أحوال المشائخ الكمل القائمين الذين لم يخافوا لومة لائم، لكن السيف المفرق للمفارق لم يكن وضع على أعداء الدين إلا باستقامة تلك القوم المنصورة، فلا يرفع عنهم - إن شاء الله تعالى - إلى قيام القيامة كما ورد، وأظن أن [٢] هذه القوم هي المبشرة بها.
قوله: فما قال غير خاف على ذي الفطنة القويم، وصاحب الطبع المستقيم أن مدار القياس هو مماثلة المقيس والمقيس عليه، فيبطل القياس بدونه، فإذا قياس العلامة قول الرجل: أنت سيدنا على قوله ﷺ قياس مع الفارق، وذلك باطل كما في محله، فإن السيد في موضع التخاطب والتكاتب يراد به المالك (١)، فلا يصح إطلاقه على هذه الحيثية إلا على المالك حقيقة كالواحد القهار، أو مجازا كملاك العبيد؛ ولذا أباح ﷺ للعبيد ذلك دون غيرهم، ونهاهم عن إطلاق لفظ الرب (٢).
стр. 4552
وأما قول القائل: أنا سيد بني فلان، وأنت سيد أهل الوبر، أو فلان سيد القبيلة، فمعناه على هذا الاستعمال هو المتقدم عليهم، فمعنى قوله ﷺ : " أنا سيد ولد آدم " (١) أي: المتقدم عليهم، فكيف يصح القول: " أنت سيدنا " حملا على قوله ﷺ لعدم الجامع. ولو كان الجامع بينهما لما نهى ﷺ عنه الوفد الوافد، فأين الحديث حجة لكم؟
واعلم أنا لا نمنع إطلاق لفظ السيد على الله وعلى غيره، حيث ثبت أنه يستعمل لمعان متعددة، لكنا نمنع إطلاقه عليه تعالى إذا أريد به معنى الزوج والخادم ونحوهما مما يجب تنزيهه تعالى عن مثله؛ ولذا ذهبت طائفة من المتكلمين إلى منع ذلك مطلقا حيث كان مشتركا ولم تقم قرينة مطردة دالة على معنى مناسب له تعالى.
ونحن لم نتبع تلك الطائفة، وقلنا بالجواز مع شرط إرادة معنى لائق به؛ لإطلاقه على لسان نبيه ﷺ ، ونمنع إطلاقه في المكاتبات والمخاطبات قطعا؛ لأنه لا يراد في هذه المواضع إلا المالك، والمؤيد نهي الرسول ﷺ للوفد وإباحته للعبيد، فكان ذلك مخصوصا عن العام، فإنا مجوزون في غير ذلك المقام بالكتاب والسنة، فالمخصص له حديث عبد الله بن الشخير، وحديث أنس، وإجماع القرون الثلاثة، وأنه من أمور الجاهلية كما سبق، وأنه بدعة قبيحة، ولقوله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ (٢).
وهذا أبلغ غلو؛ لأنه يجعل المخلوق مثله مالكا له، وهو شأن الباري تعالى فإنه مالك الرقاب من غير شراء، ولقوله ﷺ : " إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو " (٣)، ولقوله ﷺ : " هلك المتنطعون. . . ثلاثا " (٤) وغيرها من الأحاديث. فهذه تسعة حجج مخصصة للعموم المستفاد مما ذكر العلامة وغيره ونحوه، ولا يمكن أن يراد
стр. 4553
عند الإطلاق في تلك المواضع معنى صالحا كالرئيس ونحو؛ لأنه مهجور شرعا فلا يسع إلا تركه فيها، وأما إذا قال: من فلان إلى السيد الشريف، أو: يا سيد بني فلان، أو: يا سيد أئت - من غير إضافة - فلا بأس به. . .
قوله: كما يقول القائل: أنت الرجل علما. قد أسلفنا أن القياس مع الفارق باطل (١) وهنا كذلك، بل هنا أبطل؛ لعدم تعين ما شرحه العلامة من قصد القوم الوافد، مع قيام القرينة بأنهم أرادوا المالك الذي كانوا يقصدون ذلك عند الإطلاق لآلهتهم، ونهي الرسول ﷺ لذلك، وأباح للعبيد لوجود الملك مجازا، ولعدم صدور مثل ذلك عن الرسول [٣]، فإنه ﷺ ما قال: الله سيادة، وما قال القوم أيضا: " أنت نبي أو رسول سيادة " حتى يقال: أرادوا هذا المعنى، أو أراد الرسول ﷺ هذا المعنى، بل (للأمة) في قوله ﷺ للحصة المشخصة في الخارج التي هي في الأصل في وضعها، كما حقق ذلك صدر الشريعة بيانه أنهم لما قالوا: " أنت سيدنا " وأرادوا المعنى الذي عهد عندهم وهو المالك، قال ﷺ : " السيد " أي: الذي قلتم لي هو الله لا غير، فاعتبر الرسول ﷺ أيضًا هذا المعنى في مثل هذا المقام؛ ولذا لم يبح إلا للعبيد، فكان ذلك معناه في مثل هذا الموضع لغة وشرعا، وعرف بقرينة الإنكار وعدم الإباحة، وعدم الاستعمال في القرون المحمودة، وحدوث ذلك في الأزمنة التي عادت فيها الجاهلية أنه لا يجوز الإطلاق في مثل هذا المقام ولو بإرداة معنى آخر، ولله الحمد، وقد كشفنا الغطاء في التبيان، فأين أرباب الجنان المشتاقون للقاء الرحمن (٢)؟
قوله: ولهذا كانت هذه العلوم. وقد ذهل العلامة عن خصلة أخرى هي أحرى بكونها ملاك الاجتهاد، وترى أصحاب الفن قاطبة ضموها مع الشرائط، وهي ملكة الاستنباط،
стр. 4554
وهي البصيرة في القلب كالبصر للعين، فإنه لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١)، وقال ﷺ : " استفت قلبك. . . ثلاثا " (٢)، ثم قال: " وإن أفتاك المفتون " فما لم تكن في قلبه بصيرة يضيء له الحق بها لم يعرف الحق أصلا، فيخبط في البحث خبط عشواء، ويصير كمن ركب متن عمياء ...
قوله: لأنه قد فهم من مقصدهم. قد أنصف العلامة هنا، لكنه لم يصرح بأن ذلك المعنى هو المعهود في مثل هذا المقام حتى يتضح عنده الحق كما اتضح مبدؤه، فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٣).
قوله: ولم يريدوا به المعنى الذي يطلقه البشر على الأنبياء وغيرهم. أي: في غير هذه المواضع كالتوصيف بأنه عالم سيد، أو الإعلام بأن فلان سيد بني فلان وأشباهه.
قوله: فعرفت بهذا أن ذلك الحديث لا يدل على مطلوب المستدل. أي: الذي تمسك به لعدم جواز إطلاقه على البشر مطلقا، فإن ذلك باطل بالكتاب والسنة دلالة وصراحة.
وأما الذي تثبت به للتخصيص به مقام الخطاب مع الإضافة فهو أدل دليل لا بطريق المغالطة التي ارتكبها العلامة، بل بوجه الإنصاف والاعتبار، وقد سلف. . .
قوله: فالدليل حجة عليهم لا لهم يعني الذين منعوا مطلقا.
قوله: فإن في هذا الحديث وذلك ما ننكره أصلا. . .
قوله: وهذه الأحاديث كلها، ومع ذلك كلها دالة على جواز إطلاقه على البشر في غير المقام المتنازع فيه بخصوصه، حتى يتصور التعارض، وتعارض العموم مع كونه غير
стр. 4555
صالح له؛ لكونه ظني الدلالة مرفوعًا بالتخصيص، ثم إطلاقه في تلك الأحاديث بمعنى الرئيس والمتقدم ونحوه، وهو ظاهر [٤].
قوله: فالرجل السيد هنا بمعنى الخادم المدبر لما ساد عليه.
قوله: فهو سيد، أي كريم حليم شريف، وهذه كلها من معانيه.
قوله: وسودوا أي قدموا.
قوله: لا تقولوا للمنافق سيد أي: شريفا كريما وما يساويه.
قوله: من السيد، أي: من الكريم. وقد ورد في رواية أخرى.
قوله: فهذا حضر لا يخفى على ذهنك الثاقب وقلبك الراقب أنه لم يأت بحديث يدل على خصوص محل التنازع، بل وليس في شيء منها مستعملا بمعنى المالك البتة، فعلم أنه لا يطلق على البشر إلا بمعنى يليق [غير] (١) الرب والمالك، وإذا وجد الملك ولو مجازا يطلق عليه أيضًا كما جيز للعبيد (٢).
قوله: والمجال واسع، أي: في جميع أمثاله مما يجديه نفعا.
قوله: وقد جرى. واعلم أنه لم يجر على لسان أحد من الصحابة، ولا من التابعين، وتابعيهم في المقام المتنازع لفظ سيدي.
وأما الذي بصدده العلامة من إطلاقه على البشر مطلقا فذلك لا ننكره، فلا ينبغي لنا الاشتغال لجواب كلامه؛ لأنه مما لا يعني، وهو أثر حسن الإسلام كما ورد على أن أقوال هؤلاء ليست بحجج فضلا عن الأعمال، وقول عائشة وإن كان فيه الإضافة فليس في مقام الخطاب، على أنه يمكن أن يقال: إنه مجاز من الحب الذي ورد في رواية مشهورة عنها (٣). وقول أم ..........................................
стр. 4556
الدرداء (١) ليس في مقام الخطاب، مع أنه ليس بحجة، وفيه احتمال المجاز أيضا.
قوله: قبل أن تسودوا في الرياسة، أي: تقدموا عليهم.
قوله: أسود، أي: أكرم وأشرف أو نحوهما.
قوله: على المطلوب أي: عدم الجواز مطلقا.
قوله: لأن يقول: يا سيدي أو سيد القبيلة الفلانية، والقياس المذكور مع فارق وقد أبطلناه، ومبنى قياسه أنه ليس في قوله: " يا سيدي " غلو، وليس كذلك كما قدمنا.
قوله: ولا فرق. وقد سقنا الفرق سابقا، فتذكر.
قوله: وأهل الشرع إلى عصرنا هذا إذا أطلقوه على فرد من أفراد لا يريدون إلا هذا المعنى، أي في غير المقام المتنازع، وأما فيه فلم يطلق الشارع - عليه أفضل الصلاة والسلام - بل أنكره، وكذا ما بعده، ما دام لم يختل أمر التوحيد، وأما بعد الاختلال فقد صار في ذلك من أعظم الحسنات وأوفر للكرامات: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ (٢)، ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٣)، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ (٤)، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٥)، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٦) فيجب على كل ورع أن يستقصي في الأمور المشتبهة، فإنه قد صح عنه ﷺ بأن كثيرا من الناس لا يعلمونها، فإن لم يكن معه قلب سليم يلتمس من أرباب الإيقان وأهل العرفان: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٧)، ولا
стр. 4557
يجتري على الفتوى؛ فإنه: " أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار " (١).
قوله: فقد أذن به الشرع، هذا موضع اقشعرار جلود العارفين، فإنه جرأة عظيمة، وإنما الأعمال بالنيات و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) فإن ذات العلامة في نظري في غاية القصوى من الكمال، وما فوق الطاقة معفو عنه ..
قوله: فمن قال للرئيس. ترى غلطات العبارات، فإنه إنما يجوز إطلاق سيدي بالمعاني المذكورة في الفاضل والكريم ونحوه؛ ولذا سوى بين قوله: " سيدي " وقوله: " فلان سيد "، وإرادة هذا المعنى في قوله: " سيدي " مهجورة لغة وشرعا، وقد أوفينا الكلام فيه سابقا.
قوله: ومن زعم هذا. أي: لا يجوز إطلاقه على غيره تعالى، ونحن نجوز كما سلف.
قوله: وظهر بهذا. وقد أبطلناه، بناء الكلام عليه، وبناء الفاسد على الفاسد فاسد.
قوله: فإن هذا غلط على الشريعة. الله يعلم بأن إحدى الفريقين مخالفون، وكل يعمل على شاكلته، وربك أعلم بمن هو أهدى سبيلا ..
وهذا آخر ما أوردت إيضاح مخدورات عبارات العلامة، مع حسن الإيجاز، مع إحاطة المطالب والاحتياز، وإنما استهدفت نفسي نصحا للخلق مع إنسداد طريق البحث في هذه الأيام، والقلق ومخافة اندراج النفس في وعيد كتمان الحق، وهو العالم بأسرار القلوب، فهو المسئول - إن زلت القدم أو ضل القلم - أن يستر العيوب، ويعصم لكافة أهل التوحيد من الذنوب؛ فهو غفار الذنوب وستار العيوب ..
تمت الرسالة المسماة بتحقيق الرباني للعالم الصمداني على رسالة الشوكاني ..
تأليف العالم العلامة السيد عبد الغفار بن محمد الحسني، غفر الله له ولكاتبه وللمسلمين أجمعين، آمين [٥].
стр. 4558
(١٨٦) ١٨/ ٣
ذيل العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي جوابا على المناقشة السابقة
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب
стр. 4559
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: ذيل العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي جوابا على المناقشة السابقة.
٢ - موضوع الرسالة: آداب.
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم إياك نعبد، وإياك نستعين، يا من لك الحمد كله، دقه وجله.
٤ - آخر الرسالة: المؤثرين لهما على تقليد الرجال وزايفات الأقوال. . . والحمد لله أولا وآخرا. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية إن شاء الله.
٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ - عدد الصفحات: ١٥ صفحة.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ - ١٢ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4560
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إياك نعبد، وإياك نستعين، يا من لك الحمد كله، دقه وجله، نسألك أن تصلي وتسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.
وبعد: فإني لما حررت بحثا في أيام قد تصرمت، وسنين قد تقدمت، حاصله: أنه يجوز في المكاتبات ونحوها إطلاق لفظ سيدي ونحوه. وقفت بعد أيام طويلة على مناقشات لبعض ما اشتمل عليه ذلك البحث من بعض أهل العلم والفهم - كثر الله في عباده الحاملين للعلم من أمثاله - ورأيت بعض ما اشتملت عليه تلك المناقشات، قد اشتمل على أمور من حق ما يجب على المسلم للمسلم من النصيحة والمحبة التنبيه عليها.
وها أنا قبل الشروع في تعقب تلك المناقشات أوضح لك محل النزاع الذي حررت لأجله ذلك البحث.
فأقول - وبالله الثقة -: إن محل النزاع هو: هل من كتب في رسالة إلى أحد من إخوانه: يا سيدي، أو أيها السيد، أو نحو ذلك قد فعل بهذا محرما عظيما، وارتكب محظورا جسيما أم لا؟ بل لم يحصل منه إلا مجرد المخالفة لما كان الغالب في مكاتبات السلف الصالح من قولهم: من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان.
وقد أوضحت هذا في ذلك البحث الذي ناقشه المناقش - عافاه الله - إيضاحا بليغا فقلت: ولا شك ولا ريب أن هذا العنوان أعني من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان هو الذي كان عليه السلف الصالح.
ثم قلت: فهو من هذه الحيثية سنة حسنة، وخصلة مستحسنة. ثم قلت بعد هذا أن من عنون كتابه بما جرت عليه عادات المتأخرين من لفظ سيدي فلان، ونحو ذلك هل ارتكب عظيما، وفعل جسيما، وتلبس بغير شعار الإسلام، وارتطم في أعظم مهاوي الآثام؟ إلى آخر كلامي في عنوان ذلك البحث، فهذا تصريح بأن محل النزاع ليس هو في كون هذا سنة، فإن الاعتراف بذلك كائن قد أوضحته في عنوان البحث، ولكن محل
стр. 4561
النزاع هل يكون المخالف لما كان عليه السلف من قولهم من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان فاعلا لمحرم، ومرتكبا لأمر معظم [١] بل هو يكون متلبسا بغير شعار الإسلام، ومرتطما في أعظم مهاوي الآثام كما صرحت بذلك تصريحا لا يبقى بعده ريب لمرتاب؟.
وإذا قد تقرر أن هذا هو محل النزاع عرفت أنه لا نزاع في كون ذلك هو عمل السلف الصالح، أعني: قولهم من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان، فأني قد اعترفت بهذا وصرحت به في عنوان البحث، وصرحت بأنه العنوان الذي كان رسول الله ﷺ يفعله في مكاتباته، وهذا الاعتراف لا يستلزم أن تكون المخالفة لذلك محرمة فضلا عن كونها موجبة للخروج من الإسلام، والوقوع في أعظم الآثام.
وقد تقرر عند جميع أهل الملة الإسلامية سابقهم ولاحقهم أن ترك السنن التي ليست بواجبة لا توجب كفرا ولا فسقا، ولا يقال لذلك التارك أنه بتركه قد فعل محرما، وارتكب معظما، بل غاية ما يلزم من ذاك أن التارك حرم نفسه الثواب الذي كان سيحصل له بفعل تلك السنة، لا أنه قد صار بذلك مستحقا للعقاب؛ فإن الشيء الذي يمدح فاعله، ويذم تاركه إنما هو الواجب المفترض على العباد من الله - سبحانه - كما قرر ذلك علماء الأصول على اختلاف مذاهبهم، ولم يقل أحد منهم أن تارك ما ليس بواجب يأثم أو يذم (١).
هذا على فرض أنه لم يرد ما يجوز ترك ذلك الفعل الذي فعله النبي ﷺ . أما لو ورد ما يجوز تركه من أقواله أو تقريراته فلا نزاع ولا خلاف في جواز الترك لما فعله النبي ﷺ ، وأن ذلك الترك كان بدليل هو القول أو التقرير كما كان فعل ذلك الفاعل الموافق لما فعله النبي ﷺ بدليل هو الفعل، وإلا لزم أن تكون هذه الشريعة المطهرة منحصرة في أفعاله ﷺ
стр. 4562
دون أقواله وتقريراته، بل ودون القرآن الكريم، وهذا خرق لإجماع أهل الملة الإسلامية، وإهدار لأكثرها، فإن الأحكام الثابتة بالقرآن وبأقوال النبي ﷺ وتقريراته أضعاف [٢] أضعاف الأحكام الثابتة بمجرد الأفعال، بل غالب هذه الشريعة المطهرة، بل كلها إلا النادر الشاذ ثابت بالكتاب العزيز، وبأقواله ﷺ وتقريراته. وأما مجرد الأفعال فغالبها بيان لما في القرآن، أو موافق للأقوال (١).
فمن زعم أن ما خلف أفعاله ﷺ من كتاب الله - سبحانه -، أو من أقوال رسوله ﷺ وتقريراته ليس بشرع فقد ارتكب أمرا عظيما، وقال قولا وخيما وأبطل الشريعة بأسرها إلا القليل النادر، وخالف كل أهل الملة الإسلامية سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم.
وإذا عرفت هذا وفهمته كما ينبغي فاعلم أني لم أقل في ذلك البحث أن من قال في عنوان كتابه: من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان مخالف للسنة، ولا قلت أن من قال في عنوان كتابه: يا سيدي أو نحوه فقد فعل ما هو أفضل، بل قلت ما حاصله أن من قال يا سيدي أو نحوه فهو لم يفعل محرما، ولا خرج من الإسلام، ولا استحق أعظم الآثام مع اعترافي بأن الذي كان عليه السلف الصالح هو ذلك العنوان، وأنه سنة حسنة، وخصلة مستحسنة. ولكني أنكرت على من يقول أن في خلاف ذلك ما يوجب أعظم الآثام، والتلبس بغير شعار الإسلام، والدخول في المحرمات العظام.
وقلت: أن هذه المخالفة جائزة، وأوردت أدلة تدل على ذلك حسبما أوضحته في ذلك البحث إيضاحا لا يبقى بعده ريب. وأنت خبير بأن المناقشة لهذا الذي قلته في ذلك البحث إنما تكون بإيراد الأدلة الدالة على أن من عدل في عنوان كتابه من ذلك العنوان الذي كان عليه السلف الصالح إلى عنوان آخر يخالفه فقد فعل محرما عظيما، وخرج من
стр. 4563
الإسلام، واستحق أعظم الآثام.
وأما المناقشة بأن ذلك العنوان هو السنة [٣]، أو أنه الذي كان عليه السلف الصالح، فإن ذلك لا يجدي نفعا، ولا يرد علي، فإني قد اعترفت به اعترافا صريحا في أول بحثي، والمناقشة بما يعترف به الإنسان هي من تحصيل الحاصل، وإيجاد الموجود، بل لو صح للمناقش القدح في جميع ما أوردته من الأدلة التي ذكرتها لم يأت ذلك بفائدة، فإنه لم يتم للمناقش بمجرد ذلك القدح أن مخالفة ذلك العنوان محرمة ومخرجة من الإسلام، وهو الذي نفيته وأنكرته على قائله، وهو يكفيني الوقوف في موقف المنع قائلا: أنا أمنع كون مخالفة ذلك العنوان موجبة للتحريم فضلاَ عن الكفر، فلا ينفع المناقش إلا إيراد الأدلة الصحيحة الموجبة لدفع ذلك المنع، إن كان ناقلا فعليه تصحيح النقل، وإن كان مدعيا فعليه الدليل كما تقرر في علم المناظرة والجدل.
وأما مجرد القدح في سند المنع فهو لا يوجب أن يكون الحق بيد ذلك القادح، وهذا معلوم عند المحققين، معروف عند جميع المحصلين لا يختلفون فيه، فكيف والقدح في تلك الأدلة التي أوردتها لم يصح شيء منه كما سيأتيك بيانه إن شاء الله. فهذا يزيد محل النزاع، وقد كررته لقصد الإيضاح وللفرار من الوهم الذي قد وقع للمطلع - عافاه الله -.
قوله: دال على أنها من البدعة القبيحة.
أقول: اعلم أن الأدلة الدالة على جواز إطلاق لفظ السيد وسيدي على فرد من أفراد البشر، كما وقع منه ﷺ في غير موضع، وكما وقع من جماعة السلف الصالح يرفع ما ذكره من كون ذلك بدعة، بل لقائل أن يقول: إنه لا يخرج عن كونه سنة، فإن القائل لمن له سيادة يا سيد بني فلان، أو يا سيدي قد اقتدى بمثل قوله ﷺ : " قوموا إلى سيدكم " (١)، وبمثل قوله ﷺ : " إن ابني هذا سيد " (٢)، وبمثل قوله: " هذا سيد أهل
стр. 4564
الوبر " (١) ونحو ذلك مما سيأتي بيانه.
على أن هاهنا [٤] أمرا آخر، وهو أن البدعة القبيحة إنما هي البدعة في الدين، لا في مثل ما يقع به التحاور في المخاطبة والمكاتبة، فإن ذلك ليس من البدعة التي يقول فيها ﷺ : " وكل بدعة ضلالة" (٢). وبيانه أنه لو كان التخاطب بالقلم أو اللسان المخالف للتخاطب الذي كان يفعله النبي ﷺ هو وأهل عصره بدعة لكان التخاطب والتكاتب بغير اللسان العربي بدعة، ولكان رسم الحروف الكتابية على غير الرسم الذي كان يفعله أهل عصر النبي ﷺ بدعة، ولكان اللبس للثياب التي لم يلبسها النبي ﷺ مما هو حلال للابسه بدعة، ولكان أكل الطعام الحلال الذي لم يأكله النبي ﷺ بدعة. ثم يسري الأمر إلى الأزمنة والأمكنة والأحوال، فيقال إنه لا يكون متسننا إلا إذا فعل فعلا موافقا للفعل الذي فعله النبي ﷺ في الزمان والمكان والأحوال، وذلك محال، والتكليف به تكليف بما لا يطاق، ومعلوم أن أكثر أهل الملة الإسلامية، بل أكثر أهل الربع المسكون ليست ألسنتهم بعربية، وهم يتخاطبون ويتكاتبون بغير اللسان العربي، وبغير القلم العربي، فإن كانوا بذلك مبتدعين كان ذلك خرقا للإجماع.
ولا فرق بين من يخالف وصفا من أوصاف ما كانت عليه مكاتباته ﷺ كالعنوان الذي فيه من فلان بن فلان إلى العنوان الذي فيه سيدي ونحوه، وبين من يخالف وصفا آخر مثل كون الألفاظ عربية، أو كونها على رسم كذا، أو مثل هذا اختصاص أهل كل بقعة من بقاع الأرض بلبسة مخصوصة، على هيئة مخصوصة، وثياب مخصوصة،
стр. 4565
وكذلك ما يأكلونه من الأطعمة، ومثل هذا [٥] لا يقال له بدعة قبيحة، ولا يندرج تحت مسمى الابتداع في الدين (١)، ولا يدخل تحت قوله ﷺ : " وكل بدعة ضلالة" (٢).
стр. 4566
وبهذا يتقرر لك صحة ما ذكره كثير من أهل العلم من تخصيص البدعة القبيحة بما كان من الابتداع في الدين، فحينئذ لا يصح الاستدلال على ما نحن بصدده بمثل حديث: " كل بدعة ضلالة" (١)، ولا بمثل حديث: " كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢)، لأن هذه الأمور مختصة بما كان من أمر الدين، لا بمثل التحاور والتكاتب ونحو ذلك.
ولو سلمنا اندراج المكاتبة تحت الأمور الدينية اندراجا مشتملا على جميع الأوضاع التي كانت في عصر النبوة لكان ما ورد عنه ﷺ من إطلاق لفظ السيد على فرد من أفراد العباد مخصصا للعمومات، والخاص مقدم على العام باتفاق أهل الأصول، بل بإجماع كل من يعتد به من أهل العلم. .
قوله: فهي غير شعار الإسلام.
أقول: هذا اللفظ يراد به من خلع جلباب الإسلام، وخرج منه إلى غيره، فإن كان المعترض - عافاه الله - يريد هذا المعنى، وأن من لم يكتب في صدر كتابه من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان فقد خرج عن الإسلام إلى الكفر، فهذا أمر لا يقوله مسلم، ولا يستجيزه أحد من أهل هذه الملة؛ فإن التكفير إنما يكون بأمور معروفة، قد ذكرها أهل العلم، ومنها رد ما كان قطعيا من قطعيات الشرع لا مجرد تركه من دون رد ولا إنكار
стр. 4567
ولا استحقار.
وأما مجرد ترك شيء غاية أمره، ومبلغ وصفه أن يكون سنة غير واجبة، بل مندوبا، بل في صدق أحد هذين المفهومين عليه إشكال قد قدمنا تقريره، فكيف يكون من ترك هذا المسنون، أو المندوب، أو الذي لا يصلح لكونه مسنونا أو مندوبا كافرا! وكيف يجري بمثل هذا قلم، أو ينطق به فم وإن لم يرد هذا المعنى، بل أراد أن من لم يكتب [٦] في عنوان كتابه من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان، بل كتب سيدي ونحوه قد فعل خصلة من خصال الجاهلية، وتلبس بها، ولم يكفر ولا فسق فهو غير صحيح، فإن هذه الخصلة - أعني قول الناس في مكاتباتهم: سيدي ونحوه - لم يكن من خصال الجاهلية، ولا كانت الجاهلية تفعلها في المكاتبة، فكيف يقال أن هذا من شعائر الجاهلية!.
نعم قد كانوا يقولون لفرد من أفرادهم السيد وسيدنا حسبما يوجد في كلامهم المنثور والمنظوم، وهذه بمجردها قد قالها الشارع، واستعملها غير مرة، فهي من هذه الحيثية خصلة إسلامية محمدية، فقد سوغ النبي ﷺ إطلاقها فجاز لنا استعمالها في المخاطبة والمكاتبة، ومن ادعى أنه يجوز استعمالها في البعض دون البعض فهو محتاج إلى الدليل.
وهكذا من زعم أنه يراد بلفظ السيد وسيدي في اصطلاح المتأخرين غير ما يريده المتقدمون فهو أيضًا محتاج إلى دليل كما سيأتيك بيانه.
نعم ظهر من آخر كلام المعترض - عافاه الله - في هذا الاعتراض أنه يريد الجاهلية التي حدثت من عباد القبور المعتقدين في الأموات اعتقادا يخرجون به عن الإسلام، كما كان يقع كثيرا من أهل القطر التهامي، وبعض القطر اليمني، بل ويقع في كثير من البلاد الإسلامية.
ولكن إذا قد تقرر أن الشيء مباح في الشريعة المطهرة فلا يصير باستعمال بعض الطوائف الكفرية له حراما أو مكروها. .
قوله: فيه إيهام باستصغار المعصية. .
أقول: هذا إنما يتم بعد تسليم أن ذلك معصية كبيرة أو صغيرة، وذلك غير مسلم،
стр. 4568
بل نحن نقول أن ذلك مباح باعتبارين:
الأول: البراءة الأصلية (١).
الثاني: استعمال الشارع له استعمالا يدل على جوازه كما سيأتي.
فقول المعترض بأن ذلك فيه إيهام استصغار المعصية استدلالا بالمقدمة المتنازع فيها، وهو مصادرة على المطلوب في اصطلاح المحققين. .
قوله: ولعمري أن العلامة خلط الحديثين. .
أقول: حديث عبد الله بن الشخير أخرجه أبو داود في كتاب الأدب (٢) من سننه (٣) عن مسدد بن مسرهد، عن بشر بن المفضل، عن أبي سلمة سعيد بن زيد، عن أبي نضرة بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه [٧]، فذكره. وأخرجه النسائي في اليوم والليلة (٤) عن حميد بن مسعدة عن بشر بن المفضل، وعن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة، عن قتادة (٥)، وعن حرمي بن يونس بن محمد عن أبيه، عن مهدي بن ميمون بن غيلان بن جرير، كلاهما عن مطرف عن أبيه (٦). فحديث عبد الله الشخير روي من هذه الطرق بألفاظ فيها اختلاف (٧) أوردنا منها في البحث الذي حررناه بعض الألفاظ، لا
стр. 4569
يقدح في ذلك اتفاق بعض حديث عبد الله بن الشخير وحديث غيره، وليس ذلك من الخلط، وليس المقصود إلا إيراد المتن الذي استدلوا به، سواء كان مرويا من طريق واحد من الصحابة أو أكثر.
قوله: بل الإنكار لم يبرح من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا. .
أقول: المطلوب من المعترض - عافاه الله - تصحيح النقل عن هؤلاء الذين أنكروا ذلك من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، فهذا أقل ما يجب على الناقل. ثم ليعلم أن الذي نفينا إنما هو قول القائل لآخر في مكاتباته أو مخاطبته: يا سيدي أو يا سيد، أو نحو ذلك يوصف بالتحريم، ويوجب الإثم العظيم، فإن ظفر المعترض بمن يقول بأن ذلك محرم من علماء الإسلام فليهده إلينا، فإنه يقول إنه ما زال الإنكار من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، فإن كان الذي وقع منهم إنما هو مجرد الإنكار من دون جزم منهم بالتحريم فذلك لا ينفعه ولا يضرنا، فإنما قصدنا في بحثنا إرشاد من يقول أن ذلك محرم، ومع هذا فإنا نطلب منه أن يصحح النقل عن المنكرين، سواء قالوا بالتحريم أم لا، فتلك فائدة تستفاد، فإنا لم نجد في شروح الحديث المعتبرة للمتكلمين على هذا الحديث إلا ما هو من قبيل التأويل.
وقد ذكر بعض علماء القرن الثامن كلاما في هذا الحديث، وهو صحيح، ونحن نوافقه في ذلك. ولكن المطلوب من المعترض - عافاه الله - تصحيح النقل باستمرار الإنكار من عصر النبوة إلى الآن، وإن كان مستنده على استمرار هذا الإنكار هو حديث "لا تزال طائفة من الأمة على الحق ظاهرين" (١)، فهذا لا ينفعه ولا يضرنا، فإنا نقول: إن الطائفة التي هي على الحق ظاهرة لا تقول في شيء ورد عن رسول الله ﷺ أنه محرم عظيم، وموجب لخروج فاعله من الإسلام، فإن قال إنهم يقولون بذلك فعليه البيان
стр. 4570
فإنا واقفون في موقف المنع، فمن كان ناقلا فعليه تصحيح النقل، ومن كان مدعيا فعليه الاستدلال على دعواه [٨] كما هو دأب المتناظرين (١)، فإن يكن له على ذلك إلا مجرد الدعوى بأن الفرقة الظاهرة على الحق تنكر ذلك فهذه مصادرة على المطلوب، وهي غير مقبولة عند المحققين. .
قوله: فإن السيد في موضع التخاطب والتكاتب يراد به المالك. .
أقول: اعلم أن المعترض - عافاه الله - قد ادعى هاهنا على أهل الاصطلاح - أعني المتكاتبين أو المتخاطبين بلفظ سيدي أو السيد - أنهم يريدون به المالك، وهذا مجرد دعوى، فإن المتكاتبين بذلك، والمتخاطبين به لا يريدون إلا المعنى اللغوي، وهو من ثبتت له الرئاسة حقيقة أو ادعاء على فرد أو أفراد.
أما الحقيقة فظاهر، وذلك بأن يكون رئيسا على فرد أو أفراد. وأما الادعاء فبأن لا تكون له رئاسة لكنه يدعيها له من كاتبه أو خاطبه تأدبا. ومن خاطب أو كاتب بذلك مقتديا برسول الله ﷺ حيث يقول لقيس بن عاصم: " هذا سيد أهل الوبر" (٢)، ويقول في امرئ القيس: " إنه سيد الشعراء "، ويقول في سعد بن معاذ: " إنه سيد الأنصار "، ونحو ذلك، فما عليه من حرج، وماذا يلزمه من إثم.
ولا نعرف أحدا يكاتب أو يخاطب بلفظ السيد مريدا به المالك، ولا قد سمعنا هذا من أحد من أهل العلم، ولا من رجل من أهل الاصطلاح، فإن كان المعترض يقول هذا بدليل على أنهم يريدون بالسيد وسيدي المالك فما هو؟ وإن كان ينقله عن أحد من أهل العلم أو الاصطلاح فمن هو؟ وإن كان يقول من جهة نفسه فما بمثل هذا يؤكل الكتف.
ولا يحل لرجل مسلم أن يقدم على تأويل كلام إلا بسبب يتعين معه التأويل، وإلا كان ذلك مجازفة، وتعسفا، وخروجا عن دائرة الإنصاف. فيا لله العجب حيث يدعي
стр. 4571
من هو من أهل العلم، وفي عداد حملته أن لفظا من لغة العرب قرره الشرع يحرم استعماله ويوجب ضلال قائله لمجرد دعوى أن المستعمل يريد به معنى هو في الحقيقة لم يرده، ولا خطر بباله! فعلى المعترض - عافاه الله - أن يرجع إلى الإنصاف، فهو أولى من التمادي في الباطل، فإنه ما تم له دفع ما ذكرناه من الأدلة إلا بزعمه أن المستعملين [٩] للفظ السيد يريدون منه في المكاتبة والمخاطبة معنى المالك، ولولا هذا الزعم الفاسد لم يتمكن من دفع شيء من الأدلة.
وها نحن نقول له: هؤلاء الذين يتكاتبون ويتخاطبون بهذا اللفظ هم على ظهر البسيطة، فعليك أن تسأل من كان منهم يفهم ما يقول وما يقال له: هل يريدون بلفظ السيد وسيدي هو المالك كما قلته أنت أولا يريدون ذلك؟ فإن أبيت فانظر إلى كتبهم التي يتكاتبون بها في هذه الديار، فإنك تجدهم يجمعون بين لفظ سيدي ومالكي في غالبها، وهذا من أعظم الأدلة، على أنهم لا يريدون بلفظ السيد معنى المالك. وعند هذا تعرف أنه لم يندفع بما قاله شيء من الأدلة التي ذكرناها. . .
قوله: فهذه تسع حجج مخصصة للعموم المستفاد مما ذكره. . .
أقول: أما حديث عبد الله بن الشخير، وما ورد في معناه فقد عرفت في البحث الذي حررناه أنهم أرادوا بلفظ السيد معنى لا يجوز إطلاقه على البشر، وذلك هو سبب النهي (١). وأما كونه من أمور الجاهلية، وكونه بدعة فقد عرفت اندفاعهما مما أسلفنا في هذا الجواب.
وأما الاستلال بقوله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٢) فلا نسلم أن هذا من الغلو في الدين، ولا يندرج تحت معنى الآية، على أنه لو سلمنا تنزلا اندراجه لم يصح استدلال المعترض - عافاه الله - بهذه الآية، لأنها أعم مطلقا من الأدلة الدالة على جواز إطلاق
стр. 4572
السيد وسيدي على البشر، ولا يسوغ عند علماء المعقول والمنقول تقديم العام على الخاص، بل الخاص مقدم على العام بالاتفاق.
فنقول: هذا اللفظ أعني: لفظ السيد ونحوه قد استعمله رسول الله ﷺ فكان مخصصا لما هو أعم منه مطلقا بلا شك ولا شبهة. والمعترض يسلم هذا العموم والخصوص، فإنه يزعم أن الآية المذكورة تشمل هذا اللفظ وغيره، فكيف جعلها مقدمة على ما هو أخص منها مطلقا! فإن هذه لا يطابق عمل أهل الأصول، ولا صنيع علماء المعقول، ولعله لا يخفى عليه مثل هذا، ومثل هذا قوله: "هلك المتنطعون" (١). .
قوله: وأما إذا قال: من فلان إلى السيد الشريف، أو يا سيد بني فلان، أو يا سيد ائت من غير إضافة فلا بأس به.
أقول: قد قرب لنا - المعترض عافاه الله - المسافة، وقلل الاختلاف، وأشار إلى الوفاق. وبيانه أنه لم يبق منه خلاف إلا في إطلاق السيد مضافًا [١٠] نحو سيدي أو سيدنا، ولم يمنع من كل مضاف، بل خصص ذلك بالمضاف إلى الضمير فقط، ولهذا جوز سيد بني فلان لكونه مضافًا إلى غير الضمير، وحينئذ فالمنع عنده إنما هو من لفظ سيد إذا كان مضافًا إلى الضمير، معللا ذلك بأنه يراد به المالك كما سلف. وقد عرفناك أن ذلك غلط منه على من يتكاتب أو يتخاطب بذلك، ومعلوم أنه إذا أنصف عرف صحة ما ذكرناه من أنهم لا يريدون ذلك المعنى، وإذا ذهب هذا الوهم جاز عنده وعندنا إطلاق لفظ سيدي وسيدنا، لأنه لا يراد عند التكاتب والتخاطب إلا إثبات الرئاسة حقيقة أو ادعاء، ولم يبق حينئذ بيننا وبينه خلاف إن رجع إلى الإنصاف.
ثم اعلم أنه هاهنا قد جوز إطلاق السيد إذا قامت قرينة على أنه يراد به البشر، كما قال بأنه يجوز أن يقال إلى السيد الشريف، وهذا فيه موافقة لنا أيضا؛ فإنا ذكرنا في تأويل قوله ﷺ : " السيد الله" أنه عرف من مقصدهم أن السيد عندهم هو الله،
стр. 4573
وذكرنا أنه يجوز إطلاقه على البشر إذا لم يوجد ذلك المقصد. وهكذا المعترض قد جوزه إذا قامت قرينة تدل على أنه لم يرد الرب - سبحانه - بلفظ السيد. ولهذا جوز السيد الشريف، لأن الشريف قرينة دالة على أنه لم يرد بالسيد الله - سبحانه -، فوافقنا من هذه الحيثية، واعترف بصحة التأويل الذي ذكرناه في ذلك البحث. والحمد لله.
ثم نقول: ليت شعري أي فرق بين قول القائل يا سيد بني فلان، ويا سيدنا، مع كون الخطاب مع فرد من أفراد بني آدم؟ فإن في قوله سيد بني فلان إثبات الرئاسة له على طائفة هم بنو فلان، وفي قول القائل: سيدنا إثبات الرئاسة له على طائفة هم المتكلمون بهذا اللفظ، المخاطبون به، أو المكاتبون لغيرهم. وفي قول القائل: يا سيدي إثبات الرئاسة له على فرد هو المتكلم.
ولا شك ولا ريب أن إثبات الرئاسة لرجل على بطن أو قبيلة أكثر مدحا، وأوسع تعظيما من إثبات الرئاسة له على المتكلم الواحد، أو الاثنين، أو الجماعة. فيا عجبا من تجويز ما هو أمدح وأوسع، ومنع ما هو دون ذلك! فإن كان في الإضافة إلى خصوص الضمير مزيد معنى يوجب المنع فيا ليت شعري ما هو؟! إن قال: هو احتمال كون المتكلم أراد [١١] بقوله: يا سيدي أو سيدنا معنى الربوبية فكان قال يا ربي، أو يا ربنا، فهذا الاحتمال كائن في قوله السيد أو سيد بني فلان، فإنه يحتمل أنه أراد الرب أو رب بني فلان.
فإن قال المعترض أنه لم يبق هذا الاحتمال في لفظ السيد أو سيد بني فلان، فنقول له: ما وجه ارتفاع هذا الاحتمال؟ إن قال هو كون الخطاب مع فرد أو أفراد من بني آدم فهكذا نقول: إن الخطاب في قول القائل سيدنا أو سيدي مع فرد أو أفراد من بني آدم، وإن قال إن القرينة هي كونه قد أضيف إلى ضمير فرد أو أفراد من بني آدم، فنقول: وكذلك سيدنا وسيدي قد أضيف إلى ضمير فرد أو أفراد من بني آدم، وإن قال إن لفظ سيد بني فلان مسوغ غير ما ذكرناه فما هو؟ ومع هذا فقد تكلم النبي ﷺ بالمضاف إلى الضمير، فقال للأنصار: " قوموا إلى ................
стр. 4574
سيدكم " (١) وقال للأوس: " انظروا ما يقول سيدكم" (٢) يعني سعد بن عبادة، وهو في الصحيح. فهل ثم فرق بين ضمير وضمير؟ يا لله العجب!. .
وبالجملة. . فالمعترض - عافاه الله - إن كان يرجع إلى صواب الصواب، ويعترف بالحق، ويذعن للإنصاف فهو لا يخفى عليه بعد هذا أن التشديد في هذه المسألة لم يكن عن بصيرة ثاقبة، ولا رأي صائب، ولا أعني بهذا قوما مخصوصين كما وهم المعترض، فإنما عنيت عالما من علماء اليمن، كاتبني مكاتبة ظهر منها أنه يتشدد في ذلك، فكتبت ذلك البحث جوابا عليه، وعلى من يذهب إلى ما يقوله من التشدد، فليعلم هذا المطلع عليه ويتيقنه، ويعرف أنه لا إرب لي إلا الإرشاد إلى الحق، ودعاء الناس إلى العمل بالكتاب والسنة من غير تعصب لمذهب معين، ولا مجادلة عن طائفة مخصوصة.
قوله: مع قيام القرينة بأنهم أرادوا المالك الذي كانوا يقصدون ذلك عند الإطلاق لآلهتهم.
أقول: قد تقرر بهذا أنه لا منع عند المعترض إلا إذا أراد من أطلق السيد على المالك فقط، وحينئذ فلا فرق بين السيد، وسيد بني فلان، وسيدنا، وسيدي، فإنها ممنوعة إن أراد المتكلم بها المالك، وجائزة إن لم يرد بها المالك. ونحن نقول أن أهل العصور المتأخرة لا يريدون بشيء من تلك الألفاظ المالك كما قدمنا تحقيقه فجاز لهم إطلاق ذلك في المخاطبة والمكاتبة، وحصل الوفاق وارتفع الخلاف. وهذا بناء على صحة ما ذكره من أن مراد أولئك القوم الذين وفدوا على رسول الله ﷺ بقولهم: أنت سيدنا معنى: أنت مالكنا ولكن الظاهر أنهم ما أرادوا [١٢] إلا معنى: أنت ربنا كما أوضحنا ذلك سابقا.
وقد اعترف المعترض بأنهم كانوا يقصدون بلفظ السيد ما يقصدونه عند إطلاقه على آلهتم. ومعلوم أنهم لا يقصدون عند خطاب الآلهة بالسيد وسيدنا إلا الرب، فإنهما أرباب عندهم، كما صرح بذلك القرآن. فالقرينة التي جعلها دالة على أنهم أرادوا المالك
стр. 4575
هي دالة على أنهم أرادوا الرب. فهي على المعترض لا له.
قوله: بل (اللام) في قوله ﷺ للحصة المشخصة في الخارج التي هي الأصل في وضعها.
أقول: قد اختلف علماء العربية (١) والبيان والأصول (٢) في المعنى الحقيقي للام التعريف فذهب جمع إلى أن المعنى الحقيقي هو العهد. وإلي هذا ذهب جماعة من محققيهم. وذهب آخرون إلي أن المعنى الحقيقي هو الحقيقية من حيث هي هي. وذهب قوم إلى المعنى الحقيقي هو الجنس. وقد استدلت كل طائفة على قولها بأدلة. والحق عندي أن الأصل هو الحقيقة من حيث هي هي. من غير نظر إلى الأفراد. ثم قد يقصد باللام حصة مشخصة توجد الحقيقة في ضمنها. وقد يقصد بها حصة غير معينة توجد الحقيقة في ضمنها أيضا. وقد يقصد بها كل فرد فرد. والحقيقة موجودة في ضمنها أيضا. فكانت (لام) الحقيقة هي الأصل من هذه الحيثية. وهذه هو أولى مما ذهب إليه صدر الشريعة. وجماعة من أهل الأصول والبيان. ومن أهل العربية (الرضي) (٣) وغيره. .
قوله: وهي ملكة الاستنباط. .
أقول: الملكة التي يتمكن بها من عرف علوم الاجتهاد من استنباط المسائل الفرعية عن أدلتها التفصيلية هي الأمر الحاصل لمن جمع تلك العلوم. فلا يصح جعلها معدودة من علوم الاجتهاد. لأنها صادرة عنها. إلا إنها جزء منها. هذا إن أراد بالملكة ما أراده علماء الظن من كونها تحصل لمن جمع تلك العلوم مع سلامة الفطرة. وإن أراد أمرا خلقيا فلا أعرف قائلا من أهل الأصول جعل أمرا من الأمور الخلقية الجبلية جزءا من أجزاء العلوم الاجتهادية. ولا أظن محققا يقول بمثل هذا؛ فإن ذلك مادة من الله - سبحانه-
стр. 4576
يجعلها فيمن يشاء من عباده. وليست مما يكسبه العبد من العلوم. ولسنا بصدد تعداد ما يخلقه الله في عباده من الاستعداد والفهم. بل بصدد ما يصير به العالم مجتهدا من العلوم المدونة فما معنى قول المعترض أنه ذهل العلامة [١٣] عن خصلة أخرى هي أحرى؟ ثم إن ما ذكرناه من قولنا: ولهذا كانت هذه العلوم هي المقدمة في العلوم الاجتهادية تصريح واضح بأن تلك العلوم التي ذكرناها هي المقدمة في علوم الاجتهاد (١). لا أنها جميع علوم الاجتهاد. ولو كان في كلامنا يفيد أنها جميع علوم الاجتهاد لكان الاستدراك بعلمي الكتاب والسنة واردا ورودا صحيحا. لا ما ليس من العلم في شيء. بل هو أمر خلقي يضعه الله فيمن يشاء من عباده. ويقذفه في قلبه. فما معنى هذا الاستدراك الذي جاء به المعترض في هذا الموضوع؟.
قوله: لا بطريق المغالطة التي ارتكبها. بل بوجه الإنصاف.
أقول: قد فوضت المعترض - عافاه الله - بأن يعرض هذا البحث على من يوثق بعلمه وتحقيقه. ممن بقي من أهل العلم في تلك المدينة. لينظروا فيما حررته أولا. وفيما حرره من الاعتراض. وفيما حررته في هذه الورقات. حتى يعلموه من هو الذي ارتكب في بحثه الغلاط والغلط. وجاء في تأويله للأدلة بأعظم الشطط. فالمسلم أخو المسلم. والمؤمن مرآه أخيه. ونحن أعوان على الحق. .
قوله: هذا موضوع اقشعرار جلود العارفين. فإنه جرأة عظيمة.
أقول: هذا ليس موضوع الاقشعرار. فإنه لم ينهدم ركن من أركان الإسلام، ولا هتكت حرمة من محارمه. ولا تعدي حد من حدود الله. بل قال قائل لمن يخاطبه أو يكاتبه: يا سيدي وسيدنا. وهذا لفظ عربي ورد الإذن به عن الشارع، وجرى على لسانه بقوله: "سيد أهل الوبر". "سيد الشعراء". "سيد الأوس". "سيد الخزرج". "إن ابني هذا سيد". "أنا سيد ولد آدم". وقد عرفناك ما في الفرق بين
стр. 4577
غير المضاف من ألفاظ السيد. وبين المضاف. وبين ما كان مضافًا إلى المضمر. وما كان مضافًا إلى المظهر. وأوضحنا لك أن الاغترار بذلك والاحتجاج به والوقوف عنده من ضيق الفطن (١). .
وإني أظن أن المعترض - ثبته الله - بعد اطلاعه على هذا الجواب يذهب الله عنه تلك القشعريرة. ويفرج روعه. ويتيقن أن ما حصل عنده [١٤] من استعظام هذا الأمر، وما خالجه من الخوف والوجل لم يكن عن سبب يوجب ذلك. ولا لمقتض يقتضيه. بل لمجرد تقليد بحت. واعتقاد لم يكن عن بصيرة - فتح الله علينا وعليه أبواب معارفه. وألهمنا وإياه رشدنا، وجعلنا من فريق الحق وجماعة الرشد، وكشف عن قلوبنا عمى التقليد وعشى الريب، وعمش الشك. وغشاوة التعصب، وجعلنا من العاملين بكتابه وسنة نبيه، الواقفين على حدودهما، المؤثرين لهما على تقليد الرجال وزايفات الأقوال -. . .
والحمد لله أولا وآخرا.
وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية - إن شاء الله -. .
حرره مؤلفه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما. . .
стр. 4578
(١٨٧) (٤١/ ٤)
جواب سؤالات وصلت من كوكبان
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4579
وصف المخطوط
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: جواب سؤالات وصلت من كوكبان.
٢ - موضوع الرسالة: آداب.
٣ - أول الأسئلة: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله المطهرين وبعد: فإن قصير الباع يسيء الاطلاع المتطفل.
آخر الأسئلة: التوهمات المخلة وشرعنا بحمد الله لا ضيق فيه. أمتع الله بحياتك المسلمين آمين.
٤ - أول الأجوبة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الطاهرين. وصحبه الأكرمين. وبعد: فإنه ورد هذا السؤال. . .
٥ - آخر الأجوبة: والحمد لله أولا وآخرا. وظاهرا وباطنا والصلاة والسلام على خير الأنام وآله الكرام. حرره المجيب غفر الله له في شعبان سنة ١٢٣٠.
٦ - نوع الخط: خط نسخي رديء للأسئلة. وخط نسخي جيد للأجوبة.
٧ - عدد الصفحات: ٣ صفحات للأسئلة و (٧) صفحات للأجوبة.
٨ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٣ سطرا ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها ٤ أسطر.
٩ - عدد الكلمات في السطر: ١٤ كلمة.
١٠ - الرسالة من المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4580
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على محمد وآله المطهرين.
وبعد:
فإن قصير الباع يسيء الاطلاع المتطفل على مشاركة أهل العلم في الأخذ عنهم، لا أنه متجهم لم يزل في نفسه مسألة من منحه الله من علم الشريعة ما يهدي به الضال. ويزيل عنه بتحقيقه عنهم الإشكال. فصيرت في خاطري علماء العصر الذين يحويهم الحصر؛ إذ هم النجوم النيرة في داجي الظلام وملاح سفن النجاة عند اضطراب أمواج البدع في الأنام. منهم العالم الرباني محمد بن علي الشوكاني الصنعاني فهو في عصره الشهير. فاستجديته غرفة من ثم بقلمة النهير. وإن كان هو إلي حري بالإهمال [خلا إن] (١) لطلب [نفعه] (٢) فؤاد سقيم من الداء العضال.
أول مسألة عن الأعراف الجارية في إقليم اليمن وتهامة مشى عليها الخلف بعد السلف أحسب ذلك من قرون متعددة. فمن الأعراف ما تفعله العامة عند الأعراس، والختان، وقدوم الآيب من سفر الحج، واجتماع أهل الميت في مسجد أو مسكن لمواجهة من يصل إليهم للعزاء. فالعرف عند العرس أن يدعو صاحب العرس أقاربه، ومن أحب من أهل بلده، ويقري المدعوين وهم يدفعون إليه من الغنم والشمع كل على قدر يساره، ويحضر في هذه المواقف العلماء ومن دونهم، ويقع في ذلك الموقف إنشاد القصائد من أشعار العرب والمولدين والممادح والغزليات، وغير ذلك بأصوات محسنة لسماع الشعر من غير شائبة مذمومة في تلك المواقف. بل قد يقع في ذلك الموقف مباحث علمية، ومراجعات في معرفة معاني ألفاظ القصائد، وعند الختان يقع مثل هذا، ولكل جهة عرف يعملون عليه، فجهتنا المخلاف السليماني (٣) يميزون الختان عن أعراف الأعراس باجتماع أهل الخيل
стр. 4581
يسرجون عليها ويرتقون في ميادين معدة لذلك. والرماة يرمون بالبندق. هكذا مدة أسبوع أو أقل. ويحصل الختان بعد هذه المدة. ثم من عرف جهتنا أن الجعل الذي يدفعه المدعو لوليمة العرس أو الختان يسمح به صاحب الدعوة للمزين الذي يتولى الخدمة ويعد ويروح للمدعو للضيافة، وأهل القادم من سفر الحج يتلقونه في أطراف البلد، ويحصل من الاجتماع والضيافة والإنشاد ما يقع في الأعراس والختان.
وأما أهل الميت فإنهم يجتمعون في مسجد أو مسكن من بيوتهم لمواجهة من يصل إليهم ويتلون من كتاب الله ما قدر لهم، ويختمون التلاوة لموعظة فيها ذكر البرزخ والاستغفار والدعاء للميت وسائر المؤمنين، يفعلون هذا ثلاث أيام، هكذا جرت الأعراف والعمل بها من وجود العلماء ذوي الورع الشحيح، والنسك الصحيح، ولم يقع منهم إنكار مع التمكن من ذلك لو لم يكن إلا على أهل بيته وأقاربه [١أ].
ولما قامت الدعوة النجدية في عصرنا القريب، واقترب يد سلطانها على التهائم والحجاز حصل الإنكار من أمير كل بلد على هجر تلك الأعراف، وبالغ ولاحق أشد ملاحقة، وعاقب فيها عقوبة تلحق بعقوبة مرتكب معظم الذنب، وجعلوا هذه الأعراف
стр. 4582
من بدع الضلالة، وحصل الغلو في أمور الحق فيها لله أنه لم يجر في تركها، وشرعنا - ولله الحمد - محفوظ، وما زال الخاطر مشغولا من طريق التأول لغالب الأعصر المتقادمة في عدم النكير منهم، بل كونهم ممن يباشر الدخول في هذه الأعراف، وهي من البدع المحذر منها المنهي عنها في هذه الدعوة بأقرب ما باذلته لهم مع قصوري وجهلي بحقائق الشريعة أنه لم يثبت عندهم بدعية هذه الأعراف، وإن هي لم تؤثر عن أهل القرون الممدوحة بالخيرية على لسان خير البرية، فعلها أقل أن تكون من الفعل المباح لا يعاقب فاعله، ولا يثاب تاركه، وأن البدعة المحذر منها، المنهي عنها هو أن يقع من المبتدع زيادة في الدين، أو نقص منه كنفي ما ذكره الله ورسوله، أو إثبات ما لم يذكره الله ورسوله؛ لأن الشرع قد ورد بحصر الواجبات والمحرمات والبدعة التي هي الضلالة المخالفة لما جاء به الكتاب والسنة في العقائد، وتفاصيل الفرائض، وسائر أركان الإسلام فالزيادة في الدين كتفاسير أهل الغلو، وبدع المشبهة، والنقص كرد النص الظاهر.
فهذه البدع ذات الخطر العظيم؛ لأن معرفة البدعة غامض، فما لم يرد في بدعيته الموبقة لفظ مأثور ينبغي التوقف عن الجزم ببدعيته المحذر منها المنهي عنها، وقد يكون من البدع الصلوات التي لم يرد فيها أثر صحيح، ويجعلونها سنة كصلاة النصف من شعبان (١)
стр. 4583
سموها العامة في أرض الشام ليلة الوقيد؛ لأنهم يكثرون فيها وقيد النيران، ويتوجهون في صلاتهم إليها، فأشبهوا عباد النار، وهي حدثت في زمن البرامكة، وأما الأعراف التي ذكرنا فأحسب لها أصل في الشريعة.
أما الأعراس فورد في الأثر ندبية الإشاعة بطبل أو دف، والحكمة في ذلك المعاكسة للنكاح المحرم؛ لأن صاحبه يطلبه في الخفاء، فوقعت الإشاعة للحلال عكسه، وإنشاد القصائد من شعر العرب والمولدين، فقد سمع ﵌ الشعر من كعب (١)، والنابغة، والعباس، وأجاز علي ذلك، وكان عمر يروي الشعر ويسترويه،
стр. 4584
واستنشد متمم بن نويرة مراثيه في أخيه (١)، ويقربه لأجل ذلك، وهو فضيلة لا رذيلة؛ لأن أول من قاله أبونا آدم يوم رثى ولده قابيل (٢) ويبالغ عليه أشراف ولده وملوكهم من
стр. 4585
بني عدنان، ويعرب بن قحطان إلى الخلفاء الأربعة، وأكثر الصحابة.
ولا يعني من ذكرنا بما فيه رد له، ومنعه ﵌ عن الشعر ليس هو لرد البتة، بل لئلا يتهم إلى أن ما جاء به من القرآن شعر، كما منع من الكتابة، وهي فضلة للعلة التي منع عن الشعر [فعلها] (١) قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (٢) فإن سلب الشعر والكتابة عن منصب النبوة لنقصهما بل لفضيلتهما، فإنشاؤه في مجامع المسرة والأفراح ما تهش له الأفئدة الصحاح، وليس في المجامع شائبة مذمومة [١ب]، وربما تدور مراجعة علمية عند سماع الإنشاد، والبحث عن معاني بعض ألفاظ الشعر.
وأما ركوب الخيل، والسباق عليها، واللهو بها فقد وردت الآثار بذلك (٣) كما عرفتم ما جاء فيها (الخيل الفر أسيرات أبيكم إسماعيل فاغتنموها واركبوها، فإنها ميامن (٤).
стр. 4586
روى الطبراني (١) من حديث صالح بن كيسان مرفوعًا (ستفتح لكم الأرض وتملكونها فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه).
وأما تلقي الآيب من سفر الحج أو غيره وقدومه إلى أهله فقد كان أهل المدينة يتلقون معلم الشريعة إذا أقبل من بعض مغازيه ويهنونه، لا سيما تلقى الحاج، فإنه زيادة في إكرام المحل الذي أقبل منه، هو من التعظيم، وطلب الدعاء منه، وغبار النسك عليه، وأما اجتماع أهل الميت في بيت من بيوت الله، أو مسكن لهم فسنية التعزية لأهل الميت وردت بها السنة من [. . . . . . . . . .] (٢) إنما الاجتماع هو ما أحدثه المتأخرون، ولم يكن في الاجتماع غير تلاوة القرآن، والموعظة عند ختم الدرس، والدعاء للميت وعامة المؤمنين، ورأيت نقلا عن ابن الجوزي وهو من أئمة الحديث قال: أصبت بولدي فخرجت إلى المسجد إكراما لمن قصدني من الناس والصدور، فجعل قارئ يقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ (٣) فبكى الناس فقلت: يا هذا إن كان قصدك تهييج الأحزان فهذه نياحة بالقرآن، وهذه عن ابن الجوزي في عصره أحسبه في السادس أو قبل، ولو عرف أن الاجتماع للعزاء من البدع المضللة الدافعة لمرتكبها إلى النار لم يقع منه هذا الخروج إلى المسجد، ثم يرويه لمن بعده، والتطويل في هذا البحث محبة لتأول الماضين
стр. 4587
من أهل العلم لئلا يقع الاعتقاد فيهم، فإنهم فارقوا الدنيا على بدعة مهلكة.
وأما الموجود في عصرنا فهو يستعمل - إن شاء الله - بما يحصل من الإرشاد على هذه المسائل، فمن وجهت إليه البحث فالمطلوب منك أيها العالم النحرير الإمداد بجواب يشفي العلة، ويزيل التوهمات المخلة، وشرعنا - بحمد الله - لا ضيق فيه - أمتع الله بحياتك المسلمين - آمين. [٢أ].
стр. 4588
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله الطاهرين، وصحبه الأكرمين.
وبعد:
فإنه ورد هذا السؤال من ذلك العلامة المفضال، بقية الأعلام أحمد بن الحسن البهكلي (١) - كثر الله فوائده، وغفر لي وله وللمؤمنين من عباده -.
وأقول - مستعينا بالله ، ومتكلا عليه -: إن حديث: " الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات" (٢) و" المؤمنون وقافون عند الشبهات " وفي لفظ: " فمن تركها - أعني الشبهات - فقد استبرأ لعرضه ودينه " وفي لفظ: " ألا وإن حمى الله محارمه، فمن حام حول الحمى يوشك أن يواقعه (٣).
وهذا الحديث بجميع ألفاظه متفق على صحته، ثابت في دواوين الإسلام ثبوتا لا ينكره عارف بالسنة المطهرة، وكذا حديث: " كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد " (٤) فإنه حديث متفق على صحته.
وبهذين الحديثين، وما ورد في معناهما كالوعيد لمن تعدى حدود الله كما ثبت ذلك في الكتاب العزيز، وفي السنة المطهرة، والذم لمن غلا في الدين، كما ثبت أيضًا في السنة وكذا حديث: " تركتم على الواضحة، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا جاحد" وهو صحيح (٥)، وإن لم يكن في الصحيحين.
стр. 4589
وكذلك ما أفاد هذا المعنى، وشهد لمضمونه كقوله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١)، ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣) وما ورد هذا المورد ثم آيات كثيرة، وأحاديث شهيرة، والكل يدل على أنه يجب على كل فرد من أفراد العباد أن يمشي على الطريقة التي مشى عليها رسول الله ﵌ وصحبه ﵃، وخير الهدي هدي محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
كما ثبت هذا في حديث حسن معروف مشهور (٤)، فما وجدناه في كتاب الله ، أو في سنة رسول الله ﵌ مما استبان أمره، واتضح حكمه فهو كما هو من كونه حلالا بحتا، أو حراما بحتا.
ويدخل في الحلال المباح بجميع أقسامه، ولا يخرج عنه بعض أنواعه بمجرد تقييده بقيد كونه مكروها كراهة تنزيه، أو بكونه خلاف الأولى على اختلاف العبارات في ذلك [٢ب].
كما لا يخرج عنه بعض أنواعه بمجرد تقييده بقيد كونه واجبا، أو مسنونا، أو مندوبا أو مرغبا فيه على اختلاف العبارات في ذلك، فالكل حلال، ولا يجري في مثل هذا الخلاف المحرر في الأصول في جنسية المباح لأقسامه؛ إذ المقصود هنا هو الحكم عليه بالحكم الشامل لأقسامه، وهو كونها حلالا، لا كونه جنسا لها، وهي أنواع له، ولا خلاف بين أهل العلم في كون جميع تلك الأقسام حلالا، وإن تقيد بعضها بقيد عدم
стр. 4590
جواز الترك، وبعضها بأولوية الفعل، وبعضها بأولوية الترك، فإنه قد جمعها كلها أنه لا يعاقب فاعلها، وذلك شأن الحلال. ويقابل ذلك ما يعاقب فاعله وهو الحرام البحت، ومنه المكروه كراهة حظر وكراهة تحريم على اختلاف العبارات في ذلك، فإن حكم الجميع التحريم، لكونه يعاقب فاعله، وبهذا تعرف معنى قوله ﵌: " الحلال بين، والحرام بين"، أن الأمور المشتبهة هي التي لم يتضح الدليل على حرمتها أو حلها مع ورود دليل يدل في الجملة على ذلك لا على وجه الإيضاح والبيان.
وأما المسكوت عنه بالمرة فهو عفو كما ثبت ذلك عن الشارع ﵌، فإن اتضح الدليل على اتصافها بأحد الوصفين فقد ذهب الاشتباه، وتبين الأمر واتضح الحكم، ومن قسم المشتبه ما تعارضت أدلته، فدل بعضها على جواز الفعل، وبعضها على المنع منه، ولم يأت دليل يدل على ترجيح أحد المتعارضين على الآخر، كما يفيد ذلك ما ورد في بعض ألفاظ الحديث المذكور بعد ذكر الشبهات، ففي لفظ للبخاري (١) "لا يعلمها كثير من الناس"، وفي لفظ للترمذي (٢) " لا يدري كثير