ثم إذا كان الخصم قد نقل الإجماع فالمقام مقام أن تطلب منه صحة النقل لا مقام أن يقال له: هذا النقل لا يصح. فإن هذه مقابلة لدعوى بدعوى، ولا بد أن يقال: من أين لك أن هذا النقل غير صحيح؟ فإنه ليس على الناقل إلا مجرد تصحيح النقل، وعليك إبطال ما نقله بإيراد من قال بما يخالف ما نقله الناقل، فتقول مثلاً: قد قال فلان من العلماء بأنه لا يحد قاذف الرجل.
قال: ولا دليل بعده إلا العقل وهو القياس والنقل، ولا دليل فيهما. أما القياس فلأن شرع جلد القذف إنما كان لدفع النقيصة التي كانت تلحق العرب من جهة زنا النساء ولهذا كانوا يئدون البنات (١).
أقول: ما جزم به من أنه لا دليل بعده إلا العقل وهو القياس يتوقف على أن الاستحسان (٢)، ........................................
стр. 3817
والتلازم (١)، وشرع من قبلنا (٢) ليست أدلة، ثم قوله بعد ذلك: والنقل فيه شيء؛ لأن
стр. 3818
الإجماع هو من النقل، فكأنه قال لم يبق بعد الإجماع الذي هو من النقل إلا النقل، ثم قال: أما القياس فلأن شرع جلد القذف ... إلخ.
أقول: تعليل مشروعية القذف بكونه لدفع النقيصة كما زعمه إن كان لنقل عن الشارع فما هو؟ وإن كان لنقل عن المتشرعين فباطل، فإنهم ما زالوا يجلدون قاذف الرجل كما يجلدون قاذف المرأة في أيام الصحابة فما بعدهم، وإن كان لمسلك من مسالك العلة المدونة في الأصول، فكيف تقريره حتى يتكلم عليه! وإن كان لنقل عن أهل الجاهلية فلا ينفعه ولا يضرنا؛ لأن كلامنا في الحد الثابت في الشرع لا فيما كان عليه أهل الجاهلية، فإنه لا شرع عندهم ولا حد، فليس مثل هذا الكلام يشبه كلام أهل العلم المتكلمين في الأحكام الشرعية فما لنا ولما كان يلحق العرب من جهة النساء، ثم لو قال قائل: إن حد القذف سبب مشروعيته حفظ الأعراض عن الشتم بهذه [١ب] المعصية كان ذلك أقرب مما جعله الغاية، سواء كان المسلك الذي سلكه هو تخريج المناط (١)، أو السبر (٢) والتقسيم (٣)، ومن زعم أنه إذا قيل للرجل المسلم: يا زاني لم يكن ذلك شتمًا، ولا يتأثر له المشتوم فقد أعظم الفرية على أهل الشرع.
قال: وأما الرجال فلم يكونوا يرون بأسًا، بل ربما كانوا يشببون أشعارهم به فجرًا كما قال رئيسهم امرؤ القيس:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول (٤)
стр. 3819
أقول: إن كان هؤلاء الذين كانوا لا يرون باسًا هم أهل الجاهلية فما لنا ولهم! فقد كانوا يرون أن القتل، ونهب الأموال، وشرب الخمر من أعظم المناقب، والتمادح بمثل هذه الأمور، والتفاخر بها في كلامهم نظمًا ونثرًا أكثر من الزنا، يعرف هذا كل من له علم بأحوالهم. ثم جاء الإسلام وجعل هذه الأمور التي كانوا يعدونها مناقب مثالب ومعاصي كبيرة، ومخازي عظيمة. وإن كان هؤلاء الذين كانوا لا يرون بالزنا بأسًا هم أهل الإسلام فهذا كذب بحت، وزور صراح، فأي فائدة تتعلق بمثل هذا الكلام الساقط! وأي مسلم من المسلمين لا يرى بقول من قال له: يا زاني بأسًا!.
قال: حتى إن معاوية بن أبي سفيان استلحق زيادًا (١) في الإسلام، ولم ير بنسبته الزنا
стр. 3820
إلى أبيه بأسًا وغير ذلك.
أقول: لا ينكر أحد من أهل العلم أن زنا أبي سفيان كان في أيام جاهليته (١) قبل أن يسلم، فإذا لم ير ابنه بأسًا بذلك الزنا فلكونه في الجاهلية، ومع هذا فقد نعى الناس على معاوية ما وقع منه، أما من جهة كونه مخالفًا للشرع فالأمر أشهر من ذاك.
وأما من جهة كونه لم يستنكف عن نسبة ذلك إلى أبيه فقد قيلت فيه الأشعار، ونعاه عليه قرابته فضلاً عن غيرهم، ومما قيل في ذلك من الأشعار قول يزيد [٢أ] بن مفرغ (٢)
стр. 3821
حيث قال ناعيًا ذلك عليه:
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة من الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زاني
فأشهد إن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتاني
وكانت هذه القضية من فواقر الإسلام، ولم يفعل غير معاوية من المسلمين كفعله، لا من قبله ولا من بعده، فلا أدري ما معنى قوله: وغير ذلك، فإن أراد ما يصف به أهل الفجور أنفسهم من الإقدام على معصية الزنا فليس مجرد نسبة العاصي إلى نفسه شيئًا من المعاصي يفيد أنه لا يرى غيره من أهل الإسلام بأسًا بنسبة ذلك إليه، هذا يعلمه كل عاقل فضلاً عن عالم. وقد نسب الفساق إلى أنفسهم ما هو أشد من ذلك كاللواط منهم وبهم وغير ذلك مما لا يرضى بنسبته إليه أقل أهل الإسلام دينًا، وأوضعهم نسبًا، وأضعفهم حسبًا.
قال: وذلك فارق يمنع قياس الرجل على المرأة.
أقول: قد عرفت أنه لم يأت بشيء يصلح للفرق بين الأصل والفرع، وهذا قياس لا مطعن فيه، ولا يرد عليه شيء من الاعتراضات المعتبرة عند أهل الأصول. وقد عمل عليه في إثبات الحد على قاذف الرجل المسلمون أجمعون كما عملوا على القياس في تنصيف الجلد الوارد في قوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ (١).
قال: وأما النقل فليس فيه إلا ما يتوهم أن الذين آمنوا في قوله تعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا﴾ (٢) يشمل الرجال، ولا ينتهض دليلاً [٢ب]؛ لأن شيوعها فيهم عبارة عن لحوق عارها لهم، وعار زنا المرأة لاحق لرجالها ضرورة عرفية.
стр. 3822
أقول: إن كان الاعتبار في مثل هذه الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالفاحشة عامة، والذين آمنوا عام، ومقتضى ذلك أن من أحب أن تشيع أي فاحشة في أي مؤمن فهو كما قال الله - سبحانه - من غير فرق بين فاحشة الزنا وغيرها، فما معنى قوله: لا ينتهض ذلك دليلاً! معللاً ذلك بأن شيوعها فيهم عبارة عن لحوق عارها لهم، وعار زنا المرأة لاحق برجالها ضرورة عرفية. فهب أن عار زنا المرأة لاحق برجالها فكان ماذا؟ هل هذا اللحوق ينفي لحوق غير ما هو من جهة النساء بهم، وهل يقول بمثل هذا عالم، ويورده في مقامات الكلام على كتاب الله - سبحانه - ويتكل في تخصيصه بمثل هذا الخيال الباطل رأيًا، ورواية، وقرآنًا، وإجماعًا! فانظر كيف وقع ﵀ بهذا الكلام في بلية أشد مما فر منه، بينما هو يدعي أن الزنا لا يرى به الرجال إذا نسب إليهم بأسًا، إذ جاوز ذلك إلى أن كل فاحشة كذلك، زاعمًا أنه يلحق الرجال العار بما يقع من النساء من الفواحش، ذاهلاً عن كون تسليم هذا الزعم لا ينفي لحوق غير ما كان من طريق النساء بهم، لا عقلاً، ولا شرعًا، ولا عادة. ولا يدل على ما أراده بوجه من وجوه الدلالات.
ولقد أوقع ﵀ نفسه في مضيق وليس العجب منه فقد يقع للعالم مثل هذا الكلام الساقط، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إنما العجب ممن يستحسن مثل هذا الكلام ويقول: إنه لا محيص منه، وأنه يلزم الناس العمل عليه إذا أنصفوا.
قال: وأما حد عمر لنفيع أبي بكرة وأخيه نافع، وشبل بن معبد حين نكل [٣أ] زياد عن الشهادة معهم على زنا المغيرة بأم جميل بنت محجن زوجة الحجاج بن عبيد حين أفهمه عمر رغبته في ستره كما ثبت ذلك عند الحاكم في المستدرك (١)، والبيهقي (٢)، وأبي .............................
стр. 3823
نعيم (١)، وأبي موسى في الذيل (٢)، والبلاذري (٣)، وعبد الرازق (٤)، فقصة مظلمة.
أقول: القصة متواترة لم يخالف في صحتها وتواترها أحد من أهل الشرع، وهي غالب كتب السير (٥) والتاريخ (٦)، فما يعني بقوله: مظلمة؟ فإن هذا رد مظلم، ومراوغة ظاهرة، وإيهام على المقصرين بما لا يهتدون إليه، ثم ما معنى قوله: حين أفهمه عمر رغبته في ستره، فصان الله عمر أن يوهم شاهدًا في حد من حدود الله بما يثنيه عن الشهادة، وهل يجترئ على مثل عمر بن الخطاب بمثل هذا الكلام منصف! فقد علم كل عالم أنه لما شهد الأول قال عمر: اذهب مغيرة ذهب ربعك، ولما شهد الثاني قال: اذهب مغيرة ذهب نصفك، ولما شهد الثالث قال: اذهب مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك. فهل هذا كلام من يريد إبطال حد من حدود الله حتى يفهم بعض شهوده أنه راغب في إبطاله؟ ولعمري إن هذه العبارة تتضوع منها رائحة، وينبض عندها عرق. ولعل صاحب البحث ﵀ ذكر عهودًا بالحمى فحن إليها.
وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالك
إذا ذكرت أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
وأما ما روي (٧) من قول عمر - لما رأى زيادًا مقبلاً -: هذا رجل لا يشهد إلا بحق وفي رواية (٨) إني لأرى رجلاً لا يشهد إلا بحق، فليس هذا من إفهام الشاهد الرغوب
стр. 3824
في نكوله عن الشهادة، بل ولا هو من التعريض له كما زعمه بعض أهل الفقه.
ثم ما معنى ما وصفه من نكول زياد عن الشهادة، فإنه قد شهد بما رآه، ووصف وصفًا يحكي به الهيئة التي شهد عليها [٣ب]، وقال كما في بعض الروايات (١) رأيت نفسًا يعلو، واستًا تنبو، ورجلين من ورائه كأنهما رجلا حمار. وفي روايات آخرة: قال بما هو أدق وصفًا من هذا، ولكنه لم يشهد على أنه رأى ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة، والرشاء في البئر. ولقد كان المغيرة يقول للشهود الأولين عند أن ذكروا أنهم رأوه كالمرود في المكحلة: لقد ألطفتم النظر ولو كنتم بيني وبينها لما أدركتم أين ذاك مني من ذاك منها. ونعم لعمري لقد ألطفوا النظر إلى حد لا يقدر عليه من هو عند المجامع في مكان الجماع، فكيف بمن أشرف من داره إلى دار جاره فكشفت الريح عن سترة ظهر خلفها رجل قاعد بين شعب امرأة يجهدها فهل يدرك مثل هذا المرود في المكحلة، ويشهد على ذلك! فلا معنى لما ذكره من نكول زياد عن الشهادة كما لا معنى لما ذكره من رغبة عمر.
نعم مجرد الرغبة في ستر من أتى شيئًا من هذه القاذورات قد ورد في الشرع، ولكن الشأن في رغبة بعد الرفع إلى الإمام تقتضي نكول الشاهد عن شهادته، فليس هذا من الرغبة في مطلق الستر، ولا من الميل إلى درء الحدود بالشبهات.
قال: حتى روي (٢) أن عليًا قال: إن حددتهم فارجم المغيرة، وفي رواية: فأعط صاحبك حجارة. ولا وجه لترتيبه رجم المغيرة على حد الثلاثة.
أقول: هذا الكلام من النمط الذي قبله. إما خبط ومجازفة، أو مغالطة ومراوغة، فإن عليًا إنما قال هذه المقالة عند أن أراد عمر أن يجلد أبا بكرة لما قال بعد جلده قولاً يدل على رمي المغيرة بالزنا فقال له علي: إن جلدته يعني جلدًا ثانيًا فارجم المغيرة، لأن
стр. 3825
هذا القذف الواقع بعد الجلد إن كان موجبًا لتكرير الجلد فالقاذف بمنزلة شاهد رابع، ومن شهد عليه أربعة على الصفة المعتبرة يحد، هذا هو الوارد في القصة، ولم يثبت غيره فلم يخالف علي عمر في استحقاق الثلاثة للجلد، وأنهم قذفة، إنما خالفه فيما أراده [٤أ] من تكرير جلد أبي بكرة. والأمر واضح لا يخفى، والقصة موجودة في كتب (١) السير والتاريخ والحديث، فمن شك في هذا رجع إليها.
قال (٢) ثم في ذلك دلالة على أن حدهم ليس بمجمع عليه كما قيل إنه بمحضر من الصحابة، ولم ينكر فكان إجماعًا، كيف يكون إجماعًا مع خلاف علي!.
أقول: هذا مبني على صحة ما زعمه من مخالفة علي لعمر. وقد عرفت أنه وافقه ولم يخالفه إلا في شيء آخر غير أصل حد القاذف (٣) إذا كان المقذوف رجلاً وهو تكرير جلد القاذف إذا تكلم بشيء من القذف بعد جلده، وكان المقذوف واحدًا. وقد وافقه على هذا عمر فاتفقا على أصل جلد القاذف للرجل، كما اتفقا على عدم تكرير جلد القاذف لرجل واحد، فلا خلاف يقدح فيما ذكره من الإجماع.
قال: ولو سلم فغايته إجماع سكوتي (٤)، ولا ينتهض السكوتي حجة، لأن عمر كان مهيبًا منفذًا لرأيه، ويعد من الغريب الملغي، ومن شروط الاحتجاج بالإجماع السكوتي
стр. 3826
أن لا يكون لمانع من الإنكار كما علم في الأصول.
أقول: لا ينبغي لمؤمن يؤمن بالله (واليوم الآخر)، ويعرف ما عظمه الله ورسوله من حق الصحابة أن يقول بمثل هذه المقالة، أو يظن بالصحابة ﵃ أنهم يكتمون ما عندهم من العلم هيبة لعمر أو غيره، فقد كانوا يراجعونه ويدفعون كثيرًا من أقواله، ويقبل ذلك ولا يغضب ولا ينكره، بل ردت عليه امرأة لما أراد تقدير المهر بقدر لا يثقل على الناس فقالت له: إن الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا﴾ (١)، فقال: " كل الناس أعلم من عمر حتى النساء في خدورهن " (٢)، ومراجعته (٣) هو وجماعة من الصحابة مدونة في كتب الحديث والسير يعرفها كل أحد [٤ب].
ثم قد قدم قريبًا ما وقع من علي من الاعتراض على عمر، وهو ينقض عليه ما ذكره هنا، فإن الرجل الذي اعترض عليه علي فيما تقدم هو هذا المهيب الذي لا يستطيع أحد الإنكار عليه. وأما ما يروى عن ابن عباس أنه قال لما قال له قائل: لم لم تظهر قولك في العول في أيام عمر؟ فقال: كان رجلاً مهيبًا فهبته، فينبغي النظر في صحة هذه الرواية (٤)،
стр. 3827
وعلى فرض أنه يهابه مثل ابن عباس في إبان شبابه، وأوان حداثته فلا يستلزم ذلك أن يهابه كبار الصحابة، وقد كان يقول: لا أبقاني الله في معضلة ليس فيها أبو الحسن. وقال: لولا علي لهلك عمر. حين اعترض عليه لما أراد رجم الحامل (١).
قال: نعم هو كالرمي بسائر المعاصي، فيه التعزيز لا الحد كما سيأتي.
أقول: قد عرفت اختلال ما رتب عليه هذا الكلام فلا حاجة لإعادة ما قدمنا، وما أدري بعد هذا الجزم منه في أنه لا يجلد قاذف الذكر. ما يقول فيما رمى رجلاً بأنه يلوط أو يلاط به، هل يقول بأنه يحد من قذفه بذلك؟ فإن قال: فلم يتم له ما نفاه نفيًا عامًا، أو يقول: إن اللواط من الرجل وبه، وكان مما تتمادح به العرب ويتفاخرون به، ولا يعدونه عيبًا، ولا يرون به بأسًا، فيكون قد ألصق بالعرب ما هم عنه براء، ونسب إليهم ما لا يوافقه عليه أحد من أهل العلم، أو يقول: إن حد القذف مختص برمي النساء بالزنا، وأن قاذف الرجل باللواط لا يصدق عليه مسمى القذف، فقد ناقض ما ذكره
стр. 3828
من أن شرع حد القذف إنما كان لدفع النقيصة، ودفع العار، ولا عار ولا نقيصة [٥أ] أبلغ من عار اللواط ونقيصته عقلاً وشرعًا وعادة، مع كونه يصدق عليه أنه زنا لغة وشرعًا وعرفًا.
وإذا تقرر لك ما قدمناه علمت أنه قد دل على إثبات الجلد على قاذف الرجل القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ... ﴾ الآية. وإنما خص المحصنات لأن الغالب أن يكون القاذف لهن لكونهن أسرع إلى الوقوع في المعصية، وهن أصل الفتنة ومنشأ البلية، وهذا وجه للتغليب، ثم لو سلمنا اختصاص هذه الصيغة بالنساء، وأنه لا وجه للتغليب لكان القياس الصحيح السالم عن المطاعن، والاعتراض الجامع للأركان دليلاً كافيًا. ثم إجماع الأمة سلفها وخلفها في كل عصر بعد إجماع الصحابة، ووقوع ذلك من الخلفاء الراشدين الذين هم أهل الشرع، ومن أهل اللغة، فإن كان المبحث لغويًا فهم من أهل اللغة، وإن كان شرعيًا فهم من أهل الشرع، فعلى كل حال هم أعرف بمقاصد القرآن، ومعاني الشريعة، وقد قال فيهم النبي ﵌- فيما أخرجه أهل السنن وغيرهم: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين عضوا عليها بالنواجذ " (١) فإن هذا النص النبوي مشعر بصلاحية ما وقع من الخلفاء الراشدين للحجية على فرض عدم وجود ما يدل عليه في الشريعة، لا إذا وقع مخالفًا لما هو ثابت فيها.
ثم قد ثبت عند أحمد (٢)، وأبي داود (٣)، وغيرهما (٤) في قصة الملاعنة أن من رماها أو
стр. 3829
رمى ولدها فعليه الحد. ورمي الولد هاهنا مطلق لم يقيد بكون الرمي له [٥ب] هو الرمي لأمه، ثم قد ثبت في الصحيحين (١) وغيرهما (٢) من حديث أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم ﵌ يقول: " من قذف مملوكه يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال " فهذا فيه التصريح بثبوت حد السيد إذا قذف مملوكه، وإنما كان مؤخرًا إلى يوم القيامة (٣) لأنه لا يثبت للعبد ذلك في الدنيا، فهو يدل أبلغ
стр. 3830
دلالة، ويفيد أعظم إفادة أن قاذف الرجل الحر يثبت عليه الحد في الدنيا.
وبالجملة فهذه المسألة التي حررها الجلال ﵀ بهذا التحرير الذي أوضحنا ما فيه هي من جملة ما أغرب به من الاجتهادات، وهو إمام من أئمة المسلمين، ومحقق من محققيهم، ونحرير من نحاريرهم، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم، وكفى المرء نبلاً أن تعد معايبه، وإنما استعملنا بعض الخشونة فيما كتبناه هاهنا لتصريح السائل - كثر الله فوائده - بأن ما تكلم به هذا الإمام في هذا البحث هو الحق، حتى قال في آخر سؤاله ما لفظه: ووقع في خيالي إنه كلام بمحل من الانتظام والصحة، وإن عدم قبوله ليس إلا هجيري أهل التقليد والقحة. انتهى.
فلدفع مثل هذا الخيال الواقع لصاحب السؤال - لا برح في ألطاف ذي الجلال - استعملنا في الجواب ما استعملنا.
وفي هذا المقدار كفاية، والله ولي الهداية [٦أ].
стр. 3831
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١٥٥) ٤٨/ ٢
مناقشة العلامة حسن بن يحيى الكبسي على بحث في قاذف الرجل للشوكاني
تأليف محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب
стр. 3832
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: مناقشة العلامة حسن بن يحيى الكبسي على بحث في قاذف الرجل للشوكاني.
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، أحمده وأستعينه وأستهديه. نظرت فيما سأل عنه الأخ النقاب، علامة السنة.
٤ - آخر الرسالة: سوده الفقير إلى ربه حسن بن يحيى الكبسي، لعله عيد الأضحى سنة ١٢٢٠ شهر الحجة ١٢٢٠ هـ.
٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ - عدد الصفحات: ٦ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢١ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3833
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وأحمده وأستعينه وأستهديه.
نظرت فيما سأل عنه الأخ النقاب، علامة السنة والكتاب محمد بن علي العمراني (١) - عمر الله قلبه بالتقوى - سيدي العلامة شيخ المحققين الرباني محمد الشوكاني - أجزل الله مثوبته - عما وقع بخيال السائل من أن كلام السيد العلامة الحسن - رحمه الله تعالى - بمحل من الانتظام والصحة. فأجاب عنه المسئول - تولى الله مكافأته - بالجواب البسيط، فأبان فيه عما اقتضاه أنظاره عن كثير من التخليط، وشاجح في كثير من ذلك بعض تلامذته - كثرهم الله تعالى - وعول السائل النقاب علي في النظر في السؤال والجواب، وجواب الجواب، وأفعل ما ترجح عندي في ذلك الباب.
فأقول - وإن كان الفضل في ذلك للأول بلا ارتياب -: الذي ترجح عندي في هذه المسألة هو الذي عليه الناس قبل الجلال (٢) ﵀ أعني القول بعدم اختصاص الحد
стр. 3834
بقاذف المرأة، وتناوله لقاذف الرجل لوجوه:
الأول: إما للإجماع (١) الظني فيه عملا، وذلك أنا قد عشنا وتتبعنا مظان الخلاف فيه، ومواضع مواقع ذلك ووقائعه فلم نجد من أنكر ذلك، ولا عثرنا على مخالف مصرح بخلافه غير الجلال ﵀ ومثل هذا، وإن لم يكن إجماعا (٢) قطعيا فهو عندي مما تقوم به الحجة، ولا تقصر على سائر الأدلة الظنية، وذلك لما صح من التوعد شرعا على مخالف السواد الأعظم، وعلى مفارق الجماعة قيد شبر (٣)، ومن وعيد: " من شذ شذ إلى النار " (٤) ونحو ذلك.
стр. 3835
ولما صح عن جلة من السلف من كراهتهم للخلاف للجم الغفير، وذمهم له، وحرصهم ملاحظة اتباع الجماعة على كل حال ونحو هذا من المآخذ السمعية الدالة على كون ذلك حجة ظنية، ومن النظر أيضًا غلبة الظن، فإن الغالب عدم خلو الحق عن مطلق الجماعة، وأن تواطؤهم على أمر، وتوافقهم عليه لا يكون إلى لمستند صحيح، فمثل هذا الإجماع لا يقصر عن ظواهر الأدلة التي لا يعتمد فيها على كثير من الظن للحق، وبمثل هذا الإجماع يحصل به ظن أن ما قالوه حق، وتجويز المخالف فيه لا يخدش في هذا الظن بعد ما سنذكره من شدة البحث عنه في مظانه (١) نعم وأما اشتراط قطعية الإجماع في صحة الاستدلال به فلم ينتهض عندي وجهه، وانقسام الإجماع إلى قسمين (٢) معروف.
стр. 3836
وأما في مقام المنع من اشتراط ذلك بل في غيره من الأدلة سواء في حجية ما كان فيه ظنيا، وكذلك الطريق إليه لا اشتراط قطعيتها. وكذلك دليل حجيته عندي دليل اشتراط قطعيتها، فلذا اكتفيت بتلك االوعيدات الذي ذكرتها، كما لم ينتهض عندي اشتراط قطيعة دليل كثير من مسائل الأصول، كالقياس وغيره. ومن ادعى اشتراط ذلك [١أ] أفادنا دليلا نرتضيه، والأصح فالإجماع وغيره سواء في الاكتفاء بالظن، وكذلك في عدم القطع بمدلوله، ثم إن الاستبعاد والتشكيك فيه يعودان إلى هذا أعني اشتراط حصول القطع به؛ إذ لا يخفى أنه تعبد أو متعذر في الكثير منه، وإن حصل القطع في أفراد منه، فإنما غالب ذلك لكون مستنده ضروريا - أو تواتريا، فالقطع به لقطعية مستنده (١) وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. (٢)
نعم. وطريقه هذا الإجماع الظني البحث عن القائلين بالمسألة، فإذا تظافرت أقوالهم على المسألة، ولم يوجد من يخالفهم بعد البحث حصل الظن بعدمه. ولهذا نظائر في مسائل عديدة، منها في البحث عن المعارض، والمرجح، والناسخ، والمخصص، وغير ذلك فمثل ذلك يحصل الظن بحقية ما اجتمع عليه هؤلاء كما يحصله خبرا الآحاد والقياس وغيرهما، وما نحن فيه من هذا القبيل؛ فإنه إذا لم يوجد في السلف مخالف فيه يؤنس السيد الحسن ﵀ فيوشك أن يقع بأغرابه في وعيد الشذوذ، واتباع السبل المتفرقة عن الجادة العظمى التي عليها السواد الأعظم، وما ذكره من أن في نفسه من دعوى الإجماع شيئا الظاهر أن مراده ذلك نفسه من أصل دعوى الإجماع، وثبوت
стр. 3837
نقله لاستبعاده النقل عن جميع الأفراد، فلذا علله بأن نقله لا يصح تعليلا لا غبار عليه على عود الضمير في قوله منه إلى ادعائه، لعدم ذكر يدعى، لأنه يتضمن معنى الادعاء إليه، أعني الإجماع، والشيء الذي في نفسه هو ما أشرت إليه من استبعاد نقله عن جميع الأفراد، وحينئذ فلا يرد ما ناقشه المجيب - عفا الله عنه - في تفسيره إياه بالشك، وعلى تعليله بما ذكر، ولا ما دفعه به تلميذه - عفا الله عنه - من أن الظاهر أنه أراد ما في نفسه من حجيته؛ إذ لا يلائمه التعليل المذكور كما ذكره المجيب.
ثم قد عرفت أنه إذا كان الاكتفاء في حجيته بالظن، وأنه لا يشترط قطعيته فلا يضر ما ذكره من التشكيك فيه، فليس المطلوب به القطع، بل يكفينا الظن كسائر الظواهر.
ويعلم بهذا اندفاع ما ناقش [١ ب] الجلال ﵀ على السكوتي أيضًا في واقعة المغيرة (١)، مع عدم ظهور المخالف، وما تكلفه ﵀ فيه من قصة مخالفة علي ﵁ وإنكاره على عمر ﵁ في جعله إنكارا على أصل إثبات الحد على قاذف الرجل، فلا يخفى ما في ذلك من عدم الاستقامة كما حقق ذلك المجيب - عفا الله عنه - فإنه ظاهر أنه إنما أنكر عليه تكرير الحد على الشهود حين استتابهم فلم يتوبوا، وجعل إصرارهم بمنزلة القذف الجديد المبتدأ أولا، وإنما هو تماد [ .... ] (٢) واستمرار على الأول، والله تعالى لم يشرع في التمادي عليه، وعدم التوبة حدا، بل جعل حكمه عدم قبول شهادتهم أبدا، فألزم علي ﵇ عمر ﵁ إنك جعلت تماديهم وعدم التوبة قذفا صريحا فاجعل ذلك منهم شهادة مستقلة يكمل بها نصاب الشهادة.
وهذا الجواب إلزامي ومجاراة للخصم بما استبعده، أو بما لا يقول به أحد، فلا يتبادر من ذلك غير هذا، فأين أخذ الإنكار منه على أصل المسألة؟ وهو لا يحتمل ما ذكره السيد ﵀ أصلا، وإن احتمل احتمالا آخر وهو: أن الذي كان عند علي ﵁ هو العمل بتلك الشهادة، وكمال نصابها؛ لأن الذي ذكره زياد في شهادته من الكنايات
стр. 3838
والعبارات لا تقتصر في المعنى عن شهادة الآخرين المصرحين.
ولذا يروى (١) عنه ﵇ أنه كان يقول: لئن أمكنني الله من المغيرة لألحقنه أحجاره، أو كما قال مما الله أعلم به، سيما وما كان إصرارهم إلا لتحققهم الأمر في شهادتهم، وفي تلعثم زياد للكتم لا جرأة منهم على عدم التوبة. وإذا كان كذلك فالنصاب كامل، فلا حد على الثلاثة المذكورين، لا لأنه لا يحد قاذف الرجل على هذا الاحتمال، والاحتمال الأول هو الأظهر من كلامه، ولا يحتمل غيرها كما فسر به العلماء كلامه.
وأما الثاني لانتهاض الآية الكريمة (٢) للاستدلال بها، وصلاحيتها للتغليب للإناث، فيتناول قاذف الرجل في هذا الموضع نظرا إلى أن معنى الباعث على شرعية الحكم في النساء، سواء لكون عرضهن أهم في الحفظ من عرض الرجال والصيانة فيهن أشد قصدا إذ نقيصتهن بالزنا نقيصة لهن وللرجال وقصور عرض الرجال عن ذلك لقصرها عليهم واسع اشتراكا في أصل قصد الصيانة للعرض عن نقيصة نسبة الزنا إليهن، ومجازية التغليب إنما تكون بالنظر إلى من هو أقوى في المعنى المقصود الملاحظ لأجله التغليب [٢أ].
فجهة التغليب في النساء هاهنا أقوى خصوصا، وإن كان الغالب في هذا الباب أن تكون قوته في الرجال، وأما فيما نحن فيه فالنساء فيهن أقوى كما عرفت، وقد يشبه هذا قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ (٣)
стр. 3839
فإن حكم الحبس ربما كان عاما للصنفين تعينا، ثم نسخ بالجلد (١) لهما، ولعله إنما غلب النساء في قوله: ﴿وَاللَّاتِي﴾ لأن الزنا منهن أفحش وأشنع. والله أعلم.
ومما ينظر إلى مثل ما ذكرناه من التغليب (٢) أعني إلى خصوص قوة المعنى المخصوص،
стр. 3840
لا إلى مطلق القوة تغليب القمرين، ولكنه قد يكون في هذا من تغليب المذكر على المؤنث وإن لم يكن حقيقيا، والعمرين؛ فإن الشمس وأبا بكر أعظم من القمر، وعمر في مطلق المفاضلة، ولكن غلب عليهما نظرا إلى معنى مخصوص مقصود العلاقة، والدليل على إرادة التغليب في الآية الكريمة أمور منها: التذييل (١) بالآيات الكريمات إلى آخر قصة الإفك، بما فيه من التعميمات في الرجال والنساء، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (٣) فأتى به على الغالب من تغليب الذكور، وتعميم الفاحشة ليدخل الأدخل فيهما دخولا أوليا، وأثبت فيه عذاب الدنيا وهو الحد، ثم ليتأمل نحو ذلك إلى آخر الآيات - إلى قوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (٤) ولم يقل: مبرآت، وكذلك لما كان القصد إلى ذكر الصفات الموجبة للبراءة ذكرها كالمحصنات والغافلات، لما ذكرنا من العناية بمن هو أدخل في قصد الصيانة، وهو الذي عرف به التغليب، وإلا فقذف مطلق النساء موجب للحد، وكذا الرجال، وحاصله أن وصف الأنوثة والإحصان لتقبيح القذف، واستبعاد لاحق في حق من اتصف بالصفتين المذكورتين، وأن القبح حينئذ قد صح عنده.
стр. 3841
ومما يدل على هذا التغليب أنه قد ثبت أن النساء شقائق (١) الرجال في حديث صحيح (٢) عن الشارع، ولذا صار غالب خطابات الشارع بصيغة المذكر على سبيل التغليب، حتى كأنه عرف للشارع إلا ما نص عليه دليل الخصوص، فالغلبة في استعمال التغليب تصيره كالعرف له إن ثبت بالاستقراء ذلك، فهذا من ذلك، وإنما عدل عن الغالب فيه لملاحظة ما ذكرناه من التغليب من المعنى المقصود إذا هو [ .... ] (٣): " النساء شقائق الرجال " (٤) في الأحكام فلم نر هاهنا ما يصلح لتخصيص النساء. وستعرف عدم صحة ما ذكره السيد الجلال ﵀ من الفرق.
ويؤيد التغليب في الآية ما ثبت عن الشارع في حديث الملاعن هلال بن أمية، وقذف امرأته بشريك بن سحماء، فإنه صح أنه ﵌ قال له: " البينة أو حد في ظهرك " (٥) لاحتمال أن يكون لقذفهما المرمية (٦) به لولا اللعان المسقط للحدين.
стр. 3842
ويؤيد ذلك ما في أصل سؤال الملاعن من قوله: إن تكلم جلدتموه بعد أن ذكر أنه يجد رجلا عند امرأته ... إلخ. فقوله: جلدتموه يحتمل لكلامه على المرأة أو على الرجل [٢ب].
ويؤيده ما أشار إليه المسئول - عفا الله عنه - من حديث: " من قذف عبده يقام عليه .. " (١)، وحديث: " من رمى ولد الملاعنة فعليه الحد " (٢) وظاهره أن المراد رميه هو بزناه ثم إذا حقق النظر في ذلك فقد تظهر صلاحية بعض هذه المؤيدات لإرادة التغليب، وللاستدلال استقلالا على المتنازع فيه أو أكثرها.
وأما الثالث: لانتهاض دلالة القياس على المتنازع فيه أعني وجوب الحد على قاذف الرجل أيضًا إن لم يصح التغليب. إما بقياس الدلالة بأن [ ....
.] (٣) كما اشترك قاذف الرجل والمرأة في رد شهادتهما في الأحكام يشتركان في وجوب الحد عليهما بجامع أن النساء شقائق الرجال في سببية قذفهما للأمرين، أو بعدم الفارق. وتنقيح المناط (٤) الذي هو عندي من أقوى القياسات (٥) لعدم الفرق بين قذف الرجل والمرأة، لأن النساء شقائق الرجال، وما توهمه الجلال من الفرق في العلة سندفعه - إن شاء الله - وكما نوضح مثل ذلك في قياس (٦) حد العبد على حد الأمة الذي قيل: إنه مجمع عليه.
стр. 3843
وإما بقياس العلة بأن يقاس الرجل المقذوف على المقذوفة في وجوب الحد بجامع أن النساء شقائق الرجال، وبحكمه هو الزجر عن الأعراض لمصلحة صيانتها عن الانتهاك بافتراء ما يغض منها، فإن صيانة الأعراض مقصودة للشارع كصيانة الدماء والأموال؛ ولذا تراه يجمع بينها في النهي والحث على احترامها، فشرع في جميعها حدودا من قصاص وجلد، وقطع للزجر، ولكن لما كانت حكمة الزجر في المعاصي، ومناسب الصيانة قد تتفاوت ولا تنضبط، وتخفى معرفة القدر المعتبر منها للشارع ضبطها بمظان مخصوصة لا تتفاوت في محالها المعروفة كالجراحات الخاصة للقصاص، والسرقة للقطع، والقذف بالزنا للجلد، وحكمة الأول الزجر وصيانة المال والدماء، والثاني الزجر وصيانة المال. والثالث الزجر وصيانة العرض، وقس عليه صيانة النسب في الزنا، والزجر عنه، وغير ذلك في أن الزجر لم يكن منضبطا وكان يختلف القدر المعتبر للشارع فيه ضبط بمظنة مخصوصة، وإذ قد ضبطت الحكمة بمظان مخصوصة صحيحة فلا يضر تفاوت الحكمة في مناسبة الزجر، أعني دفع النقيصة إذا زادت نقيصة عرض المرأة على عرض الرجل كما أنه لا [ ...... ] (١) بزيادة مباحث الزجر في الزنا والسرقة.
والقذف كالزنا بالمحارم، وسرق الكعبة، وقذف الفضلاء، حيث لم يربط إلا بمطلق الزنا والسرقة والقذف بالزنا، وأما ادعاء أنه لا نقيصة بالزنا في عرض الرجل فغير مقبول فإنه لا بد أن تشمئز منه العقول، وقد سماه الله فاحشة ومقتا، ولا التفات إلى ما سمع من بعض خلعاء الشعراء العرب الذين يتبعهم الغاوون (٢) ويقولون ما لا يفعلون، ويعتقدون أن أحسن الشعر أكذبه؛ فيحسنون القبيح، فإن أخرجوه في مخرج الاستحسان [٣أ] فهو من عظيم كذبهم والبهتان ثم قد يعارض ذلك بالكثير من قول حكمائهم في
стр. 3844
الشعر، وما يذمونه ويعبرون به، وخلعائهم بل ألا تراهم كيف يهجون به! وكيف يعير الشعراء (١) الفرزدق ونحوه بذلك:
تدليت تزني من ثمانين قامة ... . (٢)
ولا هجى إلا بما فيه نقيصة، بل وقد يعارض أيضًا بمثله في النساء اللاتي لا يحتشمن كمن رمت نفسها بالصالحين من المومسات وغيرهن، كامرأة العزيز (٣)، وصاحبة الراهب (٤)، وصاحبة قارون، وغير ذلك، فمثل حال من ذكر لا يلتفت إليه، ولا يستدل لعدم نقيصة الزنا في مطلق الرجال، ولا يتمشى إلا كما قلنا بتفاوتها في المرأة والرجل، وقد عرفت أن تفاوت المناسب لا يضر إذا ضبط بمظنة ظاهرة. وقد ضبط بمطلق قذف الزنا، وحينئذ تعرف كمال أركان القياس (٥) وأن الأصل المرأة، والفرع الرجل، والجامع أن النساء شقائق الرجال، والحكم الجد، والعلة القذف بالزنا، والحكمة الزجر والصيانة للعرض، وأنه لو سلم بخلفها في الرجل لم يختل القياس، إذ في مثل هذا لا يضر كسر الحكمة، وتعرف أنه لا فرق بينه وبين قياس النبيذ على الخمر في التحريم بعلة السكر، في أن الخمر أصل والنبيذ فرع والعلة السكر والحكمة الزجر لحفظ العقل، والحكم التحريم كالخمرة، وهذا ظاهر قصدنا به إيضاح كون العبرة بالمظنة، وإن اختلفت الحكمة والمناسب فتأمله.
نعم ولا يقال: إنه قياس في الأسباب، فيحصل الغلط، لأن السبب هاهنا والعلة
стр. 3845
واحد هو القذف بالزنا، وإن اختلف المحل من الذكر والأنثى الذي هو من ضرورة القياس للأصل والفرع، فالمرأة والرجل محلا الحكم الذي سببه فيهما القذف بالزنا، وهو واحد كالخمر والنبيذ اللذين سبب التحريم فيهما السكر، وليس هذا كقياس اللواط على الزنا في إيجاب الحد الذي هو قياس في الأسباب، حيث يقاس عليه اللواط وسببه في إيجاب الحد على علية الزنا وسببيته في ذلك، فإنه قياس للسبب والعلة في الأنثى على سبب هو الزنا، وعلته في ذلك.
وأما فيما نحن فيه فالسبب واحد هو القذف بالزنى، والذي يشبهه قياس من زنى ببهيمة على من زنى بامرأة في إيجاب حد الزنى بعلية الزنى.
نعم وما ذكرناه من هذين الدليلين انتهاضهما على المتنازع يمكن أن يكونا مستند ما ظننا من ذلك الإجماع الظني المذكور هاهنا فإن مستنده هو العمدة في الدلالة عندي لكون مثله مظنة للدليل الصحيح؛ لاستبعاد الاجتماع من مثلهم بلا مستند صحيح، ولأن مرجع الوعيد على المخالفة والشذوذ إنما هو لأجل مظنة الحجية، وحصول الظن بحجية مثل ذلك، والله أعلم.
سوده الفقير إلى ربه حسن بن يحيى الكبسي (١)، لعله عيد الأضحى سنة ١٢٢٠ شهر الحجة سنة ١٢٢٠ [٣ ب].
стр. 3846
هذا ما تعقب به الأخ العلامة شرف الإسلام الحسين بن محمد العنسي على بحث في قاذف الرجل للشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب
стр. 3847
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: هذا ما تعقب به الأخ العلامة شرف الإسلام الحسين بن محمد العنسي على بحث في قاذف الرجل للشوكاني.
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين، وآله وأصحابه الطاهرين وبعد.
فإني لما وقفت على ما كتبه شيخنا البدر الأوحد محمد بن علي بن محمد حماه الفرد الصمد
٤ - آخر الرسالة: انتهى المراد كتبه يوم السبت خامس عشر شهر رمضان سنة ١٢٢٠ هـ بقلم مؤلفه الفقير إلى عفو الله حسين بن محمد بن عبد الله العنسي غفر الله له ولوالديه آمين.
٥ - نوع الخط: خط نسخي رديء.
٦ - عدد الصفحات: ١٤ صفحة ما عدا صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢١ سطرا ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها ١٢ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة.
٩ - الناسخ: حسين بن محمد بن عبد الله العنسي.
١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3848
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين، وآله وأصحابه الطاهرين، وبعد:
فإني لما وقفت على ما كتبه شيخنا البدر الأوحد محمد بن علي بن محمد - حماه الفرد الصمد - على بحث الجلال (١) ﵀ كتبت على كلام شيخنا ما حضر مع النظر في ذلك.
فأقول: قول شيخنا أقول: ما ذكر أنه .... إلخ.
فيه بحثان:
الأول: أنه فسر الشيء الواقع في كلام الجلال بالشك مع أن الشيء أعم منه، ولا قرينة تفيد أن المراد ذلك، بل ما ذكره شيخنا من النظر على تقدير أن المراد بالشيء الشك قرينة تمنع من أنه المراد، فكيف يحمل الشيء وهو عام على بعض أفراده! وأنه يحتاج في الحمل عليه إلى قرينة، مع قيام القرينة على أن ذلك البعض غير مراد!.
فإن قلت: إرادة المعنى الحقيقي للشيء لا تفيد في المقام، فلا بد من حمله على معنى آخر، وليس هنا ما يصلح سوى الشك، وأنه كثير ما يقال في نفسي شيء ويراد شك.
قلت: يصلح أن يكون المراد منه عدم الحجية، فمعنى في نفسي شيء في نفسي أنه ليس بحجة، ووجه حمله على ذلك أن المقام في دفع كلام من يحتج به فيناسبه نفي الحجية ثم إن الجلال علل عدم الحجية بعدم صحة نقل الإجماع فأبان وجه ذلك الحكم النفسي.
وقد حرر دليل عدم صحة نقله في شرح الفصول (٢) أمثلة في أن كلام الجلال هذا لا يجدي الكلام عليه نفعا للمناظرة، لما تقرر في علم المناظرة أن الكلام على سند المنع لا يفيد، وكلام الجلال سند للمنع، فثبت قياس من الشكل الأول، هكذا كلام الجلال سند
стр. 3849
للمنع، وكل ما كان سندا للمنع (١) لا يفيد الكلام عليه، فينتج كلام الجلال لا يفيد الكلام عليه، وكبرى هذا الشكل مقررة في علم المناظرة، وصغراه ضرورية بعد العلم بأن المدعي يدعي أنه صب على قاذف الرجل حدا شرعيا، فلما كان الأصل البراءة احتج على أنه ثابت شرعا بالإجماع، وأن الاحتجاج به يرجع إلى مقدمتين، هكذا.
هذا مجمع عليه، وكل مجمع عليه ثابت شرعا، وأن تفصيل كلام الجلال في دفع الحجية هكذا كقولكم (٢): هذا مجمع عليه ممنوع، وأسند منع هذا المقدمة بأن طريقها النقل [١أ] ولا يصح.
وبعد معرفة هذا يعرف أن قول شيخنا - بورك في علمه وعمره -: هم إذا كان الخصم قد نقل الإجماع فالمقام مقام أن يطلب منه صحة النقل لا مقام أن يقال له: هذا النقل لا يصح، فإن هذه مقابلة دعوى بدعوى انتهى. ليس في محله، لأن مثبت الحد على قاذف الرجل يدعي دعوى هي ثبوت الحد عليه شرعا. واستدل لها بدليل ذي مقدمتين، وقد علم في المناظرة أنه يتوجه على المدعي المستدل منع إحدى مقدمتي دليله، فليس من أثبت حكم القذف المذكور ينقل شيئا عن أحد بل يثبت حكما يستدل عليه.
стр. 3850
قال ملا حنفي في شرح الرسالة العضدية: وإذا عرفت حقيقة المنع فاعلم أنه إن لم يذكر في النقل دليل فظاهر أنه لا يتوجه عليه المنع، فإن ذكر فيه فهو إنما هو على طريقة الحكاية فلا تتعلق به المؤاخذة؛ لأنه محكي منقول عن الغير، والناقل من حيث هو ناقل ليس بملتزم صحته، بل هذا ليس بدليل بالنسبة إليه من تلك الحيثية حتى يمنع منعا جاريا على مقتضى عرفهم، والناقل إن التزم صحة هذا الدليل المنقول، أو أقام دليلا برأسه على ما نقله صار مستدلا حينئذ فيتوجه عليه ما يتوجه عنه انتهى. ولا يخفى في مستند الجلال أن ذاكر دليل الإجماع المحتج به مقيم لهذا الدليل ملتزم صحته.
ثم اعلم أن تصحيح النقل للإجماع هو أن يروى المجمع عليه عن أهل الإجماع بنقل عدل تام الضبط، مع اتصال الإسناد، وفقد العلة القادحة والشذوذ كما قيل في صحيح السنة، إذ يحصل في نقله ما يشرط في حسن السنة وإلا كان الفرق بينهما تحكما، فإنه بعد أن كانت السنة دليلا شرعيا، والإجماع دليلا شرعيا كيف يصح أن يقال في الإجماع: يقبل نقل دليل الإجماع عن أهله مرسلا كان أو منقطعا أو غير ذلك (١)!؟
وأما دليل السنة فيشترط فيه كذا وكذا، وبعد معرفة هذا يتبين لك ما في قول شيخنا
стр. 3851
بورك في عمله وعمره -: ولا بد من أن يقال: من أين لك أن هذا النقل غير صحيح، فإنه ليس على الناقل إلا مجرد تصحيح النقل وتمليك إبطال ما نقله بإيراد من قال بما يخالف ما نقله الناقل، فنقول مثلا: قد قال فلان من العلماء بأنه لا يحد قاذف الرجل [١ب]، فإنه أراد بما جعله علة لمطالبة الحاكم بعدم صحة النقل، أعني قوله: فإنه ليس على الناقل إلا مجرد تصحيح النقل على الطريقة التي قدمنا ذكرها، فلم يسلك ناقل الإجماع ذلك المسلك، فنقل الإجماع غير صحيح، وإن أراد تصحيح النقل على طريقة أخرى، فإن كانت ما تعرف بين أهل العلم في نقل الإجماع من قول العالم مثلا، وهذه المسألة مجمع عليها، فقد تقدم أن الإجماع شقيق السنة لا يقبل حتى يجمع شرائط القبول المذكورة في علم مصطلح الأثر، فإذ لم يجمعها لم يقبل، حتى إنه إذا قال عالم مثلا: هذا الحكم قد نقل إلينا عن رسول الله ﵌ لا يقبل، فكذا دليل الإجماع، فإن قول العالم مثلا: هذه المسألة مجمع عليها معناه أنه نقل إلينا عن جميع عدد علماء عصره أن الحكم في هذه المسألة كذا، وإن كانت غيرها؛ فماذا هي؟ ثم قوله - دامت إفادته - وعليك إبطال ما نقله الناقل. انتهى. فيه بحث هو أنه إذا قد صح نقل الإجماع فذكر واحد من العلماء أو جماعة مخالفين في ذلك الحكم لا يبطل الإجماع لجواز أن يكون من علماء عصر غير عصر الإجماع.
نعم إذا كان العالم المخالف من أهل عصر الإجماع (١)، وتبين أن تلك المقالة كانت مقارنة الزمان المدعى فيه الإجماع فهناك تعارض رواية الإجماع وهذه؛ لأن هذا القائل من أفراد المجموعين، فرواية الإجماع رواية عنه لمسألة الإجماع، أما لو كانت متقدمة عليه فلعله قد رجع عن الخلاف إلى الوفاق، ولا يبطل النقل الصحيح بالمحتمل.
ثم قوله - دامت إفادته -: أقول: تعليل مشروعية القذف بكونه لدفع النقيصة كما زعمه، إن كان النقل عن الشارع فما هو؟ وإن كان لمسلك من مسالك العلة المدونة في
стр. 3852
الأصول فكيف تقريره حتى يتكلم عليه! وإن كان لنقل عن أهل الجاهلية فلا ينفعه ولا يضرنا؛ لأن كلامنا في الحد الثابت في الشرع [٢أ]، لا فيما كان عليه أهل الجاهلية، فإنه لا شرع عندهم ولا حد، فليس مثل هذا الكلام .... إلخ.
فيه بحث هو أنه قد تبين فيما سبق أن الجلال قائم في مقام المنع؛ لأنه ناف لحكم الحد على قاذف الرجل، فكلامه على القياس ليس لإثباته حتى يقال: ما مسلك علم هذا القياس؟ إن كانت كذا كان كذا، وإن كانت كذا كان كذا.
فإن قلت: ما أراد الجلال حيث قال: أما القياس فلأن شرع جلد القذف إنما لدفع النقيصة التي كانت تلحق العرب من جهة زنى النساء، ولهذا كانوا يئدون البنات ... انتهى.
قلت: أراد دفع احتجاج المستدل بالقياس لأن العلة التي لهذا القياس قاصرة، وحاصله منع وجود العلة في الفروع، فعلى المستدل بيان وجودها في الفرع، بل عليه أن يبين أولا علة حكم الأصل بمسلك من المسالك (١)، ثم يبين وجودها في الفرع، فكان حق شيخنا - دامت إفادته - أن يثبت هذين الحكمين، أعني: ثبوت أن العلة كذا، وثبوت أنها موجودة في الفرع، لا مطالبة الجلال بمسلك العلة، نعم إبطال أن العلة ما ذكر الجلال مع بيان أن العلة غيرها، وإثبات تلك العلة المغايرة كما قدمنا ينفع، ولكنه لم يقع.
فالحاصل أن الجلال مانع لثبوت العلة في الفرع، مسندا ذلك المنع بأن العلة النقيصة المذكورة، فالقدح في إثبات أنها العلة، وكذا الكلام على قوله: وأما الرجال ... إلى آخره لا يفيد إثبات الحد على قاذف الرجل، فإن قيل الكلام على ذلك ينفي الفارق بين قاذف المرأة وقاذف الرجل، فيثبت الحكم لقاذف الرجل.
قلت: لا يصح ذلك؛ فإن النقيصة التي في شأن المرأة أشد وأثبت؛ فإنها جبلية يثبتها
стр. 3853
المسلم والكافر، والمؤمن والفاسق [٢ب]، بخلاف النقيصة في شأن الرجل، هذا بعد تسليم اندفاع ما ذكر الجلال، والفرق أيضًا بين النقيصتين ضروري، فإن الرجل يجد من نفسه عند أن تزني ابنته ما لا يجده عند أن يزني ولده، وهذا أمر عام فعرفت عن هذا ما في قول شيخنا - دامت إفادته - أقول: قد عرفت أنه لم يأت بشيء يصلح للفرق ... إلخ.
نعم. وقول الجلال (١) ﵀: وأما الرجال فلم يكونوا يرون به بأسا بل وربما كانوا يشببون أشعارهم به فخرا كما قال رئيسهم امرؤ القيس (٢):
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول
انتهى كلام اتصل بالمسألة فذكر لإفادة معناه، فإنه علل حد القذف بالنقيصة اللاحقة للعرب من جهة زنا النساء استشعر سؤالا عن حال زنى الرجال، هل فيه عندهم النقيصة التي تلحق بزنى المرأة؟ فأجابه بقوله: وأما الرجال ... إلخ.
ولا يريد إلا أهل الجاهلية، فدل على ذلك قوله: هل كانوا يشببون (٣) .... إلخ. فإن أهل الإسلام ليسوا بتلك المثابة. وأما ما وقع من معاوية فلأن زنى أبي سفيان وقع في الجاهلية، فلا يؤخذ منه أن الجلال يريد أن ذلك الأمر كان في الإسلام.
وإذا عرفت أن ما ذكر الجلال ليس للاحتجاج به، بل لإفادة معناه فلا يقال عليه: فما لنا ولهم فقد كانوا ... إلخ.
فإنا لو سوغنا أن هذا الكلام قادح فيما نقل الجلال لسددنا باب رواية أخبار العرب ووقائعها وأشعارها، ولقيل لمن أتى بشيء من ذلك: فما لنا وللعرب! فقد كان لهم أخبار ووقائع وأشعار.
قال شيخنا - دامت إفادته -: وهذا قياس لا مطعن فيه، ولا يرد على شيء من
стр. 3854
الاعتراضات المعتبرة عند أهل الأصول. انتهى.
أقول: لم يبين - دامت إفادته - ما علة هذا القياس، وهي أحد أركانه الأربعة، وأن كثيرا من الاعتراضات [٣أ] الأصولية تتعلق بالعلة، فمتى أبينت علة القياس بالمسلك الأصولي، ورد على المسلك ما يرد إن شاء الله (١).
قال شيخنا - دامت إفادته -: وقد عمل عليه في إثبات الحد على قاذف الرجل المسلمون أجمعون. انتهى.
أقول: هذا دعوى للإجماع وقد تقدم أول هذا البحث ما يقيد عدم حجيته لمقام أن صغرى القياس المنطقي الذي يتخلل إليه الاستدلال بالإجماع فممنوعة.
قال شيخنا - دامت إفادته - أقول: إن كان الاعتبار في مثل هذه الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالفاحشة عامة، والذين آمنوا عام، ومقتضى ذلك أن من أحب أن تشيع أي فاحشة في أي مؤمن فهو كما قال الله - سبحانه - من غير فرق بين فاحشة وغيرها. انتهى.
أقول: الآية المشار إليها هي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، والفاحشة في القاموس (٣): الفاحشة الزنى وما يشتد قبحه من الذنوب، كل ما نهى الله عنه.
إذا عرفت هذا فمن احتج بهذه الآية على أنه يحد قاذف الرجل فقد غلط من وجوه:
لأن المحكوم في هذه الآية ليس حد القذف، ولا المحكوم عليه القاذف، بل المحكوم به أعم
стр. 3855
من حد القذف، وثبوت الأعم لا يلزم ثبوت الأخص، والمحكوم عليه أيضًا أعم من القاذف من وجه، وأخص من وجه؛ لأنه يجوز أن يرمي الرجل الرجل بالزنى ولا يحب أن تشيع تلك الفاحشة، وأن يوجبه مع المحبة لذلك، وأن لا يوجبه مع محبة أن تشيع الفاحشة، وثبوت الحكم لأحد من بينهما تلك النسبة [٣ب] لا يلزم ثبوته للآخر، مثلا إذا ثبت حكم حد القذف للمحب أن تشيع الفاحشة لا يستلزم ثبوته للقاذف ثبوتا كليا.
إذا تقرر هذا فتوهيم الجلال لمن احتج بالآية صحيح.
وأما قوله في دفع الاحتجاج بالآية بقوله: لأن شيوعها فيهم عبارة عن لحوق عارها لهم، وعار زنى المرأة لاحق لرجالها ضرورة عرفية. انتهى.
فبعد صحة دعواه وهي عدم صحة الاحتجاج بالآية على حد قاذف الرجل لا يورث الكلام من شيخنا - دامت إفادته - على هذه الجملة من الكلام ما يحصل ثبوت الحد على قاذف الرجل، نعم في كلام الجلال في شيء.
قال شيخنا - دامت إفادته -: القصة متواترة لم يخالف في صحتها وتواترها أحد من أهل الشرع، وهي في غالب كتب السير (١) والتاريخ (٢)، فما معنى الرد بقوله مظلمة؟ انتهى.
أقول: الجلال لا ينكر شمول دواوين الإسلام لتلك القصة، وإنما قدح في صحة نقلها بما اشتملت عليه من إفهام عمر لزياد رغبة في ستر المغيرة، وأن هذا وجه للحكم على تلك القصة بالإظلام، وأن الأمر كما قال شيخنا - دامت إفادته - فصان الله عمر أن يوهم شاهدا في حد من حدود الله بما يثنيه عن الشهادة!.
وأما قوله - دامت إفادته - وهل يجترئ على مثل عمر بن الخطاب مثل هذا الكلام منصف؟. انتهى.
فكلام قويم، غير أن الجلال لم يرم عمر بذلك، بل أراد تنزيهه كما قدمنا،