← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله تعالى أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته". قلت: الفرح منه بتوبة عبده، هو لعظيم لطفه به ومزيد رأفته عليه لسلامته - بتوبته- من العذاب الأليم، وهذا هو من رحمته لعباده، ولهذا صح عن رسول الله ﵌ حاكيا عن الرب أنه قال:" سبقت رحمتي غضبي" (١) ومعلوم أن نفع هذه التوبة هو للعبد، كما أن ضر تركها هو عليه، وليس للرب تعالى وتقدس في ذلك نفع، ولا عليه سبحانه في خلافه ضرر، فليس بين هذا الحديث وبين حديث الباب تعارض. والمراد بالفرح المنسوب إلى الرب هو: الرضا بما وقع من ذلك العبد! البالغ إلى أشد من الرضا الحاصل لواجد تلك الضالة عند وجودها (٢)

стр. 4412

فالتعبير عن الرضا بالفرح لقصد تأكيد معنى الرضا في نفس السامع، والمبالغة في

стр. 4413

تقريره، وقد حكي النووي في شرح مسلم (١) عند شرحه لهذا الحديث عن المازري (٢) أن الفرح ينقسم إلى وجوه منها: السرور والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به ثم ذكر نحو ما ذكرناه. قال في الصحاح (٣) فرح به سر. قوله: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر". قوله: المخيط، هو بكسر الميم، وفتح التحتية، وهو: الإبرة (٤). قال النووي (٥) قال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام، ومعناه لا ينقص شيئا، كما قال في الحديث الآخر: " ... لا يغيضها نفقة" (٦) أي لا ينقصها، لأن ما عند الله لا يدخله نقص، وإنما يدخل النقص المحدود [الفاني] (٧)، وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه وهما صفتان لا يتطرق إليهما نقص، فضرب المثل بالمخيط في البحر لأنه غاية ما يضرب به المثل في القلة، والمقصود التقريب إلى الأفهام بما [شاهدوه] (٨)، فإن

стр. 4414

البحر من أعظم المرئيات عيانا وأكبرها! والإبرة من أصغر الموجودات! مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء والله أعلم. انتهى. أقول: انظر إلى هذا الكلام الفياض والعطاء الجم! فإن اجتماع جميع الإنس والجن، أولهم وآخرهم في مكان واحد، ثم تفضله بإعطاء كل سائل مسألته على أي صفة كانت، وفي أي مطلب من المطالب اتفقت، كرم لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه. ولعل المراد من هذا الإخبار الرباني لعبيده الضعفاء -الذين خلقهم وأحياهم ورزقهم ثم يميتهم ثم يحييهم الحياة الأبدية إنما لنعيم مقيم أو لعذاب أليم- هو تأكيد استغناءه عنهم، وعدم حاجته إليهم، وأن من كان هذا شأنه يعطي جميع العالم من الإنس والجن -عند اجتماعهم المفروض أولهم وآخرهم- كل سائل مسألته، ولك مستعطٍ عطيته، هو ذا الغنى المطلق الذي لا يتعاظمه شيء، ثم ترغيبهم في سؤاله واستعطائه، وأنه لا تفني خزائن ملكه، ولا تنقص بالعطاء بحار كرمه، ولا يؤثر فيها سؤال السائلين، وإن كانوا في الكثرة على هذه الصفة التي تقصر العقول عن الإحاطة ببعض البعض من أهل عصر من العصور، فكيف بجميع الناس من عند آدم إلى ما لا نهاية له معلومة لنا، فكيف إذا انضم إليهم الجن أولهم وآخرهم. فسبحانه ما أعظم شأنه، لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، لا جرم إذا ضاقت أذهان العباد عن تصور كرمه وتفضله، فهو خالق الكل، ورب العالم، وليس عالم الإنس والجن بالنسبة إلى كل العالم من المخلوقات إلا القدر اليسير، وهو يعطي الكل الخير، لأنه إذا كان شأنه هذا الشأن العظيم من إعطاء السائلين، فهو قد تكفل لهم بأن يخلف عليهم ما أنفقوا كما قال في كتابه العزيز: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (١).

стр. 4415

انظر إلى هذه الآية الكريمة، فإنه سبحانه أخبرهم بأنه يخلف لهم كل ما أنفقوه وجاء بهذه الكلية الشاملة، فإن قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ يفيد بعمومه المستفاد من الشرطية الكلية أن يخلف كل حقير وجليل من أنواع ما أنفقوه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ فإنه يتناول ما يصدق عليه لفظ الشيء، وهو يصدق على الخردلة إذ لا خلاف أنها شيء بل يصدق على أقل جزء من أجزائها، ثم ذيل هذه الجملة الشرطية بقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (١). فانظر إلى ما في هذه الجملة التذييلية من تطمين خواطر المنفقين وتشويقهم إلى ما يخلفه عليهم من هو خير الرازقين، فإن في ذلك ما يجذب خواطر المتقين إلى أن يكونوا من المنفقين المنتظرين لما وعدهم به خير الرازقين، فإنه كونه خير الرازقين لا يكون ما يخلفه عليهم إلا أضعاف أضعاف ما ينفقون، كما تراه في أحوال بني آدم فإن من كان منهم موصوفا بالكرم لا يكافئ إلا بالكثير الذي يكون بالنسبة إلى ما كافأ به عليه فوقه بكثير. فكيف إذا كان ملكا من ملوك الدنيا الذي ينزعه إلى الكرم عرق، فكيف إذا كان ملك الملوك وربهم وخالقهم ورازقهم، ومع هذا الخلف الذي يخلعه على المنفقين، فلهم الجزاء الأخروي بما أنفقوا الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، كما وعد به الرب في كتابه العزيز: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢). وقد ورد في السنة المطهرة الترغيب في الإنفاق بالأحاديث الكثيرة الصحيحة منها ما في .......................................

стр. 4416

الصحيحين (١) وغيرهم (٢) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ - فإِنَّ اللَّهَ يَقبلها بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِها كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ ". وأخرج مسلم (٣) والترمذي (٤) من حديث أبي هريرة أيضًا أن النبي ﵌ قال:" مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ ". وأخرج مسلم (٥) من حديثه قال: قال رسول الله ﵌: " يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي، مَالِي! وإِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَأبقى (٦) وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ ".

стр. 4417

وأخرج البخاري (١) والنسائي (٢) من حديث ابن مسعود: قال: قال رسول الله ﵌: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ " قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. قال: "فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر". وفي الصحيحين (٣) من حديث عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة". وأخرج أحمد (٤) بإسناد صحيح من حديث ابن مسعود بلفظ قال رسول الله ﵌: "ليتق (٥) أحدكم وجهه من النار ولو بشق تمرة". وأخرجه أحمد (٦) أيضًا بإسناد حسن من حديث عائشة بلفظ: قال رسول الله ﵌: "استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبع". وقد أخرج نحوه أبو يعلى (٧)، والبزار (٨) من حديث أبي بكر الصديق.

стр. 4418

وروي نحوه أيضًا من حديث أنس (١)، وأبي هريرة (٢)، وأبي أمامة (٣)، والنعمان بن بشير (٤). وأخرج الترمذي (٥) وصححه من حديث معاذ بن جبل أنه قال له ﵌: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ " قلت: بلى يا رسول الله. قال: "الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار". وأخرج ابن حبان (٦) نحوه من حديث كعب بن عجرة. وأخرج الترمذي (٧) وحسنه، وابن حبان وصححه (٨) من حديث أنس قال: قال

стр. 4419

رسول الله ﵌: "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء". وأخرج الترمذي (١) وصححه، وابن ماجه (٢) من حديث أبي كبشة الأنماري عن النبي ﵌ وفيه: " ... ما نقص مال عبد من صدقة". وفي الصحيحين (٣) وغيرهما (٤) من حديث أبي هريرة قال: "ضرب لنا رسول الله ﵌ مثل البخيل والمتصدق: كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرب أيديهما وثديهما إلى تراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفوا أثره، وجعل البخيل كلما هم بالصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها". وأخرج أحمد (٥) وابن خزيمة (٦) والحاكم (٧) وصححه من حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس". قال يزيد بن أبي حبيب: فكان (أبو مرثد) لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو كعكة أو بصلة. وأخرج أحمد (٨) ..................

стр. 4420

والبزار (١) والطبراني (٢) وابن خزيمة في صحيحه (٣) والحاكم (٤) وصححه البيهقي (٥) عن بريدة قال: قال رسول الله ﵌: "لا يخرج رجل شيئا من الصدقة حتى يفك عنها لحيي سبعين شيطانا". وفي الصحيحين (٦) وغيرهما (٧) من حديث أنس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٨) قام أبو طلحة إلى رسول الله ﵌ فقال: يا رسول الله إن أحب أموالي بيرحاء، وإنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله يا رسول الله، فقال ﵌: "بخ ذاك مال رابح، ذاك مال رابح". وأخرج البيهقي (٩) عن أنس قال: قال رسول الله ﵌: "باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة". وأخرج الترمذي (١٠) وصححه وابن ....................................................

стр. 4421

خزيمة (١) وابن حبان في صحيحه (٢) والحاكم (٣) وصححه أن رسول الله ﵌ قال: "إن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن"، فذكر الحديث ... إلى أن قال فيه: "وآمركم بالصدقة، ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقربوه ليضربوا عنقه جعل يقول: هل لكم أن أفدي نفسي منكم؟ وجعل يعطي القليل والكثير حتى فدى نفسه" الحديث. وأخرج البيهقي (٤) من حديث عمرو بن عوف قال: قال رسول الله ﵌: "إن صدقة المسلم تزيد من العمر وتمنع ميتة السوء، ويذهب الله بها الكبر والفخر". وأخرج ابن خزيمة (٥) وابن حبان (٦) في صحيحيهما والحاكم (٧) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "من جمع مالا حراما ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر، وكان إصره عليه". وفي إسناده دراج أبو السمح وهو ضعيف (٨).

стр. 4422

وأخرج ابن خزيمة في صحيحه (١) من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: "خير الصدقة ما أبقت غني، واليد العليا خير من السفلى، وابدأ بمن تعول، ... ". وأخرج أبو داود (٢) وابن خزيمة في صحيحه (٣) والحاكم (٤) وقال: صحيح، من حديث أبي هريرة أيضًا أنه قال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد المقل وابدأ بمن تعول". وأخرج الترمذي (٥) وصححه وابن حبان في صحيحه (٦) عن أم بجيد أنها قالت: يا رسول الله، إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئا أعطيه إياه؟ فقال لها رسول الله ﵌: "إن لم تجدي إلا ظلفا محرقا فادفعيه إليه في يده". وفي الصحيحين (٧) وغيرهما (٨) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء فيقول

стр. 4423

أحدهما: "اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا". وفي الصحيحين (١) وغيرهما (٢) من حديثه أيضًا أن رسول الله ﵌ قال: "قال الله تعالى: يا عبدي، أنفق أنفق عليك، وقال: يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما بيده وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع". وأخرج مسلم (٣) والترمذي (٤) من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ﵌: "يا ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى". وأخرج أحمد (٥)، وابن حبان في صحيحه (٦) والحاكم (٧) وصححه والبيهقي (٨)، عن أبي الدرداء، أن رسول الله ﵌ قال: "ما طلعت شمس قط إلا وبجنبتيها ملكان يناديان: اللهم من أنفق فأعقبه خلفا ومن أمسك فأعقبه تلفا". وفي الصحيحين (٩) وغيرهما (١٠) من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: قال لي رسول

стр. 4424

الله ﵌: "لا توكي فيوكى عليك". وفي رواية (١) "أنفقي، أو انفحي، أو انضحي، ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي الله عليك". وفي الصحيحين (٢) وغيرهما (٣) من حديث ابن مسعود عن النبي ﵌ قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها". وفي رواية: (٤) "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجلا آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار". وأخرج الطبراني في الكبير (٥)، وأبو الشيخ، ابن حبان (٦)، والحاكم (٧) وصححه، من حديث بلال قال: قال لي رسول الله ﵌: "يا بلال، مت فقيرا ولا تمت غنيا". قلت: وكيف لي بذلك يا رسول الله؟ قال: "ما رزقت فلا تخبأ، وما سئلت فلا تمنع". فقلت: يا رسول الله، وكيف لي بذلك؟ فقال: "هو ذاك أو النار". وأخرج الطبراني في الكبير (٨) بإسناد رجاله ثقات محتج بهم في الصحيح من حديث

стр. 4425

سهل بن سعد الساعدي قال: كانت عند رسول الله ﵌ سبعة دنانير وضعها عند عائشة فلما كان عند مرضه قال: "يا عائشة، ابعثي بالذهب إلى علي"، ثم أغمي عليه، وشغل عائشة ما به حتى قال ذلك مرارا، كل ذلك يغمى على رسول الله ﵌ ويشغل عائشة ما به، فبعث إلى علي فتصدق بها، وأمسى رسول الله (في جديد الموت) (١) ليلة الاثنين، فأرسلت عائشة بمصباح لها إلى امرأة من نسائه فقالت: "أهدي لنا في مصباحنا من عكتك السمن، فإن رسول الله ﵌ أمسى في جديد الموت". وأخرج ابن حبان في صحيحه (٢) معناه من حديث عائشة. وأخرج أحمد (٣) بإسناد رجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن الصامت الغفاري البصري -وهو ثقة- قال: كنت مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية له، فجعلت تقضي حوائجه، ففضل معها سبعة فأمرها تشتري بها فلوسا، قال: قلت: لو أخرته للحاجة تنوبك أو للضيف ينزل بك؟ قال: إن خليلي عهد إلى أن: "أيما ذهب أو فضة أوكي عليه جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله ".

стр. 4426

وأخرجه أيضًا الطبراني (١) بإسناد رجاله رجال الصحيح. وأخرج أبو يعلى (٢) بإسناد رجاله ثقات، والبيهقي (٣) من حديث أنس قال: أهديت للنبي ﵌ ثلاث طوائر، فأطعم خادمه طائرا، فلما كان من الغد أتيته بها، فقال لها رسول الله ﵌: "ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد فإن الله يأتي برزق غد". وأخرج ابن حبان في صحيحه (٤) والبيهقي (٥) من حديث أنس قال:" كان رسول الله ﵌ لا يدخر شيئا لغد". وأخرج مسلم (٦) وغيره (٧)! من حديث أنس أن النبي ﵌ كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر،

стр. 4427

وفتنة المحيا والممات". وأخرج الترمذي (١) من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﵌:" خصلتان لا تجتمعان في قلب مؤمن: البخل، وسوء الخلق". وأخرج أبو داود (٢)، والترمذي (٣) بإسناد رجاله ثقات من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌:" المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم" (٤).

стр. 4428

[عدل الله في خلقه]. قوله: " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" (١).

стр. 4429

لما ذكر لهم ما هو رأس مصالح المعاش والمعاد: وهو تحريم الظلم، وأنه حرمه على نفسه وجعله محرما بينهم، ثم نهاهم عن التظالم ليتم لهم فيما بينهم سيرة العدل ومسلك الخير. ثم ذكر لهم ثانيًا: أنهم على ضلال إلا من هداه الله وأخرجه من ظلمات

стр. 4430

الضلال إلى أنوار الهداية، وأمر بأن يطلبوا منه الهداية ليظفروا بها بخير الآخرة، ويفوزوا بالنعيم المقيم. ثم ذكر لهما ثالثًا: أن ما يحتاجون إليه في هذه الدار مما تدعو الضرورة إليه ولا يتم المعاش إلا به، وهو قوام الأنفس من الطعام ووقاية الأبدان من ضرر ما لا بد منه البر وستر العورات، وهو من فضله العميم وجوده الواسع، وأمرهم أن يطلبوا ذلك منه ليتفضل به عليهم ويعطيهم طلبتهم، ويسعفهم بقضاء حاجتهم. ثم ذكر لهم: ما جلبوا عليه من كثرة الخطايا في غالب أوقاتهم، وندبهم إلى ما يمحو ذلك عنهم، ويزيل أثره، وهو الاستغفار، ووعدهم أنه سيغفر لهم ويتجاوز عنهم، ثم ذكر لهم: أنه فعل ما فعل لهم وتفضل بما تفضل به عليهم من غير أن يكون له منهم فائدة أو عليه مضرة، وأنه إنما أعطاهم ما أعطى ومنحهم ما منح لمجرد الفضل العميم والكرم الجسيم. ثم أخبرهم: بأن عطاه الجم وتفضله العم لا ينقص بكثرة العطايا، وإن يلعب أبلغ المبالغ ووصلت إلى حد يقصر عنه الوصف، ويضيق الذهن عن تصوره، وتقصر العقول عن إدراكه. ثم بعد هذا كله: أخبرهم بأن ما وجدوه من الخير فهو من إنعامه عليهم لا من كسبهم ولا من سعيهم، ثم أمرهم: بالحمد له سبحانه عليهم، وما وجدوه من غير الخير فهو عقوبة أعمالهم وجزاء ضلالهم، فليعودوا باللوم على أنفسهم في الجالبة لذلك عليهم (وعلى نفسها براقش تجني) (١)، ولولا رحمته التي وسعت كل شيء، ومغفرته للمستغفرين، وتوبته على التائبين، لكانوا أحقاء بما كان لأعمالهم جزاء وفاقا، ولكسب أيديهم مثلا طباقا، وسبحان من كتب على نفسه الرحمة، ومن سبقت رحمته غضبه، وما في هذا الحديث القدسي هو مثل ما في الكتاب العزيز من قوله : ﴿مَا

стр. 4431

أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (١). وقوله سبحانه: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (٢). وقوله سبحانه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣). ولا ينافي ما في هذه الآيات قوله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ ... ﴾ (٤) إلى آخر الآية. لأن غاية ما في هذه الآية: أن ذلك سابق في الكتاب وهو اللوح المحفوظ، وكل أسباب الخير والشر سواء كانت من العبد أو من غيره هي في الكتاب، قد سبق العلم بها وجف القلم بما هو كائن، ومثل هذا قوله : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٥). والكلام في هذا البحث يطول، وقد أوضحناه في كثير من مؤلفاتنا. والحاصل أنه لا تعارض بين سبق العلم وكون ما وقع من العبد هو بقضاء الله وقدره وبين عقوبة العاصي بمعصيته، وهذا لا يفهمه إلا من فهم الفرق بين الحقائق الكونية والحقائق الدينية. قوله: قال سعيد، كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثى على ركبتيه. أقول: سبب هذا عند رواية هذا الحديث العظيم ما اشتمل عليه من المواعظ، والزواجر، والترغيبات، والترهيبات، والبشارات، والإنذارات.

стр. 4432

وحق لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أنه يحصل معه عند رواية هذا الحديث أو سماعه ما يرجف قلبه، ويقشعر له جلده، خوفا من الله وتعظيما لشأنه العظيم. قوله: "إن الله ﵎ يقول: يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيته، فاسألوا المغفرة أغفر لكم، ومن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة واستغفرني بقدرتي غفرت له". ذكر في هذه الرواية أن كل العباد لا يخلو أحد منهم من الذنب إلا من عافاه الله، وفي الرواية الأولى أنهم جميعا يخطئون بالليل والنهار إلا من غفر له، ولا مخالفة بين الروايتين؛ لأن العافية منه إذا تفضل بها على عبده عصمه عن مواقعة الذنب، ومن أذنب فقد أمره بأن يسأله المغفرة، وأيضا العافية هي الشاملة لعافية الدنيا والآخرة، ومغفرة الذنوب هي الفرد الكامل من أفرادها، وعليها تدور مصالح المعاد، وبها النجاة من النار والفوز بالجنة، ولهذا قال بعد ذكر العافية في هذه الرواية: "فاسألوني المغفرة أغفر لكم". وقد ورد في طلب العافية من الرب أحاديث متواترة ومنها: ما أخرجه أحمد (١) والترمذي (٢) وحسنه، والنسائي (٣)، وابن ماجه (٤)، وابن حبان (٥) والحاكم (٦) وصححاه من حديث أبي بكر الصديق أنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه

стр. 4433

وآله وسلم عام أول على المنبر -ثم بكى- فقال: "سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية". وإنما لم يصححه الترمذي لأن في إسناده: عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه مقال (١). وقد حكى البخاري (٢) أن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والحميدي كانوا يحتجون بحديثه. وأخرج البزار (٣) بإسناد رجاله رجال الصحيح -غير موسى بن السائب وهو ثقة- من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﵌: "ما سأل العباد شيئا أفضل من أن يغفر لهم ويعافيهم". وأخرج البزار (٤) أيضًا بإسناد رجاله ثقات من حديث أنس قال: مر النبي ﵌ بقوم مبتلين فقال: "أما كان هؤلاء يسألون الله العافية".

стр. 4434

وأخرج الطبراني (١) بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح -غير يزيد بن أبي زياد وهو حسن الحديث- من حديث العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئا أدعو الله تعالى به؟ فقال: "سل ربك العافية". قال: فمكث أياما ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئا أسأله ربي؟ فقال: "يا عم، سل الله العافية في الدنيا والآخرة". وقد أخرج هذا الحديث الترمذي في سننه (٢) قال: "حدثنا بن منيع، حدثنا عبيد بن أحمد عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب، فذكره ... ". قال الترمذي (٣) بعد إخراجه: هذا حديث صحيح، وعبد الله هو ابن الحارث بن نوفل، وقد سمع من العباس بن عبد المطلب. انتهى. وأخرج الطبراني في الكبير (٤) من حديث ابن عباس أن النبي ﵌ قال لعمه العباس: "يا عم، أكثر الدعاء بالعافية". وفي إسناده هلال بن خباب (٥) وقد ضعفه جماعة، وهو ثقة كما قال في مجمع الزوائد (٦)، وبقية رجاله ثقات. وأخرج ...................................................................

стр. 4435

الترمذي (١) وحسنه من حديث أنس: أن رجلا جاء إلى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: "سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة". ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟ فقال له مثل ذلك. ثم أتاه في اليوم الثالث فقال له مثل ذلك، قال: "فإذا أعطيت العافية في الدنيا وأعطيتها في الآخرة فقد أفلحت". وأخرج الطبراني أيضًا في الكبير (٢) من حديث معاذ بإسناد رجاله رجال الصحيح قال: قال رسول الله ﵌: "ما من دعوة أحب إلى الله أن يدعو بها عبد من أن يقول: اللهم إني أسألك المعافاة أو (العافية) (٣) في الدنيا والآخرة". وأخرج الطبراني في الكبير (٤) أيضًا من حديث محمد بن عبد الله بن جعفر قال: كنت مع عبد الله بن جعفر إذ جاءه رجل فقال: مرني بدعوات ينفعني الله بهن، قال: نعم سمعت رسول الله ﵌ وسأله رجل عما سألتني عنه فقال: " سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة". وفي إسناده [سليمان بن داود] (٥) الشاذكوني، وفيه ضعف. وأخرج البزار (٦) من حديث ابن عباس قال: كان النبي ﵌

стр. 4436

يقول: "اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي ... " الحديث. ومن ذلك ما أخرجه الترمذي (١) وحسنه، والنسائي (٢)، وابن خزيمة (٣) وابن حبان (٤) وصححاه، من حديث أنس قال: قال رسول الله ﵌: "لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة"، قيل: ماذا نقول يا رسول الله؟ قال: "سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة". وأخرج النسائي (٥) وغيره (٦) من حديث أبي هريرة عنه ﵌ أنه قال: "سلوا الله العفو والعافية". والأحاديث في الباب واسعة جدا. ولما طلب منهم سبحانه سؤاله المغفرة، أخبرهم بأنه يغفر لهم لمجرد هذا الطلب، ثم ضم إلى ذلك أنه يغفر لمن علم من عباده أنه ذو قدرة على المغفرة واستغفره بقدرته غفر له وكل عبد من العباد وإن كان له من الإسلام أقل حظ يعلم أنه يقدر على مغفرة الذنوب، وكيف يشك في ذلك شاك أو يتخالج عبد من عباده ريب، وهو خالق العالم بأسره ورب الكل، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو المتفضل الكريم المطلق،

стр. 4437

المتجاوز العفو الغفور. وفي هذه المفاصلة الفاضلة بشارات: ١ - منها أن عافيته سبحانه تعصم من عافاه من عباده عن الذنوب. ٢ - ومنها أنه يغفر للمستغفرين. ٣ - ومنها أنه يغفر لمن علم أنه ذو قدرة على مغفرة الذنوب. فانظر هذه الرحمة الواسعة والفضل الجم والكرم الفياض، وتصوره في الأحوال -ولله المثل الأعلى- لو رأيت بعض ملوك الدنيا وقد أشرف على عبيد له، يقول لهم هذه المقالة، لما وجدت عبارة تفي بوصف ما جبل عليه من الرأفة والرحمة والعلم، مع أنه مخلوق مثلهم، ومحتاج لما يحتاجون إليه من خالقه ورازقه وخالقهم ورازقهم، فكيف إذا كان القائل لهذه المقالة هو خالق السموات والأرض وما فيها، وخالق كل المخلوقات، ورازق جميع من يحتاج إلى الرزق من جميع خلقه، فإنك تجد ذهنك قد ضاف عن تصور بعض البعض من هذه الرحمة الواسعة والحلم العظيم والكرم العميم. سبحانك ما أعظم شأنك، سبحانك ما أعز سلطانك، سبحانك ما أجل إحسانك، سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأقول (١) لو كأن لي كل لسان لما ... وفيت بالشكر لبعض النعم فكيف لا أعجز عن شكرها ... وليس لي غير لسان وفم (٢) قوله:" وكلكم ضال إلا من هديته، فاسألوني الهدى أهدكم". في هذه الرواية زيادة تصريح على ما في الرواية الأولى لأنه قال هنا:" فاسألوني الهدى أهدكم"، وفيما سبق قال:" فاستهدوني أهدكم"، ومعنى استهدوني: اطلبوا مني

стр. 4438

الهداية (١)،والمعنى أنه سبحانه سجل على جميع عباده بالضلال فكان لهذا من الموقع في

стр. 4439

قلوب العباد ما تضيق له الصدور وتقشعر له الجلود، ثم فتح [لهم] (١) باب الهداية، وعرفهم أنهم يخرجون من هذه الظلمة إلى النور بمجرد سؤاله الهداية لهم، وأنه سيهديهم لا محالة إذا طلبوا ذلك منه، وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، وقد تقدم بيان سبب كونهم مجبولين على الضلال. قوله:"وكلكم فقير إلا من أغنيته فسلوني أرزقكم". هذه الرواية أعم من الرواية الأولى، وأكثر فائدة، فإنه سبحانه هنالك قال:" يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم". فلقد خص في هذه الرواية: الطعام والكسوة لكونهما أهم ما يحتاجه العباد وأعظم ما تدعو حاجتهم إليه.

стр. 4440

وأما قوله:" كلكم فقير إلا من أغنيته"، فالافتقار كما يكون إلى الطعام والكسوة يكون أيضًا إلى غيرهما من الشراب والمسكن وما يقوم به المعاش في هذه الدار، ثم قال: "إلا من أغنيته": أي " كفيته جميع ما تدعوا حاجته إليه من كل ما لا بد منه، ثم قال:" فسلوني أرزقكم" فأمرهم بالسؤال مطلقا، وقد تقرر في علم البيان: أن حذف المتعلق مشعر بالعموم (١). فالمعنى: سلوني ما شئتم حتى أرزقكم إياه وأعطيكم ما تطلبون من كل حاجة تحتاجونها كائنة ما كانت.

стр. 4441

[ملك الله لا ينقص بالعطاء]. قوله:" ولو أن حيكم وميتكم، وأولكم وآخركم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا فكانوا على قلب أتقى عبد من عبادي، لم ينقص من ملكي جناح بعوضة". هذه الرواية أشمل من الرواية الأولى لأنه سبحانه قال هناك:" لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ... إلخ" وقال هنا:" لو أن (جميع) (١) حيكم وميتكم"، فصرح بالأموات فكان أوضح من ذكر مجرد ذكر الأولية والآخرية، وقد دخل في قوله:" يا عبادي " الجن كما دخل الإنس. ثم صرح بما يشمل الأولين والآخرين بقوله:" وأولكم وآخركم" ثم جاء بما يشمل الجمادات كلها ناميها وغيره، فقال:" ورطبكم ويابسكم"، وبهذا تعرف أن في هذه الرواية زيادة فائدتين: الأولى: التنصيص على الأموات بعد الأحياء. الثاني (٢) ذكر أعم العام وهو كل رطب ويابس. وأما التعبير بجناح البعوضة فهو لقصد المبالغة في التعميم، ولا نقص أصلا كما تقدم. قوله:" ولو أن حيكم وميتكم، وأولكم وآخركم، ورطبكم ويابسكم، [اجتمعوا] (٣) فسأل كل سائل منهم ما بلغت أمنيته، ما نقص من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بشفة البحر فغمس فيها إبرة ثم نزعها، ذلك بأني جواد ماجد، عطاي كلام، إذا أردت شيئا فإنما أقول له: كن فيكون". ذكر سبحانه في هذه الرواية أن كل سائل ما بلغت أمنيته، وذكر فيما تقدم أنه أعطى

стр. 4442

كل إنسان منهم مسألته، والظاهر أن هذه الرواية أشمل مما تقدم لأنه جعل مدى المسألة ما بلغت إليه أمنيته، وما يتمناه الإنسان من الفوائد العاجلة والآجلة في غاية الكثرة، بخلاف إعطاء السائل مسألته، فإن المسألة قد تكون بالكثير من الفوائد وقد تكون بالواحدة منها، وأما قوله:" فغمس فيها إبرة ثم نزعها"، فهو كقوله في الرواية المتقدمة:" ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط ... "، لأن الإبرة هي المخيط وإن اختلفت في الصغر والكبر. وأما قوله:" ذلك بأني جواد ماجد عطاي كلام إذا أردت شيئا إنما أقول له: كن فيكون". فهو يفيد أن قوله في الرواية الأولى:" ما نقص مما عندي"، وأن قوله هنا:" ما نقص من ملكي" (١)، ومعناها: من مقدوري، وأما قوله:" إذا أردت شيئا إنما

стр. 4443

أقول له كن فيكون "، فالمراد بالشيء: هو المعلوم له قبل إبداعه، وقبل توجيه هذا الخطاب إليه، وليس المراد بالشيء هو الموجود في الخارج، فإن ذلك يستلزم تحصيل الحاصل، وهو محال. فالحاصل أن هذا من خطاب التكوين: وهو الذي يكون به المخاطب ويخلقه به بدون طلب فعل من المخاطب ولا قدرة للمخاطب ولا إرادة ولا وجود، بخلاف خطاب التكليف (١) فإنه: الذي يطلب به من المأمور فعلا أو تركا يفعله بقدرته وإرادته، وإن كان ذلك جميعه بحول الله وقوته، وقد اختلف الناس في:" خطاب التكليف هل يصح أن يخاطب به المعدوم أم لا؟ " والبحث مستوفى في الأصول (٢).

стр. 4444

ومن التكوين: ما أخرجه مسلم (١) وغيره (٢) عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﵌ قال: "إن الله خلق مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة". وما أخرجه البخاري (٣) وغيره (٤) من حديث عمران بن حصين عن النبي ﵌ أنه قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض". ومن ذلك حديث (٥) "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: ما

стр. 4445

أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة". فالمراد (في الآية) (١) أنه سبحانه يقول للشيء الثابت في علمه كن فيكون، وليس المراد أنه يقول للشيء الموجود في الخارج في كن فيكون حتى يلزم المحال، فالذي يقال له كن هو الذي يراد قبل أن يخلق لأنه متميز في علم الله سبحانه وسابق قدره. قوله في الرواية الثالثة: "يا ابن آدم كلكم مذنب إلا من عافيت، فاستغفروني أغفر لكم". أخبر سبحانه عباده بأنهم متلوثون بالذنوب مقارفون للمعاصي للعلة التي ذكرناها فيما تقدم إلا من عافاه الله منهم من الوقوع في موجبات الذنوب وأسبابها، وهؤلاء المذنبون قد فتح لهم باب الرحمة، وندبهم إلى الاستغفار، وسد باب الإياس وأغلقه، لأنه سبحانه لا يتعاظمه ذنب كائنا ما كان حتى الشرك بالله! والكفر به!، فإنه لا خلاف أن الكافر إذا أسلم غفر الله له ذنوبه وجب الإسلام ما قبله، ولهذا يقول سبحانه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ (٢) وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ .... ﴾ (٤). فالتوبة من هذا الذنب الذي هو أشد الذنوب تمحوه! ويصير التائب من الذنب كمن لا ذنب له! وما عدا ذلك من الذنوب فالاستغفار يرفعه لأن مجرد الاستغفار مشعر بالتوبة إلا أن يكون الذنب من حقوق بني آدم المالية، فلا توبة منه إلا برده أو استطابة نفس

стр. 4446

مالكه، وكذلك ما كان من حقوق بني آدم من الدماء فلا توبة إلا ببذل النفس للقصاص، أو الأرش فيما لا قصاص فيه، أو الإبراء، وما كان منها في الأعراض فلا بد من التحلل الكائن عن رضا وطيبة نفس، وإذا لم يحصل شيء من ذلك فالموعد القيامة بين يدي الحاكم العدل. وقد أخرج مسلم (١)! وغيره (٢) من حديث أبي سعيد عنه ﵌: "أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض من مظالم كانت بينهم في الدنيا، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ... ". وصح (٣) عنه ﵌ أنه قال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه في دم أو مال فيتحللها منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار إلا الحسنات والسيئات، فإن كان له حسنات أخذ من حسناته بقدر مظلمته، وإلا أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم طرح في النار". وأخرج البخاري في كتاب الأدب (٤)، واستشهد به في صحيحه (٥)، وأحمد (٦)، وغيره (٧) من حديث جابر قال: "إذا كان يوم القيامة فإن الله يجمع الخلائق في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه

стр. 4447

من قرب: أنا الملك الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار ولأحد من أهل الجنة قبله مظلمة حتى أقضيه منه". قوله: "وكلكم فقير إلا من أغنيت فسلوني أعطكم". في هذا إرشاد للعباد إلى التوكل (١) على ربهم في أرزاقهم، وأن جميعهم فقراء إلا من

стр. 4448

أغناه الله، فدفع الفقر لا يغني فيه سعي ولا كسب، ولا حيلة للعبد في شيء من ذلك، بل الغنى بيد الله ، من أفاض عليه من خزائن ملكه صار غنيا، ولا ينافي ذلك السعي في أسباب الرزق، كما في قوله : ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ .... ﴾ (١). فإن الله هو مسبب الأسباب، وهو الفاتح لأبواب الخير، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (٢) الآية. وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (٣). قوله: "وكلكم ضال إلا من هديت فسلوني الهدى أهدكم، ومن استغفرني وهو يعلم أني ذو قدرة على أن أغفر له، غفرت له ولا أبالي". لما كان أصل هذا النوع الإنساني الضلال والجهل، لأن الهدى والعدل لا بد أن يتقدمه علم، إذ من لا يعلم لا يدري ما العدل ولا ما الهدى حتى يعلم بذلك، فأخبر الله سبحانه عباده أن كلهم ضال إلا من هداه ، فهو الهادي، لا هادي سواه، ثم أرشدهم إلى أن يسألوه الهداية لهم، وكفل لهم إذا سألوه ذلك أن يجيبهم ويمنحهم ما سألوه، ويعطيهم ما طلبوه، ثم أرشدهم إلى أن يطلبوا منه المغفرة لذنوبهم بعد أن يعلموا أنه ذو قدرة على ذلك، وكل مسلم يعلم ذلك، فالتقييد بهذه الزيادة فيه الإشعار لهم بأنه

стр. 4449

سيغفر لهم لا محالة، لأنه لا يوجد مسلم يخالف في هذه القدرة الربانية على مغفرة الذنوب، ثم زيادة قوله سبحانه: "ولا أبالي" تفيد مزيد التأكيد أنه فاعل لذلك، وأنه لا يتعاطفه شيء، ولا يبالي من شيء، ومن ذاك الذي يبالي به رب العالم وخالق الكل، والجميع عبيده وخلقه وتحت قدرته وتصرفه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وقد قدمنا شرح هذه الكلمات المذكورة في هذه الرواية الثالثة فيما قبلها، ولكنا نتعرض لمزيد فائدة وتقييد شاردة. قوله: "ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا على قلب أشقى رجل منكم، ما نقص ذلك من سلطاني مثل جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زادوا في سلطاني مثل جناح بعوضة". قد قدمنا الكلام على [هذا] (١) الفصل مستوفى، والمراد من هذا أنه سبحانه بين لهم أنه يحسن إليهم بما سبق ذكره وغيره، ولا يزيد إحسان المحسنين في سلطانه شيئا، فإن ذلك إنما هو عادة المخلوقين، فإن غالب أعطياتهم لبعضهم البعض لجلب النفع أو دفع الضر، وأما رب العالم وخالقهم ومحييهم ومميتهم فهو الغني المطلق، الذي لا يبلغ عابده نفعه ولا يستطيعون ضره، وكيف يستطيع ذلك من هو في الضعف والعجز بمكان، بحيث لا يجلب لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا، فكيف يقدر على أن يجلب لغيره من المخلوقات نفعا أو يدفع عنهم ضرا، فتعالى الله الملك الحق وتقدس عن أن يقع في خلد أحد من عباده، مسلمهم وكافرهم، ومطيعهم وعاصيهم، أنه يعود إلى ربه الخالق له، والرازق والمحيي له والمميت، زيادة في سلطانه من طاعته أو نقص فيه من عصيانه. قوله:" ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم، سألوني

стр. 4450

حتى تنتهي مسألة كل واحد منهم، فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ذلك مما عندي كمغرز إبرة لو غمسها أحدكم في البحر، وذلك أني جواد ماجد، عطاي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن فيكون". هذا الفصل قد تقدم شرحه مستوفى فلا نطيل الكلام عليه. وإلى هنا انتهى الشرح لحديث أبي ذر في شهر محرم سنة: (١٢٤٠ هـ) بقلم مؤلفه محمد بن علي الشوكاني، غفر الله لهما.
следующие страницы →