← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

أيضا (١) من حديث شريك بن طارق بإسناد جيد. وكذلك لا بد من جري ألطاف الله على عباده بتخفيف الحساب، كما ثبت في الصحيحين (٢) وغيرهما (٣) من حديث عائشة أن النبي ﵌ قال: " من نوقش الحساب عذب " فقلت: أليس يقول الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِي كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ (٤)؟ فقال: " إنما ذلك العرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك ". وكذلك التثبيت للعباد من الله عند الموت، وعند سؤال الملكين، وعند الحساب، وعند المرور على السراط. فعرفت أنه إذا لم يهد الله عبده إلى التمسك بشرائعه ويلاحظه بألطافه وتفضلاته، لم ينفعه كونه مولودا على الفطرة، لأن معنى كونه مولودا على الفطرة: أنه قابل بفطرته لما يريه الله من الحق ويهديه إليه، وليس مجرد هذا القبول مستلزما لكونه مهديا غير ضال، ولهذا أثر فيه ما عليه أبواه كما في هذا الحديث: " ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " (٥). قال النووي (٦): وفي هذا دليل لمذهب أصحابنا وسائر أهل السنة أن المهتدي هو من هدى الله، ويهدي الله الذين اهتدوا بإرادة الله سبحانه ذلك، وأنه ما أراد هداية الآخرين، ولو أرادها لاهتدوا خلافا ......................................

стр. 4377

للمعتزلة (١) في قولهم الفاسد: إنه أراد هداية الجميع، جل الله أن يريد ما لا يقع، أو يقع ما لا يريد. انتهى. أقول: هذه المسألة قد طال فيها النزاع بين الأشعرية (٢) والمعتزلة وتمسك كل منهم بظواهر قرآنية، وكلامهم يعود إلى مسألة خلق الأفعال (٣)، وفيها من الكلام واختلاف الأقوال ما هو معروف، والمذهب الحق الذي لا يتمذهب به إلا أهل التوفيق: هو ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين من الإيمان بما جاء به الكتاب العزيز والسنة المطهرة وإمرار الصفات على ظاهرها من دون تعرض لتأويل ولا اشتغال بتطويل. وقد أوضحت ذلك في الجواب الذي أجبت به على السؤال الوارد من علماء مكة المشرفة وسميته: " التحف في الإرشاد إلى مذاهب السلف " (٤)، فمن وقف عليه وفهمه حق فهمه وضع عن ظهره عباء (٥) ثقيلا وأماط عن قلبه كربا طويلا، والمهدي من هداه الله، بيده الخير كله دقه وجله. وفي قوله: " فاستهدوني أهدكم " دليل على أنه ينبغي لكل عبد من عباد الله سبحانه أن يسأله الهداية له إلى ما يرضيه منه، فمن هداه الله فاز لأنها إن كانت الهداية: ١ - بمعنى إرادة الطريق، كما في قوله سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فكل عاقل لا يختار لنفسه بعد أن يرى طريق الحق وسبيل الرشد إلا سلوكه والمرور فيه، فإن اختار طريق الضلالة فهو معاند واقع في الشر على علم به واختيار له، وليس بعد هذا في عمى البصير وفساد العقل شيء، وعلى نفسها تجني براقش (٦).

стр. 4378

٢ - وإن كانت بمعنى الإيصال إلى المطلوب، فتلك السعادة التي لا يساويها سعادة، والكرامة التي تقصر عندها كل كرامة، وهي التي سألها رسول الله ﵌ بقوله: " اللهم اهدني فيمن هديت " (١).

стр. 4379

[وجوب التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب] قوله: " يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ". أقول: هذا الكلام الإلهي قد أفاد شمول كل عبد من عباد الله كما بيناه قريبا، فلا يوجد عبد من عباده سبحانه إلا والمطعم له هو الله ، ولو فرض - فرضا لا حقيقة - أن عبدا من عباده لم يطعمه فهو جائع، ولكنه قد أطعم الكل من غير فرق بين مسلم وكافر، وذكر وأنثى، وصغير وكبير، وحر وعبد، وكل ما توصل به العباد من الأسباب التي يتحصل بها الرزق في الصورة فهي من الله ؛ لأنه خالق العبد وموجده، فلولا أنه خلقه وأوجده لم يكن لشيء من تلك الأسباب وجود. ثم بعد إيجاده للعبد جعل له ما يباشر به تلك الأسباب، من صحة الجوارح والحواس، وسلامتها من الآفة التي تبطل عملها، فلو كان غير قادر على تحريك جوارحه كالمصاب بإقعاد أو شلل لم يتمكن من تلك الأسباب، وهكذا لو كان مسلوب الحواس الظاهرة أو الباطنة، أو مسلوب العقل لم يتمكن من شيء من تلك الأسباب، وهذا لو كان سليم الروح والحواس والعقل ولكنه معتلا بمرض لا يتمكن معه من تلك الأسباب لم يحصل له شيء منها فهو سبحانه المعطي والرازق والمطعم، فمن لم يطعمه الله فهو جائع، ومن لم يستطعم الله فهو غير طاعم. وفي قوله: " فاستطعموني أطعمكم " إرشاد للعباد أن يسألوا ربهم ويطلبوا الرزق منه. وقد أخرج أبو داود (١)، والترمذي (٢) وصححه من حديث ابن مسعود قال: قال

стр. 4380

رسول الله ﵌: " من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق أو آجل ". وأخرج نحوه الحاكم (١) من حديث وصححه. وأخرج الطبراني في الصغير (٢) والأوسط (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: " من جاع أو احتاج فكتمه الناس، وأفضى به إلى الله، كان حقا على الله أن يفتح له قوت سنة من حلال ". واعلم أن رازق العباد هو الله ، وما وصل إليهم على يد بعضهم من بعض فهو من رزق الله ؛ لأنه المعطي لمن أجرى ذلك على يده والملهم له، فمن رزق ربه أعطى وبإلهامه له فعل ما فعل، لكنه ينبغي للعباد أن يشكروا بعضهم البعض على ما وصل إليهم على يد بعضهم. فقد أخرج أبو داود (٤)، والنسائي (٥) واللفظ له، وابن حبان في صحيحه (٦)، والحاكم (٧) وصححه، من حديث عبد الله ..............

стр. 4381

بن عمر (١)، قال: قال رسول الله ﵌: " من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه ". وأخرجه الطبراني في الأوسط (٢) مختصرا من حديثه بلفظ: " من اصطنع إليكم معروفا فجازوه، فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى يعلم أنكم قد شكرتم، فإن الله شاكر يحب الشاكرين ". وأخرج أبو داود (٣) والترمذي (٤) وحسنه، وابن حبان في صحيحه (٥) من حديث جابر عن النبي ﵌ أنه قال: " من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور ". وأخرج الترمذي (٦) وحسنه من حديث أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﵌: " من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء ". وهذا الحديث قد أسقط من بعض نسخ الترمذي!.

стр. 4382

وأخرجه أيضًا من حديثه الطبراني في الصغير (١) مختصرا بلفظ: " إذا قال الرجل: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء ". وأخرج أحمد (٢). بإسناد رجاله ثقات من حديث الأشعث بن قيس قال: قال رسول الله ﵌: " إن أشكر الناس لله ﵎ أشكرهم للناس ". وفي رواية لأحمد (٣) أيضا: " لا يشكر الله من لا يشكر الناس ". وأخرج أحمد (٤) أيضًا بإسناد رجاله ثقات - إلا صالح بن أبي الأخضر، وهو مع

стр. 4383

ضعفه ممن يعتبر به - من حديث عائشة أن رسول الله ﵌ قال: " من أتي إليه معروف فليكافئ به، ومن لم يستطع فليذكره فإن من ذكره فقد شكره، ومن تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور ". وأخرج أبو داود (١)، والترمذي (٢) وصححه من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: " لا يشكر الله من لا يشكر الناس ". وقد روي هذا الحديث برفع (الله) ورفع (الناس)، وبنصبهما، وبرفع الأول وبنصب الثاني، وبالعكس (٣). وأخرج الطبراني (٤) من حديث طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله ﵌: " من أولي معروفا فليذكره، فمن ذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره ". وأخرجه ابن أبي الدنيا (٥) من حديث عائشة. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٦) بإسناد لا بأس به، وابن أبي .....................

стр. 4384

الدنيا (١) من حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﵌: " من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، ومن تركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب ". وأخرج أبو داود (٢) والنسائي (٣) واللفظ له من حديث أنس قال: قالت المهاجرون: يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤنة! قال: " أليس تثنون عليهم به، وتدعون لهم؟ " قالوا: بلى. قال: " فذاك بذاك ". وقد ورد ما يدل على قبول العطية من بعض العباد لبعض. فأخرج أحمد (٤) بإسناد رجاله ثقات، والبيهقي (٥)، من حديث المطلب بن عبد الله بن

стр. 4385

حنطب: أن عبد الله بن عامر بعث إلى عائشة بنفقة وكسوة، فقالت للرسول: أي بني لا أقبل من أحد شيئا! فلما خرج الرسول قالت: ردوه علي، قالت: إني ذكرت شيئا، قال لي رسول الله ﵌: " يا عائشة، من أعطاك عطاء بغير مسألة فاقبليه، فإنما هو رزق عرضه الله إليك ". وأخرج أبو يعلى (١) بإسناد لا بأس به من حديث عمر بن الخطاب قال: قلت: يا رسول الله، قد قلت لي أن خيرا لك أن لا تسأل أحدا من الناس شيئا! قال: " إنما ذاك أن تسأل، وما آتاك الله من غير مسألة، فإنما هو رزق رزقكه الله ". وأخرج أحمد (٢) بإسناد صحيح، وأبو يعلى (٣)، والطبراني (٤)، وابن حبان (٥) في صحيحه والحاكم (٦) وصححه من حديث خالد بن عدي الجهني قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: " من بلغه عن أخيه معروف من غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه ". وأخرج أحمد (٧) بإسناد رجاله رجال الصحيح من حديث أبي هريرة قال: [قال

стр. 4386

رسول الله ﵌] (١): " من آتاه الله شيئا من هذا المال من غير أن يسأله فليقبله فإنما هو رزق ساقه الله إليه ". وأخرج الطبراني في الكبير (٢) من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: " ما المعطي من سعة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجا ". وأخرجه (٣) أيضًا من حديث أنس. وهذا باعتبار العطايا من بعض العباد لبعض. وأما العطايا من أموال الله من سلطان أو غيره، ففي الصحيحين (٤) وغيرهما (٥) من حديث ابن عمر أن عمر قال: كان رسول الله ﵌ يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر مني إليه فقال: " خذه إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله، فإن شئت فكله، وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك ". وأخرج أحمد (٦) بإسناد جيد، والطبراني (٧) والبيهقي (٨)، عن عائذ ابن ............................

стр. 4387

عمر (١)! عن النبي ﵌ قال: " من عرض له من هذا الرزق شيء من غير مسألة ولا إشراف فليتوسع به في رزقه، فإن كان غنيا فليوجهه إلى من هو أحوج إليه منه ". قوله: " يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم ". هذه العبارة الرحمانية، والكلام الصمداني، تشمل كل فرد من أفراد العباد، لما قدمنا من أن إضافة العباد إلى ضمير الرب سبحانه يفيد العموم، ويزداد ذلك تأكيدا بقوله: " كلكم " ثم بالاستثناء المشعر بعموم المستثنى منه، فالمعنى كل فرد من أفرادكم عار عن اللباس إلا من كسوته. ثم طلب منهم أن يطلبوا منه أن يكسوهم فقال: " استكسوني "، ثم أخبرهم بأنه يجيب هذا الطلب الواقع منهم فقال: " أكسكم ". ومن أمعن النظر في هذه الفواصل المذكورة في هذا الحديث علم ما عند الرب سبحانه من الرحمة لعباده ومزيد اللطف بهم، فإنه بين لهم ما بهم من مزيد الحاجة إلى عطائه الجم وتفضله العم في أعظم ما تدعوهم الحاجة إليه وهو الطعام الذي لا يعيشون بدونه، وأمرهم أن يطلبوه منه، وتكفل لهم بالإجابة وإعطائهم ما يطلبونه، ثم ذكر لهم ما لا بد لهم منه من ستر أبدانهم بالكسوة التي لولا وجودها لهم لانكشفت عوراتهم وأضر بهم البرد، وأنه الكاسي لهم والمتفضل بذلك عليهم، ثم أمرهم تفضلا منه لهم ولطفا بهم أن يطلبوا ذلك منه، ووعدهم بالإجابة لدعوتهم والتفضل منه لهم لحاجتهم، وهذا بعد أن نهاهم عن التظالم في ذات بينهم، بعد أن أخبرهم أنه حرم الظلم على نفسه؛ ليقتدوا به في تجنب هذه الخصلة القبيحة التي تفسد معايشهم؛ وتبطل بها أحوالهم

стр. 4388

وأموالهم التي لا قوم لهم إلا بها، وبعد أن أخبرهم أنهم كلهم على الضلال إلا من هداه منهم، ثم أمرهم بأن يسألوه الهداية لأنها عماد الدين ومعيار الفلاح فسبحان الله وبحمده ما أبلغ هذا الكلام وأعلى طبقته وأرفع منزلته، انظر كيف قدم لهم أن يتجنبوا ما يفسد به أمور معاشهم وحال حياتهم، ثم أرشدهم في أمور دينهم إلى أن يطلبوا منه الهداية، ثم ذكر لهم ما هو أهم أمور الحياة وأعظم مهمات المعاش، ثم أرشدهم إلى أن يطلبوا ذلك منه ليتفضل به عليهم ويوصله إليهم، فهل بعد هذه الرحمة البالغة والتفضل العظيم؟ وأن يلبسوا من الثياب ما أحله لهم ورغبهم في لبسه. كما أخرجه الترمذي (١) وصححه، والنسائي (٢)، وابن ماجه (٣)، والحاكم (٤) وصححه من حديث سمرة قال: قال رسول الله ﵌: " البسوا البياض فإنها أطيب وأطهر، وكفنوا فيها موتاكم ". وأخرج أبو داود (٥)، والترمذي (٦) وصححه، وابن حبان في صحيحه (٧) من حديث ابن عباس أن النبي ﵌ قال: " البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم ". وأن يتجنبوا منها ما حرمه الله عليهم، ففي الصحيحين (٨) ................................

стр. 4389

وغيرهما (١) من حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﵌: " لا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ". وفي الصحيحين (٢) أيضًا من حديثه قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: " إنما يلبس الحرير من لا خلاق له ". وفي الصحيحين (٣) أيضًا من حديث أنس قال: قال رسول الله ﵌: " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ". وفي الصحيحين (٤) أيضًا من حديث عقبة بن عامر قال: أهدي لرسول الله ﵌ فروج حرير فلبسه ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له ثم قال: " لا ينبغي هذا للمتقين ". وأخرج البخاري (٥) من حديث عقبة بن عامر (٦) أنه ﵌: " نهى عن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه ". والأحاديث في المنع من لبس الحرير كثيرة (٧). وفي الصحيحين (٨)، وغيرهما (٩) من حديث ابن عمر أن رسول الله ﵌ قال: " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر إليه يوم القيامة "، فقال أبو بكر الصديق: يا

стр. 4390

رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده! فقال له رسول الله ﵌: " إنك لست ممن يفعل خيلاء ". وفي الصحيحين (١) وغيرهما (٢) من حديثه أيضًا قال: " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء ". وفي الصحيحين (٣) وغيرهما (٤) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا ". وأخرج أبو داود (٥)، والنسائي (٦)، وابن ماجه (٧)، عن ابن عمر عن النبي ﵌ قال: " الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ". وأخرج البخاري (٨) وغيره (٩) من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ أنه قال: " ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار ". وأخرج أبو داود (١٠) والنسائي (١١)، .....................................

стр. 4391

وابن ماجه (١)، وابن حبان في صحيحه (٢)، والحاكم (٣) وصححه من حديث أبي هريرة قال: " لعن رسول الله ﵌ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل ". وأخرج البخاري (٤)، وأهل السنن الأربع (٥) من حديث ابن عباس قال: " لعن رسول الله ﵌ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال ". وفي الباب أحاديث. قوله: " يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم ". قال النووي (٦) الرواية المشهورة: " تخطئون " بضم التاء، وروي بفتحها وفتح الطاء، خطأ يخطأ إذا فعل ما يأثم به فهو خاطئ، ومنه قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ (٧)، ويقال في الإثم أيضا: أخطأ. فهما صحيحان. انتهى. ويؤيد هذا ما حكاه ابن القطاع في كتاب الأفعال (٨) عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: يقال خطئ وأخطأ بمعنى واحد.

стр. 4392

وقال غيره: خطئ في الدين، وأخطأ في كل شيء عامدا [أو غير عامد] (١). وقيل: خطئ خطأ: تعمد الذنب، وأخطأ أصاب الذنب على غير عمد [هذا الأعم] (٢)، وفي لغة أخرى: بمعنى واحد [في غيره العمد] (٣). وقد قدمنا أن هذه العبارة الربانية تفيد العموم من جهات. لما أرشد سبحانه عباده إلى ما فيه نظام معاشهم مما يحتاجون إليه من الطعام والثياب وأخبرهم أنه الكاسي لهم، وأمرهم بأن يطلبوا منه أن يطعمهم ويكسوهم، ووعدهم بالإجابة. أرشدهم إلى ما فيه نظام دينهم وآخرتهم، فأخبرهم بأنهم يخطئون بالليل والنهار لما في طباعهم من الميل إلى الشهوات، وبشرهم بأنه يغفر لهم الذنوب جميعا، ويا لها من بشارة لا يعادل قدرها ولا يسر بمثلها، فإنه إذا غفر لهم جميع الذنوب نجوا من النار ودخلوا الجنة، وهذا هو الإفضال، هذا العطاء الفياض، هذا الجود، هذا الكرم. وقد بشر في كتابه العزيز بمثل هذه البشارة الواردة إلينا على لسان رسوله ﵌ فقال: ﴿يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥). وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٦).

стр. 4393

وقال : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١). وقد ثبت في السنة المطهرة من الإرشاد إلى الاستغفار وأنه يمحو الذنوب الكثير الطيب فمن ذلك ما أخرجه مسلم (٢) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم " (٣). فانظر ما يفيد هذا الحديث من التخصيص على الاستغفار المتسبب عن الذنوب، وذلك لأن بني آدم من شأنهم أن تكثر منهم الذنوب، لما جبلوا عليه من الميل إلى الشهوات، وأن من حاول منهم أن لا يقع منه ذنب البتة فقد حاول ما لا يكون، لأن العصمة لا تكون إلا للأنبياء، فلو راموا أنهم لا يذنبون أصلا راموا ما ليس لهم!. وأخرج أحمد (٤) وأبو يعلى (٥) بإسناد رجاله ثقات من حديث أنس قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: " والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون ثم يستغفرون فيغفر لهم ". وأخرج أحمد (٦) والطبراني (٧) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله

стр. 4394

وسلم: " كفارة الذنب الندامة، لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم ". وأخرج الطبراني في الكبير (١) والوسط (٢) من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵌: " لو لم تذنبوا لخلق الله خلقا يذنبون ثم يغفر لهم ". وأخرجه أيضًا البزار (٣)، ورجالهم ثقات. وأخرجه أيضًا البزار (٤) من حديث أبي سعيد نحو حديث أبي هريرة المتقدم، وفي إسناده: يحيى بن كثير وهو ضعيف (٥)!. وأخرج الطبراني في الأوسط (٦) بإسناد رجاله ثقات من حديث الزبير أن رسول الله

стр. 4395

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قال: " من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار ". وأخرجه أيضًا البيهقي (١) بإسناد لا بأس به. وأخرج البزار (٢) من حديث أنس بإسناد رجاله رجال الصحيح - إلا تمام بن نجيح وقد وثقه ابن معين، وضعفه البخاري، وغيره - قال: قال رسول الله ﵌: " ما من حافظين يرفعان إلى الله في يوم فيرى ﵎ في أول الصحيفة [وفي آخرها] (٣) استغفارا إلا قال ﵎: قد غفرت لعبدي [ما بين طرفي الصحيفة] (٤) ". وأخرج الترمذي (٥) وحسنه، والنسائي (٦)، من حديث ابن عمر عن النبي ﵌ أنه قال: " من استغفر الله غفر له ". وأخرج الترمذي (٧)، والنسائي (٨)، وابن ماجه (٩)، وابن حبان في صحيحه (١٠)،

стр. 4396

والحاكم (١) وصححه من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﵌ قال: " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر صقلت، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢) ". وأخرج الحاكم (٣) وصححه من حديث أم عصمة العوصية (٤) قالت: قال رسول الله ﵌: " ما من مسلم يعمل ذنبا إلا وقف الملك ثلاث ساعات فإن استغفر من ذنبه لم يوقفه عليه ولم يعذبه به يوم القيامة ". وأخرجه من حديثها أيضًا الطبراني في الكبير (٥)، وفي إسناده أبو مهدي: سعيد بن سنان، وهو متروك!. وأخرج الطبراني (٦) من حديث أبي أمامة عن رسول الله ﵌ قال: " إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ أو

стр. 4397

المسيء فإن ندم واستغفر منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة ". قال في مجمع الزوائد (١) رواه الطبراني (٢) بأسانيد، ورجال أحدها وثقوا. وأخرج الطبراني (٣) أيضًا من حديثه من وجه آخر قال: قال رسول الله ﵌: " صاحب اليمين أمين على صاحب الشمال، فإذا عمل حسنة أثبتها وإذا عمل سيئة قال له صاحب اليمين: امكث ست ساعات، فإن استغفر لم تكتب وإلا ثبتت عليه ". قال في مجمع الزوائد (٤) رجاله وثقوا. وأخرجه (٥) أيضًا من وجه ثالث من حديثه بنحوه وفي إسناده: جعفر بن الزبير (٦) وهو كذاب. وأخرج أحمد (٧)، وأبو يعلى (٨)، والطبراني (٩) من حديث أبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: " إن إبليس قال لربه : وعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله : فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني ". قال في مجمع الزوائد (١٠) وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى، وأخرجه أيضا .........

стр. 4398

الحاكم (١) وقال: صحيح الإسناد. وأخرج أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وابن ماجه (٤)، والحاكم (٥) والبيهقي (٦) من حديث عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﵌: " من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب ". وأخرج ابن ماجه (٧) بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن بسر قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: " طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا ". وأخرج الطبراني في الأوسط (٨) والكبير (٩) من حديث عقبة بن عامر: أن رجلا جاء إلى رسول الله ﵌ فقال: يا رسول الله أحدنا يذنب؟ قال: " تكتب عليه " قال: ثم يستغفر؟ قال: " يغفر له ويتاب عليه، ولا يمل الله حتى تملوا ". قال في مجمع الزوائد (١٠) وإسناده حسن.

стр. 4399

وأخرج الترمذي (١) وحسنه من حديث أنس قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: " قال الله : يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ". وأخرج أبو داود (٢)، والترمذي (٣) وابن أبي شيبة (٤) وابن حبان (٥) من حديث بلال بن يسار بن زيد قال: حدثني أبي عن جدي أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: " من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من الزحف ". قال الترمذي (٦) غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قال المنذري (٧) إسناد جيد متصل، فقد ذكر البخاري في تاريخه (٨) أن بلالا سمع من أبيه يسارا وأن يسارا سمع من أبيه زيد مولى رسول الله ﵌. وأخرجه الترمذي (٩) من حديث أبي سعيد، وقال فيه: " ثلاث مرات ".

стр. 4400

وأخرجه الحاكم (١) من حديث ابن مسعود بهذه الزيادة (٢)، قال: صحيح. وأخرجه الطبراني (٣) من حديث ابن مسعود بإسناد رجاله ثقات. وأخرجه أبو داود (٤) والترمذي (٥) وحسنه والنسائي (٦) وابن ماجه (٧) وابن حبان في صحيحه (٨) من حديث أبي بكر الصديق قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: " ما من عبد يذنب فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له "، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ (٩) إلخ. وأخرج البخاري (١٠) وغيره من حديث .....................................

стр. 4401

[شداد بن أوس] (١) عن النبي ﵌ قال: " سيد الاستغفار اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت ". ولفظ أبي داود (٢) والنسائي (٣) وابن السني (٤) من حديثه بلفظ: " سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ". وأخرجه بهذا اللفظ البخاري (٥) في موضع آخر، وأحمد في المسند (٦). وإنما سمي سيد الاستغفار: ١ - لجمعه لمعاني التوبة كلها، استعير له اسم السيد، وهو في الأصل للرئيس الذي يقصد في الحوائج ويرجع إليه في المهمات (٧). ٢ - وأيضا فيه الإقرار لله سبحانه بالألوهية والعبودية. ٣ - والاعتراف بأنه الخالق. ٤ - والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه.

стр. 4402

٥ - والرجاء بما وعد. ٦ - والاستعاذة مما جنى على نفسه. ٧ - وإضافة النعم إلى موجدها. ٨ - وإضافة الذنب إلى نفسه. ٩ - ورغبته في المغفرة. ١٠ - واعترافه بأنه لا يقدر على ذلك إلا هو (١).

стр. 4403

[تنزيه الله ] قوله: " يا عبادي إنكم لم تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ". لما ذكر ما أنعم به على عباده من أمور الدنيا والآخرة وأرشدهم إليه من مصالح الدين والدنيا، أبان لهم هاهنا أنه لم يفعل ذلك لمصلحة ترجع إليه منهم، ولا لفائدة يوصلونها إليه، لأنهم أحقر وأقل من أن يستطيعوا ذلك، أو يبلغوا إليه بوجه من الوجوه. ولهذا قال: " إنكم لن تبلغوا ضري "، أي: ليس لكم من القدرة ما تطيقون أن تبلغوا به ذلك، فإني الخالق لما فيكم من القوة والقدرة، والموجد لها فيكم، والمتفضل بها عليكم، فكيف تبلغون إلي ذلك المبلغ الذي أنتم أعجز من أن تصلوا إلى شيء منه، وأقل من أن تبلغوا ما هو دونه. وصدق الله فإن العبد غاية ما يتمكن منه ويصل إليه أن يعصي الله تعالى وتقدس، وهو إنما يضر بذلك نفسه، ويوردها في موارد الخسران، ويقودها إلى العذاب الأليم، والبلاء المقيم، ويتعرض لانتقام منه وحلول سخطه عليه، فيجمع له بين عذاب الدنيا والآخرة، فلا دنياه أبقى، ولا آخرته رجا، فكان كما قلت: إن أشقى الناس في الناس فتى ... بين ترك الدين والدنيا جمع صار كالمنبت في الأسفار لا ... ظهره أبقى ولا أرضا قطع وعلى فرض أن الله سبحانه يمهله ويستدرجه من حيث لا يعلم، ويخلي بينه وبين عصيانه وطغيانه، فمن ورائه نار جهنم، فقد باع الحياة الدنيا الأبدية والنعيم المقيم بعاجل لذة زائلة ونعمة ذاهبة، واستبدل بها عذاب الأبد وشقاء الدهر الذي لا ينفد ولا ينقطع. وهكذا من كان من العباد مطيعا لله ، قائما بما أوجبه عليه من الواجبات البدنية والمالية، متصدقا بماله متقربا إلى الله بما خوله من النعم وأعطاه من البر، فهو لم

стр. 4404

ينفع بذلك إلا نفسه، وربح الفوز بالنعيم الأبدي والسلامة من العذاب الأخروي، ومع ذلك قد يكون ما فعله من الخير سببا لحراسة ما تفضل الله به عليه في الدنيا عن الزوال، فإن إعمال الخير لا سيما بذل المال للمحاويج؛ من أعظم أنواع الشكر الذي وعد الله عباده إن فعلوه بالمزيد فقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١) فهذا قد نفع نفسه في دنياه وأخراه، كما ضر الأول نفسه في عاجلته وآجلته وكلاهما لم يجاوز ضر نفسه ولا نفع نفسه، وذلك غاية قدرته ونهاية استطاعته فسبحان الله العظيم، ما ألطفه وأرأفه بعباده، حتى بلغ معهم في التعليم والإرشاد إلى هذه الغاية، لدفع ما لعله يقع في خواطر الصم البكم الذين هم أشبه بالدواب وإن كانوا في مسلاخ إنسان وجسم بني آدم كما وقع من اللعين حيث قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ (٢). فسبحان الصبور على مثل هذه الحماقات من هؤلاء الذين هم كالأنعام؛ بل هم أضل سبيلا. قوله: " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا ". لما ذكر الله سبحانه أن عباده لا يبلغون ضره ولا يبلغون نفعه، وكانت عقولهم القاصرة محتاجة إلى مزيد تصريح وتأكيد وطرف من الإيضاح والمبالغة، أخبرهم سبحانه بأن انتفاء ذلك الضر والنفع الذي نفى عوده إلى حضرته المقدسة وجنابه الأعز الأجل، ليس هو باعتبار نوع من أنواع العالم، أو باعتبار أهل عصر من العصور، بل لو اجتمع أول الثقلين وآخرهم، وكانوا على غاية من الصلاح والانقياد والطاعة والتقوى، بل لو

стр. 4405

كانوا على حالة أعلى من هذه الغاية، ومنزلة أرفع من هذه المنزلة، وهي أن يكونوا كالفرد الكامل منهم والرجل كل الرجل في جماعتهم، وهو من ملئ قلبه من التقوى حتى صار أتقى الثقلين الإنس والجن بعد اجتماع أولهم وآخرهم، ولا يخفاك أن أتقى الثقلين عن اجتماعهم المعروض الشامل لأولهم وآخرهم هم الأنبياء ﵈، وأتقى الأنبياء هو سيد ولد آدم الأنبياء وغيرهم، وهو نبينا ﵌، فانظر هذه المبالغة البليغة والكلام الفائق. وقوله: " واحد " للتأكيد كما يقتضيه مقام المبالغة مثل قوله سبحانه: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ومثل قوله: ﴿دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (١) ومثل قوله ﵌: " لأولى رجل ذكر " (٢). ثم لما فرغ سبحانه من المبالغة في جانب دفع النفع، ذكر المبالغة في جانب دفع الضرر فقال: " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ". وفيه مثل ما تقدم من المبالغة البليغة والكلام الجاري على أكمل نظام وأتم أسلوب. وهذا القلب الذي هو أفجر قلوب الثقلين عند الاجتماع المفروض، قد يكون قلب إبليس أو أحد مردة الجن، وقد يكون قلب بعض جبابرة الإنس كفرعون والنمرود ولا يعلم ذلك إلا علام الغيوب. والمقصود من هذا أن عبادة العابدين، وتقوى المتقين، وزهد الزاهدين، إنما ينتفع بها فاعلها فقط، ومعصية العاصين، وتهتك المتهتكين، وكفر الكافرين، ونفاق المنافقين، إنما تضر فاعلها، وليس إلى الله ولا عليه ﵎ من ذلك شيء. فإن قلت: قد ثبت في ....................................

стр. 4406

الصحيحين (١) وغيرهما (٢) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: " قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والصوم جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم!، والذي نفس محمد بيده؛ لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه ". قلت: قد أجاب أهل العلم عن معنى قوله : " الصوم لي وأنا أجزي به " بأجوبة كثيرة منها ما أجاب سفيان بن عيينة فقال (٣)

стр. 4407

١ - معناه إذا كان يوم القيامة، يحاسب الله عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة. ٢ - وقيل: إن الصيام لما كان هو الإمساك عن الطعام، وهذا الإمساك ليس من الأفعال التي تظهر للناس، فكان الصيام مما لا يدخله الرياء، لأن الرياء لا يكون إلا بأفعال تظهر للناس مثل الصلاة والصدقة ونحوهما، ومثل غير ذلك. والظاهر أنه لا حاجة إلى جميع ما ذكروه فقد صرح في هذا الحديث نفسه بما يرشد إلى ما هو المراد. ففي ............................................................

стр. 4408

البخاري (١) وغيره (٢) ما لفظه: " يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصوم لي وأنا أجزي به " فهذا قد أفاد أنه لما ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل ربه ، كان الصوم له أي: لأجله من غير نفع له في ذلك، بل كان النفع للصائم لما ترك طعامه وشرابه وشهوته لأجل ربه، لأن ذلك هو الإخلاص الذي أمر الله به عباده بقوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣). فليس بين هذا الحديث القدسي الذي نحن بصدد شرحه، وبين الحديث القدسي الذي في الصيام تعارض، فافهم هذا. فإن قلت: قد ثبت في صحيح مسلم (٤) من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: " ليس أحد أحب إليه المدح من الله تعالى، من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله تعالى، من أجل ذلك حرم الفواحش، وليس أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، من أجل ذلك أنزل الكتاب وبعث الرسل ". قلت: لا تلازم بين كون الشيء محبوبا وكون لمن حصلت له محبة له نفع فيه! فقد يحب الإنسان صفات الخير، وإن كان لا نفع له فيها، ولا ضرر عليه في تركها، كما يجده كل عاقل عند ظهور الخصال المحمودة المطابقة لمنهج الشرع كالعدل، وظهور السنن وارتفاع البدع، وإنما أحب ذلك سبحانه لأن مدحه من عباده هو الشكر له على ما أفاضه عليهم من النعم، وذلك من أعظم ما يتقربون به إليه، ويتوسلون به إلى مرضاته، فيحصل لهم بذلك الفوز بالنعيم الأبدي، والخير الأخروي، ولهذا طلب سبحانه منهم

стр. 4409

القيام بما شرعه لهم، والكف عما نهاهم عنه، وليس ذلك إلا لفائدة عائدة عليهم، ونعمة حاصلة لهم، فالمدح منهم لربهم هو من أعظم أسباب خيرهم الآجل والعاجل، ولهذا يقول الله : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١). وصح في أدعية الصباح والمساء أن العبد إذا قال في صباح يومه:" اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر ومن قال ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته".أخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣) وابن حبان وصححه (٤)، من حديث عبد الله بن غنام البياضي وجود النووي (٥) إسناده، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٦) من حديث ابن عباس. وبالجملة فندب الله لعباده إلى مدحه، هو مثل ندبه لهم إلى شكره وحمده، والنفع في ذلك كله للعباد، وتعالى وتقدس ربهم أن يكون له في ذلك نفع أو في تركه ضر. وانظر إلى ما اقترنت به محبته للمدح من عباده في هذا الحديث، من ذكر الغيرة التي من أجلها حرم الفواحش، والمحبة للعذر التي من أجلها أنزل الكتاب وأرسل الرسل، فإنه لا يقع في ذهن عاقل أن في ذلك شيئا من النفع أو الضر، بل كل ذلك لرعاية الرب الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء لمصالح عباده. والحاصل أن تسبيحه مدح له، وحمده مدح له، وشكره مدح له، وتكبيره

стр. 4410

مدح له، بل توحيده من أعظم المدح له سبحانه، وقد رغب رسوله ﵌ إلى الاستكثار من هذه الأمور، وبين ما فيها من الأجر العظيم للعباد، فعرفت بهذا معنى قوله ﵌:" ما أحد أحب إليه المدح من الله "، فلا تعارض بينه وبين حديث الباب. فإن قلت: قد ثبت في الصحيحين (١) وغيرهما (٢) من حديث أنس قال: قال رسول الله ﵌:" لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله بأرض فلاة". وفي رواية لمسلم (٣):" لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت عنه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح". وفي الصحيحين (٤) وغيرهما (٥) من حديث الحارث بن سويد عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول:" لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية (٦) مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام

стр. 4411

نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله تعالى أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته". قلت: الفرح منه بتوبة عبده، هو لعظيم لطفه به ومزيد رأفته عليه لسلامته - بتوبته- من العذاب الأليم، وهذا هو من رحمته لعباده، ولهذا صح عن رسول الله ﵌ حاكيا عن الرب أنه قال:" سبقت رحمتي غضبي" (١) ومعلوم أن نفع هذه التوبة هو للعبد، كما أن ضر تركها هو عليه، وليس للرب تعالى وتقدس في ذلك نفع، ولا عليه سبحانه في خلافه ضرر، فليس بين هذا الحديث وبين حديث الباب تعارض. والمراد بالفرح المنسوب إلى الرب هو: الرضا بما وقع من ذلك العبد! البالغ إلى أشد من الرضا الحاصل لواجد تلك الضالة عند وجودها (٢)

стр. 4412

فالتعبير عن الرضا بالفرح لقصد تأكيد معنى الرضا في نفس السامع، والمبالغة في

стр. 4413

تقريره، وقد حكي النووي في شرح مسلم (١) عند شرحه لهذا الحديث عن المازري (٢) أن الفرح ينقسم إلى وجوه منها: السرور والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به ثم ذكر نحو ما ذكرناه. قال في الصحاح (٣) فرح به سر. قوله: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر". قوله: المخيط، هو بكسر الميم، وفتح التحتية، وهو: الإبرة (٤). قال النووي (٥) قال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام، ومعناه لا ينقص شيئا، كما قال في الحديث الآخر: " ... لا يغيضها نفقة" (٦) أي لا ينقصها، لأن ما عند الله لا يدخله نقص، وإنما يدخل النقص المحدود [الفاني] (٧)، وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه وهما صفتان لا يتطرق إليهما نقص، فضرب المثل بالمخيط في البحر لأنه غاية ما يضرب به المثل في القلة، والمقصود التقريب إلى الأفهام بما [شاهدوه] (٨)، فإن

стр. 4414

البحر من أعظم المرئيات عيانا وأكبرها! والإبرة من أصغر الموجودات! مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء والله أعلم. انتهى. أقول: انظر إلى هذا الكلام الفياض والعطاء الجم! فإن اجتماع جميع الإنس والجن، أولهم وآخرهم في مكان واحد، ثم تفضله بإعطاء كل سائل مسألته على أي صفة كانت، وفي أي مطلب من المطالب اتفقت، كرم لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه. ولعل المراد من هذا الإخبار الرباني لعبيده الضعفاء -الذين خلقهم وأحياهم ورزقهم ثم يميتهم ثم يحييهم الحياة الأبدية إنما لنعيم مقيم أو لعذاب أليم- هو تأكيد استغناءه عنهم، وعدم حاجته إليهم، وأن من كان هذا شأنه يعطي جميع العالم من الإنس والجن -عند اجتماعهم المفروض أولهم وآخرهم- كل سائل مسألته، ولك مستعطٍ عطيته، هو ذا الغنى المطلق الذي لا يتعاظمه شيء، ثم ترغيبهم في سؤاله واستعطائه، وأنه لا تفني خزائن ملكه، ولا تنقص بالعطاء بحار كرمه، ولا يؤثر فيها سؤال السائلين، وإن كانوا في الكثرة على هذه الصفة التي تقصر العقول عن الإحاطة ببعض البعض من أهل عصر من العصور، فكيف بجميع الناس من عند آدم إلى ما لا نهاية له معلومة لنا، فكيف إذا انضم إليهم الجن أولهم وآخرهم. فسبحانه ما أعظم شأنه، لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، لا جرم إذا ضاقت أذهان العباد عن تصور كرمه وتفضله، فهو خالق الكل، ورب العالم، وليس عالم الإنس والجن بالنسبة إلى كل العالم من المخلوقات إلا القدر اليسير، وهو يعطي الكل الخير، لأنه إذا كان شأنه هذا الشأن العظيم من إعطاء السائلين، فهو قد تكفل لهم بأن يخلف عليهم ما أنفقوا كما قال في كتابه العزيز: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (١).

стр. 4415

انظر إلى هذه الآية الكريمة، فإنه سبحانه أخبرهم بأنه يخلف لهم كل ما أنفقوه وجاء بهذه الكلية الشاملة، فإن قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ يفيد بعمومه المستفاد من الشرطية الكلية أن يخلف كل حقير وجليل من أنواع ما أنفقوه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ فإنه يتناول ما يصدق عليه لفظ الشيء، وهو يصدق على الخردلة إذ لا خلاف أنها شيء بل يصدق على أقل جزء من أجزائها، ثم ذيل هذه الجملة الشرطية بقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (١). فانظر إلى ما في هذه الجملة التذييلية من تطمين خواطر المنفقين وتشويقهم إلى ما يخلفه عليهم من هو خير الرازقين، فإن في ذلك ما يجذب خواطر المتقين إلى أن يكونوا من المنفقين المنتظرين لما وعدهم به خير الرازقين، فإنه كونه خير الرازقين لا يكون ما يخلفه عليهم إلا أضعاف أضعاف ما ينفقون، كما تراه في أحوال بني آدم فإن من كان منهم موصوفا بالكرم لا يكافئ إلا بالكثير الذي يكون بالنسبة إلى ما كافأ به عليه فوقه بكثير. فكيف إذا كان ملكا من ملوك الدنيا الذي ينزعه إلى الكرم عرق، فكيف إذا كان ملك الملوك وربهم وخالقهم ورازقهم، ومع هذا الخلف الذي يخلعه على المنفقين، فلهم الجزاء الأخروي بما أنفقوا الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، كما وعد به الرب في كتابه العزيز: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢). وقد ورد في السنة المطهرة الترغيب في الإنفاق بالأحاديث الكثيرة الصحيحة منها ما في .......................................
следующие страницы →