← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

إلا بافتقار. وقال: اقتنص من عدوك الفرصة، واعمل على أن الدهر دول (١). وقال: الصدق قوام أمر الخلائق، والكذب داء لا ينجو من نزل به (٢). وقال: من تجبر على الناس أحب الناس ذلته. وقال: من مات محمودا كان أحسن حالا ممن عاش مذموما. وقال: من نازع السلطان مات قبل يومه. وقال: الحكمة شرف من لا قديم له. وقال: رغبتك فيمن يزهد فيك ذل نفس، وزهدك فيمن يرغب فيك قصر همة. وقال: [٥] النميمة تهدي إلى القلوب البغضاء (٣)، ومن واجهك فقد شتمك، ومن نقل إليك نقل عنك (٤). وقال: الجاهل عدو نفسه، فكيف يكون صديقا لغيره!. وقال: الوفاء نتيجة الكرم (٥).

стр. 4657

وقال: الحاجة تفتح باب الحيلة. وقال: بالتواضع تتم النعم (١). وقال: باحتمال المؤن تجد السؤدد، وقال، بالسيرة العادلة يقل المناوئ. وقال: بترك ما لا يعنيك يتم لك الفضل (٢). وقال: خير الأشياء أجدها إلا المودات؛ فإن خيرها أقدمها. وقال: لكل شيء خاصة، وخاصة العقل حسن الاختيار. وقال: دفع الشر بالشر جلد، ودفع الشر بالخير فضيلة (٣) وقال: ليكن ما تكتب من خير ما تقرأ، وما تحفظ من خير ما تكتب. وقال: إذا أعطاك الله ما تحب من الظفر فافعل ما أحب من العفو (٤). ومما نقله من كلمات جالينوس (٥) الحكمية: الهم فناء القلب، والغم مرض القلب، والغم مرض القلب،

стр. 4658

وثم بين ذلك. فقال: الغم (١) مما كان، والهم (٢) مما يكون. وقال: من رغب عن الحقائر نافس في العظائم. وقال: العليل الذي يشتهي أرجأ من الصحيح الذي لا يشتهي. وقال العادل من قدر أن يجور فلم يفعل. وقيل له: متى ينبغي للإنسان أن يموت؟ قال: إذا جهل ما يضره مما ينفعه. ومما نقله من كلام يعقوب بن إسحاق الكندي (٣) العاقل يظن أن فوق علمه علماء، فهو أبداً يتواضع لتلك الزيادة، والجاهل يظن أنه قد تناهى فتمقته النفوس لذلك. ومما نقله من كلام ثابت بن قرة الحراني (٤) راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة النفس في قلة الآثام، وراحة القلب في قلة الاهتمام، وراحة اللسان في قلة الكلام. [٦]

стр. 4659

ومما نقله من كلام أمين الدولة ابن التلميذ: ينبغي للعاقل أن يختار من اللباس ما لا يحسده عليه العامة، ولا يحتقره فيه الخاصة. ومما نقله من كلام محمد بن زكريا الرازي (١) إن استطاع الحكيم أن يعالج بالأغذية فقد وافق السعادة. ونقل فيه من كلام الفارابي (٢) وابن سينا (٣) ونحوهما ما لم أستحسن نقله هاهنا. [تم والحمد لله].

стр. 4660

(١٩١) ٢٨ - /٥ بحث مشتمل على الكلام فيما يدور بين كثير من الناس هل الامتثال خير من الأدب أو الأدب خير من الامتثال ؟ وكذلك على ما يدور بينهم من قولهم: " لا خير في السرف ولا سرف في الخير " تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4661

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: بحث: مشتمل على الكلام فيما يدور بين كثير من الناس هل الامتثال خير من الأدب أو الأدب خير من الامتثال؟ وكذلك على ما يدور بينهم من قولهم: " لا خير في السرف ولا سرف في الخير ". ٢ - موضوع الرسالة: آداب. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآله وأفضل صلاة وأكمل سلام. ٤ - آخر الرسالة: وفي هذا المقدار كفاية، لمن له هداية، وحسبي الله ونعم الوكيل. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١١ صفحة ما عدا صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٥ سطراً. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4662

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك، وآله أفضل صلاة وأكمل سلام. وبعد: فإنه كثيراً ما يجري على ألسن الناس ويتساءلون عنه قولهم: هل الأدب خير من الامتثال، أو الامتثال خير من الأدب؟ فأردت كشف الكلام عن هذا المرام بمعونة ذي الجلال والإكرام. فأقول: هذا الأدب المذكور في هذا السؤال لا بد أن يحمل على ما لم يدل عليه دليل، لأنه لو دل عليه دليل بخصوصية أو عموم يندرج تحته لم يصح السؤال من أصله، لأن الأدب الذي دل الدليل عموماً أو خصوصاً مطلوب بدليله، ففعله من الامتثال فلا يصح أن يقابل به الامتثال في هذه العبارة، فتقرر لك بهذا أن الأدب المسئول عنه هو الذي لم يدل عليه دليل، ولكن فعله فيه تأدب من الفاعل تستحسنه العقول، وتقبله الطباع. وإذا كان الأمر هكذا فالسؤال طائح من أصله، مندفع بجملته، لأن امتثال أمر الشارع هو الشرع الذي أمرنا الله - سبحانه - باتباعه، ونهانا عن مخالفته كما قال - سبحانه -: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢)، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣) ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (٤)، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥)

стр. 4663

فما ثبت الأمر به في الكتاب والسنة وجوباً أو ندباً فهو الحسن الجميل، والأدب [١أ] الصالح، والعمل المقبول، وما خالف ذلك فهو على العكس من هذا كائناً ما كان، وعلى أي صفة وقع، وبأي صورة وجد. إذا عرفت هذا فما ذكره هذا السائل في سؤاله، وجعله معادلاً للامتثال لا يصلح لذكره في مقابلة الأدلة التي يجب امتثالها إن كانت مفيدة للوجوب، أو يندب فعله إن كانت مفيدة للندب، وذلك الذي ظن الظان أنه أدب ليس بأدب شرعي، إنما هو أدب شيطاني عورض به الدليل الشرعي. ومعلوم أنه لو قال قائل: أيهما أفضل عملي بالدليل أو تركي له، وعدولي إلى ما لا دليل عليه؟ لقال كل سامع يسمعه: ليس هذا السؤال من سؤل من له فهم، فإن كون التمسك بالدليل أولى من مخالفته، وأحسن من فعل غيره لا يخفى على مقصر ولا على كامل، ولكنه لما أورد السائل سؤاله بهذه العبارة المجملة، ثم يتيقظ المسئولون لما هو المراد منهما، وكثيراً ما قد سمعنا إيراده في مجامع أهل العلم فلا يظفر السائل بغير الحيرة وعدم الفائدة، والأمر أظهر من أن يتوقف فيه متوقف، أو يتردد عنده متردد، لأنه لا يشكل على من لديه أدنى علم بأن ما دل عليه الدليل أولى مما لا دليل عليه فضلاً عن فعل ما يخالف ذلك الدليل نفسه، وهذا من الظهور والجلاء بمنزلة لا تخفى إلا على غريق في العامية، مترد بثياب الجهل. ومن أعظم أسباب التحير في جواب هذا السؤال أنهم يمثلونه بأمثلة عند المحاورة يتعاظم المسئول مخالفتها، ولو تأملها المسئول حق التأمل لوجدها مما دل عليه دليل بعمومه أو بخصوصه، وما كان كذلك، فليس مما يدخل تحت هذا السؤال، ولا مما يندرج في جملته، والجواب عنه ظاهر واضح، لأن الدليل [١ب] الذي دل عليه إن كان أعم من مقابله خصص به، وإن كان أخص من مقابله كان هذا الدليل الخاص تخصيصاً

стр. 4664

لمقابله، وإن كانا عمومين شمل كل واحد منهما واحد من المتقابلين رجعنا إلى الترجيح، ووجوه الترجيح (١) معروفة، وإن كان بينهما عموم وخصوص من وجه فلا تعارض بينهما في مادة الاجتماع، لأنها متناولة لهما، ويتعارضان في مادتي الافتراق فيرجع إلى الترجيح بينهما. أما في نفس ذينك الدليلين أو بدليل خارج عنهما، وإن كانا خاصين يتناول دليل كل واحد منهما ذلك المدلول عليه على الخصوص، ويدفع مقابله، فهذا من تعارض الأدلة الخاصة، والواجب الرجوع إلى وجوه الترجيح، وهي لا تخفى على المحققين، ولكن هذا كله خارج عن مسألة السؤال لا جامع بينه وبينها بوجه من الوجوه، لأنه من تعارض الأدلة، لا من باب تعارض الامتثال والأدب، لأن فعل كل واحد منهما من باب امتثال ما ورد عن الشرع، فإن ترجح في نفسه سقط مخالفه، وإن ترجح مخالفه سقط هو. ولا يصح إن بعد فعل المرجوح من باب الأدب، ولا مدخل للأدب في ذلك، لأن الاعتبار بأدب الشرع، وهو ما دل عليه الكتاب أو السنة قولا، أو فعلا، أو تقريرا، لا بالأدب الذي تقبله العقول، وتستحسنه الأنفس، فإن ذلك خارج عن الشرع. والتجاوز في هذه المسألة والتساؤل عنها إنما هو فيما يدل عليه الشرع، ولو علم المسئول بادئ بدء أن سؤال السائل إنما هو عن أمر ورد الشرع به، وعن أمر يخالفه لما اشتغل بجوابه، ولا تحير عند إيراده؛ لأن هذا السؤال هو في وزان قول لقائل: هل الحق خير من الباطل، أو الباطل خير من الحق؟ أو قول القائل: هل اتباع [٢أ] الشرع أولى من اتباع غيره، أو اتباع غير الشرع أولى من اتباعه؟ وأنت تعلم أنه عند أن يقرع الأسماع هذا الكلام الزائف، والسؤال المائل عن سنن الصواب لا يجاب السائل إلا بالسخرية منه، والضحك من قوله، والتعجب من جهله. فإن قلت: قد مثل هؤلاء المتحاورون في هذه المسألة، المتنازعون فيها بمثال معروف

стр. 4665

هو أن الأدلة الواردة في تعليمه ﵌ كيف يصلون عليه وردت كلها بلفظ: اللهم صل على محمد، فزادوا لفظ سيدنا وقالوا: اللهم صل على سيدنا محمد، وقالوا: هذه الصلاة مشتملة على الأدب الحسن، والأدلة دلت على عدم ثبوت هذه الزيادة، فأيهما أفضل الإتيان بها تأدبا مع رسول الله ﵌ أو تركها امتثالا لأوامره التي لم تشتمل على هذا اللفظ؟ قلت: وهذا المثال أيضًا ليس مما يصدق عليه معنى ذلك السؤال، ويندرج في معنى ذلك الإشكال، لأنه قد صح عنه ﵌ صحة وقع الإجماع عليها أنه قال: " أنا سيد ولد آدم " (١) فدخل في ذلك جميع الأنبياء الصالحين، وكل المؤمنين والمسلمين على اختلاف أنواعهم، وتباين طبقاتهم، فهو ﵌ سيد كل فرد من أفراد العباد كائنا من كان، وعلى كل إنسان أن يعتقد ذلك، ويدين به، ولكنه لم يرد في الصلوات المنصوصات هذا اللفظ، بل وقع منه ﵌ الاقتصار على ذلك المقدار، ولو كان لذلك مدخل في الصلوات لعلمه ﵌ الناس كما علمهم سائر ألفاظ الصلوات. ولا يصح أن يقال: إنه ﵌ ترك التصريح بهذا اللفظ تواضعا، أو نحو ذلك، فإن ما شرعه الله لعباده لا يترك بمجرد ذلك، ولا يصح نسبته إليه، ولو كان للتواضع ونحوه مدخل في التشريع لم يقل ﵌: " أنا سيد ولد آدم " فإن هذا الحديث قد شمل أمته، وشمل غيرهم [٢ب] من سائر الملل المختلفة، والطوائف المتباينة، منذ عصر أبينا آدم، ﵇ إلى هذه الغاية، وما وقع منه ﵌ من النهي عن تفضيله على موسى ﵇ (٢) - ذاكرا

стр. 4666

لتلك العلة المذكورة في كتب الحديث عند البعثة، وكذلك ما وقع منه ﵌ من النهي عن تفضيله على يونس بن متى (١)، فقد اختلف أهل العلم في تأويله، وكيفية الجمع بينه وبين حديث: " أنا سيد ولد آدم " فمنهم من جعل ذلك من باب التواضع (٢)، وله مدخل في مثل هذا بخلاف ما قدمنا، ومنهم من جزم بأنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه سيد الكل، وصاحب الرئاسة الدينية على الجميع (٣)، ومنهم من

стр. 4667

يقول إن حديث: " أنا سيد ولد آدم " عام مخصص بموسى ويونس بن متى، وهذا بعيد جداً، لأنه ﵌ إذا كان سيداً لمثل إدريس وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وسائر أنبياء بني إسرائيل الذين آخرهم عيسى - صلوات الله عليهم جميعاً وسلامه وهم بين الجلالة والفضيلة بمنزلة يتقاصر عنها الوصف، فكيف ينهى عن تفضيله على موسى ويونس! مع أنه قد ثبت عنه أنه لو بعث موسى في زمانه لتمسك بشريعته، وتحقق باتباعه - فبالأولى يونس مع أن يونس بن متى ﵇ هو من أنبياء إسرائيل المقتدين بشريعة موسى ﵇، المقتدين بالعمل بالتوراة كما يعرف ذلك من له اطلاع على كتاب نبوته، فإنه كتاب مفرد من جملة كتب أنبياء إسرائيل المشتملة على ما أوحاه الله إليهم في أيام نبوتهم، وما وقع بينهم وبين قومهم. ومع هذا فقد ثبت النهي عن المفاضلة بين الأنبياء على العموم (١)، وإن كان الله - سبحانه - قد فضل بعضهم على بعض كما نطق به القرآن الكريم، لأن علمه - سبحانه - محيط بكل شيء، فهو يعلم المفاضلة بين عباده فضلاً عن أنبيائه، بل يعلم ما تضمره القلوب، وتنطوي عليه الجوانح، وتوسوس به النفوس (٢) وقال : (يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون) [التغابن: ٤]. وقال تعالى: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) [غافر: ١٩]. وقال تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه) [ق: ١٦].

стр. 4668

وأما العباد فهم بمعزل عن ذلك، وأنى لهم العلم بالمفاضلة [٣أ] بين أنبياء الله وصفوته من خلقه، وخيرته من عباده!. فإن قلت: فما يقول في مثل هذا النهي العام؟ قلت: إن كان التاريخ معلوماً غير مجهول فقد يقال: إنه إذا كان المتأخر النهي؛ فينبغي التورع عن التفضيل بينهم على العموم (١)، وقد يقال: إنه يحمل هذا العموم على النهي عن التفضيل لبعض الأنبياء على بعض، وأما نبينا الصادق المصدوق ﵌ فقد أخرج نفسه من ذلك العموم بقوله: " أنا سيد ولد آدم " (٢). وقد تقرر أنه يبنى العموم على الخصوص إذا شمله العموم على طريقة الظهور كما في هذا المقام، فإنه لما صرح أنه سيد ولد آدم بهذه الصفة الخاصة به، الشاملة لجميع بني آدم، ثم جاء بعدها النهي الشامل له بطريق الظهور لا بطريق الخصوصية كان خارجاً من ذلك العموم بهذا الخصوص، وأما إذا كان إخباره ﵌ بأنه سيد ولد آدم متأخراً عن النهي؛ فخروجه من النهي ظاهر واضح، ويحمل ما تقدم من النهي على أنه لم يعلم بهذه السيادة العاملة الشاملة الثابتة له على جميع ولد آدم إلا بعد صدور ذلك النهي (٣)، وأما إذا كان التاريخ مجهولاً؛ فبناء العام على الخاص متعين، حتى قيل: إنه إجماع كما وقع

стр. 4669

في بعض كتب الأصول (١). هذا ما خطر بالبال عند التكلم على هذا السؤال من غير مراجعة لكتب الحديث وشروحها، فمن وجد ما هو أولى مما ذكرناه، وأحق مما قررناه فليرجع إليه، وإن لم يجد فهذا غاية ما يمكن التكلم به في مثل هذه الأحاديث المتعارضة في الظاهر. وقد تقرر أن الجمع أولى من الترجيح بلا خلاف. فإن قلت: لو فرضنا فرضاً، وقدرنا تقديراً أنه يجب في حديث: " أنا سيد ولد آدم " زيادة على مجرد الاعتقاد والإذعان، وأنه ينبغي التلفظ بهذه السيادة المحمدية. قلت: لو فرضنا ذلك فرضاً، وقدرناه تقديراً لم تدخل في ذلك الصلاة عليه ﵌ لأنه قد علمنا كيف نقول، وبين لنا ما نتكلم به (٢). وغاية ما هناك أنه ينبغي التكلم بذلك في غير تلك الحال، ولو فرضنا أبعد من هذا الفرض، وقدرنا أخفى من هذا التقدير، وقلنا بالتعبد بذلك على حد يشمل الصلاة؛ كانت الأدلة الصحيحة الثابتة من طرق متواترة مخصصة لذلك العموم، ولكن أين هذا من تعارض [٣ب] العموم والخصوص! فإنه ليس في حديث: " أنا سيد ولد آدم " ما يدل على غير الاعتقاد لذلك، والإيمان بمعناه، والإذعان لمدلوله، ولم يرد في شيء من الأدلة أنه يجب التلفظ بذلك فضلاً عن كون التلفظ به يعم الأشخاص والأوقات والأحوال؛ فضلاً عن أن مثل ذلك يقال في الصلاة، ويخالف به ما ورد من التعميمات (٣).

стр. 4670

فإن قلت: إذا كان الأمر كما ذكرت كان هذا المثال الذي مثلوا به صحيحاً، لأنه لم يدل دليل على أن مثل ذلك يقال في الصلاة، فليس فيه إلا مجرد الأدب الذي زعموه. قلت: إذا قد علمت أن مثل هذا من المعارضة بين الامتثال الذي لا يكون إلا بما دل عليه دليل، وبين مجرد الأدب المخالف لما دل عليه دليل. فقد انقطع الإشكال بعروقه، واجتث من أصله، ولم يبق في المقام ما يقتضي دوران مثل هذا السؤال بين حملة العلم، والتكلم به في مجامعهم كما عرفت، وإنما عرفناك فيما سبق أنه مثال غير صحيح في المقام لما قدمنا من قيام الدليل عليه، وإن كان في غير محل النزاع. فإن قلت: لو قدرنا أنه ثبت في رواية صحيحة، وحديث يصلح للحجية في تعليمه ﵌ للأمة لألفاظ الصلاة عليه لفظ سيدنا (١)!

стр. 4671

قلت: إن ثبت ذلك فهو زيادة مقبولة، غير معارضة للمزيد، فيؤخذ بها وتزاد في ألفاظ الصلاة عند أن يصلي عليه المصلون، فمن وجد مثل ذلك فليهده إلينا مثاباً مأجوراً، فإنا عند تحرير هذا لم نبحث مطولات كتب السنة، بل اتكلنا على أنه لم يكن فيما نحفظه زيادة هذا اللفظ. واعلم أنه خطر على البال عند التكلم على هذا البحث ببحث آخر يشابهه مشابهة قوية، ويضارعه مضارعة تامة، وهو ما يدور على ألسن أهل العلم من قولهم: لا خير في السرف، ولا سرف في الخير؛ فإنا قد سمعنا كثيراً ممن يتكلم بما يفيد أنه لا خير في السرف قد يتبع ذلك بقوله: ولا سرف في الخير، وقد يتكلم به من يسمعه؛ يقول ذلك فيذعن له، ولا يتعرض للجواب عليه، مع كون هذا القول باطلاً مخالفاً لكليات الشريعة، ولجزئياتها، وللمناهي الثابتة في الكتاب والسنة، وما يفيد التشدد في ذلك، والزجر عنه مثل قوله - سبحانه -: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (١) ومثل ذم المسرفين في غير آية (٢)، وورد في السنة [٤أ] المطهرة النهي عن ذلك في غير موضع، مثل نهي من أراد أن يتصدق بجميع ماله، وقصره النبي ﵌ على الثلث، وقال: " الثلث والثلث كثير " (٣) ومعلوم أن الصدقة خير كبير، ولكن لما كانت

стр. 4672

على صفة منع الشرع منها، وهي السرف بإخراج جميع المال لم يكن خيراً من هذه الحيثية، وهكذا أمر من أراد أن ينخلع عن جميع ماله أن يمسك عليه بعضه، وهكذا ورد النهي عن التصدق بجميع المال، ومن ذلك حديث: " المتصدق بالبيضة الذهب التي لا يملك غيرها " (١). وبالجملة فالأدلة على كثرتها تدل على أنه لا خير في السرف على أي صفة كان، ولو قدرنا ورود ما يفيد ثبوت الثواب لمن أسرف في تصرفه فلا ينافي في ذلك ذم السرف، ولكونه غير خير لأنه إذا ثبت له الأجر بالصدقة مثلاً بجميع ماله؛ فقد لزمه الإثم بالسرف الذي ارتكبه، وقد يكون الشيء حسناً من وجه، قبيحاً من وجه آخر، فالسرف لا يكون إلا قبحاً، ولا يكون خيراً قط، وليس من ذلك تأثير الإنسان لمن هو أحوج منه بطعامه، أو بشرابه، أو بثوب من ثيابه التي تدعو حاجته إليها، فإن مثل ذلك لا يصدق عليه معنى السرف لغة ولا شرعاً، أما اللغة فقال في الصحاح (٢): السرف ضد القصد، ثم قال: والإسراف في النفقة التبذير، فهذا معنى السرف، وهو لا يصدق إلا على من

стр. 4673

أخرج ماله إخراجا يعد به مبذرا لا من آثر غيره بأكله أو شربه أو نحو ذلك. فإن قلت: قد قال صاحب القاموس (١): إن الإسراف التبذير، أو ما أنفق في غير طاعة. وقال في النهاية (٢) إن النفقة لغير حاجة، أو في غير طاعة الله. قلت: هذا خلط للمعنى الشرعي بالمعنى اللغوي، لأن ملاحظة الطاعة لله من المعاني الشرعية، لا من المعاني اللغوية، والعرب لا تلاحظ ذلك ولا تراه. ومعنى السرف ثابت معروف عندهم، ولهذا يقول جرير (٣): أعطوا الهنيدة يجدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا سرف فانظر كيف أثبت السرف فيما هو خير عندهم محض، وهو التكرم بالعطاء، وإنما لم يكن المائة الناقة [٤ب] التي معها ثمانية من العبيد يقومون بما تحتاج إليه سرفا، لأنها عطاء ملك من كبار الملوك، ولو كانت عطاء رجل لا يملك غيرها، ولا يجد سواها؛ لكان ذلك سرفا عند العرب كما يفيده كلامهم، ويدل عليه نظمهم ونثرهم، ولم يصب من حمل السرف في هذا البيت على معنى الإغفال، أو على إخطاء موضع العطاء. فإن قلت: ما ذكره صاحب النهاية (٤)، وصاحب القاموس (٥)، وإن كان فيه خلط المعنى اللغوي بالمعنى الشرعي فهل يدل على أنه لا سرف في الخير كما يقوله من يسمعهم يتجاوزون بذلك؟ قلت: لا، بل معناه أن الإنفاق في غير طاعة الله معدود من السرف، وذلك مسلم، وليس فيه أن الإنفاق في طاعة الله لا يكون سرفا أصلا، فإن هذه العبارة على تسليم أنها معنى شرعي، إنما تناولت الإنفاق في غير الطاعة، ولا تعرض فيه للإنفاق في الطاعة، لا

стр. 4674

بإثبات، ولا بنفي. ولو قدرنا أن ذكر غير الطاعة يدل بمفهوم اللقب (١) على أن الإنفاق في الطاعة لا يكون سرفا، فهذا المفهوم لم يأخذ بمثله أهل العلم، ولا التفتوا إليه، وإنما أخذ به الدقاق (٢) وخالفه جميع أهل العلم، كما هو معروف في كتب الأصول وغيرها دفع ذلك، فالأدلة التي قدمنا ذكر بعضها تدل على ثبوت السرف بما هو خير. وإن قلت: قد نهى النبي ﵌ بعض المتصدقين بجميع ماله، أو ببعضه معللا ذلك بأنه من بعد ذلك يتكفف الناس (٣). قلت: لا تزاحم بين المقتضيات، فقد يكون وجه النهي هذه العلة كما يكون وجه النهي التعليل بالسرف، وقد يجتمعان جميعا، فيسرف بالتصدق بجميع ماله، ثم يتكفف

стр. 4675

الناس، فيجمع بين الأمرين. فإن قلت: قد ورد تفضيل قليل الصدقة على كثيرها باعتبار الأشخاص كما في حديث: " سبق درهم ألف درهم " (١)، وذلك في من يكون له درهم فيتصدق به،

стр. 4676

ومن يعمد إلى ماله الكثير فيخرج من عرضه مائة ألف درهم. قلت: ليس في هذا أن ذلك الدرهم هو جميع مال ذلك الرجل، وأنه لا يجد غيره، ولا يملك سواه. ثم قد قدمنا أن التأثير بالقليل لا يعد من السرف لا لغة ولا شرعا، ومما يؤيد ما ذكرناه [٥أ] في معنى السرف لغة ما ذكروه في معنى التبذير، فإنه يلاقيه. قال في الصحاح (١) وتبذير المال تفريقه إسرافا. أبو زيد يقال: رجل تبذارة؛ الذي يبذر ماله ويفسده. انتهى.

стр. 4677

وقال في النهاية (١) المبذر المسرف في النفقة. وقال في القاموس (٢) وبذره تبذيرا أخربه وفرقه إسرافا. انتهى. وقد عرفت أن معنى التبذير كمعنى الإسراف في اللغة والشرع، والعجب أن صاحب النهاية، وصاحب القاموس ذكرا في مادة الإسراف أن منه الإنفاق في غير الطاعة، ولم يقيدا التبذير بمثل، وما ذلك إلا لكون ذكر الإنفاق في غير طاعة في معنى السرف من خلط المعاني اللغوية بالمعاني الشرعية. فإن قلت: تقد كانت العرب تتمادح بإخراج المال دفعة واحدة، والتكرم بما يجده الإنسان، وإن لم يجد بعد ما يسد رمقه فضلا عن أن يجد غيره، كالواقعات من العرب المشهورين بالكرم مثل: حاتم، وكعب بن مامه، وأمثالهم. قلت: لا شك في تمادحهم بذلك، مع أنهم يسمونه سرفا وتبذيرا، وهم إذ ذاك على جاهليتهم لم يعلموا بقبح ذلك في الشرع، والمقصود الذي تقوم به الحجة هنا أنهم يسمونه سرفا، فوجب حمل الأدلة الواردة في النهي عن السرف على هذا المعنى العربي، ولا ينافي ذلك وقوع التمادح به، فإنه لم يكن البحث في كون السرف مما يتمادح به من لم يتقيد بالشرع، بل في صدق اسم السرف عليه، والرجوع إلى بيان حكمه شرعا. ومعلوم أن العرب قد تمدح من جاد بكل ماله على جهة السرف مدحا زائدا على من جاد ببعضه، لأن الكرم محبب إلى النفوس، لا سيما النفوس العربية، بل قد تجد أهل الإسلام يغفلون عن قبح ذلك شرعا، ويبالغون في مدح من أسرف بإخراج ماله، وبذر به لتلك العلة، وبسبب تلك الطبيعة كما قال الشاعر: وكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائد بل قد يبالغون في الثناء على من جاد بنفسه، ولو جاد بها في باطل كما في قول

стр. 4678

الشاعر [٥ب] ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله وقول الآخر: يجود بالنفس إن ضن الجبان بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود ولسنا بصدد ما تستحسنه الطباع العربية، وتتمادح به، فإن كلامنا في حكمه شرعا، لا في حكمه عرفا، فإن ذلك لا يفيد شيئا، ولا يصح الاستدلال به لمن قال: لا سرف في الخير. وهذا ظاهر واضح، على أن في بيت جرير السابق ما يدل على أن عدم السرف مما تتمادح به العرب، وشعره تقوم به الحجة في إثبات المعاني اللغوية بالإجماع. والحاصل: أن من زعم أن نوعا من أنواع السرف محمود شرعا، أو مباح فهو قد أثبت حكما وادعى على الشرع أمرا، وعليه الدليل الصالح لاتباع دعواه، وهذا مما لا خلاف به بين أهل علم المناظرة. . . الجدل، فإن جاء به صحيحا سليما عن شوب ما يبطله، أو يقدح فيه فليأت به، هذا على تقدير أنه لم يرد في ذلك شيء لا من كتاب ولا سنة، فكيف وهو مذموم كتابا وسنة! وأجمع على ذمة المتشرعون، ولم يخالف فيه أحد منهم من السلف ولا من الخلف. وفي هذا المقدار كفاية، لمن له هداية، وحسبي الله ونعم الوكيل. [٦أ].

стр. 4679

(١٩٢) ٢٣/ ٥ بحث في الصلاة على النبي صلي الله عليه وآله وسلم تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4680

وصف المخطوط: ١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في الصلاة على النبيِّ صلي الله عليه وسلم. ٢ ـ موضوع الرسالة: آداب. ٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم أدام الله إفادته إمام العلوم الحائز لمنطوقها والمفهوم. ٤ ـ آخر الرسالة: وفاز بأعظم ما يطلبه طلاب الخير وفي هذا المقدار كفاية لمن له هدايةٌ وحسبنا الله ونعم الوكيل. كتبه من خط المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله له. ٥ ـ نوع الخط: خط نسخي مقبول. ٦ ـ عدد الصفحات: ٦ صفحات. ٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ١٨ سطرًا ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها ٦ أسطر. ٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٤ ـ ١٨ كلمة. ٩ ــ الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4681

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ـ أدام الله إفادته إمام العلوم الحائز لمنطوقها والمفهوم، البدر شيخ الإسلام ـ أمتع الله بحياته، وبارك في أوقاته ـ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مما لا غِناء عن استمداد إفادتكم ما ورد في حديث كعب بن عُجْرَةَ ﵁ من قول النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ في أثناء الحديث فقال: «عرض لي جبريلُ ﵇ فقال: مَنْ ذُكرتَ عنده ولم يصلِّ عليك فَلَعَنهُ اللهُ فقلْ: آمين، فقلتُ آمين» (١) رواه الحاكم، وابن حبان وغيرهما، وغير ذلك من الأحاديث المتكاثرة في دواوين الإسلام، المشتملةِ على الدعاء على من ذكر عنده النبيُّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ ولم يصلِّ عليه بأنْ يُرْغَمَ أنفُه، وتسميتهُ بخيلاً، وكونه خِطئَ طرائق الجنة، وكونه شقي، وغير ذلك فإفادة هذه الأحاديث أنَّ ذكر عنده النبيُّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ سببٌ للصلاة عليه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ. وكل منهما على انفرادها ذكرٌ، وسببٌ مستقلٌّ يستلزم المسبِّبِ عند وجود سببه، فيلزم ما أن أذاعَه رجلٌ ملازم لذكر النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ من أوَّل النهار إلى آخره. وأنت تسمع أنَّ تلازُمَ الصلاة على النبي صلي الله عليه وآله وسلم ـ ضرورتُها تكرُّرُ المسبِّب عند تكرُّر سببِه، وإلاَّ استوجب التاركُ الوعيدَ الشديدَ في الانقياد والإرغام وغيرهما، وتستلزم السنةُ أن السامع للذكر يتركُ كلِّ شيء من الطاعات وغيرها بل الواجبات ويشتغلُ بالصلاة على النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ حتى يسكتَ الذاكر. وفي ذلك الاشتغال بالطاعة مشقةٌ لا تخفى، ووعيد عظيم. فهل فيه ما يصلُح أن يكون دليلاً مخلَصًا، وهو دليل يرشدُ أنه يكفي مع الذكر الكثير في الزمن الطويل الصلاة على النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ مرةً أو مرتين، أو ثلاثًا؟ فالفائدة

стр. 4682

مطلوبة، والمسألة مما عمَّتْ بها البلوى، جزاكم الله خير الآخرة والأولى. ومما عرض فيما عساها تتعلَّق بهذا البحث فلا بد من عرضه على شريف نظرِكم، وهو أنْ يقول أنَّ الذكر الكثير في الزمن الطويل يُنَزَّل منزلةَ سبب واحد [١أ]، فيكفي الصلاةْ على النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ منها واحدة ولا تلزم التكرارَ، كما أنَّ .... (١) إذا اجتمعت نُزِّلَتْ منزلةَ سبب واحد، وصُلِّي عليها صلاة واحدة، كما وردت بذلك السُّنَّةُ مع أنَّ كل حياتها على انفرادها سببٌ مستقل للصلاة عليها، فهل يصلح أن يكون هذا مستندًا أم لا؟ فأفضلوا بالجواب الشافي الشامل بجميع أطرافِ السؤال. والسلام ختام، ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله وسلم عدد ما ذكره الذاكرون وغفلَ عن ذِكْرِهِ الغافلون.

стр. 4683

جواب مولانا العلامة المحقق البدر شيخ الإسلام: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله الأفضلين، وصحبه الأكرمين، أقول مجيبًا عن هذا السؤال النفيس من الولد العلامةِ على بن أحمد الظفري (١) ـ كثر الله فوائده ـ أنَّ الدليل الدال على مطلقِ ا لوجوب من غير تفسير هو قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢) فهذا أمرٌ قرآني واقتضى وجوبَ مطلق الصلاةِ. واختلفَ أهلُ العلم اختلافًا كثيرًا في تفسير فِعْل هذا الواجب، وهل هو متكرر أم لا؟ والحق أنَّ اللام لا تفيدُ إلاَّ مطلقَ الإيقاعِ لهذا المأمور به من غير تقييد، أهو شأنُ الأوامرِ المقتضيةِ للإيجابِ والتكرارِ في وقت [أوقات] (٣) تحتاج إلى دليل خارجي يدلُّ عليه، كتكرير ذلك في الصلواتِ ولا يفيد الوجوبَ ما كان تعليمًا للكيفيةِ كقول القائل له ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «قد علمنا كيفَ نسلِّم عليك، فكيف نصلِّي عليك؟ قال: قولوا اللهم ... » (٤) إلخ لأنَّ الأوامرَ في تعليم الكيفياتِ تابعةٌ للمكيُّف إن كان واجبًا فهي واجبةٌ،

стр. 4684

وإن كان غير واجبٍ فهي غير واجبة. وقد قررتُ هذا في مؤلَّفاتي بما لا يحتاج فيه إلى غيره. إذا عرفت هذا فاعلم أنه قد ورد ما يدلُّ على الوجوب [١ب] عند ذكره ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ من ذلك حديث أنسٍ عند النسائي، (١) والطبراني في الأوسط (٢) والكبير، (٣) وابن السُّني (٤) قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «من ذُكرتُ عندَه فليصلِّ عليَّ، فإنه من صلَّى عليَّ صلاة واحدةً صلى الله عليه عشرًا» قال النووي (٥): إسناده جيد. وقال الهيثمي (٦): رجاله ثقات، فهذا أمر مقيد بوقت الذكرِ، ويمكن أن يقال إنه أمرُ إرشاد، لأنَّه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ ذكر تعدُّدها للمصلِّي من الأجرِ، ولم يذكر أنَّ عليه إثمًا. ومن الأدلة على الوجوب عند الذكرَ حديثُ الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ عند الترمذي، (٧) وقال (٨): حسن صحيحٌ، وابنُ حبان (٩) وصححه: «البخيلُ من ذُكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ». وأخرجه من حديث أيضًا أحمد في المسند (١٠)

стр. 4685

والنسائي (١) والحاكم في المستدرك، (٢) وقال: صحيح. وأقرَّه الذهبي، وهو من رواية عبد الله بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه، عن الحسين. وقد روي من حديث علي بن أبي طالب ﵁ كما في سنن الترمذي، (٣) وقال: حديث حسن صحيح. وهذه الصيغة تقتضي الحصرَ مبالغةً كما هو شأن تعريف المسندِ فينبغي حمله على أنه الفرد الكاملُ في البخل، لأنه بخل بما لا نقصَ عليه فيه، ولا مؤنة مع توفر الأجر، وعظم الجزاء. ووجه دلالتِه على الوجوب أنَّ البُخْلَ واجب التجنُّب، فإنه أقبح الغرائز، وأشأم الطبائع. ولهذا يقول رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «وأيُّ داء أدوى من البخل!» وهو حديث صحيح، (٤) وله قصة، (٥) ويمكن أن يقال فيه ما قيل في الحديث، لأنه بخل على نفسه، ويُحْرَمُ الحظَّ الجزيلَ، والأجرَ الجليلَ. ومن الأدلة الدالة على الوجوب عند الذكر حديث أبي هريرة عند الترمذي، (٦) وحسَّنه، (٧) والحاكم، (٨) وقال: صحيح، وابن حبان (٩) قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «رَغِمَ أنفُ رجلٍ ذُكِرْتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ» قال ابن حجر (١٠): وله شواهدُ. انتهى.

стр. 4686

وقد رواه (١) في مجمع الزوائد (٢) من حديث أبي مسعود، وعمار بن ياسر، وابن عباس، وعبد الله بن الحارث، وأبي هريرة. ومعنى رغم أنفُه الدعاءُ عليه بالذلِّ والهوانِ إذا لم يفعل ذلك، ولا يدعى بالذل والهوان إلاَّ على من تركَ واجبًا، وفي النصِّ [٢أ] ألفاظُ هذه الأحاديث التي أشرنا إليها: «بَعُد من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ» (٣) إلى آخر ما في الحديث المذكور. والبعدُ ضدُّ القربِ، وطلب القرب فضيلةٌ مؤكدة إنْ لم يكن واجبًا، ويمكن أن يقال في هذا الحديث من هذه الطرقِ ما قيل في الحديثين الأولينِ، لأنه لم يضرَّ إلاَّ نفسَه بما يحرِمُها من الأجر والدعاء عليه برغامِ الأنفِ كالدعاء بمثل: تَربَتْ يمينُه أو زيادة عليه بما لا يفيدُ ما يفيد به الوجوب، من أنه يأثم على التركِ، ويُعاقَبُ عليه. واقتران ذلك بمن لم يُغفرْ له في رمضانَ، ومن لم يدخله أبواه الجنة (٤) يفيد أنه أمرٌ مؤكد، ويمكن دلالةُ الاقترانِ لا تفيد الوجوبَ إلاَّ لقرينة فقد قال الله : ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ (٥) فقرن الحضَّ على طعام المسكين وهو ليس بواجب بنفي الإيمان، وهو رأس الواجبات،

стр. 4687

وأساسُها. على أن طلب المغفرةِ بالأعمال التي يوجبها في رمضان لا يفيد عدمَ طلب المغفرة مطلقًا، فإنه يمكن أن يحصل له بالتسبُّبِ لها في غير رمضان، وكذلك أنه لم يسأل أبواه له الجنةَ في هذا الوقت لا ينافي الطاعةَ الواجبة لهما، ولا يستلزم العقوقَ المحرَّمَ، فقد يدخلانِه الجنةَ بالدخول في مراضيهما والامتثالِ لما يأمرانِه به، وينهيانه عنه في وقت آخرَ، وهكذا لفظ بَعُد فإنه يدلُّ على البعد عن الخير لا على تركهِ الخيرَ. قد يكون من التقرباتِ التي ليست بواجبةٍ، بل هو ظاهر في ذلك، لأنَّ الواجبات يأثَمُ تاركُها ويعاقَبُ عليها. وبالجملة فهذه الصلاةُ في هذا الموطن إن لم تكن واجبةً فهي فضيلةٌ فاضلة، وسنة مؤكَّدةٌ، وعبادةٌ مقرَّبة لا يشك في ذلك شاكٌّ، ولا يتمارى فيها متمارٍ، وناهيك أن هذا المصلِّي يصلِّي عليه بالصلاة الواجبةِ ربُّ العزةِ وخالقُه خالقُ السماواتِ والأرض عَشْرَ مرَّاتِ كما ثبت في الأحاديث الصحيحةِ التي بعضها في صحيح مسلم. (١) بل أخرج أحمد في المسند (٢) من حديث عبد الله بن عمرو عنه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «من صلَّى عليَّ واحدةً صلّي الله عليه بها وملائكته عليه سبعين صلاة» وحسَّنه المنذري (٣) والهيثمي. (٤) هذا في مطلق الصلاة، فكيف بالصلاة عليه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ في مواطنِ الذكر الذي خصَّ بهذه الأحاديث [٢ب] الصحيحة التي رتب عليها البخلَ، ورغمَ الأنف! ومن فضائل الصلاة عليه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ حديث أبيِّ بن كعب عند الترمذيِّ (٥) ...................................................

стр. 4688

وقال (١): حسن صحيح والحاكم (٢) وقال صحيح، أنه قال: «كان رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ إذا ذهب ربعُ الليل قام فقال: أيُّها الناسُ اذكروا اذكروا، جاءت الراجفةُ تتبعها الرادفةُ، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه فقال: أبيّ بن كعب يا رسول الله، كم أجعلُ لك من صلاتي قال: «ما شئت». قلت: الربعُ قال: «ما شئت، وإن زدت فهو خير لك» قلت: النصفُ. قال: «ما شئتُ وإن زدتَ فهو خير لك». قلت: أجعل لك صلاتي كلَّها؟ قال: «إذن تكفى همَّكَ، ويُغْفَرُ ذنبُك» وفي لفظ: «ما أهمَّك من أمر دنياك وآخرتك» (٣) والمراد بالصلاة هنا الدعاءُ الذي من جملته الصلاةُ على رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ، وليس المراد الصلاةَ ذاتَ الأذكار والأركان كما أوضحنا ذلك في غير هذا الموضعِ. (٤) نعم لو صح حديث جابر بلفظ: «من ذكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ فقد شقى» أخرجه ابن السّني في عمل اليوم والليلة، (٥) وحديث: «من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ فقد شقى» (٦) والحديث الذي رواه ابن ماجه (٧) من حديث ابن عباس قال: قال رسول

стр. 4689

الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «من نسي الصلاةَ عليَّ خطِئَ طريقَ الجنةِ» كانت هذه الأحاديثُ من أقوى أدلة الوجوب ذلك الأوّّل إسنادها ضعيف منها. والباقي في إسناده بشر بن محمد الكندي ضعَّفه ابن المبارك، وابن معين، والدارقطني وغيرهم. والثالث في إسناده جبارةُ بن المغلس، وهو ضعيف. (١) فإنْ قلت بمجموع ما ذكرته من جملة الأحاديث المتقدمة، وهذا الوجوب مستفادٌ منها استفادة ظاهرة واضحة فشهادة بعض معانيها لبعض. قلت: إذا سلمنا ذلك فليس على من حضر مثلاً سماعَ الحديث الذي تكرَّر فيه الصلاةُ عليه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أن يكرِّرها عند كل لفظ يذكر فيه المملي لفظَ الصلاةِ، فإنَّ ذلك قد يشتغِلُ عن تدبُّر معاني الحديث وفهمِها كما ينبغي. وقد صلَّى هذا السامعُ في هذا المجلس عند الذكرِ، وإن استكثر من ذلك فقد استكثرَ من الخيرِ وليس بواجب عليه. وهكذا إذا كان المجلس يُصلَّي فيه على النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ[٣أ]ـ فإنه يصلَّى معهم، أو يجتنب مجلِسَهم. وبالجملة فلا يترك تكرار الصلاة عند ذكره ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ إلاَّ من كان مسئولاً يفهم كلامُهُ أو يفهم تفسير كلامِه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أو كان في صلاة فلا يتابَعُ الذاكرُ، فكفى بالصلاة شغلاً كما ثبت في الحديث. (٢) وهكذا سامع خطبةِ الجمعةِ، فإنه لا يتابع الخطيب إذا صلَّى على رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ لحديث: «من قال لصاحبه أنصتْ والإمامُ يخطبُ فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له» (٣) والأمر بالإنصات هو طاعةٌ فبيَّن الشارع أن من فعلَ ذلك فلا جمعة له، وكان لغوًا من هذه الحيثية غيرَ جائز، فإنْ كان تكرار الصلاة لا يشغلُه عن ذكر ما

стр. 4690

ذكرناها فتجتهد في متابعة القارئ، (١) فإنه قد جمع له بين أفضل الأذكار، فطلب العلم وفهمُه يأخذ بطرفيّ الكمالِ، وفاز بأعظم ما يطلبه طلاب الخير. (٢) وفي هذا المقدار كفاية لمن له هدايةٌ وحسبنا الله ونعم الوكيل. كتبه من خط المجيب محمد بن علي الشوكاني ـ غفر الله له [٣ب]ـ.

стр. 4691

(١٩٣) ٣٨/ ١ سؤال وجواب عن الصلاة المأثورة على رسول الله صلي الله عليه وسلم تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4692

وصف المخطوط: ١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: سؤال وجواب عن الصلاة المأثورة على رسول الله صلي الله عليه وسلم. ٢ ـ موضوع الرسالة: آداب. ٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده وصلى الله على لا نبيَّ بعده وآله وصحبه وبعد. فإنه اشتمل السؤال الوارد منكم كثر الله فوائدكم على أربعة أطراف. ٤ ـ آخر الرسالة: كمل من خطَّ المجيب حفظه الله وجعله لكل معضلة ومشكلة محلاً. بحق محمد الأمين وصحبه الأكرمين. ٥ ـ نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ ـ عدد الصفحات: ١٠ صفحات. ٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرًا. ٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٠ ـ ١٢ كلمة. ٩ ــ الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4693

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده وصلَّى اللهُ على من لا نبيَّ بعدَه وآله وصحبِه وبعدُ: فإنه اشتملَ السؤالُ الواردُ منكم ـ كثَّر الله فوائدكم ـ على أربعةِ أطرافِ: الأول: منِ اسْتُؤُجِرَ أنْ يصلي على النبيَّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ عددًا معروفًا بأجرةٍ معلومةٍ، وشرَطَ عليه أن يُصلِّي الصلاة المأثورةَ، (١) والأجيرُ لم يكن عندَهُ حقيقةُ لفظةِ الصلاةِ المأثورةِ، فكرَّر الصلاةَ القدْرَ المستأجرَ عليهِ بلفظِ: اللهمَّ صلِّ وسلِّم على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، فهل قد أجزتْ هذهِ الصلاةُ مع شرطِ أنْ تكونَ الصلاةَ المأثورةَ؟ الطرف الثاني: هل قال قائلٌ بأنها الصلاةُ المعروفةُ بالخمسِ، وهي قولُهُ: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، وآل محمدٍ، كما صلِّيتَ على إبراهيمَ، وعلى آلِ إبراهيمَ، إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمَّ ترحَّمْ، اللهم تحنَّن، اللهم بارك، اللهم سلِّمْ إلى آخرها باللفظ المذكورِ أولاً، هل يكونُ صلاة واحدةً، أو خمسًا، لأنَّ التحنينَ والتبرُّكَ والتسليمَ والترحُّم لفظُها غيرُ لفظِ الصلاةِ. (٢) الطرف الرابع: ما هوَ الذي أجمعَ عليه العلماءُ أنَّه هو الصلاةُ المأثورةُ؟ انتهى.

стр. 4694

وأقول: أمَّا الطرفُ الأولُ فالجواب عليه أنَّ المستأجِرَ أرادَ بقولِهِ المأثورةَ نوعًا من الصلاةِ خاصًّا فلا يُجزي الأجيرَ إلاَّ فعلُه دونَ غيره، ولا يستحقُّ الأُجْرَةَ إلاَّ بهِ، ولكن فرَّطَ المستأجرُ بعدمِ البيانِ، والأجيرُ بعدمِ الاستفصالِ؛ فلا يستحقُّ الأجيرُ لما فعلَه أَجْرَهُ، فإذا وقعَ الخلافُ بينَهما بعد أن فعلَ الأجيرَ الصلاةَ التي ذكَرَها السائلُ ـ حفظه الله ـ فقال المستأجرُ: أردتُ نوعًا خاصًّا من الصلاةِِ المأثورةِ، وأنكر الأجيرُ، فإنْ نظَرْنَا إلى الأصلِ، والظاهرُ فهما يقضيانِ بأنَّ قولَ الأجيرِ، لأنَّ المستأجِرَ مدعي إرادة نوع خاصٍّ، فهو كالمعيَّنِ، ومن عيَّن بيَّنَ، ولكن لما كانت الإرادةُ مما لا يمكنُ إقامةُ البيِّنةِ عليهِ لكونِها من الأمورِ القلبيةِ، وهي لا تُعْرَفُ إلا مِنْ جِهَةِ صاحِبها كان القولُ قوله مع يمينه، (١) لا يقال مجرَّدُ تَرْكِ البيانِ من المستأجِرِ يوجِبُ عليهِ أُجْرَةَ المِثلِ، لما فعله الأجيرُ [١] من الصلاة لإيقاعِه الأجيرَ بذلكَ التَّركِ في نوعٍ من أنواعِ اللَّبسِ، وهو ينزَّلُ منزلةَ التعزير (٢): لأنا نقول: الأجير جان على نفسه بترك الاستفصال؛ فلا يبقى لما فعله الغير به تأثير مع فعل نفسه فلا يستحق أجره هذا على فرض إرادة المستأجر نوعًا خاصًّا من الصلاة المأثورة وأما إذا أراد ما يصدق عليه أنه صلاة شرعًا فهذه الصلاة المذكورة في السؤال صلاة شرعية، وسلام شرعي، فيستحق الأجير جميع الأجرة المسماة لأنه قد فعل الصلاة والسلام على النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ، وذلك المفعول فرد من الأفراد التي يصدق عليه مطلق قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)

стр. 4695

ومطلق الأحاديث الواردة بالأمر بذلك، والترغيب فيه مطلقًا ومقيدًا. (١) وقد تقرر أن المطلق يطابقه كل فرد من الأفراد التي يصدق هو عليها، وإن لم يرد مطلق ما يصدق عليه أنه مشروع، بل أراد المشروع الخاص؛ وهو ما ورد التعليم به من طريقه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ في الأحاديث الصحيحة فهذا اللفظ المذكور في السؤال لم يرد في حديث صحيح على الصفة المذكورة فيما أعلم، فلا يجزئ المستأجر، ولا يستحق به الأجرة، فيما تقدم. وإذا وقع الاختلاف كان الحكم ما سلف، وسبب عدم الإجزاء في صور المخالفة أن النوع الذي أراده المستأجر قد حصله شرط في الإجازة. وقد تقرر في الأصول أن الشروط يؤثر عدمها في عدم المشروط فيكون المشروط إذا عدم واحد منها معدومًا حكمًا؛ فالإجارة المذكورة حينئذ معدومة لا حكم للصورة الموجودة منها. وأما الطرفُ الثاني: فالجوابُ عليه أنَّ السائلَ ـ حفظه الله ـ إنْ أرادَ بقولِهِ: هل قال قائلٌ بأنَّها الصلاةُ المأثورةُ؟ النوعُ الخاصُّ وهو الثابتُ في أحاديثِ التعليم، (٢) فقد أسلفنا أنَّها لم ترِدْ بذلك اللفظِ في حديثٍ صحيحٍ. (٣). وإذا لم تردْ كذلكَ فلا قائلَ بأنَّها المأثورةُ، لأنَّ الجزمَ بهِ فرع ورودها في الأحاديث، لأنَّ قولَ القائلِ هذهِ صلاةٌ مأثورةٌ، بذلكَ الاعتبارَ في قوةِ هذهِ، صلاةٍ ثابتةٍ بطريق التعليمِ لنا منه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ، وإنْ أرادَ مطلقَ ما يصدُقُ عليه أنَّهُ صلاةٌ وسلامٌ شرعًا، فلعلَّه لا يحالفُ في ذلكَ أحدٌ من المسلمينَ لما سلفَ مِنْ أنَّ ذلكَ فردٌ من الأفرادِ التي يصدْقُ عليها المطلقُ وتُطابقُهُ. وأما الجوابُ عن الطريق الثالثِ فنقول: ليس هذهِ صلواتٍ متعددةً، إما هذه صلاةٌ مشتملةً على أدعيةٍ للمصلَّى عليه، بدليلٍ أنه لو قال قائلٌ: اللهم تحنَّنْ على محمدٍ، وعلى
следующие страницы →