← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

مالكه، وكذلك ما كان من حقوق بني آدم من الدماء فلا توبة إلا ببذل النفس للقصاص، أو الأرش فيما لا قصاص فيه، أو الإبراء، وما كان منها في الأعراض فلا بد من التحلل الكائن عن رضا وطيبة نفس، وإذا لم يحصل شيء من ذلك فالموعد القيامة بين يدي الحاكم العدل. وقد أخرج مسلم (١)! وغيره (٢) من حديث أبي سعيد عنه ﵌: "أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض من مظالم كانت بينهم في الدنيا، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ... ". وصح (٣) عنه ﵌ أنه قال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه في دم أو مال فيتحللها منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار إلا الحسنات والسيئات، فإن كان له حسنات أخذ من حسناته بقدر مظلمته، وإلا أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم طرح في النار". وأخرج البخاري في كتاب الأدب (٤)، واستشهد به في صحيحه (٥)، وأحمد (٦)، وغيره (٧) من حديث جابر قال: "إذا كان يوم القيامة فإن الله يجمع الخلائق في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه

стр. 4447

من قرب: أنا الملك الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار ولأحد من أهل الجنة قبله مظلمة حتى أقضيه منه". قوله: "وكلكم فقير إلا من أغنيت فسلوني أعطكم". في هذا إرشاد للعباد إلى التوكل (١) على ربهم في أرزاقهم، وأن جميعهم فقراء إلا من

стр. 4448

أغناه الله، فدفع الفقر لا يغني فيه سعي ولا كسب، ولا حيلة للعبد في شيء من ذلك، بل الغنى بيد الله ، من أفاض عليه من خزائن ملكه صار غنيا، ولا ينافي ذلك السعي في أسباب الرزق، كما في قوله : ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ .... ﴾ (١). فإن الله هو مسبب الأسباب، وهو الفاتح لأبواب الخير، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (٢) الآية. وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (٣). قوله: "وكلكم ضال إلا من هديت فسلوني الهدى أهدكم، ومن استغفرني وهو يعلم أني ذو قدرة على أن أغفر له، غفرت له ولا أبالي". لما كان أصل هذا النوع الإنساني الضلال والجهل، لأن الهدى والعدل لا بد أن يتقدمه علم، إذ من لا يعلم لا يدري ما العدل ولا ما الهدى حتى يعلم بذلك، فأخبر الله سبحانه عباده أن كلهم ضال إلا من هداه ، فهو الهادي، لا هادي سواه، ثم أرشدهم إلى أن يسألوه الهداية لهم، وكفل لهم إذا سألوه ذلك أن يجيبهم ويمنحهم ما سألوه، ويعطيهم ما طلبوه، ثم أرشدهم إلى أن يطلبوا منه المغفرة لذنوبهم بعد أن يعلموا أنه ذو قدرة على ذلك، وكل مسلم يعلم ذلك، فالتقييد بهذه الزيادة فيه الإشعار لهم بأنه

стр. 4449

سيغفر لهم لا محالة، لأنه لا يوجد مسلم يخالف في هذه القدرة الربانية على مغفرة الذنوب، ثم زيادة قوله سبحانه: "ولا أبالي" تفيد مزيد التأكيد أنه فاعل لذلك، وأنه لا يتعاطفه شيء، ولا يبالي من شيء، ومن ذاك الذي يبالي به رب العالم وخالق الكل، والجميع عبيده وخلقه وتحت قدرته وتصرفه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وقد قدمنا شرح هذه الكلمات المذكورة في هذه الرواية الثالثة فيما قبلها، ولكنا نتعرض لمزيد فائدة وتقييد شاردة. قوله: "ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا على قلب أشقى رجل منكم، ما نقص ذلك من سلطاني مثل جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زادوا في سلطاني مثل جناح بعوضة". قد قدمنا الكلام على [هذا] (١) الفصل مستوفى، والمراد من هذا أنه سبحانه بين لهم أنه يحسن إليهم بما سبق ذكره وغيره، ولا يزيد إحسان المحسنين في سلطانه شيئا، فإن ذلك إنما هو عادة المخلوقين، فإن غالب أعطياتهم لبعضهم البعض لجلب النفع أو دفع الضر، وأما رب العالم وخالقهم ومحييهم ومميتهم فهو الغني المطلق، الذي لا يبلغ عابده نفعه ولا يستطيعون ضره، وكيف يستطيع ذلك من هو في الضعف والعجز بمكان، بحيث لا يجلب لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا، فكيف يقدر على أن يجلب لغيره من المخلوقات نفعا أو يدفع عنهم ضرا، فتعالى الله الملك الحق وتقدس عن أن يقع في خلد أحد من عباده، مسلمهم وكافرهم، ومطيعهم وعاصيهم، أنه يعود إلى ربه الخالق له، والرازق والمحيي له والمميت، زيادة في سلطانه من طاعته أو نقص فيه من عصيانه. قوله:" ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم، سألوني

стр. 4450

حتى تنتهي مسألة كل واحد منهم، فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ذلك مما عندي كمغرز إبرة لو غمسها أحدكم في البحر، وذلك أني جواد ماجد، عطاي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن فيكون". هذا الفصل قد تقدم شرحه مستوفى فلا نطيل الكلام عليه. وإلى هنا انتهى الشرح لحديث أبي ذر في شهر محرم سنة: (١٢٤٠ هـ) بقلم مؤلفه محمد بن علي الشوكاني، غفر الله لهما.

стр. 4451

(١٨١) ٩/ ٥ سؤال وجواب في فقراء الغرباء الواصلين إلى مكة من سائر الجهات ومكثهم في المسجد الحرام تأليف: محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4452

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: سؤال وجواب في فقراء الغرباء الواصلين إلى مكة من سائر الجهات ومكثهم في المسجد الحرام. ٢ - موضوع الرسالة: آداب. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وبعد فإنه وصل هذا السؤال من مكة المشرفة وهذا لفظه: ٤ - آخر الرسالة: ...... ربما يقول به قائل ممن لا يعقل حجج الله، ولا يفهم براهينه وفي هذا المقدار كفاية والله ولي التوفيق. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٥ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٣٠ سطرا. ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها خمسة أسطر. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4453

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبعد: فإنه وصل السؤال من مكة المشرفة، وهذا لفظه: ما قولكم - رضي الله عنكم- في فقراء الغرباء الواصلين إلى مكة - شرفها الله - الواردين إليها من سائر الجهات، ومكثهم في المسجد الحرام بما معهم من الأمتعة، واتخاذهم إياه مسكنا، ونومهم فيه من صحيح ومريض وجريح، مع كشف عورات أغلبهم، وكثرة صياحهم وتشويشهم على المصلين في آخر المسجد مع الإمام اشتباه الإمام عليهم، ولو كان مبلغ بسبب رفع أصواتهم وترك بعضهم الصلاة مع الجماعة، ومنهم لغالب بقاع المسجد على المصلين بما معهم من الأمتعة المسترذلة، وتلويثهم المسجد بالأوساخ، والبزاق، والمخاط، والقيح والدم، والبول، والغائط المشاهد كل ذلك حسا وعيانا، المؤدي ذلك إلى هتك حرمة البيت الشريف الواجب تعظيمه وتوقيره، والمكث فيه مع الجنابة. وعلى ذلك مما هو مستقبح شرعا هل يباح مكثهم فيه على ما ذكر قياسا على فقراء المهاجرين من أهل الصفة (١) من الصحابة الكرام الذين أشرقت عليهم أنواره ﵊ أم لا يباح ذلك؟ وعلى ولاة الأمر من القضاة والحكام منعهم وإخراجهم عنه، ولو منعوا من سكنى ما كان لهم من أربطة ودور ونحوها واستيلاء الغير عليها؟ أفيدوا بالجواب، ولكم من الله الوهاب جزيل الثواب آمين.

стр. 4454

أجاب مولانا العلامة البدر محمد بن علي الشوكاني - كثر الله فوائده -. أقول: حامدا لله - سبحانه -، ومصليا على رسوله وآله - قد ثبت في هذه الشريعة المطهرة تنزيه المساجد على العموم بما هو دون هذه الأمور المذكورة في السؤال بكثير، فكيف بالمسجد الحرام الذي له من الفضائل الجزيلة، والمناقب الجميلة ما يصعب حصره، وتعسر الإحاطة به! وهو بيت الله - سبحانه - في أرضه، وقبلة العالم، ومكان حجهم! فمن جملة ما ورد في تنزيه المساجد على العموم ما أخرجه الشيخان (١) وغيرهما (٢) عن ابن عمر قال:" بينما رسول الله ﵌ يخطب يوما إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيظ على الناس ثم حكها قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران فلطخه به، وقال:" إن الله قبل وجه أحدكم إذا صلى فلا يبصق بين يديه". وأخرج ابن ماجه (٣) من حديث أبي هريرة، وفي إسناده القاسم بن مهران، وهو مجهول (٤)، وأخرج نحوه ابن خزيمة في صحيحه (٥) من حديث أبي سعيد، وأخرج أيضا

стр. 4455

نحوه أبو داود وغيره (١) من حديث ابن عمر أيضا. وأخرج أبو داود (٢)، وابن خزيمة (٣)، وابن حبان (٤) في صحيحيهما عنه ﵌:" من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه". وأخرجه الطبراني في الكبير (٥) عن أبي أمامة بنحوه. وأخرجها ابن حبان (٦)، وابن خزيمة (٧) في صحيحيهما، والبزار (٨) عن ابن عمر بنحوه. وأخرج الشيخان (٩) وغيرهما (١٠) من حديث أنس عنه ﵌

стр. 4456

قال:" البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها" وأخرجه أحمد (١) من حديث أبي أمامة بإسناد لا بأس به. وأخرج [١أ] أبو داود (٢) وابن حبان في صحيحه (٣) عن أبي سهلة السائب بن خلاد من أصحاب النبي ﵌: (أن رجلا أم قوما فبصق في القبلة، ورسول الله ﵌ ينظر، فقال رسول الله ﵌: لا يصلي بكم هذا ". فأراد بعد ذلك أن يصلى بهم فمنعوه، وأخبروه بقول رسول الله ﵌ فذكر ذلك لرسول الله ﵌ فقال:" نعم" قال: وأحسبه قال:" إنك آذيت الله ورسوله"). وأخرجه الطبراني في الكبير (٤) بنحوه من حديث ابن عمرو، وذكر أن الصلاة هي الظهر. وأخرج الطبراني (٥) بإسناد فيه نظر عن أبي أمامة رفعه قال:" إن العبد إذا قام في الصلاة فتحت له الجنان، وكشف له الحجب بينه وبين ربه، واستقبلته الحور العين ما لم يتمخط أو يتنخع". والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا. وقد ثبت النهي عن إنشاد الضالة في المسجد، وهو في الصحيح (٦).

стр. 4457

وثبت أيضًا النهي عن البيع والشراء (١) والخصومة، ورفع الأصوات، ومن ذلك ما أخرجه ابن ماجه (٢) من حديث واثلة بن الأسقع أن النبي ﵌ قال:" جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع". وأخرجه الطبراني في الكبير (٣) من حديث أبي الدرداء، وأبي أمامة، وواثلة، ورواه في الكبير (٤) أيضًا بتقديم وتأخير من رواية مكحول عن معاذ، ولم يسمع منه.

стр. 4458

وأخرج الترمذي (١)، وقال حديث حسن صحيح، والنسائي، وابن خزيمة، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم من حديث أبي هريرة عنه ﵌ قال:" إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا ردها الله عليك ". وأخرج ابن حبان في صحيحه (٢) الشطر الأول منه. إذا عرفت هذا فاعلم أنه قد ثبت في إنزال الغرباء في المساجد أحاديث منها أحاديث إنزال أهل الصفة بمسجده ﵌، وهي ثابتة في كتب الحديث والسير، والصفة موضع مظلل في مؤخرة المسجد يأوي إليه المساكين من المهاجرين، وأنزل فيها أيضًا رهطا من عكل لما قدموا على النبي ﵌ كما في البخاري (٣) وغيره (٤) من حديث أنس، وأنزل وفد ثقيف المسجد. كما أخرجه أبو داود (٥) من حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي، وأخرجه الطبراني في الكبير (٦) من حديث عطية بن عبد الله بن سفيان، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد عنعنه، ومنها ما أخرجه أحمد (٧) والطبراني (٨) من حديث أسماء بنت يزيد:" أن أبا ذر كان يخدم رسول

стр. 4459

الله ﵌ فإذا فرغ من خدمته أوى إلى المسجد، وقد كان بيته فيضطجع فيه". وأخرجه الطبراني في الأوسط (١) من حديث أبي ذر نفسه. وثبت في الصحيحين (٢) وغيرهما:" أنه ﷺ ربط ثمامة بن أثال بسارية من سواري المسجد " وثبت أيضًا في الصحيحين (٣) وغيرهما:" أن النبي ﵌ أنزل سعد بن معاذ في المسجد ليعوده من قريب، فلم يرعهم، وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم "الحديث. وثبت عند البخاري (٤) وغيره من حديث عائشة في شأن المرأة السوداء في قصة

стр. 4460

الوشاح، وكان لها خباء في المسجد أو حفش. وثبت في الصحيح (١) "إنزال وفد الحبشة في المسجد، ولعبهم بجرابهم فيه، ورسول الله ﵌ ينظر ". وثبت [١ب] في الصحيح (٢) أيضاً: " أن ابن عمر كان ينام في المسجد، وهو شاب أعزب لا أهل له " ونحو هذه الأحاديث الثابتة في نزول الغرباء المسجد، وانزل كل غريب من الوفد لا يجد له منزلا، وليس فيها ما ذكره السائل من صنيع هؤلاء النازلين به الآن من تلويثه بالنجاسات، واحتجازه بأمتعتهم، وتشويش المصلين برفع أصواتهم؛ فإن مثل هذه الأمور تصان المساجد عما هو دونها بكثير فضلا عن المسجد الحرام، فتركهم والحالة هذه منكر، وتفويت لما بنيت المساجد له كما في حديث:" أن المساجد لم تبن لهذا، إنما بنيت لذكر الله والصلاة " (٣) فهؤلاء قد فوتوا بهذا العمل منهم ما بنيت له المساجد. وقد ورد النهي عن أن يشغل القارئ من كان مصليا مع أن تلاوة القرآن من أفضل الذكر التي بنيت له المساجد، ولكنه لما صاحب هذه التلاوة التي هي عبادة محضة ما هو مفسدة، وهو التشويش على المصلين خرج ذلك من باب المعصية، فكيف بما هو لغو بحت، وضوضاة محض، وجلبة لا يراد بها شيء من طاعات الله - سبحانه -، ولا يحل لعالم أن يحتج لفعل مثل هؤلاء المسؤول عنهم بمثل ما وقع لسعد بن معاذ من انفجار

стр. 4461

جرحه وسيلانه في المسجد، فإن ذلك وقع اتفاقا عن غير قصد. وقد صرح الحديث المتقدم في إنزاله بالعلة التي لأجلها أنزل بالمسجد، وهو أن يعوده ﵌ من قريب، ولا يحل أيضًا الاحتجاج بفعل الحبشة ولعبهم بالحراب، فإن النبي ﵌ بالغ في إكرامهم مكافأة للنجاشي بما صنعه من المعروف مع الصحابة المهاجرين إليه، حتى كان في بعض الحالات قد يتولى خدمتهم بنفسه الشريفة تكميلا لتلك المكافأة. ومع هذا فهم إنما فعلوا ما هو صناعة من صنائع الحرب ودقيقة من دقائقه. وعلى كل حال فأين هذا من صنيع هؤلاء الذين لوثوه بالنجاسات، وقذروه بالوساخات، وكشف العورات، ورفع الأصوات، وتشويش أهل العبادات. وانظر إلى ما أخرجه عبد الرزاق (١) من حديث جابر قال:" أتانا رسول الله ﵌ ونحن مضطجعون في مسجده فضربنا بعسيب في يده وقال: قوموا لا ترقدوا في المسجد". وفي إسناده حرام (٢) بمهملتين، وهو ضعيف، ولكنه يقويه ما أخرجه الطبراني (٣) بإسناد رجاله ثقات عن أبي عمرو الشيباني قال: كان ابن مسعود يعس بالمسجد فلا يدع سوادا إلا أخرجه " ولا يحل أيضًا الاحتجاج لهؤلاء المنجسين لبيت الله المقذرين له بما روي من

стр. 4462

أكله ﵌ في نادر الحالات في المسجد كما أخرجه الطبراني في الكبير (١) من حديث ابن الزبير بإسناد فيه ابن لهيعة قال:" أكلنا مع النبي ﵌ يوما شواء، ونحن في المسجد ". وكما أخرجه أحمد (٢) من حديث بلال برجال ثقات مع انقطاع فيه:" أنه جاء إلى النبي ﵌ يؤذنه بالصلاة فوجده يتحسر في مسجد بيته". وكما أخرجه أحمد (٣)، وأبو يعلى (٤) من حديث: [ابن عمر] (٥) أنه ﵌ شرب فضيخا في مسجد يقال له مسجد الفضيخ " وفيه عبد الله بن نافع ضعفه البخاري، وأبو حاتم والنسائي. وقال ابن معين: يكتب حديثه. وكما في حديث عبد الله [٢أ] بن الحارث قال:" كنا نأكل على عهد رسول الله ﵌ في المسجد الخبز واللحم". أخرجه ابن ماجه (٦). فليس في هذا وأمثاله من التقذير والتنجيس شيء، فالواجب على أولي الأمر أن

стр. 4463

ينزهوا بيت الله عن هذه الأمور التي لا يحلها الشرع في شيء من مساج المسلمين، فكيف ببيت رب العالمين الذي شرفه الله على كل مسجد من مساجد الدنيا بمضاعفة الصلاة فيه إلى تلك الأضعاف المذكورة في حديث:" صلاة في مسجدي هذا " (١) الحديث. وأخرج أحمد (٢)، وابن ماجه (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌:" من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرا، أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله، ومن دخل لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له"، وفي لفظ:" بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع لدى غيره". وإذا ثبت هذا في مسجده ﵌ فهو في المسجد الحرام ثابت بفحوى الخطاب فما ينبغي اعتماده في مثل هؤلاء هو أن يقال لهم بالمعروف إذا نزلتم في هذا المسجد الشريف الذي يقصده العالم من أطراف الأرض فلا تقذروه بشيء من الأقذار، ولا تلوثوه بشيء من النجاسات، ولا تحجزوه على من يقصده لعبادة الله، ولا ترفعوا فيه صوتا، ولا تكشفوا فيه عورة، ولا تهتكوا فيه حرمة، وأحيوه بالعبادة والذكر، وارفعوا من أمتعتكم ما يمنع الوافدين إليه من الصلاة فيه، والعمل الصالح، فإن

стр. 4464

أطاعوا فذاك، وإن أبوا خرجوا كرها شاءوا أم أبوا. فحرمة هذا البيت العظيم فوق كل حرمة، وشرفه الله فوق كل شرف، وهؤلاء المسؤول عنهم إن كانوا على الصفات المذكورة فليسوا من القوم الذي ينزلون بهذا البيت العظيم، ولا هم من الوفد الذين يقفون فيه بل هم من الهاتكين لحرمته التي عظمها الله، المانعين لمن وفد إليه من عباده، وهل يعد التقذير بالنجاسات، وكشف العورات من عمل يخالف تلك الحرمة، وينافي تلك العظمة، ويضاد ذلك الشرف، وينافي تلك الجلالة ولو لم يكن من أفعال هؤلاء إلا تصغير حرمة البيت الحرام عند القاصدين له من أقطار المعمورة، فإنها داره عند وفوده إليه، ووقوفه بأبوابه، وهو على تلك الصفات قد احتجز أكثر أمكنته هؤلاء المقذرة ثيابهم، البادية سوآتهم، ورأى فيه النجاسات والقاذورات، وسمع صراخهم وعويلهم حتى كأنهم في سوق من الأسواق، أو حمام من الحمامات، وكان هذا الوافد من أطراف الأرض من عوام أهلها، فمعلوم لكل عاقل أنه يقع في خاطره، ويثبت في تصوره غير ما كان يعتقده، ودون ما كان يسمعه. وهذه مفسدة عظيمة تقتضي وحدها تنزيه البيت عنهم إذا لم يتركوا ما صاروا فيه من التلاعب [٢ب] بهذه الحرمة العظيمة، والتهاون بهذه المزية الشريفة. فإن قال قائل: لهم حرمة. قلنا: أي حرمة إن كان فعله هذا الفعل في أشرف بقاع الأرض، ولو سلمنا الحرمة لكانت حرمة البيت أعظم من حرمتهم، وما حصل فيه من هتك حرمته، وتصغير عظمته، ومنع الوافدين - إلى بيت الله الكريم - من الطاعات، تارة بالحجز لأمكنته، وتارة برفع الأصوات المشوشة لكل مصل فيه أعظم وأطم مما حصل فيهم من الإخراج منه إذا لم يمتثلوا للوقوف فيه على ما يسوغه الشرع، ويجوزه الدين. ومعلوم أن التسوية التي أثبتها الله للحرم الشريف، والمسجد المعظم بقوله: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) (١) لم يرد بها التسوية بين الطاعة والمعصية في الحق والباطل،

стр. 4465

وفي الخير والشر. ومثل هذا مما لا ينبغي بأن يقع فيه خلاف. ومعلوم لكل من له فهم ونصيب من علم أن هذا البيت الشريف لم يكن لغير الطاعات، ولم يوضع لمثل هذه المنكرات، ومن قال من أهل العلم بأنه يخير من فر إليه من الخائفين. قيد ذلك بأن لا يكون ارتكابه للمعصية فيه، ولهذا وإن كان أجنبيا عما سأل عنه السائل لكنه ربما يقول به قائل ممن لا يعقل حجج الله، ولا يفهم براهينه. وفي هذا المقدار كفاية. والله ولي التوفيق.

стр. 4466

(١٨٢) ١٠/ ٤ رفع الريبة فيما يجوز وما لا يجوز من الغيبة تأليف محمد بن علي الشوكاني حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه محفوظة بنت علي شرف الدين أم الحسن

стр. 4467

وصف المخطوط: (أ) ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: رفع الريبة في بيان ما يجوز وما لا يجوز من الغيبة. ٢ - موضوع الرسالة: آداب. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم وبعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله وآله فإنه قد اتفق أهل العلم على تحريم الغيبة. ٤ - آخر الرسالة: وفي هذا المقدار كفاية والله ولي التوفيق، كتبه المجيب محمد الشوكاني غفر الله له. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١٤ صفحة عدا صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٨ سطرا ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها ٩ أسطر. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة. ٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني. ١٠ - الرسالة من المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4468

وصف المخطوط: (ب) ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: رفع الريبة في بيان ما يجوز وما لا يجوز من الغيبة. ٢ - موضوع الرسالة: آداب. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم وبعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله وآله فإنه قد اتفق أهل العلم على تحريم الغيبة. ٤ - آخر الرسالة: وفي هذا المقدار كفاية والله ولي التوفيق، كتبه المجيب محمد الشوكاني غفر الله له، انتهى نقل هذه الرسالة العظيمة في يوم الثلاثاء سابع شهر شوال سنة أربع وثلاث عشر مائة بعد الألف سنة ١٣٠٤ ختمت وما بعدها بخير آمين، صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم آمين. ٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول. ٦ - عدد الصفحات: ٩ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة:٢٩ سطرا. ٨ - عد الكلمات في السطر:١٥ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4469

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبعد حمد الله، والصلاة والسلام على رسوله وآله. فإنه اتفق أهل العلم أجمع على تحريم الغيبة للمسلم، وذلك لنص الكتاب العزيز، والسنة المطهرة. أما الكتاب [قوله] (١) ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (٢) فهذا نهي قرآني عن الغيبة مع إيراد مثل لذلك يزيده شدة وتغليظا، ويوقع

стр. 4470

في النفوس من الكراهة له والاستقذار لما فيه ما لا يقادر قدره؛ فإن أكل لحم الإنسان من أعظم ما يستقذره بنو آدم جبلة وطبعا، ولو كان كافرا أو عدوا مكافحا، فكيف إذا كان أخا في النسب أو في الدين؟! فإن الكراهة تتضاعف بذلك، ويزداد الاستقذار، فكيف إذا كان ميتا؟! فإن لحم ما يستطاب ويحل أكله يصير مستقذرا بالموت، لا يشتهيه الطبع، ولا تقبله النفس. وبهذا [يعرف] (١) ما في هذه الآية من المبالغة في تحريم الغيبة، بعد النهي الصريح [عن ذلك] (٢). وأما السنة فلأحاديث النهي عن الغيبة، وهي ثابتة في الصحيحين وفي غيرهما من دواوين الإسلام، وما يلتحق بها، مع اشتمالها على بيان ماهية الغيبة، وإيضاح معناها؛ فإنه لما سأله ﵌ سائل عن الغيبة فقال:" ذكرك أخاك بما يكره " قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال:" إن كان فيه ما تقول فقد

стр. 4471

اغتبته، وإن لم يكن فقد بهته " وهذا ثابت في الصحيح (١). فعرفت تحريم الغيبة (٢) كتابا وسنة وإجماعا، ولكنه قد وقع في كلام جماعة من العلماء الاستثناء لصور صرحوا بأنه يجوز فيها الغيبة، وكلماتهم في ذلك متفاوتة، وما ذكروه من الأعداد المستثناة مختلف. فلنقتصر هاهنا على ذكر ما أورده النووي في شرح .............................................

стр. 4472

مسلم (١) له، ثم نذكر بعد ذلك تصحيح ما هو صحيح من كلامه، ونتعقب ما هو محل للتعقب، ونستدل على ما لم يذكر الدليل عليه، حتى يكون هذا البحث تاما وافيا شاملا كاملا، فإنه من المهمات الدينية [١أ]؛ لعظم خطر الوقوع فيه، مع تساهل كثير من الناس في شأنه، ووقوعهم في خطره، إلا من عصمه الله من عباده. [بيان ما يباح من الغيبة]. قال النووي في شرح مسلم (٢) [له] (٣) عند ذكر ما ورد في تحريم الغيبة ما لفظه:" لكن تباح الغيبة لغرض شرعي، وذلك لستة أسباب: أحدها: التظلم؛ فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، ويقول: ظلمني فلان، أو فعل بي فلان كذا (٤). الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب. فيقول لمن يرجو قدرته: فلان يعمل كذا، فازجره. أو نحو ذلك. الثالث: الاستفتاء بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان، أو أبي، أو أخي، أو زوجي بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص [منه] (٥)، ودفع ظلمه عني؟ ونحو ذلك؛ فهذا جائز للحاجة، والأحوط أن يقول: ما تقول في رجل، أو زوج، [أو والد، أو ولد] (٦) كان من أمره كذا؟ ولا يعين ذلك، والتعيين جائز؛ لحديث هند وقولها: إن أبا سفيان رجل شحيح (٧).

стр. 4473

الرابع: تحذير المسلمين من الشر، وذلك من وجوه: منها: جرح المجروحين من الرواة [١] والشهود والمصنفين، وذلك جائز بالإجماع بل واجب، صونا للشريعة. ومنها: الإخبار بغيبة عند المشاورة في مواصلته. ومنها: إذا رأيت من يشتري شيئا معيبا، أو عبدا سارقا، أو شاربا، أو زانيا، أو نحو ذلك؛ [تذكرة] (١) للمشتري إذا لم يعلمه، نصيحة لا لقصد الإيذاء والإفساد. ومنها: إذا رأيت متفقها يتردد إلى فاسق، أو مبتدع يأخذ عنه علما، وخفت عليه ضرره؛ فعليك نصيحته ببيان حاله، قاصدا للنصيحة. ومنها: أن يكون له ولاية؛ ليستبدل أو يعرف حاله، ولا يغتر به، أو يلزمه الاستقامة. الخامس: أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته؛ كالخمر والمصادرة للناس، وجباية المكوس، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ولا يجوز بغيره إلا بسبب آخر. السادس: التعريف؛ فإن كان معروفا بلقب، كالأعمش، والأعرج، والأزرق، والقصير، والأعمى، والأقطع، ونحوها، جاز تعريفه، ويحرم ذكره بها تنقصا، ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى ". انتهى كلامه بحروفه (٢). وأقول - مستعينا بالله ومتكلا عليه -: قبل التكلم على هذه الصور: اعلم أنا قد قدمنا أن تحريم الغيبة (٣) ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، والصيغة الواردة في الكتاب والثابتة [١ب] في السنة عامة عموما شموليا يقتضي تحريم الغيبة من كل فرد من أفراد

стр. 4474

المسلمين لكل فرد من أفرادهم، فلا يجوز القول بتحليل ذلك في موضع من المواضع لفرد أو أفراد إلا بدليل يخصص هذا العموم، فإن قام الدليل على ذلك فبها ونعمت، وإن لم يقم فهو من التقول على الله بما لم يقل، ومن تحليل ما حرمه الله بغير برهان من الله . [الصورة الأولى: التظلم]. إذا عرفت هذا فاعلم أن الصورة الأولى - من الصور التي ذكرها، وهي جواز اغتياب المظلوم لظالمه - قد دل على جوازها قول الله : ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (١) فهذا الاستثناء قد أفاد جواز ذكر المظلوم للظالم بما يبين للناس وقوع الظلم له من ذلك الظالم، ورفع صوته بذلك، والجهر به في المواطن التي يجتمع الناس بها. أما إذا كان يرجو منهم نصرته، ودفع ظلامته، ودفع ما نزل به من ذلك الظالم، كمن له منهم قدرة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من الولاة والقضاة وغيرهم؛ فالأمر ظاهر، وأما إذا كان لا يرجو منهم ذلك، وإنما أراد كشف مظلمته وإشهارها في الناس فظاهر الآية الكريمة يدل على جوازه؛ لأنه لم يقيدها بقيد يدل على أنه لا يجوز الجهر بالسوء من القول إلا لمن يرجو منه النصرة، ودفع المظلمة. وإن كان ما قدمنا من كلام النووي يفيد قصر الجواز على من يقدر على دفع الظلم لكن الآية لا تدل على ذلك [فقط] (٢) ولا تمنع مما عداه. [جواز الجهر بالسوء لمن ظلم]. وهاهنا بحثان: البحث الأول: لا يخفاك أن الأدلة الدالة على تحريم الغيبة تشمل المظلوم وغيره،

стр. 4475

والآية الدالة على جواز الجهر بالسوء لمن ظلم تفيد جواز ذلك في وجه الظالم وفي غيبته. فأدلة تحريم الغيبة أعم من وجه وهو شمولها لغير المظلوم، وأخص من وجه، وهو أعم من تناولها لما يقال في وجه من يراد ذكره بشيء من قبيح فعله. وآية جواز ذكر المظلوم للظالم أعم من وجه وهو جواز ذكر ذلك في وجه الظالم وفي غيبته، وأخص من وجه وهو عدم تناولها لغير المظلوم وظالمه. ولا تعارض في مادتين: وهما دلالة أدلة تحريم الغيبة على عدم جوازها لغائب غير ظالم، ودلالة آية جواز الجهر بالسوء على أنه يجوز للمظلوم في وجه الظالم، وإنما التعارض في مادة واحدة، [وهي] (١) ذكر المظلوم للظالم بظلمه له في غيبته. فأدلة تحريم الغيبة قاضية بالمنع من ذلك، والآية قاضية بالجواز، ولا يخفاك أن أدلة [٢أ] تحريم الغيبة أقوى؛ لصراحة دلالة الآية على تحريمها، مع اعتضادها بالأدلة من قطيعة السنة، واشتداد عضدها بوقوع الإجماع عليها. وآية جواز ذكر المظلوم للظالم وإن كانت قطعية المتن فهي ظنية الدلالة، وقد عارضها ما هو مثلها من الكتاب العزيز في قطعية متنه وظنية دلالته، وانضم إلى ذلك المعارض ما شد [من] (٢) عضده، وشال بضبعه من السنة والإجماع، [فتقصر] (٣) دلالة آية جواز ذكر المظلوم للظالم على ذكره بالسوء الذي فعله من الظلم الذي أوقعه على المظلوم في وجهه، ولا يجوز له [٢] ذكره في غيبته، ترجيحا للدليل القوي، ومشيا على الطريق السوي، فلا تكون هذه الصورة - التي جعلها النووي عنوانا للصور المستثناة - صحيحة؛ لعدم قيام مخصص صحيح صالح للتخصيص يخرجها من ذلك العموم. البحث الثاني: هل جهر المظلوم بالسوء الذي أصابه من ظالمه جائز فقط، أم له رتبة

стр. 4476

أرفع من رتبة الجواز؟ لأن الاستثناء من قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ (١) يدل على أن جهر المظلوم بالسوء الذي وقع عليه محبوب لله، وإذا كان محبوبا لله كان فعله من فاعله يختص بمزية زائدة على الجواز، ورتبة أرفع منه، وهذا على تقدير أن الاستثناء متصل، حتى يثبت للمستثنى ما نفي عن المستثنى منه (٢). وأما إذا كان منقطعا فلا دلالة في الآية على أنه مما يحبه الله، بل لا يدل على [سوء] (٣) جوازه، لكن على تقرير الاتصال؛ هاهنا مانع من أن يكون لذكر المظلوم لظالمه بالسوء رتبة زائدة على رتبة الجواز، وهو أن الله - سبحانه - قد رغب عباده في

стр. 4477

العفو (١)، وندبهم إلى ترك الانتصاف، والتجاوز عن المسيء، حتى ورد الإرشاد للمظلوم إلى ترك الدعاء على ظالمه، وأنه إذا فعل ذلك انحط عليه من أجر ظلامته ما هو مذكور في الأحاديث، وقد صرح الكتاب العزيز في غير موضع بالأمر بالعفو، والترغيب فيه، وعظم أجر العافين عن الناس (٢)، وهكذا وقع في السنة المطهرة ما هو الكثير الطيب من ذلك (٣). ومجموع هذا لا يفيد أن الانتصاف وترك العفو غايته أن يكون جائزا، وهكذا ما في هذه الآية من جواز ذكر المظلوم للظالم بالسوء الذي ناله ..........................................

стр. 4478

منه (١)، للقطع بأن الله يحب العفو عن الناس، وذلك معلوم بالكتاب والسنة والإجماع، والأدلة عليه من كليات الشريعة وجزئياتها تحتاج إلى طول بسط [٢ب] (٢). [الصورة الثانية: الاستعانة على تغيير المنكر]. وأما الصورة الثانية: التي ذكرها النووي (٣) فيما قدمنا - وهي الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب - فاعلم أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هما من أعظم عمد الدين (٤)؛ لأن بهما حصول مصالح الأولى والأخرى، فإن كانا قائمين قام بقيامها سائر الأعمدة الدينية، والمصالح الدنيوية، وإن كانا غير قائمين لم يكثر الانتفاع بقيام غيرهما من الأمور الدينية والدنيوية، وبيان ذلك، أن أهل الإسلام إذا كان الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فيهم ثابت الأساس، والقيام به هو شأن الكل أو الأكثر من الناس، فالمعروف بينهم معروف، وهم يد واحدة على إقامة من زاغ عنه، ورد غواية

стр. 4479

من فارقه، والمنكر لديهم منكر، وجماعتهم متعاضدة عليه، متداعية إليه - متناصرة على الأخذ بيد فاعله وإرجاعه إلى الحق، والحيلولة بينه وبين ما قارفه من الأمر المنكر. فعند ذلك لا يبقى أحد من العباد في ظاهر الأمر تاركا لما هو معروف، ولا فاعلا لما هو منكر، لا في عبادة، ولا في معاملة؛ فتظهر أنوار الشرع، وتسطع شموس العدل، وتهب رياح الدين، وتستعلن كلمة الله في عباده وترتفع أوامره ونواهيه، وتقوم دواعي الحق، وتسقط دواعي الباطل، وتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو المرجوع إليه [والمعمول] (١) به، وكتابه الكريم، وسنة رسوله المصطفى ﵌ هما المعيار الذي توزن به أعمال العباد، ونرجع إليهما في دقيق الأمور وجليلها؛ وبذلك تنجلي ظلمات البدع، وتنقصم ظهور أهل الظلم، وتنكسر نفوس أهل معاصي الله، وتخفق رايات الشرع في أقطار الأرض، وتضمحل جولات الباطل في جميع بلاد الله . [أضرار ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]. وأما إذا كان هذان الركنان العظيمان غير قائمين، أو كانا قائمين قياما صوريا لا حقيقيا فيالك من بدع تظهر، ومن منكرات تستعلن، ومن معروفات تستخفي، ومن جولات للعصاة وأهل البدع تقوى وترتفع، ومن ظلمات بعضها فوق بعض تظهر في الناس، ومن هرج و [مرج] (٢) في العباد يبرز للعيان، وتقر به عين الشيطان؛ وعند ذلك يكون المؤمن كالشاة العائرة، والعاصي كالذئب المفترس، وهذا بلا شك ولا ريب [٣أ] هو [المحيي] (٣) رسوم الدين، وذهاب نور الهدى، وانطماس معالم الحق. وعلى تقدير وجود أفراد من العباد يقومون بفرائض الله، ويدعون مناهيه، ولا يقدرون على أمر

стр. 4480

بمعروف، ولا نهي عن المنكر؛ فما أقل النفع بهم! وأحقر الفائدة على الدين منهم!؛ فإنهم وإن كانوا ناجين بأعمالهم، فائزين بتمسكهم بعروة الحق الوثقى، لكنهم في زمان غربة الدين، وانطماس معالمه، وظهور المنكر، وذهاب المنكر بين أهل السواد [٣] الأعظم، وفيما يتظاهر به الناس؛ وحينئذ يصير المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، ويعود الدين غريبا كما بدأ. وإذا تقرر لك هذا، وعرفت ما في قيام الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في الناس من مصالح المعاش والمعاد، وفوائد الدنيا والدين (١) - فاعلم أن هذا الذي رأي منكراً، إن كان قادرا على تغييره بنفسه (٢)، أو بالاستنصار بمن يمكن .............................

стр. 4481

الاستنصار به (١)، بأن يقول لجماعة من المسلمين: في المكان الفلاني من يرتكب المنكر، فهلموا إلي، وقوموا معي حتى ننكره ونغيره، فليس به إلى الغيبة- التي هي جهد من لا

стр. 4482

له جهد- حاجة، لأن وازع الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إذا كان موجودا في عباد الله، فلا يحتاجون إلى تعيين فاعل المنكر، وبيان أنه فلان ابن فلان، وإن لم يكن فيهم ذلك الوازع الديني، والغيرة الإسلامية؛ فهم لا ينشطون إلى إجابته بمجرد التسمية والتعيين، إذ لا فرق في مثل هذا بين الإجمال والتعيين، اللهم إلا أن يكون سيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كليلا. وعضده ضعيفا عليلا ضئيلا، فإنهم قد ينظرون مع التسمية والتعيين في فاعل المنكر؛ فإن كان قويا جليلا [تركوه] (١)، وإن كان ضعيفا حقيرا قاموا إليه وغيروا ما هو عليه. وهذا هو غربة الدين العظيمة، ولكن في الشر خيار وبعضه أهون من بعض. فإذا كانوا بمنزلة من ضعف العزيمة، بحيث لا يقدرون إلا على الإنكار على المستضعفين المستذلين؛ فذلك فرضهم، وليس عليهم سواه [٣ب]. وحينئذ لا بأس بالتعيين، والغيبة التي هي غاية ما يقدر عليه المستضعفون، ونهاية ما يتمكن منه العاجزون والله ناصر دينه، ولو بعد حين. وجواز هذه الغيبة في مثل هذا المقام، هو بأدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الثابتة بالضرورة الدينية، التي لا يقوم بجنبها دليل لا صحيح ولا عليل. [الجمع بين أدلة المسألة]: فإن قلت: هاهنا دليلان بينهما عموم وخصوص من وجه، هما أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأدلة تحريم الغيبة، فكيف لم تعمل هاهنا كما عملت في الصورة الأولى؟. قلت: قد عملت هاهنا كما عملت في الصورة الأولى، فرجحت العمل بالراجح، كما رجحت في الصورة الأولى العلم الراجح، وإن اختلف موضعا الترجيح، ففي

стр. 4483

الصورة الأولى رجحت أدلة الغيبة؛ لما تقرر من أن العمومين الواردين على هذه الصورة إن رجح أحدهما على الآخر باعتبار ذاته، وجب المصير إليه، وإن لم يرجح باعتبار ذاته وأمكن الترجيح باعتبار أمر خارج؛ وجب الرجوع إليه. وقد وجد المرجح هنالك باعتبار الأمر الخارجي، وهو أدلة السنة والإجماع؛ فإنها أوجبت ترجيح أدلة تحريم الغيبة في تلك الصورة التي وقع فيها التعارض، على جواز الجهر بالسوء للمظلوم على طريقة [الاغتياب] (١)، وهاهنا كان الترجيح في صورة التعارض بكون أحد الدليلين ثابتا بالضرورة الدينية دون الآخر، ولهذا قدمنا لك [ما قدمنا] (٢) في فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعرفناك أنه لا شيء من الأمور الدينية يقوم مقامهما، ولا يغني غناهما. [الصورة الثالثة: جواز الغيبة للمستفتي]. وأما الصورة الثالثة: وهي جواز الغيبة للمستفتي: فأقول: لا يخفاك أن أدلة تحريم الغيبة ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع كما قدمنا، فصار تحريمهما من هذه الحيثية من قطعيات الشريعة، وليس في تسويغها للمستفتي إلا سكوته- ﵌ عن الإنكار على هند لما قالت له:" إن أبا سفيان رجح شحيح" (٣)، وهذا السكوت الواقع منه ﵌ عند سماع الغيبة من امرأة [حديثة] (٤) عهد بجاهلية لرجل حديث عهد بجاهلية، مع كونه في

стр. 4484

تلك الحال لم يكن قد ظهر منه يدل على خلوص إسلامه، واستقامة طريقه، وإنما ظهر منه ذلك بعد موته- ﵌ فهذا التقرير بالسكوت الكائن على هذه الصفة في مثل هذه الحالة بعد ثبوت تحريم الغيبة في القرآن الكريم [٤أ]، وفي السنة المطهرة، وعلم الصحابة به وإجماعهم عليه- لا ينبغي التمسك بمثله، ولا يحل القول بصلاحيته للتخصيص؛ لأن السامعين من المسلمين في تلك الحالة قد علموا تحريم الغيبة، وتقرر عندهم حكمها، فلو لم يكن السكوت إلا لكون حكم الغيبة قد صار معلوما واضحا مشتهرا عندهم، لكان ذلك بمجرده قادحا في الاستدلال به، وتخصيص الأدلة القطعية بمثله، وهذا على تقدير أن أبا سفيان لم يكن حاضرا في ذلك الموقف، فإن كان حاضرا- كما قيل- اندفع التعلق بسكوته- ﵌ من الأصل، ومع هذا فلا ضرورة ملجئة للمستفتي إلى التعيين، حتى يقال: إنه لا يتم مطلوبة من الاستفتاء إلا بالتعين؛ فإنه يحصل مطلوبة بالإجمال؛ لأن المقصود استفادة الحكم الشرعي، و [هي] (١) حاصلة بمعرفة ما يقوله المفتي مع الإجمال كما يحصل معرفته [٤] بما يقوله مع التفصيل والتعيين، وهذا مما لا شك فيه ولا شبهة. وبهذا تعرف أن هذه الصورة ليست من صور تخصيص تحريم الغيبة (٢)؛ لعدم انتهاض دليلها، يعرف ذلك كل عارف بكيفية الاستدلال. [الصورة الرابعة: جواز الغيبة لتحذير المسلمين من الشر]. وأما الصورة الرابعة: وقد جعلها النووي (٣) ﵀ في كلامه السابق على أقسام خمسة: القسم الأول: الجرح والتعديل للرواة والمصنفين والشهود: واستدل على جواز ذلك

стр. 4485

- بل على وجوبه - بالإجماع، وكلامه صحيح، واستدلاله بالإجماع واضح؛ فإنه ما زال سلف هذه الأمة وخلفها يجرحون من يستحق الجرح من رواة الشريعة، ومن الشهود على دماء العباد وأموالهم وأعراضهم، ويعدلون من يستحق التعديل. ولولا هذا لتلاعب بالسنة المطهرة الكذابون، واختلط المعروف بالمنكر، ولم يتبين ما هو صحيح مما هو باطل وما هو ثابت مما هو موضوع، وما هو قوي مما هو ضعيف؛ للقطع بأنه ما زال الكذابون يكذبون على رسول الله ﵌. وقد حذر من ذلك رسول الله ﵌ فقال: " إنه سيكون في هذه الأمة دجالون كذابون، فإياكم وإياهم ". وهذا ثابت في الصحيح (١)، وثبت في الصحيح (٢) أنه ﵌ قال: " إنه سيكذب علي، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " وثبت عنه في الصحيح (٣) أيضًا أنه قال: " إن كذبا علي ليس ككذب على أحدكم ". الحديث. وثبت عنه في الصحيح (٤) أيضًا أنه قال [٤ب]: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم
следующие страницы →