الاستنصار به (١)، بأن يقول لجماعة من المسلمين: في المكان الفلاني من يرتكب المنكر، فهلموا إلي، وقوموا معي حتى ننكره ونغيره، فليس به إلى الغيبة- التي هي جهد من لا
стр. 4482
له جهد- حاجة، لأن وازع الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إذا كان موجودا في عباد الله، فلا يحتاجون إلى تعيين فاعل المنكر، وبيان أنه فلان ابن فلان، وإن لم يكن فيهم ذلك الوازع الديني، والغيرة الإسلامية؛ فهم لا ينشطون إلى إجابته بمجرد التسمية والتعيين، إذ لا فرق في مثل هذا بين الإجمال والتعيين، اللهم إلا أن يكون سيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كليلا. وعضده ضعيفا عليلا ضئيلا، فإنهم قد ينظرون مع التسمية والتعيين في فاعل المنكر؛ فإن كان قويا جليلا [تركوه] (١)، وإن كان ضعيفا حقيرا قاموا إليه وغيروا ما هو عليه. وهذا هو غربة الدين العظيمة، ولكن في الشر خيار وبعضه أهون من بعض.
فإذا كانوا بمنزلة من ضعف العزيمة، بحيث لا يقدرون إلا على الإنكار على المستضعفين المستذلين؛ فذلك فرضهم، وليس عليهم سواه [٣ب]. وحينئذ لا بأس بالتعيين، والغيبة التي هي غاية ما يقدر عليه المستضعفون، ونهاية ما يتمكن منه العاجزون والله ناصر دينه، ولو بعد حين.
وجواز هذه الغيبة في مثل هذا المقام، هو بأدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الثابتة بالضرورة الدينية، التي لا يقوم بجنبها دليل لا صحيح ولا عليل.
[الجمع بين أدلة المسألة]:
فإن قلت: هاهنا دليلان بينهما عموم وخصوص من وجه، هما أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأدلة تحريم الغيبة، فكيف لم تعمل هاهنا كما عملت في الصورة الأولى؟.
قلت: قد عملت هاهنا كما عملت في الصورة الأولى، فرجحت العمل بالراجح، كما رجحت في الصورة الأولى العلم الراجح، وإن اختلف موضعا الترجيح، ففي
стр. 4483
الصورة الأولى رجحت أدلة الغيبة؛ لما تقرر من أن العمومين الواردين على هذه الصورة إن رجح أحدهما على الآخر باعتبار ذاته، وجب المصير إليه، وإن لم يرجح باعتبار ذاته وأمكن الترجيح باعتبار أمر خارج؛ وجب الرجوع إليه.
وقد وجد المرجح هنالك باعتبار الأمر الخارجي، وهو أدلة السنة والإجماع؛ فإنها أوجبت ترجيح أدلة تحريم الغيبة في تلك الصورة التي وقع فيها التعارض، على جواز الجهر بالسوء للمظلوم على طريقة [الاغتياب] (١)، وهاهنا كان الترجيح في صورة التعارض بكون أحد الدليلين ثابتا بالضرورة الدينية دون الآخر، ولهذا قدمنا لك [ما قدمنا] (٢) في فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعرفناك أنه لا شيء من الأمور الدينية يقوم مقامهما، ولا يغني غناهما.
[الصورة الثالثة: جواز الغيبة للمستفتي].
وأما الصورة الثالثة: وهي جواز الغيبة للمستفتي:
فأقول: لا يخفاك أن أدلة تحريم الغيبة ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع كما قدمنا، فصار تحريمهما من هذه الحيثية من قطعيات الشريعة، وليس في تسويغها للمستفتي إلا سكوته- ﵌ عن الإنكار على هند لما قالت له:" إن أبا سفيان رجح شحيح" (٣)، وهذا السكوت الواقع منه ﵌ عند سماع الغيبة من امرأة [حديثة] (٤) عهد بجاهلية لرجل حديث عهد بجاهلية، مع كونه في
стр. 4484
تلك الحال لم يكن قد ظهر منه يدل على خلوص إسلامه، واستقامة طريقه، وإنما ظهر منه ذلك بعد موته- ﵌ فهذا التقرير بالسكوت الكائن على هذه الصفة في مثل هذه الحالة بعد ثبوت تحريم الغيبة في القرآن الكريم [٤أ]، وفي السنة المطهرة، وعلم الصحابة به وإجماعهم عليه- لا ينبغي التمسك بمثله، ولا يحل القول بصلاحيته للتخصيص؛ لأن السامعين من المسلمين في تلك الحالة قد علموا تحريم الغيبة، وتقرر عندهم حكمها، فلو لم يكن السكوت إلا لكون حكم الغيبة قد صار معلوما واضحا مشتهرا عندهم، لكان ذلك بمجرده قادحا في الاستدلال به، وتخصيص الأدلة القطعية بمثله، وهذا على تقدير أن أبا سفيان لم يكن حاضرا في ذلك الموقف، فإن كان حاضرا- كما قيل- اندفع التعلق بسكوته- ﵌ من الأصل، ومع هذا فلا ضرورة ملجئة للمستفتي إلى التعيين، حتى يقال: إنه لا يتم مطلوبة من الاستفتاء إلا بالتعين؛ فإنه يحصل مطلوبة بالإجمال؛ لأن المقصود استفادة الحكم الشرعي، و [هي] (١) حاصلة بمعرفة ما يقوله المفتي مع الإجمال كما يحصل معرفته [٤] بما يقوله مع التفصيل والتعيين، وهذا مما لا شك فيه ولا شبهة.
وبهذا تعرف أن هذه الصورة ليست من صور تخصيص تحريم الغيبة (٢)؛ لعدم انتهاض دليلها، يعرف ذلك كل عارف بكيفية الاستدلال.
[الصورة الرابعة: جواز الغيبة لتحذير المسلمين من الشر].
وأما الصورة الرابعة: وقد جعلها النووي (٣) ﵀ في كلامه السابق على أقسام خمسة:
القسم الأول: الجرح والتعديل للرواة والمصنفين والشهود: واستدل على جواز ذلك
стр. 4485
- بل على وجوبه - بالإجماع، وكلامه صحيح، واستدلاله بالإجماع واضح؛ فإنه ما زال سلف هذه الأمة وخلفها يجرحون من يستحق الجرح من رواة الشريعة، ومن الشهود على دماء العباد وأموالهم وأعراضهم، ويعدلون من يستحق التعديل. ولولا هذا لتلاعب بالسنة المطهرة الكذابون، واختلط المعروف بالمنكر، ولم يتبين ما هو صحيح مما هو باطل وما هو ثابت مما هو موضوع، وما هو قوي مما هو ضعيف؛ للقطع بأنه ما زال الكذابون يكذبون على رسول الله ﵌.
وقد حذر من ذلك رسول الله ﵌ فقال: " إنه سيكون في هذه الأمة دجالون كذابون، فإياكم وإياهم ". وهذا ثابت في الصحيح (١)، وثبت في الصحيح (٢) أنه ﵌ قال: " إنه سيكذب علي، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " وثبت عنه في الصحيح (٣) أيضًا أنه قال: " إن كذبا علي ليس ككذب على أحدكم ". الحديث.
وثبت عنه في الصحيح (٤) أيضًا أنه قال [٤ب]: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم
стр. 4486
ثم الذين يلونهم، ثم يفشوا الكذب ". ففيه دليل على أن الكذب قد كان قبل انقراض القرن الثالث، ولكن من غير فشو، ثم فشا بعده.
وبهذا [يعرف] (١) أن النبي ﵌ قد [أخبر] (٢) بأنه سيكذب عليه خصوصا، ويفشوا الكذب عموما، ثم وقع في الخارج ما أخبر به الصادق المصدوق، فإنه لم يزل في كل قرن من القرون كذابون يكذبون على رسول الله ﵌ ويضعون الأكاذيب المروية عن رسول الله ﷺ ويحدثون بها. فلولا تعرض جماعة من حملة الحجة لجرح المجروحين، وتعديل العدول، وذبهم عن السنة المطهرة، وتبيينهم لكذب الكذابين، لبقيت تلك الأحاديث المكذوبة من جملة الشريعة، وعمت بها البلوى. فكان قيام الأئمة - في كل عصر - بهذه العهدة من أعظم ما أوجبه الله على العباد، ومن أهم واجبات الدين، ومن الحماية للسنة المطهرة، فجزاهم الله خيرا وضاعف لهم المثوبة؛ فلقد قاموا قياما مرضيا، وخلصوا عباد الله من التكاليف بالكذب، وصفوا الشريعة المطهرة، وأماطوا عنها الكدر والقذر، وأخرسوا الكذابين، وقطعوا ألسنتهم وغلغلوا رقابهم، والحمد لله على ذلك (٣).
وهكذا جرح الشهود وتعديلهم، فإنه لو لم يقع ذلك لأريقت الدماء وهتكت الحرم، واستبيحت الأموال بشهادات الزور، التي جعلها رسول الله ﵌ من أكبر الكبائر، وحذر منها.
والحاصل: أن كليات الشريعة وجزئياتها وقواعدها وإجماع أهلها، تدل أوضح دلالة
стр. 4487
على أن هذا القسم لا شك ولا ريب في جوازه، بل في وجوب بعض صورة؛ صونا للشريعة، وذبا عنها، ودفعا لما ليس منها، وحفظا [لدماء العباد وأموالهم] (١) وأعراضهم. وهذا كله هو داخل في [الضرورات] (٢) الخمس المذكورة في علم الأصول (٣)، ومما يدل على ذلك دلالة بينة ما ورد في النصيحة لله، ولكتابة، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم وخاصتهم (٤)؛ فإن بيان كذب الكذابين من أعظم النصيحة الواجبة لله ولرسوله، ولجميع المسلمين. وأدلة وجوب النصيحة متواترة، وكذلك جرح (٥) من شهد في مال أو دم أو عرض بشهادة زور (٦)؛ فإنه من النصيحة التي أوجبها الله على عباده، وأخذهم بتأديتها، وأوجب عليهم القيام بها.
القسم الثاني: الإخبار بالعيب عند المشاورة:
أقول: الوجه في تجويز الغيبة في هذه [٥أ] الصورة، أنه قد ثبت مشروعية المشاورة، ثم مشروعية المناصحة الثابتة بالتواتر، وهي من جملة حقوق المسلم على المسلم، كما ثبت في الصحيح (٧) .................................................
стр. 4488
[وفيه] (١) " وإذا استنصحك فانصحه "، ولكن [ليس] (٢) في هذا القسم من الضرورة الملجئة إلى التعيين ما في القسم الأول، فإنه يمكن القيام بواجب النصيحة بأن يقول الناصح: لا أشير عليك بهذا، أو: لا تفعل كذا، أو نحو ذلك، وليس عليه من النصيحة زيادة على هذا، فالتعيين والدخول فيما هو من الغيبة فضول من الناصح، لم يوجبه الله عليه، ولا تعبده به، ولا ضرورة تلجئه إليه كما في القسم الأول. فليس هذا القسم من الأقسام المستثناة من أدلة تحريم الغيبة، وبهذا تستريح عن الكلام في تعارض الدليلين اللذين بينهما عموم وخصوص من وجه.
القسم الثالث: قوله: ومنها إذا رأيت من يشتري شيئا معيبا أو عبدا سارقا. . . إلخ.
أقول: وهذا القسم أيضًا كالقسم الذي قبله، لا يصح جعله من الصور المستثناة من تحريم الغيبة؛ لأن القيام بواجب النصيحة يحصل بمجرد قوله: لا أشير عليك بشراء هذا، أو نحو هذه العبارة، فله عن الدخول في خطر الغيبة [٥] مندوحة، وعن الوقوع في مضيقها سعة.
القسم الرابع: قوله: ومنها إذا رأيت متفقها يتردد إلى فاسق. . . إلخ.
أقول: وهذا القسم أيضًا كالذي قبله، لا يصح جعله من الصور المستثناة من تحريم الغيبة؛ لأن القيام بواجب النصيحة يحصل بالإجمال، ولم يتعبده الله بالتفصيل، وذكر المعائب والمثالب، بل يكفيه أن يقول: لا أشير عليك بمواصلة هذا، أو: لا أرى الأخذ عنه، أو نحو هذه العبارة، فالتصريح بما هو غيبة فضول، لم يوجبه الله عليه ولا طلبه منه.
القسم الخامس: قوله: ومنها أن يكون له ولاية. . . إلخ.
стр. 4489
أقول: وهذا القسم أيضًا كالأقسام التي قبله، لا يصح جعله من الصور المستثناة من تحريم الغيبة؛ لأنه إذا قال له: لا تستعمل هذا، أو لا أرى لك الركون عليه، فقد فعل ما أوجبه الله عليه من النصيحة، والزيادة على هذا المقدار فضول، ليس لله فيه حاجة، ولا للمنصوح، ولا للناصح [٥ب].
[الصورة الخامسة: ذكر المجاهر بالفسق]:
وأما الصورة الخامسة: وهي ذكر المجاهر بالفسق بما جاهر به.
فأقول: إن كان المقصود بجواز ذكره بما جاهر به هو التحذير للناس، فقد دخل ذلك في الصورة الرابعة، وقد أوضحنا ما فيها فلا نعيده، ومع هذا فحصول المطلوب من التحذير يمكن بدون ذكر ما جاهر به، بأن يقول لمن ينصحه: لا تعاشر فلانا، أو: لا تداخله، أو: لا تذهب إليه؛ فإن هذا الناصح المشير يقوم بواجب النصيحة بهذا المقدار، من دون أن يذكر نفس المعصية التي صار العاصي يجاهر بها، وما أقل فائدة التعرض لذلك وأخطره! فإنه لم يأت دليل يدل على جواز ذكره بما جاهر به، بل ذلك غيبة محضة.
وأما ما يروى من حديث: " اذكروا الفاسق بما فيه؛ كيما يحذره الناس " (١) فلم
стр. 4490
يصح ذلك بوجه من الوجوه، على أنه إنما [سمي] (١) مجاهرا بمجاهرته بتلك المعصية والاستظهار بها بين الناس، وإيقاعها علانية، وعند ذلك يعلم الناس منه ذلك ويعرفونه بمشاهدته، فلا يبقى لذكره به كثير فائدة، وإن كان المقصود بجواز ذكره بما جاهر به استعانة الذاكر على الإنكار عليه لمن يذكر له ذلك الذنب، فهذه الصورة داخلة في الصورة الثانية التي قدم النووي ذكرها، وقدمنا الكلام عليها، فلا فائدة لجعلها صورة مستقلة.
فإن استدل مستدل على جواز مثل هذا بما وقع منه ﵌ من قوله: " بئس أخو العشيرة " (٢). فيقال له: أولاً: إن هذا القول الواقع منه - صلى
стр. 4491
الله عليه آله وسلم - لا يجوز لنا الاقتداء به فيه؛ لأن الله - سبحانه - قد حرم علينا الغيبة في كتابه العزيز، وحرمها رسول الله ﵌ علينا بما تقدم ذكره من قوله الصحيح، وبإجماع المسلمين.
стр. 4492
فعلى تقدير أن هذا القول مما يصدق عليه اسم الغيبة، يكون وقوعه منه ﵌ في حكم المخصص له من ذلك العموم (١)، لكن على هذه الصورة الإجمالية وبهذه الصفة الصادرة منه ﵌ وأيضا فالنبي ﵌ يعلم ما لم نعلم، ويأتيه الوحي بما لم يأتنا، ويبين الله له ما لم يبين لنا، فلا يجوز لنا أن نقتدي به في قول صادر منه على هذه الصفة؛ لجهلنا بالحقائق، وعدم اطلاعنا على ما في باطن الأمر؛ ولهذا رد ﵌ على من وصف رجلا في مقامه بأنه مؤمن، فقال: " أو مسلم هو " (٢).
стр. 4493
ورد على آخرين بما وصفوا رجلا بالنفاق فقال: " أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ " وهذا كله ثابت في الصحيح (١)، وأيضا فذلك الرجل الذي قال فيه ﵌: " بئس أخو العشيرة " (٢)، لم يكن إذ ذاك قد صلح إسلامه (٣)، بل هو من جملة من كان يتبع الإسلام ظاهرا مع اضطراب حاله. وبقي أثر الجاهلية عليه [٦أ]. وقد كان ﵌ يتألف أمثال هذا، ويعاملهم معاملة المسلمين الخالصي الإسلام، مع علمه وعلم أصحابه بما هم عليه، وكان يقول لمن يأتيه منهم: " هذا سيد بني فلان، هذا سيد قومه، هذا سيد الوبر " (٤) ونحو ذلك، بل كان يتآلفهم
стр. 4494
بالكثير من المال والنصيب الوافر من المغانم، ويكل خلص المؤمنين من المهاجرين والأنصار إلى إيمانهم ويقينهم، هذا معلوم لا يشك فيه عارف، ولا يخالف فيه مخالف، فلا يحل لأحدنا أن يعمد إلى من يعلم أنه خالص الإسلام، صحيح النية فيه، مؤمن بالله وبرسوله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فيغتابه بمعصية فعلها أو خطيئة جاهر بها، مستدلا على ذلك بقوله ﵌: " بئس أخو العشيرة " (١)؛ لما أوضحنا لك، وليس الخطر هاهنا بيسير، ولا الخطب بقليل؛ فإن الإقدام على الغيبة المحرمة بالكتاب والسنة والإجماع إذا لم يكن فيه برهان من الله - سبحانه - كان الوقوع فيه وقوعا فيما حرمه الله ونهى عنه، والقول بجوازه بدون برهان من التقول على الله بما لم يقل، وهو أشد من ذلك وأعظم وأخطر، والهداية بيد الله .
[الصورة السادسة: التعريف بالألقاب]
وأما الصورة السادسة: وهي التعريف بالألقاب.
فأقول: قد نهى عن ذلك القرآن الكريم، قال الله : ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (٢).
وهذا النهي [٦] يدل على تحريم التلقيب، ولا يجوز شيء منه إلا بدليل يخصص هذا العموم، فقد اجتمع على المنع من هذا دليلان قويان سويان:
أحدهما: أدلة تحريم الغيبة.
стр. 4495
والثاني: دليل تحريم التلقيب.
فإن كان ذكر ذي اللقب بلقبه في غيبته، كان الذاكر جامعا بين تحريم الغيبة، وتحريم التلقيب، وإن كان ذكر ذي اللقب في وجهه كان الذاكر واقعا في التلقيب [المحرم] (١).
فإن قلت: إذا علمنا أن المذكور بلقبه لا يكره ذكره به.
قلت: إذا علمنا ذلك لم يكن غيبة محرمة؛ لأن الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره، ولكن الذاكر له بذلك اللقب واقع في مخالفة النهي القرآني المصرح بالنهي عن التنابز بالألقاب كما لا يخفى.
فإن قلت: إذا كان [٦ب] ذكره باللقب أقرب إلى تعريفه، كمن يشتهر بالأعرج والأعمش والأعور، ونحو ذلك.
قلت: هذه الأقربية لا تحلل ما حرمه الله، فينبغي ذكره [بالأوصاف] (٢) التي لا تلقيب فيها، وإن طالت المسافة وبعدت، وانظر ما في مثل هذا من الخطر العظيم، وهو الوقوع في النهي القرآني، ومما يزيدك [عن] (٣) هذا وأمثاله بعدا قوله ﵌ لمن سمعها تذكر امرأة أخرى بأنها قصيرة فقال: " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته " (٤) والحديث صحيح.
стр. 4496
فإن قلت: هذه دواوين الإسلام، ومسانيدها، ومعاجمها، وسائر المصنفات في السنة مشحونة بذكر الألقاب؛ كالأعمش، والأعرج، والأعور، ونحوها.
قلت: [لا يصلح] (١) إيراد مثل هذا في مقابلة النهي القرآني المصرح بتحريم التنابز بالألقاب، وإنما يقتدي الناس بأهل العلم في الخير، فإذا جاءوا بما يخالف الكتاب والسنة فالقدوة الكتاب والسنة، مع إحسان الظن بهم، وحملهم على محامل حسنة مقبولة.
فإن قلت: فإن كان صاحب اللقب لا يعرف إلا به، ولا يعرف بغيره أصلا؟
قلت: إذا بلغ الأمر إلى هذه النهاية، ووصل البحث إلى هذه الغاية، لم يكن ذلك اللقب لقبا، بل هو الاسم الذي يعرف به صاحبه؛ إذ لا يعرف باسم سواه قط. والتسمية للإنسان باسم يعرف به، لا سيما من كان رواة العلم الحاملين له المبلغين ما عندهم منه إلى الناس، أمر تدعو [الحاجة إليه] (٢) وإلا بطل ما يرويه من العلم، خصوصا ما كان قد تفرد به ولم يشاركه فيه غيره، وعلى هذا يحمل ما وقع في المصنفات من ذكر الألقاب؛ فإنها أهلها وإن كانت لهم أسماء، ولآبائهم ولأجدادهم، فغيرهم يشاركهم فيها، فقد يتفق اسم الرجل مع الرجل، واسم أبيه مع أبيه، واسم جده، فلا يمتاز أحدهما عن الآخر [٧أ] في كثير من الحالات إلا بذكر الألقاب ونحوها.
стр. 4497
وحينئذ لم يبق لتلك الأسماء فائدة؛ لأن المقصود منها أن يتميز بها صاحبها عن غيره، ولم يحصل هذا الذي هو المقصود بها. بل إنما حصل من اللقب، فكان هو الاسم المميز في الحقيقة، فلم يكن ذلك من التنابز بالألقاب.
[خاتمة الرسالة]
فاعرف هذا وتدبره، فإنه نفيس، وبه يندفع ما تقدم من إيراد ما جرى عليه [عمل] (١) أئمة الرواية.
وهكذا يرتفع الإشكال عن القارئ لتلك الكتب، ولا يقال له: إنه يروي [الألقاب] (٢)، ويغتاب أهلها بقراءتها في كتب السنة.
стр. 4498
وفي هذا المقدار كفاية. والله ولي التوفيق [كتبه المجيب محمد الشوكاني - غفر الله له -] (١).
[انتهى نقل هذه الرسالة العظيمة في يوم الثلاثاء سابع شهر شوال سنة أربع وثلاث عشر مائة بعد الألف سنة ١٣٠٤ ختمت وما بعدها بخير آمين - وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم آمين] [٧] (٢).
стр. 4499
(١٨٣) ٢٠/ ١
رسالة في حكم القيام لمجرد التعظيم
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب
стр. 4500
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: رسالة في حكم القيام لمجرد التعظيم.
٢ - موضوع الرسالة: آداب.
٣ - أول الرسالة: هذا البحث لشيخنا القاسم بن يحيى الخولاني ﵀، وأجيب عنه بما بعده.
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الراشدين، وبعد، فإنه لما بلغ السماع في جامع الأصول على مولانا وشيخنا العلامة وحيد الدين عبد القادر بن أحمد.
٤ - آخر الرسالة: انتهى من خط المجيب حفظه الله وبارك لنا في أيامه ولياليه بحق محمد وآله وسلم.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ١٤ صفحة.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرا ما عدا الصفحة الأولى فعدد أسطرها ٢٠ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٤ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4501
هذا البحث لشيخنا العلامة القاسم بن يحيى الخولاني (١) ﵀، وأجيب عنهما بعده.
[بسم الله الرحمن الرحيم]
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الراشدين وبعد:
فإنه لما بلغ السماع في جامع الأصول (٢) على مولانا وشيخنا العلامة وحيد الدين عبد القادر بن أحمد (٣) - فسح الله في مدته - إلى حديث كعب بن مالك (٤)، ومجيئه إلى النبي -
стр. 4502
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لما أنزل الله توبته، وقيام طلحة بن عبد الله يهرول حتى صافحه وهناه، واستفيد من جواز القيام للداخل كما وقع من طلحة لكعب، لتقرير النبي ﵌، فأورد بعض الحاضرين من العلماء الأعلام حديثا رواه أبو داود (١) يقضي بالمنع من القيام للداخل، ثم جمع بين الحديثين بحمل ما وقع من طلحة على القيام مع المصافحة كما هو كذلك، وإطلاق المنع من ما عداه؛ لما في حديث أبي داود، ولم يبتئس في تلك الحال استيفاء البحث، فبقي في النفس منه شيء، ولما يسر الله البحث عن ذلك، رأيت رقم ما وقفت عليه، وعرضه على شيخنا حفظه الله.
فأقول: لفظ الحديث في أبي داود: عن أبي أمامة قال: خرج علينا رسول الله ﵌ متوكيا على عصا، فقمنا إليه فقال: " لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا ". قال الحافظ المنذري في مختصر السنن (٢) وأخرجه ابن ماجه (٣)،
стр. 4503
وفي إسناده أبو غالب حزوره، ويقال: نافع. ويقال: سعيد بن الحزور. قال يحيى بن معين: صالح الحديث. وقال مرة: ليس به بأس، وقال مرة: ترك شعبة أبا غالب، وضعفه شعبة على أنه تغير عقله، وقال موسى بن هارون: ثقة (١)، وقال أبو حاتم الرازي (٢) ليس بالقوي، وقال ابن حبان (٣) لا يجوز الاحتجاج به، إلا فيما يوافق الثقات، وقال ابن سعد في الطبقات (٤) سمعت من يقول: اسمه نافع، وكان ضعيفا منكر الحديث، وقال النسائي (٥) ضعيف. وقال الدارقطني (٦) لا يعتبر به، وقال مرة ثقة. انتهى كلام المنذري (٧).
ثم قال بعد هذا: وقد أخرج مسلم في صحيحه (٨) من حديث أبي الزبير عن جابر أنهم لما صلوا خلفه قعودا، قال: " إن كدتم آنفا تفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود؛ فلا تفعلوا " انتهى. فكيف يقال لمعارضة هذا الحديث الذي في إسناده من سمعت ما قيل فيه [١]؛ لما وقع في حديث كعب بن مالك المتفق عليه (٩)، ولو فرضت صحته إسنادا إلى توثيق من وثق أبا غالب من الأئمة، فهو محمول على القيام في حال قعود من كان القيام لأجله كما في حديث مسلم المذكور آنفا. ويدل على حمله على ذلك إيراد الحافظ المنذري لحديث مسلم (١٠) عقيب كلامه على إسناد ذلك الحديث.
стр. 4504
هذا لو لم يكن الدليل على جواز القيام إلا تقرير النبي ﵌ لما فعله طلحة، فكيف وقد أخرج البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤) حديث سعد بن معاذ لما أرسل إليه النبي ﵌ فجاء، فقال لمن عنده: " قوموا إلى سيدكم، أو خيركم ". وأخرج أبو داود (٥)، والترمذي (٦)، والنسائي (٧) من حديث عائشة أنها قالت: " ما رأيت أحدا كان أشبه سمتا، ودلال، وهديا " وفي رواية (٨) حديثا وكلاما برسول الله ﵌ من فاطمة - كرم الله وجهها (٩) - كانت إذا دخلت عليه قام إليها، فأخذ بيدها فقبلها واجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته، وأجلسته في مجلسها (١٠). انتهى. واللفظ لأبي داود (١١)، قال العامري في البهجة: في حديث كعب هذا فوائد، ثم ساقها حتى قال: ومنها استحباب القيام للوارد إكراما له، إذا كان من أهل الفضل، بأي نوع كان، وجواز سرور المقول له بذلك، كما سر كعب بقيام طلحة ﵁ وليس بمعارض لحديث: " من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار " (١٢)؛ لأن هذا الوعيد للمتكبرين ومن يغضب إن لم يقم له.
стр. 4505
وقد كان ﵌ يقوم لفاطمة ﵂ سرورا بها، وتقوم له كرامة له، وكذلك قيام أثمره الحب في الله، والسرور لأخيك بنعمة الله، والبر لمن يتوجه بره، والأعمال بالنيات، والله أعلم. انتهى.
قال الإمام الرافعي (١) ويكره للداخل أن يطمع في قيام القوم، ويستحب لهم أن يكرموه. انتهى. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٢) كأنه أراد أن يجمع بين الأخبار الواردة في الجواز والكراهة.
فأما الأول: ففيه حديث معاوية: " من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار " (٣).
وأما الثاني: ففيه حديث أبي سعيد: " قوموا إلى سيدكم " رواه البخاري (٤) وحديث جرير: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " رواه البيهقي (٥)، والطبراني (٦)، والبزار (٧)، وإسناده (٨) أقوى من إسنادهما. انتهى.
стр. 4506
فظهر مما سبق نقله أن القيام للوارد بمدلول عليه بالسنة قولا، وفعلا، وتقريرا أن حديث أبي أمامة في أبي داود لا يقوى على معارضة ما في الصحيحين لو صح سنده، وأن القول بحمله على ما لم تصحبه المصافحة، وحمل حديث كعب على القيام مع المصافحة تكلف لا حاجة إليه، لكن يبقى الكلام هل هذا القيام جائز مع الكراهة كما يستفاد من كلام الحافظ ابن حجر (١) المنقول آنفا؟ وهو مشروع، أعني مستحبا، كما صرح به العامري في البهجة، فلا كراهة.
والظاهر أنه مستحب [٢] إذ لا يأمر النبي ﵌ بالمكروه كما وقع في حديث سعد بن معاذ. وجعل الحافظ ابن حجر (٢) لحديث معاوية دليلا على الكراهة - أعني كراهة القيام - لا يتم؛ إذ مقتضى حديث معاوية المنع من السرور بالقيام، وهو إنما يقع للوارد المعني بقوله: من سره أن يتمثل له الرجال. . إلخ (٣)، والمأمور بالقيام من وقع الورود عليه، فلم يتوارد ما يدل على القيام، وما يدل على منع السرور منه على محل واحد، حتى يحمل المثبت منهما على الجواز مع الكراهة، نعم المكروه حصول السرور من الوارد؛ لحديث معاوية المذكور، وإنما قيل بالكراهة بدون التحريم لما عرفت من سرور كعب بن مالك بقيام طلحة، وتقرير النبي ﵌ لذلك السرور كما أفاده العامري. هذا ما ظهر للراقم، وفوق كل ذي علم عليم.
стр. 4507
هذا الجواب مني (١) على بحث شيخنا العلم ﵀، وكانت هذه المباحث بيني وبينه، وأنا في أيام الصغر، قبل الإمعان في الطلب كما ينبغي، فليعلم ذلك.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبعد، فإنه وقف الحقير على هذا البحث النفيس الذي حرره شيخنا العلامة (٢) - نفع الله بعلومه - في شأن تلك المذاكرة، التي جرت بيننا حال السماع على شيخنا الإمام الوجيه، كشف الله بأنوار علومه دياجير الظلم، وبدد بهديه القويم شمل الابتداع.
وقد أفاد وأجاد، وأحسن ما شاء - أحسن الله إليه - ولا غرو أن نثر علينا من هذه الدرر الثمينة فهو البحر التيار، أو جلى في هذه الحلبة فصلينا وسلمنا فهو السابق في ذلك المضمار، إلا إنه علق بالذهن العليل عند أسامة شرح اللحظ في هذه الحديقة الأنيقة ما جرى به القلم في هذا القرطاس، لا لقصد المعارضة، بل رجاء العثور ببركة شيخي على الحقيقة.
فأقول: ليعلم أولا أن محل النزاع القيام المقيد بالتعظيم لا المطلق، وقد دل على تحريم الأول حديث أبي أمامة عند أبي داود (٣) بلفظ: " خرج علينا رسول الله ﵌ متوكيا على عصا، فقمنا إليه، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضا ". ولا يخفى عليك أن مناط النهي ههنا هو التعظيم المصرح به، وقد شهد لهذا الحديث حديث مسلم (٤) الذي ساقه شيخنا؛ ولهذا أورده المنذري (٥) في
стр. 4508
هذا البحث، لا لما ذكره العلم - حفظه الله - من أن الغرض من إيراده بيان أن القيام محمول على القيام في حال القعود؛ فإنه يأباه لفظ " خرج " المقيد بـ " متوكيا "، المعلق عليه، فقال: بالفاء التي هي غالبة في الفوز [٣]، ويشهد له أيضًا حديث: " من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار " (١) فإنه محمول على التعظيم حمل المطلق
стр. 4509
على المقيد، لا يقال: الوعيد ههنا للمقوم له لا للقايم، وليس مما يخفى فيه لا أنا نقول: الوعيد على المرة بالفعل قاض بعدم جوازه؛ إذ المرة بالجايز جائزة بلا نزاع.
فإن قلت: هذا الحديث وارد في القيام على القاعد، لا في القيام إلى الوارد.
قلت: التقييد بحال القعود خلاف ما دل عليه الحديث؛ للقطع باندراج القيام للقائم تحته.
فإن قلت: التقييد بحديث مسلم بلفظ: " يقومون على ملوكهم وهم قعود ".
قلت: قد عرفت حديث أبي أمامة ودلالته على المنع من القيام تعظيما، وحكاية أن
стр. 4510
ذلك من فعل الأعاجم، فليس أحد الحديثين بالتقييد أولى من الآخر، فالحق منع القيام بمجرد التعظيم مطلقا (١).
وقد شدت هذه الشواهد من عضد حديث أبي أمامة، فصلح للاحتجاج على تحريم ذلك القيام المقيد بالتعظيم، ونحن نقول بموجب ما احتج به شيخنا على الجواز من تقرير النبي ﵌ لفعل طلحة، وأمر قوم سعد بالقيام إليه، وقيامه إلى فاطمة، وقيامها إليه؛ لأن هذه الأدلة خالية عن ذلك القيد الذي جعلناه مناط النهي، وهي أدلتنا على جواز القيام الخالي عن التعظيم، سواء كان الباعث عليه المحبة أو الإكرام، أو الوفاء بحق القاصد كالقيام للمصافحة أو غير ذلك، على أنه قد قيل في حديث سعد أن أمر أصحابه بالقيام إليه لإعانته على النزول عن ظهر مركوبه؛ لضعفه عن النزول بسبب الجراحة التي أصابته (٢)، وهذا وإن كان خلاف الظاهر، إلا أنه يعين على قبوله
стр. 4511
تخصيص هذه الحالة التي صار فيها جريحا بأمر أصحابه بالقيام إليه دون غيرها وغيره، سلمنا أن القيام ليس لهذا الباعث، فقضى الغرض منه على التعظيم الذي هو محل النزاع ممنوع، والسند تعدد المقتضيات، وانتفى المقتضى للتعيين، والنهي عنه بخصوصه، وكلام العامري مسلم؛ لأن القيام للكراهة والسرور والمحبة والبر من الجائز، إنما النزاع في قيام التعظيم الذي هو سنة الأعاجم، وقد أفاد العامري في كلامه هذا الذي نقله شيخنا فائدة قد أشرنا إليها فيما سبق، وهي تعميم القيام في قوله: " من سره أن يتمثل " سواء كان الذي قيم له قائما أو قاعدا؛ ولهذا حمل ذلك القيام الذي ورد الوعيد عليه على القيام للمتكبرين ومن يغضب إن لم يقم له، لا قيام المحبة ونحوها، كما كان من النبي ﵌ لفاطمة ومنها له.
стр. 4512
ولا شك أن قيام كل واحد منهما ليس في حال قعود الآخر، فتدبر. وبهذا يعرف أن قول شيخنا - حفظه الله - أن [٤] حديث أبي أمامة لا يقوى على معارضة ما في الصحيحين. . إلخ غير مناسب؛ إذ لا تعارض بين مطلق ومقيد؛ إذ هو يحمل أحدهما على الآخر عند استلزام حكم المطلق أمرا منافيا لحكم المقيد بأن يقيد المطلق بقيد، قيل: المقيد كما تقرر في الصول، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن الأمر بالقيام المطلق ينافي المنهي عنه مقيدا بالتعظيم إلا عند تقييده بضد، قيل: المقيد وهو عدم التعظيم.
قال المحقق ابن الإمام في شرح الغاية (١) في بحث الإطلاق: والتقييد ما لفظه: إلا إذا استلزم حكم المطلق بالاقتضاء أمرا ينافيه حكم المقيد، إلا عند تقييده بضد قيده، نحو أعتق عني رقبة - مع لا [. . . . .] (٢) - كافرة، فإنه يجب تقييد المطلق حينئذ ضد قيد المقيد، وهو الإيمان. انتهى.
ووزن هذا أوزان ما يخفى فيه، وخلاصة البحث أن القيام جائز مطلقا إلا لقصد التعظيم، سواء كان للوارد أو للقاعد، فما ورد من الأدلة قاضيا بالجواز خاليا عن ذلك القيد كحديث طلحة وسعد، فهو دليل الجواز فيما عداه تقييد للمطلق بضد قيد المقيد كما سبق، وما ورد منها قاضيا بالمنع خاليا عن ذلك القيد كحديث: " من أحب أن يتمثل له الناس. . . " (٣) الحديث، فهو محمول على ذلك المقيد بقيد التعظيم، حمل المطلق على المقيد تقييدا له بمثل قيده؛ لاتفاقهما سببا وحكما، وما ورد فيها دالا على الجواز كحديث قيام النبي ﵌ لفاطمة وقيامها له مقيدا بقيد الإكرام ونحوه، فهو كذلك لذلك، وما ورد منها دالا على المنع مقيدا بقيد التعظيم كحديث أبي أمامة فهو أيضًا كذلك لذلك، هذا ما ظهر، ولا أقول: ما ثبت وتقرر. والعلم عند
стр. 4513
الله. انتهى من تحرير القاضي محمد بن علي الشوكاني، حفظه الله، وفسح لنا في مدته، آمين آمين إنه جواد كريم [٥].
стр. 4514
هذا البحث لشيخنا العلم ﵀، وقد تقدم الجواب عليه قبل بورقتين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبعد، فإني لما وقفت على ما حرره الصنو العلامة النحرير، والبدر الفهامة المنير، واسطة عقد نظام المحققين، وإمام ذوي الإنظار، المتعين على تلك المذاكرة التي جرت في موقف شيخنا وحيد الإسلام، وفي جواز ما جرت به العادة لمن ورد على جماعة من تعظيمهم وإكرامهم له بالقيام، توهمت في مواضع من كلامه أنها صادرة مع عجلة، أو في حالة اشتغال، فعرفته بذلك شفاها على جهة الإجمال، فطلب مني رقم ذلك، ملاحظا للعثور على ما هو الحق في المسألة كما هي طريقة أهل الكمال، لا توسلا إلى فتح باب الجدال، فقوله - حفظه الله تعالى -: دل على تحريم الأول حديث أبي أمامة (١).
أقول: ما المراد بهذه الدلالة؟ إن أردتم أنه دل على تحريم القيام المقرون لقصد التعظيم من حيث إن العلة - وهي التعظيم - منصوص، فغير مسلم؛ إذ التصريح بالعلة في اللفظ لا يستلزم نصوصيتها كما هو مقرر في القواعد الأصولية (٢)، وإن أردتم أنها ظاهرة في العلية من حيث ترتيب الراوي لقوله ﵌: " لا تقوموا " على قيامهم بـ " الفاء "، وأنها وإن كانت في المرتبة الثالثة (٣) من مراتب ما هو ظاهر ...........................................................
стр. 4515
في التعليل (١)، فقد شملها اسم الظهور فهو مسلم، لكنه قد تقرر جواز مخالفة ما هو في أول مرتبة من مراتب الظهور في دليل صحيح معتبر لدليل مساو له في الصحية، فكيف لا تجوز مخالفة ما هو في المرتبة الثالثة منه في دليل لا تقوم به الحجة لما في أعلى درجات الصحة؟! وكيفية مخالفة الظاهر فيه حمل القيام المنهي عنه على القيام حال القعود، بجعل القيام الصادر منهم المرتب على خروجه ﵌ عليهم مستمرا بعد قعوده، فنهاهم بقوله: " لا تقوموا كما يقوم الأعاجم " فتكون العلة في النهي قعود من كان القيام لأجله لا التعظيم، ومما يرشد إلى صحة هذا الحمل وتعين المصير إليه مع العمل لهذا الحديث تشبيه هذا القيام المنهي عنه بقيام الأعاجم. وقد فسر قيام الأعاجم بقوله في رواية مسلم: " يقومون على ملوكهم وهو قعود ". ولولا هذا الحمل لم يبق للتشبيه فائدة، ولكان يكفي أن يقول [٦]: لا تقصدوا التعظيم بهذا القيام، واقصدوا المحبة
стр. 4516
والإكرام؛ فإن المحرم على ما يدعونه إنما هو قصد التعظيم لا القيام (١).
قوله: وقد شهد بهذا الحديث حديث مسلم (٢).
أقول: هاهنا صورتان: القيام على رأس القاعد كما هو فعل الأعاجم، والثانية قيام الرجل عند وصول أخيه تعظيما له وإكراما، أو محبة أو فرحا، أو لغير ذلك من الأسباب، وحديث مسلم إنما دل على منع الصورة الأولى، مقتضى تفسيره القيام الذي وقع النهي عن مثله بالجملة الحالية أعني: " وهم قعود "، والصورتان متباينتان قبل الحمل الذي ذكرناه آنفا، فكيف يكون دليل الصورة الأولى شاهدا لحديث أبي أمامة؟! وإنما يكون الشاهد مجبورا به ضعف الحديث حدثا كان الشاهد نصا أو ظاهرا فيما دل عليه ذلك الضعيف، وبهذا يعرف أن الاستشهاد بحديث مسلم على حديث أبي أمامة بعيد، وأبعد منه الاستشهاد عليه بحديث: " من سره أن يتمثل الناس. . " إلخ (٣).
قوله: الوعيد على المسرة بالفعل قاض بعدم جوازه. هذا أكبر دليل على تحرير مولاي العزي - حفظه الله تعالى - لهذا البحث مع عجله أو شغله، مصدية للذهن؛ فإن المسرة فعل قلبي، والقيام فعل آخر مغاير لها، وأي مانع من تحريم أحدهما وجواز الآخر ولو كان من فاعل واحد، يزيده وضوحا أن فعل الطاعة مطلوب للشارع، والعجب بها محرم منهي عنه، وهو مرة بحصول أمر بصحتها تطاول على من لم تحصل له، فهل ورود الوعيد عليه يقضي بعدم جواز فعل الطاعة، مع كون الفاعل واحدا! فكيف مع تعدده كما نحن فيه! إذا عرفت هذا عرفت أن إطلاق قوله: إذ المسرة بالجائز جائزة، ليس على ما ينبغي؛ إذ لا يجوز من المسرة إلا ما لم يمنعه الشارع، وأما ما منعه منها فلا يجوز ولو كانت مباحا أو مشروعا.
стр. 4517
قوله: فإن قلت: هذا الحديث وارد في القيام على القاعد، الإشارة في هذا السؤال إن كانت عائدة إلى حديث أبي أمامة (١) الذي وقع منه الاستدلال به، لم يناسبه الجواب بقوله: قلت: التقييد. . إلخ؛ إذ لا تفسد فيه وإن كانت عائدة إلى حديث " من سره أن يتمثل. . . " إلخ كما هو الظاهر، فلا حاجة إلى إيراد هذا السؤال والجواب، كما أنه لا حاجة إلى إيراد السؤال الذي بعده، فإن السرور بالقيام محرم أو مكروه مطلقا، سواء كان ذلك القيام جائزا كالقيام للوارد، أو محرما كالقيام على رأس القاعد.
قوله: فالحق منع القيام بمجرد التعظيم. كان الأظهر على ما تزعمونه أن يقال: فالحق منع قصد التعظيم؛ إذ لا يقال لمن يصدق رياء: الحق ترك الصدق رياء، بل يقال له: الحق ترك الرياء بمجاهدة النفس بإخلاص العمل.
قوله: وقد شدت هذه الشواهد من عضد حديث أبي أمامه الذي سبق، إنما هما [٧] شاهدان (٢). وقد عرفت بطلان شهادتهما، فبقي دعوى منع التعظيم بالقيام مستندة إلى حديث ضعيف لا تقوم به الحجة، ولا شاهد يعضده.
قوله: ونحن نقول بموجب ما احتجت به.
أقول: من موجب ما وقع به الاحتجاج القيام للتعظيم، عملا بإطلاق القيام في تلك الأدلة، وأنتم لا تقولون به، والمقيد لذلك الإطلاق على زعمكم لا يصلح للتقييد لو كان نصا في محل النزاع، فكيف وهو ظاهر فيه! فكان قولكم: لأن هذه الأدلة خالية عن ذلك التقيد دعوى بلا برهان. وخلاصة المقال في هذا المقام أن هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة الشاملة لأقسام السنة قد دلت على جواز مطلق القيام للوارد، سواء كان لتعظيم أو غيره، فلا ينتقل عن هذا الإطلاق تخصيصه لغير التعظيم إلا بدليل صحيح مساو لتلك الأدلة أو دونها، بحيث تصلح للاحتجاج، ومن ادعى تحريم قصد التعظيم
стр. 4518
بالقيام مستدلا بحديث أبي أمامة لزمه العمل بالحديث الضعيف في غير فضائل الأعمال أيضا، فإن قال: قد أسلفت في أول هذا الكلام تأويله وحمله على القيام على القاعد، وهذا الصنيع فرع التزام صحته.
قلنا له: إنما ذلك مشي معك على التنزل، وإلا فهو ليس بحجة مع ما قد سبق نقله عن الحافظ المنذري (١) من تضعيف من ذكر في إسناده، فإن قال: لم يقع الإجماع من أئمة هذا الشأن على تضعيفه، حتى نسوغ مقالتك هذه، بل قد نقل المنذري عن جماعة توثيقه.
قلنا: إذا تعارض الجرح والتعديل فالجرح مقدم مطلقا، ولو كان عدد المعدلين أكثر. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في علوم الحديث (٢) ما لفظه: إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل فالجرح مقدم؛ لأن المعدل يخبر عما ظهر، والجارح يخبر عن باطن
стр. 4519
خفي على المعدل، وإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل: التعديل أولى، والصحيح (١) الذي عليه الجمهور أن الجرح أولى؛ لما ذكرناه، والله أعلم. انتهى.
وليقتصر على هذا القدر فيما أوردناه، وبه تعرف ما يرد على بقية تلك الأبحاث مما أوردناه، إلا ما ذكره مولاي العزي - حفظه الله - في آخر كلامه من قوله: ولهذا تعرف أن قولك: إن حديث أبي أمامة لا يقوى على معارضة ما في الصحيحين - غير مناسب، فلا يكفي فيه الإجمال، فبيان هذه القاعدة وإيضاحها من المهمات؛ لكثرة دورانها.
فأقول: المطلق والمقيد، ومثلهما العام والخاص قبل حمل أحدهما على الآخر متصف كل واحد منهما بأنه معارض للآخر؛ إذ قد دل بإطلاقه، والعام بعمومه على خلاف ما دل عليه المقيد والخاص، وهذا معنى التعارض.
قال العلامة ابن الإمام: أما التعارض الواقع بين الظاهر من الكتاب والسنة؛ فإن كانت السنة متواترة [٨] فهي كالكتاب، وإن كانت آحادا فإن تساويا في المتن وفيما يرجع إلى أمر خارج، فالكتاب أولى؛ لتواتره، وإن كان متنها قطعيا دون متنه فالسنة أولى من ظاهر الكتاب، كأن يكون خاصه وهو عام، أو مقيده وهو مطلق (٢) انتهى.
فهذا تصريح باتصاف المطلق والمقيد، والعام والخاص بالتعارض، ثم يقول: إذا كان كل من المتعارضين أحاديا، وكل منهما أيضًا صالح للاحتجاج، فالعمل بمقتضى ما دل عليه أحدهما إهدارا للدليل الآخر، أو نقضه، والمفروض أنه مساو له في صلاحية الاحتجاج به، فلم يبق إلا الجمع بينهما بحمل أحدهما على الآخر، بأن يعمل بالعام والمطلق في ما عدا الخاص والمقيد، ملاحظة لإعمال الدليلين ما أمكن، وهذا معنى قولهم
стр. 4520
بني أو حمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد (١).
وقولهم: جمع بينهما، فإذا قيل مثلا: هذا الدليل لا يقوى على معارضة هذا الدليل، فالمراد أنهما غير مستويين في صلاحية الاحتجاج حتى تجمع بينهما بحمل أحدهما على الآخر، وحينئذ يتوجه العمل بكل ما دل عليه الصالح للاحتجاج، ويترك الآخر وإن اتصف بالمعارضة. ويقول فيه: لا يقوى على معارضة ذلك الصالح. أصلح الله لي ولكم القول والعمل، وجنبنا الزيغ والزلل، وسلك بنا فيما يرضيه الطريق الأمثل، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد الأمين، وآله الكرمين، وصحبه الراشدين.