← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

(١٦١) ١٣/ ٤ المباحث الدرية في المسألة الحمارية تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حلاق أبو مصعب

стр. 3922

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: المباحث الدرية في المسألة الحمارية. ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله. - كثر الله فوائدكم - وصل سؤالكم المتضمن لطلب ما عند الحقير في مسألة زوج وأم وأخوين وأم، وأخوين لأم. ٤ - آخر الرسالة: وهذا المقدار كفاية وإن كان البحث محتمل للتطويل. والحمد لله أولا وآخرا بقلم المجيب محمد الشوكاني. ٥ - نوع الخط: خط نسخي رديء. ٦ - عد الصفحات: ٧ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٥ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ٩ كلمة. ٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني. ١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3923

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله. كثر الله فوائدكم وصل سؤالكم المتضمن لطلب ما عند الحقير في مسألة زوج وأم وأخوين لأب وأم، وأخوين لأم، هل الراجح لديه قول من قال: إن للزوج النصف وللأم السدس، والباقي للأخوين لأم، ويسقط الأخوان لأبوين؟ أم الراجح قول من قال: إن الثلث الباقي يشترك فيه الإخوة لأبوين، والإخوة لأم على السواء (١)؟.

стр. 3924

فأقول: الحديث الصحيح الثابت في الصحيحين (١) وغيرهما (٢) من حديث ابن عباس أن النبي ﵌ قال: " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأول رجل ذكر " يدل على ما قاله الأولون في هذه المسألة من اختصاص الإخوة لأم بالثلث الباقي. ووجهه أنهم من أهل الفرائض؛ لأن المراد بها الأنصباء المقدرة المنصوص

стр. 3925

عليها في كتاب الله أو سنة رسوله، المحدودة بحد معلوم، المحصورة بحاصر معين. وهذه المسألة قد اشتملت على أهل الفرائض المقررة، وهو الزوج والأم والإخوة لأم. أما الزوج والأم فظاهر، وأما الإخوة لأم فلقوله تعالى:﴾ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ﴿(١) فهذه الآية هي في بيان ميراث الإخوة لأم، قال القرطبي في تفسيره (٢): أما هذه الآية فأجمع العلماء أن الإخوة فيها عني بها الإخوة لأم، قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم، أو للأب ليس ميراثهم هكذا، فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله:﴾ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴿(٣) هم إخوة المتوفى لأبيه وأمه، أو لأبيه، ولم يختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا، فدلت الآيتان أن الإخوة كلهم جميعا كلالة. والكلالة (٤): ما كان سوى الولد والوالدين من الورثة إخوة، وغيرهم من العصبة، وبه قال علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، قال الطبري (٥): الصواب أن الكلالة الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده [١ب]. وحكاه القرطبي (٦) أيضًا عن أبي بكر الصديق، وعمر، وجمهور أهل العلم، وبه قال صاحب العين (٧)، وأبو منصور اللغوي، وابن عرفة، والقيسي، وابن الأنباري، قال سليمان بن عبيد (٨): ما

стр. 3926

أراهم إلا قد تواطؤا وأجمعوا على أن الكلالة من مات ليس له ولد ولا والد سموا القرابة كلالة؛ لأنهم أطاقوا بالميت من حواليه، وليسوا منه، ولا هم منهم، بخلاف الولد والوالد، فإنهما طرفان للرجل، فإذا ذهبا أطاق به سائر القرابة، وقال أبو عبيدة (١): الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ. قال أبو عمر: ذكر أبي عبيدة الأخ هنا غلط لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره، فعرفت اتفاق أهل اللغة على أن الكلالة من القرابة (٢) هم من عدا الوالد والوالد، وأن الإخوة لأبوين، أو لأحدهما كلالة، ولكن بعضهم من أهل الفرائض، وهم الإخوة لأم، وبعضهم ليسوا من أهل الفرائض، وهم الإخوة لأبوين أو لأب، فإن الله - سبحانه - لم يقدر ميراثهم بل قال:﴾ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴿(٣). وعرفت إجماع أهل العلم على أن قوله تعالى:﴾ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴿(٤) هي في الإخوة لأم، فصح حينئذ الاستدلال بحديث: (ألحقوا الفرائض بأهلها) (٥) على أن الثلث الباقي بعد فرض الزوج والأم

стр. 3927

للإخوة لأم دون الإخوة لأبوين، وهو قول علي، وابن مسعود، وأبي موسى، والشعبي، وشريك، ويحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر، وأبي ثور، ونعيم بن حماد، وداود بن علي، واختاره ابن المنذر، وقال عمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، ومسروق، وشريح، ومالك، والشافعي، وإسحاق: أن الإخوة لأبوين والإخوة لأم يشتركون في الثلث قالوا: هب أن أباهم حمارا، وبهذا سميت هذه المسألة الحمارية (١).

стр. 3928

والقول الأول أرجح (١) لدلالة الدليل الصحيح عليه، ولم يدفعه أهل القول الثاني بدافع يصلح للتشبث به، وغاية ما استدلوا به هو أن المقتضي لتوريث الإخوة لأم موجود في الإخوة لأبوين، وزيادة كونهم إخوة لأب مع كونهم إخوة [٢أ] لأم لا يصلح لكونه مانعا بذلك المقتضى، بل مؤيد له، ومؤكد لاقتضائه للميراث.

стр. 3929

ولا يخفى عليك أن هذا مجرد رأي لا يصلح لنصبه في مقابل الدليل الصحيح، وهو قوله ﵌: " ألحقوا الفرائض بأهلها " (١) كما تقدم. لكن هذا إنما يتم على تسليم أن المراد بالفرائض الفروض المقدرة في الكتاب والسنة، وأن ذلك هو معناه اللغوي أو الشرعي، أما لو لم يكن ذلك معناها لا لغة ولا شرعا فلا يصح استدلال من استدل بالحديث على ذلك المدلول الذي قال به القائلون بأن الثلث الباقي بعد فرض الزوج والأم في مسألة السؤال لإخوة لأم دون الإخوة لأبوين، قال ابن بطال (٢) - في بيان معنى الحديث -: المراد أن الرجال من العصبة بعد أهل الفروض إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميت استحق دون من هو أبعد، فإن استووا اشتركوا، وقال ابن التين (٣): المراد العم مع العمة، وابن الأخ مع بنت الأخ وابن العم مع بنت العم، فإن المذكور يرثون دون الإناث، وخرج من ذلك الأخ مع الأخت لأبوين أو لأب، فإنهم يشتركون بنص قوله تعالى:﴾ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ ﴿(٤)، وكذلك الإخوة لأم أنهم يشتركون هم والأخوات لأم لقوله:﴾ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ﴿(٥). وهكذا سائر شراح الحديث تكلموا نحو هذا الكلام، ولم يوضحوا أن معنى الفرائض [٢ب] في الشرع أو اللغة هو القدرة المسماة (٦) في الكتاب والسنة، بل غاية ما هناك أن الفرض عند أهل اللغة يطلق على التقدير.

стр. 3930

وقد ورد من معانيه عند أهل اللغة ما فرضه الله، أي أوجبه، ومن معانيه الحكم الشرعي، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن الفرائض المذكورة في الحديث هو جميع ما هو مذكور في الكتاب والسنة، سواء كان مقدرا، أو غير مقدر، ومعنى إلحاقها تقديمهم على الترتيب الشرعي، والمراد بقوله: " وما بقي فلأولى رجل ذكر " (١) يعني ممن لم يذكر في الكتاب العزيز، كالعم، وابن العم، وإلا لزم تقديم أهل الفروض المقدرة على البنين وبني البنين، وهو باطل بالإجماع. نعم. إن صح ما ذكره النووي في شرح مسلم (٢) أن حديث: " ألحقوا الفرائض بأهلها " يدل على أن الباقي بعد استيفاء أهل الفروض المقدرة للعصبات، وأن ذلك مجمع عليه كان الإجماع متمسكا للمستدلين بالحديث في مسألة السؤال. فإن قلت: على فرض أنه لا يصح الاستدلال بالحديث على اختصاص الإخوة لأم بالثلث الباقي بعد فرض الزوج والأم مما هو الحق عندك من المذهبين المذكورين في مسألة السؤال. قلت: قد دل قوله - سبحانه -: بقوله﴾ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ﴿(٣) مع انضمام الإجماع (٤) على أن المراد بالأخ والأخت أو أكثر منهما في هذه

стр. 3931

الآية الإخوة لأم كما تقدم تقريره. ومع انضمام قراءة من قرأ [٣أ]: وله أخ أو أخت من أم إلى ذلك كما في قراءة سعد بن أبي وقاص أخرج ذلك عنه سعيد بن منصور (١)، وعبد بن حميد (٢)، والدرامي (٣)، وابن جرير (٤)، وابن جرير (٥)، وابن المنذر، وابن ابن أبي حاتم (٦)، والبيهقي في سننه (٧) بلفظ: أنه كأنه يقرأ: وله أخ أو أخت من أم، على أنه إذا كان الميت كلالة أي لا ولد له، وإن سفل ولا أب له وإن علا، ووجد في الورثة أخ لأم أو إخوة لأم ثبت لمن وجد منهم الميراث، ولم يشرط الله - سبحانه - في ميراث الإخوة لأم غير هذا الشرط. ومسألة السؤال قد حصل فيها هذا الشرط، وهو كون الوارث كلالة، وثبت ميراث الإخوة لأم لوجود المقتضى، وهو كون الموروث كلالة، وعدم المانع من ميراث الإخوة لأم، ولا يصح جعل الإخوة لأبوين مع الإخوة لأم مانعا بالاتفاق، أما من جهة القائلين بأن الإخوة لأبوين يشاركون كون الإخوة لأم في الثلث الباقي فكذلك لأنهم لم يدعوا أن وجود الإخوة لأبوين مانعا من ميراث الإخوة لأم، بل ادعوا أنهم يشاركونهم. والمقتضي [٣ب] للمشاركة لا يصح إطلاق اسم المانع عليه. غاية الأمر أنه مانع في البعض، وهو ما صار إلى الإخوة لأبوين مع الإخوة لأم لا مانع في الكل، وعلى كل تقدير أنه لا يصح إطلاق اسم المانع من إرث الإخوة لأم عليه، فقد تقرر بهذا أنه وجد

стр. 3932

المقتضي لميراثهم وانتفى المانع. وأما يتعلق به القائلون بأن الإخوة لأبوين يشاركون الإخوة لأم، وهو أنه قد صدق على الإخوة لأبوين أنهم إخوة لأم، ولا يقدح في هذا الصدق كونهم إخوة لأب، لأنه قد حصل المطلوب بكون أمهم وأم الميت واحدة فمندفع بما قدمنا من الإجماع (١) على أن قوله تعالى:﴾ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ﴿(٢) مع القراءة التي صحت عن الصحابي المتقدم ذكره، وإذا كانت هذه الآية في الإخوة لأم دون سائر الإخوة ثبتت دلالة الدليل على المطلوب [٤أ]، ولا يضرنا كون الإخوة لأبوين يصدق عليهم أنهم إخوة لأم، فإنه وإن صدق عليهم هذا الوصف، لم يصدق عليهم أنهم إخوة لأم فقط، وهذه الآية التي دلت على تقديم الإخوة في لأم في مثل مسألة السؤال قد أقمنا البرهان على أنها في ميراث الإخوة لأم فقط. وأما الإخوة بغير هذا الوصف أعني فقط، فهم مذكورون، ومذكور ميراثهم بعد هذا الدليل الذي دل على ميراث الإخوة لأم فقط، وهو قوله تعالى:﴾ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴿(٣) فهذه الآية هي الدليل على ميراث سائر الإخوة غير الإخوة لأم، وهي لا تعارض آية الإخوة لأم بوجه من الوجوه (٤). وتقرر بهذا أن الدليل [٤ب] الدال على تقديم الإخوة لأم فقط على الإخوة لأبوين في مسألة السؤال هو قرآني على فرض أن حديث: " ألحقوا الفرائض بأهلها " (٥) لا يدل

стр. 3933

على ذلك كما قاله من تقدم حسبما أوضحناه، على أنا نقول: إن الظاهر هو دلالة هذا الحديث على تقديم الإخوة لأم في مسألة السؤال، واستحقاقهم للباقي بعد فرض الزوج والأم، وما نقص به الناقص المتقدم ذكره من أنه كان يلزم ذلك في الولد وولد الابن فجوابه أنا نقول بموجب هذا الإيراد، ونقول هذا الإلزام ملتزم ولا نقض ولا إبطال، بل تقدم على الولد وولد الابن جميع من يوجد معهم من أهل الفروض المقدرة كالأم والأب والزوج والزوجة ونحوهم، لا من كان ساقطا بالولد، وولد الابن من أهل الفروض كالإخوة لأم. فتقرر لك بهذا دلالة الحديث على تقدم الإخوة لأم فقط. فتنضم دلالة السنة إلى دلالة الكتاب (١). وفي هذا المقدار كفاية، وإن كان البحث محتمل للتطويل. والحمد لله أولا وأخيرا. بقلم المجيب محمد الشوكاني.

стр. 3934

(١٦٢) ٥١/ ٢ إيضاح القول في إثبات العول تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب وقد صدر هذه الرسالة بجواب عن مسألة دوس الزرع بالحيوانات غير المأكولة كالحمير ونحوها، وتروث وتبول حال دوس الزرع والجواب عن ذلك.

стр. 3935

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: إيضاح القول في إثبات العول. ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم" وبعد حمد الله على كل حال. وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه خير خصبٍ وآل فإنَّه وصل هذان السؤالان من مولاي العلامة المفضال صفي الآل نبراس الكمال والجلال، أحمد بن يوسف زبارة ٤ - آخر الرسالة: فلا حاجة بنا إلى إيراده هاهنا، وتكريم الكلام عليهن وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية والله ولي التوفيق. حرر في شهر رجب سنة ١٢١٧هـ. بقلم مؤلفه المجيب بن علي الشوكاني غفر الله لهما. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٣١ صفحة ما عدا صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٢ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة. ٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني. ١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3936

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبعد حمد الله على كل حال وصلاتِه وسلامِه على سيدنا محمد وآله وصحبه خيرِ صحبٍ وآلهْ. فإن وصل هذان السؤالانِ من موالي العلامةِ المفضال، صفي الله، نِبْراسِ الكمال والجلال أحمدَ بنِ يوسفَ زبراة (١) - ثبت الله إيراده وإصداره- قال: كثر الله فوائده-: السؤال الأول: فيما يقع في حال الدِّياسِ للزرع من الحميرِ والأُتَنِ من الرَّوْثِ والبولِ على الحبِّ المْداسِ فماذا يكون الحكمُ فيه؟ الأول: هل يجوز ذلك مما لا يؤكل لحمه؛ لأن فيه تعريضَ المداسِ للإهانةِ بوقوعِ الروث النجس، والبولِ النجسِ عليه. الثاني: إذا وقع على التبن والحبِّ مع المشاهدة هل يجبُ غسلُ الحبِّ جميعًا أو يعفى عن ذلك، أو يُرجَعُ إلى البراءة الأصليةِ؟ أو تقولُ ربَّما أصاب البولُ الحبَّ الكثير فمع تفرُّقِ الحبِّ في الحبوب الكثيرةِ ربما أنه يبقى على الحبة الواحدة ما هو معفوٌّ عنه، أو ما ذلك الحكمِ فقد بحثتُ عن ذلك في مظانَّه لم أجدْ ما يطمئنُّ إليه الخاطر؟ فأفضِلوا بالإفادةِ والتحقيقِ لذلك بما يغني عن الإعادةِ فالمسألةُ حادثةٌ والاستعمالُ لذلك من الزُّراعِ كائنٌ مأنوسٌ، فأدَاها الموروثُ إلى وارثَهُ. انتهى السؤال الأول.

стр. 3937

وأقول: إنه وقع الاتفاق بين جميع علماء الإسلام. أن الأصلَ في كل شيء الطهارةُ وأن هذا الأصلَ يجبُ استصحابُه (١) حتى يُعْلَمَ وجودُ الناقلِ عنه، علمًا شرعيًّا لا مجرَّد الظنون (٢) الفاسدةِ، التي هي شأن كثير من الموسوسينَ في الطهارةِ، فإن الانتقالَ عن ذلك الأصل المجمعِ عليه [اأ] بشيء من ظنونِ أهلِ الوسوسةِ لم يقل به قائلٌ من أهل العلم، بل هو غير جائز لا سيما في أبواب تطهيرِ النِّجسِ ورَفْعِ الحدث ولهذا ثبتَ عنه ﷺ أنه قال: "فمن زاد فقد أساءَ، وتعدَّ وظلم" (٣). بل جزم بعض أهل العلمِ بِفِسْقِ الموسوسينَ في الطهارةِ، المجاوزين للحدود التي شرعها الشارع. وإذا تقرَّر ما ذكرناه من الإجماع على أن الأشياءَ جميعَها طاهرةٌ أصالة حتى يُعلمَ وجودُ الناقلِ علمًا شرعيًّا. فاعلم أن الشارعَ قد أشار على هذا الأصلِ، وأرشدَ إليهن وعمل عليهن وقدَّره في غير موطنٍ، فمن ذلك حديثُ عبَّادِ بنِ تميم عن عمِّه قال: شكى إلى النَّبيِّ ﷺ والرجلُ يُخيَّلُ إليه أنه يجد الشيء في الصلاةِ قال: "لا ينصرف حتى يسمع

стр. 3938

صوتًا أو يجد ريحًا" أخرجه الشيخانِ (١) وغيرهما، وحديثِ أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخرجَ منه شيء أم لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمعَ صوتًا أو يجد ريحًا" أخرجه مسلم (٢) والترمذي (٣)، وأخرج نحوه الشيخان (٤) أيضًا من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني وأخرج نحوه أيضًا أحمدُ (٥) والحاكمُ (٦) وابنُ حبَّانَ (٧) من حديث أبي سعيد وفي إسناده عليُّ بن زيد بن جدعان. وأخرج نحوَه أيضًا البزَّار (٨) والبيهقي (٩) من حديث ابن عباس، وفي إسناده أبو أوَيْسٍ لكنَّه تابعه الدَّراوَرْديُّ. قال النوويُّ في شرح مسلم (١٠): هذا الحديثُ أصلٌ من أصول الإسلام، وقاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد الدين وهي أنَّ الأشياء يُحْكَمُ ببقائها على أصولها حتى يُتيقَّنَ خلافُ ذلك، ولا يضرُّ الشكُّ الطارئ عليها، فمن ذلك مسألةُ الباب التي ورد فيها الحديثُ،

стр. 3939

وهي أن من تيقَّن الطهارةَ وشكَّ في الحديثِ حكمَ ببقائِهِ على الطهارةِ ولا فرق بين حصول الشكِّ في نفس الصلاةِ، وحصولِه خارجَ الصلاة. وهذا مذهبنا ومذهبُ جماهيرِ [١ب] العلماء من السلفِ والخلفِ. ثم قال: ومن مسائلِ القاعدةِ المذكورةِ أن من شكَّ في طلاق زوجته، أو في عِتْقِ عبدِه أو نجاسةِ الماء الطاهر أو طهاة الماء النجسِ، أو نجاسةِ الثوبِ أو الطعام أو غيرِه، أو أنه صلى ثلاثَ ركعاتٍ أم أربعًا، أم أنه ركعَ وسجد أم لا، أو أنَّه نوى الصومَ، أو الصلاةَ، أو الوضوءَ أو الاعتكافَ، وهو في أثناء هذه العبادات ومن أشبهَ هذهِ الأمثلةَ! فكل هذه الشكوكُ لا تأثير لها، والأصل عدمُ الحادثِ. انتهى. ومن الأدلة الدالة على ذلك الأصلِ العظيم ما أخرجه الدارقطنيُّ (١) وغيره من حديث ابن عمرَ قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فسارَ ليلًا، فمرُّوا على رجل جالس عند مِقراةٍ له وهي الحوض الذي يجتمع فيه الماء. فقال عمر: أولغتِ السباعُ عليكَ الليلةَ في مِقْراتِك؟ فقال له النبيُّ ﷺ : " يا صاحب المقراةِ لا تخبره، هذا متكلِّفٌن لها ما حملتْ في بطونِها ولنا ما بقيَ شرابٌ طهورٌ" ففي هذا الحديث إرشاد إلى الوقوفِ على حكم الأصلِ، وهو الطهارة وعدمُ البحث والسؤال عن أسباب النجاسةِ المجوِّزِة، وأن ذلك من التكلُّف الذي يخالفُ الشريعةَ (٢).

стр. 3940

وتأملْ موقع هذا الخطابِ من النبي ﷺ حيث يقول: "يا صاحبَ المقراةِ لا تخبره" ثم يواجه هذا الصحابيَّ الجليلَ بقوله: "هذا متكلِّفٌ" فإنَّ في هذا أبلغَ زاجرٍ للمحكِّمينَ للشكوكِ، المتنطعينَ المتكلِّفين، المثبتين في هذه الشريعة ما ليس منها والأحاديث (١) في هذا الباب كثيرة لمن تتبعها، وأمعنَ النظرَ في شأنها. ولا شك أن الزرعَ الذي وقعَ السؤالُ عنه عند دياسته بدوابً لا تؤكلُ كالحميرِ والأُتنِ محكومٌ له بالطهارةِ؛ لأنه متولِّد بين طاهرينِ: الترابِ الذي نبتَ، والماء الذي سُقي به، بل هما مستحقَّان لوصف زائدٍ على مجرد كونِهما طاهرينِ وهو أنهما مطهَّران لغيرهما. وإذا تقرر أن الزرع المذكورَ [٢أ] طاهرٌ وأن طهارتَه مجمعٌ عليها من جميع المسلمينَ فالواجبُ استصحابُ هذا الأصل. ومن عَرَضتْ له شكوكٌ فسأل عن طهارتِها قلنا كما قال رسول الله ﷺ لعمر ﵁ أنه متكلِّفٌ. وأما إذا كان السؤالُ بأشياءَ لا عن مجرَّد شكوكٍ كهذا السؤالِ الذي أورده السائل- كثر الله فوائده- فإنه إنما سأل عن شيء يشاهده ويشاهده غيرُه من دياسِ الزُّرَّاعِ في الجرينِ بالدوابِّ التي لا يؤكلُ لحمُها؟ فنقول: لا شكَّ أن الدياس بها مظنَّة لوقوع البولِ

стр. 3941

والرَّوث منها في ذلك الشيء الذي تدوسه، فإن لم يحصلْ للإنسان إلا مجرَّدُ هذه المظنة فلا يجوز له أن ينتقل عن الأصل بها لأن المظنَّةَ هي محلُّ الظنِّ أعمُّ من أن يكون صحيحًا أو غيرَ صحيح، والانتقالُ عن ذلك الأصل إنما يكون بالعلم اليقيني عند جميع أهل العلم. ومن سوَّغ الانتقال بالظنِّ المقارِب للعلم فلكونه جعلَه لاحقًا بالعلم، ومن جوَّز الانتقالَ بخبر العدلِ الذي لا يُستفاد منه العلمُ فلكونه ورد الدليلُ العامُّ بالتعبُّد بأخبار العدلِ في مسائلِ العبادةِ ولم يردْ ما يدل على جواز العلم بمجرَّد كون الشيء محلًّا للظنِّ ولا سيما في النقل عن الأصل والبراءة المعتضدينِ بأقوال الشارعِ وأفعالِه، فمن رأى زرْعًا يداسُ بدوابِّ لا يؤكل لحمُها فلا يحلُّ له أن ينتقلَ عن طهارةِ شيء من ذلك، بل الحبُّ والكُدُسُ (١) طاهرانِ ولا أظنه يخالفُ في هذا مخالفٌ من علماء الإسلام. وأما إذا شاهدَ البولَ والرَّوثَ خارجًا من الدابة التي لا تؤكلُن واقعًا على مجموع الكُدُسِ والحبِّ اللذين يُداسانِ فاعلمْ أن من الجائز أن يكون ذلك الخارجُ واقعًا على الكُدُسِ وحدَه. وهذا هو الظاهر لكونه مثلَ الحبِّ أضعافًا مضاعفةً، ولكونه أيضًا يكون عن الدياسِ مرتفعًا وأما الحبُّ فإنه إذا خرجَ من سنابلهِ انحطَّ إلى تحت الكُدُسِ والحبِّ، ويأخُذ كل جنس حصَّتَه على مقدارِ كَثْرَتِه وقلَّتِهِ ومن الجائز أيضًا أن يكون واقعًا على الأرض عن انحفارِ الكدسِ والحبِّ، وإن كان ذلك نادرًا وهذا إنما هو باعتبار البولِ. وأما الروثُ فقد شاهدنا كثيرًا ممن يدوسُ يتلقَّف ذلك قبل وصوله إلى الأرض ويرمي به خارجًا وإذا وقع شيء من ذلك على الكدسِ أخذَه وأخذ ما قد لصق به من الكدسِ ورمى به خارجًا، ولا يتركونه يبقى ويتلوَّث بالكدسِ والحبِّ أصلًا.

стр. 3942

وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن مجرد الاحتمالِ المرجوحِ الذي ذكرناه في وقوع البولِ على الحبِّ لا يقول أحدٌ من علماء الإسلام أنَّه مسوغٌ للانتقال عن ذلك الأصلِ المعلومِ المجمعِ عليهن فإنه ليس بظنِّ فضلًا عن أن يكون علْمًا. وأما ما ذكره- كثر الله فوائده- من أن في الدياسِ بما لا يؤكل لحمهُ تعريضًا لما وقع الدياسُ له للإهانةِ بالبولِ والرَّوث والمحكومِ بنجاستهما فالأمر كذلك. فلا يجوز إلا عند الضرورة، والغالبُ أنهم يدوسونَ الكثيرَ بالبقرِ. والقليل يخبطونه بالخشبِ كما شاهدنا ذلك في غير مكان.

стр. 3943

قال- كثر الله فوائده-: السؤال الثاني: فيما ذاكرتُكم به شِفاهًا أيضًا في مسائل العول (١)، واستدلال ابن عباس- ﵄ بأن الزوجَ والأمّ لم يخرُجَا عن الفريضةِ بحالٍ، وأشار العلامة الحسن الجلال- ﵀ في ضوءه (٢) بأن من أعال أغفلَ التقييدَ، وأن ميراثَ الزوجينِ والأمِّ مقيِّداتٌ فروضُها وما عداها من الفروض مطلقاتٌ وأنه لم يحملوا المطلقَ على المقيَّد، وهي مخالفةٌ للعملِ الأصوليِّ، هذا ولم أحقِّقِ البحثَ لأني إنما [٣أ] سمعتُه إملاءً من بعض العلماء فقط، فأفضلوا بتحقيق البحثِ

стр. 3944

في ذلك؟ فكلام السيِّد الحسن الجلالِ لا يخلُو عن مقال، إذِ التقييدُ في قوله تعالى:﴾ إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ﴿(١) كالتقييدِ في قوله تعالى:﴾ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد (٢) إلى آخر الآياتِ، فأفضلوا بالإيضاحِ. وتجويدِ البحثِ بما يكون به كمالُ الإيضاحِ؟ كثر الله فوائدكم، وكتب ثوابكم، وجزاكم الله خيرًا- آمين انتهى السؤالُ الثاني.

стр. 3945

وأقول مستعينًا بالله، ومتكلًا عليه: إن هذا السؤالَ من أشدِّ الأسئلة إشكالًا، وأقواها إعضالًا؛ لأنه انقضى زمن النبوةِ، وأيامُ نزول الوحي من السماء، ولم تحدث مسألةٌ عائلةٌ إنما حدث العولُ في زمن الصحابة (١) فاختلفوا، وليسوا بملومينَ فإن تزاحُم الفرائضِ التي أهلُها يرثون جميعًا ولا يُسْقِطُ بعضُهم بعضًا قبلَ ذلك التزاحُم إذا قلنا أنَّه يرثُ بعضُهم ويُسْقِطُ بعضٌ عند التزاحمِ كان هذا الإسقاطُ لا دليلَ عليه إلا مجرَّدُ الرأي ولا يخفى أن إبطالَ ميراثِ وارثٍ وأثبتَ اللهُ ميراثَه مع كل وارثٍ من المزاحمينَ له بمجرَّد اجتماعِهم على الميراثِ اجتماعًا زادتْ به أجزاءُ فرائضِهم على أجزاء التركةِ. كما لم يدلُّ عليه دليل لا ترتضيه قلوبُ المتورِّعين، ولا تطمئنُّ به خواطرُ المتقيَن ولا تميلُ إليه عقولُ المجتهدين. وانظر إلى كل مسألةٍ من مسائل العولِ فإنك تجدُ جميعَ من فيها وارثًا غيرَ ساقطٍ، فمن قال أن البعضَ منهم وارثٌ عند التزاحم والبعضَ الآخرَ ساقِطٌ به فهو محتاجٌ إلى دليل يدلُّ على إسقاطِ ذلك الوارثِ، لا سيما بعد الاتفاقِ على إثباتِ ميراثِه في تلك الفريضةِ، فإن جاء بدليل قبِلْناه، وإن لم يأتِ بدليل إلا مجرَّدَ [٣ب] ما يتخيَّلُه من أن التزاحمُ مسوِّغٌ لجعل البعض وارِثًان والبعضِ الآخر ساقطًا فهذا التخيلُ ليس بدليل وهكذا ما قاله بعضُ المانعينَ (٢) للعَوْلِ من أنه ليس في المالِ نصفٌ ونصفٌ وثلثٌ. ذهب

стр. 3946

النصفان بالمال فأين موضع الثلث؟ فإن هذا مجرَّد استبعاد عمليٍّ، وعلى فرض صحَّتِه، والقول بموجبِه فنقول: نعم ذهب النصفانِ بالمال، فأين موضع الثلث؟ لكنْ أخبرونا مَنِ الذي أذنَ لكم عند هذه الحالةِ المستبعدةِ أن تورَّثوا بعضًا وتسقطوا بعضًا؟ إن قلتُم الآذِنُ لكم بذلك هو الله أو رسولُهُ فهذه باطلٌ بلا خلافٍ؛ فإن الله ورسولَه إنما فرضًا مواريثَ الوارثينَ حسبَما تضمَّنه القرآنُ والسنةُ، وبيَّنا الوارثَ والساقطَ، ولم يكن في القرآن ولا في السنة حرفٌ واحد في العولِ، ولا حدثَ ذلك في الأيام التي هي أيامُ نزولِ الوحي على رسول الله ﷺ كما قدمنا ذِكْرَهُ. وأما ما يروى عن ابن عباس وهو رأسُ القائلينَ بعدم العولِ من أنَّه قال: "لو قّدَموا من قدَّم الله، وأخَّروا من أخَّر الله" (١) هكذا حُكيَ

стр. 3947

عنه، وما أظنُّه يصحُّ فإن هذا الدليلَ مع كونه لا يشبهُ كلامَ الفصحاء ولا يحكي كلامَ العرب العرَْباء، فيه غايةُ السقوطِ، والجوابُ عنه من وجوه. الأول: على فرض صحة صدورهِ عن ابن عباس يقال له ما تريد بالتقديم والتأخير (١) هل تقديمُ الذِّكرِ [٤أ] في النزولِ أم التقديم في المصحفِ الشريفِ، أم مرادُكَ بالتقديم أن الله قدَّمهم في تقديم إخراجِ ميراثِهم من التركةِ قبلَ إخراجِ ميراثِ غيرِهم، أو المرادُ بالتقديم أنه جاء عن الله- سبحانه- على لسان رسوله؟ إن قال: المرادُ الأولُ أو الثاني فممنوعانِ، بل بطلانهما ظاهرٌ لا يخفى على عالمٍ. وإن أرادَ الثالثَ فأيُّ دليل من كتاب الله- سبحانه- ورد بأنه يقدِّم إخراجِ ميراث بعض الورثةِ من التركةِ قبل إخراجِ ميراثِ البعضِ الآخَرِ، فإنا لم نسمع بشيء في هذا، فمن وقف على ما يفيد ذلك فلْيُهْدِه إلينا. وإن أراد الرابعَ فليأتنا بالحجة أنَّه جاء شيء من ذلك على لسان رسول الله ﷺ . والوجه الثاني: أن الورثةَ الذين ينتقلون (٢) من فريضةٍ إلى فريضةٍ هم كثيرٌ، فإن البنتَ الواحدةَ مع عصبته فرضُها النصفُ، فإذا وُجدت معها بنتٌ أخرى انتقلتْ من النصف إلى الثلثِ (٣)، وهكذا الأخت الواحدةُ لأب وأم، أو لأب مع العُصْبَةِ فرضُها النصفُ. فإذا وجدتْ معها أختُها انتقلت من النصف إلى الثلثِ (٤)، وهكذا الأختُ لأبٍ مع العصبةِ

стр. 3948

فرضُها النصفُ. فإن وُجدت معها أخت مثلها انتقلت إلى الثلث، وهكذا الأخ لأمٍّ فرضُه السدسُ، فإن وجدَ معه أخوانِ لأمٍّ انتقل إلى التسع. وهكذا الزوجُ والزوجةُ فإنهما ينتقلانِ من النِّصفِ والرُّبُعِ إلى الرُّبعِ والثُّمُنِ (١)، وهكذا الأمُّ تنتقلُ من الثلثِ إلى السدسِ (٢) فهول لا يصدق على كل واحد [٤ب] منهم أنه ينتقلُ من فريضةٍ إلى فريضةٍ. فإن كان ابن عباس يجعلُهم جميعًا من المقدَّمين فكيف يصنعُ مثلًا في زوجٍ وأختٍ وأمٍّ! أو في زوج وأختينِ لأبٍ وأمٍّ وأم! أو في زوج وابنتين وأمٍّ،! أو في زوجةٍ وأختينٍ لأبوين وأمٍّ! ونحوِ هذه الفرائضِ، فإن هؤلاء جميعَهم على فرض أنه يقول بأنَّهم ممن قدَّم الله قد تزاحمتْ فرائضهم وعالتْ، فإن قال أنه يرثون جميعًا لأنهم ممن قدَّم اللهُ. فإن كل واحد منهم سيأخُذ فريضتَه المنصوصَ عليها لزمَهُ القولُ بالعولِ. وإن يخصُّ بعضَهم بإعطائِه نصيبَه وينقصُ على غيرِه فهذا تحكُّم محضٌ بعد تسليم أنَّهم جميعًا ممن قدم الله. فإن قال: إن الذي قدَّمهم الله إنما هو الزوجان والأبوان. فيقال له: قد وُجِدَ في جميعه ما جعلتَه كالبيانِ لمن قدَّم الله ولمن أخَّر فإن كلَّ واحد من هؤلاء إذا زال عن فريضة في جميعهم ما جلتَه كالبيانِ لمن قدَّم اللهُ ولمن أخَّر فإن كلَّ واحد من هؤلاء إذا زال عن فريضة انتقلَ إلى فريضة أخرى. فإن قال: المراد بذلك هو الذي لا يسقطُ بحال، بل يكون وارثًا في جميع الأحوالِ، ومع كلِّ وارث. ولكنه ينتقلُ من فريضة إلى فريضة بحسب اختلافِ الورثةِ. فنقول: البنتُ هكذا لا تسقطُ بحال، بل تنتقل من النصفِ إلى الثلثِ، أو إلى أقلَّ من الثلثِ بحسب عددِّ من يرثُ معهَا.

стр. 3949

ثم ما الدليل على أن من لا يسقط بحالٍ هو الذي [٥أ] قدَّمه الله. وعلى فرض هذا فإن خلفت الميتٌ ابنتَها وزوجها وأبويها، فإن كانوا ممن قدَّم الله جميعًا ففرْضُ البنت النصف، والزوجُ الربُع، والأبوينِ الثلثُ. فلا بد من القولِ بالعولِ، فإن قال أن بعضَ هؤلاء أقدمُ من بعض فمن هو الأقدم وما الدليلُ على ذلك مع كون كل واحد منهم لا يسقط بحال وبالجملة فلم يظهر لهذا الكلام الذي يروى عن ابن عباس وجهُ صحةٍ لا من طريق الأثرِ، ولا من طريق النظر. بل هو كلام متهافتٌ متناقضٌ (١). والوجه الثالث: لو سلَّمنا أن هذا الكلامَ صحيحٌ، وأنه غير متناقضٍ بل مقبولٌ فلا يخفاك أن كلام الصحابي ليس بحجةٍ (٢) على ما هو الحقُّ كما تقرَّر في الأصول فلا تقوم على القائلين بالعول الحجةُ بكلامه، وكيف يقومُ بكلامِهِ الحجَّةُ وقد خالفه من هو أكبرُ منه من الصحابة!. كما روي عن علي- ﵇ أنه قال على المنبر: "صار ثُمنها تسعًا" (٣) بل سيأتي أن الصحابة ..................................

стр. 3950

أجمعوا (١) على إثبات العولِ ولم يخالفْهم إلا ابن عباس. وإذا تقرر لك هذا فاعلم أنَّ السائل- دامت إفادته- لما أشار في سؤاله إلى كلام المحققِ الجلالِ (٢) كما عرفَ تعيَّن علينا أن ننقلَ كلامَ الجلالِ بحروفِه ثم نتكلَّم على ما فيه، ثم بعد ذلك نتكلَّم على كلامِه في كل فريضةٍ من الفرائضِ العائلةٍ لتعرفِ الحقِّ في هذه المسألةِ. فإنها مسألةٌ عظيمةٌ يترتَّب عليها اختلافُ التوريثِ في كثير من المسائلِ وذلك هو حق من حقوق العباد [٥ب]، ومظلمةٌ ماليَّةٌ لا بدَّ أن يقعَ السؤالُ عنها بين يدي اللهِ لكل من قضى فيها بقضيةٍ أو أفتى فيها بِفُتْيا، فإن من انتقص من نصيبِه بتقديمِ غيرِه عليه أو بمزاحمةِ غيره لا بدَّ أن يتعلَّق بمن صنعَ به ذلك حتى يفكَّه عدلُه,. وموافقتُه للحق أو يوبقْه جَوْره ومخالفته له. وأقلُّ الأحوال أن ينتقصَ أجرُه مع توفيتِه حقَّ الاجتهادِ كما ورد في الحديث المتفق عليه: "إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصابَ فله أجرانِ، وإن اجتهدَ فأخطأَ فله أجرٌ" (٣). ولكنه لا يكون هكذا إلا من وفَّى الاجتهادَ حقَّه في هذه المسألةِ، وقليلٌ ما هم. قال الجلال في ضوء النهار (٤) ما لفظه: وقيل: قاله الجمهورُ: لا يقدَّم أحدٌ بل تعولُ

стр. 3951

الفرائضُ أي تميلُ عن مقاسمتِها بحيثُ يصيرُ لكل منهم اسمٌ غير اسمِه الأولِ كما سمّى أمير المؤمنين كرم الله وجهه (١) في الخطبة المنبرية (٢) الثمنَ تِسْعًا، لأن [مقسم] (٣) الثمن ثمانية فأميل إلى تسعةٍ واحتجَّ القائلون بالعول بأنه استحال أن يكون لشيء ونصفٌ، ونصفٌ وثلثٌ، كما في زوج وأختٍ وأمٍّ مثلًا، فوجب تقسيطُ المال على المقادير، وهو معنى القولِ. وإلا كان إسقاطُ أحدِ المقاديرِ أو نقصه تحكُّمًا، وأجيبَ بمنع التحكُّم مسنَدًا بأن فرضَ غير الأبوينِ والزوجينِ مطلقٌ (٤)، والمطلقُ غيرُ عامٍّ للأحوال المسماةِ بالأوضاعِ والأزمان لأنَّ العامَّ مقيَّدٌ (٥) كما علم في الأصول، ولا شيء من المطلق مقيَّدٌ على أنه لو كان

стр. 3952

عاما لوجوب تخصيصُه بفرضِ الأبوين والزوجينِ (١)، لأن الأقلَّ مقيَّدٌ بوجود الولد والأكثرَ بعدمِ الولدِ، فهو خاصٌّ في الأحوالِ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامِّ كما عَلِمَ. وإذا ثبتَ أنْ لا عمومَ للمطلق (٢) فهو صادقٌ في ضمن مقيَّدٍ ما، وهو ما خلا [حالة] (٣) مزاحمةِ فروض الأبوينِ والزوجينِ مقيدٌ المعارضةَ للمطلقِ، وإلا لزمَ مخالفةَ أصلينِ متفقٍ عليهما: أحدهما: أن الاجتهادَ إنما يصح في مقابلةِ الظواهرِ [٦أ] بتأويلها وتخصيصِها وتقييدِها بالقياس ونحوه، وأما النصوص الصرائح التي لا تحتملُ تخصيصًا ولا تقييدًا ولا تأويلًا فلا يصحُّ فيها الاجتهادُ. ثانيهما: أن المقيَّد هو المقدمُ على المطلقِ، وقد عكسَ الأمرين مَنْ قالَ بالعولِ فأخرج السدسَ والرُّبُعَ والثُّمنَ ونحوَهما التي هي نصوصٌ صريحةٌ لا تحتملُ غيرَ معنى واحدٍ من معانيها وقدم المطلقَ على المقيَّد مع أن دلالةَ المقيدِ على مدلوله أقوى من دلالة المطلقِ على ذلك المقيَّد. ولهذا يجب تخصيصُ العامِّ بالخاصِّ إن اختلفَ حكمُهما، ويُحْملُ المطلقُ على المقيَّد إنِ اتَّفق حكمُهُما (٤) والقائل بالعولِ قد زاغَ عن الثبوت على جبال هذه القواعد الرسيةِ. وحينئذ يجبُ أن يَستوفي الأبوانِ والزوجانِ فرضَهُما في محلِّهما، وما بقي كان لأقرب فرعٍ تعصيبًا لا فرضًا؛ إذ لا مانعَ من أن يكونَ بعضُ الورثةِ ذا فرضٍ على تقدير وعصَبَةً على آخر كما في الأب والجدِّ فإنهما ذو فرض مع الأولاد، وعصَبَةٌ مع غيرهم، فيجب أن يكون البناتُ كذلك ذواتِ فرضٍ عند انفاردهنَّ مع الأبوينِ والزوجينِ وعصَبَاتٍ معَهما كما يكنَّ عصباتٌ مع إخوتهنَّ، والأخواتُ أيضًا

стр. 3953

مع البناتِ، وكذا الأبوان يقتسمان ما بقي بعد [أحد] (١) الزوجين للذكرِ مثلُ حظ الأنثيينِ على الأصحِّ تعصيبًا لا فرْضًا؛ لأنَّ ما بقي بعد فروضِ الزوجينِ والأبوينِ إن زاد على قدر فرضِ الإناثِ وجب أن يوفين منه على قدرِ فرضهنَّ، وما بقي فلذي فرضٍ أو عصَبَةٍ غيرِهنَّ لئلا يزيدَ ما لهنَّ مع المزاحمِ عليه مع عدمِه. انتهى كلامه (٢). وها أنا أتكلم على كلامه هذا بما تراه فتدبَّر الصوابَ. أما قوله: وأجيب بمنع التحكُّمِ مسندًا بأن فرضَ غيرِ الأبوينِ والزوجينِ مُطْلَقٌ. فأقول: ماذا أردتَ بالمطلق؟ إن قلتَ هو ما دلَّ على ماهيَّتِهِ مجرَّدُهُ، أو ما دل على شائعٍ في جنسهِ (٣)، فلا فرقَ بين الأبوين والزوجينِ وبين غيرهم من الورثةِ في هذا المفهومِ؛ لأنهم مذكورون في القرآن الكريم على نمطٍ متفقٍ. فإنه من حكم على قوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾، قوله: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾ (٤)، وقوله: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾، وقوله: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ (٥) وبالعموم أو الإطلاقِ [٦ب] لزمه أن يحكمَ على مثل قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ (٦)، وقوله: ﴿فإن كُنَّ نساء فوق اثنتين فلهن ثلث ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ (٧) بمثل ذلك الحكم وهكذا في الآية الواردةِ في ميراث الأخواتِ، وذلك في قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين﴾ الآية. وكذلك قوله: ﴿إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾

стр. 3954

(١)، وكذلك الإخوة لأم، ونحوُ ذلك. وهكذا العكسُ. وإن أردتَ بالمطلقِ هاهنا هو ما لم يقيَّد بقيدٍ، وميراثُ الزوجين والأبوين مقيَّدٌ. فإن الزوجَ يستحقُّ النصفَ بقيد عدمِ الولدِ، والرُّبُعَ بقيد وجوده، والزوجة الربع أو الثمن بقيدين المذكورين، والأمُّ تستحقُّ والأبُ الباقي بقيد أن لا يكون للميِّت وارثٌ سواهما. فنقول: وهكذا البنتُ تستحقُّ النصفَ بقيد أن لا يكون معها أحدٌ من إخوتها وأخواتِها، وتستحق الثلثَ بقيد وجودِ أختِها معها. والأختُ لأبوين أو لأب تستحقُّ النصف بقيد عدم وجود أختِها معها، وذلك حيث يخلِّف الميت مثلًا أختًا لأبوينِ أو لأب وعصبَةً كالأعمام، وأولادِ الإخوةِ. وتستحق الثلَث بقيدِ وجودِ أختِها معها، وهكذا الإخوةُ والأخوات لأمٍّ، فإن الواحد منهم يستحقُّ السدسَ بقيد وجودِه منفردًا. أو مع واحدٍ معه منهم، وتستحقُّ التسعَ بقيد وجود اثنين معه. ونحو ذلك كثيرٌ. فإن قال المرادُ التقييد مع عدمِ السقوطِ بحال. فنقول: والبنتُ أيضًا كذلك، فإنه وُجِدَ التقييدُ فيها مع عدم السقوط بحال، فكيف تقول في امرأة خلَّفت أبوين وابنتين وزوجًا، أو أبوين وبنتًا وزوجةً، إن قال يأخذ الأبوان الثلثَ والزوجُ الربعَ والابنتانِ أو البنتُ الباقي، وهو ثلثٌ ونصف سدسٍ فقد أدخل النقصَ على من هو الميِّتِ بمكان القُرْبِ لا يلحقُ به غيرُه مع كونِه لا يسقطُ بحالٍ، ومع كونه يستحقُّ مقدارًا معينًا بقيدٍ، ومقدارًا آخر بقيدٍ آخَرَ. وأما قوله: والمطلق غيرُ عام للأحوال المسماة بالأوضاع والأزمانِ، وأن العامَّ مقيد كما علم في الأصول ولا شيءَ من المطلق. فأقول: هذا الفرق بين [٧أ] المطلق والعام لا يتعلَّق به فائدةٌ معتدًّ بها في محل النزاع لأنك قد عرفتَ اتحادَ الصيغِ الواردةِ في ميراث الأبوين والزوجين وغيرِهما، فإن أراد

стр. 3955

أن الورادَ في ميراث الأبوين والزوجين عامٌّ، والواردَ في ميراثِ غيرِهما مطلقُ فهذا هو التحكُّم البحْتُ، والتكلُّف الصِّرْفُ، وإن أراد أن الصيغَ الواردةَ في الجميع مطلقة، لكن التقييدَ في الأبوين والزوجين صار كالعامِّ من جهة كونِه مقيَّدًا فليس كل مقيَّد له حكم العامِّ، ولا يخالف في ذلك من له أدنى إلمام بعلمِ الأصولِ، بل من له أدنى إلمام باللغة العربية. ومع هذه فقد قررنا فيما سبق أنه لم يختصَّ بالتقييد ميراثُ الأبوينِ والزوجين فقط بل معَهم غيرهم كما عرفت، فالعلَّة موجودةٌ، والإلزام مشتركٌ. وأما قوله على أنه لو كان عامًّا لوجب تخصيصه بفرضِ الأبوينِ والزوجينِ لأن الأقلَّ مقيَّدٌ بوجود الولدِ، والأكْثَرَ بعدم العولِ، فهو خاص في الأحوال، والخاصُّ مقدم على العامِّ كما عُلِمَ. فأقول: قد تردد ميراثَ من عدا الأبوين والزوجينِ بين أن يكون مطلقًا أو عامًّا. وأجاب على فرض العموم بأن ميراث الأبوين والزوجينِ خاصٌّ، والواجبُ بناء العام على الخاصِّ، ولا يخفى عليك أن هذه التفرقةَ بين الأبوين والزوجين وبين غيرهم إن كان من حيث الصيغُ الواردةُ في مواريثهم في القرآن الكريم أو السنة النبوية فممنوعٌ. فإن من يعرفُ علم البيانِ والأصولِ يعلم أن الحكمَ على الصيغِ الواردةِ في ميراثِ الأبوين والزوجين بالتقييدِ أو التخصيص، وعلى الصيغِ الواردةِ في ميراث غيرهم بالإطلاقِ أو العمومِ باطلٌ لا يرجع إلا قاعدةٍ مقرَّرةٍ، ولا إلى قانون صحيح، بل مجازفةٌ محْضةٌ [٧ب]، وتحكُّم خالصٌ. وإن كانت هذه التفرقةُ من حيث كونُ ميراثِ الأبوينِ والزوجينِ مقيَّدينِ بتلك القيود، فميراث غيرِهما أيضًا مقيَّد بمثل تلك القيودِ. وإن كانت من حيث عدمُ السقوطِ بحال فميراثُ غيرِهم كذلك كالبنتِ. وأما قوله: وإذا ثبت أنه لا عمومَ للمطلقِ فهو صادقٌ في ضمن مقيَّد ما وهو ما خلى عن مزاحمة فرض الأبوينِ والزوجين. فأقول: هذا إنما يتمُّ بعد تسليم الإطلاقِ في ميراثًِ غير الأبوينِ والزوجينِ، والتقييدِ

стр. 3956

في ميراثهما. وقد عرفتَ أنه منقوضٌ على كل تقدير، وأنه قوله: وإلَّا لزم مخالفةً أصلينِ متفقٍ عليهما: أحدُهما أن الاجتهادَ إنما يصحُّ في مقابلةِ الظواهِر بتأويلها وتخصيصِها وتقييدها بالقياسِ ونحوِه. وأما النصوص الصرائحُ التي لا تحتمل تخصيصًا ولا تقييدًا ولا تأويلًا فلا يصحُّ فيها الاجتهادُ. فأقول: هذا يرد على القائلين بعدم ثبوت العول، وتقديم الزوجين والأبوين على سائر الورثة لا على القائلين بثبوت العول، وتقديم الزوجين والأبوين على سائر الورثة لا على القائلين بثبوت العول، وبيانه أن الله- سبحانه- جعل للبنتين الثلثينِ، وهذا نصٌّ صريحٌ. فاجتهد القائلون بعدم العولِ بأن الأب والأمِّ يأخذانِ الثلثَ كاملا، والزوجُ الربعَ كاملًا، ولم يجعلوا للبنتين إلا ثلثَ التَّركةِ ونصفَ سُدُسِهِا، وكذلك جعل الله للأختين الثلثين. فقال النافون للعول: إن للزوج النصفَ وللأبوين الثلثَ وللأختين السدسَ، وهكذا في البنت الواحدة في المسألة الأولى فإنها أخذتْ دون ما فرضه الله لها وهو النصفُ بدون دليل، بل لمجرد اجتهادٍ في مقابلة النصوصِ الصريحةِ، وهكذا الأخت الواحدةُ في المسألة الثانية إذا انفردت عن أختها أخذتِ السدسَ وهو ثلثَ فَرْضِها، وهكذا الأخوانِ للأمِّ مع زوجٍ وأختٍ لأبوين، وغيرت هذهِ الصورِ كثيرٌ. وستعرف ذلك عند الكلام على كل مسألةٍ من مسائلِ العولِ، فانظر بعين الإنصافِ أيّما أشد مخالفةً للنص هل مَنْ جعلَ الميراثَ [٨أ] لبعض الورثةِ، وأسقطَ البعضَ الآخَرَ مع كونهم جميعًا وارثينَ في تلك الفريضة بالنصوص الصحيحة، أم من قسمَ الميراث بينهم جميعًا لكل واحد منهم بمقدارِ فريضتِه؟ ولكنها لما تزاحمتْ وزادتْ فرائضُ الورثة على أجزاء التركةِ جعلوا لكلِّ ذي فرض من الورثةِ بمقدارِ نصيبِه من التركةِ، فإنه لا شكَّ ولا ريبَ أن المثبتين للعول أبعدُ لموافقةِ النصوصِ من النافينَ، لأن المثبتين أعملوا النصوصَ بحسب الإمكانِ، وبغاية الحرص على أن لا يقطعوا ميراثَ وارثٍ، ولا يفضِّلوا عليه غيْرَه بدون دليل.

стр. 3957

وأما النافونَ فإنَّهم أعملوا بعضَ النصوص فوفَّروا ما فيها من الفرائض على أهلِها وطرحُوا النصوصَ الآخرةَ فنقصُوا أهلَها من بعض ما يستحقونه، أو من كلِّه بدون برهانٍ ولا قُرآنٍ، ولا عقلٍ ولا نقلٍ، فتأمل في هذا الأصل الأول الذي أورده الجلالُ على القائلينَ بالعول، حتى يتبينَ لك أنه أورد عليهم ما هو واردٌ عليه، عند من أنصفَ فإن القائلينَ بالعول إنما أعملوا النصوصَ ولم يهدُروا شيئًا منها، بل جمعوا بينَها بما يمكن عند التزاحُم، وزيادةِ أجزاء الفريضةِ على أجزاء التركةِ، بخلاف المانعينَ للعول، فإنهم أهدروا بعضَها إهدارًا ظاهرًا، وقدموا البعضَ وأخَّروا البعضَ بل دليل يدلُّ على ذلك، بل بمجرد رأي قد تبين فساده. وأما قوله: وثانيها أن المقيَّد هو المقدَّمُ على المطلقِ. وقد عكس الأمرينِ من قال بالعول فأخرجَ السدسَ والربعَ والثمنَ ونحوَها التي هي نصوصٌ صريحةٌ لا تحتملُ غيرَ معنى واحد من معانيها، وقدَّم المطلقَ على المقيَّد مع أن دلالةَ المقيد على مدلوله أقوى من دلالة المطلق على ذلك المقيد، إن اتَّفقَ حكمُهما [٨ب] والقولُ بالعولِ قد زاغ عن الثبوتِ على جبال هذه القواعدِ الراسيةِ. فأقول: لا شكَّ فيما ذكره من تقديمِ المقيَّد على المطلق، ولكن نحن نمنع أن بعضَ فرائضِ الورثةِ مطلقةٌ، وبعضَها مقيَّدةٌ كما عرفت ذلك. فهذا الكلامُ إنما يكون نافعًا في محل النزاعِ بعد الاتفاقِ على أن فريضةِ الزوجينِ والأبوينِ مقيَّدةٌ، وفريضةُ مَنْ عداهما مطلقةٌ، وهو غيرُ صحيح كما مرَّ. وأما دعواه أنه قد عكس الأمر من قال بالعول فباطلٌ. فإنه إنما تتمُّ هذه الدعوى بعد تسليم أنهم قدَّموا المطلقَ على المقيدِ، ولم يفعلوا ذلك، بل جمعوا بين جميعِ الفرائضِ وأخرجوا لكل واحدة منها بمقدارها من التركةِ. ثم أيضًا هذا الكلام في نفسه فاسدٌ، فإن أهل العولِ لم يقدِّموا المطلقَ على المقيَّد على فرض صحة ما ادَّعاه من كون فريضةِ الأبوينِ والزوجينِ مقدَّرةٌ، وفريضةُ مَنْ عداهم

стр. 3958

مطلقةٌ، بل أعطوا كل ذي فرضٍ فرْضَهُ، وإنما يكون التقديمُ لو وفَّروا نصيبَ من عدا الزوجينِ والأبوينِ، وجعلوا النقصَ في نصيبهما عند التزاحم، فالعكسُ الذي ادعاه إنما يصدُق بهذا ولا يصدُق بمجرَّد التسويةِ على أهلِ الفرائضِ المتزاحمةِ، بل الذي جاء بما لا يعقلُ ولا يجري على قواعدِ الأصولِ هو النافي للعولِ، فإنه قُدِمَ مطلقًا على مطلق أو مقيَّدًا على مقيِّد، أو عامًا على عامٍّ، أو خاصًّا على خاصٍّ، على حسب تلك النصوصِ الواردةِ، فإنها متساوية الأقدام. فمن ادَّعى العمومَ أو الخصوصَ في بعضها فالآخر مثلُه، ومن ادَّعى الإطلاقَ أو التقييدَ في بعضها فالآخر أيضًا مثلُه لما عرَّفناك سابقًا. وأما ما ادعاهُ من إخراجِ السدس والربعِ والثمنِ ونحوِها فأهلُ العول لم يخْرِجُوها كما زعم [٩أ]، بل أعطوا كلِّ واحد من أهلها فرْضَهُ المسمَّى له، لكنها لما تزاحمت الفرائضُ، وزادتِ على أجزاءِ التركةِ قسمُوا التركةَ على تلك الفرائضِ من غير إخراجٍ، بل لضرورة عقليةٍ اقتضتْ أنه لا يجتمعُ في المال مثلًا نصفانِ وثلثُ، أو نصفانِ وسدسٌ، أو ثلثانِ ونصفٌ، أو نحو ذلك. وإنما الذي أخرج وخالف النصوصَ هو الذي أثبتَ بعضَها وأسقطَ بعضَها لمجرد خيالٍ مختلٍّ، وتوهمٍ فاسدٍ. وبهذا تعرف أن عدمَ القولِ بالعولِ هو الذي زاغ عن جبال هذه القواعدِ الراسيةِ. وأما قوله: وحينئذ يجبُ أن يستوفي الأبوانِ والزوجانِ فرضَهما في محلهما، وما بقي كان لأقربَ نوع تعْصيبًا لا فَرْضًا. إذ لا مانعَ من أن يكون بعض الورثة ذا فرضٍ على تقديرٍ وعصَبَةٍ على آخر كما في الأبِ والجدِّ، فإنهما ذو فرضٍ مع الأولادِ وعصَبَة مع غيرهم فيجب أن يكون البناتُ كذلك ذواتِ فرضٍ عن انفرادهنَّ عن الأبوينِ والزوجينِ، وعصَبَاتٍ معهما كما هنَّ عصباتٌ مع أخوتهنَّ. والأخواتُ أيضًا مع البناتِ على الأصح تعصيبًا لا فرضًا لأن ما بقي بعد فرض الزوجينِ والأبوينِ إن زاد على قدرِ فرضِ الإناثِ وجب أن يوفى منه على قدرِ فرضهنَّ، وما بقي فلذي فرض أو عصبةٍ غيرهنَّ لئلا يزيدَ حالُهن مع المزاحم عليه مع عدمه.

стр. 3959

فأقول: لا يخفى على كل ذي لبٍّ وإنصافٍ ما في هذا الكلام من التكلُّف والتهافُتِ، فإنه ما تم عدمُ القول بالعول إلا بقطع ميراث وارثٍ وإحرامه جميعَ ميراثِه أو بعضه، ثم لم يكتف النافون للعول بهذا حتى جاوزه إلى إخراجِ أهل الفرائضِ المقدَّرِة عن فرائضهم وإبطال كونهم [٩ب] من ذوي السِّهام، وإلحاقِهم، بالعصَبَاتِ لا لدليل ولا لأمر اقتضاه العقلُ، بل لمجرد رأي فاسدٍ، ثم اقتحام قياس من عالتْ بهم المسألةُ في مصيرهم عصباتٍ في بعض الأحوال على الأبِ والجدِّ الذين ورد الدليل بأنهم كذلك. ثم إخراجُ أقربِ الورثةِ وأحقِّهم بالإحسان، وأمسِّهم رجاءً، وأقدمهم في كل شيء البناتِ الذين هنا قطعةٌ من كبد الميت، وتأثير أحد الزوجينِ وتقديمُه عليهنَّ لا لدليل عقلٍ ولا نقلٍ، فانظر بعين الإنصافِ ما لزم القائلينَ بعد العولِ من المخالفاتِ للأدلةِ الصريحةِ الصحيحةِ، فإنهم رجحوا بل مرجِّحٍ، وقدموا بل سببٍ شرعيٍّ يقتضي التقديمَ، وجعلوا النقضَ على من الأدلةِ والجمعُ بينهما على وجهٍ هو أعدل الوجوهِ وأقومُها، من دون تأثير ولا تقديمٍ ولا العولِ إذا جمعتْ أجزاؤُها زادت على أجزاء التركةِ قسموا التركةَ بين أهل تلك الفرائضِ لكل واحد منهم بمقدارِ فريضتِه، ولم يقعوا في عملٍ يلزمهم به التحكُّمُ من قطع ميراثِ وارثٍ، وتقديمِ غيرِه عليه، وإخراجه عن كونه من أهلِ الفرائضِ المقدرةِ المنصوصةِ في المعادلة بين ما يلزمُ عن كل قول [١٠أ] من هذين القولين من المصالحِ والمفاسدِ والمطابقةِ للمقاصدِ الشرعيةِ والمخالفةِ لها، فلو لم يكن بيد من أثبتَ العولَ ونفاهُ إلا محضُ الرأي لكان رأي المثبتين أحقَّ بالقبول وأقربَ إلى المنقولِ والمعقولِ. وهكذا لو نظرنا إلى من قال لا إلا ما قالَ، لكن العملُ بقول الجمهورِ، وهم المثبتونَ للعول أولى من العمل بقولِ شِرْذِمَةٍ يسيرةٍ من العلماء النافينَ للعول. وقد حكى الأمير الحسني صاحبُ .................................................

стр. 3960

الشِّفا (١) عن الإمام المؤيَّد بالله أنه قال: أجمع الصحابةُ على القول بالعول، ولم يخالِفْ في ذلك إلا ابنُ عباس، فانظُر أين يقعَ ابنُ عباس- ﵀ من جميع الصحابةِ، وأين يقع قوله منفردًا من قول جميعِهم! ومع هذا فهاهنا دليلٌ يصلح للتعويلِ، وهو حديث ابن عباس الصحيحُ المتفقُ (٢) عليه بلفظ أنَّ النبي ﷺ قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأول رجلٍ ذكرٍ" فإن من تأمل هذه الحديث حقَّ التأمُّلِ وجدَ فيه ما يرد على ابن عباس النافي للعولِ، وعلى سائرِ القائلينَ بقوله، فإن المرادَ بالفرائضِ المذكورةِ في الحديثِ هي الأنصباءُ المقدَّرةُ (٣)، وأهلها هم المستحقون لها بالنصِّ. هكذا فسَّر الحديثَ المحققونَ من شرَّاحِ كتب الحديث. قالوا: والحديثُ يدل على أنَّ الباقي بعد استفياء أهل الفروضِ المقدرةِ لفروضِهم يكون لأقربَ العصَبَاتِ من الرجال ولا [١٠ب] يشاركُه من هو أبعدُ منه (٤). وقد حكى النووي (٥) الإجماعَ على ذلك، فعرفتَ أن استيفاءَ أهل الفروض المقدرةِ لفروضِهم لا يكون إلا بإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه أما مع عدم المزاحمةِ بالعول فظاهرٌ، وأما مع المزاحمةِ بالعول فلا يحصلُ العملُ بالحديثِ إلا بإعطاءِ كلِّ وارثٍ في تلك الفريضة بمقدارِ فَرْضِهِ من التركةِ، وتعول المسألةُ بخلافِ إسقاطِ بعض ميراثِ أهلِ الفروضِ المقدرةِ أو كلِّه، فإنه لم يحصل العملُ فيه بالحديثِ لأنه لم يقع إلحاقُ الفرائضِ بأهلها. وقد اعترف الجلالُ في ضوء النهار (٦) بأن
следующие страницы →