بورك في عمله وعمره -: ولا بد من أن يقال: من أين لك أن هذا النقل غير صحيح، فإنه ليس على الناقل إلا مجرد تصحيح النقل وتمليك إبطال ما نقله بإيراد من قال بما يخالف ما نقله الناقل، فنقول مثلا: قد قال فلان من العلماء بأنه لا يحد قاذف الرجل [١ب]، فإنه أراد بما جعله علة لمطالبة الحاكم بعدم صحة النقل، أعني قوله: فإنه ليس على الناقل إلا مجرد تصحيح النقل على الطريقة التي قدمنا ذكرها، فلم يسلك ناقل الإجماع ذلك المسلك، فنقل الإجماع غير صحيح، وإن أراد تصحيح النقل على طريقة أخرى، فإن كانت ما تعرف بين أهل العلم في نقل الإجماع من قول العالم مثلا، وهذه المسألة مجمع عليها، فقد تقدم أن الإجماع شقيق السنة لا يقبل حتى يجمع شرائط القبول المذكورة في علم مصطلح الأثر، فإذ لم يجمعها لم يقبل، حتى إنه إذا قال عالم مثلا: هذا الحكم قد نقل إلينا عن رسول الله ﵌ لا يقبل، فكذا دليل الإجماع، فإن قول العالم مثلا: هذه المسألة مجمع عليها معناه أنه نقل إلينا عن جميع عدد علماء عصره أن الحكم في هذه المسألة كذا، وإن كانت غيرها؛ فماذا هي؟ ثم قوله - دامت إفادته - وعليك إبطال ما نقله الناقل. انتهى. فيه بحث هو أنه إذا قد صح نقل الإجماع فذكر واحد من العلماء أو جماعة مخالفين في ذلك الحكم لا يبطل الإجماع لجواز أن يكون من علماء عصر غير عصر الإجماع.
نعم إذا كان العالم المخالف من أهل عصر الإجماع (١)، وتبين أن تلك المقالة كانت مقارنة الزمان المدعى فيه الإجماع فهناك تعارض رواية الإجماع وهذه؛ لأن هذا القائل من أفراد المجموعين، فرواية الإجماع رواية عنه لمسألة الإجماع، أما لو كانت متقدمة عليه فلعله قد رجع عن الخلاف إلى الوفاق، ولا يبطل النقل الصحيح بالمحتمل.
ثم قوله - دامت إفادته -: أقول: تعليل مشروعية القذف بكونه لدفع النقيصة كما زعمه، إن كان النقل عن الشارع فما هو؟ وإن كان لمسلك من مسالك العلة المدونة في
стр. 3852
الأصول فكيف تقريره حتى يتكلم عليه! وإن كان لنقل عن أهل الجاهلية فلا ينفعه ولا يضرنا؛ لأن كلامنا في الحد الثابت في الشرع [٢أ]، لا فيما كان عليه أهل الجاهلية، فإنه لا شرع عندهم ولا حد، فليس مثل هذا الكلام .... إلخ.
فيه بحث هو أنه قد تبين فيما سبق أن الجلال قائم في مقام المنع؛ لأنه ناف لحكم الحد على قاذف الرجل، فكلامه على القياس ليس لإثباته حتى يقال: ما مسلك علم هذا القياس؟ إن كانت كذا كان كذا، وإن كانت كذا كان كذا.
فإن قلت: ما أراد الجلال حيث قال: أما القياس فلأن شرع جلد القذف إنما لدفع النقيصة التي كانت تلحق العرب من جهة زنى النساء، ولهذا كانوا يئدون البنات ... انتهى.
قلت: أراد دفع احتجاج المستدل بالقياس لأن العلة التي لهذا القياس قاصرة، وحاصله منع وجود العلة في الفروع، فعلى المستدل بيان وجودها في الفرع، بل عليه أن يبين أولا علة حكم الأصل بمسلك من المسالك (١)، ثم يبين وجودها في الفرع، فكان حق شيخنا - دامت إفادته - أن يثبت هذين الحكمين، أعني: ثبوت أن العلة كذا، وثبوت أنها موجودة في الفرع، لا مطالبة الجلال بمسلك العلة، نعم إبطال أن العلة ما ذكر الجلال مع بيان أن العلة غيرها، وإثبات تلك العلة المغايرة كما قدمنا ينفع، ولكنه لم يقع.
فالحاصل أن الجلال مانع لثبوت العلة في الفرع، مسندا ذلك المنع بأن العلة النقيصة المذكورة، فالقدح في إثبات أنها العلة، وكذا الكلام على قوله: وأما الرجال ... إلى آخره لا يفيد إثبات الحد على قاذف الرجل، فإن قيل الكلام على ذلك ينفي الفارق بين قاذف المرأة وقاذف الرجل، فيثبت الحكم لقاذف الرجل.
قلت: لا يصح ذلك؛ فإن النقيصة التي في شأن المرأة أشد وأثبت؛ فإنها جبلية يثبتها
стр. 3853
المسلم والكافر، والمؤمن والفاسق [٢ب]، بخلاف النقيصة في شأن الرجل، هذا بعد تسليم اندفاع ما ذكر الجلال، والفرق أيضًا بين النقيصتين ضروري، فإن الرجل يجد من نفسه عند أن تزني ابنته ما لا يجده عند أن يزني ولده، وهذا أمر عام فعرفت عن هذا ما في قول شيخنا - دامت إفادته - أقول: قد عرفت أنه لم يأت بشيء يصلح للفرق ... إلخ.
نعم. وقول الجلال (١) ﵀: وأما الرجال فلم يكونوا يرون به بأسا بل وربما كانوا يشببون أشعارهم به فخرا كما قال رئيسهم امرؤ القيس (٢):
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول
انتهى كلام اتصل بالمسألة فذكر لإفادة معناه، فإنه علل حد القذف بالنقيصة اللاحقة للعرب من جهة زنا النساء استشعر سؤالا عن حال زنى الرجال، هل فيه عندهم النقيصة التي تلحق بزنى المرأة؟ فأجابه بقوله: وأما الرجال ... إلخ.
ولا يريد إلا أهل الجاهلية، فدل على ذلك قوله: هل كانوا يشببون (٣) .... إلخ. فإن أهل الإسلام ليسوا بتلك المثابة. وأما ما وقع من معاوية فلأن زنى أبي سفيان وقع في الجاهلية، فلا يؤخذ منه أن الجلال يريد أن ذلك الأمر كان في الإسلام.
وإذا عرفت أن ما ذكر الجلال ليس للاحتجاج به، بل لإفادة معناه فلا يقال عليه: فما لنا ولهم فقد كانوا ... إلخ.
فإنا لو سوغنا أن هذا الكلام قادح فيما نقل الجلال لسددنا باب رواية أخبار العرب ووقائعها وأشعارها، ولقيل لمن أتى بشيء من ذلك: فما لنا وللعرب! فقد كان لهم أخبار ووقائع وأشعار.
قال شيخنا - دامت إفادته -: وهذا قياس لا مطعن فيه، ولا يرد على شيء من
стр. 3854
الاعتراضات المعتبرة عند أهل الأصول. انتهى.
أقول: لم يبين - دامت إفادته - ما علة هذا القياس، وهي أحد أركانه الأربعة، وأن كثيرا من الاعتراضات [٣أ] الأصولية تتعلق بالعلة، فمتى أبينت علة القياس بالمسلك الأصولي، ورد على المسلك ما يرد إن شاء الله (١).
قال شيخنا - دامت إفادته -: وقد عمل عليه في إثبات الحد على قاذف الرجل المسلمون أجمعون. انتهى.
أقول: هذا دعوى للإجماع وقد تقدم أول هذا البحث ما يقيد عدم حجيته لمقام أن صغرى القياس المنطقي الذي يتخلل إليه الاستدلال بالإجماع فممنوعة.
قال شيخنا - دامت إفادته - أقول: إن كان الاعتبار في مثل هذه الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالفاحشة عامة، والذين آمنوا عام، ومقتضى ذلك أن من أحب أن تشيع أي فاحشة في أي مؤمن فهو كما قال الله - سبحانه - من غير فرق بين فاحشة وغيرها. انتهى.
أقول: الآية المشار إليها هي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، والفاحشة في القاموس (٣): الفاحشة الزنى وما يشتد قبحه من الذنوب، كل ما نهى الله عنه.
إذا عرفت هذا فمن احتج بهذه الآية على أنه يحد قاذف الرجل فقد غلط من وجوه:
لأن المحكوم في هذه الآية ليس حد القذف، ولا المحكوم عليه القاذف، بل المحكوم به أعم
стр. 3855
من حد القذف، وثبوت الأعم لا يلزم ثبوت الأخص، والمحكوم عليه أيضًا أعم من القاذف من وجه، وأخص من وجه؛ لأنه يجوز أن يرمي الرجل الرجل بالزنى ولا يحب أن تشيع تلك الفاحشة، وأن يوجبه مع المحبة لذلك، وأن لا يوجبه مع محبة أن تشيع الفاحشة، وثبوت الحكم لأحد من بينهما تلك النسبة [٣ب] لا يلزم ثبوته للآخر، مثلا إذا ثبت حكم حد القذف للمحب أن تشيع الفاحشة لا يستلزم ثبوته للقاذف ثبوتا كليا.
إذا تقرر هذا فتوهيم الجلال لمن احتج بالآية صحيح.
وأما قوله في دفع الاحتجاج بالآية بقوله: لأن شيوعها فيهم عبارة عن لحوق عارها لهم، وعار زنى المرأة لاحق لرجالها ضرورة عرفية. انتهى.
فبعد صحة دعواه وهي عدم صحة الاحتجاج بالآية على حد قاذف الرجل لا يورث الكلام من شيخنا - دامت إفادته - على هذه الجملة من الكلام ما يحصل ثبوت الحد على قاذف الرجل، نعم في كلام الجلال في شيء.
قال شيخنا - دامت إفادته -: القصة متواترة لم يخالف في صحتها وتواترها أحد من أهل الشرع، وهي في غالب كتب السير (١) والتاريخ (٢)، فما معنى الرد بقوله مظلمة؟ انتهى.
أقول: الجلال لا ينكر شمول دواوين الإسلام لتلك القصة، وإنما قدح في صحة نقلها بما اشتملت عليه من إفهام عمر لزياد رغبة في ستر المغيرة، وأن هذا وجه للحكم على تلك القصة بالإظلام، وأن الأمر كما قال شيخنا - دامت إفادته - فصان الله عمر أن يوهم شاهدا في حد من حدود الله بما يثنيه عن الشهادة!.
وأما قوله - دامت إفادته - وهل يجترئ على مثل عمر بن الخطاب مثل هذا الكلام منصف؟. انتهى.
فكلام قويم، غير أن الجلال لم يرم عمر بذلك، بل أراد تنزيهه كما قدمنا،
стр. 3856
وليس ذلك كلام منه، بل ثبت في الرواية في تلخيص الحافظ ابن حجر ما لفظه: قوله: إن عمر عرض لزياد بالتوقف في الشهادة على [٤أ] المغيرة. قال: أرى وجه رجل لا يفضح رجلا من أصحاب رسول الله ﵌ روى ذلك في هذه القصة من طرق بمعناه، من رواية البلاذري عن وهب بن بقية، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، ثم ذكر بقية الروايات.
فإن قلت: القصة متواترة فلا يقدح في صحتها ما ذكر كما قال - دامت إفادته -.
قلت: إن أريد بالقصة ما ذكر الجلال ففيها إفهام عمر ﵁ لزياد، وقد نزه شيخنا عمر عن ذلك، فيعود ذلك التنزيه بالإبطال، وإن أريد أصل القصة من دون ذكر الإفهام فيها ففيه أن هذا نقل محتاج إلى تصحيح، بأن يخرج تلك القصة من طرق على الشرط المعتبر في الأصول، ولا يكفي وجودها في غالب كتب السير والتاريخ في أنها متواترة بل لا يكفي وجودها في دواوين الإسلام الصحاح وغيرها في ذلك.
نعم. وجودها في صحاح الدواوين يستلزم الصحة فقط، وأما في غيرها فلا.
نعم. قد خرج هذه القصة (١) الحاكم في المستدرك، والبيهقي، وأبو نعيم في المعرفة، وأبو موسى في الذيل من طرق، وعلق البخاري طرفا، كذا في التلخيص، وهذه الكتب ليست مما يكفي العزو إليها في الحكم على الحديث بالصحة، فالحكم بصحة القصة يحتاج إلى نقل الأسانيد والنظر فيها.
وأما قول شيخنا - دامت إفادته -: إنه لم يخالف في صحتها وتواترها أحد. فإنه أراد أنه لم يصدر عن أحد نفي التواتر والصحة مع القول بالصحة والتواتر فهو عائد إلى الإجماع، وقد عرفت ما فيه، وإن أراد أنه لم يجد قائلا بأنها ليست متواترة، أو ليست بصحيحة من غير نظر إلى أنه يقول بالتواتر أو الصحة أولا، فتسليمه لا ينفعه ولا يضر الجلال [٤ب].
стр. 3857
وأما قول الجلال ﵀: حتى روي أن عليا قال: إن حددتهم فارجم المغيرة (١). وفي رواية: فأعط صاحبك حجارة. ولا وجه لترتيب الرجم على حد
стр. 3858
الثلاثة. انتهى.
فنذكره تأييدا لإظلام القصة، فإنها قد كانت مظلمة لما استلزمه من القدح في صحابي جليل، أعني عمر ﵁، وزادت إظلاما بأنه روي فيها هذا الكلام الذي لا يحصل معنى يقصده عاقل، فضلا عن من روي عنه.
وأما قول شيخنا - دامت إفادته -: إن عليا إنما قال هذه المقالة عند أن أراد عمر أن يجلد أبا بكرة لما قال بعد جلده قولا يدل على رمي المغيرة، فقال له: إن جلدته يعني يعين جلدا ثانيا فارجم المغيرة (١)، لأن هذا القذف الواقع بعد الجلد إن كان موجبا لتكرير الجلد فالقاذف بمنزلة من له شاهد رابع، ففيه أن المقالة لا تناسبه لأنها كما قال الجلال: إن حددتهم فارجم المغيرة، وفي كلام شيخنا - دامت إفادته - أن الذي رتب عليه الرجم للمغيرة إنما هو حد أبي بكرة وكان المقام أن يطالب الجلال تصحيح النقل، أو يبين فساده بما علم أنه قادح في صحة النقل، وفيه أيضًا أن ترتيب حد المغيرة على حد أبي
стр. 3859
بكرة لا يصح، لأنه إذا كان أبو بكرة شاهدا رابعا فليس عليه حد لكمال نصاب الشهادة، وإن لم يكن شاهدا رابعا فهو قاذف فحد المغيرة يترتب على صحة كون كلام أبي بكرة الأخير شهادة شاهد رابع، وكونه شهادة شاهد رابع يترتب على عدم حد أبي بكرة، فحد المغيرة مترتب على عدم حد أبي بكرة فكان مقتضى الحال أن يقال: لا تحد أبا بكرة بل حد المغيرة، لأنه قد كمل نصاب الشهادة [٥أ]، أو إن لم تحد أبي بكرة فحد المغيرة؛ لأنه إذا لم يحد فهو شاهد رابع.
قال شيخنا - دامت إفادته -: أقول: لا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر، ويعرف ما عظمه الله ورسوله من حق الصحابة أن يقول بمثل هذه المقالة، أو يظن بالصحابة ﵃ أنهم كانوا يكتمون ما عندهم من العلم هيبة لعمر أو غيره، فقد كانوا يراجعونه، ويدفعون كثيرا من أقواله. انتهى.
أقول: المقالة المشار إليها هي قول الجلال بعد تسليم أن عليا لم يخالف في قصة المغيرة فغايته إجماع سكوتي (١)، ولا ينتهض السكوتي حجة (٢) لأن عمر كان مهيبا منفذا لرأيه
стр. 3860
ولو من الغريب الملغى، ومن شرط الإجماع السكوتي أن لا يكون لمانع من الإنكار كما علم من الأصول. انتهى.
وعدم حل هذه المقالة إن كان لنسبته الهيبة وإنفاذ الرأي إلى عمر فليس مما يتأثر عنه عدم الحل على أن الهيبة قد كانت مشهورة عنه، معروفا بها، حتى قيل: درة عمر أهيب من سيف الحجاج، وبلغ من هيبته أن الناس تركوا الجلوس في الأفنية، وكان الصبيان إذا رأوه وهم يلعبون فروا، ومع هذا أنه لم يكن جبارا ولا متكبرا، وأما إنفاذ الرأي إذا لم يخالف كتابا ولا سنة كما هو الشأن في هذه المسألة، فالظاهر أنه ينفذه وإلا عاد إلى رأي غيره، واتبع الغير فكان مقلدا، وحاشاه أن يكون كذلك.
وقد أخرج ابن أبي شيبة (١) من طريق زاذان قال: كنا جلوسا عند علي فسئل عن الخيار؟ فقال سألني عنه عمر فقلت: إن اختارت نفسها فواحدة رجعية، قال: ليس كما قلت، إن اختارت نفسها فواحدة بائن، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية.
قال: فلم أجد بدا من متابعته، فلما وليت رجعت إلى ما كنت أعرف.
وإن كان عدم الحل [٥ب] لأنه قد نسب إلى الصحابة السكوت.
فأقول: السكوت على ضربين:
أحدهما: أن يقع منهم مع أن عمر قضى بما يخالف الكتاب والسنة وهذا لا يريده الجلال، ولا ينسب مثل الجلال مثله إلى مثلهم.
وثانيهما: أن يقع مع عدم المخالفة، وذلك يقع مع المرافقة بأن يكون الدليل من الكتاب أو السنة موافقا، أو مع عدم الدليل فيهما عليه، والمسألة عند ذلك من فوائد
стр. 3861
الاجتهاد والرأي، وهذا هو مراد الجلال، ولذا قال: كان منفذا لرأيه، والرأي إنما يكون عند فقد الدليل من الكتاب والسنة، وأيضا المسألة التي الكلام فيها دليل من الكتاب والسنة إلا في قاذف المحصنة، ولذا نجى من الدعاء أن على قاذف الرجل الحد إلى الاستدلال بقصة المغيرة، وقد علمت بطلان دليل الإجماع السابق (١) ثم بطلان القياس السابق (٢) ثم بطلان ما يخيل أنه إجماع من قصة المغيرة.
وبالجملة: فالإجماع السكوتي الذي يدعى لا يصح في مسائل الاجتهاد، لأن الساكت ربما [ ..... ] (٣) وأن هذا شأن من رسخ في العلم.
وأما قول شيخنا - دامت إفادته -: وإذا تقرر لك ما قدمناه علمت أنه قد دل على إثبات الجلد على الرجل القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٤) الآية، ففيه أن أتبع الدلالة الإرادة، فإنه لما أراد ذلك من الآية قال: إنها دلت (٥) وليست بدالة، فكان حقه أن يقيم دليلا على أن الصيغة شاملة لأن الجلال في مقام المنع، على أن الجلال قد أسند المنع بما نقله عن أئمة الأصول من أن جمع المؤنث لا يطلق على جمع المذكر تغليبا (٦) ولا غيره [٦أ].
وأما قوله - دامت إفادته -: وإنما خص .... إلخ.
فلا يدل على أن مراده غير ما دلت الصيغة حقيقة لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام.
وأما قوله: ثم لو سلمنا اختصاص هذه الصيغة بالنساء، ولهذا لا وجه للتغليب لكان
стр. 3862
هذا القياس الصحيح السالم عن المطاعن والاعتراض، الجامع للأركان دليلا كافيا، ثم إجماع الأمة سلفها وخلفها في كل عصر بعد إجماع الصحابة ففيه ما قد أسلفنا من عدم بيان علة القياس، وما مسلكها، ومن عدم صحة نقل الإجماع فليراجع.
قال شيخنا - دامت إفادته -: ووقوع ذلك من الخلفاء الراشدين الذين هم من أهل الشرع، ومن أهل اللغة فإن كان المبحث لغويا فهم من أهل اللغة، وإن كان شرعيا فهم من أهل الشرع، فعلى كل حال هم أعرف بمقاصد القرآن، ومعاني الشريعة وقد قال فيهم النبي ﵌ فيما أخرجه أهل السنن (١) وغيرهم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، فإن هذا [التوجيه] (٢) النبوي مشعر بصلاحية ما وقع في الخلفاء الراشدين للحجية على فرض عدم وجود ما يدل عليه في الشريعة، لا إذا وقع مخالفا لما هو ثابت فيها، ثم قد ثبت عند أحمد وأبي داود وغيرهما في قصة الملاعنة: أن من رماها أو رمى ولدها فعليه الحد (٣). ورمي الولد هاهنا مطلق لم يقيد بكون الرمي له هو أو الرمي لأمه، ثم قد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم ﵌ يقول: " من قذف مملوكه يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال " (٤) فهذا فيه التصريح بثبوت حد السيد إذا قذف مملوكه، وإنما كان مؤخرا إلى يوم القيامة لأنه لا يثبت العبد ذلك في الدنيا فهو يدل أبلغ دلالة ويفيد أعظم فائدة أن قاذف الرجل الحر يثبت عليه الحد في الدنيا. انتهى [٦ ب].
أقول: أما الاحتجاج بوقوع ذلك من الخلفاء الراشدين ... إلخ.
فيقال عليه: من ذا المراد من الخلفاء الراشدين، هل جميعهم؟ فيمنع الوقوع فإن منهم من لم يقع منه حد من بعضهم فيقال: إن كان غير معين فممنوع الحجية، وما قيل
стр. 3863
في إثباتها من قوله ﵌: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين (١) لا يفيد المدعى؛ لأن ظاهر صيغة الخلفاء الاستغراق.
على أنا لو جعلنا اللام للعهد الذهني لكان المأمور به لزوم سنة خلفاء غير معينين، فيكون من تكليف ما لا يطاق، وإن كان ذلك البعض معينا فإن كان الأربعة فقد ادعى بعض العلماء أن إجماعهم حجة، واحتجوا بالحديث المتقدم، وقد صححه الحاكم (٢)، وقال على شرط الشيخين، وأجيب عنهم بأن صيغة الخلفاء لا تخصهم باعتبار الوضع، ولا قرينة ترشد إلى أنهم المراد منها.
ومما يؤنس ببطلان هذه الدعوى وقوع الخلاف من أعلام الصحابة كابن عباس، وابن مسعود للأربعة، ولم ينكر عليهم، على أنا لو سلمنا أنهم المراد من الصيغة كان الدليل دافعا للمدعى؛ لأن سنة الخلفاء عدم الأخذ بأقوال الرجال، والمدعي وجوب الأخذ بقول هؤلاء الأربعة وإن كان العمرين ففيه نحو ما تقدم، وقد ذهب قوم (٣) إلى أن إجماعهما
стр. 3864
حجة، واحتجوا بحديث: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر. رواه أحمد (١)، والترمذي (٢)، وحسنه، والحاكم (٣)، وابن حبان في صحيحه (٤)، وأجيب عنهم بأن الأمر مطلق فلا يفيد اتباعهم في كل واقعة، وبأن الحديث ظني والمسألة من الأصول، وبأنه يحتمل أن المراد بالاقتداء (٥) الإتيان بمثل ما هم عليه من اتباع الأوامر والنواهي، وعدم العمل بالرأي إلا عند فقد الدليل، ومع الاحتمال لا تبقى حجة مع أن هذا الاحتمال هو الراجح لسلامته من ما يرد على الأول، وبأن الحديث غير صحيح (٦) لأن في إسناده عبد الملك بن عمير (٧) وقد قال أحمد (٨) ضعيف يغلط، وقال ابن معين (٩):
стр. 3865
مخلط [٧أ]، وإن كان غيرهما فمن ذا هو؟
وأما قوله - دامت إفادته -: الذين هم من أهل الشرع واللغة. انتهى.
ففيه أن كون المجتهد الحاكم بحكم من أهل الشرع واللغة لا يستلزم حجية ما حكم به، وذهب إليه، وأما الثابت في قصة الملاعنة فالسياق يدل على القيد، وقد ثبت من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد (١)، ولم يتكلم عليه الحافظ في التلخيص (٢) مع الإشارة إليه، ووثق رجاله صاحب مجمع الزوائد (٣) إلا محمد بن إسحاق فإنه رماه بالتدليس " قضى رسول الله ﵌ في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه، ومن رماها به جلد ثمانين، ومن دعاه ولد زنا جلد ثمانين ".
وأما ثبوت الحد على قاذف (٤) المملوك يوم القيامة فقاذف الحر أولى منه، فيدل بفحوى الخطاب أنه ثبت على قاذف الحر حد في الدنيا فليس في منطوق الحديث ذلك، ولا في مفهومه. انتهى المراد. كتبه يوم السبت خامس عشر شهر رمضان سنة ١٢٢٠. بقلم مؤلفه الفقير إلى عفو الله حسين بن محمد بن عبد الله العنسي - غفر الله له ولوالديه - آمين [٧ب].
стр. 3866
هذا ما تعقب به شيخنا العلامة بدر الإسلام محمد بن علي الشوكاني
على الأخ العلامة الحسين بن محمد العنسي عافاه الله تعالى لما حرره على بحث الجلال في حد قاذف الرجل
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3867
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: هذا ما تعقب به شيخنا العلامة بدر الإسلام محمد بن علي الشوكاني على الأخ العلامة الحسين بن محمد العنسي عافاه الله تعالى لما حرره على بحث الجلال في حد قاذف الرجل.
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين وبعد.
فأوقفنا على ما كتبه تلميذنا الولد القاضي العلامة شرف الإسلام الحسين بن محمد لا برح مجده في كل وقت ...
٤ - آخر الرسالة: وإلى هنا انتهى شوط القلم، والحمد لله، وأستغفر الله إن كان في هذه المباحثة شيء من الجدل المنهي عنه ولا نشعر به.
٥ - نوع الخط: خط نسخي رديء.
٦ - عدد الصفحات: ١٢ صفحة.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٤ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١١ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3868
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين، وبعد:
فأوقفنا على ما كتبه تلميذنا الولد القاضي العلامة، شرف الإسلام الحسين بن محمد (١) - لا برح مجده في كل وقت يتجدد - على ما كتبناه على بحث الجلال في شرحه على الأزهار (٢)، المتعلق بعدم وجوب حد القذف على قاذف الرجل.
فقال - كثر الله فوائده -: فكيف يحمل الشيء - وهو عام - على بعض أفراده؟
أقول: إن أراد بهذا العموم المعروف بالشمولي (٣) فليس بصحيح؛ إذ لا شمول لقول الجلال: وفي نفسي منه شيء، ولو فرضنا أنه جاء بعبارة تفيد العموم الشمولي لكان قد أخبر عن نفسه بأنه قد كان فيها كل شيء، فيستلزم وجود جميع الموجودات من الجواهر، والأعراض في نفسه، هذا على فرض اختصاص الشيء بالموجود، وهذا باطل للضرورة، وكذا ملزومه، وإن أراد العموم البدلي (٤) فكيف يستنكر حمله على بعض أفراده، وهو لا يكون إلا لفرد من أفراده، كما هو شأن كل بدلي، فإنه للفرد المنتشر، وإذا لم يكن ما أوردناه معينا لما ذكرناه فأقل الأحوال أنه أحد ما يصدق عليه ويتناوله بدلا، على أن هذه العبارة لا تستعمل في مثل المقام الذي تكلمنا عليه إلا بما ذكرنا.
وأما قوله: قلت: يمكن أن يكون المراد منه عدم الحجية.
فأقول: فيكون على هذا المعنى كلام الجلال: وفي نفسي منه عدم الحجية، وهو أيضًا لا يناسب قوله: لأن نقل الإجماع لا يصح، فإن عدم صحة النقل تنفي الدليل بالمرة
стр. 3869
لا مجرد عدم حجيته، فإن الاقتصار على نفي الحجية إنما يكون بعد إثبات أصل ما زعمه الخصم دليلا، ثم بعد هذا كله نسأل تلميذنا - كثر الله فوائده - بم يفسر قولي هكذا في نفسي من كون هذا البحث من كلام تلميذنا شيء؟ هل بمجرد الشك؟ أم بزيادة عليه؟ فقد يكون الواقع في النفس تجد شيئا منتهيا إلى ما هو قريب العلم، كما روي أن كثير [١أ] كان يهاجي المرئي (١)، فبعث إليه بقصيدة قد أعانه جرير بثلاث أبيات فيها هي:
يعد الناسبون إلى تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا
يعدون الرباب وآل سعد ... وعمرا ثم حنظلة الخيارا
ويذهب بينها المرئي لغوا ... كما ألغيت في الدية الخوارا
فلما وصل رواية كثير عند إنشاده القصيدة إلى هذه الثلاثة الأبيات قام المرئي (٢) يصرخ ويلطم وجهه، ويقول: ما لي ولجرير! فقالوا له: سمنت عينك، وأين منك جرير؟ هذا شعر كثير، وهذه روايته؟ فقال: هيهات، والله لا يقول كثير هذا.
стр. 3870
وروي أن الفرزدق مر على كثير وهو ينشد هذه القصيدة بمربد البصرة، فسمعه حتى بلغ هذه الثلاثة الأبيات فقال له: أنت تقول هذا يا كثير؟ قال: نعم، قال: لم تقله! إنما قاله من هو أشد لحيين منك، هذا شعر ابن المراعة (١)، ويشبه هذا دخول راويته مسلم بن الوليد على بعض الأمراء بقصيدة أرسله بها إليه، فأراد أن ينتحلها، وأخبر الأمير أنها له، فأمره بإنشادها فقال:
لا تدع بي الشوق إني غير معمود ... نهى النهى عن هوى البيض الرعاديد (٢)
وكان الأمير متكئا فاستوى جالسا وقال: إني لأجد ريح مسلم بن الوليد. ونحو هذا، وإن كان دخيلا في المقام يعده غيرهن كلامنا حشوا ففيه فائدة.
قال: كلام الجلال سند للمنع، وكل ما كان سندا للمنع لا يفيد الكلام عليه، ثم قال: وكبرى هذا الشكل مقررة في علم المناظرة (٣).
أقول: لم يتقرر في علم المناظرة كلية هذه الكبرى، فإنه لم يقل أحد منهم أنه لا يقل كل كلام على السند أو ولا يفيد، بل قالوا إنه لا يحسن البحث على السند إذا كان غير متساو، وأما إذا كان متساويا فهو من مباحث علم المناظرة، وقد جعلوا [١ب] مباحث هذا الفن في مطولات كتبهم تسعة أبواب، وجعلوا بحث الكلام على السند الخامس منها فليراجعه تلميذنا - كثر الله فوائده - حتى يتقرر لديه ما يقبل من الكلام عليه وما لا يقبل، بل هذا البحث موجود في المختصرات، فإنه قال العضد في آداب البحث (٤): ولا يدفع
стр. 3871
السند إلا إذا كان متساويا، وتكلم السامع بما هو معروف من التقسيم، فكيف قال تلميذنا - عافاه الله -: إن كبرى هذا الشكل مقررة في علم المناظرة! وقد علم أن أهل علم المنطق متفقون على اشتراط كلية الكبرى! وقد بطلت كليتها هاهنا باتفاق أهل العلم الذي نسب تقرير ذلك إليهم.
فإن قلت: قد أوضحت بطلان ما ذكره من صحة ذلك الشكل فأين لي كون هذا السند الذي وقع الكلام عليه على دعواه مساويا للمنع.
قلت: المنع متوجه إلى الإجماع الذي نقله المستدل، فالمانع طلب الدليل على مقدمة دليل الإجماع، فإذا كان قوله: لأن نقل الإجماع لا يصح سندا للمنع فإبطاله لا يكون إلا بإثبات الصحة، فكان الكلام الواقع على ذلك الزاعم كلاما على السند المساوي، ولو سلم أنه أعم لم يكن عمومه مانعا للكلام عليه، فإنه قد جوزوا الكلام على السند الأعم في ما لم يذكروه؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن مجامعا للمقدمة الممنوعة تحقيقا لمعنى العموم، والكلام معروف في كتب الفن، هذا على فرض صحة ما ذكره تلميذنا - عافاه الله - من كون ذلك الكلام منا كلاما على السند، وأما عند التحقيق فليس ذلك الكلام الذي تكلمنا عليه من الباب الذي ظنه تلميذنا - كثر الله فوائده - فإن الجلال (١) قال في عنوان تحته هكذا: وأما جلد قاذف المحصن فلا تنتهض عليه الآية؛ لأن جمع المؤنث لا يطلق على جمع المذكر ... إلخ.
وكل عارف بالفن يعلم أن هذا الكلام [٢أ] من باب النقض للدليل بشاهد لا من باب المنع وسنده؛ لأنه كلام على فساد الدليل، وكل كلام على فساد الدليل نقض، فهذا نقض، أما الكبرى فإطباق أهل الفن على ذلك، ومن لم يقبل هذا منع النقل حتى يثبته، وأما الصغرى فظاهره، ثم قال الجلال بعد هذا: وربما يدعي الإجماع، وفي نفسه منه شيء؛ لأن نقل الإجماع لا يصح، وهذا الكلام على ما فيه من عوج وسقوط هو
стр. 3872
أيضا من النقض؛ لأنه قد أبان فساد نقل الإجماع بشاهد في زعمه، وهو قوله: لأن نقل الإجماع لا يصح، وكثيرا ما يلتبس النقض بالمنع، وشاهد النقض بسند المنع، وهما متفارقان تفارقا في غاية الوضوح والجلاء.
قال: ليس في محله؛ لأن مثبت الحد على قاذف الرجل الحر.
أقول: الناقل للإجماع مستدلا به على مطلب من المطالب إن كان الكلام معه في صحيح نقل الإجماع فهذا لا يشك أحد على أنه كلام على النقل، وإن كان الكلام معه في حجية ذلك الإجماع الذي استدل به فهذا كلام معه في الدليل، وجواب الكلام الأول تصحيح النقل، وجواب الثاني الاستدلال، والذي نحن بصدده، وكلامنا عليه هو قول الجلال؛ لأن نقل الإجماع لا يصح، وهذه العبارة يعلم كل من يفهم تراكيب كلام العرب أن المراد بها الإخبار بعدم صحة الإجماع لا بعدم دلالته، فهذا وجه قولنا في تلك الرسالة: إن المقام مقام أن يطلب منه صحة النقل.
قال: هو أن يروي المجمع عليه عن أهل الإجماع بنقل عدل تام الضبط ... إلخ.
أقول: هكذا نقول، ولسنا ممن يخالف في هذا، وإنما تكلمنا على ما في كلام الجلال من مخالفة مسلك المناظرة؛ لأنه قام مقام النقض في مقام طلب تصحيح النقل، ولم نقل [٢ب] أنها قد قامت عليه الحجة بمجرد دعوى الإجماع، كيف أقول بهذا وأنا لا أرى حجية الإجماع (١) بعد صحة نقله! فضلا عن مجرد إجماع مدعى، هذا باعتبار ما يقتضيه ظاهر عبارة تلميذنا - كثر الله فوائده - فإنه انتقل من كون كلامنا السابق كلاما على سند المنع إلى اعتبار تصحيح نقل الإجماع بتلك الطريق، ولم يتكلم إلا على أن كلام
стр. 3873
الجلال لم يقع موقعه، ولا صادف محزه (١)؛ لأنه جاء بالنقض، ثم بشاهد النقض في موضع لا يصلح فيه إلا طلب تصحيح النقل، فكان مجرد نقضه فاسدا وشاهده دعوى.
قال: وكلامه على القياس ليس لإثباته.
أقول: هكذا نقول إنه لم يحرر هذا البحث إلا لإبطال أدلة المستدلين على وجوب الحد على قاذف الرجل، ولكنه ادعى لتلك الأدلة عللا وأسبابا لم يقل بها المستدل، ولا يوجد في كتبه، فإن كان كل من تكلم على دليل فقد بطل بمجرد كلامه لزم بطلان غالب الأدلة، وإن كان الكلام الذي يوجب بطلان الدليل من منع، أو نقض، أو معارضة هو ما كان من ذلك جاريا على الوجه المعتبر فليس منه ما فعله الجلال، فإنه زعم عدم صحة نقل الإجماع بمجرد قوله: لا يصح، وزعم بطلان القياس بمجرد قوله: إن علة الحد دفع النقيصة، فهل يبطل القياس بمجرد ذكره بهذه العلة؟
إن قلتم: نعم، لزم بطلان كل قياس يزعم الخصم أن له علة مدفوعة، سواء كانت العلة في الواقع أو لا، وحينئذ لا يعجز أحد عن دفع دليل القياس؛ لأنه يعلله بعلة باطلة، ويبطله بإبطالها، وليس لأحد أن يقول له هذه العلة [٣أ] التي ذكرت ليست العلة التي قصدها الشارع، فإن قال قائل بذلك قلنا له: بل هي العلة كما زعم خصمك شئت أم أبيت، فقد بطل قياسك ببطلانها، وهذا الصنيع ليس من العلم في شيء.
وإن قلتم: لا يقبل القدح في استدلال من استدل بالقياس بالقدح في علته بكونها كذا وكذا، أو كذا إلا إذا كانت تلك العلة المقدوح فيها هي العلة في زعم المستدل.
فنقول: هذا صحيح، ولكن ما زعمه الجلال من أن العلة في حد القذف لم يقل به أحد، ولا وقفنا عليه في شيء مما قد وقفنا عليه، فكيف يلزم المستدل بذلك القياس أن يتحملوا ما حملهم الجلال حتى يبطل قياسهم بمجرد ما جاء به من عند نفسه من العلة!
стр. 3874
قال: نعم إبطال أن العلة ما ذكر الجلال مع بيان أن العلة غيرها ... إلخ.
أقول: قد ذكرنا في تلك الرسالة (١) ما قيل: إنه العلة فليراجعه تلميذنا - عافاه الله -.
قال: والفرق بين النقيصتين ضروري، فإن الرجل يجد من نفسه عند أن تزني ابنته ما لا يجده عنده أن يزني ولده.
أقول: سلمنا هذا فكان ماذا؟ فإن الشارع لم يربط الحد بأبلغ ما يجده الإنسان من العار، ولا قال بهذا قائل من المسلمين، ولو كان الأمر كذلك لم يثبت حد القذف إلا لمن هو قاذف لمن كان أعلى الناس رتبة، وأشرفهم نفسا؛ لأن في الناس من لا يبالي إذا قذفت ابنته أو أخته، أو يبالي مبالاة يسيرة، بل قد يجد الرجل الرفيع بزنى أمته زيادة مما يجده هذا بزنى ابنته وأخته، بل قد يجد الرجل الرفيع عالي الهمة للكلمة التي فيها أدنى انتقاص وأحقر شتم زيادة على ما يجده [٣ب] من قذفت بالزنى ابنته. وقد تكون الكلمة التي يعدها الوضيع كمالا ومدحا عند الرفيع نقصا وهجاء، فبالله دعونا من تقويم المعوج، وإصلاح الفاسد، فإن الكلام على كون هذا قذفا فيه من النقص ما هو أشد من غيره، أو أخف من غيره ليس من الشرع في شيء، ولا اعتبره أحد بل هو من ساقط المقال، وزائف النظر، والله يحب الإنصاف.
قال: ولا يريد إلا أهل الجاهلية ... إلخ.
أقول: إن كان يريد بذلك أهل الجاهلية فما ينفعه ولا يضرنا، فإنه جاء الشرع بأن الزنى نقيصة على الذكر والأنثى، ومذمة بالغة، وصار مما يتغاير به المسلمون، وينتقصون فاعله، فإذا كان أهل الجاهلية لا يتغايرون به، أو لا يرونه نقصا فيما يفيد هذا من فائدة! فإنا بصدد الكلام على الأحكام الشرعية، لا على ذكر مآثر الجاهلية، وما كانت عليه، وما يحمد عندها ويذم، فكيف قال تلميذنا - كثر الله فوائده -: فإنا لو سوغنا أن هذا الكلام قادح فيما نقل الجلال لسددنا باب رواية أخبار العرب ووقائعها وأشعارها
стр. 3875
إلخ، فإنا لم نكن بصدد إنكار ما رواه الجلال عن العرب، بل بصدد إنكار القدح في الأحكام الشرعية أو تخصيصها أو تقييدها بمجرد كون العرب كانت تفعل كذا، أو تستحسن كذا أو تستقبح كذا، وبين المقامين فرق يجل قدر تلميذنا - عافاه الله - عن أن يلتبس عليه أو يخفى عنه [٤أ].
قال: بل المحكوم به أعم من حد القذف ... إلخ.
أقول: هذا صحيح، ولست أظن أن عالما من علماء الإسلام يستدل على حد القذف بهذه الآية (١) ولا أحسب مصنفا من المصنفين يحرر في مصنفه هذه الآية دليلا على حد القذف، فليست من الدلالة على ذلك في ورد ولا صدر، لأن الله - سبحانه - إنما قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ولم يقل يجلدون ثمانين جلدة، لكن الجلال لما أوقع نفسه في مضيق أن الحد لا يجب على قاذف الرجل لأن النقص بنسبة الزنى إليه هو دون النقص بنسبة الزنى إلى النساء استشعر بأن قائلا سيقول له ما يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ (٢) ... إلخ ففر من هذا الذي يخيله إلى ما هو أضيق منه فحكم بتخصيصها وتقييدها بدون مخصص ومقيد إلا مجرد الوهم، فليراجع تلميذنا - دامت إفادته - ما حررناه في تلك الرسالة متصورا للإنصاف متنكبا للاعتساف، فإن ذلك أولى بالحق وأهله.
قال: وإن هذا وجه الحكم على تلك القصة بالإظلام.
أقول: فيكون حاصل هذا أن القصة المتواترة (٣) التي لا خلاف في صحتها اشتملت على لفظ فيه نكارة، وإذا كان الأمر هكذا فكيف يحكم ببطلان قصة متواترة ثابتة في
стр. 3876
جميع كتب السير والتواريخ، مذكورة للاحتجاج بها عند كل طائفة، وفي كل مذهب بمجرد وجود لفظ فيه نكارة قد تركه الرواة جميعا إلا الشاذ على فرض صحة ما زعمه الجلال من ورود ذلك! فإن الذي يتعين هاهنا هو ترك ذلك اللفظ المنكر وطرحه من القصة [٤ب] المتواترة. وأما ما جعله علة لها توجب إظلامها واطراح حجتها فلست أظن هذا مراء لتلميذنا - كثر الله فوائده - فإنه لا يخفى عليه مثل هذا، وهو أجل من أن يصير إليه، أو يتعلل به أو يعترض بمثله، ولو كان هذا صحيحا لكان من أعظم المفاسد على الشريعة، فإنه لا يعجز الزنادقة والمبتدعة وأعداء الإسلام أن يعمدوا إلى الأحاديث الصحيحة، والقصص المتواترة فيزيدون عليها لفظا منكرا، ويتوصلون بذلك إلى إبطال ما أرادوا إبطاله، وهذا لا يقول به مصنف، أو يصير إليه عالم.
وما الجلال حتى تقع في التعصب لتصحيح باطله في هذه المهاوي! فإن مثل هذا لا يحسن في تأويل كلام المعصوم فضلا عن غيره، وأما ما في الرواية المذكورة من قول عمر: أرى وجه رجل لا يفضح رجلا من أصحاب النبي ﵌ فليس في هذا من الإيهام لذلك الشاهد، والرغبة في كتمه الشهادة شيء، هذا على أن هذا اللفظ ثبت من طريق صحيحة (١)، وبهذا يعرف تلميذنا - عافاه الله - ما في قوله: فيعود على التنزيه بالإبطال. وما ذكره - كثر الله فوائده - من المناقشة في دعوى التواتر فنقول عليه - عافاه الله - أن يبحث كتب السير، ثم كتب التاريخ المرتبة على السنين،
стр. 3877
ثم كتب التاريخ على غيرها، ثم الكتب المشتملة على التراجم للرواة المشتملة على ذكر أبي بكرة ومن معه، وجميع ما ذكر فيه ترجمة للمغيرة (١) أو لأبي بكرة (٢) من الكتب، ثم المجاميع التي يذكر فيها أدلة الفقه، والكتب التي تذكر فيه المسألة [٥أ] الفقهية ودليلها، وينظر في أبواب حد القذف منها، فإن وجد في مجموع ما ذكرناه ما يفيد بعضه التواتر ينقل ذلك أهل العصور المختلفة إلى عصر الصحابة، فذاك ولو سلمنا عدم اجتماع شروط التواتر المعتبرة في الإصلاح لم يضرنا ذلك، فإن القضية متلقاة بالقبول لم يدفع صحتها أحد من أهل الإسلام، وما كان كذلك فهو من الأدلة القطعية، فليس له أن ينكر على من يقول: إنه قد تواتر لديه ولدى أهل العلم هذه القصة، فإن تواتر النقل لا يحصل إلا بعد كمال البحث والاستقصاء، وقد يتواتر لرجل من النقل ما لم يتواتر لغيره، بل قد يتواتر لرجل ما لم يصح لغيره، بل قد يتواتر لرجل ما لم يعلم به غيره أصلا، وتلميذنا - عافاه الله - أجل قدرا من ذلك.
قال: وكان المقام أن يطالب الجلال بتصحيح النقل.
أقول: هانحن نقوم هذا المقام، ونطلب من تلميذنا - عافاه الله - أن يصحح ما نقله الجلال، ويبحثه في جميع ما يمكن بحثه، فإن وجد ما ذكره من قوله: لئن حددتهم فارجم المغيرة، فلتهده إلينا متفضلا، وإن لم تجده فلتعلم أن هذا اللفظ هو خرج من المخرج الذي خرج منه ما تقدم له من قوله حين أفهمه عمر رغبته من المخرج الذي خرج
стр. 3878
منه قوله: إن العلة في حد القذف النقيصة الشديدة التي لا يوجد إلا في زنى النساء، ونحو ذلك.
قال: فحد المغيرة يترتب على صحة كون كلام أبي بكرة ... إلخ.
أقول: المراد من ذلك التركيب الذي ذكرنا معناه من قول علي ﵇ أن عمر إذا أوجب الحد على أبي بكرة بقذفه للمغيرة بعد جلده فقد جعله بمنزلة شاهد (رابع رابع) (١)، ومن شهد عليه أربعة يحد ولا يحد الشاهد عليه، ولا يقال له قاذف، فكأنه قال: إن كان أبو بكرة يستحق عندي الجلد بهذه المقالة الواقعة منه بعد جلده فقد استحق أن يكون [٥أ] شاهدا رابعا على المغيرة، فارجم المغيرة بشهادته ولا تجعله قاذفا، وهذا لا يلزم منه ما ذكره - كثر الله فوائده - من الترتبات، فإن المراد هذا وليس المراد أنك تحد أبا بكرة ثم حد المغيرة أو العكس.
قال: وقد علمت بطلان دليل الإجماع السابق، ثم بطلان القياس، ثم بطلان ما يخيل أنه إجماع من قصة المغيرة.
أقول: إن كان بطلان دليل الإجماع بما ذكره الجلال من قوله: وفي نفسي منه شيء؛ لأن نقل الإجماع لا يصح، وكذلك بطلان القياس بقوله: إن الحد لدفع النقيصة التي تلحق العرب ... إلخ، وكذلك بطلان قصة المغيرة بمجرد قوله: إنها مظلمة فهذا لا يخفى على تلميذنا - كثر الله فوائده - أنه لا يشكك سامعه في أدنى حكم من أحكام الظن فضلا عن هذه الأمور فكيف تكون باطلة بمجرد ذلك! وإن كان البطلان بغير ذلك فما هو؟ فإنا لم نقف فيما ذكرناه - كثر الله فوائده - إلا على مجرد توجيه ما تكلم به الجلال، وحمله على تلك المحامل التي قد بينا ما فيها.
قال: إن جمع المؤنث لا يطلق على جمع المذكر.
أقول: قد ذكرنا وجه .........................................
стр. 3879
التغليب (١) فإن قدح فيه تلميذنا أو صح ذلك.
قال: ففيه ما أسلفنا من عدم بيان علة القياس، ومسلكها إلى آخره.
أقول: كان الأولى بالمقام الاستفسار عن ذلك، حتى يورده مدعيه، لا جعل عدم الذكر اعتراضا، فليس كل مستدل بالقياس في مسألة من المسائل يذكر أركان القياس، ويبين مسالك علته، وليس مثل هذا مما يخفى على تلميذنا - عافاه الله - فلا نطول بذكره. قال: فيقال عليه: من ذا المراد من الخلفاء الراشدين هل جميعهم ... إلخ.
أقول: قد قدح تلميذنا - عافاه الله - في دلالة الحديث على الكل والبعض، والمعين وغير المعين، والمفرد والمتعدد، ولعله لم يتصور أن هذا يستلزم [٦أ] الاعتراض على الشارع؛ لأن كلامه في هذا الحديث لا يصح حمله على معنى يصح الحمل عليه، فلم يبق إلا رده عليه أو الحكم بأنه كذب، أو أنه ﵌ تكلم بما لا معنى له، فاعتراض تلميذنا وتقسيمه للمراد بالحديث إلى تلك الأقسام وإبطاله لكل قسم منها قد استلزم هذا، وإن لم يكن مرادا له - عافاه الله - وكان ينبغي حمله على الخلفاء الموجودين في الثلاثين السنة الكائنة بعد موته ﵌ لقوله: " الخلافة من بعدي ثلاثون عاما، ثم يكون ملكا عضوضا " (٢) فإن هذا الحديث يرشد إلى خلافة الحق، وإلى خلفاء الرشد المذكورين في الحديث، ويعبر عن المراد به، ولا ينفي وجود خلفاء آخرين لم يكونوا مرادين بالحديث، فإذا ضم هذا إلى أن اللام الداخلة على الجمع تهدمه، ويصير للجنس كما تقرر في علم البيان والأصول صار معنى الحديث في غاية الوضوح. وهذا عندي في معنى الحديث ما لا يتسع له البسط، وإنما أوردته في تلك الرسالة تكميلا لاحتجاج من احتج بالقصة العمرية. وقد أهمل تلميذنا - كثر الله فوائده - الكلام على ما ذكرنا من القذف للرجل بأنه يلوط أو ....................................
стр. 3880
يلاط به (١)، والمطلوب تتميم بحثه الذي كتبنا عليه هذه الكلمات بالكلام على ذلك فلعله يجد للجلال في ذلك مخرجا، ويفتح له في سماء ذلك السؤال معرجا.
وإلى هنا انتهى شوط القلم، والحمد لله، وأستغفر الله إن كان في هذه المباحثة شيء من الجدل المنهي (٢) عنه ولا نشعر به [٦ب].
стр. 3881
بحث في مسائل الوصايا
تأليف محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب
стр. 3882
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في مسائل الوصايا.
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: الحمد لله رب العالمين، سألتم دامت منكم الإفادة عن ميت خلف زوجا وابنا وبنتا وأوصى لأولاد ابن
٤ - آخر الرسالة: ولكن بعد صلاحيته لذاك وسيعين الله على وجوده والنظر في رجاله إسناده فيضم الكلام على ذلك إلى هذا.
٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ - عد الصفحات: ٦ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٠ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٩ كلمات.
٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
١٠ - الناسخ: المؤلف محمد بن علي الشوكاني.
стр. 3883
[بسم الله الرحمن الرحيم]
الحمد لله رب العالمين.
سألتم - دامت منكم إفادتكم - عن ميت خلف زوجا وابنا وبنتا وأوصى لأولاد ابن قد مات قبله بمثل نصيبه، ثم ذكرتم قسمة نصيب المقصرين لذلك من ستة: للموصى لهم الثلث من الأصل، وللزوج ربع الباقي، وللابن والبنت ما بقي، ثم ذكرتم مخالفة ذلك للقاعدة المعروفة في ميراث المكون، ثم ذكرتم عقب ذلك أن ما فعله ذلك القسام المقصر مطابقا لما يقصده الموصون، واستشكلتم ما جرى عليه أهل هذا العلم إلى آخر ما حررتموه مما هو في غاية الإفادة والإجادة.
والذي عند الحقير أن المسألة المذكورة ليست من باب الوصية بمثل ميراث المكون، بل هي من باب الوصية بمثل نصيب، وبين الطرفين فرق، فإن المكون لا وجود له بل مفروض فرضا، مثلا رجل مات وله ابنان، وأوصى لآخر بمثل ميراث ابن لو كان مع أنه لم يكن، وهذا معنى التكوين كما لا يخفى شريف ذهنكم، وأما إذا كان الابن قد كان ومات أو كان موجودا ولم يمت فالوصية لأولاده بمثل نصيبه هي من باب الوصية بمثل نصيب، والقاعدة فيها أن من كان موجودا من الزوجين لا ينتقص من ميراثه شيئا.
فمسألة المذكورين في محل السؤال من أربعة: للزوج الربع (١) واحد، والباقي لا ينقسم على الابن والبنت [١أ] (٢) وعلى الموصى لهم أخماسا فتضرب مخرج الخمس في المسألة تكون عشرين: للزوج الربع، وللابن الحي ستة، ولأخته ثلاثة، ولأولاد الابن الميت ستة، ولا وجه لما فعله ذلك القسام المقصر، فإنه قطع بعض ميراث الزوج بلا
стр. 3884
سبب؛ لأن غاية ما قاله الموصي أنه يكون لأولاد ابنه مثل ما كان لأبيهم، وبالقطع أنه لو كان أبوهم موجودا لم ينقص الزوج عن ربع الجميع، وما ذكرتموه من موافقة مقاصد العامة لما فعله القسام فما أظنهم يقصدون زيادة على كون أولاد الولد بمنزلة الولد، وهو لا ينقص الزوج شيئا، وما ذكرتموه آخرا من أنه كان الصواب أن تكون المسألة من عشرين، وغايته أنه يقع الكسر، فنقول: الصواب أيضًا أنها من عشرين، والقاعدة في الوصية بمثل نصيب هو ذلك، ولا كسر كما تقدم، اللهم إلا أن ينكسر سهام الأولاد على رؤوسهم فذلك باب آخر.
نعم لو فرضنا أن الوصية في مسألة السؤال من باب التكوين قلنا: كان الموصي كون في أولاده ولدا لا وجود له، وأوصى لآخر بمثل نصيبه، وذلك هو الخمسان، فيزادان فوق الخمسة يكون المخرج السبع مضروبا في الأربعة التي هي مسألة الزوج [١ب]، يكون الجميع غايته، وعشرين للزوج الربع سبعة، والباقي يقسم أسباعا، يعطى الموصى لهم سبعين من الباقي، ولا شك أن هذا عدل في القسمة؛ لأن الموصي ما أراد الأمثل نصيب المكون المفروض، وهو الخمسان بعد فرض الزوج.
ومن المعلوم أنه لو أعطي خمسين لكان ذلك هو عين نصيب المكون لا مثل نصيبه، بخلاف مسألة السؤال، فإنه ما أراد إلا الوصية لأولاد الابن بعين نصيبه، وإن سموا ذلك الوصية بمثل نصيب، فتدبروا هذا يعم هاهنا أمر، وهو أن الأولاد على التقدير الأول الذي هو الوصية بمثل نصيب قد أخذوا ستة من الباقي، وهو الخمسة عشر، وذلك زيادة على الثلث، فإن أجاز الابن والبنت ساغت الزيادة التي صارت مع أولاد الولد، وهي سهم، وإن لم يجيزا فهي لهما لأن ما زاد على الثلث لا ينفذ (١) إلا بالإجازة (٢) كما هي
стр. 3885
القاعدة، ولم يقصد الموصي ثلث جميع التركة، إنما قصد أن يكون لأولاد الابن الميت كالحي، وذلك أمر وراء نصيب الزوج فكأن لا اعتبار بنصيبه بل التركة هي الباقي فهو من باب الوصية بثلث نصيب وارث معين لا ينفذ إلا ثلاثة. وقد صرح أهل الفن بهذا في الوصية بمثل نصيب، فراجعوا ذلك؛ فإنه غير الوصية بمثل ميراث المكون. وأيضا قد ذكره أئمة الفقه كصاحب البيان (١)، فإنه صرح به في فرع المسألة الثامنة من كتاب [٢أ] الوصايا وغيره مثله، فأمعنوا النظر في هذا فإن وجدتموه كما ذكرته فالمراد، وإن وجدتم فيه خللا باعتبار القاعدة، وكذلك باعتبار ما هو الحق والقصد أفدتم - دامت فوائدكم -.
المسألة الثانية: سؤالكم عن حديث أمره ﵌ بتخصيص نساء المهاجرين بالدور.
فأقول: هذا الحديث عزاه صاحب التيسير (٢) إلى أبي داود فقال ما لفظه: وعن زينب ﵂ قالت: اشتكى نساء من المهاجرات إلى رسول الله ﵌ ضيق منازلهم، فأمر رسول الله ﵌ أن تورث دور المهاجرين النساء، فمات ابن مسعود فورثته امرأته دارا بالمدينة، أخرجه أبو داود (٣)
стр. 3886
انتهى، وقد طلبته في سنن أبي داود في كثير من الأبواب التي يظن وجوده فيها كالفرائض والخراج، والإقطاع، والنفقات، والجهاد، والغزوات، والهجرة، وغير ذلك فلم أجده (١) حتى أنظر في إسناده، وأتكلم عليه، ولعله موجود في غير هذه الأبواب.
ويدل على ذلك تكلم الخطابي عليه (٢)، فإنه قال: كما وجدته نقلا عنه أنه يشبه أن يكون ذلك على معنى القسمة بين الورثة، وإنما خصهن بالدور لأنهن بالمدينة غرائب لا عشيرة لهن، فاختار لهن المنازل لما رأى من المصلحة، قال: ويجوز أن تكون الدور [٢ب] في أيديهن على سبيل الرفق بهن للسكنى (٣) لا للتمليك كما كانت حجر النبي
стр. 3887
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ في أيدي نسائه، انتهى من الجامع.
ومما له مدخل في المقام ما نقله صاحب الفتح (١) عن ابن التين قال في سياق الكلام في الإقطاع: إنه إنما يسمى إقطاعا إذا كان من أرض أو عقار، وإنما يقطع من الفيء، ولا يقطع من حق مسلم، ولا معاهد، قال: وقد يكون الإقطاع تمليكا وغير تمليك، وعلى الثاني يحمل إقطاعه ﵌ الدور بالمدينة.
قال الحافظ (٢): كأنه يشير إلى ما أخرجه الشافعي (٣) مرسلا، ووصله الطبراني (٤): " أن النبي ﵌ لما قدم المدينة أقطع الدور " يعني أنزل المهاجرين في دور الأنصار برضاهم. انتهى.
وأقول: كما يحتمل ما أشار إليه الحافظ يحتمل أيضًا أنه أشار إلى حديث زينب المذكور، وعلى كل حال فالدور التي خصص بها ﵌ المهاجرين هي الدور التي نزل بها المهاجرون عند الهجرة من دور الأنصار لإذنه ﵌ لهم بالسكون فيها، ولرضى أربابها بذلك، بل رضي كثير منهم بالمشاطرة للأنصار في الأموال، بل والأزواج فعرضوا عليهم أن ينزل من كان له زوجتان عن أحدهما [٣أ] (٥)، وإذا كان الأمر كذلك فالدور بأيدي المهاجرين عارية
стр. 3888
مطلقة أو مقيدة، وهي لم تخرج بذلك عن ملك الأنصار، ولا دخلت في أملاك المهاجرين، بل ليس لهم فيها إلا حق السكون، فجعل ﵌ هذا الحق لمن هو أحوج به، وهن النساء من المهاجرات، فلا يرد على هذا طلب بيان وجه التخصيص للزوجات من نساء المهاجرين ببعض الميراث. وعلى تسليم أن الدور قد صارت ملكا للمهاجرين من جملة الأملاك الموروثة عنهم، فالجمع ممكن يبنى العام على الخاص كما أفدتم.
فيقال: دليل نصيبهن المقدر من الميراث مخصص بالحديث المسئول عنه ولكن بعد صلاحيته لذاك، وسيعين (١) الله على وجوده والنظر في رجال إسناده (٢)، فيضم الكلام على ذلك إلى هذا [٣ب] (٣).
стр. 3889
إقناع الباحث بدفع ما ظنه دليلا على جواز الوصية للوارث
تأليف محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب
стр. 3890
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: إقناع الباحث بدفع ما ظنه دليلا على جواز الوصية للوارث.
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين.
فإنه وصل السؤال من سيدي العلامة المفضال.
٤ - آخر الرسالة: ذكر في الأم حرر في الثلث الأول من ليلة الاثنين لعله تاسع عشر شهر محرم الحرام سنة ١٢١٠ هـ وكان النقل يوم الخميس ١٢ شهر محرم سنة ١٣١٤ هـ.
٥ - نوع الخط: خط نسخي رديء.
٦ - عدد الصفحات: ٩ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٤ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات.
٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.