← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فإذا انتفت قدرته على قراءة المكتوب من حيث كونه أميا، وانتفى اطلاع أحد من الناس على شيء من ذلك علمنا أنه لم يأخذ شيئا من ذلك لا بطريق التعليم، ولا بطريق المباشرة منه لتلك الكتب، ولم يسمع عن أحد، لا من أتباعه، ولا من أعدائه، أنه كان بمكة من يعرف أحوال الأنبياء وقصصهم، وما جاءوا به من الشرائع، ولا كان بمكة من كتب الله -سبحانه- المنزلة على رسله شيء، ولا كانت قريش ممن يرغب إلى ذلك أو يطلبه، أو يحرص على معرفته، ومع هذا فقد كان أعداؤه من كفار قريش يعترفون بصدقه، ويقرون بأنهم لم يجربوا عليه كذبا، وفي حديث ابن عباس في الصحيحين (١) وغيرهما في قصة سؤال هرقل لأبي سفيان أنه قال له: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال أبو سفيان: لا. وفي الصحيحين (٢) وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود أن سعد بن معاذ لما قال لأمية بن خلف أن النبي ﷺ ذكر أنه سيقتل فقال ذلك لامرأته. فقالت والله ما يكذب محمد، وفي رواية أخرى أن أمية قال أيضا: والله ما يكذب محمد، وعزم على ألا يخرج خوفا من هذا. وأخرج البخاري في صحيحه (٣) من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لقريش: "لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا. وأخرج البخاري في تاريخه (٤)، وأبو زرعة في دلائله، وابن إسحاق (٥) أن أبا طالب لما

стр. 457

قال للنبي ﷺ أن يكف عن قريش، فقال: والله ما أقدر على أن أدع ما بعثت به، فقال أبو طالب لقريش: " والله ما كذب قط فارجعوا راشدين ". وأخرج ابن مردويه في كتاب التفسير، وأبو يعلى الموصلي في مسنده، وعبد ابن حميد، أن عتبة بن ربيعة قال لقريش: " وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ". [٥ - إخباره ﷺ بالمغيبات من دلائل النبوة] ومن أعظم دلائل نبوته ﷺ التي يجد الجاحدون إلى جحدها سبيلا، ولا يمكن إسنادها إلى تعليم بشر، ولا نسبتها إلى سحر أنه ﷺ كان يسأل عن أمور ماضية يتعنته بها أهل الكتاب والمشركون ن فينزل جبريل في تلك الحالة فيخبره بها في الموضع الذي سألوه فيه، من غير أن يفارقه أو يذهب إلى أحد من الناس يستعلم. وذلك كسؤالهم له عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، ونحو ذلك من الأمور التي غالبها غير مذكور في التوراة ونحوها، بل قد يخبرهم ابتداء بشيء من أحوال الأنبياء، لم يكن في التوراة التي هي مرجع أهل الملل في تعرف أحوال الأنبياء من لدن آدم إلى موسى. وذلك كقصة هود، وصالح، وشعيب، وكثير من أحوال إبراهيم، وإسحاق، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف، ومثل قصة الخضر مع موسر، ومثل أحوال سليمان كقصة البساط، وقصة العفريت، وقصة الهدهد، ف'ن هذه لم تكن في التوراة، ولم يسمع عن أحد من أهل الكتاب أنه رد ذلك، أو كذبه، بل انبهروا، وأعجبوا منه. وفي صحيح البخاري (١) من حديث أنس قال: جاء عبد الله بن سلام [٢٧] إلى رسول الله ﷺ [بعد] مقدمه المدينة، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمها إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ والولد ينزع إلى أمه أو إلى أبيه؟ قال: أخبرني جبريل آنفا، قال عبد الله: ذاك عدو اليهود من الملائكة.

стр. 458

أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت. وأما الولد، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه. فقال عبد الله بن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. وفي صحيح مسلم (١) من حديث ثوبان قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود، وقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ قال: قلت: ألا تقول: يا رسول الله، قال إنما سميته باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ : ينفعك شيء إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني فنكث بعود معه، فقال له: سل. فقال اليهودي: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : في الظلمة دون الحشر، قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: "فقراء المهاجرين". فقال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون؟ قال: زيادة كبد نون. قال: وما غذاؤهم على أثره؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلا. قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي، أو رجل أو رجلان. قال ينفعك إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد. قال: ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا. فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله. فقال اليهودي: صدقت، وإنك لنبي، ثم انصرف. فقال النبي ﷺ : إنه سألني هذا الذي سألني عنه، وما أعلم شيئا منه، حتى أتاني به الله تعالى.

стр. 459

وأخرج أبو داود الطيالسي (١) عن ابن عباس، قال: حضرت عصابة من اليهود يوما إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، حدثنا عن خلال نسألك عنها، لا يعلمها إلا نبي، فقال: سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على نبيه إن أنا حدثتكم بشيء تعرفونه صدقا، لتتابعوني على الإسلام. قالوا: لك ذلك. قال: فسلوني عما شئتم. قالوا: أخبرنا عن أربع خلال: أخبرنا عن الطعام الذي حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة. وأخبرنا عن ماء الرجل كيف يكون الذكر منه حتى يكون ذكرا، وكيف تكون الأنثى منه حتى تكون أنثى. وأخبرنا كيف هذا النبي في النوم؟ ومن وليك من الملائكة؟ فقال: عليكم عهد الله وميثاقه لئن أنا أحدثكم لتتابعوني؟ فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق. قال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل -يعقوب- مرض مرضا شديدا طال سقمه فيه، فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرم من أحب الشراب إليه، وأحب الطعام إليه؟، وكان أحب الشراب إليه ألبان الإبل، وأحب الطعام إليه لحوم الإبل. فقالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله ﷺ : اللهم اشهد عليهم. قال: فأنشدكم الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل غليظ وأبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا كان الولد والشبه له بإذن الله؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد. قال: أنشدكم بالله [٢٨]، الذي لا إله إلا هو، وأنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي تنام عيناه، ولا ينام قلبه؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد. قالوا: أنت الآن حدثنا من وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك أو نفارقك.

стр. 460

قال: وليي جبريل ﵇، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه. قالوا: فعندها نفارقك، لو كان غيره لاتبعناك وصدقناك قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا من الملائكة، فأنزل الله:﴾ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴿(١). ففي هذه الأحاديث اعتراف هؤلاء السائلين من اليهود أن تلك المسائل التي سألوه عنها لا يعلمها إلا نبي، وقد أخبرهم بما سألوه وصدقوا في جميع ذلك، فاندفع بذلك شك كل جاحد، وبطل عنده ريب كل ملحد. ٦ - القرآن معجزة الرسول الخالدة: واعلم أن دلائل نبوة نبينا ﷺ يطول تعدادها، ويتعسر ذكرها. وقد صنف أهل العلم في ذلك مصنفات مبسوطة مشتملة على كثير منها. ولو لم يكن منها، إلا هذا الكتاب العزيز الذي جاء به من عند الله - سبحانه- مشتملا على مصالح المعاش والمعاد، وتحدى به فرسان الكلام، وأبطال البلاغة، وأفراد الدهر في العلم هذه اللغة العربية، وقال لهم: ليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين. ثم قال لهم:﴾ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿(٢) ثم قال لهم:﴾ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴿(٣). فلم يقدروا على ذلك، وكاعوا عنه، وعجزوا على رؤوس الأشهاد، وكان أكابر بلغائهم، وأعاظم فصحائهم، إذا سمعوا القرآن، اعترفوا بأنه لا يشبه نظمهم، ولا نثرهم، وأقروا

стр. 461

ببلاغته كما قال الوليد بن المغيرة لما سمع النبي ﷺ يقرأ:﴾ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿. (١) فقال: أعد، فأعاد النبي ﷺ فقال: "والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر" (٢). وروى ابن إسحاق (٣) من حديث ابن عباس قال: قام النضر بن الحارث فقال: يا معشر قريش، والله لقد نزل بكم أمر ما ابتليتم بمثله. لقد كان محمد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به، قلتم ساحر!! لا والله ما هو بساحر، قد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم. وقلتم كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وسمعنا سمعهم. وقلتم شاعر، لا والله ما هو بشاعر، لقد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها بهزجه ورجزه وقريضه. وقلتم مجنون. لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا المجنون. فما هو بخنقه، ولا تخليطه. يا معشر قريش. انظروا في شأنكم؛ فإنه- والله- قد نزل بكم أمر عظيم (٤). وروي عن الوليد بن المغيرة (٥) نحو هذا، وروى ابن إسحاق أيضًا أن أبا جهل (٦) قال: إني لأعلم أن ما يقول محمد حق. ولكن بني قصي قالوا: فينا الندوة، فقلنا: نعم، فينا الحجابة فقلنا: نعم. فينا السقاية: فقلنا نعم. وفي لفظ: "تنازعنا نحن وبنو عبد

стр. 462

مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، ثم إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به، ولا نصدقه أبدا. دع عنك ما حصل للإنس من استعظام أمر القرآن، والتعجب منه وتصديقه!! هؤلاء الجن قد وقع منهم ذلك كما حكاه الله -سبحانه- عنهم في كتابه [٢٩]. وفي الصحيحين (١) من حديث ابن عباس قال: انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وقيل: حيل بين الشياطين، وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبن خبر السماء وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما ذاك إلا من نبأ حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة، فوجدوا النبي ﷺ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا:﴾ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴿(٢). فأنزل الله على نبيه محمد- ﷺ :﴾ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ﴿(٣). والأحاديث في هذا كثيرة جدا. واعلم أنه قد صنف جماعة من الحفاظ في دلائل النبوة مصنفات اشتملت على أنواع مما فيه الدلالة على نبوة نبينا ﷺ بعضه يحصل عنده العلم الضروري، فضلا عن كلها. فمن المصنفين في ذلك، الإمام أبو بكر بن عبد الله بن أبي الدنيا، والإمام أبو إسحاق الحربي، والإمام أبو جعفر الفريابي، والإمام أبو زرعة الرازي، والإمام أبو

стр. 463

القاسم الطبراني، والإمام أبو الشيخ الأصبهاني، والإمام أبو نعيم الأصبهاني، والإمام أبو بكر البيهقي والإمام أبو الفرج ابن الجوزي، والإمام أبو عبد الله المقدسي وغير هؤلاء. [٧ - عود إلى الإخبار بالغيبيات كدلائل على نبوته ﷺ ] ولو لم يكن من دلائل نبوته ﷺ إلا ما وقع من الإخبار بالأمور الغيبية التي وقعت كما أخبر به، ولم يتخلف شيء منها، وهي كثيرة جدا وقد اشتمل القرآن الكريم على شيء من ذلك كقوله :﴾ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿(١). فوقع صدق هذا الخبر، وأظهر الله- سبحانه- دين الإسلام على جميع الأديان. وكذا قوله:﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴿(٢). فوقع ما أخبر به القرآن بعد المدة التي ذكرها، وذلك معلوم لا يختلف فيه الناس. وكذا قوله -سبحانه- في شأن اليهود:﴾ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿(٣) وقد كان هذا كما أخبر به القرآن، فإنهم ما زالوا تحت الذلة والمسكنة في جميع أقطار الأرض، لم يجتمع لهم جيش، ولا انتصروا في موطن من المواطن، ولا ثبتت لهم دولة قط، بل كل طائفة منهم في جميع بقاع الدنيا مضطهدون

стр. 464

متمسكنون، يسلمون الجزية إلى غيرهم، ويذلون لمن جاورهم. وكذلك قوله -سبحانه-﴾ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴿(١). وقوله:﴾ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴿. (٢) وقد كان هذا، فإنه لم يعارض القرآن معارض، ولا جاء بمثله ولا بمثل بعضه أحد، لا من مسلم، ولا كافر، ولا من إنس، ولا جن [٣٠]، وقد نفى -سبحانه- أن يفعلوا ذلك كما قال:﴾ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴿(٣). فأخبر سبحانه، أنهم لن يفعلوا، ولم يقع ما يخالف هذا النفي المؤكد ألبتة. وقال -سبحانه-:﴾ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿(٤). وقال مخاطبا لليهود:﴾ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿(٥) وقد كان هذا، فإنه لم يسمع أن يهوديا تمنى الموت إلى هذه الغاية، فإن اليهود الموجودين على ظهر البسيطة إذا قال لهم قائل: تمنوا الموت لم يتمنوه أبدا، ولا يساعد على ذلك واحد منهم قط. وقال سبحانه:﴾ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿(٦).

стр. 465

ووقع هذا كما أخبر به -سبحانه- فدخلوا المسجد آمنين محلقين ومقصرين، كما وعدهم. وهكذا قوله:﴾ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴿(١) وقد دخل الناس في دين الله أفواجا. وما قبض ﷺ إلا بعد أن دخل جميع العرب في دين الله، ولم يبق أحد منهم على الكفر. ومن ذلك ما وقع من إخباره- سبحانه- عن أمور مستقبلة، وكانت كما أخبر به، وذلك كثير جدا، كإخباره عن بعض الكفار بأنه لا يؤمن، وأنه من أهل النار كأبي لهب، فإنه قال فيه:﴾ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿(٢) فمات على الكفر. وقال في الوليد:﴾ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴿(٣)، فمات على الكفر. وقد ثبت في الصحيحين (٤) وغيرهما (٥) من حديث حذيفة. أنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه. وناهيك هذا، فإن الأخبار بجميع الحوادث المستقبلة إلى قيام الساعة أمر عظيم. وقد كان حذيفة راوي هذا الحديث مرجعا للصحابة في معرفة أحوال الفتن، ومعرفة أهل

стр. 466

النفاق، وتمييز أهل الحق من أهل الباطل، لما حفظ في هذا المقام الذي قامه رسول الله ﷺ . ومن ذلك سؤال عمر بن الخطاب ﷺ له عن الفتن فقال: إن بينك وبينها بابا، فقال هل يفتح، أو يكسر؟ فقال: بل يكسر، فعرف عمر أنه الباب، وأنه يقتل. كما أخبر حذيفة من سأله عن ذلك هل علم عمر ذلك؟ فقال: نعم كما يعلم أن دون غد الليلة، فإني حدثته بحديث ليس بالأغاليط، وهذا ثابت في الصحيح (١). ومن ذلك ما ثبت في البخاري (٢) أنه ﷺ قال لعدي بن حاتم: "لئن طالت لك حياة لتفتحن كنوز كسرى، فقال عدي: كسرى بن هرمز؟! فقال ﷺ : كسرى بن هرمز". وقد كان هذا كما أخبر به ﷺ ففتح المسلمون مملكة كسرى بن هرمز، وأخذوا كنوزه، واستولوا على بلاده، وضربوا على رعيته الخراج والجزية. قال عدي: وكنت فيمن أتته كنوز كسرى ابن هرمز وقال له أيضًا كما في البخاري: "ولئن طالت" لك حياة لترين الظعينة، ترحل من الحيرة حتى تطوف الكعبة لا تخاف أحدا [٣١] إلا الله قال: قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين ذعار طيء الذين قد سعروا البلاد؟ ثم قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله". وفي صحيح مسلم (٣) من حديث نافع بن عتبة قال: حفظت من النبي ﷺ أربع كلمات، أعدهن في يدي: "تغزون جزيرة العرب، يفتحها الله، ثم تغزون فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله". وقد وقعت الثلاث الكلمات الأول. وستقع الرابعة إن شاء الله.

стр. 467

وفي الصحيحين (١) وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء لها أعناق الإبل ببصرى"، قلت: وقد خرجت هذه النار في الحجاز في بضع وخمسين وستمائة. وأضاءت لها أعناق الإبل ببصرى. وفي صحيح البخاري (٢) من حديث أبي بكرة عن النبي ﷺ أنه قال في الحسن بن علي- ﵁: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح به الله بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، قلت: وقد كان هذا، فإن الحسن أصلح بين طائفتين عظيمتين من المسلمين، وهما جيش العراق الذين كانوا معه، وجيش الشام الذين كانوا مع معاوية. وفي الصحيحين (٣) وغيرهما من حديث أبي سعيد، وأسماء أن رسول الله ﷺ قال في عمار بن ياسر: "تقتله الفئة الباغية"، قلت: وقد قتلته الفئة الباغية أهل الشام. وفي الصحيحين (٤) وغيرهما عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه: أن امرأة سألت رسول الله ﷺ شيئا، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: إن جئت فلم أجدك يا رسول الله، قال جبير بن مطعم: كأنها تعني الموت، قال: إن لم تجديني، فأتي أبا بكر. قلت: وقد كان ذلك، فإنه ولي أمر المسلمين أبا بكر ﵁ بعد موته ﷺ . وفي الصحيحين (٥) وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها". قلت: وقد كان ذلك ولله الحمد. وفي صحيح (٦) مسلم، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ أنه قال: " ستفتح مصر،

стр. 468

وهي أرض يسمى فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا". قلت: وقد فتحت ولله الحمد في أيام الصحابة. وفي صحيح مسلم (١) عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إذا فتحت عليكم فارس والروم، أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نكون كما أمرنا الله. قال رسول الله ﷺ : أو غير ذلك؟ تتنافسون ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون، ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين، فيحملون بعضهم على رقاب بعض". قلت: وقد كان هذا، فإنهم فتحوا فارس والروم، ثم وقع منهم ما ذكره ﷺ في آخر أيام عثمان ﵁ ثم عند قتله، ثم فيما بعد ذلك كما هو معلوم لكل عارف. وفي صحيح البخاري (٢) من حديث سليمان بن صرد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول حين أجلى الأحزاب عنه "الآن نغزوهم، ولا يغزونا". قلت: وقد كان ذلك، فإن كفار قريش لم يغزوا النبي ﷺ بعدها، ثم غزاهم غزوة الفتح. وثبت في الصحيحين (٣) وغيرهما من طرق أن النبي ﷺ قال لذي الخويصرة: "إنه يخرج من ضئضئ هذا أقوام. . يحقر أحدكم صلاته مع صلاته "، الحديث، على اختلاف ألفاظه. وقد خرج بعد ذلك الخوارج في خلافه علي ﵁ ثم ما زالت تخرج منهم على المسلمين طائفة بعد طائفة، ومنهم شرذمة باقية إلى الآن، يقال لهم الإباضية بأطراف الهند، لا يزالون يخرجون على المسلمين في برهم وبحرهم. وفي الصحيحين (٤) وغيرهما أن النبي ﷺ سارر فاطمة ابنته ﵂

стр. 469

[٣٢] في مرض موته أنه سيموت في ذلك المرض، ثم أخبرها أنها أول أهله لحوقا به. قلت: وقد مات ﷺ في ذلك المرض، وماتت فاطمة ﵂ بعده بستة أشهر. وفي الصحيحين (١) وغيرهما من حديث أنس: "أن أم حرام بنت ملحان طلبت من رسول الله ﷺ أن يدعو لها أن تكون ممن يركب البحر فدعا لها ". قلت: وقد ركبت البحر في زمن معاوية، فلما خرجت منه صرعت عن دابتها فماتت. وفي الصحيحين (٢) وغيرهما من حديث أبي هريرة: أنه قال رسول الله- ﷺ يوما: "أيكم بسط ثوبه، فيأخذ من حديثي فيجمعه إلى صدره، فإنه لن ينسى شيئا سمعه؟ فبسطت بردة علي حتى فرغ من حديثه ثم جمعتها إلى صدري فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا سمعته منه " قلت: وقد كان أبو هريرة ﵁ أحفظ الصحابة لما يرويه، وأتقنهم لما سمعه. وفي صحيح مسلم (٣) عن أسماء بنت أي بكر ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "سيكون في ثقيف كذاب ومبير" قلت: وقد كان ذلك، فالكذاب المختار بن أبي عبيد الثقفي، والمبير الحجاج بن يوسف. وفي الصحيحين (٤) وغيرهما عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه" قلت: وقد فتح الله خيبر على يدي من أعطاه تلك الراية وهو علي ﵁.

стр. 470

وفي الصحيحين (١) من حديث أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ حنينا فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: "هذا من أهل النار" فلما حضر القتال، قاتل الرجل قتالا شديدا، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الرجل الذي قلت له آنفا إنه من أهل النار، قاتل اليوم قتالا شديدا، وقد مات، فقال النبي ﷺ : إلى النار، فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينا هم على ذلك. إذ قيل فإنه لم يمت، ولكن به جرح شديد، فلما كان الليل لم يصبر على الجرح، فقتل نفسه، فأخبر بذلك النبي ﷺ فقال: الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله ". ولهذا الحديث (٢) ألفاظ هذا حاصلها. وفي رواية "أن بعض الصحابة ما زال يرصده بعد أن سمع من رسول الله ﷺ أنه من أهل النار حتى قتل نفسه ". وثبت في الصحيحين (٣) وغيرهما من حديث علي: "أن رسول الله ﷺ أمره وأمر الزبير بن العوام، وأبا مرثد الغنوي، أن ينطلقوا حتى يأتوا (روضة خاخ) فإن بها امرأة معها كتاب إلى مشركي قريش، فوجدوها ووجدوا ذلك الكتاب، من حاطب بن أبي بلتعة " قلت: والقصة مشهورة، وفيها اعتذار حاطب، ونزول قوله -سبحانه-:﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴿(٤) الآية. وفي الصحيحين (٥) وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ أخبر بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج إلى المصلى وكبر عليه أربع تكبيرات. قلت: وكان الأمر كذلك، فإنه جاء الخبر بموت النجاشي في ذلك اليوم الذي أخبرهم فيه

стр. 471

رسول الله ﷺ . وفي الصحيحين (١) من حديث حميد الساعدي، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فقال: "ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم فيها أحد منكم، فمن كان له بعير، فليشد عقله فهب ريح شديد، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيء". وفي صحيح البخاري (٢) أنه أرسل النبي ﷺ الجيش في غزوة مؤتة وأمر عليهم زيد بن حارثة، وقال: "إن قتل فجعفر، وإن قتل فعبد الله بن رواحة، فقتلوا". وأخبر النبي ﷺ في اليوم الذي قتلوا فيه [٣٣]. وفي صحيح البخاري (٣) أن النبي ﷺ "أخبر بقتل القراء في بئر معونة، لما أخبره جبريل أنهم قد لقوا ربهم، فرضي عنهم، وأرضاهم" قلت: وقد كان ذلك قرآنا يتلى، حتى نسخ لفظه. فهذه شعبة يسيرة، من إخباره ﷺ بالأمور الغيبية التي وقعت كما أخبر به، وقد اقتصرنا من ذلك على ما في الصحيحين، وفيهما غير ذلك مما يطول بسطه، ويتسع استيفاؤه. وأما ما كان في غير الصحيحين من كتب الحديث والسير، فلا يتسع لذلك إلا مؤلف بسيط. [من الآيات والدلائل على نبوته ﷺ :] ومن دلائل نبوته وبراهين رسالته، ما وقع له من الآيات البينات، والبراهين المعجزات، فمن ذلك: انشقاق القمر، وقد نطق بذلك الكتاب العزيز، قال الله :﴾ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴿(٤).

стр. 472

وفي الصحيحين (١) عن أنس " أن أهل مكة سألوا رسول الله- ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين". ومثله في الصحيحين (٢) أيضًا عن ابن مسعود. وفي الصحيحين (٣) أيضًا أن ابن مسعود قال "رأيت القمر منشقا شقين بمكة. قيل فخرج النبي- ﷺ شقة على جبل أبي قبيس، وشقة على السويداء (٤)، فقال كفار قريش [يا] أهل مكة، هذا سحركم ابن أبي كبشة (٥) ٠ انظروا السفار، فإن كانوا رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق، وإن لم يكونوا رأوا مثل ما رأيتم فهو سحر، قال فسئل السفار وقدموا من كل وجه، فقالوا رأينا". وفي صحيح البخاري (٦) عن ابن عباس أنه قال: " انشق القمر على زمان رسول الله ﷺ وفي صحيح مسلم (٧) عن ابن عمر في قوله تعالى:﴾ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴿قال: قد كان ذلك على عهد رسول الله- ﷺ انشق القمر فلقتين، فلقة

стр. 473

من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال رسول الله- ﷺ : " اللهم اشهد ". قلت: وقد روي في غير (١) الصحيحين من غير طريق هؤلاء المذكورين. ومن دلائل نبوته- ﷺ صعوده (٢) ليلة المعراج إلى ما فوق السماوات، وقد نطق بهذا الكتاب العزيز، وتواترت به الأحاديث تواترا لا يشك من له أدنى إلمام بعلم السنة، ولا ينكر ذلك إلا متزندق، وليس بيده إلا مجرد الاستبعاد، وليس ذلك مما تدفع به الأدلة، ويبطل به الضروريات وإلا لكان مجرد إنكار وقوع الشيء المبرهن على وقوعه كافيا في دفعه، وذلك خلاف العقل والنقل. وقد رفع الله- سبحانه- إلى السماء إدريس- ﵇. وثبت في السفر الثاني من أسفار الملوك في التوراة، أن إيليا رفع إلى السماء، وبعض تلامذته ينظر إليه. وشاع ذلك، ولم يخالف فيه أحد من اليهود، وهذا إيليا هو المسمى في القرآن إلياس. وهكذا ثبت في الأناجيل كلها أن الله - سبحانه- رفع عيسى- ﵇ بعد الصلب في زعمهم كما هو محرر هنالك، ولا يخالف في ذلك أحد من النصارى. وقد نطق القرآن (٣) الكريم بأنه رفعه إليه، ولم يصلب. وإلى ذلك ذهب بعض طوائف النصارى. والحاصل أن رفعه إلى السماء متفق عليه بين جميع المسلمين، وجميع النصارى، ولم يقع الخلاف بينهم إلا في كونه رفع قبل الصلب، أو بعده. ومن دلائل نبوته- ﷺ ما في الصحيحين (٤) وغيرهما: أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة- والنبي- ﷺ قائم يخطب- فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال،

стр. 474

وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، [٣٤] فرفع رسول الله- ﷺ يده ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا". قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب، وإن السماء لمثل الزجاجة، فوالذي نفسي بيده ما وضع يديه، حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة -ورسول الله ﷺ قائم يخطب- فقال يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، فرفع رسول الله- ﷺ يده ثم قال: "اللهم حوالينا لا علينا، اللهم على الآكام، والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر". فما يشير بيده إلى ناحية إلا تفرجت حتى رأيت المدينة في مثل الجوبة، وسال (وادي قناة) شهرا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا أخبر بجود. ومن دلائل نبوته- ﷺ ما تبت في البخاري (١) وغيره في قصة أبي رافع اليهودي، وأن عبد الله بن عتيك لما فرغ من قتله، انكسرت ساقه، فوصل إلى النبي ﷺ فقال: ابسط رجلك فمسحها. قال: وكأنما لم أشكها قط، والقصة مبسوطة في كتب الحديث والسير. ومن دلائل نبوته- ﷺ ما في البخاري (٢) وغيره (٣): " أنها أصابت سلمة بن الأكوع يوم خيبر ضربة في ساقه، فنفث فيها رسول الله- ﷺ ثلاث نفثات قال: فما اشتكيت منها حتى الساعة". ومن دلائل نبوته- ﷺ ما ثبت في الصحيحين (٤) وغيرهما (٥) من حديث جابر قال:

стр. 475

"كان رسول الله- ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع من جذوع النخل، فلما صنع المنبر وقام عليه، سمعوا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها، فسكنت". ولهذا الحديث طرق، وألفاظ ثابتة في الصحيحين وغيرهما. ومن دلائل نبوته- ﷺ تكليم الشجر له. ومن ذلك ما في الصحيحين (١) وغيرهما عن معن بن عبد الرحمن قال: " سمعت أبي يقول: سألت مسروقا: من آذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ قال: حدثني أبوك، يعني عبد الله بن مسعود أنه قال: آذنته (٢) بهم شجرة". ومن دلائل نبوته- ﷺ ما في الصحيحين (٣) وغيرهما عن أنس "أن النبي- ﷺ دعا بماء، فأتى بقدح رحراح (٤)، فجعل القوم يتوضئون". وفي لفظ (٥): "فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح فيه ماء يسير"، وفي لفظ (٦) لهما: "فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه- ﷺ "، وفي لفظ لهما: "فتوضأ الناس وشربوا"، وفي لفظ البخاري (٧): " فشربنا، وتوضأنا، قلت كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة ". وفي لفظ للبخاري (٨) أيضا: " كنا ألفا وأربعمائة أو أكثر من ذلك" وكذا لفظ مسلم (٩)، وللحديث طرق وألفاظ في

стр. 476

الصحيحين وغيرهما حاصلها أنهم شربوا وتوضئوا، وهم هذا العدد. ومن ذلك ما في الصحيحين (١) وغيرهما من حديث المرأة التي وجدوها ومعها مزادتان من ماء، فانطلقوا بها إلى رسول الله- ﷺ فشربوا منها وهم أربعون، قد أصابهم الجهد من العطش، وملأ كل واحد منهم قربته، ولم يظهر في المزادتين نقص، فلما رجعت المرأة إلى قومها، قالت: لقد لقيت أسحر الناس. أو أنه بي كما زعم، كان من أمره (ذيت (٢)، وذيت) فهدى الله- ذلك القوم بتلك المرأة فأسلمت وأسلموا. ومن دلائل نبوته- ﷺ ما في الصحيحين (٣) وغيرهما من حديث جابر: "أن شاته التي ذبحها لرسول الله- ﷺ مع صاع من شعير أكل منها من كان يحفر الخندق مع رسول اله- ﷺ وهم ألف، وذلك لأن رسول الله بصق في البرمة، وبصق في العجين، وبارك في ذلك. قال جابر: فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه، وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو". ومن هذا في الصحيحين (٤) وغيرهما من حديث أنس [٣٥] في قصة أبي طلحة وامرأته أم سليم أنها أخرجت أقراصا من شعير، وعصرت عليه عكة لها، فقال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال ائذن لعشرة، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم كذلك حتى أكل القوم كلهم، وهم سبعون رجلا، أو ثمانون رجلا، ثم أكل رسول الله- ﷺ وأبو طلحة وأم سليم وأنس قال: وفضل فضلة فأهديناها لجيراننا".

стр. 477

ومن ذلك ما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة (١)، وأبي سعيد، وسلمة بن الأكوع قالوا: "كنا في مسير لنا مع رسول الله ﷺ فنفدت أزواد القوم، حتى هموا بنحر بعض حمائلهم، فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم، فدعوت الله عليها! قال: ففعل، فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره، وذو النوى بنواه، فدعا رسول الله ﷺ عليها ثم قال: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في المعسكر وعاء إلا ملئوه، فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال عند ذلك رسول الله ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة". وفي صحيح مسلم (٢) من حديث سلمة في غزوة خيبر قال: "أمرنا أن نجمع ما في أزوادنا (يعني من التمر) فبسط نطعا فنثرنا عليه أزوادنا، قال: فتطاولت، فنظرت فحرزته كربضة شاة، ونحن أربع عشرة مائة، فأكلنا، ثم تطاولت فحرزته كربضة الشاة". وفي البخاري (٣)، قال: " فتطاولت لأحزره كم هو، فحرزته كربضة المعز، ونحن أربع عشرة مائة، فأكلنا حتى شبعنا جميعا، ثم حشونا جريبنا". ومن ذلك ما في صحيح مسلم (٤) من حديت جابر، قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه، وامرأته وضيفهما، حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فقال: لو لم تكله لأكلتم منه، ولقام لكم".

стр. 478

وفي صحيح مسلم (١) أيضًا من حديث جابر "أن أم مالك كانت تهدي للنبي ﷺ في (عكة) لها سمنا، فيأتي بنوها، فيسألون الأدم، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي ﷺ فتجد فيها سمنا، فما زال يقيم لها أدم بنيها حتى عصرته، فأتت النبي ﷺ فقال: عصرتيها؟ قالت: نعم. قال: لو تركتيها ما زال قائما ". ومن ذلك ما في الصحيحين (٢) وغيرهما من حديث أنس قال: "تزوج النبي ﷺ زينب، فدخل بأهله، قال: فصنعت أمي أم سليم حيسا فجعلته في تور من حجارة، فقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : اذهب فادع فلانا، وفلانا، وفلانا، ومن لقيت، وسمى رجالا، قال: فدعوت من سمى، ومن لقيت، قال الجعد، وهو الراوي عن أنس عددكم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، قال: فقال لي رسول الله ﷺ : يا أنس، هات (التور) قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة، فقال رسول الله ﷺ ليتحلق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، قال فخرجت طائفة، ودخلت طائفة، حتى أكلوا كلهم، يا أنس: ارفع فرفعت. فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت" الحديث. ومن ذلك ما في البخاري (٣) من حديث أبي هريرة "أنه أهدي إلى النبي ﷺ قدح لبن، فدعا أصحاب الصفة، فشرب كل واحد منهم منه حتى روي، ثم شرب أبو هريرة حتى روي، ثم شرب النبي ﷺ ".

стр. 479

ومن ذلك ما في الصحيحين (١) من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، قال: "كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة، فأشترى النبي ﷺ شاة وذبحها لهم، وأمر بسوار البطن أن يشوي. قال: وأيم الله ما في الثلاثين والمائة إلا من قد حز له النبي ﷺ حزة من سوار بطنها، إن كان شاهدا أعطاه، وإن كان غائبا خبأ له، فجعل منها قصعة، وأكلوا [٣٦] أجمعون، فشبعنا "وذكر أنهم حملوا الفضلة على البعير. ومن دلائل نبوته ﷺ ما في صحيح البخاري (٢) من حديث جابر، أن والده استشهد وترك دينا، وترك ست بنات، فلما حضر جداد النخل، قال أتيت النبي ﷺ فقلت: قد علمت أن والدي قد استشهد يوم أحد، وترك دينا كثيرا، وإني أحب أن يراك الغرماء، قال: اذهب فبيدر كل ثمر عدى ناحية، ففعلت، ثم دعوته ﷺ فلما نظروا إليه، كأنهم أغروا بي تلك الساعة. فلما رأى ما يصنعون، أطاف حول أعظمها بيدرا ثلاث مرات، ثم جلس عليه، ثم قال: ادع لي أصحابك، فما زال يكيل لهم حتى أدى إليهم عن والدي أمانته، وأنا أرضى أن يؤدي إليهم عن والدي أمانته، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلم الله البيادر كلها حتى إني لأنظر إلى البيدر الذي كان عليه النبي ﷺ كأنها لم تنقص تمرة واحدة. وفي رواية (٣) أن جابر قد كان عرض على أهل الدين أن يأخذوا التمر كله فأبوا. ومن دلائل نبوته ﷺ ما في الصحيحين (٤) وغيرهما عن جابر بن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لا

стр. 480

أعرفه الآن". وفي الصحيحين (١) وغيرهما من حديث أنس قال: صعد النبي ﷺ أحدا ومعه أبو بكر وعمر عثمان، فرجف بهم الجبل، فقال: "اسكن وضربه برجله، فليس عليك إلا نبى، وصديق، وشهيدان ". وفي صحيح مسلم (٢) من حديث سلمة بن الأكوع: أن النبي ﷺ في غزوة حنين قبض قبضة من الأرض، واستقبل به وجوههم فقال: شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله. وفي صحيح مسلم (٣) أيضًا من حديث العباس بن عبد المطلب أن رسول الله ﷺ أخذ حصيات فرمى بها وجوه الكفار، ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة". ومن دلائل نبوته ﷺ ما نطق به القرآن الكريم من تأييد الله -سبحانه- له بالملائكة، كقوله:﴾ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿(٤)، وقوله:﴾ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴿(٥)، وقوله:﴾ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴿(٦)، وقوله﴾ وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا (٧). ونحو ذلك من الآيات. وقد شوهدت الملائكة

стр. 481

في بعض حروبه _ ﷺ _. ففي الصحيحين (١) عن ابن عباس قال: "بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة سوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا، فنظر إليه، فإذا قد حطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فأحضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري، فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة"، وذلك يوم بدر. وفي الصحيحين (٢) وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال رأيت يوم أحد عن يمين النبي ﷺ وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عن رسول الله ﷺ أشد القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم، ولا بعده، يعني جبريل وميكائيل ﵉. وفي البخاري (٣) عن أنس قال: "كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل- ﵇ حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة [٣٧]. ومن دلائل نبوته ﷺ ما في الصحيحين (٤) وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: "قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قيل نعم؟ قال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، فما جاءهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له ما لك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار، وهولا، وأجنحة".

стр. 482

وفي الصحيحين (١) وغيرهما من حديث البراء بن عازب وقصة هجرته ﷺ عن أبي بكر قال: "واتبعنا سراقة بن مالك بن جعشم، ونحن في جدد من الأرض، فقلت: يا رسول الله، آتينا، فقال: لا تحزن إن الله معنا، فدعا عليه رسول الله ﷺ فارتطمت فرسه إلى بطنها فقال: "علمت أنكما دعوتما علي، فادعوا لي، ولكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا الله فنجا" الحديث. وفي الصحيحين (٢) وغيرهما من حديث سراقة نفسه قال: "ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان" الحديث. ومن دلائل نبوته ﷺ ما في الصحيحين (٣)، وغيرهما عن جابر قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزاة قبل نجد، فأدركنا رسول الله ﷺ في القائلة في واد كثير العضاة، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر. فقال رسول الله ﷺ : " إن رجلا أتاني، وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، والسيف صلتا في يده، فقال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، فشام السيف (٤) فها هو ذا جالس، ثم لم يعرض لرسول الله ﷺ وكان ملك قومه، فانصرف حين عفا عنه، فقال: لا أكون في قوم هم حرب لك".

стр. 483

وفي الصحيحين (١) وغيرهما عن أنس قال: كان رجل نصراني فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي _ ﷺ فعاد نصرانيا، فكان يقول: ما يدري محمد، إلا ما كتبت له، فقال رسول الله: اللهم اجعله آية، فأماته الله، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذه فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم، نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له، وأعمقوا ما استطاعوا، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فقالوا: مثل الأول، فحفروا له، فأعمقوا، فلفظته الثالثة، فعلموا أنه ليس من فعل الناس فتركوه منبوذا". وفي الصحيحين (٢) وغيرهما عن ابن مسعود قال: قال النبي ﷺ : " اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعقبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط " قال ابن مسعود: فوالذي بعث محمدا بالحق، لقد رأيت الذي سمى صرعى يوم بدر سحبوا إلى القليب، قليب بدر، وكان هذا الدعاء منه ﷺ عليهم لما وضعوا عليه ﷺ سلا الجزور. ومن إجابة دعائه ﷺ ما ثبت في الصحيحين (٣) وغيرهما أنه ﷺ دعا لأنس بن مالك فقال: " اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته " فكان من أكثر الأنصار مالا وولدا، حتى روي عنه أنه دفن لصلبه إلى عند مقدم الحجاج بن يوسف بضعا وعشرين ومائة. وفي الصحيحين (٤) وغيرهما أنه ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف: " بارك الله لك، أولم ولو بشاة " فبلغ مال عبد الرحمن مبلغا عظيما، قال الزهري: إنه تصدق بأربع مائة ألف دينار، وحمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، خمسمائة بعير في سبيل الله، وكان عامة ماله في التجارة.

стр. 484

وفي الصحيحين (١) وغيرهما أنه ﷺ دعا لابن عباس فقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل"، فكان له من العلم والدراية بالتفسير [٣٨] ما هو معلوم عند كل عارف، حتى كانوا يسمونه البحر. وفي صحيح البخاري (٢) أن عبد الله بن هشام كان يخرج إلى السوق فيتلقاه ابن الزبير، وابن عمر فيقولان: أشركنا، فإن رسول الله ﷺ قد دعا لك بالبركة فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي، فيبعث بها إلى المنزل. وفي صحيح مسلم (٣) من حديث سلمة: "أن رجلا، أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال له: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر قال: فما رفعها إلى فيه". واعلم -أرشدني الله وإياك- أن دلائل نبوة نبينا محمد ﷺ لا يحيط بها القلم، وإن طال شوطه، وقد صنف أهل العلم في ذلك مؤلفات مبسوطة مطولة كما عرفناك سابقا، وأرشدناك إلى مصنفات بعض المصنفين في هذا الشأن، ولم نذكرها هنا إلا نزرا يسيرا، وقدرا حقيرا مما في الصحيحين أو أحدهما، وقد بقي فيها غير ما ذكرنا كمالا يخفى على العارف بها، ولو ذكرنا جميع ما فيها وما في بقية الأمهات الست، وما في سائر كتب الحديث والسير لجاء من ذلك كتابا مطولا، ومؤلفا حافلا. ولكن لما كان الغرض هاهنا هو التنبيه على اتفاق جميع الشرائع على إثبات الثلاثة المقاصد التي جمعنا هذا المختصر لها كان فيما ذكرنا ما يفيد ذلك، ولو كتبنا هاهنا الآيات القرآنية الدالة على كل مقصد من هذه المقاصد لأتينا على غالب الآيات القرآنية، وعلى كثير من الأحاديث الصحيحة.

стр. 485

ثم اعلم ثانيا أن دلائل نبوة سائر الأنبياء قد اشتمل على كثير منها القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وكذلك التوراة والزبور، وسائر كتب أنبياء بني إسرائيل، والإنجيل، وإنما اقتصرنا على ذكر بعض دلائل نبوة نبينا ﷺ لأن ثبوته بهذه الدلائل وأمثالها تستلزم ثبوت نبوة جميع الأنبياء- ﵈ لأنه ﷺ قد أخبرنا بأنهم أنبياء الله -سبحانه- كما اشتمل على ذلك القرآن الكريم، والسنة المطهرة. فثبوت نبوته يستلزم ثبوت نبوة سائر الأنبياء. ووجه ذلك أن ثبوت نبوته يستلزم ثبوت جميع ما أخبر به وصحته. ومما أخبر به ثبوت نبوة جميع الأنبياء، فكان في ذكر دلائل نبوته ما يغني عن ذكر دلائل نبوة سائر الأنبياء، ولهذا اقتصرنا على ذلك. وبمجموع ما ذكرناه تقرر اتفاق الشرائع جميعها على إثبات تلك المقاصد الثلاثة وهو المطلوب. والحمد لله أولا وآخرا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه. كان الفراغ من تحرير هذا المختصر يوم الأربعاء ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر من شهور سنة إحدى وثلاثين بعد المائتين والألف. بقلم مؤلفه المفتقر إلى رحمة الله ومغفرته ورضوانه محمد بن علي الشوكاني- غفر الله لهما-.

стр. 486

المقالة الفاخرة في اتفاق الشرائع على إثبات الدار الآخرة تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة: المقالة الفاخرة في اتفاق الشرائع على إثبات الدار الآخرة. ٢ - موضوع الرسالة: (الإيمان باليوم الآخر). ٣ - أول الرسالة بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. إياك نعبد وإياك نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمن، وآله الطاهرين. وبعد: يقول الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما أنه وقف على ما قاله ابن أبي الحديد شارح " فج البلاغة " ولفظه ... ٤ - أخر الرسالة: . وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. حرره مؤلفه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في بعض نهار يوم السبت لعله الثاني عشر من شهر ربيع الآخر سنة (١٢٢٤ هـ) حامدا لله، ومسلما ومسلما على رسوله واله. ٥ - الناسخ: المؤلف ﵀. محمد بن علي الشوكاني. ٦ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٧ - عدد الصفحات: ١٣ صفحة + صفحة العنوان. ٨ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٥ - ٢٧ سطرا. ٩ - عدد الكلمات في السطر: ١١ - ١٣ كملة. . في هامش الصفحة الأخيرة قول الإمام الشوكاني ﵀: ((الحمد لله قد تعقبت هذه الرسالة رسالة مطولة سميتها: " إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات " وهي في المجلد الرابع من الفتاوى)) اهـ. قلت: وهذا يؤكد لنا أن المجلد الرابع من " الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني " هو المجلد المتضمن الرسالة المشار إليها وهي " إرشاد الثقات " ولله الحمد والمنة.

стр. 487

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، إياك نعبد وإياك نستعين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمن، واله الطاهرين. وبعد: فيقول الحقير محمد بن علي الشوكاني- غفر الله لهما- أنه وقف على ما قاله ابن أبي الحديد (١) شارح نهج (٢) البلاغة، ولفظه: إن كل ما في التوراة من الوعد والوعيد فهو منافع الدنيا ومضارها، أما منافعها فمثل أن يقول: إن أطعتم باركت فيكم وكثرت من أولادكم، وأوسعت أرزاقكم، واستبقيت اتصال نسلكم، ونصرتكم على أعدائكم، فإن عصيتم وخالفتم اخترمتكم، ونقصت من إخائكم، وشتت كلكم، ورميتكم بالجوع والمخافة، وأقللت أولادكم، وأشمت بكم أعداءكم، ونصرت عليكم خصومكم، وشردتكم في البلاد، وابتليتكم بالمرض والذل، ونحو ذلك، ولم يأت في التوراة وعد ووعيد بأمر يتعلق. مما بعد الموت. وأما المسيح فإنه صرح بالقيامة، وبعث الأبدان، ولكن جعل العقاب روحانيا، وكذلك الثواب ... فأما العقاب فبالوحشة والفزع وتخيل الظلمة، وخبث الأنفس وكدرها، وخوف شديد. وأما الثواب فما زاد على أن قال أنهم يكونون كالملائكة، وربما قال يصعدون إلى ملكوت السماء، وربما قال أصحابه وعلماء ملته: الصفاء واللذة، والسرور والأمر من زوال اللذة الحاصلة لهم هذا هو قول المحققين منهم. وقد أثبت بعضهم نارا خفيفة، لأن لفظة النار وردت في الإنجيل، فقال محققوهم نارا قلبية- أي نفسية روحانية. وقال الآخرون نارا كهذه النار ومنهم من أثبت عقابا غير النار، وهو بدني فقال: الرعدة وصرير (٣) الأسنان. وأما الجنة يعني .................................................

стр. 488

الأكل (١) والشرب والجماع (٢)، فإنه لم يقل به منهم قائل أصلا، لأن الإنجيل صرح بانتفاء (٣) ذلك في القيامة تصريحا لا يبقى بعده ريب لمرتاب. وخاتم الأنبياء- ﵌ أثبت المعاد على وجه محقق كامل أكمل مما ذكره الأولون، فقال: " إن البدن والأنفس معا مبعوثان، ومحل منهما حظ في الثواب والعقاب " (٤). ثم نقل بعد هذا كلام ابن سيناء (٥) وحاصله: إن الشريعة المحمدية أثبتت المحاد الروحاني والجسماني، والنعيم لهما والعقاب، وأنكر على النصارى حيت أثبتوا بعث الأبدان وخلوها عن المطعم والملبس والمشرب والمنكح. واعلم أن أصل هذه المقالة الملعونة، والرواية عن التوراة والإنجيل المكذوبة مقالات

стр. 489

قالها جماعة من متزندقة اليهود والنصارى، كابن ميمون (١) اليهودي الأندلسي وأضرابه. قال في تاريخ النصراني في ترجمة ابن ميمون المذكور [١] أنه صنف رسالة في إبطال المعاد الجسماني، وأنكر عليه مقدمو اليهود فأخفاها إلا عمن يرى رأيه. قال: ورأيت جماعة من يهود بلاد الإفرنج بأنطاكية وطرابلس يلعنونه، ويسمونه كافرا ... انتهى. فهذه رواية نصراني عن طائفة من اليهود أكم كفروا ابن ميمون، ولعنوه بسبب هذه المقالة. وقد وقع من هذا الملعون التحريف لما قي التوراة كما سيأتيك بيانه. وها نحن نملي عليك ما في التوراة، ثم ما ني الزبور، ثم ما في الإنجيل، حتى تعلم أن الأمر على خلاف ما قاله زنادقة الملة اليهودية، والملة النصرانية، وتلفى ذلك عنهم زنادقة الملة الإسلامية استرواجا منهم لما يتضمن من القدح في شرائع الله- سبحانه-. أما التوراة فصرح الله (٢) - سبحانه- باسم الجنة في أول التوراة عند الكلام على ابتداء خلق العالم ولفظه: فغرس الله جنانا في عيذا شرقيا وأبقا، ثم ادم الذي خلق، وأنبت الله ثم كل شجرة وحسنة، فنظرها وطيب مأكلها، وشجرة الحياة في وسط الجنان، وشجرة معرفة الخير والشر، وكان فر يخرج من عيذا ليسقي الجنان، ومن ثم يتفرق ويصير أربعة رؤس، اسم أحدها النيل، وهو المحيط بجميع بلد زويلة الذي ثم الذهب، وذهب ذلك البلد جيد، ثم اللؤلوء وحجارة البنور واسم النهر الثاني جيحون، وهو المحيط بجميع بلد الحبشة، واسم النهر الثالث الدجلة وهو السائر في شرقي الموصل، والنهر الرابع هو الفرات ... انتهى. فهذه هي الجنة التي ورد ذكرها في القران الكريم، وصح عن النبي - صلى الله عليه واله وسلم- أن هذه الأربعة صحيحه رقم (٣٢٠٧). ومسلم ي صحيحه رقم (١٦٤/ ٢٦٤) وأحمد (٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨) وأبو عوانة (١/ ١٢٠ - ١٢٤) من طرق عن قتادة عن أنس بن مالك بن صعصعة مرفوعًا بحديث الإسراء بطوله: " وحدث نبي الله ﷺ أنه رأى أربعة أنهار، يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الباطنان فنهران قي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات ". (٣) الأنهار خارجة منها كما في دواوين الإسلام وغيرها.

стр. 490

وقد اعترف هذا رأس زنادقة اليهود، وهو موسى بن ميمون القرطبي الأندلسي المتقدم ذكره في تأليفه المسمى: " المسمى في الفقه (١) "، فقال: إن هذا الموضع الذي هو جن عيذا هو موضع خصيب من كرة الأرض، كثير المياه، والأثمار، وسيكشفه الله للناس في المستقبل، فيتنعمون به. ولعل يوجد فيه نبات غريب جدا، عظيم النفع [٢]، كثير اللذة، غير هذه المشهورة عندنا، وهذا كله غير ممتنع ولا بعيد، بل قريب الإمكان. بمشيئة الله تعالى. ثم اعترف بذلك اعترافا آخر فقال في كتاب اللغات (٢) في حرف العن: إن معنى هذا الاسم الذي هو عيذا: هو التلذذ والتنعم، ومنه حميت لذات الآخرة، ونعيم أنفس الصالحين الكاملين جن عيذا. ثم قال في هذا الكتاب في تفسير جن عيذا: أي أن تلك هي جنات النعيم، وفردوس السعادة وقد شرحوا معنى جن عيذا وماهية التلذذ فيها، وحال من وصل إليها واستقر في ظل غروسها، وشرب عذوبة أنهارها، وأكل من لذيذ أثمارها. قالوا: والصالحون باقون فيها ليستلذوا من نور الله. وقال النبي يشيعا في حقيقة ذلك التلذذ قال: لا عين تقدر تراه إلا علم الله تعالى ... انتهى كلام ابن ميمون في ذلك الكتاب وقد اقتصرنا على نقل كلام هذا الملعون ابن ميمون في شأن الجنة، لأنه هو الذي قال بتلك المقالة التي اقتدى به فيها مثل ابن سينا ومن بعده ولكن انظر ما الفرق بين كلامه وبن كلام ابن أبي الحديد من أهل الإسلام، وتصريحه في كلامه الذي نقلناه عنه سابقا بأنه لم يأت في التوراة وعد وعيد يتعلق. مما بعد الموت، وإن كل ما في التوراة من

стр. 491

ذلك إنما هو منافع الدنيا ومضارها. ثم قال في كلامه السابق: وأما الجنة يعني (١) الأكل والشرب والجماع، فإنه لم يقل به قائل منهم أصلا، لتعلم أنه قد جازف في هذا النقل غاية المجازفة، وافترى الكذب أو قلد من افتراه. وأما ما زعمه من تصريح الإنجيل بنفي ذلك فسيأتيك- إن شاء الله- عن الإنجيل ما تعلم به أن ما حكاه عنه كذب صراح. وإذا تقرر لك تصريح التوراة باسم الجنة وصفتها فهي أيضًا قد صرحت باسم النار، ولفظ التوراة شول واش. قال علماء اليهود: ومعنى اللفظين جهنم. وفي موضع آخر مع التوراة: وإن الله خلق خلقا، وتفتح الأرض فاها فينزلون إلى الثرى، هؤلاء القوم الذين عصوا الله. وقال: أحجب رحمتي عنهم، واريهم ما عاقبتهم، وكما أنهم كادوني بغير إله، وأغضبوني بغروراتهم، كذلك إني أكيدهم، لأن النار تنقدح من غصبي، وتتوقد إلى أسفال الثرى فتأكل الأرض ونباتها، حتى تستطلع أساسات الجبال، كذلك أزيد عليهم شرورا وسهامي [٣] أفرقها فيهم. وقال النبي يشعيا (٢): مزكي الظالم لأجل الرشا، وزكية الزكي يزيلوها عنه، لذلك

стр. 492

كما يأكل القش لسان النار، والهشيم ما تجليه اللهيب عناصرهم يكون كالدف، وفروعهم تصعد كالغبار إن زهدوا في توراة رب الجيوش. وقول قدوس العالم: رفضوا به أن الهاوية موعودة من أمس، وهي أيضًا أصلحت للملوك، عمقها فأوسعها نارا وحطبا كثيرا، وأمر الله كواد من كبريت متشعل فيها. وقال: ويخرجون وينظرون إلى أجسام القوم الذين كفروا بي، إن دودهم لا تموت، ونارهم لا تطفى، فيصيرون عبرة لباقي البشرين. وفي هذا المقدار من التوراة ما يغنيك عن غيره، وفيها غير هذا كثير، فمن ذلك كما في الفصل الثامن عشر من السفر الثالث من التوراة ولفظه: احفظوا رسومي وأحكامي، فإن جزاء من عمل جما أن يحيا الحياة الدائمة ... انتهى. ولا حياة دائمة قي الدنيا بل في الآخرة. وفي الفصل الخامس من وصايا سليمان- ﵇ ما لفظه: لأن أرجل الغباوة تحذر الذي يستعملونها، وتخطفهم بعد الموت إلى الجحيم انتهى. وفي الفصل السادس والعشرين من نبوة أشعيا ما لفظه: تقوم الموات، ويستيقظ الذين في القبور. انتهى. وفي الفصل الثاني عشر من نبوة دانيال ما لفظه: وكثير من الهاجعين في تراب الأرض يستيقظون هؤلاء لحياة أبدية، وهؤلاء لتعبير وخزي أبدي. انتهى. وأما في الزبور فنصوص كثيرة. فمنها في التصريح بذكر النار في المزمور الثامن والأربعين من الزبور ما لفظه اجعلوا في الجحيم مثل الغنم والموت يرعاهم، ويسود عليهم المستقيمون بالغداة، ومعونتهم تتلى في الجحيم، ومن مجدهم أقصوا، بل إن الله ينقذ نفسي من يد الجحيم إذا أخذني. انتهى. وفي المزمور الرابع والخمسين من الزبور ما لفظه: ليأت الموت عليهم، وينحدروا إلى الجحيم ... انتهى. وفي المزمور الحادي والثمانين من الزبور ما لفظه: قام قي مجمع الآلهة بجكم إلى متى يقضون

стр. 493

ظلما، ويأخذون بوجوه الخطاة احكموا لليتيم والفقير، خلصوه من يد الخاطيء، لم يعلموا ولم يفهموا، لأنهم في الظلمة يسلكون. وفي الإنجيل ذكر الجنة والنار في مواضع كثيرة، ففي الفصل التاسع من الإصحاح الأول من الإنجيل الذي جمعه القديس متى (١) ما لفظه: ومن قال يا أحمق وجبت عليه نار جهنم، فإن قدمت قربانا على المذبح، وذكرت هناك أن أخاك واجد عليك شيئا فدع قربانك هناك أمام المذبح، وامض أولا فصاع أخاك، وحينئذ ائت وقدم قربانك. كن متفقا مع خصمك سريعا ما دمت معه في الطريق، لئلا يسلمك الخصم إلى الحاكم، والحاكم يسلمك إلى المستخرج، وتلقى في السجن. الحق أقول لك: إنك لا تخرج [٤] من هناك حتى تؤدي آخر فلس عليك، قد جمعتم أنه قيل للأولين: لا تزن وأنا أقول لكم إن كل من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى ها في علبه، وإن شككتك عينك اليمين فاقلعها وألقها عنك فهو خير لك أن تهلك أحد أعضائك، ولا يلقى جسدك كله في جهنم، وإن شككتك يدك اليمين فاقطعها وألقها عنك بم فإنه خير لك أن هلك أحد أعضائك ولا يلقى جساك كله في جهنم ... انتهى. وفي الفصل الثامن والعشرين منه ما لفظه: ولا تخافوا ممن يقبلون الجسد، ولا يستطيعون أن يقبلوا الروح، لكن خافوا بالحرى ممن يقدر أن يهلك النفس والجسد في جهنم .... . انتهى. وفي الفصل التاسع والثلاثين منه (٢) ما لفظه: هكذا يكون في منتهى هذا الدهر يرسل ملائكته، ويجمعون من مملكته كل الشكوك، وفاعلي الإثم، فيلقونهم في أتون النار، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. ومثل هذا في الفصل الأربعين منه. فانظر كيف صرح هاهنا بحشر الأجساد فقال: ولا يلقى جسدك كله في جهنم. ثم

стр. 494

صرح بجمع الملائكة لها، وإلقائها في النار، فإن هذا لا يكون إلا للأجساد، وهكذا البكاء وصرير الأسنان لا يكون إلا من جسم. وفي الفصل الخامس والخمسين منه صرح بذكر دخول النار المؤبدة، ويذكر دخول جهنم. وفي الفصل الثالث والسبعين منه ما لفظه: فإن الزنادقة الذين بقولون ليست قيامة ... انتهى. فانظر إلى هذا النص الصريح بالقيامة، وإلى التصريح بأن الذين يقولون لا قيامة هم الزنادقة، وكفى بهذا دافعا قي وجه من زعم أن إثبات القيامة إنما جاءت به شريعة الإسلام، ولم يكن مذكورا في الشرائع المتقدمة عليها فيقال له: بل الشرائع كلها متفقة على إثبات القيامة، ولكنه أنكر ذلك زنادقة في الشريعة السابقة كما أنكره زنادقة في هذه الشريعة المحمدية. وفي الفصل الثالث والثمانون منه ما لفظه: إن الرب يقول لأهل الميسرة يوم القيامة: اذهبوا يا ملاعين إلى النار المؤبدة المعدة لإبليس وملائكته. انتهى. وفي هذا [٥] التصريح ما لا يحتاج معه إلى زيادة. وإلى هنا انتهى النقل من الإنجيل للمسيح- ﵇ الذي جمعه متى .. وفي إنجيل المسيح- ﵇ الذي جمعه القديس مرقص في الفصل الثلاثين منه ما لفظه: وإن شككتك يدك فاقطعها فخير لك أن تدخل إلى الحياة، أعسم (١) من أد تكون بيدين وتذهب إلى جهنم، إلى النار التي لا تطفئ، حيث دودهم لا تموت، ونارهم لا تطفئ. وكرر هذا اللفظ في هذا الفصل.

стр. 495

وفي الفصل الحادي عشر من الإنجيل للمسيح- ﵇ الذي كتبه يوحنا (١) ما لفظه: أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن. ممن أرسلني فله الحياة المؤبدة، وليس يحضر إلى الدينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة. وفي هذا الفصل أيضًا ما لفظه: فلا تعجبون من هذا، فإنه ستأتي ساعة يسمع فيها جميع من في القبور صوته، فيخرج الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة ... انتهى. وفي الفصل الخامس عشر منه (٢) ما لفظه: اعملوا لا للطعام البائد، بل للطعام الباقي للحياة المؤبدة. انتهى. وفي هذا التصريح بالطعام في الحياة المؤبدة ما يتبين لك به بطلان ما قاله ابن أبي الحديد في كلامه الذي حكيناه سابقا أن الإنجيل صرح بانتفاء ذلك، يعني الأكل والشرب تصريحا لا يبقى بعده ريب لمرتاب. وليت شعري أين وجد هذا التصريح؟ ومن رواه له؟ فقد كررنا مطالعة الأناجيل الأربعة فلم نجد من ذلك شيئا قط، بل وجدنا ما يخالفه كما جمعت فهو كذب على الإنجيل ليس في ريب لمرتاب. وفي الفصل السادس عشر منه ما لفظه: يكون له الحياة المؤبدة، وأنا أقيمه في اليوم الآخر. انتهى. وفي الفصل السابع عشر منه ما لفظه: الحق والحق أقول لكم أن من يؤمن له حياة دائمة .. انتهى. وفي الإنجيل الذي جمعه لوقا (٣) في الفصل العشرين منه ما لفظه: فأما أن الموتى
следующие страницы →