← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

انتهى، وقد طلبته في سنن أبي داود في كثير من الأبواب التي يظن وجوده فيها كالفرائض والخراج، والإقطاع، والنفقات، والجهاد، والغزوات، والهجرة، وغير ذلك فلم أجده (١) حتى أنظر في إسناده، وأتكلم عليه، ولعله موجود في غير هذه الأبواب. ويدل على ذلك تكلم الخطابي عليه (٢)، فإنه قال: كما وجدته نقلا عنه أنه يشبه أن يكون ذلك على معنى القسمة بين الورثة، وإنما خصهن بالدور لأنهن بالمدينة غرائب لا عشيرة لهن، فاختار لهن المنازل لما رأى من المصلحة، قال: ويجوز أن تكون الدور [٢ب] في أيديهن على سبيل الرفق بهن للسكنى (٣) لا للتمليك كما كانت حجر النبي

стр. 3887

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ في أيدي نسائه، انتهى من الجامع. ومما له مدخل في المقام ما نقله صاحب الفتح (١) عن ابن التين قال في سياق الكلام في الإقطاع: إنه إنما يسمى إقطاعا إذا كان من أرض أو عقار، وإنما يقطع من الفيء، ولا يقطع من حق مسلم، ولا معاهد، قال: وقد يكون الإقطاع تمليكا وغير تمليك، وعلى الثاني يحمل إقطاعه ﵌ الدور بالمدينة. قال الحافظ (٢): كأنه يشير إلى ما أخرجه الشافعي (٣) مرسلا، ووصله الطبراني (٤): " أن النبي ﵌ لما قدم المدينة أقطع الدور " يعني أنزل المهاجرين في دور الأنصار برضاهم. انتهى. وأقول: كما يحتمل ما أشار إليه الحافظ يحتمل أيضًا أنه أشار إلى حديث زينب المذكور، وعلى كل حال فالدور التي خصص بها ﵌ المهاجرين هي الدور التي نزل بها المهاجرون عند الهجرة من دور الأنصار لإذنه ﵌ لهم بالسكون فيها، ولرضى أربابها بذلك، بل رضي كثير منهم بالمشاطرة للأنصار في الأموال، بل والأزواج فعرضوا عليهم أن ينزل من كان له زوجتان عن أحدهما [٣أ] (٥)، وإذا كان الأمر كذلك فالدور بأيدي المهاجرين عارية

стр. 3888

مطلقة أو مقيدة، وهي لم تخرج بذلك عن ملك الأنصار، ولا دخلت في أملاك المهاجرين، بل ليس لهم فيها إلا حق السكون، فجعل ﵌ هذا الحق لمن هو أحوج به، وهن النساء من المهاجرات، فلا يرد على هذا طلب بيان وجه التخصيص للزوجات من نساء المهاجرين ببعض الميراث. وعلى تسليم أن الدور قد صارت ملكا للمهاجرين من جملة الأملاك الموروثة عنهم، فالجمع ممكن يبنى العام على الخاص كما أفدتم. فيقال: دليل نصيبهن المقدر من الميراث مخصص بالحديث المسئول عنه ولكن بعد صلاحيته لذاك، وسيعين (١) الله على وجوده والنظر في رجال إسناده (٢)، فيضم الكلام على ذلك إلى هذا [٣ب] (٣).

стр. 3889

إقناع الباحث بدفع ما ظنه دليلا على جواز الوصية للوارث تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3890

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: إقناع الباحث بدفع ما ظنه دليلا على جواز الوصية للوارث. ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين. فإنه وصل السؤال من سيدي العلامة المفضال. ٤ - آخر الرسالة: ذكر في الأم حرر في الثلث الأول من ليلة الاثنين لعله تاسع عشر شهر محرم الحرام سنة ١٢١٠ هـ وكان النقل يوم الخميس ١٢ شهر محرم سنة ١٣١٤ هـ. ٥ - نوع الخط: خط نسخي رديء. ٦ - عدد الصفحات: ٩ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٤ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات. ٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3891

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين. وبعد: فإنه وصل السؤال من سيدي العلامة المفضال، بركة الآل إبراهيم بن محمد بن إسحاق (١) - لا برح في ألطاف المهيمن الخلاق - وحاصل السؤال: ما يترجح لدى المسئول الحقير محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما - في الوصية للوارث، وأرسل - حفظه الله - برسالة للسيد العلامة المجتهد محمد بن إسماعيل الأمير ﵀ حرر فيها جواز الوصية للوارث، وأوضح رجوعه عن اجتهاده الأول، وهو جواز عدم الوصية للوارث، وسمى هذه الرسالة " إقناع الباحث بإقامة الأدلة بصحة الوصية للوارث " (٢) فأمعنت النظر في جميع ما حرره وعول عليه في الجواز، فلم أقف في تلك الرسالة على شيء يوجب المصير إلى جواز الوصية للوارث، ولا عثرت فيها على دليل يسوغ الرجوع عن اجتهاده الأول (٣) ولكنه قد فعل ما يجب عليه من العمل بما

стр. 3892

يترجح لديه، والرجوع إلى ما رجع إليه. وهاأنا سأوضح ذلك معقبا لكل ما أورده، مما ظنه دليلا على محل النزاع، وسميت هذا البحث " إقناع الباحث بدفع ما ظنه دليلا على جواز الوصية للوارث ". فأقول: أما ما عول عليه ابتداء من أن حديث: " لا وصية لوارث " (١) لما كان في

стр. 3893

أوله أن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، كان قوله عقب ذلك: فلا وصية لوارث، مفيدا لنفي الوجوب، لا لنفي الندب، فيكون معناه أن الله قد أعطى كل ذي حق حقه الذي يستحقه في علم الله، فلا تجب وصية لوارث. وأقول: هذا الذي جعله دليلا على نفي الوجوب دون الندب لا دلالة فيه على ذلك،

стр. 3894

لا بمطابقة، وتضمن، ولا التزام؛ فإنه كما تسبب عن إعطاء كل ذي حق حقه عدم وجوب الوصية لمن قد أعطي حقه بحكم الله، كذلك يتسبب عدم بذلها؛ لأن من قد استولى عليه بحكم الله تعالى هو بحق له بحكم الله تعالى، وقد تقرر في كليات هذه الشريعة المطهرة أن المجاورة لحكم الله تعالى غير جائزة إلا بدليل على الجواز، فأول الحديث وآخره [١ب] يستفاد من مجموعهما عدم الجواز، فضلا عن عدم الندب، ولا يخفاك أن تجويز الوصية للوارث، بل دعوى ندبها بمثل هذا مدفوع. هذا مع قطع النظر عما يستفاد من عموم قوله: " لا وصية لوارث "؛ فإنه نكرة في سياق النفي (١)، وهو من صيغ العموم (٢) بلا خلاف بين محققي الأصول والبيان، وهذا العموم كما ينفي وجوب الوصية للوارث ينفي ندبها، بل ينفي جوازها، لأن المقدار إن كان عاما نحو: لا تجوز وصية لوارث، أو لا تحل، أو لا تشرع، أو لا تثبت كان هذا المقدر العام، والمعلق الشامل، والمقتضي المستغرق موافقا لما دل عليه الكلام من العموم المتفق عليه، وليس هذا من باب عموم المقتضي، بل من باب تقدير المعلق العام المطابق لأصل الكلام. وأما لو قدر خاصا نحو: لا ندب، أو لا وجوب فهذا المقتضي الخاص مفتقر إلى دليل يدل عليه، ولا تقبل دعوى من يدعيه إلا ببرهان، ولا برهان هنا إلا ما زعمه من دلالة السياق والاقتران، وهو كما عرفت يدلان على خلاف ما زعمه دلالة بينة، ولما كان ما ذكرناه في غاية الظهور، ونهاية الجلاء بادر ﵀ إلى تسليمه بعد كلامه السابق فقال: فصل: إن قلب قوله ﵌: " لا وصية لوارث " هو من ألفاظ العموم ... إلى آخر كلامه في هذا الفصل، ثم لم يدفعه إلا بأن قال: قلب

стр. 3895

سبب حديث: " لا وصية لوارث " هو نفي الإيجاب الذي كان ثابتا كما قررناه. فانظر كيف عاد إلى تلك الدعوى المجردة بعد أن سلم عدم دلالة هذا الحديث على ما ذهب إليه، بل سلم دلالته على دفع ما ذهب إليه وشموله لمحل النزاع، أعني: وصية صح التبرع. وأما استدلاله على ما ذهب إليه بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١) فلا يخفاك أن الوصية تشمل الوصية، والوصية لغير الوارث، وهذا لا ينكره أحد، وقوله ﵌: " لا وصية لوارث " أخص مطلقا من قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، فيبنى العام على الخاص (٢) ويكون ما في الآية الكريمة في قوة: من بعد وصية يوصي بها لغير الوارث أو دين، كما هو مقتضى بناء العام على الخاص، وهو متفق [٢أ] (٣) عليه بين أهل الأصول في الجملة، وإن اختلفوا في تفاصيله وشروطه فذلك لا يقدح في اتفاقهم على وجوب البناء، والحديث هو متلقى بالقبول، فيخصص به عموم القرآن عند الجمهور، بل عند كل من يعتد بقوله من أئمة الأصول (٤).

стр. 3896

وأما استدلاله بحديث أبي هريرة عند ابن ماجه بلفظ: " إن الله قد تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم " (١) فهذا لا نزاع فيه في الجملة، لكن محل النزاع الوصية للوارث، فهذا الحديث إذا تناولها بنوع من أنواع الدلالة فقد تناول

стр. 3897

الوصية لغير الوارث، كما تناول الوصية للوارث، فخرجت عنه الوصية للوارث بالحديث الآخر، وهو أرجح منه سندا ومتنا، على أنه يبعد أن يقال: أن الوصية للوارث ليست مما يوجب الزيادة في الحسنات، لأنها ممنوعة بنص الشارع، لما فيها من المجاوزة لحدود الله، والتعدي لفرائضه، والمخالفة لما شرعه الله، فتعليله ﵌ لقوله: " إن الله قد تصدق عليكم بثلث أموالكم " فقوله: " زيادة في حسناتكم " تفيد اختصاص هذه الصدقة لما فيه زيادة في الحسنات، ولا زيادة قد نفاها الشارع، وقال: " لا وصية لوارث " بهذه الصيغة الشاملة المحيطة، فهذا الحديث يرد دعوى من يدعي أن فيها زيادة في الحسنات، ولو فرضنا عدم دليل يدل على أنه لا زيادة فيها في الحسنات لكان دعوى أن فيها زيادة في الحسنات مصادرة على المطلوب، وهي باطلة. ولا شك أن البدر ﵀ لو تنبه لهذا لقابله بالقبول، فكيف يصح التعويل على هذا الحديث! وقد عارضه ما هو أحق منه مطلقا! على فرض دلالته على مخل النزاع، وتناوله له؛ فكيف إذا كان قد علل بعلة تفيد أنه لا يتناوله، ومن جملة ما استدل به ﵀ تقرير النبي ﵌ لسعد بن أبي وقاص لما قال أتصدق بكذا من مالي (١).

стр. 3898

قال [٢ب]: والصدقة مندوبة قطعا ... إلى آخر كلامه. ودلالة هذا الدليل على محل النزاع مدفوعة من وجهين: الأول: أنه في الصدقة لا في الوصية التي هي محل النزاع. الثاني: أن الصدقة تتناول الصدقة على الوارث، وعلى غير الوارث، وحديث: " لا وصية لوارث " قد أخرج الصدقة على الوارث، على فرض أنه يصدق على الوصية أنها صدقة. ومن جملة ما استدل به ﵀ ما ورد في حديث: " لا وصية لوارث " من زيادة: " إلا أن يشاء ..................................

стр. 3899

الورثة " (١) معللا دلالة ذلك على محل النزاع بأن الاستثناء منقطع. ولا يخفاك أن هذا الاستثناء يؤكد دلالة هذا الحديث على عدم جواز الوصية لوارث ويؤيدها، لأنه قد أفاد عدم نفوذ الوصية للوارث إلا بمشيئة الورثة، فأفاد ذلك عدم نفوذها بعد المشيئة. وأما دعواه ﵀ بأنه إخراج من الإيجاب أي: لا تجب الوصية للوارث إلا أن يشاء الورثة، فهذا لا دلالة للاستثناء عليه، سواء كان الاستثناء متصلا (٢)، أو منقطعا كما لا يخفى. هذا خلاصة ما عول عليه ﵀ في تلك الرسالة، ولا يخفاك أنه لا يدل على مقصوده لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، بل كان كل ما أورده فهو دليل عليه لا له كما عرفت مما أسلفنا، واعلم أنه ﵀ قد أورد في رسالته هذه قوله ﵌ لأبي طلحة لما قاله له: إن أنفس أموالي إلي بريحاء، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال: " تصدق بها على ذوي قرابتك " (٣) وهذا أجنبي عن محل النزاع، لأنه في الصدقة في حال الحياة والصحة، ومحل النزاع في الوصية المضافة إلى بعد الموت، فإن الله قد أعطى كل ذي حق حقه بالموت فلا وصية لوارث. وأما حال الصحة والحياة بالصدقة على [٣أ] الأقارب فهذا من باب الصلة للأرحام التي ورد الترغيب فيها كتابا (٤) ...................

стр. 3900

وسنة (١)، وهي خارجة عن محل النزاع خروجا لا يخفى. ومن جملة ما تعرض لذكره ﵀ في هذه الرسالة حديث التسوية بين الأولاد وهو حديث متواتر، وفيه التصريح بأن المخالفة للتسوية جور، والجور حرام، وهو أعم من أن يكون المخالفة بالعطية في حال الصحة كالنحلة، والصدقة، أو بالوصية المضافة إلى بعد الموت، والسبب وإن كان خاصا، وهو نحلة يشير والد النعمان لولده (٢)، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٣)، والأمر لكل أحد بالتسوية بين الأولاد

стр. 3901

يتناول الوصية المضافة إلى بعد الموت، كما يتناوله العطية في حال الدنيا، وهو من أعظم الأدلة الدالة على عدم جواز تخصيص بعض الأولاد بعطية، أو وصية دون بعض (١). وقد صرح فيه ﵌ بأن ذلك جور، وامتنع من أي يشهد على نحلة بشير والد النعمان، فكانت الوصية المشتملة على تخصيص بعض الورثة دون بعض حراما بهذا الحديث، فأفاد ذلك بطلان ما زعمه البدر ﵀ من أن معنى قوله ﵌: " لا وصية لوارث " (٢) لا تجب وصية لوارث، فإن من جعله لبعض أولاده قسطا من ماله بالوصية دون بعض لم يسوِّ بينهم، ومن لم يسو بينهم فقد جار، ففعله جور، وكل جور حرام، ففعله حرام. فتقرر بهذا الدليل المتواتر تفضيل بعض الورثة على بعض، بوصية أو عطية لا يجوز، ولا يحل، فهو يرد على البدر ﵀ ردا واضحا إن أراد أن الوصية للوارث جائزة، سواء كانت متضمنة المخالفة للتسوية أم لا، وإن خص الجواز بما لا مخالفة للتسوية فيه فقد قرب المسافة، وقلل الخلاف، وعاد آخرا إلى ما رجحه أولا من عدم جواز الوصية [٣ب] للوارث عودا لطيفا، وبيانه أن الوصية للأولاد مثلا على وجه التسوية الموافقة لفرائض الله سبحانه؛ إذ هي المعتبرة في التسوية، ولا اعتبار بغيرها؛ لأنها ليست من باب الوصية للوارث، بل من باب قسمة التركة بينهم على فرائض الله، أو قسمة بعضها كذلك باسم الوصية، وذلك لا يوجب خلافا، ولا يقتضي نزاعا، لأنه يصدق على وصية التسوية التي هي في الحقيقة قسمة أنها موافقة لقول النبي ﵌:" إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث " (٣). فإذا قال الرجل في وصيته: أنه أوصى بالدار، أو بالأرض، أو بنوع من أنواع تركته أن يقسم بين أولاده على فرائض الله سبحانه، ولا وارث له غير أولئك الأولاد، فما فعل

стр. 3902

إلا ما هو حكم الله تعالى من إعطاء كل ذي حق حقه، ووصيته هذه مؤكدة لوصية الله تعالى المذكورة في محكم كتابه بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١)، فهو كمن أوصى ورثته بأن يقتسموا ما خلفه لهم على ما فرضه الله تعالى. فإن قلت: قد يحصل له الثواب بهذه الوصية، أعني: التسوية على فرائض الله، فيصدق عليها اسم الوصية للوارث، ويحصل بها فائدة للموصي. قلت: الثواب الذي حصل له هو بالإرشاد إلى ما أرشد الله إليه، وامتثال ما أمر الله بامتثاله من أعطى كل ذي حق حقه، ولا يشك أن الأمر بامتثال أوامر الله وفرائضه قربة وليست القربة والثواب بتصيير ذلك المال بين ورثته على فرائض الله؛ فإن ذلك هو أمر الله وحكمه وشرعه، وهو كائن كذلك سواء أوصى أو لم يوص ...... (٢) من أمر أولاده بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الطاعات، فإنه يثاب على ذلك الأمر، ولا يثاب على نفس صلاتهم وزكاتهم ونحوهما، لأن تلك الفرائض افترضها الله عليهم، وأمرهم بتأديتها، فاستحقوا الأجر بفعلها. فإن قلت: سلمنا دلالة الأحاديث التسوية المتواترة على التسوية بين الأولاد، فهو لا يدل على التسوية بينهم وبين غيرهم من الورثة إذا كان معهم من الورثة غير أولاد، ولا يدل على التسوية بين الورثة أنفسهم إذا كانوا غير أولاد. قلت: [٤أ] هذا إذا لم يفده هذا الدليل بالقياس بلحن الخطاب فقد أفاده حديث: " لا وصية لوارث "، وقد قدمنا تقريره على وجه يظهر به غاية الظهور، ويتبين به أكمل بيان، وإنما تعرضنا لأحاديث التسوية لما تعرض لها البدر ﵀ فأوضحنا أنها عليه لا له. واعلم أنها قد اتفقت كلمة أهل العلم على أن الذي كان في أول الإسلام هو الوصية

стр. 3903

كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١)، وأن ذلك نسخ بآيات المواريث، وهي قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ إلى آخر الآيات، وإن كانت كلمة أهل العلم متفقة على النسخ، فمعنى النسخ لغة (٢): الإزالة والإبطال والتغيير، قال في القاموس (٣): نسخه كمنعه أزاله وغيره وأبطله، وأقام شيئا مقامه، انتهى. فمعنى نسخ الوصية للوارث إزالتها وتغييرها وإبطالها في إقامة المواريث مقامها (٤)، ولو كانت جائزة بعد نسخها لم يكن كذلك، بل يكون الجمع بينها وبين آيات المواريث التي هي الناسخة جائزا، فلا إزالة، ولا تغيير، ولا إبطال، ولا إقامة للناسخ مقام المنسوخ. نعم. لو ربط القائلون بهذه المقالة ما يدعونه بدليل كان ذلك مقبولا على حد قبول الدليل، وأما الدعاوى المجردة لا سيما إذا كانت مخالفة لما هو الأصل، والحقيقة الشرعية (٥)، واللغوية (٦)، ........................................

стр. 3904

والعرفية فليست مما يثبت بمثله الأحكام الشرعية، فإن تقييد النسخ بكونه مجرد الوجوب قد استلزم مع كونه خلاف الأصل، والحقيقة دعوى تقييد قوله ﵌: " لا وصية لوارث " تقيد لم يتكلم به ﵌، ولا دل عليه كلامه بوجوبه من وجوه الدلالة، لا مطابقة، ولا تضمنا، ولا التزاما. وإذا لم يكن على هذا دليل لزم القائل بأن النسخ لوجوب الوصية للوارث لا لغير الوجوب أن يقول هذه المقالة في كل ناسخ ومنسوخ، فيقول مثلا: إن النسخ للتوجه إلى بيت المقدس إنما هو نسخ للوجوب (١)، فيبقى جواز استقباله أو ندبيته، وهذا يستلزم صحة صلاة من توجه إليه، وهو خرق للإجماع، ومخالفة للعموم من الدين ضرورة. فإن قال: إنه قال ذلك في الوصية للوارث لما فهمه من قوله: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " (٢) فما باله لا يفهم مثل هذا في استقبال بيت المقدس، فإن الله قد فرض على [٤ب] كل مسلم استقبال الكعبة، فلا استقبال لبيت المقدس، دوران هذا دوران ذلك، وهكذا يلزمه أن يحمل كل نسخ على الوجوب، إلا ما وقع التصريح فيه بزيادة على ما صرح به قوله ﵌: " لا وصية لوارث ". فإن قال: أنا أخص ذلك بالوصية للوارث. فنقول له: ما الدليل على ذلك؟ وما بال هذا الموضع كان قابلا لهذا منك دون غيره. فإن قال: قد ورد له نظير، وهو صوم يوم عاشوراء، فإن صومه مشروع مع كونه منسوخا بوجوب صوم ..........................

стр. 3905

رمضان (١). قلت: هذا خصه الدليل، فإن النبي ﵌ يرغب في صومه (٢) بعد نسخه، فمتى سمعت أنه ﵌ يرغب في الوصية للوارث بعد نسخها؟ على أن بين الموضعين فرقا، فإن الجمع بين الناسخ والمنسوخ في الوصية للوارث يستلزم الإضرار بغير من وقعت له الوصية من الورثة، وتقليل نصيبه المفروض له، ودفعه عن بعض ما أوجب له، وهذا قد ورد منعه في الشريعة المطهرة بمثل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (٣)، وبقوله:

стр. 3906

﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١). قد بينها المفسرون كالزمخشري (٢) وغيره (٣) بما يفيد ما ذكرناه، ورد عنه ﵌ في وصية الضرار أنها محبطة للأعمال، وموجبة لدخول النار، وهو حديث (٤) صحيح (٥). وفي الجملة فمن أوصى بوصية تخالف وصية الله - سبحانه - المذكورة في محكم كتابه بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٦) إلى آخر الآيات. قلنا له: هذه الوصية رد عليك، فقد وجدنا في كتاب الله تعالى أن الله أوصى عباده جميعا، بما يخالف ما وصيت به أنت، فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٧) إلى آخر الآيات , ووصية الله - سبحانه - أقدم، وهو بمصالح عباده أعلم وأحكم، ووجدنا رسول الله ينادي الأمة بأن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث؛ فوصيتك يا هذا مخالفة لكتاب الله، ولسنة رسوله، فهي رد عليك.

стр. 3907

وقد صح عنه ﵌ وتواتر أنه قال: " كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد " (١) فهذه الوصية مخالفة لما شرعه الله في محكم كتابه، وعلى لسان رسوله وكل مخالف لما شرعه الله في محكم كتابه، وعلى لسان رسوله رد، فهذه الوصية رد. وأيضا هذه الوصية ليس عليها أمر رسول الله ﵌ وأمته، وكل ما ليس عليه أمر رسول الله ﵌ وأمته فهو رد، فهذه الوصية رد، أما في الصغرى في القياسي فلما بيناه سابقا، وأما الكبرى، فهذا الحديث المتواتر (٢). وإذا تقرر لك جميع ما أوردناه، واندفع به دعوى من يدعي جواز الوصية للوارث، أو ندبها، فاعلم أن هاهنا دليلا يكفيك مؤنة التدليل والتحقيق الذي أسلفناه، وأسلفه البدر ﵀ وهو ما أخرجه الدراقطني [٥أ] (٣) من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: " لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة ". وقد حسن هذا الحديث الحافظ في التلخيص (٤)، وقال في الفتح (٥): رجاله ثقات، وما قيل من أنه معلول بأن الذي رواه عن ابن عباس هو عطاء، وقد قيل إنه الخراساني (٦) فهو مدفوع بأنه قد أخرج نحوه البخاري (٧) من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس موقوفا، قال الحافظ (٨): إلا أنه في تفسير وأخبار بما كان من الحكم قبل نزول القرآن، فيكون

стр. 3908

في حكم المرفوع، وأخرجه أبو داود في المراسيل (١) من مرسل عطاء الخراساني، ووصله (٢) يونس بن راشد عن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، فهذا الحديث المرفوع مع ما عضده قد صرح فيه النبي ﵌ بنهي الجواز، وهو نص في محل النزاع يدفع القول بأن المنسوخ إنما هو الوجوب فقط دفعا لا يبقى بعده شك ولا ريب. واعلم أن البدر ﵀ قال في آخر رسالته ما لفظه: فعليك أيها الناظر في البحث بتأمله،، وتحققه، وتكرار النظر فيه، حتى يتبين لك الحق (٣) بيد من هو، والحمد لله رب العالمين. ذكر في الأم، حرر في الثلث الأول من ليلة الاثنين لعله تاسع عشر شهر محرم سنة ١٢١٠، وكان النقل يوم الخميس ١٢ شهر محرم سنة ١٣١٤.

стр. 3909

(١٦٠) ٢٧/ ١ جواب سؤال ورد من أبي عريش حول الوصية بالثلث تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3910

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: جواب سؤال ورد من أبي عريش حول الوصية بالثلث. ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وسلم وبعد فإنه وصل إلي سؤال في شهر القعدة سنة ١٢٠٧هـ كراسة فيها اختلاف بين حكام المخلاف السليماني .. ٤ - آخر الرسالة: ومن أحسن من الله حكما. انتهى من تحرير المجيب عمدة المسلمين وحاكمهم القاضي محمد بن علي الشوكاني حفظه الله تعالى. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٣ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٧ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٤ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3911

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وسلم وبعد: فإنه وصل إلي سؤال في شهر القعدة سنة ١٢٠٧ هـ، كراسة فيها اختلاف بين حكام المخلاف السليماني من ولاية أبي عريش، وسألوني أن أحكم بينهم في القضية التي تعد، وصفتها أن رجلا مات وخلف أخا، وأوصى بجميع ماله، ثم كتب وصيته بعض حكام ذلك القطر، وأمره أن يقتصر على الثلث لتصح الوصية، فاقتصر عليه، وقامت شهادة متكاثرة أن الموصي قال في مرضه الذي مات فيه، وفي حال صحته: لأحرمن أخي الميراث، فرجح بعض حكام ذلك المحل بطلان هذه الوصية، وإن كانت بالثلث لاشتمالها على الضرار الذي حرمه الله، واستدل على ذلك بأدلة، ورجح بعضهم صحتها بالثلث؛ لأن القربة غير شرط، وقد جعل الله للميت ثلث ماله يتصرف فيه كيف شاء. والكلام في المسألة معروف مدون في مواضعه، ولكني أذكر منها ما هو الراجح عندي وأبين ما دلت عليه الأدلة باعتبار العمل الأصولي. فأقول: قد وردت أدلة قاضية بجواز الوصية بالثلث لمن كان له وارث، منها حديث ابن عباس أن رسول الله ﵌ قال: " الثلث، والثلث كثير " متفق عليه (١)، وحديث سعد بن أبي وقاص بنحوه عند الجماعة (٢) كلهم، ونحوها.

стр. 3912

ولا شك أن الإذن بالثلث مقيد بما ورد من النبي عن الضرار كتابا وسنة، أما الكتاب فقول الله تعالى:﴾ غير مضار ﴿(١) بعد قوله:﴾ من بعد وصية يوصى بها أو دين ﴿(٢)، فإن التقيد بعدم الضرار، وبعد إطلاق الوصية يدل دلالة واضحة على أن كل وصية وقعت لقصد الضرار غير صحيحة، ولا فرق بين أن يكون بالثلث، أو بما دونه، أو بما فوق، وقد صرح بهذا العلامة جار الله (٣) فقال: وذلك بأن يوصي بزيادة على الثلث، أو يوصي بالثلث فما دونه، ونيته مضارة ورثته ومغاضبتهم، لا وجه الله تعالى. انتهى. وقال الأمير الكبير الحسين بن محمد في الشفا (٤) بعد أن ذكر حديث: " لو أن رجلا عبد الله ستين سنة، ثم ختم وصيته بضرار، لأحبط الضرار عبادته، ثم أدخله النار " ما لفظه: دل على ذلك أن كل وصية مخالفة للشرع النبوي، ومقتضية لتفضيل بعض الورثة على بعض، أو لإخراج المال مضارة للورثة، وميلا عن الحق، وتجنبا للشرع لا يجوز، وأنها من الكبائر، لذلك أحبطت العبادة الواجبة. انتهى. وهذا الحديث أخرجه أبو داود (٥)، والترمذي (٦)، والحاكم (٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: " إن الرجل [١] ليعمل، أو المرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار " ثم قرأ أبو هريرة:﴾ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى

стр. 3913

بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ﴿إلى قوله:﴾ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿(١). وأخرجه أيضًا أحمد (٢)، وابن ماجه (٣) بمعناه، وقالا فيه: سبعين سنة. ولا شك أن العمل إذا كان من موجبات دخول النار، ومن أسباب إحباط العمل الكثير محظور، وقد حكى الإمام المهدي في البحر (٤) الإجماع على عدم صحة الوصية لمحظور، ولا فرق بين الوصية المحظورة والوصية بالمحظور، لأن مناط المنع واحد، وكذلك حكى الإجماع غيره، كصاحب الوافي (٥)، وعلي بن العباس في الوصية للحربي لكونها محظورة، ومن الأدلة القرآنية على عدم جواز الضرار قول الله تعالى:﴾ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ ﴿(٦).

стр. 3914

فسر صاحب الكشاف (١) الجنف بالميل عن الحق بالخطأ في الوصية، وفسر قوله: فأصلح بينهم، بإجرائهم على طريق الشرع، ثم قال: لأن تبديله تبديل باطل إلى حق وبلا ريب أن رد وصية الضرار إلى منهج الشرع لا يكون إلا بإبطالها ومحو أثرها، وإزالة رسمها , والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الواردة بمنع الضرار عموما وخصوصا أكثر من أن تحصى، فإن قيل: إن حديث أبي أمامة عند البيهقي (٢) والدراقطني (٣) بلفظ: " إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم، لتجعل لكم زكاة في أموالكم " وكذلك حديث أبي الدرداء عند أحمد (٤) بنحوه، وكذلك حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (٥) والبزار (٦) والبيهقي (٧) بنحوه، وكذلك حديث أبي بكر الصديق عند العقيلي في تاريخ الضعفاء (٨) بنحوه، تدل على أن

стр. 3915

الإنسان مفوض في ثلث ماله يتصرف فيه عند موته كيف يشاء من غير فرق بين وصية الضرار وغيرها، فهي أعم من الأدلة القاضية بتحريم الضرار من وجه وأخص من وجه، فلا تصلح أدلة الفرار لتخصيصها ولا لتقييدها، كما تقرر في الأصول أن الدليلين إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه فلا سبيل إلى الجمع، بل يتعين المصير إلى التعارض (١)

стр. 3916

والترجيح (١)، فالجواب عن هذا من وجوه: الأول: أن أسانيدها (٢) كلها ضعيفة كما صرح بذلك الحفاظ، وفي إسناد حديث أبي أمامة إسماعيل بن عياش، وشيخه عتبة بن حميد، وهما ضعيفان، وفي إسناد حديث أبي بكر حفص بن عمر بن ميمون، وهو متروك. وروي أيضًا من طريق خالد بن عبيد الله السلمي، وهو مع كونه مختلفا في صحبته في إسناده ابنه الحارث بن خالد، وهو مجهول، وبقية الأسانيد ضعيفة كما سلف، وممن صرح بذلك الحافظ (٣). الوجه الثاني: أن يقال: وعلى تسليم صحة الاجتماع بها لتقوية بعضها بعضا فلا

стр. 3917

نسلم [٢] أن ظاهرها عدم الفرق بين وصية الضرار وغيرها، لأن وصية الضرار قد سلف أنها من محبطات الأعمال، ومن موجبات دخول النار، فهي بلا شك زيادة في السيئات لا زيادة في الحسنات، والنبي ﵌ قد قيد الإذن بالتصرف في الثلث والتفويض فيه بقوله: زيادة في حسناتكم، وفي حديث أبي هريرة (١) المشار إليه بلفظ: زيادة في أعمالكم، فليس في هذه الأحاديث بعد تقييدها بالزيادة في الحسنات , والزيادة في الأعمال ما يدل على أنها تدل على صحة وصية الضرار (٢). الوجه الثالث: أنا لو سلمنا أنها أعم من الأدلة المانعة من وصية الضرار من وجه، وأخص منها من وجه، ولم نلتفت إلى ما قيدت به من الزيادة في الحسنات، والزيادة في الأعمال، وصرنا إلى التعارض والترجيح، فلا يشك من له أدنى تمسك بأذيال العلم أن نصوص الكتاب والسنة القاضية بالمنع من وصية الضرار أرجح من هذه الأحاديث الضعيفة. وإذا تقرر هذا علم المنصف أن من أجاز الوصية بالثلث ضرارا وإحراما للوارث ليس بيده دليل، وأما ما يستند إليه من قصر باعه، وقلة حظه، واطلاعه من أن الوصية ليس من شرطها القربة فتصح وصية الضرار (٣)؛ فهذه غفلة عظيمة سببها عدم الاطلاع على

стр. 3918

الأدلة، وعلى كلام الأئمة؛ لأن عدم اشتراط القرابة إنما يدل على جوازها مع عدمها كالوصية المباحة، أو بالمباح لا جوازها مع وجود المعصية، كأن تكون هي معصية بنفسها أو تؤول إلى المعصية؛ فإنها غير صحيحة، ولا جائزة، وقد تقدم ما يدل على أن ذلك إجماع، وهذا لا يخفى على من له أدنى إلمام بعلم الفروع، فإنه قد صرح في الأزهار (١) الذي هو مدرس صغار الطلبة أنه يجب امتثال ما ذكر (٢)، أو عرف من قصده ما لم يكن محظورا (٣)، يعني فلا يجب امتثاله، بل لا يجوز، لأن تنفيذه وتصحيحه من المعاونة على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى:﴾ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴿(٤) فهذا النهي القرآني يدل على تحريم تنفيذ الوصية المشتملة على ....................................

стр. 3919

الضرار (١)، ومن الطاعة للمخلوق في معصية الخالق، وقد ثبت عنه ﵌ في دواوين الإسلام أنه قال: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " (٢) ومن ترك إنكار المنكر؛ وقد تواترت أحاديث الأمر به , والنهي عن تركه. وبهذا يتبين أن الوصية التي لا يراد بها وجه الله، بل المضارة للوارث، وإحرامه ما فرضه الله له باطلة من غير فرق بين أن يكون بالثلث، أو بما دونه، أو بما فوقه، فإذا قامت البينة العادلة على إقرار الموصي بما يدل على ذلك فوصيته مردودة، هذا حكم الله، ومن أحسن من الله حكما [٣].

стр. 3920

انتهى من تحرير المجيب عمدة المسلمين وحاكمهم القاضي محمد بن علي الشوكاني حفظه الله تعالى.

стр. 3921

(١٦١) ١٣/ ٤ المباحث الدرية في المسألة الحمارية تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حلاق أبو مصعب

стр. 3922

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: المباحث الدرية في المسألة الحمارية. ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله. - كثر الله فوائدكم - وصل سؤالكم المتضمن لطلب ما عند الحقير في مسألة زوج وأم وأخوين وأم، وأخوين لأم. ٤ - آخر الرسالة: وهذا المقدار كفاية وإن كان البحث محتمل للتطويل. والحمد لله أولا وآخرا بقلم المجيب محمد الشوكاني. ٥ - نوع الخط: خط نسخي رديء. ٦ - عد الصفحات: ٧ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٥ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ٩ كلمة. ٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني. ١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3923

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله. كثر الله فوائدكم وصل سؤالكم المتضمن لطلب ما عند الحقير في مسألة زوج وأم وأخوين لأب وأم، وأخوين لأم، هل الراجح لديه قول من قال: إن للزوج النصف وللأم السدس، والباقي للأخوين لأم، ويسقط الأخوان لأبوين؟ أم الراجح قول من قال: إن الثلث الباقي يشترك فيه الإخوة لأبوين، والإخوة لأم على السواء (١)؟.

стр. 3924

فأقول: الحديث الصحيح الثابت في الصحيحين (١) وغيرهما (٢) من حديث ابن عباس أن النبي ﵌ قال: " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأول رجل ذكر " يدل على ما قاله الأولون في هذه المسألة من اختصاص الإخوة لأم بالثلث الباقي. ووجهه أنهم من أهل الفرائض؛ لأن المراد بها الأنصباء المقدرة المنصوص

стр. 3925

عليها في كتاب الله أو سنة رسوله، المحدودة بحد معلوم، المحصورة بحاصر معين. وهذه المسألة قد اشتملت على أهل الفرائض المقررة، وهو الزوج والأم والإخوة لأم. أما الزوج والأم فظاهر، وأما الإخوة لأم فلقوله تعالى:﴾ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ﴿(١) فهذه الآية هي في بيان ميراث الإخوة لأم، قال القرطبي في تفسيره (٢): أما هذه الآية فأجمع العلماء أن الإخوة فيها عني بها الإخوة لأم، قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم، أو للأب ليس ميراثهم هكذا، فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله:﴾ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴿(٣) هم إخوة المتوفى لأبيه وأمه، أو لأبيه، ولم يختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا، فدلت الآيتان أن الإخوة كلهم جميعا كلالة. والكلالة (٤): ما كان سوى الولد والوالدين من الورثة إخوة، وغيرهم من العصبة، وبه قال علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، قال الطبري (٥): الصواب أن الكلالة الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده [١ب]. وحكاه القرطبي (٦) أيضًا عن أبي بكر الصديق، وعمر، وجمهور أهل العلم، وبه قال صاحب العين (٧)، وأبو منصور اللغوي، وابن عرفة، والقيسي، وابن الأنباري، قال سليمان بن عبيد (٨): ما
следующие страницы →