وفي الفصل السابع عشر منه ما لفظه: "الحق والحق أقول لكم: إنه من يؤمن بحياة دائمة" انتهى.
إذا عرفت هذا المصرح به في الأناجيل، فهكذا صرح الحواريون من أصحاب المسيح في رسائلهم المعروفة (١).
والحاصل أن هذا أمر اتفقت عليه الشرائع، ونطقت به كتب الله ، سابقها، ولاحقها، وتطابقت عليه الرسل: أولهم وآخرهم، ولم يخالف فيه أحد منهم [٧]، وهكذا اتفق على ذلك أتباع جميع الأنبياء من أهل الملل، ولم يسمع عن أحد منهم، أنه أنكر ذلك قط. ولكنه ظهر رجل من اليهود زنديق، يقال له موسى بن ميمون اليهودي (٢) الأندلسي، فوقع منه كلام، في إنكار المعاد. واختلف كلامه في ذلك، فتارة يثبته، وتارة ينفيه، ثم هذا الزنديق، لم ينكر مطلق المعاد، إنما أنكر بعد تسليمه للمعاد أن يكون فيه لذات حسية جسمانية، بل لذات عقلية روحانية، ثم تلقى ذلك عنه من هو شبيه به من أهل الإسلام كابن سينا، فقلده ونقل عنه ما يفيد أنه لم يأت في الشرائع السابقة على الشريعة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 422
المحمدية (١) إثبات المعاد، وتقليدا لذلك اليهودي الملعون الزنديق، مع أن اليهود قد أنكروا عليه هذه المقالة، ولعنوه، وسموه كافرا.
قال في تاريخ النصراني في ترجمة موسى بن ميمون المذكور (أنه صنف رسالة في إبطال المعاد الجسمي، وأنكر عليه مقدمو اليهود، فأخفاها إلا عمن يرى رأيه قال: ورأيت جماعة من يهود بلاد الإفرنج بأنطاكية وطرابلس يلعنونه، ويسمونه كافرا". انتهى.
فهذه رواية نصراني عن طائفة من اليهود، وأنهم كفروا ابن ميمون ولعنوه بسبب هذه المقالة على أن هذا الملعون الزنديق قد اعترف في كثير من كلامه بالمعاد فقال في تأليفه المسمى بالمشنا (٢) في فقه اليهود: "إن هذا الموضوع الذي هو جن عيذا (٣) هو موضوع خصيبة من كرة الأرض، كثير المياه والأثمار، وسيكشفه الله للناس في المستقبل، فيتنعمون به، ولعله يوجد فيه نبات غريب جدا، عظيم النفع، كثير اللذة غير هذه المشهورة عندنا، وهذا كله غير ممتنع ولا بعيد، بل قريب الإمكان بمشيئة الله تعالى"، ثم اعترف بذلك اعترافا آخر فقال في كتاب (اللغات) في حرف العين: "إن معنى هذا الاسم الذي هو "عيزا" التلذذ والتنعم، ومنه سميت لذات الآخرة، ونعيم أنفس الصالحين الكاملين (جن عيزا).
ثم قال في هذا الكتاب في تفسير (جن عيزا): أي أن تلك هي جنات النعيم، وفردوس السعادة، وقد شرحوا معنى (جن عيزا) وماهية التلذذ فيها رجال من وصل
стр. 423
إليها، واستقر في ظل غروسها، وشرب عذوبة أنهارها، وأكل من لذيذ أثمارها، قالوا: والصالحون باقون فيها ليستلذوا من نور الله"، قال: "وقال النبي أشعيا في حقيقة التلذذ: لا عين [تقدر تراه] (١) إلا علم الله تعالى". انتهى كلام موسى ابن ميمون المذكور.
ثم قال هذا اللعين في كتابه المسمى بالمشنا بعد اعترافه فيه كما حكيناه عنه هاهنا ما لفظه: "اعلم أنه كما لا يدري الأعمى الألوان، ولا يدري الأصم الأصوات، ولا العنين شهوة الجماع؟ كذلك لا تدري الأجسام اللذات النفسانية. وكما لا يعلم الحوت اصطقص النار لكونه في حده، كذلك لا يعلم في هذا العالم الجسماني بلذات العالم الروحاني، بل ليس عندنا توجد لذة غير لذات الأجسام، وإدراك الحواس من الطعام والشراب والنكاح، وما سمي غير ذلك فهو عندنا غير موجود، ولا نميزه، ولا ندركه على بادئ الرأي إلا بعد تحذق كثير.
وإنما وجب ذلك لكوننا في العالم الجسماني في لذات، فلا ندرك إلا لذته، فأما اللذات النفسانية فهي دائمة غير منقطعة، وليس بينها وبين هذه اللذة نسبة بوجه من الوجوه، ولا يصح لنا في الشرع، ولا عند الإلهيين من الفلاسفة أن نقول: إن الملائكة والكواكب والأفلاك ليس لها لذة، بل هي لذة عظيمة جدا لما عقلوه من الباري ، وهم بذلك في لذة غير منقطعة، ولا لذة جسمانية عندهم، ولا يدركونها؛ لأنه ليس لهم حواس مثلنا يدركون بها ما ندرك نحن، وكذلك نحن إذا تزكى منا من تزكى، وصار بتلك الدرجة بعد الموت، لا يدرك اللذات الجسمانية، ولا يريدها، كما لا يريد الملك عظيم الملك، أن ينخلع من ملكه ليرجع يلعب بالكرة في الأسواق، وقد كان في زمان ما بلا محالة يفضل اللعب بتلك الكرة على الملك، وذلك من حين صغر سنه عند جهله بالأمرين جميعا. كما نفضل نحن اليوم اللذة الجسمانية على النفسانية.
стр. 424
وإذا ما بلغت أمر هاتين اللذتين نجد حساسة اللذة الواحدة، ورفعة الثانية، ولو في هذا العالم، وذلك أن نجد أكثر الناس يحملون أنفسهم وأجسامهم من الشقاء والتعب، ما لا مزيد عليه، كي ينال رفعة أو يعظمه الناس، وهذه اللذة ليست لذة طعام أو شراب، وكذلك كثير من الناس، يؤثر الانتقام من عدوه على كثير من لذات الجسم، وكثير من الناس يتجنب أعظم ما يكون من اللذات الجسمانية، خشية أن يناله في ذلك جزاء أو حشمة من الناس.
فإذا كانت حالتنا في هذا العالم الجسماني هكذا، فناهيك بالعالم النفساني، وهو العالم المستقل الذي تعقل أنفسنا من الباري فيه مثل ما تعقل الأجرام العلوية، أو أكثر، فإن تلك اللذة لا تتجزأ، ولا تتصف، ولا يوجد مثل تمثل تلك اللذة، بل كما قال النبي داود متعجبا من عظمته: ما أكثر وما أجزل خيرك الذي خبأته للصالحين الطائعين لأمرك، وهكذا قال العلماء: العالم المستقبل ليس فيه لا أكل، ولا شرب، ولا غسل ولا دهن ولا نكاح، بل الصالحون باقون فيه، ويستلذون من نور الله تعالى، يريدون بذلك أن تلك الأنفس تستلذ بما تعقل من الباري بما تستلذ سائر طبقات الملائكة بما عقلوا من وجوده -سبحانه-.
فالسعادة والغاية القصوى هي الوصول إلى هذا الملأ الأعلى. والحصول في هذا الحد.
هو بقاء النفس كما وصفنا إلى ما لا نهاية له، ببقاء الباري -جل اسمه-، وهذا هو الخير العظيم الذي لا خير يقاس به، ولا لذة يمثل بها، وكيف [تمثل] (١) الدائم بما لا نهاية له بالشيء المنقطع، وهو قوله تعالى في نص التوراة: "لكي يطيب لك في العالم الذي كله طيب، ويطيل أيامك في العلم الذي كله طائل، والشقاوة الكاملة هو انقطاع النفس وأن لا تحصل باقية، وهو القطع المذكور (١)
في التوراة كما بين". وقال: "انقطاعا ينقطع من هذا العالم، وينقطع من العالم المستقبل.
стр. 425
فكل من أخلد إلى اللذات الجسمانية، ونبذ الحق، وآثر الباطل انقطع من ذلك البقاء والعلو، وبقي مادة منقطعة فقط، وقد قال النبي أشعيا: "إن العالم المستقبل ليس يُدرك بالحواس. وهو قوله: لا عين تقدر أن تراه".
وأما الوعد والوعيد المذكور في التوراة في لذات هذا العالم فتأويله ما أصف لك، وذلك أنه يقول لك: "إن امتثلت هذه الشرائع، نعينك على امتثالها، والكمال فيها، ونقطع عنك العلائق كلها، لأن الإنسان لا يمكنه العبادة لا مريض، ولا جائع، ولا عاطش، ولا في فتنة فوعد بزوال هذه كلها، وإنهم يصحون، ويتذهنون حتى يكمل لهم المعرفة، ويلتحقون بالعالم المستقبل. فليس غاية التوراة إلا أن تخصب الأرض، وتطول الأعمار، وتصح الأجسام، وإنما يعان على امتثالها هذه الأشياء كلها، وكذلك إن تعدوا كان عقابهم أن تحدث عليهم تلك العوائق كلها، حتى لا يمكن أن يعملوا صالحة. فإذا تأملت هذا التأمل العجيب تجده كأنه يقول: إن فعلت بعض هذه الشرائع بمحبة وفرض نعينك عليها كلها، بأن نزيل عنك العوائق والموانع، وإن ضيعت منها بعضا استخفافا، نجلب عليك موانع تمنعك من جميعها حتى لا يحصل لك كلام ولا بقاء" انتهى.
فهذا خلاصة كلام ابن ميمون اليهودي زنديق اليهود في كتابه المذكور سابقا، وقد أوردنا لك كلامه هاهنا، لتعلم أنه لم يربطه شيء من كلام الله -سبحانه- يصلح دليلا عليه، بل هو مجرد زندقة، والتوراة والزبور والإنجيل، وكتب سائر الأنبياء منادية بخلاف ذلك، حسبما قدمنا لك. وها نحن نوضح لك فساد كلامه هذا فنقول:
أولاً: إن حصر هذه اللذات النفسانية التي ذكرها لا ينافي حصول اللذات الجسمانية التي وردت في كتب الله .
وقوله: "وليست بلذة طعام أو شراب"، هذا مسلم، فإن اللذات النفسانية ليست بلذة طعام ولا شراب، ولكن من أين يلزم أنه لا لذة طعام وشراب ونحوهما في تلك الدار الآخرة؟
فإن كان بالشرع، فكتب الله -سبحانه- جميعها ناطقة بخلاف ذلك كما قدمنا ذلك
стр. 426
في كتب الله المتقدمة، وكما في القرآن العظيم مما يكثر تعداده، ويطول إيراده، وهو لا يخفى مثله على أحد من المسلمين الذين يقرؤون القرآن لبلوغه في الكثرة إلى غاية يشترك في معرفتها المقصر والكامل.
وإن كان بالعقل فليس في العقل ما يقتضي إثبات اللذة النفسانية، ونفي اللذة الجسمانية، بل لا مدخل للعقل هاهنا، ولا يتعول عليه أصلا. وإن كان لا يعتبر عقل، ولا شرع، بل لمجرد الزندقة، والمروق من الأديان كلها، والمخالفة لما ورد في كتب الله -سبحانه-[١٠] فبطلان ذلك مستغن عن البيان.
وأما قوله: "كما قال النبي داود متعجبا من عظمتها: ما أكثر وما أجزل خيرك الذي خبأته للصالحين الطائعين لأمرك! "، فهذا عجب منه ﵇ من كثرة خير الله -سبحانه-، وجزالة ما خبأه للصالحين (١) من عباده الطائعين لأمره في الدار الآخرة، وهو دليل على الملعون لا له، فإن كلامه هذا هو ككلام سائر أنبياء الله في استعظام ما أعده الله للصالحين من عباده، كما قال نبينا ﷺ : "في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (٢). ومثله في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ (٣).
وأما قوله: "وهكذا العلماء: العالم المستقبل، ليس فيه لا أكل، ولا شرب إلى آخره" فيقال له: إن أردت علماء الملة اليهودية، فهم الذين لعنوك وكفّروك بسبب هذه
стр. 427
المقالة كما قدمنا، وهم جميعا يخالفونك، ويثبتون المعاد الجسماني، واللذات الجسمانية، ويكفرون من لم يثبتها كما كفروك ويلعنونه كما يلعنوك. وإن أردت علماء الملة النصرانية، فهم متفقون بأسرهم على إثبات المعاد الجسماني، وإثبات اللذات الجسمانية والنفسانية فيه، وكيف يخالف منهم مخالف في ذلك، والإنجيل مصرح هذا الإثبات تصريحا، لا يبقى عنده ريب لمرتاب. وإن أردت علماء الملة الإسلامية فذلك كذب بحت، وزور محضر، فإنهم مجمعون على ذلك، لا يخالف منهم فيه مخالف. ونصوص القرآن من فاتحته إلى خاتمته مصرحة بإثبات المعاد الجسماني، وإثبات تنعم الأجسام فيه بالمطعم والمشرب والمنكح وغير ذلك، أو تعذيبها بما اشتمل عليه القرآن من تلك الأنواع المذكورة فيه، وهكذا النصوص النبوية المحمدية مصرحة بذلك تصريحا يفهمه كل عاقل، بحيث لو جمع ما ورد في ذلك منها لجاء مؤلفا بسيطا.
وأما استدلاله بقوله في التوراة: "لكي يطيب لك في العالم الذي كله طيب، ويطيل أيامك في العالم الذي كله طائل" فهذا دليل على الملعون، فإن الخطاب في الدنيا لمجموع الشخص الذي هو الجسم والروح. وظاهره أنه يكون له هذا على الصفة التي خوطب وهو عليها، وأنه يحصل له جميع ما يتلذذ به من اللذات الجسمانية والنفسانية، ومن ادعى التخصيص ببعض الشخص، أو ببعض اللذات، فهو يدعي خلاف الظاهر. ولكن المحرف المتزندق لا مقصد له إلا التلبيس على أهل الأديان. وكذلك قوله: "وقد قال النبي أشعيا: إن العالم المستقبل ليس يُدرك بالحواس، وهو قوله: "لا عين تقدر أن تراه". فإن هذا هو مثل ما قدمنا من كلام الأنبياء في استعظام ما عند الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة. وهذا تعرف أنه لم يكن في كلام هذا الملعون الزنديق ما يتمسك به متمسك، أو يغتر به مغتر [١١]، بل هو خلاف ما في كتب الله جميعا كما قدمنا، وخلاف ما عند علماء الملل، بل خلاف ما أقره به في كلامه السابق إقرار مكررا.
فيا عجبا لمن يتمسك بمثل هذا الكلام الذي لم يجر على نمط ملة من الملل، ولا وافق نصا من نصوص كتب الله -سبحانه-، ولا نصا من نصوص رسل الله جميعا!،
стр. 428
ويجعله نفس ما وردت به التوراة والإنجيل، ويجزم به ويحرره في كتبه مظهرا أن الشريعة المحمدية جاءت بما لم يكن في الشرائع السابقة، زاعما أن ذلك دليل على كمالها، مبطنا ما أبطنه هذا الزنديق ابن ميمون اليهودي، كما فعل ذلك ابن سينا (١)، وتبعه ابن أبي الحديد (٢) في شرح (النهج) (٣). بل جاوز ما قاله هذا إلى ما هو شر منه، فقال: إن التوراة لم يأت فيها وعد ووعيد يتعلق بما بعد الموت. وهذه فرية على التوراة، وجحد لما فيها، وتحريف لما صرحت به في غير موضح كما قدمنا بعض ذلك. وكذلك زعم أن المسيح وإن صرح بالقيامة فقد جعل العذاب روحانيا، وكذلك الثواب، وهذا أيضًا كذب محض. وقد قدمنا ما يفيدك ذلك، ويطلعك على كذبهما. والعجب أن ابن ميمون اليهودي لم يتجاسر على ما زعماه من أن التوراة لم يأت فيها وعد ووعيد يتعلق بما بعد الموت، بل أثبت ذلك، واستدل عليه بالتوراة كما عرفت من كلامه السابق المتضمن لاعترافه، ولمخالفته في إثبات اللذات الجسمانية. فإن قلت: قد جاء عن الصابئة، وعن جماعة من المتعلقين بمذاهب الحكماء ما يوافق كلام ابن ميمون المذكور. قلت: لسنا بصدد الرد على كل كافر ومتزندق، بل بصدد الكلام على ما جاءت به رسل الله،
стр. 429
ونطقت به كتبه، واتفقت عليه الملل المنتسبة إلى الأنبياء المقتدية بكتب الله ورسله دفعا لما وقع من الكذب البحت، والزور المحض، ممن زعم المخالفة بينها وبين ما جاءت به الشريعة المحمدية، فأوضحنا أن ذلك مخالف للملة اليهودية، ولما جاءت به التوراة، وما قاله علماء اليهود. ومخالف لما جاءت به الملة النصرانية، ولما جاء به الإنجيل، وما قاله علماء النصارى. ومخالف أيضًا لما جاء به أنبياء بني إسرائيل، وما نطقت به كتبهم حسبما قدمنا. ومخالف لما كان من الأنبياء المتقدمين على بعثة موسى كما يحكي ذلك ما تضمنته التوراة من حكاية أحوالهم، وما كانوا عليه، وما كانوا يدينون به، وكما يحكي ذلك عنهم القرآن الكريم، فإن فيه ما يفيد ما كانوا عليه، وما كانوا يدينون به، وما قالوا لقومهم، وما وعدوهم به من خير وشر، [١٢] بل فيه ما يفيد ما كان عليه أهل الكتب المتأخرة من البعثة لموسى، ومن بعده، وما كانوا يدينون به كقوله _سبحانه- حاكيا عن اليهود:﴾ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴿، وقوله تعالى:﴾ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ﴿(١)، وقوله حاكيا عن موسى (٢) إلى فرعون:﴾ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ﴿إلى قوله:﴾ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴿إلى قوله:﴾ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿(٣)، وقوله:﴾ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴿(٤).
стр. 430
وقال:﴾ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴿(١).
ونصوص القرآن الحاكية عن اليهود والنصارى، وسائر الملل مثل هذا كثيرة جدا، ولا يتسع المقام لبسطها، وقد بعث النبي ﷺ وأهل الملة اليهودية والنصرانية في أكثر بقاع الأرض، وبلغهم ما حكاه القرآن عن أنبيائهم من إثبات المعاد، وإثبات النعيم الجسماني والروحاني، ولم يسمع عن أحد منهم أنه أنكر ذلك، أو قال هو خلاف ما في التوراة والإنجيل. وقد نزل أكثر القرآن على النبي ﷺ في المدينة، وكان اليهود متوافرين فيها وفيما حولها من القرى المتصلة بها، وكانوا يسمعون ما ينزل من القرآن، ولم يسمع أن قائلا منهم قال للنبي ﷺ : إنك تحكي عن التوراة ما لم يكن فيها من البعثة، وما أعده الله في الدار الآخرة من النعيم للمطيعين، والعذاب للعاصين، وقد كانوا يودون أن يقدحوا في النبوة المحمدية بكل ممكن. بل كانوا في بعض الحالات ينكرون وجود ما هو موجود في التوراة كالرجم (٢)، فكيف سكتوا عن هذا الأمر العظيم، وهل كانوا يعجزون أن يقولوا عند سماعهم لقوله تعالى:
стр. 431
﴾ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴿(١) , ما قلنا هذا، ولا نعتقده، ولا جاءت يه شريعة موسى؟!.
وهكذا عند سماعهم لقوله تعالى:﴾ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴿(٢). وقد كان أمر المعاد مشتهرا في أهل الكتاب، وكانوا يتحدثون به، واستمر ذلك فيهم استمرارا ظاهرا، وعلم به غيرهم من أهل الأوثان لما كانوا يسمعون منهم. ومن ذلك ما أخرجه ابن إسحاق (٣) قال: حدثنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد (٤)، عن سلمة بن سلامة بن وقش قال: كان بين أبياتنا يهودي، فخرج على نادي قومه (٥) بني عبد الأشهل ذات غداة، فذكر البعث والقيامة، والجنة والنار [١٣]، والحساب والميزان، فقال ذلك لأصحاب وثن لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت. وذلك قبل مبعث رسول الله ﷺ فقالوا: ويحك يا فلان، أو ويلك، وهذا كائن أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون من أعمالهم؟!. قال: نعم، والذي يحلف، به لوددت أن حظي من تلك النار أن توقدوا أعظم تنور في داركم، فتحمونه، ثم تقذفوني فيه، ثم تطينون علي، وأني أنجو من تلك النار غدا. فقيل: يا فلان، فما علامة ذلك؟ فقال: نبي يبعث من ناحية هذه البلاد، وأشار إلى مكة واليمن بيده، قالوا: فمن نراه؟ فرمى بطرفه فرآني وأنا مضطجع بفناء باب أهلي، وأنا أحدث القوم، فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه. . . إلى آخر الحديث (٦).
стр. 432
وأهل الكتاب إلى عصرنا هذا يقرون بالمعاد، والجنة والنار، والحساب والعقاب، والنعيم والثواب، ولا ينكر ذلك منهم منكر، ولا يخالف فيه مخالف.
وإذا قيل لهم: قد قال قائل: إنكم لا تثبتون ذلك، أنكروا أشد الإنكار. فمن روى عنهم ما يخالف ذلك، فقد افترى، وجاء مما ترده الأحياء منهم والأموات، وبما تبطله الرسل المرسلة إليهم، والكتب النازلة عليهم، حسبما قد حكينا لك في هذا المختصر.
стр. 433
الفصل الثالث
في إثبات النبوات
[١ - تمهيد]:
اعلم أن الأنبياء ﵈ على كثرة عددهم، واختلاف أعمارهم، وتباين أنسابهم، وتباعد مساكنهم، قد اتفقوا جميعا على الدعاء إلى الله- وصار الآخر منهم يقر بنبوة من تقدمه، وبصحة ما جاء به. وإذا خالفه في تحليل بعض ما حرمه الله على لسان الأول، أو تحريم ما أحله الله له ولأمته فهو مقر بأن الحكم الأول تحليلا أو تحريما هو حق، وهو حكم الله وأنه الذي تعبد الله به أهل تلك الملة السابقة، واختاره لهم، كما اختار للملة اللاحقة ما يخالفه. والكل من عند الله وذلك جائز عقلا وشرعا في ملة واحدة، فضلا عن الملل المختلفة.
وما روي في بعض كتب أصول الفقه من أن اليهود ينكرون النسخ، فتلك رواية غير صحيحة، وقد نسبها من نسبها إلى طائفة (١) قليلة منهم، وما أظنه يصح عنهم ذلك؛ فإن التوراة مصرحة بنسخ كثير من الأحكام التي تعبدهم الله بها، تارة تخفيفا، وتارة تغليظا، وتارة إيجابا، وتارة تحريما.
وبالجملة فلا شك، ولا ريب أن الأنبياء متفقون على تصديق بعضهم بعضا، وأن ما جاء به كل واحد منهم فهو من عند الله- [١٤] وقد عرفناك فيما سبق أن
стр. 434
عددهم بلغ إلى مائة (١) ألف وأربعة وعشرين ألفا، ولا خلاف بين أهل النظر أن اتفاق مثل هذا العدد يفيد العلم الضروري بصدق ما اتفقوا عليه، بل اتفاق عشر هذا العدد، بل اتفاق عشر عشره يفيد ذلك. ومن ينكر في هذا الاتفاق فعليه بمطالعة التوراة، فإنها قد اشتملت على حكاية حال الأنبياء من لدن آدم إلى بعثة موسى، وفيها التصريح بتصديق بعضهم بعضا، ولم يقع من واحد منهم الإنكار لنبوة أحد ممن تقدمه. ثم جاء من بعد موسى وهارون أنبياء بني إسرائيل، وكل واحد منهم يقر بمن تقدمه، ويثبت نبوته، كما اشتمل على ذلك كتب نبواتهم، وكثير منهم كان يجاهد من يعبد الأصنام من بني إسرائيل وغيرهم. وقد وقعت لهم قصص وحروب مع من كان يعبد الصنم المعروف (ببعل) الذي ذكره الله -سبحانه- في القرآن (٢). وكذلك كان لهم قصص وحروب مع من كان يعبد غيره من الأصنام. وهكذا داود وسليمان، وهما من أنبياء بني إسرائيل، وممن يدين بالتوراة، ما زالا في حرب مع عباد الأصنام كما يحكي ذلك الزبور، وكتاب داود، وكما تحكيه وصايا سليمان، وهى كتاب مستقل.
وهكذا الإنجيل، فإن المسيح ﵇ كان يحتج على المخالفين له من اليهود بنص التوراة في غالب فصوله المشتملة على حكاية المسائل التي أنكرها عليه اليهود. ومع هذا فلم يقع اختلاف بينهم قط في الدعاء إلى توحيد الله، وإثبات المعاد، وصحة نبوة كل واحد منهم وصدقه، فيما جاء به من الشرع، وفيما حكاه عن الله - سبحانه-. وهذه هي الثلاثة المقاصد التي جمعنا هذا المختصر لتقرير اتفاقهم عليها، وإثباتهم لها، وكثيرا ما كان يقع التبشير من السابق منهم باللاحق، كما هو مصرح به في التوراة من تبشير موسى بيوشع بن نون، وكما هو مصرح به في الزبور من تبشير داود بعيسى، وهو الرابع عشر من أولاده، فإن بين داود والمسيح أربعة عشر أبا. وقيل أكثر من
стр. 435
ذلك، حسبما يحكيه ما وقع في بعض نسخ الإنجيل، وكما وقع من يحيى بن زكريا المسمى عندهم يوحنا، فإنه بشر بالمسيح مع اتصال عصره بعصره، فإن يحيى بن زكريا إنما قتل بعد أن بعث الله المسيح كما يحكي ذلك الإنجيل.
[٢ - تبشير التوراة بمحمد- ﷺ :]
والكلام في تبشير بعض الأنبياء ببعض يطول، وها نحن نذكر لك هاهنا ما وقع من التبشبر بنبينا محمد- ﷺ ممن تقدمه من الأنبياء، حتى يتضح لك أن هذه سنة الله- في أنبيائه- ﵈.
فمن ذلك ما ثبت في التوراة في الفصل السابع عشر من السفر الأول منها: " قال الله سبحانه لإبراهيم، وقد سمعت قولك في إسماعيل، وها أنا مبارك فيه، وأثمره، وأكثره بمأذ مأذ" (١) انتهى قوله: "بمأذ مأذ" (٢) هو اسم محمد بالعبرانية، وهذا صريح في البشارة بنبينا محمد ﷺ . [١٥]
وفي الفصل الثالث (٣) والثلاثين من السفر (٤) الخامس من التوراة، ما لفظه: "يا الله الذي تجلى نوره من طور سينا، وأشرق نوره من جبل سيعير، ولوح به من جبل فاران، وأتى ربوة القدس بشريعة نور من يمينه لهم" انتهى.
هذا نص التوراة المعربة تعريبا صحيحا، وقد حكى هذا اللفظ من نقل عن التوراة بمخالفة لما هنا بسيرة: "هكذا جاء الله من طور سيناء، وأشرق من (ساعير) واستعلن من جبال فاران، وفي لفظ: "تجلى الله من طور سيناء إلخ".
قال جماعة من العلماء: إن معنى تجلى نور الله -سبحانه- من طور سيناء، أو مجيئه
стр. 436
من طور سيناء، هو إنزاله التوراة على موسى بطور سيناء، ومعنى إشراقه من جبل (سيعير)، إنزاله الإنجيل على المسيح، وكان المسيح من (سيعير)، أو (ساعير) (١) , وهي أرض الخليل من قرية منها تدعى (ناصرة) وباسمها سمى أتباعه نصارى، ومعنى لوح به من جبل فاران (٢)، أو استعلن من جبل فاران، إنزاله القرآن على محمد ﷺ . وجبال فاران هي جبال مكة بلا خلاف بين المسلمين، وأهل الكتاب. ومما يؤيد هذا ما في التوراة في السفر (٣) الأول منها ما لفظه: "وغدا إبراهيم فأخذ الغلام يعني إسماعيل، وأخذ خبزا وسقاء من ماء، ودفعه إلى هاجر، وحمله عليها، وقال لها: اذهبي، فانطلقت هاجر، فظلت سبعا، ونفذ الماء الذي كان معها، فطرحت الغلام تحت شجرة، وجلست مقابلته على مقدار رمية سهم، لئلا تبصر الغلام حين يموت، ورفعت صوتها بالبكاء، وسمع الله صوت الغلام، فدعا ملك الله هاجر وقال لها: ما لك يا هاجر لا تخشي، فإن الله قد سمع صوت الغلام حيث هو، فقومي فاحملي الغلام، وشدي يديك به، فإني جاعله لأمة عظيمة، وفتح الله عينيها فبصرت بئر ماء، فسقت الغلام، وملأت سقاها، وكان الله مع الغلام فربى وسكن في برية فاران" انتهى.
ولا خلاف أن إسماعيل سكن أرض مكة فعلم أنها فاران، وقد حكى الله -سبحانه- في القرآن الكريم ما يفيد هذا، فقال حاكيا عن إبراهيم:﴾ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿(٤).
стр. 437
ولا خلاف في أن المراد بهذا الوادي أرض مكة، وفي الأحاديث الصحيحة (١)
الحاكية لقصة إبراهيم مع هاجر وولدها إسماعيل ما يفيد هذا ويوضحه.
ومما يؤيد هذه البشارة، المذكور في التوراة البشارة المذكورة في كتاب نبوة النبي شمعون (٢) ولفظه: "جاء الله من جبال فاران، وامتلأت السماوات والأرض من تسبيحه، وتسبيح أمته".
ومثل ذلك البشارة المذكورة في نبوة النبي حبقوق (٣) ولفظه: " جاء الله من التيمن (٤)، وظهر القدس على جبال فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد، وملك يمينه رفات الأمم، وأنارت الأرض لنوره، وحملت خيله في البحر" (٥) انتهى.
وفي هذا التصريح بحبال فاران مع التصريح باسم نبينا محمد ﷺ [١٦] بقوله: وامتلأت الأرض من تحميد أحمد تصريح لا يبقى بعده ريب لمرتاب.
ومن البشارات بنبينا - محمد ﷺ في الزبور (٦) لداود ﵇ ما لفظه:
стр. 438
"إن ربنا عظيم، محمود جدا، ومحمد قد عم الأرض كلها فرحا" انتهى.
ففي هذا التصريح باسمه ﷺ .
ومن ذلك قوله فيه "بارك عليك إلى الأبد. ويقلد أبونا الجبار السيف؛ لأن البهاء لوجهك، والحمد الغالب عليك، اركب كلمة الحق، وسمت التأله، فإن ناموسك وشرائعك معروفة هيبة يمينك، وسهامك مسنونة، والأمم يخرون تحتك" (١) انتهى. وهذه صفات نبينا ﷺ فإنه لم يبعث نبي هذه صفته بعد داود سواه. ومثل هذا قوله في موضع آخر: "ويجوز من البحر إلى البحر، ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض، وتخذى أهل الجزائر بين يديه، ويلحس أعداؤه التراب، ويسجد له ملوك الفرس، وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد، ويخلص البائس المضطهد ممن هو أقوى منه، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويرأف بالمساكين والضعفاء، ويصفى عليه ويبارك في كل حين" (٢) انتهى. وهذه الصفات أيضًا ليست لأحد من الأنبياء غيره. فإنه لم يملك أحد
стр. 439
منهم من البحر إلى البحر، ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض، كما ذلك معلوم لكل أحد، بل الذي انتشرت شريعته، وبلغت سيوف أمته إلى هذا المقدار هو نبينا ﷺ . وهكذا قوله: ويسجد له ملوك الفرس، فإنه لم يفتح الفرس، ويستعبد أهلها، ويضرب عليهم الجزية إلا أمة نبينا ﷺ . وهكذا قوله: "وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد" فإنها لم تدن الأمم كلها لغيره. وهكذا قوله: "ويصلي عليه ويبارك (١) في كل حين" فإن هذا يختص بنبينا ﷺ لاستمرار ذلك له في كل وقت، ووقوع الأمر القرآني به، ولم يكن ذلك لغيره من الأنبياء. ومن البشارات، ما ذكره أشعيا (٢) في كتاب نبوته من التبشير براكب الحمار، وراكب الجمل، ولا شك أن راكب الحمار، هو المسيح، وراكب الجمل هو نبينا ﷺ .
وفي نبوة أشعيا أيضًا قوله: "إني جعلت أمرك يا محمد، يا قدوس الرب اسمك موجود من الأبد" (٣). انتهى.
стр. 440
وهذا تصريح باسم نبينا ﷺ على وجه ينفي كل شك ويقطع كل ريبة، وكذلك قوله في موضع آخر (١) من كتاب نبوته حاكيا عن الله سبحانه أشكر حبيبي أحمد فإن هذا التصريح باسم نبينا ﷺ . ومثل هذا قول حبقوق (٢) النبي في كتاب نبوته: "أضاءت السماء من بهاء محمد، وامتلأت الأرض من شعاع منظره" (٣) وكذا قوله في موضع آخر (٤) من كتاب نبوته: "وتنزع في مشيك إعراقا ونزعا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء- فإن هذا تصريح أوضح من الشمس ومن البشارات قول حزقيال (٥) النبي في كتاب نبوته مهددا لليهود:- وأن الله يظهرهم عليكم، وباعث فيهم نبيا، وينزل عليهم كتابا، ويملكهم رقابكم، فيقهرونكم،. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 441
ويذلونكم (١) بالحق [١٧]، ويخرج رجال (بني قيذار) (٢) في جماعات الشعوب، معهم ملائكة على خيل بيض" (٣) انتهى.
ففي هذا التصريح ببعثة نبينا ﷺ وقهر أمته للأمم، فإن (قيدار) هو ابن إسماعيل بن إبراهيم بلا خلاف، ولم يبعث الله فيهم نبيا إلا نبينا محمدا ﷺ وهذا معلوم لكل أحد، لا يخالف فيه مخالف، ولا ينكره منكر.
ومن البشارات ما في كتاب نبوة دانيال النبي، فإنه صرح فيها باسم النبي ﷺ بمثل ما تقدم في نبوة حبقوق فقال: "ستنزع في مشيك إعراقا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء" (٤) انتهى.
وفي موضع آخر من كتابه هذا التصريح ببعثة نبينا ﷺ فقال بعد ذكر التبشير بالمسيح ما لفظه: "حتى أبعث بي بني إسماعيل الذي بشرت به هاجر، وأرسلت إليها ملائكة فبشروها، فأوحي إلى ذلك النبي وأعلمه السماء، وأزينه بالتقوى، وأجعل البر شعاره، والتقوى ضميره، والصدق قوله، والوفاء طبيعته، والقصد سيرته، والرشد سنته، بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتب، وناسخ لبعض ما فيها، أسري به إلي، وأرقيه من سماء إلى سماء حتى يعلو، فأدنيه، وأسلم عليه، وأوحي إليه، ثم أرده إلى
стр. 442
عبادي بالسرور والغبطة حافظا لما استودع، صادعا بما أمر، يدعو إلى توحيدي باللين من القول، والموعظة الحسنة، لا فظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، رؤوف بمن والاه، رحيم بمن آمن به حتى على من عاداه" (١). انتهى، ولا ريب أن هذه صفات نبينا ﷺ وأنه لم يبعث الله نبيا من بني إسماعيل سواه. ومثل هذه الصفات، ما في حديث عبد الله بن عمرو وعند البخاري (٢) وغيره أنه قيل له: أخبرنا ببعض صفة رسول الله ﷺ في التوراة قال (إنه لموصوف في التوراة (٣) ببعض صفته في القرآن (٤):﴾ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿(٥) وحرزا للأميين. أنت عبدي ورسولي، حميتك المتوكل، لست بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، فأفتح به أعينا عمياء، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، بأن يقولوا لا إله إلا الله). قيل: قد يراد بلفظ التوراة جنس الكتب المتقدمة من التوراة والزبور والإنجيل، وسائر كتب أنبياء بني إسرائيل. فعلى هذا، يكون المراد بقول عبد الله بن عمرو: "إنه لموصوف في التوراة " هذه الصفات المذكورة في نبوة دانيال، ولا مانع من أن تكون هذه الصفات كانت موجودة في التوراة فحذفتها اليهود، فما ذلك بأول تحريف وتبديل وتغيير
стр. 443
منهم.
[تبشير الإنجيل بمحمد ﷺ :]
ومن البشارات به في الإنجيل، ما في الفصل الخامس عشر من الإنجيل الذي جمعه يوحنا (أن الفار قليط روح الحق الذي يرسله الله هو [يعلم] (١) كل شيء) (٢).انتهى. وفي موضع آخر منه: (والفار قليط روح القدس الذي يرسله [١٨] الله هو [يعلم] (٣) كل شيء وهو يذكركم ما قلت لكم). وفي موضع آخر منه: (إذا جاء الفار قليط الذي أرسله الله روح الحق الذي هو يشهد لي، قلت لكم هذا، حتى إذا كان يؤمنون به، ولا يشكون فيه) (٤). وفي الفصل السادس عشر منه: (لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق؛ لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفار قليط، فإذا انطلقت أرسلته إليكم فهو يوبخ العالم على الخطيئة، وعلى البر، وعلى الحكم. أما على الخطيئة فلأنهم لم يؤمنوا بي، وأما على البر فإني منطلق ولستم تروني، وأما على الحكم فإن رئيس هذا العالم يدان، وأن لي كلاما كثيرا لستم تطيقون كله الآن. لكن إذا جاء روح الحق ذاك، فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي) انتهى.
وقد تكرر ذكر (الفار قليط) (٥) في الإنجيل، وأنذر به المسيح وبشر به قومه في غير موضع منه. وقد اختلفوا في المراد، (فالفار قليط) في لغتهم على أقوال. وذهب الأكثر
стр. 444
من النصارى إنه المخلص (١)، وقالوا هو مشتق من (فاروق) (٢) أو من (فارق) قالوا: ومعنى (ليط) (٣) كلمة تزاد كما يقال في العربية: رجل هو، وحجر هو، وعالم هو، وجاهل هو.
وقد تقرر أنه لا نبي بعد المسيح غير نبينا ﷺ . وهذه البشارات قد تضمنت أنه سيأتي بعد المسيح نبي يخلص تلك الأمم مما هم فيه، ويوبخهم على الخطية، ويتكلم بما يسمع، ويخبر بكل ما يأتي، ولم يكن هذا لأحد بعد المسيح غير نبينا ﷺ .
ومما يدل على أن المراد بالفار قليط هو نبينا ﷺ أنه وقع الحذف هذا اللفظ من بعض نسخ الإنجيل مع ثبوته في غالبها. وليس ذلك إلا تغييرا وتبديلا من النصارى، لما يعلمونه من أن المراد هذا اللفظ هو التبشير بنبي يأتي بعد المسيح:
стр. 445
وأنها ستقوم عليهم بذلك الحجة فحذفوا هذا اللفظ لهذه العلة (١).
وقد حكى الله - سبحانه- في القرآن العظيم أن المسيح بشر بنبينا محمد ﷺ فقال:﴾ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴿(٢).
وفي الإنجيل أيضًا الذي جمعه يوحنا أن المسيح قال: "أركون العالم سيأتي، وليس لي شيء" (٣). وهذا اللفظ فيه أعظم بشارة بنبينا محمد ﷺ ؛ فإن الأركون في لغة النصارى العظيم القدر، ولم يأت بعد المسيح من هو هذه الصفة إلا نبينا ﷺ فإنه جعله أركون العالم، وقال عن نفسه: ليس له من الأمر (٤) شيء، فدل هذا على أنه سيأتي بعده عظيم من عظماء العالم يكون منه الإصدار والإيراد، والحل والعقد في الدين، وإثبات الشرائع، وأن المسيح بالنسبة إليه كمن ليس له شيء.
وهذا إنما يكون تبشيرا بمن هو أعظم من المبشر به [١٩]، أعني المسيح ﵇ ولا يصح حمله على رجل عظيم القدر في الدنيا، أو في الملك، أو غير ذلك؛ لأن الأنبياء لا يبشرون بمن هو كذلك، ويجعلونه أركون العالم، ويجعلون الأمر إليه، وينفون الأمر عن أنفسهم، فإن هذا لا يكون أبدا من الأنبياء، ولا يصح نسبته إليهم، ولا صدوره منهم قط، بلا خوف بين أهل الملل.
ولا يمكن أن يدعي مدع أنه جاء بعد المسيح من هو هذه الصفة غير نبينا ﷺ ؛ فإن الحواريين إنما دانوا بدينه، ودعوا الناس إلى شريعته، ولم يستقل أحد منهم بشيء من جهة نفسه قط. ومن جاء بعدهم من أتباع المسيح فهو دونهم بمراحل.
стр. 446
[٤ - إشارة القرآن والسنة إلى بشارات الكتب السابقة]
وقد حكى الله - سبحانه- في القرآن الكريم ما تتضمنه الكتب المنزلة، والرسل المرسلة، من التبشير بنبينا محمد ﷺ ما يغني عن جميع ما ذكرناه من نصوص تلك الكتب، وإنما أردنا بالنقل منها إلزام الحجة، وتكميل الفائدة لمن كان في قلبه ريب، وفي صدره حرج.
فمن ذلك قوله -سبحانه-:﴾ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴿(١)، وقال :﴾ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴿(٢)، وقال تعالى:﴾ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴿(٣)، وقال سبحانه:﴾ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿(٤)، وقال سبحانه:﴾ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿(٥)، وقال سبحانه:﴾ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴿(٦)، وقال:﴾ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿(٧).
стр. 447
وقال سبحانه:﴾ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴿(١). وقال تعالى:﴾ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴿(٢)، وقال سبحانه:﴾ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴿(٣). وقال سبحانه:﴾ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ﴿(٤). وهذا بعض ما اشتمل عليه الكتاب العزيز، وفي الأحاديث ما يؤيده ذلك ويؤكده.
فمن ذلك ما رواه ابن إسحاق (٥) قال: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل بعثته، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور، وداود بن سلم: يا معشر اليهود [٢٠] اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ ونحن أهل الشرك، وتخبرونا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أحد بني النضير:
стр. 448
ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره لكم. فأنزل الله :﴾ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿(١).
وروى ابن إسحاق (٢) نحو هذه القصة التي هي سبب نزول هذه الآية من طرق، ومنها: أنه قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد، حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصاري قال: حدثني من شئت من رجال قومي عن حسان بن ثابت الأنصاري قال: "والله إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثماني سنين أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهوديا يقول على أطم (٣) يثرب، فصرخ: يا معشر اليهود، فلما اجتمعوا عليه، قالوا: ما لك وتلك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث الليلة ".
ومن ذلك، ما كان من خروج زيد بن عمرو بن نفيل، وسؤاله لأهل الكتاب، وإخبارهم عن أن نبينا يبعث في العرب، فرجع، وأدرك النبي ﷺ قبل أن يبعث، ومات قبل البعثة. وهذا الحديث في البخاري (٤) وغيره.
وأخرج البيهقي (٥) بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة. فقال له رسول الله ﷺ : يا يهودي! أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة صفتي؟ ومخرجي؟ قال: لا. قال الفتى: بلى والله يا رسول
стр. 449
الله، إنا نجد في التوراة نعتك ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال ﷺ : " أقيموا هذا من عند رأسه ولوا أخاكم ".
وثبت في البخاري (١) ومسلم (٢) وغيرهما من حديث ابن عباس، عن أبي سفيان بن حرب لما سأله هرقل ملك الروم عن صفات رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: "إن يكن ما تقوله حقا إنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحسنت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه".
وفي البخاري (٣) حكاية عن هرقل هذا: "إنه كان حزاء ينظر في النجوم، فنظر فقال: إن ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: يختن اليهود، فلا يصمك شأنهم، وابعث إلى من كان في مملكتك من اليهود فيقتلونهم، ثم وجد إنسانا من العرب فقال: انظروا أمختتن هو؟ فنظروا فإذا هو مختتن، وسأله عن العرب فقال يختتنون".
وفيه (٤) أيضا: وكان (برومية) صاحب لهرقل. كان هرقل نظيره في العلم، فأرسل إليه وسار إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتى كتاب من صاحبه يوافق رأيه على خروج النبي ﷺ .
ومن هذا، ما ثبت في كتب السير (٥) والحديث من إسلام النجاشي وتصديقه بالنبي ﷺ [٢١] وهو في الحبشة لم يشاهد النبي ﷺ وإنما وصل إليه بعض أصحابه وسمع ما تلوه عليه من القرآن، فآمن وصدق.
стр. 450
وثبت في الصحيح (١) أن ورقة بن نوفل الذي دار في طلب الدين، وسأل طوائف أهل الكتاب، لما أخبره رسول الله ﷺ بما رأى من نزول جبريل عليه في غار حراء، وما قال له، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، ليتني كنت جذعا أدرك إذ يخرجك قومك، فقال النبي ﷺ : "أومخرجي هم؟! " فقال ورقة: لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي.
ومن هذا ما رواه ابن إسحاق (٢)، قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال: "هل تدري عما كان إسلام أسيد وثعلبة ابني سعية، وأسد بن عبيد نفر من هذيل لم يكونوا من بني قريظة، ولا النضير. كانوا فوق ذلك. فقلت: لا. قال: فإنه قدم علينا رجل من الشام من يهود يقال له: ابن الهيبان، فأقام عندنا، والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس خيرا منه، فقدم علينا قبل مبعث النبي ﷺ بسنين، وكنا إذا قحطنا، أو قل علينا المطر نقول: يا ابن الهيبان، اخرج فاستق لنا، فيقول: لا والله حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة، فنقول: كم؟ فيقول: صاع من تمر، أو مدين من شعير، فنخرجه. ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا ونحن معه فيستقي، فوالله ما نقوم من مجلسه حتى تمر السحاب.
وقد فعل ذلك غير مرة، ولا مرتين، ولا ثلاثة، فحضرته الوفاة، فاجتمعنا إليه فقال: يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قالوا: أنت أعلم. قال: فإنه إنما أخرجني أتوقع خروج نبي قد أظل زمانه. هذه البلاد مهاجره فاتبعوه، ولا تُسبقن إليه إذا خرج، يا معشر يهود، فإنه يبعث
стр. 451
بسفك الدماء، وسبي الذراري والنساء، ممن يخالفه، فلا يمنعكم ذلك منه. ثم مات. فلما كان الليلة التي فتحت فيها قريظة قال أولئك الثلاثة الفتية، وكانوا شبانا أحداثا: يا معشر يهود! والله إنه الذي ذكر لكم ابن الهيبان. فقالوا: ما هو به. قالوا: بلى. والله إنه بصفته، ثم نزلوا فأسلموا وخلوا أموالهم وأولادهم وأهاليهم، فلما فتح الحصن رد ذلك عليهم.
وأخرج البخاري في تاريخه (١)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢) عن محمد بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت أبي جبير يقول: لما بعث الله نبيه، وظهر أمره بمكة خرجت إلى الشام، فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا لي: أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم، قالوا: تعرف هذا الذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم، قال: فأخذوا بيدي، فأدخلوني ديرا لهم فيه تماثيل [٢٢] وصور. قالوا لي: انظر هل ترى صورة هذا الذي بعث فيكم؟ فنظرت فلم أر صورته. قلت: لا أرى صورته. فأدخلوني ديرا أكبر من ذلك الدير فيه صور أكثر مما في ذلك الدير، فقالوا لي: انظر هل ترى صورته؟ فنظرت، فإذا أنا بصفة رسول الله ﷺ وصورته، وإذا أنه بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ بعقب رسول الله ﷺ . فقالوا لي: انظر هل ترى صورته؟ قلت: نعم. قالوا: هو هذا [٢٣] وأشاروا إلى صفة رسول الله ﷺ قلت: اللهم نعم أشهد أنه هو. قالوا: أتعرف هذا الذي أخذ بعقبه؟ قلت: نعم. قالوا: تشهد أن هذا هو صاحبكم، وأن هذا الخليفة من بعده.
وقريب من هذه القصة (٣) ما رواه موسى بن عقبة بن هشام بن العاص، ونعيم بن عبد الله، ورجل آخر قد سماه، بعثوا إلى ملك الروم زمن أبي بكر قال: فدخلنا على جبلة بن
стр. 452
الأيهم وهو بالغوطة. . . فذكر الحديث. وأنه انطلق بهم إلى الملك، وأنهم وجدوا عنده شبه الربعة العظيمة مذهبة، وإذا فيها أبواب صغار ففتح بابا، فاستخرج منه حريرة، وفيها صورة نوح، ثم إبراهيم، ثم أراهم حريرة فيها صورة محمد ﷺ وقال: هذا آخر الأبواب، ولكني عجلته لأنظر ما عندكم.
وأمثال هذا كثيرة جدا يطول المقام ببسط بعضها، فضلا عن كلها، وفي القرآن الكريم من دلائل إثبات النبوات على العموم، وإثبات نبوة نبينا ﷺ على الخصوص ما لا يخفى على من يعرف القرآن، ويفهم كلام العرب، فإنه مصرح بثبوت نبوة جميع الأنبياء من لدن آدم إلى محمد ﷺ ، وفيه ذكر كل واحد منهم بصفته، وإلى من أُرسل، وفي أي زمان كان، مع تقديم المتقدم، وتأخير المتأخر، وذكر ما وقع لكل واحد منهم من إجابة قومه له، وامتناعهم عليه، وردهم لما جاء به، وما وقع بينه وبينهم من المقاولة والمحاولة والمقاتلة.
ومن نظر في التوراة وما اشتملت عليه من حكاية حال الأنبياء من لدن آدم إلى موسى، وجد القرآن موافقا لما فيها غير مخالف لها.
وهكذا ما اشتملت عليه التوراة، مما اتفق لموسى وبني إسرائيل في مصر مع فرعون، وما كان من تلك الحوادث من الآيات البينات التي جاء بها، ومن تلك العقوبات التي عوقب بها فرعون وقومه، ثم ما كان من بني إسرائيل مع موسى من بعد خروجهم من مصر إلى عند موت موسى، مع طول تلك المدة، وكثرة تلك الحوادث.
فإن القرآن حكى ذلك كما هو، وذكره بصفته من غير مخالفة، ثم ما كان من الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى إلى عند قيام المسيح. فإن القرآن الكريم حكى قصصهم، وما جرى لهم، وما قالوه لقومهم، وما قاله قومهم لهم، وما وقع بينهم من الحوادث، وكان ما حكاه القرآن موافقا لما في كتب نبوة أولئك الأنبياء من غير مخالفة.
ثم هكذا ما حكاه القرآن عن نبوة المسيح، وما جرى له وأحواله، وحوادثه، فإنه موافق لما اشتمل عليه الإنجيل من غير مخالفة.
стр. 453
ومعلوم لكل عاقل يعرف أحوال نبينا ﷺ أنه كان أميا لا يقرأ، ولا يكتب، وكان منذ ولد إلى أن بعثه الله بين قومه، وهم قوم مشركون، لا يعرفون شيئا من أحوال الأنبياء، ولا يدرون بشيء من الشرائع، ولا يخالطون أحدا [٢٤] من اليهود والنصارى، ولا يعرفون شيئا من شرائعهم، وإن عرفوا فردا منها، فليس ذلك إلا في مثل ما هو متقرر بينهم يعملون به في عباداتهم ومعاملاتهم باعتبار ما يشتهر عنهم في ذلك، كما يبلغ بعض أنواع العالم عن البعض الآخر. فإنه قد يبلغهم بعض ما يتمسكون به في دينهم باعتبار اشتهار ذلك عنهم.
وأما العلم بأحوال الأنبياء، وما جاءوا به، وإلى من بعثهم الله، وما قالوا لقومهم، وما أجابوهم به، وما جرى بينهم من الحوادث كلياتها وجزئياتها، وفي أي عصر كان كل واحد منهم، وإلى من بعثه الله، وكون هذا النبي كان متقدما على هذا، وهذا متأخرا عن هذا، من كثرة عددهم، وطول مددهم، واختلاف أنواع قومهم واختلاف ألسنتهم وتباين لغاتهم، فهذا أمر لا يحيط بعلمه إلا الله .
ولولا اشتمال التوراة على حكاية أحوال من قبل موسى من الأنبياء لانقطع علم ذلك عن البشر، ولم يبق لأحد منهم طريق إليه ألبتة، فلما جاءنا هذا النبي العربي الأمي المبعوث من بين طائفة مشركة تعبد الأوثان، وتكفر بجميع الأديان، قد دبروا دنياهم بأمور جاهلية، "تلقاها الآخر عن الأول، وسمعها اللاحق من السابق، لا يرجع شيء منها إلى ملة، من الملل الدينية، ولا إلى كتاب من الكتب المنزلة، ولا إلى رسول الأنبياء المرسلة، بل غاية علمهم، ونهاية ما لديهم ما يجري بين أسلافهم من المقاولة والمقاتلة، وما يحفظونه من شعر شعرائهم، وخطب خطبائهم، وبلاغات بلغائهم، وجود أجوادهم وإقدام أهل الجرأة والجسارة منهم، لا يلتفتون مع ذلك إلى دين، ولا يقبلون على شيء من أعمال الآخرة، ولا يشتغلون بأمر من الأمور التي يشتغل بها أهل الملل، فإن راموا مطلبا من مطالب الدنيا، ورغبوا في أمر من أمورها، قصدوا أصنامهم، وطلبوا حصولها منها، وقربوا إليها بعض أموالهم، ليبلغوا بذلك إلى مقاصدهم ومطالبهم.
стр. 454
وكان هذا النبي العربي الأمي لا يعلم إلا بما يعلمون، ولا يدري إلا بما يدرون. بل قد يعلم الواحد منهم المتمكن من قراءة المكتوب، وكتابة المقروء بغير ما يعلمه هذا النبي. فبينما هو على هذه الصفة بين هؤلاء القوم البالغين في الجهالة إلى هذا الحد جاءنا هذا الكتاب العظيم، الحاكي لما ذكرناه من تفاصيل أحوال الأنبياء وقصصهم، وما جرى لهم مع قومهم على أكمل حال، وأتم وجه. ووجدناه موافقا لما في تلك الكتب، غير مخالف لشيء منها. كان هذا من أعظم الأدلة الدالة على ثبوت نبوته على الخصوص، وثبوت نبوة من قبله من الأنبياء على العموم.
ومثل دلالة هذا الدليل لا يتيسر لجاحد، ولا لمكابر، ولا لزنديق مارق أن يقدح فيها بقادح، أو يعارضها بشبهة من الشبه كائنة ما كانت إن كان ممن يعقل ويفهم [٢٥]، ويدري بما يوجبه العقل من قبول الأدلة الصحيحة التي لا تقابل بالرد، ولا تدفع بالمعارضة، ولا تقبل التشكيك، ولا تحتمل الشبهة.
ومع هذا فقد كان النبي ﷺ الأمي المبعوث بين هؤلاء يصرح بين ظهرانيهم ببطلان ما هم عليه، ويزيف ما هم فيه أبلغ تزييف، ويقدح فيه أعظم قدح، ويبين لهم أنهم أعداء الله، وأنهم مستحقون لغضبه وسخطه وعقوبته، وأنهم ليسوا على شيء. فبهذا السبب صاروا جميعا أعداء له، يطعنون عليه بالمطاعن التي يعلمون أنه منزه عنها، مبرأ منها كقولهم: إنه كذاب، وإنه مجنون، وإنه ساحر.
فلو علموا أنه تعلم من أحد من أهل الكتاب. أو أخذ عن فرد من أفرادها، لجاءوا بهذا المطعن بادئ بدء، وجعلوه عنوانا لتلك المطاعن الكاذبة، بل لو وجدوا إلى ذلك سبيلا لعولوا عليه، ولم يحتاجوا إلى غيره. فلما لم يأتوا بذلك، ولا تكلموا به، ولا وجدوا إليه سبيلا، علم كل عاقل أنه لم يتعلم من أحد من اليهود، ولا من النصارى، ولا من غير هاتين الطائفتين.
إذا لم يطعن عليه بذلك هؤلاء الذين هم قومه وقد ولد بينهم، وعاش في ديارهم، يخالطهم، ويخالطونه، ويواصلهم ويواصلونه، ويعرفون جميع أحواله، ولا سيما من كان
стр. 455
من قرابته منهم الذين صاروا له بعد البعثة أشد الأعداء، وأعظم الخصوم، كأبي لهب، وأمثاله، فإنه لا شك، ولا ريب أنه لا يخفى عليهم، ما هو دون هذا من أحواله.
وأيضا لو كان قد تعلم من أحد من أهل الكتاب، لم يخف ذلك على أهل الكتاب الذين صرح لهم بأنهم إن لم يؤمنوا به فهم من أعداء الله، ومن المستحقين لسخطه، وعقوبته، وأنهم على ضلالة، وأنهم قد غيروا كتابهم، وحرفوه، وبدلوه، وأنهم أحقاء بلعنة الله وغضبه.
فلو كان له معلم منهم، أو من أمثالهم من أهل الكتاب، لجعلوا هذا المطعن عليه مقدما على كل مطعن يطعنونه به من تلك المطاعن الكاذبة، بل كان هذا المطعن مستغنيا عن كل ما طعنوا به عليه؛ لأن مسافته قريبة، وتأثره ظاهر، وقبول عقول العامة له من أهل الكتاب، ومن المشركين أيسر من قبولها لتلك المطاعن الكاذبة التي جاءوا بها. هذا معلوم لكل عاقل، لا يشك فيه شاك، ولا يتلعثم عنده متلعثم، ولا يكابره فيه مكابر. فلما لم يطعن عليه أحد منهم بشيء من ذلك علمنا علما يقينا انتفاء ذلك، وأنه لم يتعلم من أحد منهم.
وإذا تقرر هذا البرهان الذي هو أوضح من شمس النهار أنه لم يكن له معلم من اليهود، ولا من النصارى، ولا من غيرهم، ممن له علم بأحوال الأنبياء، فلم يبق إلا أن يكون اطلع بنفسه منفردا عن الناس على مثل التوراة والزبور والإنجيل. ونحو ذلك من كتب الأنبياء.
وقد علمنا علما يقينا بأنه كان أميا [٢٦] لا يقرأ المكتوب، ولا يكتب المقروء. ثبت هذا بالنقل المتواتر عن أصحابه، مع عدم مخالفة المخالفين له في ذلك، فإنه لم يسمع عن واحد منهم أنه نسب إليه أنه يقدر على قراءة المكتوب، أو كتابة المقروء، وحينئذ انتفت هذه الطريقة أعني كونه اطلع على الكتب المتقدمة بنفسه منفردا عن الناس، وإنما قلنا منفردا عن الناس لأنا لو فرضنا قدرته على ذلك في محضر أحد من الناس لم يخف ذلك على أتباعه، ولا على أعدائه.
стр. 456
فإذا انتفت قدرته على قراءة المكتوب من حيث كونه أميا، وانتفى اطلاع أحد من الناس على شيء من ذلك علمنا أنه لم يأخذ شيئا من ذلك لا بطريق التعليم، ولا بطريق المباشرة منه لتلك الكتب، ولم يسمع عن أحد، لا من أتباعه، ولا من أعدائه، أنه كان بمكة من يعرف أحوال الأنبياء وقصصهم، وما جاءوا به من الشرائع، ولا كان بمكة من كتب الله -سبحانه- المنزلة على رسله شيء، ولا كانت قريش ممن يرغب إلى ذلك أو يطلبه، أو يحرص على معرفته، ومع هذا فقد كان أعداؤه من كفار قريش يعترفون بصدقه، ويقرون بأنهم لم يجربوا عليه كذبا، وفي حديث ابن عباس في الصحيحين (١) وغيرهما في قصة سؤال هرقل لأبي سفيان أنه قال له: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال أبو سفيان: لا.
وفي الصحيحين (٢) وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود أن سعد بن معاذ لما قال لأمية بن خلف أن النبي ﷺ ذكر أنه سيقتل فقال ذلك لامرأته. فقالت والله ما يكذب محمد، وفي رواية أخرى أن أمية قال أيضا: والله ما يكذب محمد، وعزم على ألا يخرج خوفا من هذا.
وأخرج البخاري في صحيحه (٣) من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لقريش: "لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا.
وأخرج البخاري في تاريخه (٤)، وأبو زرعة في دلائله، وابن إسحاق (٥) أن أبا طالب لما
стр. 457
قال للنبي ﷺ أن يكف عن قريش، فقال: والله ما أقدر على أن أدع ما بعثت به، فقال أبو طالب لقريش: " والله ما كذب قط فارجعوا راشدين ".
وأخرج ابن مردويه في كتاب التفسير، وأبو يعلى الموصلي في مسنده، وعبد ابن حميد، أن عتبة بن ربيعة قال لقريش: " وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ".
[٥ - إخباره ﷺ بالمغيبات من دلائل النبوة]
ومن أعظم دلائل نبوته ﷺ التي يجد الجاحدون إلى جحدها سبيلا، ولا يمكن إسنادها إلى تعليم بشر، ولا نسبتها إلى سحر أنه ﷺ كان يسأل عن أمور ماضية يتعنته بها أهل الكتاب والمشركون ن فينزل جبريل في تلك الحالة فيخبره بها في الموضع الذي سألوه فيه، من غير أن يفارقه أو يذهب إلى أحد من الناس يستعلم.
وذلك كسؤالهم له عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، ونحو ذلك من الأمور التي غالبها غير مذكور في التوراة ونحوها، بل قد يخبرهم ابتداء بشيء من أحوال الأنبياء، لم يكن في التوراة التي هي مرجع أهل الملل في تعرف أحوال الأنبياء من لدن آدم إلى موسى. وذلك كقصة هود، وصالح، وشعيب، وكثير من أحوال إبراهيم، وإسحاق، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف، ومثل قصة الخضر مع موسر، ومثل أحوال سليمان كقصة البساط، وقصة العفريت، وقصة الهدهد، ف'ن هذه لم تكن في التوراة، ولم يسمع عن أحد من أهل الكتاب أنه رد ذلك، أو كذبه، بل انبهروا، وأعجبوا منه.
وفي صحيح البخاري (١) من حديث أنس قال: جاء عبد الله بن سلام [٢٧] إلى رسول الله ﷺ [بعد] مقدمه المدينة، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمها إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ والولد ينزع إلى أمه أو إلى أبيه؟
قال: أخبرني جبريل آنفا، قال عبد الله: ذاك عدو اليهود من الملائكة.
стр. 458
أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب.
وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت.
وأما الولد، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه. فقال عبد الله بن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.
وفي صحيح مسلم (١) من حديث ثوبان قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود، وقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ قال: قلت: ألا تقول: يا رسول الله، قال إنما سميته باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ : ينفعك شيء إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني فنكث بعود معه، فقال له: سل.
فقال اليهودي: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : في الظلمة دون الحشر، قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: "فقراء المهاجرين". فقال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون؟ قال: زيادة كبد نون. قال: وما غذاؤهم على أثره؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلا. قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي، أو رجل أو رجلان. قال ينفعك إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد. قال: ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا. فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله.
فقال اليهودي: صدقت، وإنك لنبي، ثم انصرف. فقال النبي ﷺ : إنه سألني هذا الذي سألني عنه، وما أعلم شيئا منه، حتى أتاني به الله تعالى.
стр. 459
وأخرج أبو داود الطيالسي (١) عن ابن عباس، قال: حضرت عصابة من اليهود يوما إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، حدثنا عن خلال نسألك عنها، لا يعلمها إلا نبي، فقال: سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على نبيه إن أنا حدثتكم بشيء تعرفونه صدقا، لتتابعوني على الإسلام. قالوا: لك ذلك. قال: فسلوني عما شئتم. قالوا: أخبرنا عن أربع خلال:
أخبرنا عن الطعام الذي حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة.
وأخبرنا عن ماء الرجل كيف يكون الذكر منه حتى يكون ذكرا، وكيف تكون الأنثى منه حتى تكون أنثى.
وأخبرنا كيف هذا النبي في النوم؟ ومن وليك من الملائكة؟ فقال: عليكم عهد الله وميثاقه لئن أنا أحدثكم لتتابعوني؟ فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق. قال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل -يعقوب- مرض مرضا شديدا طال سقمه فيه، فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرم من أحب الشراب إليه، وأحب الطعام إليه؟، وكان أحب الشراب إليه ألبان الإبل، وأحب الطعام إليه لحوم الإبل. فقالوا: اللهم نعم.
فقال رسول الله ﷺ : اللهم اشهد عليهم. قال: فأنشدكم الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل غليظ وأبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا كان الولد والشبه له بإذن الله؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد. قال: أنشدكم بالله [٢٨]، الذي لا إله إلا هو، وأنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي تنام عيناه، ولا ينام قلبه؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد. قالوا: أنت الآن حدثنا من وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك أو نفارقك.
стр. 460
قال: وليي جبريل ﵇، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه. قالوا: فعندها نفارقك، لو كان غيره لاتبعناك وصدقناك قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا من الملائكة، فأنزل الله:﴾ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴿(١). ففي هذه الأحاديث اعتراف هؤلاء السائلين من اليهود أن تلك المسائل التي سألوه عنها لا يعلمها إلا نبي، وقد أخبرهم بما سألوه وصدقوا في جميع ذلك، فاندفع بذلك شك كل جاحد، وبطل عنده ريب كل ملحد.
٦ - القرآن معجزة الرسول الخالدة:
واعلم أن دلائل نبوة نبينا ﷺ يطول تعدادها، ويتعسر ذكرها. وقد صنف أهل العلم في ذلك مصنفات مبسوطة مشتملة على كثير منها. ولو لم يكن منها، إلا هذا الكتاب العزيز الذي جاء به من عند الله - سبحانه- مشتملا على مصالح المعاش والمعاد، وتحدى به فرسان الكلام، وأبطال البلاغة، وأفراد الدهر في العلم هذه اللغة العربية، وقال لهم: ليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين.
ثم قال لهم:﴾ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿(٢) ثم قال لهم:﴾ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴿(٣). فلم يقدروا على ذلك، وكاعوا عنه، وعجزوا على رؤوس الأشهاد، وكان أكابر بلغائهم، وأعاظم فصحائهم، إذا سمعوا القرآن، اعترفوا بأنه لا يشبه نظمهم، ولا نثرهم، وأقروا