في ميراثهما. وقد عرفتَ أنه منقوضٌ على كل تقدير، وأنه قوله: وإلَّا لزم مخالفةً أصلينِ متفقٍ عليهما: أحدُهما أن الاجتهادَ إنما يصحُّ في مقابلةِ الظواهِر بتأويلها وتخصيصِها وتقييدها بالقياسِ ونحوِه.
وأما النصوص الصرائحُ التي لا تحتمل تخصيصًا ولا تقييدًا ولا تأويلًا فلا يصحُّ فيها الاجتهادُ.
فأقول: هذا يرد على القائلين بعدم ثبوت العول، وتقديم الزوجين والأبوين على سائر الورثة لا على القائلين بثبوت العول، وتقديم الزوجين والأبوين على سائر الورثة لا على القائلين بثبوت العول، وبيانه أن الله- سبحانه- جعل للبنتين الثلثينِ، وهذا نصٌّ صريحٌ. فاجتهد القائلون بعدم العولِ بأن الأب والأمِّ يأخذانِ الثلثَ كاملا، والزوجُ الربعَ كاملًا، ولم يجعلوا للبنتين إلا ثلثَ التَّركةِ ونصفَ سُدُسِهِا، وكذلك جعل الله للأختين الثلثين.
فقال النافون للعول: إن للزوج النصفَ وللأبوين الثلثَ وللأختين السدسَ، وهكذا في البنت الواحدة في المسألة الأولى فإنها أخذتْ دون ما فرضه الله لها وهو النصفُ بدون دليل، بل لمجرد اجتهادٍ في مقابلة النصوصِ الصريحةِ، وهكذا الأخت الواحدةُ في المسألة الثانية إذا انفردت عن أختها أخذتِ السدسَ وهو ثلثَ فَرْضِها، وهكذا الأخوانِ للأمِّ مع زوجٍ وأختٍ لأبوين، وغيرت هذهِ الصورِ كثيرٌ.
وستعرف ذلك عند الكلام على كل مسألةٍ من مسائلِ العولِ، فانظر بعين الإنصافِ أيّما أشد مخالفةً للنص هل مَنْ جعلَ الميراثَ [٨أ] لبعض الورثةِ، وأسقطَ البعضَ الآخَرَ مع كونهم جميعًا وارثينَ في تلك الفريضة بالنصوص الصحيحة، أم من قسمَ الميراث بينهم جميعًا لكل واحد منهم بمقدارِ فريضتِه؟ ولكنها لما تزاحمتْ وزادتْ فرائضُ الورثة على أجزاء التركةِ جعلوا لكلِّ ذي فرض من الورثةِ بمقدارِ نصيبِه من التركةِ، فإنه لا شكَّ ولا ريبَ أن المثبتين للعول أبعدُ لموافقةِ النصوصِ من النافينَ، لأن المثبتين أعملوا النصوصَ بحسب الإمكانِ، وبغاية الحرص على أن لا يقطعوا ميراثَ وارثٍ، ولا يفضِّلوا عليه غيْرَه بدون دليل.
стр. 3957
وأما النافونَ فإنَّهم أعملوا بعضَ النصوص فوفَّروا ما فيها من الفرائض على أهلِها وطرحُوا النصوصَ الآخرةَ فنقصُوا أهلَها من بعض ما يستحقونه، أو من كلِّه بدون برهانٍ ولا قُرآنٍ، ولا عقلٍ ولا نقلٍ، فتأمل في هذا الأصل الأول الذي أورده الجلالُ على القائلينَ بالعول، حتى يتبينَ لك أنه أورد عليهم ما هو واردٌ عليه، عند من أنصفَ فإن القائلينَ بالعول إنما أعملوا النصوصَ ولم يهدُروا شيئًا منها، بل جمعوا بينَها بما يمكن عند التزاحُم، وزيادةِ أجزاء الفريضةِ على أجزاء التركةِ، بخلاف المانعينَ للعول، فإنهم أهدروا بعضَها إهدارًا ظاهرًا، وقدموا البعضَ وأخَّروا البعضَ بل دليل يدلُّ على ذلك، بل بمجرد رأي قد تبين فساده.
وأما قوله: وثانيها أن المقيَّد هو المقدَّمُ على المطلقِ. وقد عكس الأمرينِ من قال بالعول فأخرجَ السدسَ والربعَ والثمنَ ونحوَها التي هي نصوصٌ صريحةٌ لا تحتملُ غيرَ معنى واحد من معانيها، وقدَّم المطلقَ على المقيَّد مع أن دلالةَ المقيد على مدلوله أقوى من دلالة المطلق على ذلك المقيد، إن اتَّفقَ حكمُهما [٨ب] والقولُ بالعولِ قد زاغ عن الثبوتِ على جبال هذه القواعدِ الراسيةِ.
فأقول: لا شكَّ فيما ذكره من تقديمِ المقيَّد على المطلق، ولكن نحن نمنع أن بعضَ فرائضِ الورثةِ مطلقةٌ، وبعضَها مقيَّدةٌ كما عرفت ذلك. فهذا الكلامُ إنما يكون نافعًا في محل النزاعِ بعد الاتفاقِ على أن فريضةِ الزوجينِ والأبوينِ مقيَّدةٌ، وفريضةُ مَنْ عداهما مطلقةٌ، وهو غيرُ صحيح كما مرَّ.
وأما دعواه أنه قد عكس الأمر من قال بالعول فباطلٌ. فإنه إنما تتمُّ هذه الدعوى بعد تسليم أنهم قدَّموا المطلقَ على المقيدِ، ولم يفعلوا ذلك، بل جمعوا بين جميعِ الفرائضِ وأخرجوا لكل واحدة منها بمقدارها من التركةِ.
ثم أيضًا هذا الكلام في نفسه فاسدٌ، فإن أهل العولِ لم يقدِّموا المطلقَ على المقيَّد على فرض صحة ما ادَّعاه من كون فريضةِ الأبوينِ والزوجينِ مقدَّرةٌ، وفريضةُ مَنْ عداهم
стр. 3958
مطلقةٌ، بل أعطوا كل ذي فرضٍ فرْضَهُ، وإنما يكون التقديمُ لو وفَّروا نصيبَ من عدا الزوجينِ والأبوينِ، وجعلوا النقصَ في نصيبهما عند التزاحم، فالعكسُ الذي ادعاه إنما يصدُق بهذا ولا يصدُق بمجرَّد التسويةِ على أهلِ الفرائضِ المتزاحمةِ، بل الذي جاء بما لا يعقلُ ولا يجري على قواعدِ الأصولِ هو النافي للعولِ، فإنه قُدِمَ مطلقًا على مطلق أو مقيَّدًا على مقيِّد، أو عامًا على عامٍّ، أو خاصًّا على خاصٍّ، على حسب تلك النصوصِ الواردةِ، فإنها متساوية الأقدام. فمن ادَّعى العمومَ أو الخصوصَ في بعضها فالآخر مثلُه، ومن ادَّعى الإطلاقَ أو التقييدَ في بعضها فالآخر أيضًا مثلُه لما عرَّفناك سابقًا.
وأما ما ادعاهُ من إخراجِ السدس والربعِ والثمنِ ونحوِها فأهلُ العول لم يخْرِجُوها كما زعم [٩أ]، بل أعطوا كلِّ واحد من أهلها فرْضَهُ المسمَّى له، لكنها لما تزاحمت الفرائضُ، وزادتِ على أجزاءِ التركةِ قسمُوا التركةَ على تلك الفرائضِ من غير إخراجٍ، بل لضرورة عقليةٍ اقتضتْ أنه لا يجتمعُ في المال مثلًا نصفانِ وثلثُ، أو نصفانِ وسدسٌ، أو ثلثانِ ونصفٌ، أو نحو ذلك.
وإنما الذي أخرج وخالف النصوصَ هو الذي أثبتَ بعضَها وأسقطَ بعضَها لمجرد خيالٍ مختلٍّ، وتوهمٍ فاسدٍ. وبهذا تعرف أن عدمَ القولِ بالعولِ هو الذي زاغ عن جبال هذه القواعدِ الراسيةِ.
وأما قوله: وحينئذ يجبُ أن يستوفي الأبوانِ والزوجانِ فرضَهما في محلهما، وما بقي كان لأقربَ نوع تعْصيبًا لا فَرْضًا. إذ لا مانعَ من أن يكون بعض الورثة ذا فرضٍ على تقديرٍ وعصَبَةٍ على آخر كما في الأبِ والجدِّ، فإنهما ذو فرضٍ مع الأولادِ وعصَبَة مع غيرهم فيجب أن يكون البناتُ كذلك ذواتِ فرضٍ عن انفرادهنَّ عن الأبوينِ والزوجينِ، وعصَبَاتٍ معهما كما هنَّ عصباتٌ مع أخوتهنَّ. والأخواتُ أيضًا مع البناتِ على الأصح تعصيبًا لا فرضًا لأن ما بقي بعد فرض الزوجينِ والأبوينِ إن زاد على قدرِ فرضِ الإناثِ وجب أن يوفى منه على قدرِ فرضهنَّ، وما بقي فلذي فرض أو عصبةٍ غيرهنَّ لئلا يزيدَ حالُهن مع المزاحم عليه مع عدمه.
стр. 3959
فأقول: لا يخفى على كل ذي لبٍّ وإنصافٍ ما في هذا الكلام من التكلُّف والتهافُتِ، فإنه ما تم عدمُ القول بالعول إلا بقطع ميراث وارثٍ وإحرامه جميعَ ميراثِه أو بعضه، ثم لم يكتف النافون للعول بهذا حتى جاوزه إلى إخراجِ أهل الفرائضِ المقدَّرِة عن فرائضهم وإبطال كونهم [٩ب] من ذوي السِّهام، وإلحاقِهم، بالعصَبَاتِ لا لدليل ولا لأمر اقتضاه العقلُ، بل لمجرد رأي فاسدٍ، ثم اقتحام قياس من عالتْ بهم المسألةُ في مصيرهم عصباتٍ في بعض الأحوال على الأبِ والجدِّ الذين ورد الدليل بأنهم كذلك. ثم إخراجُ أقربِ الورثةِ وأحقِّهم بالإحسان، وأمسِّهم رجاءً، وأقدمهم في كل شيء البناتِ الذين هنا قطعةٌ من كبد الميت، وتأثير أحد الزوجينِ وتقديمُه عليهنَّ لا لدليل عقلٍ ولا نقلٍ، فانظر بعين الإنصافِ ما لزم القائلينَ بعد العولِ من المخالفاتِ للأدلةِ الصريحةِ الصحيحةِ، فإنهم رجحوا بل مرجِّحٍ، وقدموا بل سببٍ شرعيٍّ يقتضي التقديمَ، وجعلوا النقضَ على من الأدلةِ والجمعُ بينهما على وجهٍ هو أعدل الوجوهِ وأقومُها، من دون تأثير ولا تقديمٍ ولا العولِ إذا جمعتْ أجزاؤُها زادت على أجزاء التركةِ قسموا التركةَ بين أهل تلك الفرائضِ لكل واحد منهم بمقدارِ فريضتِه، ولم يقعوا في عملٍ يلزمهم به التحكُّمُ من قطع ميراثِ وارثٍ، وتقديمِ غيرِه عليه، وإخراجه عن كونه من أهلِ الفرائضِ المقدرةِ المنصوصةِ في المعادلة بين ما يلزمُ عن كل قول [١٠أ] من هذين القولين من المصالحِ والمفاسدِ والمطابقةِ للمقاصدِ الشرعيةِ والمخالفةِ لها، فلو لم يكن بيد من أثبتَ العولَ ونفاهُ إلا محضُ الرأي لكان رأي المثبتين أحقَّ بالقبول وأقربَ إلى المنقولِ والمعقولِ.
وهكذا لو نظرنا إلى من قال لا إلا ما قالَ، لكن العملُ بقول الجمهورِ، وهم المثبتونَ للعول أولى من العمل بقولِ شِرْذِمَةٍ يسيرةٍ من العلماء النافينَ للعول. وقد حكى الأمير الحسني صاحبُ .................................................
стр. 3960
الشِّفا (١) عن الإمام المؤيَّد بالله أنه قال: أجمع الصحابةُ على القول بالعول، ولم يخالِفْ في ذلك إلا ابنُ عباس، فانظُر أين يقعَ ابنُ عباس- ﵀ من جميع الصحابةِ، وأين يقع قوله منفردًا من قول جميعِهم! ومع هذا فهاهنا دليلٌ يصلح للتعويلِ، وهو حديث ابن عباس الصحيحُ المتفقُ (٢) عليه بلفظ أنَّ النبي ﷺ قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأول رجلٍ ذكرٍ" فإن من تأمل هذه الحديث حقَّ التأمُّلِ وجدَ فيه ما يرد على ابن عباس النافي للعولِ، وعلى سائرِ القائلينَ بقوله، فإن المرادَ بالفرائضِ المذكورةِ في الحديثِ هي الأنصباءُ المقدَّرةُ (٣)، وأهلها هم المستحقون لها بالنصِّ.
هكذا فسَّر الحديثَ المحققونَ من شرَّاحِ كتب الحديث. قالوا: والحديثُ يدل على أنَّ الباقي بعد استفياء أهل الفروضِ المقدرةِ لفروضِهم يكون لأقربَ العصَبَاتِ من الرجال ولا [١٠ب] يشاركُه من هو أبعدُ منه (٤). وقد حكى النووي (٥) الإجماعَ على ذلك، فعرفتَ أن استيفاءَ أهل الفروض المقدرةِ لفروضِهم لا يكون إلا بإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه أما مع عدم المزاحمةِ بالعول فظاهرٌ، وأما مع المزاحمةِ بالعول فلا يحصلُ العملُ بالحديثِ إلا بإعطاءِ كلِّ وارثٍ في تلك الفريضة بمقدارِ فَرْضِهِ من التركةِ، وتعول المسألةُ بخلافِ إسقاطِ بعض ميراثِ أهلِ الفروضِ المقدرةِ أو كلِّه، فإنه لم يحصل العملُ فيه بالحديثِ لأنه لم يقع إلحاقُ الفرائضِ بأهلها. وقد اعترف الجلالُ في ضوء النهار (٦) بأن
стр. 3961
الفرائض المذكورة في هذا الحديثِ هي الفرائضُ المذكورة في القرآن. فلزمه هو وسائرُ النافينَ للعول أن يقولوا به؛ لأنه يتمُّ إلحاقُ الفرائضِ بأهلها مع تتزاحمِ إلا بالعولِ، لا بتقديمِ البعضِ على البعضِ فإنه ليس بإلحاق لجميع أهل الفرائض بفرائضِهم، بل لبعضِهم. فهذا ما أمكنَ من الكلام على كلام الجلالِ فقد نقلناه بحروفِهِ، وتكلمنا على كل لفظٍ من ألفاظِه، ولم يحضرْ عندي حالَ تحريرِ هذا حاشيتُه للعلامةِ الأميرِ المسماةِ بالمنحة (١) فلينظر فيها هل وافقَ اجتهادُ صاحبها اجتهادَ صاحبِ الشرح أم خالفه؟ وإذا قد فرغنا من الكلام على ما استدلَّ به القائلين بعدمِ العولِ فلنتكلم الآن في كل صورة من صور العولِ التي مثَّل بها لمسائل العولِ (٢)، وذكر فيها كيفيةَ التوريث على العول، وكيفية
стр. 3962
التوريث على عدمه، وإنما جعلنا الاعتراض منا مختص بما ذكره الجلال في الاستدلال والمثال، لأن السائل- كثر الله فوائده- قد أشار في سؤال الذي قدمنا ذكره إلى كلام الجلال، واستفهم عنه فنقول [١١أ]: قال في عول سبعة (١) بعد أن مثلها بزوج وأخت
стр. 3963
لأبوين، وأخت لأب أنه يكون للزوج النصف، وللأخت لأبوين النصف، وتسقط الأخت لأب لأنهم إنما قاسوا الأخت لأب مع الأخت لأبوين على بنت الابن مع البنت، ولم يفرض تكملة الثلثين ببنت الابن من البنت إلا في حديث ابن مسعود المقدم يعني ما أخرجه أحمد (١)، والبخاري (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، وابن ماجه (٥)، والحاكم (٦) من حديث ابن مسعود أنه سئل عن بنت وبنت وابن وأخت فقال أقضي فيها بما قضى به رسول الله ﷺ للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. قال: ولا زوج في تلك المسألة، وقضاء النبي ﷺ بذلك فعل، والفعل لا عموم له كما علم، فتوقف استحقاق بنت الابن والأخت لأب بتكملة الثلثين على مورد النص الذي لا عموم فيه ولا إطلاق أيضًا حتى يكون ظاهرًا، بل الفعل لا ظاهر له فلا عول حينئذ. انتهى.
ولا يخفى عليك أن دعواه أن قضاء رسول الله ﷺ في البنت وبنت الابن والأخت فعل لا يتم إلا إذا كان رسول الله ﷺ
стр. 3964
قسمَ التركةَ على ذلك من دون أن يتكلَّم في شأنها بشيء، أما إذا كان القضاءُ منه ﷺ وهو أن يقولَ: يكون للبنتِ النصفُ، ولبنتِ الابنِ السدسُ تكملةَ الثلثينِ، وللأخت الباقي، فهذا من قسمِ الأقوالِ لا من قسمِ الأفعال، ومثل هذا لا يخفى على أحدٍ وكثيرًا ما يجعلُ الجلالُ مثلَ هذا من قسمِ الأفعالِ، وهو غلطٌ بحتٌ، ووهْمٌ فاحشٌ، والظاهرُ من قوله قضَى رسول الله أنه أخبرهم بكيفية قسمةِ تلك الفريضةِ، لا أنه قسمَها بنفسه من دون أن يتكلَّم، فإن هذا خلافُ ما كان عليه ﷺ وخلافُ ما يفهمه الناسُ.
وقد عمل الجلالُ بهذا القياس الذي ذكره، فجعل للأختِ لأبٍ مع الأخت لأبوينِ السدسَ تكملةَ الثلثينِ، فرَفْضه لهذا القياسِ هاهنا إن كان لما ذكره من أن ذلكَ فعلٌ، فقد عرفتَ أنه قولٌ [١١ب] وليس بفعلٍ، وأيضًا إذا كان كونه فعلًا كما زعمه موجبًا لبطلانِ قياسِ الأختِ لأبٍ على النبتِ فكان يلزمه أن لا يعطيها السدسَ لا في مسألة أختٍ لأبوينِ، وأختٍ لأبٍ، وعصَبَةٍ، ولا في مسألة زوجٍ وأختٍ لأبوين، وأختٍ لأب فما باله عمل بالقياس في المسألة الأولى! فأعطاها السدس كما قرره في ذلك الكتابِ، ولم يعطِها السدس مع الزوجِ بل تركَ العملَ بالقياس، فإن الإلزام مشتركٌ، والمانع مُتَّحِدٌ على زعْمِه، فإذا تقرَّر لك هذا فاعلم أن إعطاءَ الأختِ لأبٍ مع الأخت لأبٍ وأمٍّ، والعصَبَةِ السدسَ يلزمُ مثلُه في مسألة زوجٍ وأختٍ لأبوينِ، وأختٍ لأبٍ. ومن زعم أن الأختَ لأبٍ قد سقطت وبطل إرثها بمجرد تزاحم الفرائضِ احتاجَ إلى دليلٍ يدلُّ على ذلكَ، وإلا كان قط قطع ميراثَ وارثٍ بل حجةٍ شرعيةٍ. وقد عرفتَ فيما قدمنا بأنَّه لا حجَّة للقائلينَ بعد العول فيما حكموا به من إبطال ميراثِ بعض الورثةِ، لا من كتاب ولا من سُنَّةٍ، ولا من قياس، ولا من اجتهاد صحيح.
ومثَّل (١) ﵀ عول ثمانية (٢) بزوجٍ، وأم .....................................
стр. 3965
وأختٍ (١)، وقال: لا فرضَ للأختِ لأن فرضها إنما هو في الكلالةِ ولا كلالة مع وجود الأمِّ، أو لأنَّ الأم أقوى منها، وأخصُّ بمالها من الولادةِ، ولهذا لا تسقُطُ مع الأولادِ بخلافِها، والأختُ الواحدةُ لا تحجُبها عن الثلثِ فحينئذٍ تستوفي الأمُّ الثلثَ، وتأخذ الأختُ ما بقي تعصيبًا كما تأخذه البناتُ. انتهى.
وأقول: إن كان لا كلالة مع وجودِ الأمِّ فلا ميراث للأختِ أصلًا مع وجود الأمِّ فإذا خلّف الميت أمَّه وأختَه لأبويه، وعصبةً كان للأمِّ الثلثُ، والباقي للعصبةِ، ولا شيء للأختِ، وهذا من أغرب الاجتهاداتِ وأبعدِها عن الحقِّ، وأشذِّها عن علماء الإسلامِ!.
فانظر ما وقع فيه النافونَ للعول من المضائقِ المخالفةِ [١٢أ] للشريعةِ، فإن الأختَ لأبوينِ قد أثبت الله- سبحانه- ميراثَها في محكم كتابه، وجعل لها فريضةٌ مقدَّرةٌ محدودٌ؟ فأيُّ دليلٍ دلَّ على أنه لا ميراثَ لها هاهنا! وما ذاكَ الذي أوجبَ نسخَ ما في كتاب الله عند تزاحم الفرائضِ بالعولِ؟ إن قالوا هو كونُها لا ترِثُ إلا إذا كان الميِّتُ كلالة (٢)، وهو من لا ولدَ له ولا والدَ، فما بالُهم أثبتوا ميراثَها مع الأمِّ في غير مسألة! ومن جملتهم المتكلِّم بالكلام المنقولِ، وهكذا أثبتوا ميراثَ الإخوةِ لأمٍّ في غير مسألة! ومن جملتهم المتكلِّم بالكلام المنقولِ، وهكذا أثبتوا ميراثَ الإخوةِ لأم مع الأمِّ مع أنَّ الله يقول: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخت أو أخت فلكل واحد منهما السدس﴾ (٣)، فإن هذا فيه التصريحُ بالكلالةِ، وترتيبِ ميراثِ الأخ والأختِ لأمٍّ على
стр. 3966
وجودِها، وصرَّحوا أيضًا بأن الإخوةَ مطلقًا يحجبونَ الأمِّ، في الله العجبُ من هذه الاجتهادات التي أبطلتِ النصوصَ، وعطَّلتْ منها العمومَ والخصوصَ! والجلال قط اضطره الحال فصرَّح في بحث ميراث الإخوة لأمٍّ بأنهم يسقطونَ مع الأمِّ اتباعًا للإماميةِ، وعملًا بمجرد مناسبةِ ساقطة ذكرها هنالك لا يجوز العلمُ بها على فرض عدمِ الدليل، فكيفَ مع وجودِه ومع إجماع الأمة إلا من لا يعتد به! وإن كان المانعُ من توريثِ الأختِ لأبوينِ هاهنا هو قولُهُ أو لأن الأمَّ أقوى إلى آخر ما نقلناه عنه، فيقال: إن كانت أقوى منها مطلقًا فينبغي أن تكون أقدمَ من الأختِ في جميعِ الأحوالِ، وعلى كل تقدير لا في مسائلِ العولِ بخصوصِها.
فإن قيل: أنَّه لا يظهر أثرُ هذه الأولوية إلا في مسائِل المزاحمةِ عند العولِ، وأما في غيرها فكلُّ وارث يأخذ نصيبه المقدَّر وفرْضَهُ المسمَّى.
فيقال: وما الدليلُ على هذه الأولوية التي كانت سببًا لإبطال حكمٍ شرعيٍّ مصرِّحٍ به في القرآن الكريم، وهو ميراثُ الأختِ حتى صارَ ميراثها أو بعضَه بيدِ غيرِها؟ وكيف تصلُحُ مثلُ هذهِ الأولويةِ المدَّعاةِ لرفعِ الآياتِ القرآنيةِ والأحاديث الصحيحة [١٢ب]! وهل هذه إلا معارضةٌ لصريح الدليل بفساد الرأي وكاسد الاجتهادِ الذي لا دليلَ عليه بوجه من الوجوه!
وبالجملة فلو كانت مثلُ هذه الدَّعاوي الباردة نافقًا ومقدِّمًا على أدلةِ الكتاب والسنةِ لقال من شاء ما شاء، وادعى نسخَ القرآنِ الكريمِ والسنةَ الصحيحةَ كلُّ مبطلٍ ومبتدعٍ. فانظر ما وقع فيه المانعونَ للعول فكانوا كما قال:
فكنت كالساعي إلى مثعبٍ ... موايلًا من سُبل الراعد (١)
ومثّل- ﵀: عول تسعةٍ (٢) بزوجٍ وأمٍّ وأختٍ وجد، وقال: إن الأختَ.
стр. 3967
تسقطُ إما بانتفاء الكلالة التي فرضَها فيها بوجود الجدِّ، وإما لأنهما وإن استويا في أنَّ كلًّا منهما وارثٌ بواسطةِ الأبِ فللجدِّ مزيةٌ، الأصالة والولادةِ، وبها ورثَ مع الأولادِ كما قلنا في الأمِّ. انتهى.
أقول: أما ما ادَّعاه من انتفاء الكلالة مع الجدِّ فالجواب عنه كالجواب المتقدم في المسألةِ التي قبلَ هذه. ويالله للعجبُ كيف يحكم المصنفُ وغيرُه من النافينَ للعول بأن الأختَ لأبوين أو لأبٍ ترثُ مع الأم والجدِّ! ولم يلتفتوا إلى اشتراط الكلالةِ فلما أرادوا نفيَ العول وأعْوَزَهُم الحالُ صرَّحوا بأن الكلالةِ، شرط في ميراث الأخت المذكورة فإن كان ميراثها تارة مشروطًا بالكلالة وتارة غيرَ مشروطٍ فما هو الذي اقتضى هذه التفرقةَ والتحكُّمَ والتلاعُبَ بالأدلةِ المصرحة في الكتاب والسنةِ وإن كانت الكلالةُ شرطًا في ميراثِ الأخواتِ فما بالُهم أهملوا هذا الشرطَ في غير باب العولِ وإن كانت ليست بشرط مطلقًا، فما هذه الدَّعاوي الباردةِ المخالفة [١٣أ] للثابت في الشريعة، وأعجبُ من هذا ما ذكره من مزيةِ الجدِّ فإن كانت هذه المزيةُ مؤثرةٌ في الميراثِ إثباتًا ونفيًا فما الدليلُ على ذلك؟ فما قد سمعنا عن عالم من علماء الإسلام، أنه يثبتُ الأحكام الشرعية بمثل هذه الخيالاتِ المختلَّةِ فضلًا عن أن يبطُلَ بها حكمًا ثابتًا في كتاب الله، أو سنة رسوله. ورحم الله هذا العلامةَ فلقد كان قدوة في الإنصافِ وفي التقيد بالدليل، ولكنه يوقعُ نفسه في كثير من المعاركِ فلا يخرُجُ منها إلا وقد جنى على الكتابِ والسنة جنايةً عظيمةً، ومحبةُ الإغراب والتفرُّدِ لا تأتي إلا بمثل هذا.
ومثَّل (١) ﵀ عولَ ...........................
стр. 3968
عشرةٍ (١) بأمٍّ وزوجٍ وأخوينِ لأمٍّ وأختٍ لأبوينِ وأختٍ لأبٍ، وقال: إنه يبطُلُ فرضُ غيرِ الزوجِ بوجود الأمِّ لما تقدَّم، يعني من اعتبار الكلالةِ، ثم قال: لا سيَّما الأخوين لأمٍّ فإنَّهما إنما يرثانِ بواسطتِهما، وذو الواسطة لا يرثُ مع وجودِها كالجدّاتِ مع وجود الأمِّ، والجدِّ والإخوة مع الأبِ، وذو الأرحامِ مع وجودِ واسطتِهم، وهذا استقراء بعد الزوج والأم إلا السدس، لأن إناث الإخوةِ لا يحجُبها عن الثلثِ فتكونُ الأختُ لأبوينِ أحقَّ بالسدسِ الباقي تعصيبًا، وتسقط الأختُ لأبٍ لأن سدسَها إنما هو بعد استيفاء الأختِ لأبوين النصفَ، ومع غير الزوجينِ كما تقدَّم على أنَّا لو فرضنا [١٣ب] أن لا أمَّ في المسألةِ حتى تكونَ مسألةُ كلالةٍ لكلِّ من إخوةِ الأمِّ وإخوةِ الأبِ فيها فرضٌ بنصِّ القرآن يوجبُ سقوطَ إخوةِ الأمِّ بالأختِ لأبوينِ؛ لأنَّ ذا النَّسبِ الواحدِ يسقط مع وجود ذي النسبينِ كما قدمنا تحقيقَه في فرض الثلثِ. انتهى.
أقول: فيما ذكره هاهنا إشكالٌ من وجوه:
الأول: الحكمُ ببطلانِ ميراث مَنْ عدا الزوجَ والأمَّ، فإن ميراثَ الأخوينِ لأمٍّ ثابتٌ بصريح القرآنِ (٢)، وكذلك ميراثُ الأختِ لأبوينِ، وكذا الأختُ لأب، إما بصدقِ اسم الأختِ عليها، أو للإجماعِ، فكيف أبطلَ الجلالُ الأدلةَ القرآنيةَ وما استدلَّ بها! إن كان مجردُ الفرارِ من العولِ فالأمرُ أيسرُ من هذا، وما بمثل هذه الأمورِ تطرحُ أدلةُ
стр. 3969
الكتاب والسنة.
الوجه الثاني: قوله بوجودِ الأمِّ ... إلخ. قد قدَّمنا أن ميراثَ الإخوةِ مطلقًا إن كان مشروطًا بالكلالةِ فلا ميراثَ لهم مع وجودِ الأمِّ، في مسائلِ العول، ولا في غيرِها، وهو خلافُ ما اختارَهُ الجلال في هذا الكلام الذي نحن بصددِ الكلامِ عليه هاهنا، وخلاف ما اختارَه غيرُه من النافينَ للعولِ، فما هو المسوغُ للتفرقةِ؟ وهل هذه التفرقةُ كانت بدليلٍ أو بخيالٍ فاسدٍ ورأي كاسدٍ؟
والوجه الثالث: قولُه لاسيَّما الأخوانِ لأمٍّ فإنَّهما إنما يرثانِ بواسطتِها إلخ.
ولا يخفاكَ أنه يلزمُ من هذا أنْ لا يرثَ الإخوةُ لأمٍّ مع وجود الأمِّ بحالٍ، وهو خلافُ ما عند أهل العولِ، بل قد صرَّحوا في بحث ميراثِ الإخوةِ لأمٍّ بأن وجودها لا يسقُط ميراثهم وخصَّصوا الكلالة بالنسبةِ إليهم بالولدِ والأب [١٤أ] دونَ الجدَّ، وبعضهم زاد الجد. وأما الأم فلم يجعلْها مسقطةً لميراثِ الإخوةِ لأمٍّ أحدٌ إلا الإماميةُ، وليسوا ممن يُقتدى به أو يُعتدُّ بخلافه.
ومن الغرائب أن الجلالَ (١) قال بعد حكاية مذهبهم أنه الحقُّ، مع أنه قال في أول البحثِ المشارِ إليه ما لفظه: ولولا الإجماعُ (٢) على أن الأبَ يسقطُ الإخوةَ لكان في حَجْبٍ الإخوةِ للأمِّ من الثلث إلى السدسِ إيماءً إلى حَجْبِهم الأبَ من الثلثينِ إلى الثلث. انتهى.
فانظر هذا التلوُّن والاضطرابَ.
والوجه الرابعُ: قوله: وهذا استقراءٌ تامٌّ، ولا يخفى عليك أن هذا الاستقراءَ لأفرادِ الساقطينَ مع وجودِ واسطتِهم هو باعتبارِ دلالةِ الأدلةِ على ذلك، أو إجماعِ المسلمينَ أو علماء الفرائضِ منهم لا غيرَ ذلك. فلا استقراءَ تامٌّ قطُّ، فإن الأدلةَ لم تدلُّ على ذلك.
стр. 3970
وهكذا لا إجماعَ من جميع المسلمينَ، ولا من أهل للفرائضِ فقط، وإن كان هذا الاستقراءُ التامُّ باعتبار اجتهادِه الذي قد اضطربَ في هذه المباحثِ اضطرابًا يخرجُه عن حد الإتقانِ فليسَ بحجةٍ على أحدٍ.
الوجه الخامس: قوله وقياسٌ صحيحٌ، ولستُ أدري كيف كان هذا القياسُ عنده صحيحًا! فإن إثباتَ ميراثِ الإخوةِ لأم مع الأم قد أجمعَ (١) عليه المسلمونَ إلا من لا يُعْتدُّ به، فلو فرضنا أن للقياسِ وجهًا لكان هذا الإجماعُ مانعًا منه.
الوجه السادس: أن إناثَ الإخوةِ لا تحجُبها يعين الأمِّ عن الثلثِ، وإلا يخفى أنَّ هذا مبنيٌّ على ما هو عنده من أنه لا يحجب الأمَّ إلا الإخوةُ لأبوينِ أو الأخواتُ إذا كان معهن أخٌ لهن ذَكَرٌ. مستدلًّا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ (٢) ويردُّ عليه أن الكلامَ في هذه الآيةِ [١٤ب] كالكلام في قوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين﴾ (٣) بل هذه الآيةُ أدلُّ على اعتبار الزيادةِ على الاثنتين لقوله: ﴿فوق اثنتين﴾ بخلاف تلك، فإن الجمعَ قد يصدُق على الاثنين إما حقيقةً عند مثل الزخشريِّ ومن وافقَه على أن أقلَّ الجمعِ اثنان، وإما مجازًا عند غيره. وكان يلزمُه أيضًا أن لا يحجبها إلاَّ الثلاثة الذكورِ، ولا يكفي في الحجبِ أنثيان مع ذكرٍ كما سوَّغ ذلكَ لأن التغليبَ مع كونه مجازًا هو مع كثرةِ عددِ الإناثِ خلافُ الظاهر، وأيضًا كان يلزمُهُ أن يحجب الأمَّ بالثلاثةِ من الإخوةِ لأبٍ أو الثلاثةِ من الإخوةِ لأمٍّ. فما باله اشترطَ أن يكونوا لأبوين في كلامِه على حجب الأم!
الوجه السابع: قوله: توقُّفٌ يوجبُ سقوطَ إخوةِ الأمِّ بالأختِ لأبوينِ إلى آخرِ كلامِهِ استشعرَ هاهنا أن المسألةَ عائلةٌ بدون الأمِّ، وأنه لا يتم له من سقوط الإخوة لأم
стр. 3971
بالأمِّ لكونهم ورثّوا بواسطتِها فأجاب بأنَّهم يسقُطون بالإخوةِ لأبوينِ. وقد ذكر مثلَ هذا فيما سبق له في ميراثِ الإخوةِ لأمٍّ من هذا الكتاب (١)، وجعلَ الدليلُ له في ذلك القياسِ على إسقاطِ الإخوةِ لأبوينِ للإخوةِ لأبٍ، ولكنه اقتصرَ على الأخ لأبوين. وهاهنا توسَّع فصرَّح بأن الأختَ لأبوين تُسْقِطُ الإخوةَ لأمٍّ، فإن كان ذلك بالقياسِ على الأخ لأبوينِ فهو قياسٌ مع الفارقِ؛ لأنه لما قوي على إسقاطِ الأخ لأبٍ قوي على إسقاطِ الأخ لأمٍّ على زعمه بخلافِ الأختِ لأبوين فإنها لا تقوى على إسقاطِ الأختِ لأب، فلا تقوى على إسقاطِ الإخوةِ لأمٍّ.
وأقول: ما أحقَّه- ﵀ في هذه الأبحاثِ بقول القائِل:
تفرقت الضِّباءُ على خداشٍ ... فما تدري خداشٌ ما تصيدُ (٢)
ولقد انتشرتْ أبحاثُ الفرائضِ عليه انتشارًا عظيمًا حتى خالفَ النصوصَ الصحيحةَ الصريحةَ في الكتاب والسنةِ، وخالف إجماعاتِ الأُمَّةِ، بمجرَّد خيالاتٍ باطلةٍ، وآراء فاسدةٍ فليت شعري ما حملَه على ذلك! فلقد كان له سعةٌ عن الوقوع في مثل هذه المضائقِ المظلمةِ التي ليس له بها أنيسٌ [١٥أ]، ومثَّل عول ثلاثةَ عشَرَ بزوجٍ وأمٍّ وبنتٍ وبنتِ ابنٍ وقال إنها تصيرُ البنتُ مع الأمِّ عصَبَةً؛ لأن فرضها إنما هو على تقدير الانفراد عن الأبوينِ ولكن لما كان الباقي بعد الزوج والأمِّ أكثرُ من فرض البنتِ منفردةً رُدَّت إلى قدرِ فرضِها لئلا يكونَ ما تأخذُه مع المزاحم أكثرَ مما تأخذه مع الانفراد. مع أن المعقولَ هو العكسُ وحينئذٍ لا يبقى إلا نصفُ سدسٍ، إن قلنا أن بنتَ الابن تصير كالأخت مع البنت عصبةً كان الباقي لها، وذلك من قياس الأولى؛ لأن بنتَ الابن بنتٌ، وهي أخصُّ من الأختِ. وقد بطل عمومٌ فما بقيَ فلأَوْلى رجلٍ ذكرٍ لما عرفناكَ سابقًا، وإن قلنا البنتُ
стр. 3972
والأمُّ تصيرانِ كبنتين استوفَيا الثلثينِ، ولا فرضَ لبنتِ الابنِ من غيرِ الثلثينِ كان الباقي للعصَبَةِ. انتهى.
أقول: انظر إلى هذا الاجتهادِ الذي هو شبيهٌ بِلَعبِِ الصبيانِ، حكمَ بكون البنتِ عصَبَةً فأخرجَها عن أهل الفرائضِ، ثم حكمَ برجوعِها إلى أهل الفرائضِ فقصَرَها على فَرْضِها الأصلي، ثم تردَّد في بنتِ الابنِ، هل هي عصَبَةٌ للبنتِ التي عصبةٌ، فتأخذُ الباقي أم ليست بعصبة؟ فيكون الباقي لعصبةِ غيرِها. وهكذا حالت من تعمَّد مخالفةَ النصوصِ؛ فإنَّه يصير كلامُهُ المؤسَّسُ على محضِ الرأي خالصا عن قانونِ المعقولِ والمنقولِ عقوبةٍ من الله- لمن لم يقفْ حيث أوقفه.
فانظر كم الفرقُ بين هذه الطريقةِ العوجاءِ وبين عمل القائلينَ بالعول! فإنَّهم لما وجدُوا النصوصَ من كتاب الله- سبحانه- قد قضتْ بأن للزوج الرٌُّبُعَ مع الولدِ، وللأمِّ السدسَ معه أيضًا، وللبنت النِّصفُ، ولبنتِ الابنِ السدسَ تكملةَ الثلثينِ كما في حديث ابن مسعودٍ السابقِ الثابتِ في الصحيحِ (١) أخذُوا بهذه النصوصِ الواردةِ، ولم يقدِّموا بعض أهل هذه الفرائضِ على بعض؛ لأنَّ هذه الأدلةَ لم يثبتْ تقييدها بقيود تسوِّغُ تقديم بعضِ أهلِها على بعض، ولكن لما كان المالُ لا يتَّسعُ لجميعِ هذه الفرائضِ أعطُوْا كلَّ وارثٍ بمقدارِ فريضتِه من المال، ودخل النقصُ على الجميعِ [١٥ب] لأن الضرورةَ أوجبتْ ذلك، استعملوا النصوصَ بحسبِ الإمكانِ، ولم يهملوا شيئًا منها.
ومثَّل عولَ خمسةَ عشرَ (٢) بزوجٍ وأبوينِ وابنتينِ. وقال: تكون البناتُ عصَبَةً مع
стр. 3973
الأبوين.
وأقول: لله درُّ هذا النظرِ الذي جعلَ النقصَ على بناتِ الميِّت لصُلْبِهِ! وأخرجهنَّ من فرائضهنَّ المقدَّرة في كتاب الله، وسنةِ رسول الله! وجعلهنَّ عصبَاتٍ يأخذنَ الباقي كالرجالِ الأباعدِ من العصَبَاتِ بلا دليلٍ اقتضى ذلك، ولا عقلٍ أوجَبه، بل مجرَّد خيالاتٍ مختلَّةٍ قد قدَّمنا إبطالَها.
ومثلَ عولَ سبعَ عشرَ (١) بأمٍّ وزوجةٍ وأخوينِ لأمٍّ، وأختينِ لأبٍ. وقال: تأخذ الأمُّ الثلثَ، والزوجةُ الربعَ، والباقي للأختينِ لأبٍ تعصيبًا، ويسقطُ الأخوانِ لأمٍّ بأمٍّ.
وقد عرفت فيما سبقَ جوابَ هذا، وأهل العولِ يقولون: ميراثُ كلِّ واحد من هؤلاء ثابتٌ في الكتاب العزيز، فالواجبُ العملُ بذلك كما سلف على الصفةِ المتقدِّمةِ من دون طرحٍ لشيء من ذلك، بل معارضٍ راجحٍ، بل بلا معارض مرجوح، بل بمجرَّد رأي فاسدٍ لا يقبلُه العقلُ.
ومثَّل عولَ سبعةً وعشرينَ (٢) بأبوينِ وابنتينِ، وزوجةٍ، وجعل البناتِ مع الأبوينِ
стр. 3974
عصَبَةً. وقد تقدم جوابُه في عول ثلاثةَ عشرَ وما بعدَه وما قبله.
وبالجملة فإنه تارةً يجمع الأمَّ مسقطةً للإخوةِ والأخواتِ مطلقًا. وتارةً يخصُّ بالإخوة لأمٍّ، وتارةً يجعلُ البناتِ والأخواتِ من أهل الفرائضِ، وتارةً يجعلهنَّ عصَبَاتٍ مع كون حديثِ: "فما أبقتِ الفرائضُ فلأَوْلى رجلٍ ذكرٍ" (١) يردُّ عليه لأن لم يثبت التعصيب إلا للرجل الذكر. وأما كون الأخواتِ مع البناتِ عصَبَةً، فإذا كان ثابتً بدليل صحيح يصلُح لتخصيص هذا الحديث، كان ذلك مقصورًا على ذلك الخاصِّ لا يجاوزُه إلى غيرِه لا بمجرد القياس عند من قال به، لأن الفارقَ موجودٌ، ولا بمحض الرأي الذي لا مستندَ له فلا وجهَ لمخالفةِ الحديث بلا دليلٍ، وجعل البناتِ عصباتٍ في بعض الحالاتِ بلا مقتضٍ. وقد تكلَّم الجلال- ﵀ بعد فراغِه من مسائل العولِ بكلام قد أسلفنا دفْعَهُ فلا حاجةَ بنا إلى إيراده هاهنا، وتكرير الكلامِ عليه. وفي هذا المقدار كفايةُ لمن له هدايةٌ. والله ولي التوفيق. حرر في شهر رجب سنة ١٢١٧.
بقلم مؤلِّفه المجيبِ محمد بن علي الشوكانيِّ- غفر الله لهما-.
стр. 3975
(١٦٣) (٦/ ١)
بحث في تعداد الشهداء الواردة بذكرهم الأدلة
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3976
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في تعداد الشهداء الواردة بذكرهم الأدلة.
٢ - موضوع الرسالة: "فقه".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم بحث في تعداد الشهداء الواردة بذكرهم الأدلة
٤ - آخر الرسالة: انتهى البحث بمن الله وفضله والصلاة والسلام على خير خلقه وآله وصحبه.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ٥ صفحات ما عدا صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٣ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ - ١٢ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3977
[بسم الله الرحمن الرحيم]
بحثٌ في تعداد الشهداء الواردةِ بذكرهم الأدلة: قال ﵁: الأول والثاني والثالث والرابع والخامس: المَبْطونُ والمطعونُ، والغريقُ وصاحبُ الهدمِ والشهيدُ في سبيل الله كما ثبت في البخاري (١) ومسلم (٢) وغيرِهما (٣). من حديث أبي هريرة، والسادس: ُ صاحبُ ذاتِ الجنبِ.
السابع: صاحبُ الحريقِ.
والثامن: المرأةُ تموت بجمع (٤) أي وفي بطنها
стр. 3978
ولدٌ. هؤلاء الثلاثةُ مذكورون في حديث جابرٍ عند مالكٍ في الموطأ (١) وأحمد (٢) وأبي داود (٣)، والنسائي (٤) والحاكمِ في المستدرك (٥) وابن حبانَ (٦) والبيهقيِّ في الشعب (٧).
والتاسعُ: الذي يموت بالسيل أخرجه الطبراني في الكبير (٨) من حديث سلمان.
والعاشر: المسافر يموت، أخرجه ابن ...................................
стр. 3979
ماجه (١) من حديث ابن عباس.
والحادي عشر: من صُرع عن دابته في سبيل الله فمات أخرجه أبو يعلى (٢). من حديث عقبة بن عامرٍ.
والثاني عشر: من مات مرابطًا أخرجه الطبراني (٣) من حديث سلمان، وابن .................
стр. 3980
حبان (١) من حديث أبي هريرة.
والثالث عشر: المتردَّي من رءوس الجبالِ. أخرجه الطبرانيُّ (٢) من حديث ابنِ مسعودٍ وأخرجه أيضًا من وجه آخر بلفظ المتردِّي من دون ذكر رءوس الجبال.
والرابع عشر: الغريُب يموت. أخرجه أيضًا الطبرانيُّ (٣) من حديث عبدِ الملكِ [١أ] بن هارونَ بنِ عنترةَ عن أبيه عن جده.
والخامس عشر: من قُتِلَ دون ماله.
والسادس عشر: من قُتِلَ دون دينِه.
والسابع عشر: من قتل دون دمِه، هؤلاء الثلاثة في حديث سعيدٍ بنِ زيدٍ عند أبي داودَ (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦). والأول منهم في صحيح .................................
стр. 3981
مسلم (١) عن ابن عمرو.
والثامن عشر: من قُتل دون مظلمةٍ. أخرجه أحمدُ في المسند (٢) بإسناد صحيحٍ من حديث ابن عباسٍ.
والتاسع عشر: من أدّى زكاة مالهِ فتعدي عليه في الحق فأخذ سلاحه فقاتل فقُتل أخرجه الطبراني (٣) والحاكمُ في المستدرك (٤) وقال صحيح على شرط الشيخين من حديث أمِّ سلمةَ.
والموفي عشرين: من قام إلى إمام جائر فأمره بمعروف أو نهاه عن منكر فقتله، أخرجه البزَّار (٥) من حديث أبي عبيدةَ بنِ الجراح.
والحادي والعشرون والثاني والعشرون والثالث والعشرون والرابع والعشرون: من وَقَصه
стр. 3982
فرسُه أو بعيرُه أو لدغته هامَّةٌ أو مات على فراشه في سبيل الله أخرجه الطبراني (١) من حديث أبي مالكٍ الأشعريِّ وأخرج أيضًا في الكبير (٢) من حديث سرّا بنتِ نبهانَ من قتلته الحيَّة، وأخرج (٣) أيضًا من حديث ابن عباسٍ بلفظ "اللديغ شهيد".
стр. 3983
والخامس والعشرون من عشَقَ فعفَّ فكتم فمات أخرجه الخطيب في تاريخه (١)، والديلميُّ في مسند الفردوسِ (٢) من حديث ابن عباسٍ.
والسادس والعشرون والسابع والعشرون والثامن والعشرون الفريس الذي يفترسه السبع، والخار عن دابَّته من غير تقييدٍ بكونه في سبيل اللهِ أخرجه ................
стр. 3984
الطبراني (١) من حديث ابن عباسٍ.
التاسع والعشرون: من حبسه السلطانُ ظلمًا فمات في السِّجن، أخرجه ابنُ منده في كتاب الإيمان [١ب] بالسؤال عن عليِّ بنِ أبي طالب ﵁ ولم يرفعه.
الموفي ثلاثين والحادي والثلاثون: من ضُرب فمات في الضرب وكلُّ مؤمن يموت، أخرجه أيضًا ابنُ منده عن علي مرفوعًا كما تقدم قبل هذا.
والثاني والثلاثون المرأةُ تصبِرُ على الغيرة فلها أجر شهيدٍ، أخرجه البزَّارُ (٢) والطبراني (٣) بسند حسنٍ من حديث ابن مسعود.
والثالث والثلاثون من قال في يوم خمسًا وعشرينَ مرةً اللهم باركْ لي في الموت وفيما بعدَ الموتِ ثم مات على فراشه أعطاه الله أجر شهيد. أخرجه الطبرانيُّ في الأوسط (٤) من حديث عائشة.
والرابع والثلاثون: من صلى الضحى وصام ثلاثة أيام من الشهر ولم يترك الوتر في
стр. 3985
حضر ولا سفر كُتب له أجر الشهيد أخرجه الطبراني في الكبير (١) بسند حسن من حديث ابنِ عمرَ.
والخامس والثلاثون: المتمسّكُ بالسنة عند فسادِ الأمةِ له أجرُ شهيد. أخرجه الطبرانيُّ في الأوسط (٢) من حديث أبي هريرة.
السادس والثلاثون: طالبُ العلم إذا مات في طلبه أخرجه البزّارُ (٣) من حديث أبي هريرةَ وأبي ذرَّ.
السابع والثلاثون: من دعا في مرضه أربعين مرةً بقوله سبحانه: ﴿ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين﴾ (٤) أُعطيَ أجر شهيدٍ أخرجه الحاكمُ في مستدركه (٥) من حديث سعدِ بن أبي وقاص.
стр. 3986
الثامن والثلاثون: التاجرُ الأمينُ الصَّدوقُ مع الشهداء يوم القيامةِ أخرجه الحاكمُ (١) من حديث ابنِ عمرَ، وأخرجه (٢) مثلَه من حديث أبي سعيدٍ.
التاسع والثلاثون: من جلب طعامًا إلى مصر من أمصار المسلمين كان له أجرُ شهيدٍ أخرجه الديلميُّ (٣) من حديث ابن مسعود.
الموفي [٢أ] أربعين: من سعى على أهله وولدِه وما ملكت يمينُه يُقيم فيهم أمر الله ويُطعمهم من حلال كان حقًّا على الله أن يجعله مع الشهداء في درجاتهم أخرجه الطبراني في الكبير (٤) من حديث أبي كاهل. قال الذهبيُّ: إسنادُهُ مُظلم.
الحادي والأربعون: عن ابن عباس: من مات مداريًا مات شهيدًا. أخرجه الديلميُّ (٥) من حديث جابر وأخرجه السلفي في المُنتقى من حديث أبي طاهرٍ الخياط.
الثاني والأربعون: المؤذَّنُ المحْتسِبُ كالشهيد المتشحّط في دمه. أخرجه الطبرانيُّ (٦) من
стр. 3987
حديث ابن عمر.
الثالث والأربعون: من اغتسل بالثلج فأصابه البردُ فمات أخرجه ابن أبي شيبةَ (١) في المصنف عن الحسن البصري من قوله.
الرابع والأربعون: من صلى على النبي ﷺ مائةَ مرة أسكنه الله يوم القيامة مع الشهداء أخرجه الطبراني في الأوسط (٢) والصغير (٣) من حديث أنس.
الخامس والأربعون: من قال حين يمسي وحين يصبح اللهم إني أشهدك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدكَ لا شريكَ لك وأن محمدًا عبدُك ورسولك أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوءُ بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب غيرُك فمات مات شهيدًا. أخرجه الأصبهانيُّ في الترغيب (٤) من حديث حُذيفةَ بنِ اليمانِ.
السادس والأربعون: من قال حين يصبح ثلاثَ مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ الثلاثَ [٢ب] الآياتِ من آخر سورة الحشرِ وكّل اللهُ سبعين ألفَ ملكٍ يصلّون عليه حتى يُمسي فإن مات في ذلك اليوم مات شهيدًا، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلةِ. أخرجه الترمذي (٥) من حديث معقل بن يسار.
стр. 3988
السابع والأربعون: من قرأ سورةَ الحشر إذا أخذ مضْجَعَه فمات مات شهيدًا، أخرجه ابن السُّنِّي (١) من حديث أنس.
الثامن والأربعون: من مات يوم الجمعة كتب الله له أجرَ شهيد أخرجه حميدُ بنُ زنجويه في فضائل الأعمال (٢) من مرسل إياسِ بنِ بكر مرفوعًا.
التاسع والأربعون: من طلب الشهادة صادقًا أُعطيها ولو لم يُصبها أخرجه مسلمٌ (٣) من حديث أنس.
الموفي خمسين: أخرج الحاكم (٤) عن عروة أن أبا سفيان بنَ الحارث حلقه الحالق بمنى
стр. 3989
وفي رأسه ثؤلولٌ فقطعه فمات قال فيروز إنه شهيدٌ.
انتهى البحثُ بمنّ اللهِ وفضْلِهِ والصلاةُ والسلامُ على خير خلقه محمدٍ وآلِهِ وصحبه.
стр. 3990
ترجمة علي بن موسى الرِّضا (١)
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3991
وصف المخطوط
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: ترجمة علي بن موسى الرِّضا.
٢ - موضوع الرسالة: "فقه".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وجدت بخط المولى شيخ الإسلام ﵁ ما لفظه: ذكر الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة علي بن موسى الرِّضا.
٤ - آخر الرسالة: هذا غير بعيد فليراجع هذا البحث، فإني لم أكتبه هنا إلَّا لقصد إمعان النظر فيه بعد حين إن شاء الله محمد بن علي الشوكاني.
٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ - عدد الصفحات: ٥ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ١٩ سطرًا، ما عدا الصفحة الأولى فعدد أسطرها ١٠ أسطر.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٨ كلمات.
٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.
١٠ - الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3992
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وجدتُ بخطِّ المولى شيخ الإسلام ﵁ ما لفظه: ذكر الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة علي بن موسى الرضا (١) ما لفظُهُ: بعد حذف السندِ منه إليه لما أُدخِلَ على المأمون رجلٌ نصراني قد وُجِدَ مع امرأةٍ هاشميةٍ، فلما أدخل عليه أسْلَمَ فغاظ المأمون ذلك غيظًا شديدًا، فاستفتى الفقهاء فكلٌّ قال: هدمَ إسلامُهُ ما فعلَه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، اكتب إلى علي بن موسى في هذا. قال: فكتب إليه فوافاهُ علي بن موسى فقال: يا أمير المؤمنين، اضرب عنُقَهُ؛ فإنه إنما أسلمَ [اأ] مخافةً من السيف، فقال الفقهاء: من أين لك هذا؟ قال: فقرأ علي بن موسى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) انتهى.
стр. 3993
أقول: وهذا استدلال قوي، ودليل قرآني سوي، فإنَّ الله- سبحانه- جاء في هذه الآية بما هو يشفي ويكفي، فذكر أولا وقتَ هذه المقالةِ منهم فقال: ﴿فلما رأوا بأسنا﴾ أي: وقتَ رؤيتهم لبأسنا قالوا آمنا بالله وحده، وذكر مع الجملة الدالةِ على إنشاء الإيمان منهم، وهو قوله: ﴿آمنا بالله﴾ ما يفيد تأكيدَ هذا، ثم لم يكتفِ بهذا حتى جاء بجملةٍ مؤكِّدةٍ لمضمون الجملة الأولى فقال: ﴿وكفرنا بما كنا به مشركين﴾ فهذا المعنى فُهِمَ أولًا من قولهم: ﴿آمنا بالله﴾ ثم فهم ثانيًا من قولهم: ﴿وحده﴾ ثم فهم ثالثا بأبلغ عبارةٍ، وأوضح دلالةٍ، وأتمِّ تصريحٍ من قولهم: ﴿وكفرنا بما كنا به مشركين﴾ وهذا التأكيدُ المستفاد من كلام الله تعالى [١ب] يدلُّ على أنه قد أظهروا بألسنتهم من الإيمان غايةَ ما يمكن من الإظهارِ، وكفروا بما يخالف الإيمانَ أبلغَ كفرٍ، ثم
стр. 3994
عقَّب سبحانه هذا بقوله: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم﴾ فجاء بهذه الجملة المصدَّرة بحرف النفي المتوجِّه إلى نفي النفعِ الكافي له بذلك الإيمانِ، فأفاد ذلك العمومَ، وأنه لا نفعَ لهم في هذا الإيمان الواقع عند رؤية الناس بوجه من الوجوه، كما تقرر من أن الأفعال مشتملةٌ على النكرات، فهو في قوة: لا نفعَ لهم بهذا الإيمان، والنكرةُ في سياق النفي من أبلغ صيغِ العمومِ (١)، ثم كرر هذا ذكر الوقت الذي وقع فيه ذلك الإيمان بعد أن ذكره أولا بلفظه وحروفه فقال: ﴿لما رأوا بأسنا﴾ فكان من التأكيد الدال على عدم نفع الإيمانِ في هذا الوقتِ، فوجهٌ من وجوه النفعِ لم يكتف بهذا حتى أردفه بجملةٍ دالةٍ على أنَّ عدم نفعِ الإيمانِ في هذا الوقت هو سنةُ الله ، ثم لم يكتف بمجرَّد ذكرِ
стр. 3995
السنةِ حتى أبانَ لنا بأنَّ هذه السنة (١) هي التي خلتْ في عباده، وأنه شرْعُه الذي ارتضاه لمن مضَى من الأمم، وأنَّ الشرائع التي شرعَها لسابق عبادِه ولاحقِهم في كتبه المنزَّلةِ [٢أ]، وعلى ألسنِ رسله هي هذه، ثم ذيَّلَ هذا الكلامَ بقوله: ﴿وخسر هنالك الكافرون﴾ فكان في هذه الجملة [ .... ] (٢) أبلغ مناداةِ، فإنه لم يحصلْ لهم من ذلك الإيمانِ عند رؤية الناس إلا الخسران، فلم يعاقبوا بمجرَّد الخيبةِ مما قالوه بألسنتهم، بل ضمَّ لهم إلى ذلك الخسرانَ المشعِرَ بأنه قد نزل بهم من المِحَنِ ما لا يُعَبَّرُ عنه إلا بهذه العبارة المفيدة لجمعِ العقوبةِ لهم على أبلغِ وجهٍ، وأتمِّ صورة، فكان فيها من الدلالة على ما أراده الإمام علي بن موسى ﵀ والمناداةُ بما قصده بما هو أوضحُ من شمس النهار، وأمَّا حديثُ: "الإسلام يجب ما قبله" (٣) فغايتُه أنه دلَّ بعمومه باعتبار تعريفِ المسندِ إليه على أنه يجبُّ كلَّ ما تقدَّمهُ، وإن كان قائله إنما قاله عند رؤية الناس، ومخافةِ السيفِ. ولا يصلح مثل هذا الحديث لتخصيص عموم الآيةِ؛ لأنه عامٌّ فيها يعارضُ عموماتٍ، فيطلب المرجح لأحدِهما، لا سيَّما بعد ورودِه على هذا الوجه من التأكيد، والتكرُّرِ، والمبالغةُ في العبارة أرجحُ لكونه قطعيَّ المتنِ، وإن كان ظنيَّ الدلالة لكنه أرجحُ من الحديث، فإنه ظنيُّ المتن والدلالةِ جميعًا [٢ب].