← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

والإكرام؛ فإن المحرم على ما يدعونه إنما هو قصد التعظيم لا القيام (١). قوله: وقد شهد بهذا الحديث حديث مسلم (٢). أقول: هاهنا صورتان: القيام على رأس القاعد كما هو فعل الأعاجم، والثانية قيام الرجل عند وصول أخيه تعظيما له وإكراما، أو محبة أو فرحا، أو لغير ذلك من الأسباب، وحديث مسلم إنما دل على منع الصورة الأولى، مقتضى تفسيره القيام الذي وقع النهي عن مثله بالجملة الحالية أعني: " وهم قعود "، والصورتان متباينتان قبل الحمل الذي ذكرناه آنفا، فكيف يكون دليل الصورة الأولى شاهدا لحديث أبي أمامة؟! وإنما يكون الشاهد مجبورا به ضعف الحديث حدثا كان الشاهد نصا أو ظاهرا فيما دل عليه ذلك الضعيف، وبهذا يعرف أن الاستشهاد بحديث مسلم على حديث أبي أمامة بعيد، وأبعد منه الاستشهاد عليه بحديث: " من سره أن يتمثل الناس. . " إلخ (٣). قوله: الوعيد على المسرة بالفعل قاض بعدم جوازه. هذا أكبر دليل على تحرير مولاي العزي - حفظه الله تعالى - لهذا البحث مع عجله أو شغله، مصدية للذهن؛ فإن المسرة فعل قلبي، والقيام فعل آخر مغاير لها، وأي مانع من تحريم أحدهما وجواز الآخر ولو كان من فاعل واحد، يزيده وضوحا أن فعل الطاعة مطلوب للشارع، والعجب بها محرم منهي عنه، وهو مرة بحصول أمر بصحتها تطاول على من لم تحصل له، فهل ورود الوعيد عليه يقضي بعدم جواز فعل الطاعة، مع كون الفاعل واحدا! فكيف مع تعدده كما نحن فيه! إذا عرفت هذا عرفت أن إطلاق قوله: إذ المسرة بالجائز جائزة، ليس على ما ينبغي؛ إذ لا يجوز من المسرة إلا ما لم يمنعه الشارع، وأما ما منعه منها فلا يجوز ولو كانت مباحا أو مشروعا.

стр. 4517

قوله: فإن قلت: هذا الحديث وارد في القيام على القاعد، الإشارة في هذا السؤال إن كانت عائدة إلى حديث أبي أمامة (١) الذي وقع منه الاستدلال به، لم يناسبه الجواب بقوله: قلت: التقييد. . إلخ؛ إذ لا تفسد فيه وإن كانت عائدة إلى حديث " من سره أن يتمثل. . . " إلخ كما هو الظاهر، فلا حاجة إلى إيراد هذا السؤال والجواب، كما أنه لا حاجة إلى إيراد السؤال الذي بعده، فإن السرور بالقيام محرم أو مكروه مطلقا، سواء كان ذلك القيام جائزا كالقيام للوارد، أو محرما كالقيام على رأس القاعد. قوله: فالحق منع القيام بمجرد التعظيم. كان الأظهر على ما تزعمونه أن يقال: فالحق منع قصد التعظيم؛ إذ لا يقال لمن يصدق رياء: الحق ترك الصدق رياء، بل يقال له: الحق ترك الرياء بمجاهدة النفس بإخلاص العمل. قوله: وقد شدت هذه الشواهد من عضد حديث أبي أمامه الذي سبق، إنما هما [٧] شاهدان (٢). وقد عرفت بطلان شهادتهما، فبقي دعوى منع التعظيم بالقيام مستندة إلى حديث ضعيف لا تقوم به الحجة، ولا شاهد يعضده. قوله: ونحن نقول بموجب ما احتجت به. أقول: من موجب ما وقع به الاحتجاج القيام للتعظيم، عملا بإطلاق القيام في تلك الأدلة، وأنتم لا تقولون به، والمقيد لذلك الإطلاق على زعمكم لا يصلح للتقييد لو كان نصا في محل النزاع، فكيف وهو ظاهر فيه! فكان قولكم: لأن هذه الأدلة خالية عن ذلك التقيد دعوى بلا برهان. وخلاصة المقال في هذا المقام أن هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة الشاملة لأقسام السنة قد دلت على جواز مطلق القيام للوارد، سواء كان لتعظيم أو غيره، فلا ينتقل عن هذا الإطلاق تخصيصه لغير التعظيم إلا بدليل صحيح مساو لتلك الأدلة أو دونها، بحيث تصلح للاحتجاج، ومن ادعى تحريم قصد التعظيم

стр. 4518

بالقيام مستدلا بحديث أبي أمامة لزمه العمل بالحديث الضعيف في غير فضائل الأعمال أيضا، فإن قال: قد أسلفت في أول هذا الكلام تأويله وحمله على القيام على القاعد، وهذا الصنيع فرع التزام صحته. قلنا له: إنما ذلك مشي معك على التنزل، وإلا فهو ليس بحجة مع ما قد سبق نقله عن الحافظ المنذري (١) من تضعيف من ذكر في إسناده، فإن قال: لم يقع الإجماع من أئمة هذا الشأن على تضعيفه، حتى نسوغ مقالتك هذه، بل قد نقل المنذري عن جماعة توثيقه. قلنا: إذا تعارض الجرح والتعديل فالجرح مقدم مطلقا، ولو كان عدد المعدلين أكثر. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في علوم الحديث (٢) ما لفظه: إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل فالجرح مقدم؛ لأن المعدل يخبر عما ظهر، والجارح يخبر عن باطن

стр. 4519

خفي على المعدل، وإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل: التعديل أولى، والصحيح (١) الذي عليه الجمهور أن الجرح أولى؛ لما ذكرناه، والله أعلم. انتهى. وليقتصر على هذا القدر فيما أوردناه، وبه تعرف ما يرد على بقية تلك الأبحاث مما أوردناه، إلا ما ذكره مولاي العزي - حفظه الله - في آخر كلامه من قوله: ولهذا تعرف أن قولك: إن حديث أبي أمامة لا يقوى على معارضة ما في الصحيحين - غير مناسب، فلا يكفي فيه الإجمال، فبيان هذه القاعدة وإيضاحها من المهمات؛ لكثرة دورانها. فأقول: المطلق والمقيد، ومثلهما العام والخاص قبل حمل أحدهما على الآخر متصف كل واحد منهما بأنه معارض للآخر؛ إذ قد دل بإطلاقه، والعام بعمومه على خلاف ما دل عليه المقيد والخاص، وهذا معنى التعارض. قال العلامة ابن الإمام: أما التعارض الواقع بين الظاهر من الكتاب والسنة؛ فإن كانت السنة متواترة [٨] فهي كالكتاب، وإن كانت آحادا فإن تساويا في المتن وفيما يرجع إلى أمر خارج، فالكتاب أولى؛ لتواتره، وإن كان متنها قطعيا دون متنه فالسنة أولى من ظاهر الكتاب، كأن يكون خاصه وهو عام، أو مقيده وهو مطلق (٢) انتهى. فهذا تصريح باتصاف المطلق والمقيد، والعام والخاص بالتعارض، ثم يقول: إذا كان كل من المتعارضين أحاديا، وكل منهما أيضًا صالح للاحتجاج، فالعمل بمقتضى ما دل عليه أحدهما إهدارا للدليل الآخر، أو نقضه، والمفروض أنه مساو له في صلاحية الاحتجاج به، فلم يبق إلا الجمع بينهما بحمل أحدهما على الآخر، بأن يعمل بالعام والمطلق في ما عدا الخاص والمقيد، ملاحظة لإعمال الدليلين ما أمكن، وهذا معنى قولهم

стр. 4520

بني أو حمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد (١). وقولهم: جمع بينهما، فإذا قيل مثلا: هذا الدليل لا يقوى على معارضة هذا الدليل، فالمراد أنهما غير مستويين في صلاحية الاحتجاج حتى تجمع بينهما بحمل أحدهما على الآخر، وحينئذ يتوجه العمل بكل ما دل عليه الصالح للاحتجاج، ويترك الآخر وإن اتصف بالمعارضة. ويقول فيه: لا يقوى على معارضة ذلك الصالح. أصلح الله لي ولكم القول والعمل، وجنبنا الزيغ والزلل، وسلك بنا فيما يرضيه الطريق الأمثل، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد الأمين، وآله الكرمين، وصحبه الراشدين.

стр. 4521

هذا البحث جواب مني على البحث المحرر بعده لشيخنا العلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك لا أحصي ثناء عليك، وأصلي وأسلم على رسولك وآله وصحبه وبعد: فإنه لما أحث شيخنا العلامة النحرير المجتهد المطلق التواضع بالبحث مع تلميذه في مسألة القيام لورود الوارد، وحرر وحررت ما ظن كل واحد منا أنه الصواب، ثم طلبت منه، - حفظه الله - أن يكتب علي بما كتبته في ذلك، فكتب ما لا يقدر عليه إلا هو، ثم أحببت الاستفادة منه بسؤاله عن أشياء فيما كتبه، وأوردتها على صورة الانتقاد والعرض ذلك، فليعلم. قوله: ما المراد بهذه الدلالة إلى قوله: فهو مسلم. أقول: في هذا أبحاث: الأول: أن الذي وقع في كلامي أن العلة مصرح بها من غير تعرض للنصوصية، وشأن الترديد الاحتمال، فلم يقع هنا موقعه. الثاني: أن قوله: إذ التصريح بالعلة في اللفظ لا يستلزم نصوصيتها، أقول: ليس النصوصية على العلة إلا التصريح بها، أي: بلفظها في سياق الكلام، كقول الشارع: لعله كذا (١)، فكيف قال شيخنا: إذ التصريح بالعلة. . إلخ، ولعله أراد بالتصريح بالعلة لا بلفظها، وإن كانت عبارته قاضية بالأول. الثالث: أن العلة واقعة ههنا في لفظه ﵌ وهي قوله: " ليعظم

стр. 4522

بعضها بعضا "، بهذه العلة في المرتبة الثانية من مراتب الصريح، لا كما ذكره شيخنا. الرابع: أن قوله من حيث ترتيب الراوي إلى قوله في المرتبة الثالثة من مراتب غير الصحيح (١) في التعليل خلاف ما في الغاية، فإنه جعل ما دخلت فيه الفاء في لفظ الراوي في المرتبة الرابعة من مراتب الصريح في التعليل، فإن كان استناد شيخنا إلى ما فيها، فهذا الذي رأيناه فيها، وإن كان إلى غيرها فلا مانع من ذلك. قوله: لكن قد تقرر جواز مخالفة ما هو في أول مرتبة من مراتب الظهور إلى قوله: وكيفية مخالفة الظاهر فيه أبحاث أيضا: الأول: أن شيخنا - حفظه الله - قد نقل البحث إلى ما ذكره أهل الأصول في أقسام المنطوق من النص، والظاهر هو مغالطة، وأظنها غير مقصودة لتفاوت حقيقة النص، والظاهر في التباين، وبيانه أن مرادهم بالنص في بحث العلة التصريح بلفظها بأن يقال: لعله كذا، والظهور فيها عدم التصريح بلفظها، كأن يقال لكذا، أو بكذا، أو من كذا أو نحو ذلك (٢). والنص في بحث المنطوق ما أفاد معنى لا يحتمل غيره (٣)، والظاهر ما احتمله اللفظ احتمالا راجحا. إذا عرفت هذا عرفت صدق حد النص في باب المنطوق على كثير من الظاهر في باب العلة، فإن قول القائل: أكرمتك لقرابتك من باب الظهور في العلة، مع أنه صدق عليه حد النص [٩] المذكور في باب المنطوق؛ لأن القرابة تفيد معنى لا يحتمل غيره، وما نحن

стр. 4523

فيه من هذا القبيل؛ لأن اللفظ: تعظم بعضها بعضا يفيد معنى لا يحتمل غيره، مع أنه من قبيل الظهور في اللغة؛ لأنه باللام المقدرة. البحث الثاني: إن مخالفة الظاهر لدليل راجح عليه، أو مساو له في الصحة مسلمة، لكنها إنما تكون عند التعارض والترجيح، لا عند الإطلاق والتقييد كما هو المدعى. وسيأتي لهذا مزيد فائدة إن شاء الله. الثالث: أنه يصلح للتقييد كل ما يصلح للتخصيص؛ لاستواء أحكامهما كما صرح بذلك أئمة الأصول (١)، فإذا جاز التخصيص بالقياس (٢)، والمفهوم (٣)، والعادة (٤) عند بعض جاز التقييد بها، فكيف لا يجوز التقييد بها هو من أقسام المنطوق! قوله: ومما يرشد إلى صحة هذا الحمل - إلى قوله - لم يبق للتشبيه فائدة. أقول: هذا كلام نفيس إلا أنه يقال: دعوى انتفاء فائدة التشبيه ممنوعة؛ فإن المراد تشبيه القيام المصحوب بالتعظيم بالقيام من غير نظر إلى صفة من قيم له، وفي هذا فائدة تامة، ومساواة المشبه للمشبه به في جميع ما يمكن اعتباره لم يشترطها أحد، لا سيما إذا كان ذلك الأمر خارجا عما نحن فيه للقطع بصحة قولنا:

стр. 4524

ضربت عمرا كضرب زيد له، عند استواء الضربين، وإن كان المضروب قائما عند ضرب أحدهما، قاعدا عند ضرب الآخر، أو الضارب كذلك. قوله: أقول: ههنا صورتان - إلى قوله - من سره أن يتمثل له الناس. أقول: إنما جعلناه شاهدا باعتبار أن في كل واحد منهما قيام تعظيم، لا باعتبار صفة من قيم له، فإن أراد شيخنا بالتباين المذكور بالنسبة إلى من قيم له فمسلم، وهو غير المدعي، وإن أراد بالنسبة إلى القائم فممنوع، وإن أراد بالنسبة إلى المجموع فهو غير المدعى أيضا. قوله: هذا أكثر دليل على تحرير - إلى آخر هذا البحث -. أقول: قد جعل شيخنا هذا البحث برهانا له على ما ادعاه من وقوع ذلك الجواب عن غير تثبت، وهو جعل عجيب، فإني لا أعلم أحدا منع من مجرد المسرة على ما يجوز من الأفعال والأقوال، وقد حكى الله سبحانه هذا في كتابه عن عباده المؤمنين، لم يمنعهم، وقد وقع من رسول الله في مواطن يضيق المقام عن حصر بعضها، فكان في بعضها يضحك حتى تبدو نواجذه (١)، وفي بعضها يبتسم (٢)، وفي بعضها يظهر أثر ذلك

стр. 4525

في وجهه بظهور أساريره، وهكذا الصحابة أجمع ومن بعدهم، فكيف يخفى هذا على من هو في العلم والتأييد بتحريم العجب على إبطال ما ادعيناه مما لا يفيد شيئا [١٠]!؟ فإن العجب ليس مجرد المسرة، بل مع التطاول المحرم كما ذكره شيخنا، والذي أوجب تحريمه هو ذلك التطاول لا غير. ودعوى التغاير بين الفعلين وتجويز تحريم أحدهما دون الآخر مسلمة، لكنا نرى أن ذلك التجويز غير واقع، ولو فتحنا باب التجويزات لانسدت علينا طرق الشريعة الفسيحة وصرنا في حيرة، وشيخنا - متع الله به - لا ينكر تحريم مسرة الرجل بقتل أخيه المؤمن، وكفره، وتورطه في المعاصي، وذهاب ماله، وموته، وموت أقاربه، ونحو ذلك مما لا يحصى، ولا ينكر أيضًا جواز مسرة المؤمن بما حصل له من الطاعات، وبما عصم عنه من المعاصي، وبحدوث ولد له، وحصول مال، وإيمان أخيه المؤمن وإسلامه، وانتصاره على أعدائه من الكفار، ونحو ذلك من الصور التي لا تدخل تحت الحصر أيضا. وهذا هو ما ادعيناه، فأي تساهل في تلك القاعدة التي أوردناها في ذلك الجواب!؟ وإن ورد النقض عليها بجزئيات يسيرة، فلا يوجب ذلك انتفاضها، كما هو شأن كثير من القواعد الكلية، على أني لا أعلم الآن واحدا من تلك الجزئيات. قوله: إذ لا يجوز من المسرة إلا ما لم يمنعه الشارع. . إلخ. أقول: مسلم على فرض وقوع المنع، وقد أقر شيخنا - حفظه الله - بأن جنس المسرة جائز إلا ما منعه الشارع، ونحن ننكر الوقوع، فليأت - حفظه الله - بذلك المنع لمجرد المسرة بالفعل الجائز. قوله: الإشارة في هذا السؤال - إلى آخر هذا البحث -. أقول: ليعلم أولا أنه لا نزاع في دلالة هذا الحديث - أعني: من سرة. . إلخ - على تحريم المسرة بالقيام ممن قيم له، والغرض الذي سقته له دلالته على تحريم القيام من القائم إذا

стр. 4526

اقترن بالتعظيم؛ لأن الوعيد على المسرة قرينة قاضية بأنه مقترن به، بناء على تلك القاعدة التي أسلفتها؛ ولهذا أظهر الاحتياج إلى السؤال الثاني الذي ذكرته. وأما السؤال الأول فهو لدفع توهم الاختصاص بحال القعود كما سمعناه من شيخنا - متع الله به - حال تلك المذكرة، وبهذا يعلم أنه لم يسبق لغرض الاستدلال على تحريم السرور حتى يلزم استدراك ذينك السؤالين كما ذكره شيخنا. قوله: كان الأظهر على ما تزعمونه. . إلخ. أقوله: معرفة صحة هذا الانتقاد متوقفة على معرفة حكم العمل المقترن بالزنا ونحوه، فإن جعل ذلك العمل معصية باعتبار انضمامه إلى ذلك المقصد، فالحق منعه حال ذلك الانضمام، وإن لم يجعل معصية بأن يمنع تأثير القصد في العمل فالحق ما ذكره شيخنا، والتعظيم الذي هو علة التحريم في مسألتنا لا يحرم مجردا عن القيام للقطع بجوازه، بل وجوبه للأبوين، والمعلم، وذوي الفضل، والإمام، ونحو ذلك، فلو [١١] قلنا: الحق منع قصد التعظيم كما ذكره شيخنا يعم كل تعظيم مجرد؛ لأنه مصدر مضاف، وهو لا يتم، فكان صواب العبارة في الانتقاد أن يقال: فما لحق منع التعظيم في القيام. قوله: الذي سبق إنما هو شاهدان، كأن شيخنا يشير بهذا إلى الاعتراض على جمع الشواهد، وشواهد الجمع كثيرة، وهو مذهب العلامة جار الله وغيره. قوله: وقد عرفت بطلان شهادتهما. أقول: قد عرفت بطلانه. قوله: أقول: من موجب به الاحتجاج - إلى آخر البحث -. أقول: قد عرفت تقييد ذلك الإطلاق، وبطلان دعوى عدم صلاحية ذلك القيد بما سلف، فلا يقيده. قوله: وخلاصة المقال - إلى آخر البحث -. أقول: قد عرفت مما سبق أن مساواة الدليل شرط في التعارض لا في التقييد؛ فإنه

стр. 4527

يصلح له القياس والمفهوم، بل العادة عند بعض كما سبق، فهذا البحث من شيخنا أعاده لما سبق، وإن كان لا يخلو عن فائدة، ودعوى ضعف ما وقع به التقييد مبنية على انتفاء شهادة تلك الشواهد، وقد عرفت ما فيه. قوله: فبيان هذه القاعدة - إلى آخر البحث -. أقول: جزى الله شيخنا عنا خيرا؛ فلقد أفادنا بهذا البحث إفادة تامة، إلا أنه بقي ههنا أبحاث: الأول: أن كلامه - حفظه الله - قد أشعر بأن العام لا يبنى على الخاص، والمطلق لا يحمل على المقيد (١)، إلا بعد النظر فيهما، فإن تساويا صح البناء والحمل، وإن كان أحدهما أرجح فلا بناء ولا حمل، وهذا هو الترجيح بعينه. وقد تقرر أنه لا يصار إليه مع إمكان الجمع. الثاني: أنه قد جاز تخصيص النص وتقييده بالقياس، والمفهوم، وبما دونهما، وهما غير مساويين له، فلم لا يرجح النص، ويطرح ذلك المخصص لنقصانه على مقتضى هذا التقرير؟ الثالث: أن قول العلامة ابن الإمام وإن كان متنها قطعيا دون متنه، فالسند أولى من ظاهر الكتاب، كأن يكون خاصه وهو عام، أو مقيده وهو مطلق، لا كلام أنه مشعر بما ذكره شيخنا من اتصاف المطلق والمقيد والعام والخاص بالتعارض، وهو يقدح في كلام ابن الإمام ههنا في الشرح ما سبق له قوله بقليل في المتن من أنه لا تعارض بين قطعي وظني (٢)، وقد حكم ههنا - أي في الشرح - بأن أحدهما قطعي والآخر ظني، وأدخلهما في حيز التعارض، فكلامة مشكل، ومثل عبارة المتن عبارة المعيار للمهدي، جعلنا الله وإياكم من المهتدين، ولا برحتم في حفظ الله، والسلام عليكم ورحمة الله

стр. 4528

وبركاته. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. انتهى من خط المجيب - حفظه الله - وبارك لنا في أيامه ولياليه بحق محمد وآله وسلم [١٢].

стр. 4529

(١٨٤) ١٧/ ٣ العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4530

وصف المخطوط: (أ) ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي. ٢ - موضوع الرسالة: آداب. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآل رسولك. وبعد، فإنه وفد إلي كتاب من بعض الأعلام الأفاضل المشهورين بالزهد والورع. . . . ٤ - آخر الرسالة: فإن هذا غلط على الشريعة، والحمد لله أولى وأخرى، حرر ضحوة يوم الأربعاء لعله ثامن شهر جمادى الأولى سنة ١٢١٩ هـ. ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - عدد الصفحات: ٦ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٢ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4531

وصف المخطوط: (ب) ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي. ٢ - موضوع الرسالة: آداب. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآل رسولك. وبعد، فإنه وفد إلى كتاب من بعض الأعلام الأفاضل المشهورين بالزهد. . . ٤ - آخر الرسالة: بقلم المؤلف عافاه الله، ونقلته من خطه ثاني يوم تحريره دامت إفادته، والله حسبي. بلغ قصاصه (ويرد من الحجج قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ تمت). ٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول. ٦ - عدد الصفحات: ٦ صفحات ما عدا صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٨ سطرا. ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها ١٢ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١١ - ١٢ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4532

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآل رسولك. وبعد: فإنه وفد إلي كتاب من بعض الأعلام الأفاضل المشهورين بالزهد والورع والوقوف عند حدود الشرع، وفي عنوانه من فلان بن فلان، ولا شك ولا ريب أن هذا العنوان هو الذي كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم في جميع مكاتباتهم، بل هو العنوان الذي كان الرسول ﷺ يعنون به كتبه الشريفة إلى الأقطار، فهو من هذه الحيثية سنة حسنة، وخصلة مستحسنة، ولكنه نشأ قوم يعتقدون أن من عنون كتابه بما جرت عليه عادات المتأخرين من لفظ سيدي فلان، ونحو ذلك فقد ارتكب عظيما، وفعل جسيما، وتلبس بغير شعار الإسلام، وارتطم في أعظم مهاوي الآثام، وليس الأمر كذلك، فالخطب يسير، والخطر في مثل هذا حقير. وها أنا أذكر ما تمسك به هؤلاء المتشددون، وما يرد به عليهم لقصد الإفادة لذلك الذي كاتبني من نبلاء السادة القادة، فليجعل هذا البحث عنوانا يقيس عليه سائر المسائل التي حدث التشديد فيها، وعظم النكير على من خالفها على أنحاء يتعذر تلافيها. فأقول: استدلوا على المنع من إطلاق لفظ السيد وسيدي ونحو ذلك بما أخرجه النسائي (١) بإسناد جيد عن عبد الله بن الشخير قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي ﵌ فقلنا له: أنت سيدنا، فقال: " السيد الله ﵎ " قلنا: وأفضلنا وأعظمنا طولا، قال: " قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرنكم الشيطان "، وفي رواية (٢) " ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله ورسوله،

стр. 4533

ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ". فهذا هو حجتهم على تشديد النكير على من كاتب أو خاطب بلفظ سيدي، ونحو ذلك، فاسمع ما نملي عليك مما خطر على البال من الحجج الشرعية، وحضر عند تحرير هذه الأحرف من البراهين المرضية، وذلك [أربع] (١) عشرة حجة: الحجة الأولى [١أ]: ما صح عنه ﷺ في دواوين الإسلام المعتبرة أنه قال: " أنا سيد ولد آدم " فهذا الحديث صحيح (٢) يفيد أنه سيد الأحياء والأموات من بني آدم [١]،

стр. 4534

فمن قال منهم مخاطبا له ﷺ أنت سيدنا أو سيد بني آدم، فما قال إلا ما أثبته ﷺ لنفسه، فقوله ﷺ لوفد بني عامر: " السيد الله " يريد أن الفرد المطلق في السيادة هو الله - تعالى - كما تدل على ذلك آلة التعريف في السيد، فإنها في مثل هذا المقام تفيد الحصر (١) كما صرح بذلك علماء المعاني والبيان والأصول، كما يقول القائل: أنت الرجل علما أو شجاعة أو نحو ذلك، أي: الفرد الكامل في العلم [أو] (٢) الشجاعة، فالحصر في مثل هذا هو باعتبار الكمال [لا] (٣) أنه حصر حقيقي، بل حصر ادعائي لقصد المبالغة في وصفه بالكمال. وأهل علم المعاني والبيان هم القائمون ببيان دقائق العربية وأسرارها، وأهل الأصول هم المبينون لقواعد لغة العرب الكلية، ولا شك ولا ريب أن هذه الشريعة المطهرة هي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهما على لسان العرب، فالفهم لهما إنما يكون [بفهم] (٤) لغة العرب، وقد تغيرت لغة العرب من قديم الزمن، بل من عصر الصحابة؛ ولهذا كان وضع علم النحو في أيامهم لما سمعوا التخليط من أهل ذلك العصر، وكان أول من أرشد إلى علم النحو هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ولغة العرب الآن أشد تغيرا، بل قد التحقت في كثير من المساكن التي كان تسكنها العرب بلغة العجم، فمن أراد الآن أن

стр. 4535

يفهم كتاب الله وسنة رسوله [ ﷺ ] (١) على مقتضى لغة العرب فلا يتم له معرفة أصل معنى اللفظ إلا بمعرفة علم اللغة، ولا يتم له معرفة أصل أبنية الألفاظ العربية إلا بمعرفة علم الصرف، ولا يمكنه معرفة الحركات الإعرابية إلا بعلم النحو، ولا يمكنه معرفة دقائق العربية وأسرارها إلا بعلم المعاني والبيان، ولا معرفة قواعد اللغة الكلية إلا بعلم الأصول. ولهذا كانت هذه العموم هي المقدمة في العلوم الاجتهادية، وإن خالف في [اعتبار] (٢) البعض منها في الاجتهاد بعض أهل العلم، فالحق اعتبار الجميع (٣)؛ لأن فهم لغة العرب على الوجه المطابق لما كانت عليه اللغة لا يتم [١ب] إلا بذلك، ولا ريب أن دقائق اللغة يستفاد من العلم بها العلم بدقائق الكتاب والسنة، والدقائق [٢] تستخرج منها الأحكام الشرعية كما تستخرج من الظواهر. إذا تقرر لك هذا فاعلم أن النبي ﷺ [إنما] (٤) قال لوفد بني عامر لما قالوا: أنت

стр. 4536

سيدنا [قال] (١) " السيد الله "؛ لأنه قد فهم من مقصدهم أنهم أرادوا بالسيد المعنى الذي لا يصح إطلاقه على البشر، ولم يريدوا به المعنى الذي يطلقه البشر على الأنبياء وغيرهم، ويويد هذا ما قاله لهم من بعد: " ولا يستجرنكم الشيطان " " ولا يستهوينكم الشيطان " فإن مخاطبته لهم بهذا الخطاب تدل أبلغ دلالة على أنه قد فهم منهم الغلو (٢)، فكان ذلك سببا لقوله لهم: " السيد الله "، وهذا في غاية الوضوح والجلاء، فعرفت بهذا أن ذلك الحديث لا يدل على مطلوب المستدل. وذكر في النهاية (٣) ما يفيد أن في هذا الحدث زيادة لفظ يدل على جواز إطلاق لفظ السيد على بني آدم، فقال ما لفظه: ومنه الحديث لما قالوا له: أنت سيدنا فقال: " قولوا بقولكم، ادعوني نبيا أو رسولا كما سماني الله، ولا تسموني سيدا كما تسمون رؤساءكم؛ فإني لست كأحدكم ممن يسودكم في أسباب الدنيا ... " انتهى. فهذا يدل على جواز إطلاقه على البشر لا على منعه، فالدليل حجة عليهم لا لهم. الحجة الثانية: ما ثبت عنه ﷺ في الصحيحين (٤) وغيرهما (٥) أنه قال في الحسن بن

стр. 4537

علي ﵁: " إن هذا ابني سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين " فإن في هذا الحديث أبلغ دلالة وأكمل تصريح على جواز إطلاق لفظ سيد على أفراد بني آدم. الحجة الثالثة: ما ثبت عنه ﷺ في دواوين الإسلام أنه قال: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (١)، " أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة " (٢). الحجة الرابعة: ما ثبت عنه ﷺ من قوله للأنصار يوم بني قريظة لما وصل سعد بن معاذ بعد التحكيم له من بني قريظة، وكان مريضا شديد المرض من ذلك السهم الذي

стр. 4538

أصابه يوم الخندق، فقال ﷺ : " قوموا إلى سيدكم يا معشر الأنصار " (١). الحجة الخامسة: ما قاله ﷺ لقيس بن عاصم المنقري سيد بني تميم لما وفد [٢أ] إليه فقال: " هذا سيد أهل الوبر " (٢) وهو إذ ذاك مشرك. الحجة السادسة: أنه سأل ﷺ ⦗٣⦘ بعض قبائل العرب فقال: " من سيدكم؟ " [قالوا] (٣) فلان على بخل فيه فقال: " وأي داء أدوأ من البخل! " (٤) وهذه الأحاديث كلها مذكورة في كتب الحديث المعتبرة، والسير المشتهرة، لا يشك أحد من أهل العلم في شيء منها. الحجة السابعة: أنه كان ﷺ يسأل الوفود الذين يفدون عليه من الجهات عن سيدهم من هو؟ فيدلون عليه بعبارة أو إشارة. الحجة الثامنة: قوله ﷺ : " كل بني آدم سيد، فالرجل سيد أهل بيته، والمرأة سيدة أهل بيتها " (٥). الحجة التاسعة: حديث أنه سئل هل في أمته سيد؟ فقال: " من آتاه الله مالا، ورزق

стр. 4539

سماحة، فأدى شكره، وقلت شكايته في الناس [يعني] (١) فهو سيد (٢). الحجة العاشرة: ما ثبت في الصحيح (٣) أنه ﷺ قال للأوس: " انظروا إلى سيدكم ما يقول " وذلك في قصة اللعان. الحجة الحادية عشرة: قوله ﷺ في حديث قيس بن عاصم: " اتقوا الله، وسودوا أكبركم " (٤). الحجة الثانية عشرة: قوله ﷺ : " لا تقولوا للمنافق سيد " (٥). الحجة الثالثة عشرة: قوله ﷺ لما قيل له: من السيد؟ فقال: " يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم " (٦)، وهذه الأحاديث المتأخرة ذكرها صاحب .................................

стр. 4540

النهاية (١). [الحجة الرابعة عشرة: ذكر السبكي في طبقاته (٢) في ترجمة أحمد بن عمرو بن السرح (٣) شيخ مسلم وغيره ما لفظه: وتفرد عن ابن وهب بحديث فقال: حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " كل بني آدم سيد، الرجل سيد أهله، والمرأة سيدة بيتها " قال السبكي (٤) هذا حديث صحيح غريب. انتهى] (٥). فهذا ما خطر من الحجج عند جري القلم بهذه الأحرف، والمجال [واسع جدا] (٦) ومن تتبع وجد أضعاف أضعاف ذلك، بل قد صرح بذلك الكتاب العزيز، قال الله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ (٧)، فهذا [فيه] (٨) إطلاق لفظ السيد على البشر، وهذه الآية الكريمة ينبغي أن تجعل من الحجج المتقدمة، فتكون الحجة الرابعة عشرة. وقد جرى على ألسن الصحابة والتابعين وتابعيهم من إطلاق ذلك على البشر نظما ونثرا ما لا يأتي عليه الحصر، ومن ذلك قول عائشة [﵂] (٩) لما سألتها امرأة عن الخضاب فقالت: " كان سيدي رسول الله [ ﷺ ] (١٠) يكره ريحه " (١١).

стр. 4541

وقول أم الدرداء: " حدثني سيدي أبو الدرداء "، وقول عمر: " تفقهوا قبل أن تسودوا " (١)، وقول ابن عمر: " ما رأيت بعد رسول الله ﷺ أسود من فلان " (٢). فقد ثبت مما قدمنا عدم دلالة ذلك الدليل على المطلوب؛ لاقترانه بما يدل على أنهم أرادوا بالسيد معنى يتضمن بعض الغلو الذي لا تريده العرب وأهل الإسلام [٢ب] عند إطلاقه على البشر؛ ولهذا جعله [٤] ﷺ من استجرار [الشيطان] (٣) واستهوائه. وثبت أيضًا بما ذكرناه من الحجج أن النبي ﷺ أثبت لنفسه أن سيد بني آدم على العموم (٤) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٥). وأثبت لبعض أفراد البشر أنه سيد مطلق من غير تقييد (٦)، وأثبت لبعض آخر أنه سيد شباب الجنة، ولبعض آخر أنه سيد كهول أهل الجنة [ولبعض أنه سيد قبيلة من القبائل] (٧) ولبعض

стр. 4542

أنه سيد قبائل متعددة. فدل مجموع ذلك إلى أنه يجوز أن يقال لفرد من أفراد بني آدم أنه سيد ذلك [القائل] (١)، أو سيد قوم معينين كأن يقول: يا سيدي أو يا سيد القبيلة الفلانية، أو سيد أهل القرية الفلانية، أو نحو ذلك من التخصيص والتعميم الجائزين الخاليين عن الغلو الممنوع. ولا فرق بين أن يكون ذلك في مخاطبة أو مكاتبة، فالكل جائز، والأمر واسع، فإن السيد في لغة العرب يرد [لمعان] (٢) منها [من ثبتت] (٣) له رئاسة عامة أو خاصة، وأهل الشرع إلى عصرنا هذا إذا أطلقوه على فرد من الأفراد لا يريدون إلا هذا المعنى، أما حقيقة، أو ادعاء [وتأدبا] (٤). وما في إطلاق مثل هذا من ضير، فقد أذن به الشرع، ولم يرد فيه ما يمنعه لا بتصريح ولا بتلويح، بل كما يجوز أن يقال: الرئيس أو رئيس بني فلان، أو رئيسي، كذلك يجوز أن يقال: السيد أو سيد بني فلان أو سيدي (٥). قال في النهاية (٦) والسيد يطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم، [ومتحمل أذى قومه] (٧) والزوج والرئيس والمقدم، وأصله من ساد يسود فهو سؤدد، فقلبت الواو ياء لأجل الياء الساكنة قبلها، ثم أدغمت. . . انتهى بلفظه. ومن علم أن هذه المعاني ثابتة للفظ السيد في لغة العرب (٨)، ولسان أهل الشرع،

стр. 4543

فكيف ينكر إطلاق لفظ السيد أو سيدي على واحد منها! فمن قال للرئيس أو الشريف أو الفاضل أو الكريم أو الحليم السيد أو سيدي، فقط أطلق ذلك اللفظ العربي على المعنى الذي وضعته [له] (١) العرب، ولم يرد المنع منه في الشرع. والحاصل أن لفظ السيد مشترك في لسان العرب بين تلك المعاني، موضوع لكل واحد منها [٥]، ومن جملتها أنه موضوع للرب سبحانه فيجوز إطلاقه عليه (٢) - ويجوز إطلاقه على سائر تلك المسميات، وليس بمختص بالرب سبحانه [٣أ] حتى لا يجوز إطلاقه على غيره (٣). ومن زعم هذا فقد ادعى على لغة العرب، بل

стр. 4544

على الشرع ما ليس فيهما، وهذه كتب اللغة، وكتب الشريعة المطهرة إلى ظهر البسيطة، وقد نقلنا في هذا ما فيه كفاية لمن كانت له هداية، والله ولي التوفيق (١). وظهر [بهذا [(٢) النقل الذي نقلناه عن صاحب النهاية صحة ما قدمنا من تأويل قوله ﷺ : " السيد الله " كما تقدم بيانه وإيضاحه، وحسبي الله ونعم الوكيل. . . ولنقتصر على هذا القدر وإن كان المقام [محتملا] (٣) للتطويل والبسط، فليس المراد إلا التنبيه على دفع ما يظن أن من قال لفرد من أفراد البشر السيد أو سيدي [قد] (٤) خالف الشريعة، وفعل محرما من محرماتها، فإن هذا غلط على الشريعة، والحمد لله أولى وأخرى. . . [حرر] (٥) ضحوة يوم الأربعاء لعله ثامن شهر جمادى الأولى سنة ١٢١٩. [بقلم المؤلف - عافاه الله - ونقلته من خطة ثاني يوم تحريره - دامت إفادته - والله حسبي بلغ قصاصه، ويرد من الحجج قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ تمت] (٦).

стр. 4545

(١٨٥) ١٧/ ٣ هذه مناقشة للبحث السابق لبعض الهنود الساكنين في تهامة تحقيق الرباني للعالم الصمداني على رسالة الشوكاني [العرف الندي في جواز لفظ سيدي] تأليف السيد عبد الغفار بن محمد الحسني عفا الله عنه وعن أسلافه وعن المسلمين آمين حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4546

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: هذه مناقشة للبحث السابق لبعض الهنود الساكنين في تهامة على رسالة الشوكاني. [العرف الندي في جواز لفظ سيدي] ٢ - موضوع الرسالة: آداب. ٣ - أول الرسالة: " رب يسر، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى. . . ٤ - آخر الرسالة: تمت الرسالة المسماة بتحقيق الرباني العالم الصمداني على رسالة الشوكاني تأليف العالم العلامة السيد عبد الغفار بن محمد الحسني، غفر الله له ولكاتبه وللمسلمين أجمعين، آمين. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٥ صفحات + صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٨ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١ - ٢٥ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4547

رب يسر. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، لا سيما المصطفى وآله المجتبى. أما بعد: فيقول الفقير إلى لطف ربه الستار الصمد أبو التائب عبد الغفار بن محمد الحسني - بصره الله بعيوب نفسه، وجعل يومه خيرا من أمسه - أنه وصلت إليه من بعض خيار الأعلام، علم الإسلام، نبذة تامة وأرجوزة ضامة في رد على من لا يرى إطلاق لفظ سيدي أو سيدنا في المكاتبات والمخاطبات، تأليف العالم النحرير، والعلامة البحر الغزير، سلالة المحققين على ظهر الدحية، خصوصا ما بين صنعاء واللحية، (١) القاضي الرباني محمد بن علي الشوكاني، متع الله المسلمين بطول بقائه، ورفع بين الأولوية لواءه. ولقد أفاد وأجاد، ونصح في ظنه للعباد، وإنما لكل امرئ ما نوى، ولما كانت الأنظار قليلة القرار بالإضافة إلى الأغيار؛ لاختلاف الأوضاع الدالة على تعدد الأوطار، خلج في خلدي أن أرشد لمنشد الضالة حسبة مني أنه من حكماء الديار، فهو أحق للوقاية عن البوار، لكن قلة بضاعتي تأخذ كشحي عن مهالك البحث، ولندرة الإنصاف والاعتبار، ولم يزل يخط ذلك عدة ليالي والأنهار، حتى اقتحمت معتصما بحبل التوفيق لمن أقر الفلك الدوار، ولعا على إظهار الحق حبك الشيء، يصم ويعمي من غير إنكار،

стр. 4548

ورمت الإيجاز جدا لعدم الفرصة لمدة الأطوار، وجعلت كالحاشية على هامشها لحصول البغية بذلك بأدنى اعتبار، وخير الكلام ما قل ودل، مع أنه ليس الغرض إلا إخراج الأسرار من كلام المؤلف، وأما المقدمات فأكثرها لصاحب النهاية رئيس الأحرار، اللهم كن لي في دار الفناء ودار القرار. قوله: ولا شك ولا ريب - تنبه أيها النائم بسنة الغفلة - قد أفاد العلامة أنه قد خلت عن نحو تلك الاستعمالات القرون الثلاثة المحمودة المزكاة بتزكية المصطفى ﷺ ، فلو كان فيها حسن لأتوا بها؛ لوفور الوله لهم لاكتساب أنواع الحسنات، فإنهم أحدثوا أمورا جمة لما عرفوا الحسن فيها فلما يقدموا عليه مع جد طلب وجوه الحسنات، علم أنه لا حسن فيها، وحدوثها في القرون التالية التي أخبر الرسول بقلة الديانة والأمانة حيث قال ﷺ : " ثم فشى الكذب، فيسبق حلفهم شهادتهم وشهادتهم حلفهم " (١) مع عدم شهدة (٢) ذلك في القرن الرابع والخامس أيضًا المبني على زيادة القبح المستفاد من قوله ﷺ : " ما من عام إلا الذي بعده شر منه (٣) دال على أنها من البدعة القبيحة المعضودة قباحتها بإنكاره ﷺ لنفسه الكريمة، الآتي ذكره. وقد صح عنه ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٤)، وفي لفظ آخر: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٥)، وأيضا: " كل بدعة ضلالة،

стр. 4549

وكل ضلالة في النار " (١). قوله: وتلبس بغير شعار الإسلام، أنت خبير بأنه تقرر سابقا أنها بدعة قبيحة، وكل بدعة قبيحة فهي غير شعار الإسلام، فكيف يصح إنكار العلامة على قائله! كيف ولا يبعد أن يقال هذا في شعائر الجاهلية وأمورها [١]! ولذا لم يوجد ذلك في إسلام السلف رأسا، فلا هذا الوفد الذين هم قريب عهد من الإسلام يؤيد إنكاره ﷺ عليهم، وعدم حدوثه إلا حين ضَعْفِ الإسلام وشبوب الشرك في الناس، إما باستدعاء الخلف إلى عبادتهم كبعض المتعلمين وبعض المتصوفين، أو بإغرائهم إلى عبادة أربابهم كبعض التلامذة وبعض المريدين، حتى شاع الشرك في أكثر البلاد مع وقوع الخلق في الغلط، فصار ذلك عندهم من شعائر الإسلام ومستحسناته؛ فلذا ترى مشركي زماننا يذكرون عند ذكر آلهتهم سيدي فلان، أو سيدنا. فوضح أن ذلك من أمور الجاهلية، ما وجدت إلا عند عود الجاهلية. قوله: فالخطب يسير، والخطر في ذلك حقير، فيها إيهام استصغار المعصية، وقد صرح أهل الدين أن استصغار المعصية ولو كانت صغيرة تصير كبيرة (٢)، فلا يتصور صدور مثل ذلك عن العلامة إلا ذهولا عن تلك المقدمة، أو قصدا لأمر آخر في باله الشريف، ثم إنك قد عرفت مما سردنا أنه من البدعة القبيحة ومن أمور الجاهلية، وقد صح إنكاره ﷺ على مرتكبيه، فلا يلام من قال بأنه حرام أو مكروه تحريما. قوله: يتعذر تلافيها. قد أدركت إنحاء دفعنا لإنحاء رده ابتداءً، وسترى أحسن من

стр. 4550

ذلك انتهاء - بحول الله تعالى وحسن توفيقه - فصح أن يقال ذلك من طرفنا. قوله: فهذا حجتهم. فيه تلويح بأنه لا مستند لهم غير هذا الحديث، ولعمري أن العلامة خلط الحديثين (١)، ولعل وجهة ادعائه على اتحاد القصة بالتاريخ فهو مؤاخذ بتصحيح ذلك، أو وصلت إليه الرواية بتلك الطريق على نحو ما ذكره، أو غير ذلك من البواعث، وإلا فقد أخرج أبو داود (٢) بإسناد جيد عن عبد الله بن الشخير قال: انطلقت في وفد [بني] عامر إلى النبي ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: " السيد الله ﵎ " قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، قال: " قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرنكم الشيطان ". وأخرج النسائي (٣) عن أنس بسند حسن أن أناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، يا سيدنا وابن سيدنا، فقال: " يا أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " ثم اعلم أنه يفهم من سياق كلام العلامة وسياقه أن الإنكار على ذلك إنما حدث بين قوم معين لا غير، وليس الأمر كذلك، بل الإنكار لم يبرح من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا على مباشرة من العلماء الراسخين الأبرار المتقدمين الأحرار، فإن طائفة من أمته ﷺ لا تزال على الحق ظاهرين ومنصورين كما ورد حتى تقوم الساعة (٤)، وذلك واضح لمن له أدنى إلمام بالسير في

стр. 4551

أحوال المشائخ الكمل القائمين الذين لم يخافوا لومة لائم، لكن السيف المفرق للمفارق لم يكن وضع على أعداء الدين إلا باستقامة تلك القوم المنصورة، فلا يرفع عنهم - إن شاء الله تعالى - إلى قيام القيامة كما ورد، وأظن أن [٢] هذه القوم هي المبشرة بها. قوله: فما قال غير خاف على ذي الفطنة القويم، وصاحب الطبع المستقيم أن مدار القياس هو مماثلة المقيس والمقيس عليه، فيبطل القياس بدونه، فإذا قياس العلامة قول الرجل: أنت سيدنا على قوله ﷺ قياس مع الفارق، وذلك باطل كما في محله، فإن السيد في موضع التخاطب والتكاتب يراد به المالك (١)، فلا يصح إطلاقه على هذه الحيثية إلا على المالك حقيقة كالواحد القهار، أو مجازا كملاك العبيد؛ ولذا أباح ﷺ للعبيد ذلك دون غيرهم، ونهاهم عن إطلاق لفظ الرب (٢).

стр. 4552

وأما قول القائل: أنا سيد بني فلان، وأنت سيد أهل الوبر، أو فلان سيد القبيلة، فمعناه على هذا الاستعمال هو المتقدم عليهم، فمعنى قوله ﷺ : " أنا سيد ولد آدم " (١) أي: المتقدم عليهم، فكيف يصح القول: " أنت سيدنا " حملا على قوله ﷺ لعدم الجامع. ولو كان الجامع بينهما لما نهى ﷺ عنه الوفد الوافد، فأين الحديث حجة لكم؟ واعلم أنا لا نمنع إطلاق لفظ السيد على الله وعلى غيره، حيث ثبت أنه يستعمل لمعان متعددة، لكنا نمنع إطلاقه عليه تعالى إذا أريد به معنى الزوج والخادم ونحوهما مما يجب تنزيهه تعالى عن مثله؛ ولذا ذهبت طائفة من المتكلمين إلى منع ذلك مطلقا حيث كان مشتركا ولم تقم قرينة مطردة دالة على معنى مناسب له تعالى. ونحن لم نتبع تلك الطائفة، وقلنا بالجواز مع شرط إرادة معنى لائق به؛ لإطلاقه على لسان نبيه ﷺ ، ونمنع إطلاقه في المكاتبات والمخاطبات قطعا؛ لأنه لا يراد في هذه المواضع إلا المالك، والمؤيد نهي الرسول ﷺ للوفد وإباحته للعبيد، فكان ذلك مخصوصا عن العام، فإنا مجوزون في غير ذلك المقام بالكتاب والسنة، فالمخصص له حديث عبد الله بن الشخير، وحديث أنس، وإجماع القرون الثلاثة، وأنه من أمور الجاهلية كما سبق، وأنه بدعة قبيحة، ولقوله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ (٢). وهذا أبلغ غلو؛ لأنه يجعل المخلوق مثله مالكا له، وهو شأن الباري تعالى فإنه مالك الرقاب من غير شراء، ولقوله ﷺ : " إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو " (٣)، ولقوله ﷺ : " هلك المتنطعون. . . ثلاثا " (٤) وغيرها من الأحاديث. فهذه تسعة حجج مخصصة للعموم المستفاد مما ذكر العلامة وغيره ونحوه، ولا يمكن أن يراد

стр. 4553

عند الإطلاق في تلك المواضع معنى صالحا كالرئيس ونحو؛ لأنه مهجور شرعا فلا يسع إلا تركه فيها، وأما إذا قال: من فلان إلى السيد الشريف، أو: يا سيد بني فلان، أو: يا سيد أئت - من غير إضافة - فلا بأس به. . . قوله: كما يقول القائل: أنت الرجل علما. قد أسلفنا أن القياس مع الفارق باطل (١) وهنا كذلك، بل هنا أبطل؛ لعدم تعين ما شرحه العلامة من قصد القوم الوافد، مع قيام القرينة بأنهم أرادوا المالك الذي كانوا يقصدون ذلك عند الإطلاق لآلهتهم، ونهي الرسول ﷺ لذلك، وأباح للعبيد لوجود الملك مجازا، ولعدم صدور مثل ذلك عن الرسول [٣]، فإنه ﷺ ما قال: الله سيادة، وما قال القوم أيضا: " أنت نبي أو رسول سيادة " حتى يقال: أرادوا هذا المعنى، أو أراد الرسول ﷺ هذا المعنى، بل (للأمة) في قوله ﷺ للحصة المشخصة في الخارج التي هي في الأصل في وضعها، كما حقق ذلك صدر الشريعة بيانه أنهم لما قالوا: " أنت سيدنا " وأرادوا المعنى الذي عهد عندهم وهو المالك، قال ﷺ : " السيد " أي: الذي قلتم لي هو الله لا غير، فاعتبر الرسول ﷺ أيضًا هذا المعنى في مثل هذا المقام؛ ولذا لم يبح إلا للعبيد، فكان ذلك معناه في مثل هذا الموضع لغة وشرعا، وعرف بقرينة الإنكار وعدم الإباحة، وعدم الاستعمال في القرون المحمودة، وحدوث ذلك في الأزمنة التي عادت فيها الجاهلية أنه لا يجوز الإطلاق في مثل هذا المقام ولو بإرداة معنى آخر، ولله الحمد، وقد كشفنا الغطاء في التبيان، فأين أرباب الجنان المشتاقون للقاء الرحمن (٢)؟ قوله: ولهذا كانت هذه العلوم. وقد ذهل العلامة عن خصلة أخرى هي أحرى بكونها ملاك الاجتهاد، وترى أصحاب الفن قاطبة ضموها مع الشرائط، وهي ملكة الاستنباط،

стр. 4554

وهي البصيرة في القلب كالبصر للعين، فإنه لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١)، وقال ﷺ : " استفت قلبك. . . ثلاثا " (٢)، ثم قال: " وإن أفتاك المفتون " فما لم تكن في قلبه بصيرة يضيء له الحق بها لم يعرف الحق أصلا، فيخبط في البحث خبط عشواء، ويصير كمن ركب متن عمياء ... قوله: لأنه قد فهم من مقصدهم. قد أنصف العلامة هنا، لكنه لم يصرح بأن ذلك المعنى هو المعهود في مثل هذا المقام حتى يتضح عنده الحق كما اتضح مبدؤه، فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٣). قوله: ولم يريدوا به المعنى الذي يطلقه البشر على الأنبياء وغيرهم. أي: في غير هذه المواضع كالتوصيف بأنه عالم سيد، أو الإعلام بأن فلان سيد بني فلان وأشباهه. قوله: فعرفت بهذا أن ذلك الحديث لا يدل على مطلوب المستدل. أي: الذي تمسك به لعدم جواز إطلاقه على البشر مطلقا، فإن ذلك باطل بالكتاب والسنة دلالة وصراحة. وأما الذي تثبت به للتخصيص به مقام الخطاب مع الإضافة فهو أدل دليل لا بطريق المغالطة التي ارتكبها العلامة، بل بوجه الإنصاف والاعتبار، وقد سلف. . . قوله: فالدليل حجة عليهم لا لهم يعني الذين منعوا مطلقا. قوله: فإن في هذا الحديث وذلك ما ننكره أصلا. . . قوله: وهذه الأحاديث كلها، ومع ذلك كلها دالة على جواز إطلاقه على البشر في غير المقام المتنازع فيه بخصوصه، حتى يتصور التعارض، وتعارض العموم مع كونه غير

стр. 4555

صالح له؛ لكونه ظني الدلالة مرفوعًا بالتخصيص، ثم إطلاقه في تلك الأحاديث بمعنى الرئيس والمتقدم ونحوه، وهو ظاهر [٤]. قوله: فالرجل السيد هنا بمعنى الخادم المدبر لما ساد عليه. قوله: فهو سيد، أي كريم حليم شريف، وهذه كلها من معانيه. قوله: وسودوا أي قدموا. قوله: لا تقولوا للمنافق سيد أي: شريفا كريما وما يساويه. قوله: من السيد، أي: من الكريم. وقد ورد في رواية أخرى. قوله: فهذا حضر لا يخفى على ذهنك الثاقب وقلبك الراقب أنه لم يأت بحديث يدل على خصوص محل التنازع، بل وليس في شيء منها مستعملا بمعنى المالك البتة، فعلم أنه لا يطلق على البشر إلا بمعنى يليق [غير] (١) الرب والمالك، وإذا وجد الملك ولو مجازا يطلق عليه أيضًا كما جيز للعبيد (٢). قوله: والمجال واسع، أي: في جميع أمثاله مما يجديه نفعا. قوله: وقد جرى. واعلم أنه لم يجر على لسان أحد من الصحابة، ولا من التابعين، وتابعيهم في المقام المتنازع لفظ سيدي. وأما الذي بصدده العلامة من إطلاقه على البشر مطلقا فذلك لا ننكره، فلا ينبغي لنا الاشتغال لجواب كلامه؛ لأنه مما لا يعني، وهو أثر حسن الإسلام كما ورد على أن أقوال هؤلاء ليست بحجج فضلا عن الأعمال، وقول عائشة وإن كان فيه الإضافة فليس في مقام الخطاب، على أنه يمكن أن يقال: إنه مجاز من الحب الذي ورد في رواية مشهورة عنها (٣). وقول أم ..........................................
следующие страницы →