف لحكم المطلق، وإن أراد التقييد بضد حكمه فهو موافق ولا بأس، ولكنه حمل كلام المجيب على ما صرح بخلافه، وأوضح أنه مراده، ثم لم يحمل كلام المجيب بعد قلب كلامه على المحمل الذي يصح الكلام عليه، بل على المحمل الذي يرد الاعتراض به، فكان على هذا الاعتراض اعتراضات:
الأول: عدم تدبر كلام المجيب كما ينبغي.
الثاني: عدم التنبه لما صرح به من أن التقييد وقع بأحد معنيي حديث أسيد.
الثالث: عدم استيفاء ما يحتمله كلام المجيب على فرض أنه أراد التقييد بالمعنى المصرح بحكمه بالمنطوق، فإنه كما يحتمل التقييد بعين الحكم المذكور فيه: يحتمل التقييد بنقيضه.
الرابع: أنه لو كان هذا الذي فهمه السائل - كثر الله فوائده - هو مراد السائل قطعًا وبتًا لكان عليه حمله على ما يصح، وهو التقييد بالضد، لا على ما يبطل، وهو التقييد،
стр. 3807
يعني الحكم.
الخامس: أنه قد ذكر في كلامه هذا - كثر الله فوائده - ما كان في تأمله دفع ما أورده، وهو ما أشار إليه من الاختلاف في تأخر المقيد عن المطلق، فإنهم قد أحالوا الكلام في الإطلاق والتقييد على الكلام في التعميم والتخصيص، في جميع الأحكام المتفق عليها، والمختلف فيها.
ومن جملة ما صرحوا به في مباحث التخصيص هو التخصيص (١) بالمفهوم، فكان عليه - عافاه الله - أن يتنبه لهذا حتى يعلم أن كلام المجيب لو كان محتملاً لكان حمله على ما يصح أولى من حمله على ما يبطل.
قال - كثر الله فوائده -: نعم. قد يحمل المطلق على التقييد مع اختلاف حكمهما (٢) ... إلخ.
أقول: هذا منه تجريد للنظر إلى أحكام المنطوق، وإغماض عن حكم المفهوم بالمرة، وإلا فمعلوم أن مثل: " في الغنم السائمة زكاة " (٣)، ومثل: " لا زكاة في المعلوفة "، وإن كان الحكم المنطوق به مختلفًا، لكن لا زكاة في المعلوفة وجوب الزكاة في غير المعلوفة وصف عدم وجوب الزكاة في غير السائمة فلو كان أحد المنطوقين أعم من أحد المفهومين أو العكس أو كان أحدهما مطلقًا والآخر مقيدًا لم يمتنع البناء ولا الحمل وهذا إنما هو مجرد إيضاح وتصوير فلا يشترط تطبيقه على محل النزاع، ومع هذا فقد صرح أهل الأصول بما هو أعم مما ذكره من تخصيص ذلك بما إذا كان المطلق مترتبًا على المقيد، فإنهم قالوا إن اقتضى المطلق لأمر ينافيه حكم المقيد إلا عند تقييده بضده مسوغ لتقييده
стр. 3808
بذلك الضد وما نحن فيه.
قال (١) - كثر الله فوائده -: الثاني: أن حمل المطلق على المقيد فيه جمع بين الدليلين ... إلخ.
أقول: نحن نقول بموجب هذا. قولكم: وهذا الذي ذكره المجيب ليس فيه إلا أن المقيد بقي على حالته، والمطلق حمل على ضد المقيد.
قلنا: ممنوع والسند أن المطلق حمل على عين المقيد، وهو المستفاد من مفهوم الشرط سلمنا أن المقيد هو المذكور صريحًا، والمطلق حمله على ضده، فكان ماذا؟ وأي بأس في مثل هذا؟ فإن حمل المطلق على ضد المقيد إذا أفاد تقليلاً [٤أ] لشيوعه وانتشاره كان صحيحًا. وقولكم: فإن المقيد هو الرجل غير المتهم لا المتهم.
قلنا: هذا ممنوع، فنحن نطالبكم بالدليل على هذا الجزم، فإن كان الدليل شيئًا وجدتموه في جوابي فما هو؟ فإني أقول: إني قد صرحت فيه بما يفيد ضد هذا الجزم كما سبق، وإن كان الدليل على هذا الجزم شيئًا آخر فما هو، وأين هو؟ على أنه لو وجد ما يفيد هذا لم يكن فيه ما يقتضي الاعتراض، فالتقييد بنقيض الحكم كالتقييد بعينه، والتخصيص كذلك، فما معنى قولكم، وهذا شيء غير حمل المطلق على المقيد؟ فإن هذا شفيع دعوى ممنوعة بدعوى ممنوعة، وضم ما هو شبيه بالمصادرة إلى ما هو شبيه بالمصادرة.
قال - كثر الله فوائده -: وخلاصته إلى قوله: وهذا أشبه شيء بتخصيص العام.
أقول: هذا تقول بموجبه، فحمل المطلق على المقيد أشبه شيء بتخصيص العام، ولا فرق بينهما إلا مجرد كون العام شموليًا (٢)، والمطلق بدليًا، وليس المطلوب من الحمل في
стр. 3809
المطلق إلا تقييد ما كان بدليًا ببعض الأبدال، كما أنه ليس المطلوب من بناء العام على الخاص إلا إخراج بعض الأفراد من تحت حكم العام، وهي الأفراد التي يتناولها الخاص، وينبغي أن تعلم أن هذه الخلاصة التي جاء بها السائل - نفع الله بعلومه - قد أشارت إلى الوفاق بكف سوي تأدت باندفاع ما قدمه بصوت علي قوي، فإن الرجل المذكور في حديث سمرة قد كان لفرد منتشر بين أفراد المتهم وغير المتهم، فكان تقييده بالمتهم المذكور مفهومًا في حديث أسيد [٤ب] مقللاً لانتشاره، وموجبًا لحمله على بدل من تلك الأبدال. وإذا كان الأمر هكذا باعتراف السائل - عافاه الله - فما بقي للخلاف معنى، بل صار النزاع ضائعًا.
قال - كثر الله فوائده -: لا يستقيم إلا في الرجل غير المتهم ... إلخ.
أقول: لعله بني على هذا التلازم بين كون الرجل متهمًا، وبين كونه سارقًا وهذا ممنوع، فإنه لا تلازم لا عقلاً، ولا شرعًا، ولا عادة. أما عقلاً فظاهر؛ إذ ليس من أحكام العقول أن يقضي بأن كل من كان متهمًا بشيء فهو فاعله، وأما شرعًا فلعدم اكتفاء الشارع بمجرد التهم، بل قال: " على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين " (١).
وأما عادة فكم من متهم بأمر ينكشف مظلومًا مبهوتًا! وإذا كان الظن أكذب الحديث (٢)، وكان منهيًا عن اتباعه والعمل عليه، فكيف يكون مجرد تهمة رجل لرجل لا
стр. 3810
تبلغ حد الظن تصلح للحكم بها على خصمه وغريمه!.
وإذا تقرر هذا علمت أن ما ذكره - دامت إفادته - إنما يتم لو كان المتهم هو السارق قطعًا وبتًا، أما إذا كان الاحتمال كائنًا فالواجب البقاء على الأصل حتى ينقل عنه ناقل، ولا سيما في إثبات مثل هذا الأمر المستلزم للعقوبة في البدن والمال، والموجب للشناعة والعار، فلا مانع من رجوع المتهم في اعتقاد صاحب العين على من باعها منه إن كان قد باعها منه بائع، فلا يتم قوله - دامت إفادته -: أن حكم النبي ﵌ له برجوعه بالثمن يفيد أنه غير المتهم ... إلخ [٥أ].
قال - كثر الله فوائده -: وقد مشى على هذا الظاهر أعني: أن الرجل في حديث سمرة مشتر [أخرجه] (١) ابن ماجه في سننه فقال: باب من سرق له شيء فوجده في يد رجل اشتراه ... إلخ.
أقول: هذا التبويب، بل وقوله في متن الحديث: يبيعه ليس في شيء منهما ما يمنع من الإطلاق والتقييد الذي أشرنا إليه، لما قدمنا من أن المتهم لا يلزم أن يكون هو السارق لا عقلاً ولا شرعًا، ولا عادة، فلا يمتنع أن يكون مشتريًا غير سارق مع كونه متهمًا، وهذا ظاهر لا يخفى، فيكون مجرد كونه متهمًا بالسرق عند صاحب العين مسوغًا لأخذ العين منه، وهو إذا كان في الواقع غير سارق، بل صارت إليه العين بشراء أو غيره فلا ظلم عليه، لأنه سيرجع بما سلمه على من باع منه.
فإن قلت: كيف كان مجرد كونه متهمًا مسوغًا لأخذ العين منه بغير موجب! ومجرد كونه غير متهم مانعًا لأخذ العين منه إلا بتسليم العوض.
قلت: لأن من كان غير متهم بالسرقة عند صاحب العين المسروقة فهو بريء عنده من السرقة، فيكون أخذ العين منه بلا عوض ظلمًا بحتًا في اعتقاد الآخذ فضلاً عن غيره.
стр. 3811
وأما من كان متهمًا عند صاحب العين فهو لا يعتقد أنه مظلوم إذا أخذها منه، وبعد هذا كله فهذا حكم من الشارع الحكيم، فليس لنا أن نستنكره بعقولنا.
قال - عافاه الله -: ولا شك أن ما كثرت طرقه وعاضدته كليات الشريعة ... إلخ.
أقول: هذا الترجيح إن كان [٥ب] مبنيًا على ما قدمه من تسليم كون حديث سمرة، وحديث أسيد في غير المتهم بالسرقة فهو ممنوع كما عرفت، وإن كان الترجيح لا باعتبار هذه الرواية في حديث سمرة، بل باعتبار الرواية الأخرى المذكورة فيه، وهي قوله ﵌: " من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه ". فلا شك ولا ريب أن هذه الرواية أعم مطلقًا من حديث أسيد بن حضير، ومن حديث أسيد بن ظهير، ومن الرواية المصرحة بالسرقة في حديث سمرة.
أما على ما صرح به السائل - عافاه الله - في جوابه من أن حديث سمرة وأسيدًا بما هما في غير المتهم بالسرقة فواضح لا يخفى، وأما على ما قررنا من الإطلاق والتقييد، فلأن غاية ما في ذلك أن حديث أسيد بن حضير [٦أ]، وحديث أسيد بن ظهير قد صرحا بحكم وجود العين المسروقة في يد غير المتهم، وهذا الحكم هو التخيير، وتلك الرواية المصرحة بالسرقة في حديث سمرة قد تضمنت بحكم حمل المطلق على المقيد أنها في الرجل المتهم، وجميع هذا المستفاد من هذه الروايات أخص مطلقًا من قوله ﵌ في حديث سمرة: " من وجد عين ماله عند رجل " فكيف صار السائل - كثر الله فوائده - إلى التعارض بين عام وخاص في غاية الظهور والوضوح! وقد علم أن بناء العام على الخاص (١) متفق عليه في الجملة عند من يعتد بقوله من علماء الأصول وغيرهم كما هو معروف مشهور.
ووقوع الخلاف في بعض الأسباب والشروط لا يقدح في الإجماع على الجملة كما هو معروف، فإن كان هذا الإهدار لوجود قادح في الخاص فما هو؟ فقد أوضحنا الكلام
стр. 3812
على أسانيد تلك الأحاديث في جواب السؤال، وإن كان لمجرد الذهول عن كون قوله ﵌: " من وجد عين ماله " أعم مطلقًا من قول الراوي: قضى في العين المسروقة، ومن قوله ﵌: " إذا وجد العين المسروقة " فمثله - عافاه الله - في فهمه وعلمه يتخلص عن هذا الذهول بأدنى التفات، وإن كان لكون هذا العام قد صار بالمعاضدة قاعدة كلية قطعية لا يخصص [٦ب] بالآحاد. فهذا وإن كان مذهبًا (١) مشهورًا لبعض أهل العلم لكنه بمكان من الضعف، وموضع من السقوط لا يخفى على مثل السائل - كثر الله فوائده، ومد على الطلاب موائده -.
وإلى هنا انتهى الكلام على ما أفاد به من المناقشة - دامت إفادته -.
حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما [٧أ]-.
стр. 3813
٤٨/ ٢
بحث في قاذف الرجل
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3814
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في قاذف الرجل.
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله.
وبعد: فإنه سألني بعض العلماء المبرزين عن البحث.
٤ - آخر الرسالة: ليس إلا هجيري أهل التقليد والقحة. انتهى.
فلدفع مثل هذا الخيال الواقع لصاحب السؤال لا برح في ألطاف ذي الجلال استعملنا في الجواب ما استعملنا، وفي هذا المقدار كفاية، والله ولي الهداية.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - عدد الصفحات: ١١ صفحة ما عدا صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٥ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٩ كلمات.
٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3815
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله، وبعد: فإنه سألني بعض العلماء المبرزين عن البحث الذي أورده العلامة الحسن بن أحمد الجلال ﵀ في ضوء النهار (١) أنه لا يحد قاذف الرجل، وإنما يختص وجوب الحد بقاذف المرأة، واستحسن السائل ذلك البحث ورجحه، وقال: لا عذر من المصير إليه، وهاأنا الآن أورد كلام الجلال، وأتكلم على ما فيه، ثم أورد ما يدل على ثبوت الحد على قاذف الرجل.
قال ﵀ ما لفظه: وأما قاذف الرجل فلا تنتهض عليه الآية؛ لأن جمع المؤنث لا يطلق على جمع المذكر تغليبًا ولا غيره كما علم، وربما يدعى فيه الإجماع وفي نفسي منه شيء؛ لأن نقل الإجماع لا يصح.
أقول: ذكر أنه ربما يدعى فيه الإجماع ثم تخلص من صحة هذه الدعوى بكون في نفسه من ذلك شيء، ثم علل لما وجده في نفسه بأن نقل الإجماع لا يصح. ولا يخفاك أنه إذا لم يصح النقل للإجماع كما زعمه لم يبق حجة للناقل، سواء وقع في نفس المعترض على النقل ما ذكره من الشيء أم لم يقع، فإن كان المستند لدفع النقل هو مجرد وقوع شيء في نفسه فليس على الناقل من هذا الشيء شيء، ولا ينفق في سوق المناظرة وقوع الشك في نفس أحد المتناظرين، ولا يندفع به حجة الناقل للحجة، ولو كان مجرد الشكوك قادحًا في النقول التي تورد في مقام المناظرة لم يبق لمناظر حجة على خصمه، ولا يصفو له دليل؛ لأنه لا يعجز الآخر أن يقول: في نفسي من هذا شيء.
وإن كان المستند لدفع النقل هو عدم صحة النقل قائمًا فائدة لتوسيط قوله: وفي نفسي منه شيء. فإن دفع صحة النقل كاف سواء وقع في نفسه ذلك الشيء أم لا [١أ]،
стр. 3816
ثم إذا كان الخصم قد نقل الإجماع فالمقام مقام أن تطلب منه صحة النقل لا مقام أن يقال له: هذا النقل لا يصح. فإن هذه مقابلة لدعوى بدعوى، ولا بد أن يقال: من أين لك أن هذا النقل غير صحيح؟ فإنه ليس على الناقل إلا مجرد تصحيح النقل، وعليك إبطال ما نقله بإيراد من قال بما يخالف ما نقله الناقل، فتقول مثلاً: قد قال فلان من العلماء بأنه لا يحد قاذف الرجل.
قال: ولا دليل بعده إلا العقل وهو القياس والنقل، ولا دليل فيهما. أما القياس فلأن شرع جلد القذف إنما كان لدفع النقيصة التي كانت تلحق العرب من جهة زنا النساء ولهذا كانوا يئدون البنات (١).
أقول: ما جزم به من أنه لا دليل بعده إلا العقل وهو القياس يتوقف على أن الاستحسان (٢)، ........................................
стр. 3817
والتلازم (١)، وشرع من قبلنا (٢) ليست أدلة، ثم قوله بعد ذلك: والنقل فيه شيء؛ لأن
стр. 3818
الإجماع هو من النقل، فكأنه قال لم يبق بعد الإجماع الذي هو من النقل إلا النقل، ثم قال: أما القياس فلأن شرع جلد القذف ... إلخ.
أقول: تعليل مشروعية القذف بكونه لدفع النقيصة كما زعمه إن كان لنقل عن الشارع فما هو؟ وإن كان لنقل عن المتشرعين فباطل، فإنهم ما زالوا يجلدون قاذف الرجل كما يجلدون قاذف المرأة في أيام الصحابة فما بعدهم، وإن كان لمسلك من مسالك العلة المدونة في الأصول، فكيف تقريره حتى يتكلم عليه! وإن كان لنقل عن أهل الجاهلية فلا ينفعه ولا يضرنا؛ لأن كلامنا في الحد الثابت في الشرع لا فيما كان عليه أهل الجاهلية، فإنه لا شرع عندهم ولا حد، فليس مثل هذا الكلام يشبه كلام أهل العلم المتكلمين في الأحكام الشرعية فما لنا ولما كان يلحق العرب من جهة النساء، ثم لو قال قائل: إن حد القذف سبب مشروعيته حفظ الأعراض عن الشتم بهذه [١ب] المعصية كان ذلك أقرب مما جعله الغاية، سواء كان المسلك الذي سلكه هو تخريج المناط (١)، أو السبر (٢) والتقسيم (٣)، ومن زعم أنه إذا قيل للرجل المسلم: يا زاني لم يكن ذلك شتمًا، ولا يتأثر له المشتوم فقد أعظم الفرية على أهل الشرع.
قال: وأما الرجال فلم يكونوا يرون بأسًا، بل ربما كانوا يشببون أشعارهم به فجرًا كما قال رئيسهم امرؤ القيس:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول (٤)
стр. 3819
أقول: إن كان هؤلاء الذين كانوا لا يرون باسًا هم أهل الجاهلية فما لنا ولهم! فقد كانوا يرون أن القتل، ونهب الأموال، وشرب الخمر من أعظم المناقب، والتمادح بمثل هذه الأمور، والتفاخر بها في كلامهم نظمًا ونثرًا أكثر من الزنا، يعرف هذا كل من له علم بأحوالهم. ثم جاء الإسلام وجعل هذه الأمور التي كانوا يعدونها مناقب مثالب ومعاصي كبيرة، ومخازي عظيمة. وإن كان هؤلاء الذين كانوا لا يرون بالزنا بأسًا هم أهل الإسلام فهذا كذب بحت، وزور صراح، فأي فائدة تتعلق بمثل هذا الكلام الساقط! وأي مسلم من المسلمين لا يرى بقول من قال له: يا زاني بأسًا!.
قال: حتى إن معاوية بن أبي سفيان استلحق زيادًا (١) في الإسلام، ولم ير بنسبته الزنا
стр. 3820
إلى أبيه بأسًا وغير ذلك.
أقول: لا ينكر أحد من أهل العلم أن زنا أبي سفيان كان في أيام جاهليته (١) قبل أن يسلم، فإذا لم ير ابنه بأسًا بذلك الزنا فلكونه في الجاهلية، ومع هذا فقد نعى الناس على معاوية ما وقع منه، أما من جهة كونه مخالفًا للشرع فالأمر أشهر من ذاك.
وأما من جهة كونه لم يستنكف عن نسبة ذلك إلى أبيه فقد قيلت فيه الأشعار، ونعاه عليه قرابته فضلاً عن غيرهم، ومما قيل في ذلك من الأشعار قول يزيد [٢أ] بن مفرغ (٢)