← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

روى الطبراني (١) من حديث صالح بن كيسان مرفوعًا (ستفتح لكم الأرض وتملكونها فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه). وأما تلقي الآيب من سفر الحج أو غيره وقدومه إلى أهله فقد كان أهل المدينة يتلقون معلم الشريعة إذا أقبل من بعض مغازيه ويهنونه، لا سيما تلقى الحاج، فإنه زيادة في إكرام المحل الذي أقبل منه، هو من التعظيم، وطلب الدعاء منه، وغبار النسك عليه، وأما اجتماع أهل الميت في بيت من بيوت الله، أو مسكن لهم فسنية التعزية لأهل الميت وردت بها السنة من [. . . . . . . . . .] (٢) إنما الاجتماع هو ما أحدثه المتأخرون، ولم يكن في الاجتماع غير تلاوة القرآن، والموعظة عند ختم الدرس، والدعاء للميت وعامة المؤمنين، ورأيت نقلا عن ابن الجوزي وهو من أئمة الحديث قال: أصبت بولدي فخرجت إلى المسجد إكراما لمن قصدني من الناس والصدور، فجعل قارئ يقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ (٣) فبكى الناس فقلت: يا هذا إن كان قصدك تهييج الأحزان فهذه نياحة بالقرآن، وهذه عن ابن الجوزي في عصره أحسبه في السادس أو قبل، ولو عرف أن الاجتماع للعزاء من البدع المضللة الدافعة لمرتكبها إلى النار لم يقع منه هذا الخروج إلى المسجد، ثم يرويه لمن بعده، والتطويل في هذا البحث محبة لتأول الماضين

стр. 4587

من أهل العلم لئلا يقع الاعتقاد فيهم، فإنهم فارقوا الدنيا على بدعة مهلكة. وأما الموجود في عصرنا فهو يستعمل - إن شاء الله - بما يحصل من الإرشاد على هذه المسائل، فمن وجهت إليه البحث فالمطلوب منك أيها العالم النحرير الإمداد بجواب يشفي العلة، ويزيل التوهمات المخلة، وشرعنا - بحمد الله - لا ضيق فيه - أمتع الله بحياتك المسلمين - آمين. [٢أ].

стр. 4588

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله الطاهرين، وصحبه الأكرمين. وبعد: فإنه ورد هذا السؤال من ذلك العلامة المفضال، بقية الأعلام أحمد بن الحسن البهكلي (١) - كثر الله فوائده، وغفر لي وله وللمؤمنين من عباده -. وأقول - مستعينا بالله ، ومتكلا عليه -: إن حديث: " الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات" (٢) و" المؤمنون وقافون عند الشبهات " وفي لفظ: " فمن تركها - أعني الشبهات - فقد استبرأ لعرضه ودينه " وفي لفظ: " ألا وإن حمى الله محارمه، فمن حام حول الحمى يوشك أن يواقعه (٣). وهذا الحديث بجميع ألفاظه متفق على صحته، ثابت في دواوين الإسلام ثبوتا لا ينكره عارف بالسنة المطهرة، وكذا حديث: " كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد " (٤) فإنه حديث متفق على صحته. وبهذين الحديثين، وما ورد في معناهما كالوعيد لمن تعدى حدود الله كما ثبت ذلك في الكتاب العزيز، وفي السنة المطهرة، والذم لمن غلا في الدين، كما ثبت أيضًا في السنة وكذا حديث: " تركتم على الواضحة، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا جاحد" وهو صحيح (٥)، وإن لم يكن في الصحيحين.

стр. 4589

وكذلك ما أفاد هذا المعنى، وشهد لمضمونه كقوله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١)، ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣) وما ورد هذا المورد ثم آيات كثيرة، وأحاديث شهيرة، والكل يدل على أنه يجب على كل فرد من أفراد العباد أن يمشي على الطريقة التي مشى عليها رسول الله ﵌ وصحبه ﵃، وخير الهدي هدي محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. كما ثبت هذا في حديث حسن معروف مشهور (٤)، فما وجدناه في كتاب الله ، أو في سنة رسول الله ﵌ مما استبان أمره، واتضح حكمه فهو كما هو من كونه حلالا بحتا، أو حراما بحتا. ويدخل في الحلال المباح بجميع أقسامه، ولا يخرج عنه بعض أنواعه بمجرد تقييده بقيد كونه مكروها كراهة تنزيه، أو بكونه خلاف الأولى على اختلاف العبارات في ذلك [٢ب]. كما لا يخرج عنه بعض أنواعه بمجرد تقييده بقيد كونه واجبا، أو مسنونا، أو مندوبا أو مرغبا فيه على اختلاف العبارات في ذلك، فالكل حلال، ولا يجري في مثل هذا الخلاف المحرر في الأصول في جنسية المباح لأقسامه؛ إذ المقصود هنا هو الحكم عليه بالحكم الشامل لأقسامه، وهو كونها حلالا، لا كونه جنسا لها، وهي أنواع له، ولا خلاف بين أهل العلم في كون جميع تلك الأقسام حلالا، وإن تقيد بعضها بقيد عدم

стр. 4590

جواز الترك، وبعضها بأولوية الفعل، وبعضها بأولوية الترك، فإنه قد جمعها كلها أنه لا يعاقب فاعلها، وذلك شأن الحلال. ويقابل ذلك ما يعاقب فاعله وهو الحرام البحت، ومنه المكروه كراهة حظر وكراهة تحريم على اختلاف العبارات في ذلك، فإن حكم الجميع التحريم، لكونه يعاقب فاعله، وبهذا تعرف معنى قوله ﵌: " الحلال بين، والحرام بين"، أن الأمور المشتبهة هي التي لم يتضح الدليل على حرمتها أو حلها مع ورود دليل يدل في الجملة على ذلك لا على وجه الإيضاح والبيان. وأما المسكوت عنه بالمرة فهو عفو كما ثبت ذلك عن الشارع ﵌، فإن اتضح الدليل على اتصافها بأحد الوصفين فقد ذهب الاشتباه، وتبين الأمر واتضح الحكم، ومن قسم المشتبه ما تعارضت أدلته، فدل بعضها على جواز الفعل، وبعضها على المنع منه، ولم يأت دليل يدل على ترجيح أحد المتعارضين على الآخر، كما يفيد ذلك ما ورد في بعض ألفاظ الحديث المذكور بعد ذكر الشبهات، ففي لفظ للبخاري (١) "لا يعلمها كثير من الناس"، وفي لفظ للترمذي (٢) " لا يدري كثير

стр. 4591

من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام "، ويستفاد من لفظ كثير أن القليل من الناس يعرف حكمها، وهم المجتهدون، أو البعض منهم. وقد قيل: إن الشبهات هي ما اختلف فيه العلماء، وقيل: هي قسم المكروه، وقيل: هي المباح المطلق، وكل ذلك مدفوع، وقد أوضحت الدفع له وترجيح ما ذكرته من تفسير الشبهات في مؤلف مستقل جمعته في الكلام على هذا الحديث، وسميته: " تنبيه الأعلام على تفسير المشتبهات بين الحلال والحرام" (١). وإذا عرفت أن المشتبهات هي ما لم يتضح الدليل على حله، أو حرمته أو تعارض دليل الحل والحرمة، فأعلم أن هذا القسم قد بين الشارع ﵌ [٣أ]- أن شأن المؤمنين التوقف عنده، وعدم مجاوزته، وترك التلبس به كما يفيد ذلك قوله: " والمؤمنين وقافون عند الشبهات" وفي لفظ للبخاري (٢) ومسلم: " فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله تعالى،

стр. 4592

من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه"، وفي لفظ لابن حبان (١) " اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه" وكما يدل هذا الحديث على اجتناب الشبهات كذلك يدل على الاجتناب حديث: " كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢)، فإن أمر رسول الله ﵌ هو الترك للشبهات، والتوقف عندها، وكذلك يدل على اجتنابها حديث: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٣) أخرجه الترمذي والحاكم، وابن حبان وصححوه جميعا، وكذلك حديث "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون" أخرجه أحمد (٤)، وأبو يعلى (٥)، والطبراني (٦)، وأبو نعيم (٧)، وحديث: " الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس " (٨) وهو حديث معروف.

стр. 4593

وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن ما سأل عنه السائل - كثر الله فوائده - مما يقع في بعض الولائم، وعند قدوم من كان غائبا في حج أو نحوه إن كان هو الذي يقع في زمن النبوة على الصفة الثابتة إذ ذاك، فهذا من الحلال البين، وإن كان على صفة غير تلك الصفة، فإن تبين حكم حل ذلك الواقع من دليل آخر كركض الخيل، والرمي بالبنادق، والمذاكرة في المسائل العلمية والأدبية، والاجتماع في مجلس من المجالس، أو مسجد لذكر الله، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وذكر ما لا بأس به من أخبار القرون الأولى، وتناشد أشعارهم، ووصف مجرياتهم فهذا ونحوه [٣ب] قد جاءت الأدلة الصحيحة المأخوذة من كليات الشريعة وجزئياتها بأنه حلال، وأنه لا بأس به. وقد كان الصحابة ﵃ يجتمعون في مجالسهم، وفي مساجدهم ويتذاكرون العلم، ويتواعظون بمواعظ الأئمة ويذكرون في بعض الأوقات ما كان يجري بين أسلافهم من العرب من الحروب، والتكرمات، والخطب، والمقاولات، وينشدون ما قالوه من الأشعار في ذلك. بل وقع مثل هذا من رسول الله ﵌ كما في حديث أم زرع الثابت في الصحيحين (١)، وقوله ﵌ لعائشة ﵂: "أنا لك كأبي زرع لأم زرع" وكذلك ثبت اجتماع أمهات المؤمنين، واجتماع كثير من النساء إليهن، وذكرهن للحوادث والوقائع، كما في حديث المرأة التي كانت تدخل عليهن وتكرر هذا البيت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ... ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني وتذكر قصتها في ذلك كما في ...................................................

стр. 4594

الصحيح (١)، وكذلك حسان ﵁ كان ينشد الصحابة أشعاره في مسجد رسول الله ﵌، وقال لما أنكر عليه عمر ﵁: " قد كنت أنشده وفيه من هو خير منك" (٢)، والأمر في مثل هذا كثير يطول تحريره، ويكثر بسطه، وكل عالم يعلمه، فما كان من هذا الجنس مما علم حله بأدلته فهو من الحلال البين، فلا يحل لمسلم إنكاره، ولا يجوز القول بأنه من البدع التي هي ضلالة، وإنما إذا كان ذلك الاجتماع يصحبه فيه شيء من منكرات الشرع، كالتغني بالأشعار بالأصوات المطربة، والتوقيعات المختلفة، وذكر ما لا يحل ذكره من التشوق إلى معاصي الله ، والتنشيط إلى مواقعة محارمه [٤أ]، والترغيب إلى تعدي حدوده، وهتك الأعراض بالمقاولات السخيفة، وثلب أعراض المسلمين بالغيبة، والسعي بينهم بالنميمة، وعلى الجملة فإذا اشتملت تلك المجالس والمجامع على شيء مما ورد الشرع بتحريمه فحضورها حرام، والقعود فيها معصية، لأنها من قسم الحرام البين. ويجب على المسلمين الإنكار على من تلبس بشيء منها، وإن كان ما يقع في تلك المجالس والاجتماعات التي يسمونها ولائم وأعراسا وتعزية لميت، وتسلية لمحزون، وملاقاة لقادم من غيبة، وزيارة لمن يحق له عندهم الزيارة مما لم يتبين كونه حلالا، ولا لكونه حراما، فهو من الأمور المشتبهة، والمؤمنون وقافون عند الشبهات، فاجتناب هذه المجالس هو شأن المؤمنين، ودأب المتمسكين بالدين، فمن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن لابسها وجالس أهلها فقد حام حول الحمى، ورتع في جوانبه، فيوشك أن يواقعه، وهو أيضًا لم يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، وهو أيضًا دخل في أمر ليس عليه أمر رسول الله ﵌ ففعله رد عليه فإن أمر رسول الله ﷺ هو الوقوف عند الشبهات، واجتناب ملابستها وهو أيضًا لم يترك ما يشتبه عليه من الإثم، فيوشك أن

стр. 4595

يواقع ما استبان من الحرام. وإذا عرفت هذه الأقسام، وتقرر لك حكم كل واحد منها ارتفع الإشكال، واتضح الأمر، وتبين لك ما هو الذي يجوز لك ملابسته من تلك المجامع [٤ب] والمجالس، وما هو الذي لا يجوز لك ملابسته منها وما هو الذي ينكر على فاعله وما هو الذي لا ينكر على فاعله، وما هو من البدعة التي هي ضلالة، وما هو من البدعة المشتبهة، وذلك يغنيك عن النظر إلى ما وقع من ذلك في البلد الفلاني، أو في الجيل الفلاني، أو في العصر الذي قبل عصرك، أو في العصور التي قبله بكثير، فإن ذلك مما لا يصح الاحتجاج به، ولا إيراده في موارد الاستدلال، فقد وقع من ذلك في كل عصر من العصور الغث والسمين، والجاري على منهج الشرع والجاري على غيره، وصار كثير من الأشياء المنكرة، والبدع التي هي من قسم الضلالة باستعمال كثير من الناس لها غير مستنكر ولا معدود من الأمور المخالفة للشرع، ولا من الشبهة التي يتوقف المؤمنون عندها. ومن اطلع على كتب التاريخ وقف من ذلك على العجب العجيب، والنبأ الغريب، فإن كثيرا من المنكرات المعلوم تحريمها بضرورة الشرع قد صارت عند قوم من الأقوام، وفي جيل من الأجيال من المعروف لا من المنكر، حتى إن من أنكر ذلك عد إنكاره منكرا ولا يقوى على القيام في مثل هذه المقامات الصعبة إلا من كان متصلبا في دين الله، شديد الشكيمة على أعداء الله، نافذ البصيرة في الحق، صحيح التصور لما أخذه الله على الذين أوتوا الكتاب من البيان، قوي الفهم بمعنى قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٢).

стр. 4596

نسأل الله - سبحانه - أن يبصرنا بطرق الهداية [٥أ] ويعصمنا عن مزالق الغواية، فلا خير إلا خيره، ولا إله غيره، والحمد أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، والصلاة والسلام على خير الأنام وآله الكرام. حرره المجيب - غفر الله له - في شهر شعبان سنة ١٢٣٠.

стр. 4597

(١٨٨) ١٧/ ٤ الدواء العاجل لدفع العدو الصائل تأليف محمد بن علي الشوكاني حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه محفوظة بنت علي شرف الدين أم الحسن

стр. 4598

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: الدواء العاجل لدفع العدو الصائل. ٢ - موضوع الرسالة: آداب. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، ونصلي ونسلم على رسولك الأمين. ٤ - آخر الرسالة: بهذا جاءت الشريعة المطهرة ونطقت كلياتها وجزئياتها، وفي هذا المقدار كفاية، والله ولي التوفيق. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٢٧ صفحة ما عدا صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ١٦ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات. ٩ - الرسالة من المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4599

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، ونصلي ونسلم على رسولك الأمين، وآله الطاهرين، وصحبه الراشدين. وبعد: فإنها قد دلت الأدلة القرآنية، والأحاديث الصحيحة النبوية أن العقوبات العامة لا تكون إلا بأسباب، أعظمها: التهاون بالواجبات، وعدم اجتناب المحرمات، فإن انضم إلى ذلك ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المكلفين به، لا سيما أهل العلم، وأهل الأمر القادرين على إنفاذ الحق، ودفع الباطل كانت العقوبة قريبة الحدوث، ولا حاجة بنا هاهنا إلى إيراد الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، فهي معروفة عند المقصر والكامل. وإذا عرفت هذا فاعلم أنه يجب على كل فرد لا تعلق له بغيره أن ينظر في أحوال نفسه، وما يصدر عنه من أفعال الخير والشر، فإن غلب شره خيره، ومعاصيه على حسناته، ولم يرجع إلى ربه، ويتخلص من ذنبه فليعلم أنه بين مخالب العقوبة، وتحت أنيابها وأنها واردة عليه، وواصلة عن قريب إليه [١أ]. وهكذا من كان له تعلق بأمر غيره من العباد، إما عموما أو خصوصا، فعليه أن يتفقد أحوالهم، ويتأمل ما هم فيه من خير وشر، فإن وجدهم منهمكين في الشر، واقعين في ظلمة المعاصي، غير مستنيرين بنور الحق، فهم واقعون في عقوبة الله لهم، وتسليطه عليهم، ولا سيما إذا كانوا لا يأتمرون لمن يأمرهم بالمعروف، ولا ينتهون لمن ينهاهم عن المنكر. هذا على فرض أن داعي الخير لا يزال يدعوهم إليه، والناهي عن الشر لا يزال ينهاهم عنه، وهم مصممون على غيهم، سادرون في جهلهم، فإن كان من يتأهل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معرضا عن ذلك، غير قائم بحجة الله، ولا مبلغ لها إلى

стр. 4600

عباده، فهو شريكهم في جميع ما اقترفوه من معاصي الله - سبحانه -، مستحق للعقوبة المؤجلة والمعجلة قبلهم كما صح في قصته من تعدى في السبت من أتباع موسى ﵇ (١) -؛ فإن الله ضرب من ترك الأمر بالمعروف

стр. 4601

والنهي عن المنكر بسوط عذابه، ومسخهم قردة وخنازير، مع أنهم لم يفعلوا ما فعله المعتدون من الذنب، بل سكتوا عن إبلاغ حجة الله، والقيام بما أمر به، من الأمر بالمعروف [١ب] والنهي عن المنكر (١). والحاصل: أنه لا فرق بين فاعل المعصية، وبين من رضي بها ولم يفعلها، وبين من لم يرض بها لكن ترك النهي عنها مع عدم

стр. 4602

المسقط (١) لذلك عنه، ومن كان أقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان ذنبه

стр. 4603

أشد، وعقوبته أعظم، ومعصيته أفظع، بهذا جاءت حجج الله وقامت براهينه، ونطقت

стр. 4604

بها كتبه، وأبلغتها إلى عباده رسله. ولما كان الأمر هكذا بلا شك ولا شبهة عند كل من له تعلق بالعلم وملابسة المطهرة، وكان ذلك من قطعيات الشريعة وضروريات الدين - فكرت في ليلة من الليالي في هذه الفتن، التي قد نزلت بأطراف هذا القطر اليمني، وتأججت نارها، وطار شررها، حتى أصاب كل فرد من ساكنيه منها شواظ، وأقل ما قد نال من هو بعيد عنها ما صار مشاهدا معلوما، من ضيق المعاش، وتقطع كثير من أسباب الرزق، وتحقر المكاسب، حتى ضعفت أحوال الناس، وذهبت تجارتهم ومكاسبهم، وأفضى ذلك إلى كساد كثير من الأملاك، وعدم نفاق نفائس الأموال، وحبائس الذخائر. ومن شك في هذا، فلينظر [٢أ] فيه بعين البصيرة، حتى ترتفع عنه ريب الشك بطمأنينة اليقين، هذا حال من هو بعيد عنها لم تطحنه بكلكلها، ولا وطئته بأخفافها. وأما من قد وفدت عليه وقدمت إليه، وخبطته بأسواطها، وضغمته بأنيابها، وأناخت بساحته، كالقطر التهامي وما جاوره، فيالله! كم من بحار دم أراقت، ومن نفوس أزهقت، ومن محارم هتكت، ومن أموال أباحت، ومن قرى ومدائن طاحت بها الطوائح، وصاحت عليها، بعد أن تعطلت الصوائح، وناحت بعرصاتها المقفرة النوائح. فلما تصورت هذه الفتنة أكمل تصور - وإن كان متقررة عند كل أحد أكمل تقرر - ضاق ذهني عن تصورها، فانتقلت إلى النظر في الأسباب الموجبة لنزول المحن، وحلول النقم من ساكني هذا القطر اليمني على العموم من غير نظر إلى مكان خاص أو طائفة معينة، فوجدت أهله - ما بين صعدة وعدن - ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: رعايا يأتمرون بأمر الدولة، وينتهون بنهيها، لا يقدرون على الخروج عن كل ما يرد عليهم من أمر أو نهي، كائنا ما كان. القسم الثاني: طوائف خارجون عن أوامر الدولة متغلبون [٢ب] في بلادهم. الطائفة الثالثة: أهل المدن، كصنعاء وذمار، وهم داخلون تحت أوامر الدولة، ومن جملة من يصدق على غالبهم اسم الرعية، ولكنهم يتميزون عن سائر الرعايا بما سيأتي

стр. 4605

ذكره. فأما القسم الأول: وهم الرعايا، فأكثرهم - بل كلهم إلا النادر الشاذ - لا يحسنون الصلاة، ولا يعرفون ما لا تصح إلا به ولا تتم بدونه، من أذكارها، وأركانها، وشرائطها، وفرائضها، بل لا يوجد من يتلو منهم سورة الفاتحة تلاوة مجزئة إلا في أندر الأحوال. ومع هذا فالإخلال بها والتساهل فيها قد صار دأبهم وديدنهم، فحصل من هذا أن غالبهم لا يحسن الصلاة ولا يصلي. وطائفة منهم لا تحسن الصلاة، وإنما تصلي صلاة غير مجزئة، فلا فرق بينها وبين من يتركها. وأما من يحسنها ويواظب عليها: فهو أقل قليل، بل هو الغراب الأبقع (١)، والكبريت الأحمر (٢)، وقد صح عن معلم الشرائع: أنه لم يكن: " بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة " (٣)، فالتارك للصلاة من الرعايا: كافر، وفي حكمه من فعلها وهو لا يحسن

стр. 4606

من أذكارها وأركانها ما لا تتم إلا به، لأنه أخل بفرض عليه، من أهم الفروض، وواجب من آكد الواجبات، وهو تعلم ما لا تصح الصلاة إلا به، مع إمكان ذلك، ووجود من يعرفه، فهذه الصلاة هي أهم أركان الإسلام الخمسة (١)، وآكدها، وقد صار الأمر فيها عند الرعايا هكذا. ثم يتلوها الصيام، وغالب الرعايا لا يصومون، وإن صاموا في النادر من الأوقات، وفي بعض الأحوال فربما لا يكمل شهر رمضان صوما إلا القليل من ذلك القليل، ولا شك أن تارك الصيام على الوجه الذي يتركونه كافر، وكم يعد العاد من واجبات يخلون بها، وفرائض لا يقيمونها، ومنكرات لا يجتنبونها وكثيرا ما يأتي هؤلاء الرعايا بألفاظ كفرية (٢) فيقول: هو يهودي ليفعلن كذا، أو لأفعلن كذا، ويرتد تارة بالقول،

стр. 4607

وتارة بالفعل، وهو لا يشعر، ويطلق امرأته حتى تبين منه بألفاظ يديم التكلم بها، كقوله: امرأته طالق ما فعل كذا، أو: لقد فعل كذا (١) أو كثير منهم يستغيث بغير الله تعالى من نبي، أو رجل من الأموات، أو صحابي، أو نحو ذلك (٢). ومع هذا البلايا التي تصدر منهم، والرزايا التي هم مصرون عليها لا يجدون من يأمرهم بمعروف، ولا من ينهاهم [٣ب] عن منكر، وقد صار الأمر والنهي في كل ولاية منحصرا في ثلاثة أشخاص: عامل، وكاتب، وحاكم. فأما العامل: فلا عمل له، ولا يسعى إلا في استخراج الأموال من يد الرعايا من حلها ومن غير حلها، وبالحق وبالباطل، وقد استعان على ذلك بالمشايخ الذين هم العرفاء المنصوص من معلم الشرائع على أنهم في النار، فيتسلط كل واحد منهم على من تحت يده من المستضعفين، ويصنع به ما أراد وكيف أحب، وهو مفوض في أموالهم من طريق العامل فيأخذ ما شاء، ويدع ما شاء، وليس الأمر والنهي من العامل إلا في هذه الخصلة على الخصوص، ولم نسمع على تطاول الأيام، وتعاقب السنين، أن فردا من أفراد العمال أمر الرعايا بما أوجبه الله من الفرائض التي لا فسحة فيها؛ كالصلاة والصيام، أو نهاهم عن شيء من المنكرات التي يرتكبونها، بل قد جرت عادة كثير من العمال أن يأخذ إلى مقابل ترك الصلاة والصيام شيئا من السحت.

стр. 4608

وهكذا في الأشياء التي هي منكرات مجمع على تحريمها كالزنا، والسرقة، وشرب المسكرات، إذا وقع بعض الرعية في شيء منها، كانت العقوبة من العامل على ذلك أن يأخذ شيئا من مال من فعل ذلك، بل وقوع [٤أ] الرعايا في هذه المعاصي هو أحب الأشياء إلى العامل؛ لأنه يفتح له عند ذلك باب أخذ الأموال. ويتكاثر عنده السحت، ويتوفر له المقبوض، فانظر أي فاقرة في الدين كانت ولاية مثل هذا العامل! وأي بلاء صب على دين الله، رجل لا يأمر بفعل ما أوجب الله، ولا ينهى عن فعل ما حرم الله، بل يود ذلك ويفرح به لينال حظا من السحت، ويصل إلى شيء من الحرام. فهل أقلت الأرض، أو أظلت السماء أفسد لدين الله، وأجرا على معاصيه منه؟! وهل مشى على رجلين أخسر صفقة منه، وأخبث سعياً؟! وناهيك برجل لو كفر من تحت ولايته من الرعايا كفر فرعون، لكان يرضيه من ذلك نزر حقير من السحت، بل ذلك أحب إليه من صلاح الرعايا وتمسكهم بدين الإسلام، وقبولهم الشريعة، لأنه لا ينفق سوق ظلمه، ويدر عليه ثدي سحته، إلا بوقوع الرعايا في مخالفة الشرع، وخروجهم عن سبيل الرشاد. وقد ينضم إلى هذه المخازي منه والفضائح له، أن يرابي على رؤوس الأشهاد ربا مجمعا على تحريمه [٤ب]، ويستصحب معه جماعة من المعاملين بالربا، فيأخذ منهم عند الحاجة بزيادة من الربا ويضعها على الرعية ويسلط هؤلاء العاملين بالربا على الضعفاء. وهل أقبح من هذا الذنب وأشد منه؟! فإنه الذنب الذي توعد الله عليه بالحرب لفاعله منه كما في كتابه العزيز (١)، وليس الحرب من الله نزول الحجارة من السماء، بل تسليط

стр. 4609

بعض عباده على بعض حتى يسحتهم بعذابه، ونزل بهم غضبه، ويسلط عليهم من يسفك دماءهم، وينهب أموالهم، ويهتك محارمهم. وقد يضم عامل السوء إلى هذه المخازي مخازي أخرى فيظهر بين الرعايا بمحرمات يرتكبها، ومحارم ينتهكها جراءة على الله، فيسن للرعايا سنن الشر، ويفتح لهم أبواب الفجور (١).

стр. 4610

وأما الكاتب: فليس له من الأمر إلا جمع ديوان يكتب فيه المظالم التي يأخذها العامل من الرعايا، وليس جمعه لهذا الديوان لقد الإنصاف للرعايا، ولا للتخفيف عليهم، بل المقصود من وضعه أن لا يكتم العامل من تلك الأموال التي اجتاحها [٥أ] والمظالم التي احتجنها حتى يشاركه فيها غيره، ويواسيه بدينه من نال منها نصيبا ممن يده فوق يده. وأما ثالث الثلاثة، وهو القاضي: فهو عبارة عن رجل جاهل للشرائع، إما جهلا بسيطا، أو جهلا مركبا، وإن اشتغل بشيء من الفقه، فغاية ما يظفر به منه هو ما يظفر وكيل الخصومة، ومن يمارس الحضور في مواقف الخصومات من مسائل تدور في الدعوى والإجابة، وطلب اليمين والبينة، وليس له من العلم غير هذا لا يعرف حقا ولا باطلا، ولا معقولا ولا منقولا، ولا دليلا ولا مدلولا، ولا يعقل شيئا من علوم الشرع، فضلا عن غيرها من علوم العقل، ولكنه اشتاق إلى أن يدعى قاضيا، ويشتهر اسمه في الناس، ويرتفع بين معارفه وأهله، فعمد إلى الثياب الجيدة فلبسها، وجعل على رأسه عمامة كالبرج، وأطال ذيل كمه حتى صار كالخرج، ولزم السكينة والوقار واستكثر من قوله: " نعم" و"يعني"، وجعل له سبحة طويلة يديرها في يده. ثم جمع له من الحطام قدرا واسعا، وذهب به يدور في الأبواب ويتردد في السكك واستعان بالشفعاء [٥ب] بعد أن أرشاهم ببعض من ذلك المال ليشتروا له هذا المنصب الجليل (١) الذي هو مقعد النبوة، ومكانا فيه يترجم عن كتاب الله وسنة رسوله، ويفصل

стр. 4611

الخصومات عن عباد الله بما أنزله في كتابه المبين، وبينه رسوله الأمين (١)، ثم يذهب هذا الجاهل البائس إلى قطر من الأقطار الوسيعة، فيأتي إليه وأهل الخصومات أفواجا، فيحكم بينهم بحكم الطاغوت في الحقيقة، وهو في الصورة حكم الشرع، وليس بشرع، لأن هذا القاضي المخذول لا يعرف من الشرع إلا اسمه، ولا يدري من العلم بشيء، بل يجهل حده ورسمه، فينتشر عنه في ذلك القطر الواسع من الطواغيت ما تبكي له عيون الإسلام، وتتصاعد عنده زفرات الأعلام. وكيف يهتدي إلى فصل الخصومات بالحق جاهل اشترى هذا المنصب كما يشتري ما يباع في الأسواق من المتاع؟! فولاية مثل هذا المخذول وتحكمه في الشريعة المطهرة هي جناية على الله، وعلى رسوله، وعلى كتابه، وعلى سنة رسوله، وعلى العلم وأهله،

стр. 4612

وعلى الدين والدنيا [٦أ]. ولا فرق بين بعث مثله ليحكم بجهله، وبين بعث رجل من أهل الطاغوت العارفين بالمسالك الطاغوتية كابن فرج، وفصيله، والغزي، ونحوهم من حكام الطاغوت، بل بعث هذا القاضي أعظم عند الله ذنبا، وأشد معصية، لأنه لما كان في الصورة قاضيا من قضاة الشرع الشريف، وحاكما من حكامه مولى ممن إليه الولاية العامة، كان في ذلك تغرير على الناس، ومخادعة لهم، فانجذبوا إليه ليحكم بينهم بشرع الله، فحكم بالطاغوت، فقبلوه بناء منهم على أنه حكم الشرع، بخلاف بعث حاكم من حكام الطاغوت، فإنه وإن كان من المعصية والجراءة على الله بالمكان الذي لا يخفى، ولكنه لا تغرير في بعثة على العباد، ولا مخادعة، فربما يجتنبه من يجتنبه إن لم يجتنبوه جميعا، وينفروا عنه ويأبوا منه، وكفى بهذا موعظة وعبرة يقشعر لها جلد من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان، وترتجف منه قلوب قوم يعقلون: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). هذا حال هذا القاضي الذي هو من قضاة النار (٢) ومن عصاة الملك الجبار [٦ب] فيما يتولاه من الخصومات. وما سائر ما هو موكول إلى قضاة الشرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم، وإرشاد الضال، وتعليم الجاهل، والدفع عن الرعية من ظلم من

стр. 4613

يظلمها، والمكاتبة لإمام المسلمين بما يحدث في القطر الذي هو فيه مما يخالف الشريعة المطهرة - فلا يقدر هذا القاضي الشقي على شيء من هذه الأمور، سواء أكان حقيرا أو كثيرا، بل غاية أمره، ونهاية حاله أن يبقى في ذلك القطر يشاهد المظالم بعينه، وقد ينفذها بقلمه، وقد يعين عليها بفمه، وهو تارك لما أوجبه الله عليه، وعلى أمثاله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو في الحقيقة ضال مضل، شيطان مريد، بل أضر على عباد الله من الشيطان، ومن أين للشيطان، وأنى له أن يظهر للناس في صورة قاض ثم يفوض في قطر من الأقطار فيه ألوف مؤلفة من عباد الله، فيحكم بينهم بالطاغوت بصورة الشرع [٧أ]، ثم يكون شهيدا على ما يحدث بذلك القطر من المظالم، ومعينا عليها، وموسعا لدائرتها من دون أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، بل لا يجري قلمه قط بما فيه جلب خير للرعية أو دفع شر عنهم. بل هو ما دام في هذا المنصب لا هم له ولا مطلب إلا جمع الحطام من الخصوم، تارة بالرشوة (١) وتارة بالهدية (٢)، وتارة بما هو شبيه بالتلصص، ثم يدافع عن المنصب الذي هو فيه ببعض هذا السحت الذي صار يجمعه، ويتوسع في دنياه بالبعض الآخر، فهو أمر لا يقدر عليه الشيطان، ولا يتمكن منه، ولا يبلغ كيده لبني آدم إليه، وفي هذا ما يكفي من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

стр. 4614

وإذا كان حال الرعية وما هم عليه، هو ما قدمنا الإشارة إليه، وحال عاملهم وقاضيهم هو هذا الحال، وصفتهم هذه الصفة. فانظر بعقلك، وأعمل صافي فكرك، هل مثل هؤلاء متعرضون لسخط الله وعقوبته وحلول نقمته، أم مستحقون للطفه وتوفيقه، وصرف العقوبة عنهم [٧ب]، ودفع الفتن الذاهبة بالأنفس والأموال منهم؟! ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١)، ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (٢) ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٣). وإذا قد تقرر لك حال هذا القسم الأول من الثلاثة الأقسام التي قدمنا لك ذكرها، فلنبين لك حال القسم الثاني، وهم أهل البلاد الخارجة عن أوامر الدولة ونواهيها، كبلاد القبلة والمشرق ونحو ذلك.

стр. 4615

[القسم الثاني] اعلم - أرشدك الله - أن جميع ما ذكرنا لك في القسم الأول - وهم الرعايا - من ترك الصلاة، وسائر الفرائض الشرعية إلا الشاذ النادر على تلك الصفة، فهو أيضًا كائن في البلاد الخارجة عن أوامر الدولة ونواهيها، بل الأمر فيهم أشد وأفظع، فإنهم جميعا لا يحسنون الصلاة، ولا القراءة، ومن كان يقرأ منهم فقراءته غير صحيحة، ولسانه غير صالحة، وبالجملة فالفرائض الشرعية بأسرها من غير فرق بين أركان الإسلام الخمسة وغيرها مهجورة عندهم، متروكة، بل كلمة الشهادة التي هي مفتاح الإسلام لا ينطق بها الناطق منهم إلا على [٨أ] عوج. ومع هذا ففيهم من المصائب العظيمة، والقبائح الوخيمة، والبلايا الجسيمة أمور غير موجودة في القسم الأول: (منها): أنهم يحكمون بالطاغوت (١)، ويتحاكمون إلى من يعرف الأحكام الطاغوتية منهم، في جميع الأمور التي تنوبهم وتعرض لهم، من غير إنكار ولا حياء من الله ولا من عباده، ولا مخافة من أحد، بل قد يحكمون بذلك بين من يقدرون على الوصول إليه من الرعايا، ومن كان قريبا منهم، وهذا الأمر معلوم لكل أحد من الناس، لا يقدر أحد على إنكاره ودفعه، وهو أشهر من نار على علم. ولا شك ولا ريب أن هذا كفر بالله - سبحانه - وبشريعته التي أنزلها على رسوله، واختارها لعباده في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، بل كفروا

стр. 4616

بجميع الشرائع من عند آدم ﵇ إلى الآن، وهؤلاء جهادهم واجب، وقتالهم متعين، حتى يقبلوا أحكام الإسلام ويذعنوا لها، ويحكموا بينهم بالشريعة المطهرة. ويخرجوا من جميع ما هم فيه من الطواغيت الشيطانية [٨ب] ومع هذا فهم مصرون على أمور غير الحكم بالطاغوت والتحاكم إليه، وكل واحد منهم على انفراده يوجب كفر فاعله، وخروجه من الإسلام وذلك مثل إطباقهم على قطع ميراث النساء، وإصرارهم عليه، وتعاضدهم على فعله. وقد تقرر في القواعد الإسلامية أن منكر القطعي، وجاحده (١) والعامل على خلافه، تمردا، أو عنادا، أو استحلالا، أو استخفافا كافر بالله وبالشريعة المطهرة التي اختارها لعباده، ومع هذا فغالبهم يستحل دماء المسلمين وأموالهم، ولا يحترمها، ولا يتورع عن شيء منها، وهذا مشاهد معلوم لكل أحد، لا ينكره عاقل ولا جاهل، ولا مقصر ولا كامل، ومع هذا ففيهم من آثار الجاهلية الجهلاء أشياء كثيرة يعرفها من تتبعها. ومن ذلك إقسامهم بالأوثان كما تسمع كثيرا يقول قائلهم: أي وثن؟، إذا أراد أن يحلف، والمراد بهذا الوثن: هو الوثن الذي كانت الجاهلية تعبده، وقد ثبت عن الشارع [٩أ] أن: " من حلف بملة غير ملة الإسلام فهو كافر" (٢). وبالجملة: فكم يعد العاد من فضائح هؤلاء الطاغوتية وبلاياهم!! وفي هذا المقدار كفاية. ولا شك ولا ريب أن ارتكاب هؤلاء لمثل هذه الأمور الكفرية من أعظم الأسباب الموجبة للكفر، السالبة للإيمان، التي يتعين على كل فرد من أفراد المسلمين إنكارها، ويجب على كل قادر أن يقاتل أهلها حتى يعودوا إلى دين الإسلام. ومعلوم من قواعد الشريعة المطهرة ونصوصها أن من جرد نفسه لجهاد هؤلاء،

стр. 4617

واستعان بالله، وأخلص له النية فهو منصور، وله العاقبة، فقد وعد الله بهذا في كتابه العزيز: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (١) ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٢) ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣) ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤) و ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (٥) ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٦). فإن ترك من هو قادر على ذلك، جهادهم فهو [٩ب] متعرض لنزول العقوبة به وبهم، مستحق لما أصابه، فقد سلط الله - سبحانه - على أهل الإسلام طوائف كفرية لهم، حيث لم يتناهوا عن المنكرات، ولم يحرصوا على العمل بالشريعة المطهرة، كما وقع تسليط الخوارج (٧)، انظر "المغني" (١٢/ ٢٧٥) فيه تفصيل في أول الإسلام، ثم تسليط القرامطة (٨) والباطنية (٩) بعدهم، ثم من تسليط التتر (١٠)، حتى

стр. 4618

كادوا يطمسون أمم الإسلام، وكما يقع كثيرا من تسليط الفرنج ونحوهم ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١) ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٢). والحاصل: أنه لا خروج لمن كان قادرا على إصلاح هذا القسم والقسم الأول، وهم الرعايا - إلا ببذل الوسع في قتال هؤلاء، وبذل الوسع في إصلاح الرعايا وتعليمهم فرائض الإسلام، وإلزامهم بها، والأخذ على الولاة في الأقطار أن يكون معظم سعيهم، وغاية همهم هو دعاء من يتولون [١٠أ] عليه من الرعايا إلى ما أوجبه الله عليهم، ونهيهم عما نهاهم الله عنه، وانتخاب القضاة في كل قطر، فيكونون أولا ممن جمع الله لهم بين العلم والعمل، والزهد والورع، ويكونون ثانيا من الباذلين أنفسهم لإصلاح الرعايا وتعليمهم فرائض الله، ودفع المظالم الواردة عليهم، التي لا سبيل لها في الشريعة المطهرة، ويقبضون منهم ما أوجبه الله عليهم، ويدفعونه إلى إمام المسلمين، فإن في ذلك ما هو أنفع من الأشياء التي تؤخذ على وجه الظلم، وعلى طريقة الجور، والخير كل الخير في موافقة الأمور الشرعية، والشر كل الشر في مخالفتها. ومن جملة ما يأخذون عليهم إصلاح عقائدهم، ويبينون لهم أن الله هو الضار النافع، القابض الباسط، وأنه لا ينفع ولا يضر غيره. ويزجرونهم عن الاعتقادات الباطلة، ويجعلون في كل قرية معلما صالحا، يعلم أهلها

стр. 4619

الصلاة على الوجه الشرعي، ويأمرونهم [١٠بٍ] بالمواظبة على الصلوات في أوقاتها، ويلزمون لك المعلم بأن يعلمهم سائر الفرائض التي أوجبها الله عليهم، ويلزمونهم ويحبسون من لم يأت بما فرض الله عليه، أو لم يجتنب ما نهاه الله عنه، ويكون ذلك عزيمة صحيحة مستمرة، وأمرا ضابطا دائما، ولا يكون هذا مثل ما تقع من الأوامر التي تبطل في أسرع وقت كما وقع في الأيام القريبة من الأمر لأهل صنعاء بالمواظبة على الصلاة، ثم بطل قبل مضي أسبوع، فإن الأمور الشرعية، والفرائض الدينية هي التي شرع الله نصب الأئمة والسلاطين والقضاة لها، ولم يشرع نصب هؤلاء لجمع الأموال من غير وجهها، ومصادرة الرعايا في أموالهم بأضعاف ما أوجبه الله عليهم، وترك إلزامهم بفرائض الله، التي من جملتها الصلاة والصوم والحج والزكاة، وإخلاص التوحيد لله، وترك نهيهم عما نهاهم الله عنه، من المعاصي التي صاروا يفعلونها، ويصرون عليها مما هو معلوم [١١أ] لكل أحد. وليس على إمام المسلمين ووزرائه إلا انتخاب العمال والقضاة في الأقطار، وإلزامهم بأن يكون معظم اشتغالهم بتدبير الرعايا بما شرعه الله لعباده في الأموال والأبدان، وفي الدين والدنيا، ثم بعد إلزامهم بذلك ينظرون من قام به من العمال والقضاة، ومن تركه، فيحسنون إلى من قام بهذا الأمر منهم، وبذل فيه وسعه، ويقرونه على ولايته، ويعزلون من لم يقم به، ويبذل فيه وسعه، فبهذا يدفع الله الشرور عن العباد والبلاد، ويحول بينهم وبين من قد صار في أطراف البلاد من الطوائف التي صارت تعامل عباد الله معاملة أهل الشرك المحقق، بل يتجاوزون ذلك إلى ما لا يبيحه الشرع في أهل الشرك، كما بلغ أنهم يقتلون النساء والصبيان، ويشقون بطون الحوامل؛ فإن الشارع نهى عن مثل هذا، وزجر عنه، ولم يحل للمسلمين أن يقتلوا صبيان المشركين ولا نساءهم (١).

стр. 4620

وأما العمال والقضاة الذين صاروا يتولون البلاد في هذه الأعصار، فهم من أعظم الأسباب الموجبة لنزول العقوبة، وتسليط الأعداء، وذهاب البلاد والعباد، وسفك الدماء واستحلال الحرام، وكيف لا يقع هذا التسليط وعامل [١١ب] البلاد على الصفة التي قدمنا ذكرها؟! ومن أول مساوئه، ومعاصيه، ومعاندته لله، وتعرضه لغضبه وسخطه أنه يطلب تلك الولاية بأموال، يقدمها من أموال المرابين، فيقع في الربا الذي هو من أعظم المعاصي الموجبة للحرب من الله، قبل أن يخرج من بيته، ويقبض مرسوم ولايته، وقد يكون الذي ولاه عالما بأن ذلك المال هو عين الربا، فيقعان جميعا في غضب الله ولعنته، قبل المباشرة للولاية. وإذا كان هذا أول ما تفتتح به هذه الولاية الملعونة، فما ظنك بما يحدث بعد ذلك من الظلم والجور والعسف، وإهمال ما أخذه الله على الولاة، من إرشاد الضال من الرعايا، وهداية الجاهل؟! وهكذا ولاية القاضي الشيطان في هذه الأزمان، فإنها تفتتح بشيء من السحت يدفعه هذا القاضي الذي هو من قضاة النار (١) إلى من ولاه بعد أن يستعين بالشفعاء، فكيف يفلح قاض جاهل للشرائع اشترى هذا المنصب الديني بماله، وقام في حصوله له وقعد، مع أن الشارع نهى عن يتولى القضاء من طلبه فضلا عمن اشتراه [١٢أ] بماله (٢)!.

стр. 4621

وكيف يفلح من ولى هذا القاضي؟! وكيف يفلح الرعايا؟! كلا والله، بل هو بلاء صبه الله عليهم، ومحنة امتحنهم الله بها، وسبب من أسباب تعجيل العقوبة لهم وله، ولمن ولاه عليهم من أهل الأمر.

стр. 4622

[القسم الثالث] وأما القسم الثالث من الأقسام التي ذكرناها، وهم الساكنون في المدن، فهم وإن كانوا أبعد الناس عن الشر، وأقربهم إلى الخير، لكن غالبهم وجمهورهم عامة وجهال يهملون كثيرا مما أوجبه الله عليهم من الفرائض جهلا وتساهلا. فمن ذلك: أنهم يصلون أغلب الصلوات في غير أوقاتها، فيأتون بصلاة الفجر حال طلوع الشمس وبعدها، وبصلاة العصرين قريب غروب الشمس، وبصلاة العشاءين إما جمعا في وقت الأولى، أو في وقت الأخرى. ومع هذا فهم لا يحسنون أركان الصلاة، ولا أذكارها إلا الشاذ النادر منهم، ويتعاملون في بيعهم وشرائهم معاملات تخالف المسلك الشرعي، وكثيرا ما يقع الربا ويتكلمون [١٢ب] بالألفاظ الكفرية، وينهمك كثير منهم في معاص صغيرة وكبيرة، وهم أقرب الناس إلى الخير، وأسرعهم قبولا للتعليم، إذا وجدوا من يعزم عليهم عزيمة مستمرة دائمة، غير منقوصة في أقرب وقت، كما يقع في ذلك كثير. ومن عدا العامة: فمن لم يكن له اشتغال بالعلم، ولا مجالسة لأهله حكمه حكم العامة في دينه، بل هو واحد منهم، وإن كان له نسب شريف وبيت رفيع. وربما كان هذا الذي يظن في نفسه أنه خارج من العامة، وداخل في الخاصة متعلقا بشيء من الولايات الدينية أو الدنيوية، وهو يخبط خبط عشواء، ويظلم العباد والبلاد، جهلا منه أو تجاهلا وجرأة على الله. والواجب على إمام المسلمين - حفظه الله - وعلى أعوانه، افتقاد هؤلاء، والبحث عن مباشراتهم، وعن كيفية معاملاتهم لمن يتولون عليه، أو يتوسطون [١٣] له، وقد يكون بعض هؤلاء المتولين للأعمال، أو المتوسطين على شيء من أهل العلم، وليس كونه من أهل العلم موجبا لترك البحث عن أحواله، والتفتيش عن معاملته لمن هو متول عليهم، أو متوسط لهم، فإن كونه عالما أو متعلما لا يوجب له العصمة، ولا يسد عنه

стр. 4623

باب الاختيار والبحث، فإن كثيرا من أهل العلم من يكون علمه حجة عليه، ووبالا له، والدنيا مؤثرة، وحبها رأس كل خطيئة. والله المسئول أن يلهم إمام المسلمين - أقام الله به أركان الدين - إلى القيام بما أرشدنا إليه في هذه الرسالة، وإبلاغ الجهد في أحوال هذه الثلاثة الأقسام التي ذكرناها، فإنه إذا فعل ذلك صلحت له أحوال الدين والدنيا، ودفع الله عن رعاياه كل محنة، ولم يسلط عليهم غيرهم قط، كائنا من كان [١٣ ب]، وليس في هذا مشقة عليه، ولا نقص في دنياه، بل هو الدواء المجرب لتوفر الخير، وتضاعف المدد، وصفو العيش، وراحة القلب، وطول العمر، واتساع البلاد وإذعان العباد. بهذا جاءت الشريعة المطهرة، ونطقت كلياتها وجزئياتها، وفي هذا المقدار كفاية. والله ولي التوفيق [١٤أ].

стр. 4624

(١٨٩) ٣٣/ ٤ القول الحسن في فضائل أهل اليمن تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4625

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: القول الحسن في فضائل أهل اليمن. ٢ - موضوع الرسالة: آداب. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الأكرمين وبعد: فهذا البحث في الأدلة الواردة في فضائل اليمن أردت ذكر بعضها. ٤ - آخر الرسالة: وقد ذكر جماعة من أهل العلم أحاديث في فضل اليمن وأهله وهو يفضي، عنها ما ثبت في الصحيحين حسبما قدمنا، فلنقتصر على هذا المقدار، والحمد لله أولا وآخرا، كتبه مؤلفه غفر الله له. ٥ - نوع الخط، خط نسخي مقبول. ٦ - عدد الصفحات: ٥ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٣٣ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٤ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
следующие страницы →