← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

من قال: [إن] (١) المراد إذلال جهنم، وأنها إذا بالغت في الطغيان أذلها الله -تعالى- فعبر عنه بوضع قدمه كما يقال: وضعه تحت قدمه أي أذله. والعرب تستعمل ألفاظ الأعضاء في ضرب الأمثال، ولا تريد أعيانها كقولهم: رغم أنفه وسقط في يده. وقيل: المراد بالقدم الفرط السابق أي ما قدمه لها من أهل العذاب. وقيل: هو كناية عن أهل النار الذين قدمهم الله تعالى لها، وهم شرار خلقه. كما إن المؤمن قدمه الذين قدمهم إلى الجنة، ولكنه يشكل على ذلك ما وقع في رواية أنه يضع رجله. والجواب أنه تحريف كما قال بعض الحفاظ، وذلك أن الراوي ظن أن المراد بالقدم الرجل فعبر عنه بذلك. وقيل: المراد بالرجل الجماعة كما يقال: رجل من جراد.

стр. 387

وفي هذا المقدار كفاية، وإن كان المقام [٣ ب] يحتاج إلى بسط طويل، لا سيما إذا أردنا استيفاء التأويل، ولكن ما كفى وإن قل خير مما طال وأقل. والحمد لله على كل حال، والصلاة والسلام على نبيه وآله خير نبي آل. [حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني في شهر القعدة سنة ١٢٠٧] (١).

стр. 388

بحث في وجود الجن تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 389

وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة: "بحث في وجود الجن". ٢ - موضوع الرسالة: في العقيدة. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآله ورضي الله عن صحبه. وبعد: فإنه كثيرا ما يفتح البحث بين أهل العلم في وجود الجن والباعث. . . . ٤ - آخر الرسالة: بل راقم هذه الأحرف غفر الله له قد سمع كلامهم غير مرة، وطال بينه وبينهم الخطاب، وبعضهم أخذ يدي وقبلها، وكانت كفه كأكبر ما يكون من أيدي الإنس مع قصر في أصابعها. والحمد لله أولا وآخرا. كتبه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما. ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني. ٧ - عدد الصفحات: (٥) صفحات. ٨ - عدد الأسطر في الصفحة: ١١ - ١٢ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الرابع من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".

стр. 390

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآله، ورضي الله عن صحبه، وبعد: فإنه كثيرا ما يقع البحث بين أهل العلم في وجود الجن، والباعث على ذلك هفوة وقعت من بعض علماء هذه الديار الموجودين بعد مضي ألف سنة من الهجرة. ولم يكن ذلك منه عن اعتقاد مطابق لما تكلم به، لأنه من علماء الكتاب والسنة، ومن أهل الدين المتن، ولكنه باحثه بعض المقصرين في هذه المسألة فجزم في مقام المباحثة بعدم وجودهم كما يقع كثيرا بين المتناظرين من النقض والمعارضة. واعلم أنه لم يتقدم إلى إنكار ذلك من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وعلماء الإسلام أحد قط، وإنما هي مقالة مروية عن جماعة من الفلاسفة، وجمهور الزنادقة، وهؤلاء لا نتكلم معهم في هذا المقام، فإنهم لا يتمسكون بشيء من الحجج القرآنية، والأحاديث النبوية، ولا يلتفتون إلى شيء من ذلك. وقد فرغ منهم الشيطان وأخرجهم من زمرة الإسلام، ولكنا نتكلم هاهنا مع بعض القائلين بذلك من المعتزلة (١)، فقد نقل جماعة عن جمهورهم، ونقله آخرون عن البعض منهم، وهذه الطائفة من أهل الإسلام، ومن المتمسكين بشرائعه، وإن خالفوا في بعض المسائل الأصولية خلافا تدفعه النصوص القرآنية، ومتواتر السنة، فلم يكن ذلك منهم كيادا للدين، ولا دفعا في وجه شريعة المسلمين، بل تمسكوا بشبهة أشبهت عليهم قالوا بها وقصروا عن العلم بغيرها مما يدفعها ويرفع لبسها. ولكن الشأن في إنكار من أنكر (٢) منهم وجود الجن (٣)، فإنه لا يكون إلا أحد رجلن:

стр. 391

إما معاند لا يتقيد بالكتاب والسنة، وهذا لا ينبغي الكلام معه، وإما جاهل جهلا منكرا لا يعرف معه كتاب الله -سبحانه- بل لا يعرف معه سورة الرحمن، وسورة الجن، بل لا يعرف ورود القرآن بالاستعاذة (١) من الشيطان [١ أ]، ومثل هذا وإن كان معذورا بما هو فيه من الجهل لكنه غير معذور في التكلم بما ليس من شأنه، وأجهل منه من حكى عنه هذه المقالة المردودة ودونها في كتب العلم، ونصب له خلافا في هذه المسألة التي هي معلومة للنساء والصبيان، فضلا عن الرجال، فضلا عن أهل العلم. وليس بأيدي هؤلاء إلا مجرد الاستبعاد والرجوع إلى تخيلات مختلة، وعلل معتلة، مع

стр. 392

قطع النظر عن هذه الشريعة المحمدية، بل مع قطع النظر عن الشرائع المتقدمة على هذه الشريعة، فإنها متفقة على وجودهم، وكذلك أهلها متفقون على ذلك مقرون به كإقرار المسلمين، وهؤلاء اليهود والنصارى موجودون في كثير من البلاد الإسلامية قد لا يخلو عنهم قطر من الأقطار من أراد أن يعرف صدق ما ذكرناه فليسأل من له [نباهة] (١) منهم، بل جميع مشركي (٢) العرب مقرون بذلك لا خلاف فيه بينهم، وينقلون ما يسمعونه من الجن من الأشعار التي يصرخون بها بين أظهرهم، ومن الكلمات التي يسمعونها من الأوثان التي ينصبونها في ديرتهم، ويروي ذلك الآخر عن الأول، حتى وصلت إلى أهل الإسلام، ونقلوها في الكتب الإخبارية، والآيات القرآنية في إثبات وجودهم معلومة لا نطيل بذكرها، ولكنا هاهنا نذكر بعض ما ورد في السنة المطهرة (٣) حتى يعلم من وقف على هذا البحث أن المنكر لذلك منكر لقطعي بل ضروري ديني يحصل العلم بفرد من أفراد الأدلة الواردة فيه، فالمفكر إن كان يعلم بما في المصحف الشريف، وصمم على هذا الجهل المتبالغ فهو مستحق لما يستحقه من أنكر الشريعة المطهرة، ودفع ما فيها ورد ما جاءت به، وشهد على أنه بالإلحاد والمروق من دين الإسلام. وقد تضمن القرآن الكريم بيان ما خلقوا منه فضلا عن بيان وجودهم، قال الله

стр. 393

- :﴾ وخلق الجان من مارج من نار ﴿(١) وقال سبحانه:﴾ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴿(٢) وقال تعالى حاكيا عن إبليس﴾ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴿(٣). وأما الثابت في السنة في وجودهم وتفصيل أحوالهم فالبعض منه يحكم عليه بالتواتر، فكيف بالكل!. فمن ذلك أمره -صلى الله عليه واله وسلم- لمن دخل بيته أن يذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، فإذا فعل ذلك قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. . . الحديث، وهو في صحيح (٤) مسلم وغيره (٥) من حديث جابر. وفي الصحيحين (٦) وغيرهما (٧) [١ ب] من حديث أنس أنه ﵌ كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". وفي الترمذي (٨) من حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله- صلى الله عليه وآله

стр. 394

وسلم- قال: "ستر ما بين أعين الجن وعورات أمتي إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله". ومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري عند الترمذي (١) والنسائي (٢) "إن بالمدينة جنا قد أسلموا، وإذا رأيتم من هذه الهوام شيئا فآذنوه ثلاثا، فإن بدع لكم فاقتلوه". وفي صحيح مسلم (٣) وغيره من حديث عائشة أن النبي ﵌ قال لعائشة: "أخذك شيطانك". قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: "نعم، ومع كل إنسان" قالت: ومعك يا رسول الله؟ قال: "نعم، ولكن رب أعانني عليه حتى أسلم". وفي لفظ (٤): "أعانني عليه فأسلم". وفي صحيح البخاري (٥) وغيره من حديث أبي هريرة أنه ﵌ قال في الروث والعظم: "أنهما من طعام الجن"، وأخرجه أيضًا مسلم (٦) وغيره (٧). وأخرج مسلم (٨). . . . . . . . . .

стр. 395

وغيره (١) من حديث ابن عمر أن رسول الله ﵌ قال: "لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بها، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها". وفي صحيح مسلم (٢) وغيره (٣) من حديث حذيفة في الجارية التي ذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﵌ بيدها، ثم جاء أعرابي فذهب ليضع يده فأخذ بيده، وقال: "إن الشيطان ليستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، فإنه جاء هذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها، فجاء هذا الأعرابي ليستحل به، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدهما". في الصحيحين (٤) وغيرهما من حديث ابن عباس حديث الجن الذين استمعوا القرآن من النبي ﵌ في سوق عكاظ. وفي الصحيحين (٥) من حديث ابن مسعود أنها آذنت النبي ﵌ بهم شجرة. وفي صحيح مسلم (٦) وغيره أنه ﵌ اجتمع بالجن بمكة والمدينة. . . . الحديث بطوله، واختلاف ألفاظه.

стр. 396

ومن ذلك ما ثبت في الصحيح (١) من حديث أبي هريرة أنه أخذ الذي جاء يسرق زكاة رمضان، وأنه علمه آية الكرسي. وله ألفاظ، وفيه طول. وفي الصحيحين (٢) من حديث أبي هريرة عنه ﵌ أنه قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، وإن البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان". وفي الصحيحين (٣) حديث الرجلين الذين استبا عند رسول الله ﵌ حتى احمر وجه أحدهما فقال ﵌: "إني أعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". وفي الصحيحين (٤) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، ثم قال في آخره: "وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي". وفي السنن (٥) عنه ﵌: "إن الغضب من الشيطان".

стр. 397

وفي الصحيح (١) أن رسول الله ﵌ قال: "إذا جاء رمضان [٢ أ] سلسلت الشياطين"، وفي لفظ (٢): "صفدت الشياطين". وفي صحيح (٣) البخاري عنه ﵌: "أنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة". وفي صحيح مسلم (٤) عنه ﵌ أنه قال لمن قال له: إن الشيطان قد حال بيني وبن قراءتي فقال ﵌: "ذلك شيطان يقال له خنزب". وفي صحيح مسلم (٥) عنه ﵌: "إن الأسواق معركة الشيطان، وبها ركز رايته". وفي صحيح مسلم (٦) أيضًا عنه ﵌: "إن الشيطان يحضر الإنسان عند طعامه". وفي الصحيحين (٧) من حديث أنس عنه ﵌ قال: "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإذا قدر بينهما ولد لم يضره الشيطان".

стр. 398

وفي الصحيحين (١) وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "ما من بني آدم مولود ألا نخسه الشيطان حين يولد" الحديث. وفي الصحيحين (٢) وغيرهما من حديث صفية بنت حيي أن رسول الله ﵌ قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". وفي الصحيحين (٣) وغيرهما من حديث جابر قال: قال رسول الله ﵌: "إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ". وفي الصحيحين (٤) وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم" الحديث. وفي الصحيحين (٥) وغيرها من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله ﵌: "الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان". وفي الصحيحين (٦) وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "من رآني في النوم فسيراني في اليقظة، لا يتمثل بي الشيطان" وفي لفظ (٧): "فإن الشيطان لا يتمثل بي".

стр. 399

وفي الصحيحين (١) وغيرهما من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "ألا إن الفتنة هاهنا يشير إلى المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان". وأخرج أبو داود (٢)، والنسائي (٣) من حديث عمرو بن عبسة في حديث "إن الشمس تطلع بين قرني شيطان، وتغرب بين قرني شيطان". وفي الصحيحين (٤) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط". وفي الصحيحين (٥) وغيرهما أنه ﵌ قال: "إذا سمعتم صراخ الديكة فسلوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانا". وفي صحيح مسلم (٦) من حديث أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﵌ يصلي فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك". وفي الحديث: إنه يعرض له الشيطان، وقال: "لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة" وهو في الصحيحين (٧) من حديث أبي هريرة. [٢ ب]

стр. 400

وفي الصحيحين (١) من حديث سعد بن أبي وقاص أنه ﵌ قال لعمر بن الخطاب: "والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك". وفي كتب السير وغيرها أن الشيطان حضر مجمع قريش بدار الندوة (٢)، وفيها أيضًا أنه حضر وقعة بدر (٣)، وفيها أيضًا حضوره وقعة بيعة العقبة (٤)، وصراخه وحضوره ووقعة أحد (٥)، وصراخه بأن رسول الله قتل. وبالجملة فالاستكثار من الأحاديث الواردة في هذا المعنى لا يأتي بمزيد فائدة بعد القرآن الكريم في غير موضع، بحيث لو جمع ما ورد في ذلك من الآيات البينات لكان في رسالة مستقلة ومعرفة ذلك متيسر لمن يتمكن من قراءة المصحف الشريف وإن كان مقصرا،

стр. 401

وناهيك باجتماع النبي ﵌ بهم في غير موطن حتى صرح بعض الحفاظ أنه اجتمع بهم في أربعة مواضع، وصرح آخر أنه اجتمع هم في خمسة مواضع، وروى ذلك عن الحاضرين معه الجمع الجم من أهل العلم، وبعد هذا كله فكثير من عباد الله قد اجتمع بالجن وجمع كلامهم، وسألوه وسألهم، وهذا موجود في كل عصر من العصور قد تتبعنا من وقع له ذلك من الثقات فثبت لنا بذلك التواتر المعنوي. بل راقم هذه الأحرف -غفر الله له- قد سمع كلامهم غير مرة، وطال بينه وبينهم الخطاب، وبعضهم آخذ يدي وقبلها، وكانت كفه كأكبر ما يكون من أيدي الإنس مع قصر في أصابعها (١) والحمد لله أولا وأخيرا. كتبه محمد بن علي الشوكاني -غفر الله لهما-[٣ أ].

стр. 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 403

إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 404

وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة في المخطوط: "إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات". ٢ - موضوع الرسالة: في العقائد. ٣ - الرسالة من المجلد الرابع (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني). ٤ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد. . . ٥ - آخر الرسالة:. . . كان الفراغ من تحرير هذا المختصر يوم الأربعاء لعله السابع والعشرون من شهر ربيع الآخر من شهور سنة إحدى وثلاثين بعد المائتين والألف، بقلم مؤلفه المفتقر إلى رحمة الله ومغفرته ورضوانه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما. ٦ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٧ - عدد الأوراق: (٤٠). ٨ - المسطرة: الورقة (١): عنوان الرسالة. الورقة (٢): ٢٤ سطرا. الورقة (٣): ٢٨ سطرا. الورقة (٤ - ٧): ٢٩ سطرا. الورقة (٨): ٣٢ سطرا. الورقة (٩ - ١٣): ٣١ سطرا. الورقة (١٤ - ١٥): ٣٠ سطرا. الورقة (١٦): ٢٨ سطرا. الورقة (١٧ - ١٨): ٣٢ سطرا.

стр. 405

الورقة (١٩): ٣١ سطرا. الورقة (٢٠): ٣٢ سطرا. الورقة (٢١ - ٢٣): ٣١ سطرا. الورقة (٢٤): ٦ سطرا. الورقة (٢٥): ٣١ سطرا. الورقة (٢٦): ٣٢ سطرا. الورقة (٢٧): ٣١ سطرا. الورقة (٢٨): ٣٣ سطرا. الورقة (٢٩ - ٣٠): ٣٥ سطرا. الورقة (٣١ - ٣٢): ٣٤ سطرا. الورقة (٣٣): ٣٦ سطرا. الورقة (٣٤): ٣٥ سطرا. الورقة (٣٥): ٣٤ سطرا. الورقة (٣٦): ٣٧ سطرا. الورقة (٣٧): ٣٨ سطرا. الورقة (٣٨): ٣٤ سطرا. الورقة (٣٩): ٣٥ سطرا. الورقة (٤٠): ٢٨ سطرا. ٩ - عدد الكلمات في السطر: (١١ - ١٣) كلمة. ١٠ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني.

стр. 406

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد اللهم لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، ولك الشكر عدد كل شيء، وزنة كل شيء، وملء كل شيء، وعدد ما قد شكرك الشاكرون، وما سيشكرك الشاكرون. اللهم وصل وسلم على رسولك المصطفى من خلقك (محمد) صلاة وسلاما يدومان بدوام المخلوقات، ويتجددان بتجدد الأوقات، وعلى آله الطاهرين وأصحابه الأكرمين. وبعد، فإن القرآن العظيم قد اشتمل على الكثير الطيب من مصالح المعاش والمعاد، وأحاط بمنافع الدنيا والدين، تارة إجمالا، وتارة تفصيلا، وتارة عموما، وتارة خصوصا، ولهذا يقول -سبحانه-:﴾ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴿(١). ويقول :﴾ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ﴿(٢). ويقول ﵎:﴾ [ونزلنا عليك الكتاب] (٣) تبيانا لكل شيء ﴿(٤)، ونحو ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى. وأما مقاصد القرآن الكريم التي يكررها، ويورد الأدلة الحسية والعقلية عليها، ويشير إليها في جميع سوره، وفي غالب قصصه وأمثاله، فهي ثلاثة مقاصد، يعرف ذلك من له كمال فهم، وحسن تدبر، وجودة تصور، وفضل تفكر. المقصد الأول: إثبات التوحيد. المقصد الثاني: إثبات المعاد.

стр. 407

المقصد الثالث: إثبات النبوات. ولما كانت هذه الثلاثة المقاصد، مما اتفقت عليه الشرائع جميعا، كما حكى ذلك الكتاب العزيز في غير موضع أحببت أن أتكلم هاهنا على كل مقصد منها، بإيراد ما يوضح ذلك من الكتب السابقة، وعن الرسل المتقدمين، مما يدل على اتفاق أنبياء الله وكتبه على إثباتها، لما في ذلك من عظيم الفائدة، وجليل العائدة، فإن من آمن بها كما ينبغي، واطمأن إليها كما يجب، فقد فاز بخيري الدارين، وأخذ بالحظ الوافر من السعادة الآجلة والعاجلة، ودخل إلى الإيمان الخالص من الباب الذي أرشده إلينا نبينا ﷺ في جواب من سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال في الإيمان: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله [١]، والقدر خيره وشره". هكذا ثبت في الصحيحين (١) وغيرهما (١) من طرق كثيرة. ولا ريب أن من آمن بالله، وبما جاءت به رسله، ونطقت به كتبه، فإن إيمانه هذه المقاصد الثلاثة، هو أهم ما يجب الإيمان به، وأقدم ما يتحتم عليه اعتقاده؛ لأن الكتب قد نطقت بها، والرسل قد اتفقت عليها اتفاقا يقطع كل ريب، وينفي كل شبهة، ويذهب كل شك. وسميت هذا المختصر: (إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات). وبالله أستعين، وعليه أتوكل.

стр. 408

واعلم أن إيراد الآيات القرآنية، على إثبات كل مقصد من هذه المقاصد، وإثبات اتفاق الشرائع عليها، لا يحتاج إليه من يقرأ القرآن العظيم. فإنه إذا أخذ المصحف الكريم، وقف على ذلك في أي موضع شاء، ومن أي مكان أحب، وفي أي محل منه أراد، ووجده مشحونا به من فاتحته إلى خاتمته.

стр. 409

الفصل الأول في بيان اتفاق الشرائع على التوحيد اعلم أن قد روى جماعة من أكابر علماء الإسلام أن الشرائع كلها اتفقت على إثبات التوحيد على كثرة عدد الرسل المرسلين، وكثرة كتب الله ، المنزلة على أنبيائه. فإنه أخرج ابن حبان (١) والبيهقي (٢) بسندين حسنين من حديث أبي ذر: "أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، وأن الكتب المنزلة مائة وأربعة كتب". فالتوحيد هو دين العالم أوله وآخره، وسابقه ولاحقه. ومن خالف في ذلك فجعل لله شريكا، وعبد الأصنام، فإنه كما أرشد إليه القرآن حكاية عنهم بقوله:﴾ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴿(٣) مقر بأنه إيمان، وإنما جعل الشريك وصلة إلى الرب - سبحانه-، ووسيلة إلى التقريب إليه. وما ثبت في الصحيح (٤) أنهم

стр. 410

كانوا يقولون: "لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ". وها نحن نذكر لك ما كتب الله من أدلة التوحيد، وهي وإن كان عددها ما تقدم لكنه لم يبق بأيدي أهل الملل منها فيما وجدناه عندهم بعد البحث عن ذلك، ومزيد الطلب له، إلا التوراة، والزبور، والإنجيل، وكتب نبوات أنبياء بني إسرائيل. أما التوراة (١) فالنصوص فيها على ذلك كثيرة جدا، وقد اشتملت على ذكر ما كان

стр. 411

يقع من الخصومات لأهل الأصنام، وإيراد الحجج عليهم، ولا سيما بعد موت موسى، وقيام أنبياء بني إسرائيل، فإنها وقعت بينهم قصص يطول شرحها، وكانوا يقاتلون من عبد الأصنام، ويستحلون دماءهم ويحشدهم على ذلك اتباع موسى، وأخبار الملة اليهودية [٢]، وكل نبي يبعثه الله من أنبياء بني إسرائيل، يوجب على بني إسرائيل قتال من يعبد الأصنام، وغزوهم إلى ديارهم، وقد اشتملت التوراة أيضًا على حكاية ما كان من أخبار الأنبياء قبل موسى، وما كان بينهم من الدعاء إلى التوحيد، والفرار من الشرك، والتنفير عنه. ومن نصوص التوراة ما ذكر في (الفصل العشرين) منها من السفر الثاني (١). ولفظه: "أنا الله ربك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك معبودا آخر من دوني، لا تصنع لك منحوتا، ولا شبها لما في السماء من العلو، وما في الأرض مثلا، وما تحت الأرض، لا تسجد لهم، ولا تعبدها، لأني الله ربك القادر الغيور" انتهى.

стр. 412

وكرر هذا في مواضع منها غير هذا الموضع، وفي الفصل السادس والعشرين من السفر (١) الثالث من التوراة، ما لفظه: "ولا تصنعوا لكم أوثانا، ومنحوتا ونصبا، ولا تصنعوا لكم حجرا من خزف، لا تصنعوا في بلدكم لتسجدوا له، أنا الله ربكم" انتهى. وفي التوراة من النصوص المفيدة لهذا المعنى، ما يصعب الإحاطة به، ويتعسر الذكر لجميعه. وفي الفصل (الثالث والعشرين) من كتاب يوشع بن نون ما لفظه: "وباسم معبوداتهم، لا تذكروا، ولا تحلفوا، ولا تعبدوهم، ولا تسجدوا لهم، بل الله ربكم، وبه تتمسكون كما فعلتم إلى هذا اليوم"، وفي كتابة نصوص كثيرة قاضية بإثبات التوحيد. وكذلك في كتب من بعده من أنبياء بني إسرائيل الذين لهم كتب مدونة وقفنا عليها، وهم: صمويل الصبي، ثم اليسع، ثم داود، ثم سليمان، ثم عزرا الكاتب، وهو المسمى في القرآن: (عزير)، ثم إيليا، ثم عوبد، ثم أيوب، ثم أشعيا بن أموص، [وهو المسمى في القرآن: (إلياس). وفي (السفر الثاني) من أسفار الملوك من التوراة، أن الله رفعه إلى السماء]، ثم أرميا، ثم حزقيال، ثم دانيال ثم هوشع، وهو المسمى في الكتاب يوشع، ثم يونان، وهو المسمى في القرآن يونس، والمسمى أيضًا بذي النون. ثم ميخا، ثم ناحوم، ثم حبقوق، ثم صفونيا، ثم حجي، ثم يوحنا، ويقال: (ملاحيا) وهو المسمى في القرآن (يحيى). ثم بعد هؤلاء بعث الله المسيح ابن مريم عليهم وعلى نبينا صلاة الله وسلامه. وفي الزبور بما فيه التصريح بإثبات التوحيد مواضع كثيرة، فمنها في المزمور (٢) السابع

стр. 413

عشر ما لفظه: " كلام الرب مختبر، وهو ناصر جميع المتوكلين عليه؛ لأن من الإله غير الرب، أو من الإله سوى إلهنا"؟ انتهى. وفي المزمور الموفي ثمانين. ما لفظه [٣]: "ولا يكن فيك إله جديد، ولا تسجد لإله غريب، لأنني أنا هو الرب إلهك" انتهى. وفي المزمور الخامس والثمانين ما لفظه: "الذي هو وحده إله، وله وحده أيضًا يجب أن يسجد الجميع ويخدموا" انتهى. وفيه أيضًا ما لفظه: "أنت وحدك الإله العظيم" انتهى. وفي المزمور الرابع والتسعين (١) ما لفظه: "بالمزمور يهلل له، لأن الرب إله عظيم، وملك كبير على جميع الآلهة" انتهى. وفي المزمور الخامس والتسعين (٢) ما لفظه: "فإن الرب عظيم ومسبح جدا، مرهوب هو على كل الآلهة، لأن كل آلهة الأمم شياطين، فأما الرب فصنع السماوات" انتهى. وفي المزمور السادس والتسعين ما لفظه: " يخزى جميع الذين يسجدون للمنحوتات المفتخرون بأصنامهم. اسجدوا له يا جميع ملائكته" انتهى. وفي المزمور الخامس (٣) بعد المائة: "وعبدوا منحوتاتهم (٤) فصار ذلك عثرة لهم" انتهى.

стр. 414

وفي المزمور الثالث عشر بعد المائة: " إلهنا في السماء وفي الأرض، وكلما شاء صنع. أوثان الأمم فضة وذهب، أعمال أيدي الناس لها أفواه، ولا تتكلم، لها أعين ولا تبصر، لها آذان ولا تسمع، لها مناخر ولا تشم، لها أيادي ولا تلمس، لها أرجل ولا تمشط، ولا تصوت بحنجرتها" انتهى. وفي المزمور الثالث والثلاثين بعد المائة، ما لفظه: "أوثان الأمم فضة وذهب، أعمال أيدي الناس، لهم أفواه ولا يتكلمون، ولهم أعين ولا يبصرون، ولهم آذان ولا يسمعون، وليس في أفواههم روح. مثلهم يصير الذين يصنعونهم، وجميع المتوكلين عليهم ". انتهى. وأما إنجيل المسيح ﵇ فهو مشحون بالتوحيد، وبذم المشركين والمنافقين والمرائين، ومن أراد استيفاء ذلك، فليراجع الأناجيل (١) الأربعة التي جمعها الأربعة من

стр. 415

الحواريين، ومن ذلك ما في الإنجيل الذي جمعه (القديس متى) في الفصل الخامس والخمسين منه ما لفظه: "إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه فيما بينك وبينه وحده، فإن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع منك، فخذ معك أيضًا واحدا أو اثنين لكي [تقوم كل كلمة] (١) على فم شاهدين أو ثلاثة، تثبت كل كلمة، وإن لم يسمع منهم، فقل للبيعة، وإن لم يسمع أيضًا من البيعة فيكون عندك كوثني وعشار" انتهى. وهكذا الرسائل (٢) التي صنفها جماعة من الحواريين، فإنا مشحونة بالتوحيد، ونفي

стр. 416

الشرك، والذم لأهله، ومثل ذلك الكتاب المشتمل على سيرة أصحاب المسيح المسمى عندهم (إبراكسيس) (١). وبالجملة فكتب الله بأسرها، ورسله جميعا متفقون على التوحيد والدعاء إليه، ونفي الشرك بجميع أقسامه. وأما دعاء الأنبياء المتقدمين على موسى إلى التوحيد فقد تضمنت التوراة حكاية ما كانوا عليه من التوحيد والدعاء إليه ونفي الشرك [٤] فإنها قد حكت ما وقع منهم من عند أبينا آدم ومن بعده من الأنبياء، كنوع، وإبراهيم، ولوط، وإسحاق، وإسماعيل، ويعقوب ويوسف إلى عند قيام موسى- سلام الله عليهم أجمعين-.

стр. 417

الفصل الثاني في بيان اتفاق الشرائع على إثبات المعاد اعلم أنه سبق لي تأليف رسالة في هذا سميتها: (المقالة الفاخرة في بيان اتفاق الشرائع على إثبات الدار الآخرة) (١) ولما كان هذا هو أحد المقاصد الثلاثة التي جمعت لها هذا المختصر، فإن ذكر بعض ما في كتب الله مما يتعلق به لازما. ففي التوراة في أولها عند الكلام على ابتداء الخليقة التصريح باسم الجنة، ولفظه: "فغرس الله جنانا في عدن شرقيا (٢)، وابقا، ثم آدم الذي خلق وأنبت الله"، ثم كل شجرة حسن منظرها، وطيب مأكلها، وشجرة الحياة في وسط الجنان، وشجرة معرفة الخير والشر، وكان نهر يخرج من عدن، ليسقي الجنان. ومن ثم يتفرق، ويصير أربعة رؤوس. اسم أحدهما النيل، وهو المحيط بجميع بلد زويلة الذي ثم الذهب، وذهب ذلك البلد جيد، ثم اللؤلؤ، وحجارة البنور. واسم النهر الثاني جيحون، وهو المحيط بجميع بلد الحبشة. واسم النهر الثالث الدجلة وهو السائر شرقي الموصل. والنهر الرابع، هو الفرات". انتهى. وكما وقع التصريح في التوراة بالجنة كما ذكرنا، فقد وقع التصريح فيها باسم النار. ولفظها في التوراة (شول واش) قال علماء اليهود: ومعنى اللفظين (جهنم). وفي موضع آخر في التوراة ما لفظه: "وإن الله خلق خلقا وتفتح الأرض فاها فينزلون إلى الثرى، هؤلاء القوم الذين عصوا الله. وقال: أحجب رحمتي عنهم، وأريهم عاقبتهم، وكما أنهم كادوني بغير إله، وأغضبوني بغروراتهم، كذلك إني أكيدهم؛ لأن النار تتقدح من غصبي، وتتوقد إلى أسفال الثرى، فتأكل الأرض ونباتها، حتى تستطلع

стр. 418

أساسات الجبال، كذلك أزيد عليهما شرورا، وسهامي أفرقها فيهم" انتهى. وفي الفصل الثاني عشر من السفر الثالث من التوراة ما لفظه: "واحفظوا رسومي وأحكامي؛ فإن جزاء من عمل بها، أن يحيا الحياة الدائمة" انتهى. ولا حياة دائمة في الدنيا، بل في الآخرة. وفي التوراة من النصوص على هذا المعنى كثير. وفي الفصل السادس والعشرين من كتاب النبي أشعيا ما لفظه: "يقوم الموات، ويستيقظ [٥] الذين في القبور" انتهى. وفي كتابه أيضًا ما لفظه: "مزكى الظالم لأجل الرشا، وزكاة الزكي يزيلونها عنه لذلك، كما تأكل القش لسان النار، والهشيم ما يخليه اللهيب عناصرهم تكون كالبرق، وفروعهم تصعد كالغبار، إن زهدوا في توراة رب الجيوش، وقول قدوس العالم رفضوا، آية أن الهاوية موعودة من أمس، وهي أيضًا أصلحت للملوك عمقها، فأوسعها نارا وحطبا كثيرا، وأمر الله كواد من كبريت مشتعل فيها، وقال: ويحرقون ينظرون إلى أجسام القوم الذين كفروا بي، إن دودهم لا تموت، ونارهم لا تطفأ، فيصيرون عبرة لباقي البشريين". انتهى. وقال أيضًا في كتابه المذكور في حقيقة تلذذ أهل الجنة: "لا عين تقدر [أن] (١) إلا علم الله تعالى" انتهى. وفي الفصل الثاني عشر من كتاب دانيال ما لفظه: "وكثير من الهاجعين في تراب الأرض يستيقظون: هؤلاء لحياة أبدية، وهؤلاء لتعيير وخزي أبدي" انتهى. وفي زبور النبي داود- ﵇ في المزمور السادس منه ما لفظه: "وأنت يا رب (فإلى متى توعد) يا رب، ونج نفسي وخلصني من أجل رحمتك، لأنه ليس في الموتى من ينكرك، ولا في الجحيم من يعترف لك". انتهى. وفي المزمور التاسع منه ما لفظه: "انتشبت الأمم في الفساد الذي عملوه، وفي الفخ الذي أخفوه، تعلقت أرجلهم، يعرف الرب أنه صانع الأحكام، والخاطئ بعمل يديه

стр. 419

يؤخذ، يرفع الخطاة إلى الجحيم". انتهى. وفي المزمور الخامس عشر (١) منه: "فرح قلبي وتهلل لمساني، وجسدي أيضًا يسكن على الرجاء، لأنك لا تترك نفسي في الجحيم، ولا تدع ضيفك أن يرى فسادا". انتهى. وفي المزمور الرابع والخمسين (٢) ما لفظه: "ليأت الموت عليهم، ولينحدروا إلى الجحيم أحياء، لأن الشرور في مساكنهم وفي وسطهم" انتهى. وفي المزمور السابع والثمانين (٣) ما لفظه: "يا رب، لأن نفسي قد امتلأت شرورا، وحياتي إلى الجحيم دنت، حسبت مع المنحدرين في الجب، صرت كإنسان فاقد المعونة بين الأموات، جرى كالمجرمين الراقدين في القبور، الذين يذكرهم أيضا، وهم أقصوا من يدك، وضعوني في جبّ أسفل السافلين في ظلمات وظلال الموت" انتهى. وفي وصايا النبي سليمان- ﵇ في الفصل الخامس منها ما لفظه: "لأن أرجل العبادة، تحذر الذين سيعلمونها، وتحطهم بعد الموت إلى الجحيم " انتهى. وفي الإنجيل المسيحي في الفصل الخامس منه، من الإنجيل الذي جمعه متى ما لفظه [٦]: "ومن قال لأخيه يا أحمق فقد وجبت عليه نار جهنم" انتهى. وفي هذا الفصل ما لفظه: "إن شككتك عينك اليمنى فاقلعها، وألقها عنك، فإنه لخير لك أن تهلك أحد أعضائك من أن تهلك جسدك كله في جهنم، وإن شككتك يدك اليمنى فاقطعها وألقها عنك، فإنه لخير لك أن يهلك أحد أعصابك من أن يذهب جسدك كله في جهنم "انتهى. وفي الفصل العاشر منه ما لفظه: "لا تخافوا ممن يقتل الجسد ولا يستطيع أن يقتل النفس. خافوا ممن يقدر أن يهلك النفس والجسم جميعا في جهنم" انتهى.

стр. 420

وفي الفصل الثالث عشر منه: "إن الملائكة يجمعون كل أهل الشكوك، وفاعلي الإثم، فيلقونهم في أتون النار حيث البكاء وصرير الأسنان". انتهى. ومنه أيضًا ما لفظه: "هكذا يكون في انقضاء هذا الزمان يخرج الملائكة، ويغرزون الأشرار من وسط الأخيار، ويلقونهم في أتون النار، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" انتهى. وفي الفصل الخامس والعشرين منه ما لفظه: "حينئذ يقول الذين عن يساره: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار المؤبدة المعدة لإبليس وجنوده" انتهى. وفيه أيضًا ما لفظه: "فيذهب هؤلاء إلى العذاب الدائم، والصديقون إلى الحياة المؤبدة" انتهى. وفي الفصل التاسع من الإنجيل الذي جمعه مرقص ما لفظه: "فإن شككتك يدك فاقطعها، فخير لك أن تدخل الحياة وأنت أعسم من أن يكون لك يدان وتذهب إلى جهنم في النار، حيث دودهم لا يموت، ونارهم لا تطفأ، وإن شككتك رجلك فاقطعها، فخير لك أن تدخل الحياة أعرج من أن يكون لك رجلان وتلقى في جهنم في النار، حيث دودهم لا يموت، ونارهم لا تطفأ" انتهى. وفي الفصل الثاني عشر منه، التصريح "بأن الزنادقة هم الذين يقولون: ليست تكون قيامة". انتهى. وفي الإنجيل الذي جمعه لوقا في الفصل السادس عشر منه ما لفظه: "ثم مات أيضًا ذلك الغبي وقُبر فرفع عينه، وهو يعذب في الجحيم" انتهى. وفيه أيضًا ذكر الزنادقة، وهم الذين يقولون: ليست قيامة، هكذا في الفصل العشرين منه. وفيه أيضًا ما لفظه: "فأما أن الموتى يقومون فقد أنبأ بذلك موسى" انتهى. وفي الفصل الثالث والعشرين منه: إن المسيح قال للمصلوب الذي آمن به: "إنك تكون معي في الفردوس" انتهى. وفي الإنجيل الذي جمعه يوحنا في الفصل الخامس منه ما لفظه: "فإنه ستأتي ساعة يسمع فيها جميع من في القبور صوته، فيخرج الذين عملوا الحسنات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة" انتهى. وفي الفصل السادس عشر منه ما لفظه: "يكون له الحياة المؤبدة، وأنا أقيمه في اليوم الآخر".

стр. 421

وفي الفصل السابع عشر منه ما لفظه: "الحق والحق أقول لكم: إنه من يؤمن بحياة دائمة" انتهى. إذا عرفت هذا المصرح به في الأناجيل، فهكذا صرح الحواريون من أصحاب المسيح في رسائلهم المعروفة (١). والحاصل أن هذا أمر اتفقت عليه الشرائع، ونطقت به كتب الله ، سابقها، ولاحقها، وتطابقت عليه الرسل: أولهم وآخرهم، ولم يخالف فيه أحد منهم [٧]، وهكذا اتفق على ذلك أتباع جميع الأنبياء من أهل الملل، ولم يسمع عن أحد منهم، أنه أنكر ذلك قط. ولكنه ظهر رجل من اليهود زنديق، يقال له موسى بن ميمون اليهودي (٢) الأندلسي، فوقع منه كلام، في إنكار المعاد. واختلف كلامه في ذلك، فتارة يثبته، وتارة ينفيه، ثم هذا الزنديق، لم ينكر مطلق المعاد، إنما أنكر بعد تسليمه للمعاد أن يكون فيه لذات حسية جسمانية، بل لذات عقلية روحانية، ثم تلقى ذلك عنه من هو شبيه به من أهل الإسلام كابن سينا، فقلده ونقل عنه ما يفيد أنه لم يأت في الشرائع السابقة على الشريعة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 422

المحمدية (١) إثبات المعاد، وتقليدا لذلك اليهودي الملعون الزنديق، مع أن اليهود قد أنكروا عليه هذه المقالة، ولعنوه، وسموه كافرا. قال في تاريخ النصراني في ترجمة موسى بن ميمون المذكور (أنه صنف رسالة في إبطال المعاد الجسمي، وأنكر عليه مقدمو اليهود، فأخفاها إلا عمن يرى رأيه قال: ورأيت جماعة من يهود بلاد الإفرنج بأنطاكية وطرابلس يلعنونه، ويسمونه كافرا". انتهى. فهذه رواية نصراني عن طائفة من اليهود، وأنهم كفروا ابن ميمون ولعنوه بسبب هذه المقالة على أن هذا الملعون الزنديق قد اعترف في كثير من كلامه بالمعاد فقال في تأليفه المسمى بالمشنا (٢) في فقه اليهود: "إن هذا الموضوع الذي هو جن عيذا (٣) هو موضوع خصيبة من كرة الأرض، كثير المياه والأثمار، وسيكشفه الله للناس في المستقبل، فيتنعمون به، ولعله يوجد فيه نبات غريب جدا، عظيم النفع، كثير اللذة غير هذه المشهورة عندنا، وهذا كله غير ممتنع ولا بعيد، بل قريب الإمكان بمشيئة الله تعالى"، ثم اعترف بذلك اعترافا آخر فقال في كتاب (اللغات) في حرف العين: "إن معنى هذا الاسم الذي هو "عيزا" التلذذ والتنعم، ومنه سميت لذات الآخرة، ونعيم أنفس الصالحين الكاملين (جن عيزا). ثم قال في هذا الكتاب في تفسير (جن عيزا): أي أن تلك هي جنات النعيم، وفردوس السعادة، وقد شرحوا معنى (جن عيزا) وماهية التلذذ فيها رجال من وصل

стр. 423

إليها، واستقر في ظل غروسها، وشرب عذوبة أنهارها، وأكل من لذيذ أثمارها، قالوا: والصالحون باقون فيها ليستلذوا من نور الله"، قال: "وقال النبي أشعيا في حقيقة التلذذ: لا عين [تقدر تراه] (١) إلا علم الله تعالى". انتهى كلام موسى ابن ميمون المذكور. ثم قال هذا اللعين في كتابه المسمى بالمشنا بعد اعترافه فيه كما حكيناه عنه هاهنا ما لفظه: "اعلم أنه كما لا يدري الأعمى الألوان، ولا يدري الأصم الأصوات، ولا العنين شهوة الجماع؟ كذلك لا تدري الأجسام اللذات النفسانية. وكما لا يعلم الحوت اصطقص النار لكونه في حده، كذلك لا يعلم في هذا العالم الجسماني بلذات العالم الروحاني، بل ليس عندنا توجد لذة غير لذات الأجسام، وإدراك الحواس من الطعام والشراب والنكاح، وما سمي غير ذلك فهو عندنا غير موجود، ولا نميزه، ولا ندركه على بادئ الرأي إلا بعد تحذق كثير. وإنما وجب ذلك لكوننا في العالم الجسماني في لذات، فلا ندرك إلا لذته، فأما اللذات النفسانية فهي دائمة غير منقطعة، وليس بينها وبين هذه اللذة نسبة بوجه من الوجوه، ولا يصح لنا في الشرع، ولا عند الإلهيين من الفلاسفة أن نقول: إن الملائكة والكواكب والأفلاك ليس لها لذة، بل هي لذة عظيمة جدا لما عقلوه من الباري ، وهم بذلك في لذة غير منقطعة، ولا لذة جسمانية عندهم، ولا يدركونها؛ لأنه ليس لهم حواس مثلنا يدركون بها ما ندرك نحن، وكذلك نحن إذا تزكى منا من تزكى، وصار بتلك الدرجة بعد الموت، لا يدرك اللذات الجسمانية، ولا يريدها، كما لا يريد الملك عظيم الملك، أن ينخلع من ملكه ليرجع يلعب بالكرة في الأسواق، وقد كان في زمان ما بلا محالة يفضل اللعب بتلك الكرة على الملك، وذلك من حين صغر سنه عند جهله بالأمرين جميعا. كما نفضل نحن اليوم اللذة الجسمانية على النفسانية.

стр. 424

وإذا ما بلغت أمر هاتين اللذتين نجد حساسة اللذة الواحدة، ورفعة الثانية، ولو في هذا العالم، وذلك أن نجد أكثر الناس يحملون أنفسهم وأجسامهم من الشقاء والتعب، ما لا مزيد عليه، كي ينال رفعة أو يعظمه الناس، وهذه اللذة ليست لذة طعام أو شراب، وكذلك كثير من الناس، يؤثر الانتقام من عدوه على كثير من لذات الجسم، وكثير من الناس يتجنب أعظم ما يكون من اللذات الجسمانية، خشية أن يناله في ذلك جزاء أو حشمة من الناس. فإذا كانت حالتنا في هذا العالم الجسماني هكذا، فناهيك بالعالم النفساني، وهو العالم المستقل الذي تعقل أنفسنا من الباري فيه مثل ما تعقل الأجرام العلوية، أو أكثر، فإن تلك اللذة لا تتجزأ، ولا تتصف، ولا يوجد مثل تمثل تلك اللذة، بل كما قال النبي داود متعجبا من عظمته: ما أكثر وما أجزل خيرك الذي خبأته للصالحين الطائعين لأمرك، وهكذا قال العلماء: العالم المستقبل ليس فيه لا أكل، ولا شرب، ولا غسل ولا دهن ولا نكاح، بل الصالحون باقون فيه، ويستلذون من نور الله تعالى، يريدون بذلك أن تلك الأنفس تستلذ بما تعقل من الباري بما تستلذ سائر طبقات الملائكة بما عقلوا من وجوده -سبحانه-. فالسعادة والغاية القصوى هي الوصول إلى هذا الملأ الأعلى. والحصول في هذا الحد. هو بقاء النفس كما وصفنا إلى ما لا نهاية له، ببقاء الباري -جل اسمه-، وهذا هو الخير العظيم الذي لا خير يقاس به، ولا لذة يمثل بها، وكيف [تمثل] (١) الدائم بما لا نهاية له بالشيء المنقطع، وهو قوله تعالى في نص التوراة: "لكي يطيب لك في العالم الذي كله طيب، ويطيل أيامك في العلم الذي كله طائل، والشقاوة الكاملة هو انقطاع النفس وأن لا تحصل باقية، وهو القطع المذكور (١) في التوراة كما بين". وقال: "انقطاعا ينقطع من هذا العالم، وينقطع من العالم المستقبل.

стр. 425

فكل من أخلد إلى اللذات الجسمانية، ونبذ الحق، وآثر الباطل انقطع من ذلك البقاء والعلو، وبقي مادة منقطعة فقط، وقد قال النبي أشعيا: "إن العالم المستقبل ليس يُدرك بالحواس. وهو قوله: لا عين تقدر أن تراه". وأما الوعد والوعيد المذكور في التوراة في لذات هذا العالم فتأويله ما أصف لك، وذلك أنه يقول لك: "إن امتثلت هذه الشرائع، نعينك على امتثالها، والكمال فيها، ونقطع عنك العلائق كلها، لأن الإنسان لا يمكنه العبادة لا مريض، ولا جائع، ولا عاطش، ولا في فتنة فوعد بزوال هذه كلها، وإنهم يصحون، ويتذهنون حتى يكمل لهم المعرفة، ويلتحقون بالعالم المستقبل. فليس غاية التوراة إلا أن تخصب الأرض، وتطول الأعمار، وتصح الأجسام، وإنما يعان على امتثالها هذه الأشياء كلها، وكذلك إن تعدوا كان عقابهم أن تحدث عليهم تلك العوائق كلها، حتى لا يمكن أن يعملوا صالحة. فإذا تأملت هذا التأمل العجيب تجده كأنه يقول: إن فعلت بعض هذه الشرائع بمحبة وفرض نعينك عليها كلها، بأن نزيل عنك العوائق والموانع، وإن ضيعت منها بعضا استخفافا، نجلب عليك موانع تمنعك من جميعها حتى لا يحصل لك كلام ولا بقاء" انتهى. فهذا خلاصة كلام ابن ميمون اليهودي زنديق اليهود في كتابه المذكور سابقا، وقد أوردنا لك كلامه هاهنا، لتعلم أنه لم يربطه شيء من كلام الله -سبحانه- يصلح دليلا عليه، بل هو مجرد زندقة، والتوراة والزبور والإنجيل، وكتب سائر الأنبياء منادية بخلاف ذلك، حسبما قدمنا لك. وها نحن نوضح لك فساد كلامه هذا فنقول: أولاً: إن حصر هذه اللذات النفسانية التي ذكرها لا ينافي حصول اللذات الجسمانية التي وردت في كتب الله . وقوله: "وليست بلذة طعام أو شراب"، هذا مسلم، فإن اللذات النفسانية ليست بلذة طعام ولا شراب، ولكن من أين يلزم أنه لا لذة طعام وشراب ونحوهما في تلك الدار الآخرة؟ فإن كان بالشرع، فكتب الله -سبحانه- جميعها ناطقة بخلاف ذلك كما قدمنا ذلك
следующие страницы →